- النكاية الشخصية:
والوقيعة في ذوات الأشخاص بالتهكم والسخرية في هيئته، أو لبسه، أو كلامه لا تخدم المبادئ ولا تعالج القضايا.
بل هو من النكاية الشخصية المحرمة في عموم النص (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ) (الحجرات: ١١).
واللمز والتنابز بالألقاب من الفسوق (وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ) (الحجرات: ١١).
حكم الرسم والكاريكاتير والتصوير الإعلامي:
والكاريكاتير الهادف جائز لعدم المانع الصحيح الصريح الخالي عن المعارض بشرط قصد الفكرة والمبادئ، لا التهكم المبتذل بشخص في ذاته أو خواصه.
ولا يدخل في الرسم المختلف فيه؛ لأن الشريعة أجازت لُعب الأطفال المصورة؛ لأنها قاصدة للترفيه والتعليم، «وكان لعائشة لعبة خيل ذي أجنحة تلعب به» (١).
«وكان الصحابة يصنعون لأولادهم اللعبة من العهن» (٢).
والكاريكاتير الهادف لدفع مفاسد عامة وجلب مصالح كهذا في الحكم، وقد يكون بعضه أكبر مصلحة منه؛ فجاز.
стр. 527
وكذلك التصوير والتوثيق الإعلامي لا تشمله أحاديث النهي عن التصوير؛ لأن العلة كانت لحداثة الناس بعبادة التصاوير والأصنام وكان المقصود منها ذلك في الغالب؛ فمنعت لأجل ذلك.
ولهذا طمس رسول الله ﷺ كل التصاوير بظل وبغير ظل في داخل الكعبة وخارجها (١)؛ لأنها تعبد من دون الله، ولم يكن منها سوى هذه المفسدة الكبيرة.
وهذا كله بخلاف التصوير والتوثيق الإعلامي اليوم؛ فمصالحه غالبة عند توجيهها.
مع أنه بعيد عن تلك العلة التي لأجلها حرم التصوير، فجاز كفرض كفاية لعظيم مصالحه، لذلك أجازه أكابر علماء العصر إلا ما ندر خلافه.
والعلة الأخرى التي لأجلها منع الرسم والنحت هي: مضاهاة خلق الله (٢).
والمقصود من فعل ذلك بقصد ذلك؛ لأنه يجوز بإجماع رسم الشجر والماء والجبل حتى في زمنه ﷺ وما بعده (٣).
وهذه كلها من خلق الله.
فدل على أن المقصود بالمضاهاة هو دفع الشرك بالله بتصوير ذوات الأرواح؛ لغلبة أدائها إلى عبادتها أو التذكير بذلك.
стр. 528
هذا هو مقصد العلة أو نصها، وهو مضاهاة خلق الله.
وهي في ظاهرها تدل أن من لم يقصد ذلك جاز له التصوير؛ بدليل جواز تصوير الشجر وما لا روح فيه مع أنه خلق الله.
والمقصود بحديث لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب أو صورة (١) هو:
المنع من تعليق تلك التصاوير المرسومة والمنحوتة، ولم يكن يصنع ذلك إلا للتعظيم والعبادة، فمنعت أصلا.
ولو لم يقصد بها ذلك عند من علقها بدليل منعها في بيت النبي ﷺ مع استحالة أن يقصد بها ذلك في بيته.
هذه هي العلة الأصلية في نصوص كثيرة.
أما في نفس النص «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلبٌ أو صورة»؛ فالعلة هي: مجرد الوجود للصور للإطلاق والعموم.
وإنما قيدنا المنع (بالمعلقة) للنص الآخر في قوله ﷺ «إلا رقما في ثوب» (٢)، يعني إلا صورة في بساط يداس فلا تضر.
ومعلوم أن التوثيق والتصوير الإعلامي ليس كذلك، لا في صحف، ولا تلفزة، ولا غيرهما.
والتلفزة أظهر في الجواز؛ لأنها كالصورة المتحركة في المرآة، وهي غير محرمة قطعا؛ فدل على الفرق، ولو أن شخصا نقل صورة آخر بمرايا في أوضاع معينة تأخذ كل واحدة عن الأخرى حتى انتقلت إلى خارج مكان الشخص الواقف أمام المرآة التي تناقلت صُوَرَه، فهل يقول عالم بمنع هذا .. ! ؟
стр. 529
وما التلفزة والبث المباشر إلا أشبهُ لهذا وأحدثُ وأدقَّ، والحاصل أن العلة التي لأجلها ورد النهي في النصوص غير موجودة في التلفزة، والشرط للقياس مساواة الفرع للأصل، لا مجرد الاسم وإلا لحرمت المرآة؛ لأنها صورة؛ لكنها جازت للفارق وانتفاء العلة كانتفائها في لعب الأطفال وما يقاس عليها.
فلما انتفت العلة في لُعب الأطفال والصور غير المرفوعة كالتي على الوسائد والفرش؛ أجازها الشرع بالإقرار وعدم النهي في زمن التشريع على مرأى ومسمع من رسول الله وبأمره، وهذا تشريع بالقول والفعل والتقرير وهو أقوى أنواع التشريع.
فدل على ما أكدناه من أن: التحريم مرتبط بالعبادة والتعظيم لا غير، ومرتبط بوجود بيئة يمكن غالبا أن تصنع ذلك لذلك.
والإعلام اليوم غير هذا كله.
لهذا أفتى كبار فقهاء العصر والمجامع الفقهية بجوازه، نقلا وتوثيقا للخبر والعلم الشرعي والمشروع وكل ما ينفع، ويجب إن خدم الواجبات كبلاغ الدعوة، ورفع الظلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
التخصص الإعلامي:
وعلى الإعلام التخصص في كل مجالات الحياة بإيجاد قنوات تخدم السياسة والاقتصاد والقضايا الكبرى، وأخرى بالخبر والتوثيق، وأخرى بتعليم الأسرة والمجتمع، وقنوات إعلامية للرد والمناظرات وتحرير الفكر، وأخرى للترفيه غير الماجن ولا الفاسد.
وكل ما ينفع ويخدم، فهو مشروع ومطلوب.
وكل ما يضر ويهدم فهو مدفوع شرعا.
الإعلام ودوره في الإصلاح:
والإعلام له دور أساسي في إصلاح الأوضاع واستتبابها، وإشاعة الفضيلة، وطاعة الله ورسوله.
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
стр. 530
وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) (الأحزاب: ٧٠ - ٧١).
فالآية تدل على أن الأقوال السديدة تؤثر في الصلاح العام، والسديدة هي التي تسد باب كل شر، وتُسدِّد كل خير.
فهذا هو القول السديد سواء على المستوى السياسي، أو الاقتصادي، أو الشرعي، أو المجتمعي، أو غيره.
والإعلام إن التزم قاعدة التسديد عمل ما لا يعمله غيره ونتج عنه إصلاح مجتمعي، وسياسي، واقتصادي كثير في الأقوال والأفعال والأفكار والاعتقادات.
والإعلامي والإعلام كله بمختلف وسائله: مرئية ومسموعة ومقروءة وشبكات، وفضائيات، إن خدم قضايا الأمة ودينها، ونصر المظلوم، وحارب الفساد، فهو من أعظم الجهاد في سبيل الله؛ لحديث «جاهدوا في سبيل الله بألسنتكم» (١).
وحديث «أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» (٢).
وحديث «ستكون أمور أو فتن، وَقْعُ اللسان فيها أشد من وقع السيف» (٣).
стр. 531
وللإعلامي المرابط على ذلك أعظم الأجور عند ربه؛ لأن قوله وفعله وجهده يبلغ ما لا يبلغه فردٌ أمَرَ أو نَهَى بمحدوديةِ مكان أو زمان.
فالإعلام تجاوز أثره الزمان، والمكان حاضرا، ومستقبلا، لسائر الشرائح والأجيال.
وهو من العمل الصالح الذي يجري على صاحبه بعد الموت، إن كان معلما للإصلاح والخيرات.
ولسان الإعلام: يخاطب الرجل، والمرأة، والصغير، والكبير، والحاكم، والمحكوم، والصالح، والطالح، والواحد، والمجتمع، والفقير، والغني، ويؤثر ويوجه.
فالعمل فيه بما يحقق مقاصد الشريعة الكبرى من أعظم الجهاد في سبيل الله وأعظم الأعمال الصالحة؛ لأن عظم أجر العمل بما يحققه ذلك العمل.
فإن حقق خدمة مقاصد الدين الكبرى وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال، والجماعة .. فهذا كله من أعظم الأجور؛ لأن ما خدم حفظ المقاصد من الوسائل فهو من عظيم العمل الصالح المطلوب شرعا.
стр. 532
أحكام إعلامية متعددة
- احتراف المرأة للإعلام:
يجوز لامرأة احتراف الإعلام بشروط: الانضباط بما أمر الله من حشمة، وعدم خلوة، ولا تسافر إلا بمحرم، ولا تخضع بالقول، ولا تبدي زينتها، وهي تشمل كل ما يجب ستره (١).
وشرطه ألا تضيع بيتها وولدها ولا تفرط في حق زوجها، فإن فرطت امتنع الجواز؛ لأن هذه الأمور فرض عين.
- وكون رجل مع امرأة لنشرة الأخبار أو غيرها من البرامج؛ بلا مصاحَبةٍ لحركات غير لائقة مع احتشام؛ يمكن جوازه؛ لأنه مما عمت به الوقائع، وما عم وقوعه وتعذر، عالجت الشريعة وقائعه بضوابط تحفظ من الوقوع في الضرر والفساد والمآثم (٢).
- الإعلانات التجارية:
والإعلانات التجارية مباحة في الأصل، ولا يجوز اشتمالها على محرم، كالترويج لأماكن المجون والدعارة والخمور، والمعاملات الربوية، أو الإعلان المستغل لمفاتن المرأة ترويجا لسلعة؛ فهذه من المحرمات.
العناوين الصحفية والسرقة الإعلامية:
والعناوين البارزة في الصحف التي تُسَرِّع في شرائها وترويجها: إن ظهر ما في الصحيفة على خلافه، فهذا من الكسب الحرام؛ لأنه كذب وغش وغرر، وهذه من موانع صحة عقد البيع، فيحق إرجاع الصحيفة وأخذ العوض.
стр. 533
ويحق لمصدر إعلامي مقاضاة آخر بسبب حقوق النشر كحدوث سرقة إعلامية ونحو ذلك (١).
الحرية الصحفية:
والحرية الصحفية مشروعة.
وهي جزء من الحرية العامة التي دعت إليها الشريعة «وأن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم» (٢) (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (الأحزاب: ٣٩). (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ) (المائدة: ٥٤).
ويحرم استغلالها فيما يضر بعرض أو دين أو مال أو نفس أو العقول وحفظ الجماعة؛ لأن الضرر مدفوع.
ويحرم كبتها ومنعها عن قول الحق ونشر الخير، وهو من الاعتداء والبغي؛ لأن الحرية حق محفوظ شرعا وهبه الله، وحَدَّ حدوده هو.
فلا يحق لأحد ابتزازه، أو تحديده على خلاف ما أذن لنا من وهب، وهو الله سبحانه (وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ) (النحل: ١١٦).
نقابة الصحافة:
وإقامة نقابات واتحادات صحفية وإعلامية أمر مباح؛ لأن يد الله مع الجماعة ما اجتمعت على التعاون على البر والتقوى والإحسان والعدل ومحاربة الظلم وحماية قول الحق.
الإعلام الفاسد:
وقنوات السحر والشعوذة محرمة؛ لأن عملها فساد في الأرض (وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة: ٢٠٥)، وهو فساد نفسي وأسري ومجتمعي، وهو كذلك فساد عقائدي، بل هو من أعظم الفساد العقائدي في الأرض.
стр. 534
لذلك ورد النص القطعي حاكما بكفر معلمه ومتعلمه ومشتريه (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (البقرة: ١٠٢).
وتحرم قنوات المراقص النسائية الماجنة والقنوات الإباحية.
وكل قناة أو موقع إلكتروني تنشر فيه الرذيلة والفواحش والبدع المخالفة للسنن في أصول الدين كقنواتٍ ناشرةٍ للذم والشتم واللعن للصحابة، وآل بيته من أزواجه وغيرهم.
وكذا القنوات والمواقع الناشرة للطعن في السنة النبوية والتشكيك فيها وخاصة البخاري ومسلم إذ لا يطعن فيهما إلا أهل البدع والشذوذ عن الجماعة أو جاهل ضال؛ لأن من نقلوا الحديث والسنة هم من نقل القرآن، والطعن فيهم طعن فيه.
والواجب حيال هذا كله إقامة المواقع الإلكترونية، والقنوات الفضائية، والصحافة التي تتبنى نشر الشريعة السمحاء، وما هي عليه من الوسطية بلا غلو ولا تفريط، وترد على الشبهات والبدع، وتحذر مما يبثه الإعلام الفاسد، والإعلام المفسد للأخلاق والعادات والعقائد والأديان فإن دفع هذه المفاسد بإعلام مصلح في الأرض من الواجبات الشرعية.
والواجب الأول في هذا على العلماء والخبراء في العلوم والإعلاميين.
فالإعلامي: يوثق، ويحقق، وينشر.
والعالم يقيم الحق ويكشف الأباطيل، والخبير المختص في علم ينشر المصالح العامة من خلال علمه، فإن قصروا أثموا.
إجابة الاستضافة الإعلامية:
ومن دُعِي إلى الإعلام لنشر المصالح ودفع المفاسد في الأرض فامتنع فهو آثم إلا لمانع شرعي معتبر لا تكاسلا أو رغبة عنها، كعزوف بعض من يقصر في فقه الشريعة، وفهم تنزيلها
стр. 535
على الوقائع، وما يتنزل فيها من الفروض اتباعا لقائل بحرمتها قياسا على التصوير (١)، بلا تمحيص للعلل والمقاصد والأقوال.
فيجيب لمحاضرة محصورة، ويعزف عن وسائل الإعلام، وهي تحقق المصالح العظيمة الكثيرة.
فيأثم عالم ممتنع دعي، أو عالم لم يعرض ما عنده وإن لم يُدع؛ لأن دفع المفاسد وجلب المصالح واجب دُعي أحدٌ لفعل ذلك أو لم يُدْع، فالوجوب لا لأجل وصول دعوة من الإعلام لدفع المفاسد، بل لأن التكليف عام، ويتعين بآكدية عند دعوة للاستضافة الإعلامية بما لا يقوم بها إلا هو.
ولأن الدعوة أصلها قائم على عموم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهو شامل لكل وسائله المؤدية لذلك.
وأي وسيلة أدت إلى خدمة هذا المقصد العظيم بأكثرية، كانت مطلوبة بآكدية وأولوية، ومنه نشر وتوثيق الشريعة الآمرة بالمصالح والدافعة لكل المفاسد على أجهزة الإعلام، فمن امتنع أثم في الأصل إلا إن كان يقوم به غيره فعلا، أو لعذر يرفع عنه الطلب الشرعي في المسألة.
برامج المساج والكوافير والأزياء والرقص في الفضائيات:
وكل ما تكشف فيه العورات، والمفاتن من برامج المساج، والكوافير، والأزياء، وتعليم الرقص يحرم مشاهدتها على رجل وامرأة، أما الرجل فواضح، وأما المرأة؛ فلأن هذه البرامج يباشر الرجل فيها المرأة والعكس.
ومشاهدة المعصية محرم من قادر على الإنكار ولم يفعل؛ لأنه كالمقر، ولأن الواجب الإنكار باليد، وهو هنا حذفها وإقفالها وآخر مراتب الإيمان هو الإنكار، وكراهية القلب «فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع .. » (٢)، والمشاهد غير كاره غالبا.
والله يقول (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) (النور: ٣١).
стр. 536
ويقول (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ) (الأحزاب: ٥٩).
ويقول (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) (النور: ٣٠).
ويقول (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا) (النور: ٣١).
ويقول (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) (النور: ٣١).
ويقول (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ) (النور: ٣١).
وجميع هذه البرامج تناقض هذه النصوص وتخالفها؛ فحرمت.
المسابقات الإعلامية:
والمسابقات الإعلامية: إن كانت بدفع مال يدا بيد، أو باتصال، أو خسارة ما كسبه في سؤال إن أخطأ في سؤال؛ فهي من القمار المحرم، وأكل أموال الناس بالباطل، ومن الحيلة والتلبيس والتغرير على المشاهد، والغرر حرام بالنص «نهي عن الغرر» (١). و «من غش فليس منا» (٢)، (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) (البقرة: ١٨٨)، (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء) (المائدة: ٩١)، والميسر هو: القمار بدفع عوضٍ مقابلَ مجهول يغلب عليه عدمُ حصوله، ويندر جدا المعاوضة بربح.
برامج الفتوى وقول الحق:
وبرامج الفتوى مشروعة فرضا على عالم مؤهل، فإن امتنع (٣) فهو كاتم علم، «ومن كتم علما ألجمه الله بلجام من نار» (٤).
стр. 537
ويجب قول الحق بحكمةٍ بلا خوف، أو تَحفُّظٍ من سلطان، أو خشية على جاه، أو مال، أو عقار، أو دار، أو ولد، أو وظيفة، يقول تعالى (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (الأحزاب: ٣٩).
(قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة: ٢٤).
ويحرم من غير مؤهل الإفتاء.
خاصة في وسائل الإعلام لعموم انتشاره، فيعم ما حذر منه في النص «اتخذ الناس رؤوسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» (١).
كما يحرم الكلام في أحكام شرعية إلا من متخصص عالم أقله في المسألة التي يتكلم عنها، كغيرها من العلوم التي يتعلق بها مصالح كبيرة كالطب والهندسة والتعليم، فلا يتكلم فيها إلا مؤهل متخصص.
(وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء: ٣٦)، وهذا عام في كل علم.
والشريعة أولى من هذا كله؛ لأن عليها مدار النجاة.
(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) (الأعراف: ٣٣).
فجعل القول على الله بغير علم محرما معطوفا بحرف الواو على أكبر المحرمات وهو الشرك.
стр. 538
فقه الفن
* الجمال والفن والزينة واللهو والترفيه، كلها من المفردات التي تشملها الإباحة العامة، وكل مسألة لم ينص على تحريمها فهي مشمولة بالعفو بدليل (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) في كل مسألة ليس فيها تحريم، ولا يحرم شيء إلا بالدليل الصحيح الصريح، وإلا فالأصل الإباحة
стр. 539
فقه الفن
قال المؤلف وفقه الله:
الفن: هو الآن مجموعة الأعمال المرسومة والمنشدة والمغناة والممثلة، وما تعلق بها.
- الرسم والتصوير وحكم المنحوتات الأثرية:
أما حكم الرسم والتصوير، فقد قدمنا ما فيه كفاية قبل قليل في فقه الإعلام.
أما حكم الآثار، والاحتفاظ بها: فالجواز متعلق بها؛ إن كانت بقصد النظر في حالهم ومآلهم وعاقبتهم؛ لأن تركها مقصودٌ منصوص للادكار والعبرة (وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) (القمر: ١٥).
ويقول تعالى (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقيمٍ) (الحجر: ٧٦)، أي بطريق لا يزال قائما، يطرقه الناس، فهي باقية وسبيلها باق إلى مبعث رسول الله ﷺ .
وكذا يقول (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ) (الصافات: ١٣٧)، (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ) (الروم: ٤٢).
وقد مر النبي والصحابة على قرى ثمود وبئر الناقة، ولم يأمر بتخريبها، ولا تكسيرها (١)، مع ما فيها من آثار ومنحوتات لا زالت إلى اليوم.
فدل على قصد الشرع تركها عظة وعبرة، لا تكسيرها ولو كانت معبودة، كتركه جسد فرعون مع دعواه الألوهية (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) (يونس: ٩٢).
وكان يقول ما ذكره الله عنه (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي) (القصص: ٣٨).
وقال سبحانه عن الأمم التي أهلكها وهي كافرة (وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) (القمر: ١٥).
ولا آية إلا بآثار وأطلال؛ لأن الآية المعْلَمُ الواضح، ولا شك من وجود منحوتات وتصاوير باقية في تلك المدن.
стр. 540
فما كان من بقايا آثار الذين ظلموا ممن نزل بهم العذاب فلا مانع من النظر والسفر إليها؛ لأنه من السير في الأرض المطلوب شرعاً (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ) (الروم: ٤٢).
فالسفر جائز؛ لرؤية هذه الأماكن، ولم نؤمر بخرابها ولا تكسيرها؛ لأن الله أبقاها للنظر والعبرة، وهكذا بقيت هذه المعالم كقرى عادٍ وثمودٍ ولوطٍ وفرعونٍ زمن الوحي والصحابة.
وأما الأوامر بتكسير الأصنام، فإنها خاصة بما كان يعبد حال مبعث النبي ﷺ بدليل عدم تعرضه لتلك القرى الظالم أهلها، لا في منحوتاتهم ولا آثارهم ولا معالمهم.
فتبين أن الأمر بكسر الأصنام خاص بما بعث رسول الله ﷺ وهي معبودة؛ فأمر بتكسيرها؛ لأنه ﷺ لو أبقاها لظن عوام من الناس تعظيمها؛ لتركها منه ﷺ .
فظهر من هذا الفرقُ بين آثار الذين ظلموا من القرى التي أهلكت بعذاب لتكذيبهم الرسالات، وأمَرَ الله بالسير في الأرض للنظر إليها، وبين القرى التي لم تهلك بعذاب عام.
وبعث رسول الله ﷺ إلى أمة وهي تعبد أصناما وأحجارا وتصاوير وأشجارا من دون الله، فتوجهت الأوامر إلى هذه بتكسير أصنامها، وكل معلم شرك فيها.
بخلاف ما سبق من الأمم الهوالك، فإنها أهلكت على الكفر وأبقى الله آثارها ظاهرة، حكمة منه وعبرةً وآيةً؛ للنظر إليها، والسفر اعتبارا واتعاضا بأمره سبحانه؛ فبقيت، ولم يتعرض لها رسول الله ﷺ .
فيجوز استغلالها اقتصاديا؛ للنظر والفرجة والسياحة والدراسة والبحث، وكلٌّ له بصيرة، فمنهم من يعتبر ومنهم من لا يعتبر.
- حكم الشعر والنثر ومنظومات العلوم:
أما الشعر والأدب وأخواته فإن نصر الدين والرسالة وقضايا الأمة ونفع فهو مشروع ومستثنى من الذم.
(وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) (الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٧).
стр. 541
فاستثنى الله شعراء أهل الإيمان (١) الذين ينتصرون بالشعر للدين والحق؛ فهؤلاء لا ذم فيهم، بل كان ﷺ ينصب منبرا لحسان ويقول أهجهم وروح القدس معك.
وكان ﷺ يقول: «إنها أشد عليهم من وقع النبل» (٢).
стр. 542
وسمع ﷺ قصيدة بانت سعاد، وكان يتأثر بالشعر (١).
وقد أمر بقتل الذين كانوا يكثرون من الأذى والمظاهرة على الرسول والقذاعة في سب الدين ورسوله والوقوع في الأعراض في أشعارهم (٢).
وكان ﷺ لا يقول شعرا (٣) (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ) (الحاقة: ٤١).
стр. 543
ونهى عن الإكثار منه: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا» (١).
ويباح حفظ ما شاء من الشعر الجائز بلا إكثار؛ للنهي عن ذلك.
ويجوز أن يحفظ منه ما يستعان به على حفظ غريب القرآن وتفسيره كما قال عمر «عليكم بديوان شعركم فإن فيه تفسير كتاب ربكم» (٢)،
لما فسر قوله تعالى (عَلَى تَخَوُّفٍ).
والحداء نوع منه، وقد قال ﷺ للحادي «رفقا بالقوارير» (٣)؛ لأنه يؤثر في إسراع حركة الإبل، والنساء راكبات على ظهورهن فيصيبهن من ذلك تعبٌ؛ لضعفهن.
ونَظْمُ العلم محمود ومندوب؛ لأنه وسيلة إلى تيسيره، والوسائل لها أحكام مقاصدها.
- الإنشاد:
والإنشاد للشعر بلحن لا مانع منه بلا خلاف بدليل حداء الحادي مع رسول الله وقوله ﷺ له «رفقا بالقوارير»، والحداء إنشاد الشعر بلحن.
стр. 544
وإنما المختلف فيه الإنشاد بالدف، والصحيح جوازه؛ لأنه ضرب بين يدي النبي ﷺ كما في البخاري.
وقد دخل أبو بكر وجاريتان تدففان بغناء بعاث فزجرهن فقال ﷺ : «دعهن فلكل قوم عيد وهذا عيدنا أهل الإسلام» (١).
وفي روايةٍ «حتى تعلم اليهود أن في ديننا فسحة».
وفي هذا النص مسائل، منها: جواز غناء الجاريتين البالغتين.
وسماعه جائز إن لم يكن فيه معنى التميع والتكسر والفتنة وإلا حرم لهذا المعنى لعموم (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) (الأحزاب: ٣٢)، وهذا خضوع أو في معناه، وخروج عن القول المعروف المأذون فيه.
وفيه: جواز الدف، وأنه مباح.
وفيه: جواز فعل الشيء حتى يعلم سماحة الإسلام وسعته.
وفيه: إنكار المنكر بحسب ما يعتقد الشخص، ولو كان في مجلس شخص كبيرٍ من رسول أو نبي أو عالم؛ كما فعل أبو بكر؛ فأنكر في بيت النبي ﷺ وحضرته.
стр. 545
وفيه: الاجتماع مع الأهل في يوم العيد، وتركهم يتوسعون في المباح.
وكان ﷺ في بيت عائشة.
وفيه: قلب الوجه عن النظر إلى الجاريتين المغنيتين كما فعل ﷺ في الحديث.
فأجاز السماع وأعرض بالنظر.
وفي الحديث الآخر: أن جارية نذرت أن تضرب بالدف على رأسه ﷺ فلم يمنعها ﷺ من ذلك (١).
فدل على إباحته في العيد وغيره.
ولو كان حراما في غير يوم العيد لبين ﷺ الأصل والاستثناء في ذلك.
ولم يفعل؛ فبقينا على أصل الإباحة في أي وقت، خاصة لسبب: كعيد، أو فرح، أو زواج، أو علة أخرى كصاحبة النذر.
- الغناء:
وأما الغناء الماجن والداعي إلى التعلق بمتابعة محاسن النساء ومواعدتهن والأخبار عن اللقاء وما حصل فيه:
فهذا كله من الغواية التي نص الله على وجودها في أهل الشعر باستثناء أهل الإيمان.
فهذا النوع محرم، والشاعر بالمجون والغواية والمغني والملحن له والمستمع مشمولون بقوله تعالى (وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) (الشعراء: ٢٢٤)، وأما ما استثنى الله فلا يشمله الحكم، وإنما قلنا بمشموليتهم للنص على غواية من يتبعهم وهؤلاء كذلك.
وإن صحت قصيدة «بانت سعاد» بين يدي النبي ﷺ ، حُمِلَتْ على ذكر المحاسن مطلقا بلا تعيين، أو قصدٍ يخرج إلى المحضور.
стр. 546
أما إن كان عن الزوجات، والوفاء، ومكارم الأخلاق؛ فلا مانع منه.
فإن صاحبه الموسيقى والمعازف، فهاهنا حمي وطيس هذه المسألة قديما وحديثا.
والذي يترجح عندي أنه لا يوجد نص صحيح صريح مجمع عليه خالٍ عن المعارضة دل على المسألة؛ لأن حديث «يستحلون الحر والحرير والمعازف» (١)،
مع صحة سنده مختلفةٌ ألفاظه؛ مما يؤثر على الاستنباط فمنها: «يستحلون الحر والحرير يشربون الخمر تعزف على رؤوسهم القيان» (٢).
فدل على صورة أخرى في هذه الرواية، وهي: شرب الخمر مع وجود معازف بالقينات وهن النساء المغنيات.
стр. 547
ومعلوم أن هذه الصورة حرام لما فيها من المجون، وما يحدثه شرب الخمر والاختلاط بالنساء والمغنيات العازفات من فواحش، وينطبق اليوم كثيرا على الفيديو كليب المصاحب بالعري والرقص الفاتن الماجن، فهو محرم على جميع أقوال العلماء ومذاهبهم.
وأما قوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) (لقمان: ٦).
فلا دلالة فيه على المسألة؛ لأن المقصود: كل لهو حديث يصد عن سبيل الله، وما كان كذلك حرم سواء الغناء، أو الشعر، أو الاحتفال، أو غيره.
حتى مما أصله مباح؛ لأدائه إلى الصد عن سبيل الله، وتفسيرُ ابن مسعود ﵁ اجتهادٌ محتمل.
ومع هذا كله؛ فالاحتياط هو قول الأكثر من السلف والخلف في منع المعازف لقوله تعالى (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) (الفاتحة: ٦ - ٧).
فجعل الهداية بالاقتداء بسبل المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهؤلاء أبعد خلق الله عن المعازف، وسبيلهم هداية.
والغناء اليوم أنواع:
الأول: ما كان من الأناشيد الوطنية والحماسية المصاحبة بالموسيقى؛ فأجازها جماعة من العلماء؛ لعدم أدائها إلى الفتنة والغواية، ولا بد أن يستثنى منها منع ما كانت تدعو إلى دعوى جاهلية كالعصبة لفئة، وعداوة غيرها من المسلمين.
الثاني: الأناشيد الإسلامية بدف وبدونه فالأصل فيها الجواز، ومن ادعى التحريم فعليه الدليل الصحيح الصريح الخالي عن المعارضة، وأنى له ذلك؟ فشملها الحل؛ لعموم قوله تعالى (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١)، في كل مسألة لم ينص على تحريمها ..
الثالث: الغناء الماجن كالفيديو كليب الذي ترقص فيه القينات والنساء فهذا لا شك في تحريمه، سواء كان بموسيقى أو لا؛ لأن الله حرم مجرد ضرب الرِّجْلِ المؤدية إلى إسماع الزينة الخفية من المرأة (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ) (النور: ٣١)، فهذا أشد، ولأنه يحرم إظهار
стр. 548
الزينة إلا على من نُصَّ عليهم، والفيديو كليب كشف للعامة ما حرم الله كشفه عليهم.
الرابع: التواشيح الدينية، والتراثية؛ فهي جائزة ما لم يصاحبها المعازف؛ فيجري فيها الخلاف.
والحاصل: أن التقوى خير من الفتوى، فما كان حراما بَيِّنا كالفيديو كليب الماجن فيحرم مشاهدته أو سماعه.
وما كان حلالا بينا كالأناشيد بدف أو بغيره؛ فيجوز مشاهدته وسماعه.
وما كان بين ذلك؛ فهو المتشابه.
ومن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كما في نص الحديث (١).
حكم التمثيل
التمثيل في الأفلام والمسارح والمسلسلات؛ الأصل فيه الإباحة؛ لأنها من المسائل المسكوت عنها، وما سكت عنه فقد نص الله على أنها من العفو في قوله (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١)، ما لم يشتمل على محضور. فمن المحضور:
١ - تمثيل النبي ﷺ وسائر الأنبياء والرسل.
والدليل قوله تعالى (لا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا) (النور: ٦٣)؛ فإذا حرم الله دعاءه كأي شخص منا؛ فبالأولى تمثيله من أي شخص أنه هو، فإنه أبلغ في المنع.
والرسل والأنبياء في الحرمة واحدة؛ لأن منزلة الرسالة والنبوة واحدة ودليله قوله ﷺ : «إذا صليتم علي فصلوا على الأنبياء فإنهم أرسلوا كما أرسلت» (٢).
стр. 549
وقوله تعالى (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) (النساء: ١٦٣).
٢ - ومن المحضور تمثيل نساء النبي ﷺ لقوله تعالى (يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء) (الأحزاب: ٣٢).
ولنفس الدليل السابق في حق الرسول، فهو ليس كأحد من الناس في التعامل، فله منزلته الخاصة، ونساؤه كذلك بالنص.
فهو وعائلته ﷺ لا يجوز تمثيلهم.
والدليل الثاني أن الرسول ﷺ قوله وفعله وإقراره تشريع.
فأيُّ مَظهر أو مشيةٍ أو لِبْسةٍ سيظهر بها الممثل ستكون دعوى في أن هذا شرع يقتدى به، وهذا كذب.
ومثله سائر الأنبياء لأن سيرتهم تشريع؛ لأن الله يقول (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام: ٩٠).
وكذلك تمثيل الخلفاء الأربعة لقوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» (١).
فلبسهم وأحكامهم وقضاياهم وسمتهم سنة بأمر النبي ﷺ ، فتمثيل هؤلاء ممنوع لاشتماله على كثير مما يحتاج إلى دليل على صحته، ولا دليل إلا على بعض ذلك، والممثل
стр. 550
يمثلهم بتفصيل، فكان أكثر ذلك دعوى في أن هذه سنتهم وهديهم وسمتهم ونحن مأمورون بالاقتداء بسنتهم، فالممثل يحتاج إلى دليل على أن هذه الحادثة كان ﷺ لابسا كذا وكذا، أو جالسا أو قائما، وغير ذلك، وكذا القول في الأربعة.
وهو أمر يحتاج لحجة وسياق صحيح منقول تفصيلي، ولا طريق إليه إلا الظن والتخمين ولا يصلح طريقا للنقل.
فتبين من هذا أن تمثيل النبي ﷺ والصحابة الخلفاء يعتبر ادعاء نقل لكافة ما يظهر من قول وفعل وتقرير ولبس وهيئة وسمت أنه كذلك.
وهذا نقل يتعلق به تشريع؛ فمنع.
أما تمثيل بقية الصحابة، ومن بعدهم من الشخصيات؛ فيبقى على أصل الجواز.
ويشترط في تمثيلهم التوثيق التاريخي الشديد، ونشر محاسنهم وفضائلهم، ونشر ما استفاض صحةً، وترك ما اختلفوا فيه كأيام الفتنة؛ لقلة الروايات الثابتة؛ بل أكثرها زيف وكذب.
وأما التمثيل مطلقا فهو جائز بشروط كعدم ارتكاب المعاصي والمحرمات من فواحش ومجون وعري، فتمثيل الزنى ومواطن العري والمجون من المحرمات. لقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النور: ١٩).
والفعل المنكر لا يبرره المقصد الحسن؛ بدليل حديث خرق السفينة (١).
ومن المحرم تمثيل نوم الزوج مع الزوجة؛ لأن نوم الأجنبية مع الأجنبي في سرير واحد محرم، وهو من موجبات التعزير والعقوبة؛ لأنها دياثة وقلة مروءة وفسق ومقدمة للزنا.
стр. 551
ولو كانا زوجين حقيقة لحرم تصوير ونشر ما بينهما؛ لحديث «أتتحدثون عما يصنع أحدكم مع زوجته فإنما مثل من يفعل ذلك كمثل شيطان لقي شيطانة فغشيها والناس ينظرون» (١)، وجعل الفعل من فعل الشياطين دليل على تحريمه.
والقاعدة التي يمكن أن نقعدها هي: تمثيل الحرام حرام.
لأن التمثيل فعل، وفعل الحرام حرام.
وفي تمثيل شرب الخمر وجهٌ إن كان ليس بخمر.
وأما الفواحش، والزنى، والرقص، والعري، والمجون، وأمور السرير، والعورات وما أمر الله بستره؛ ففعله تمثيلاً كفعله حقيقة، فينطبق عليه أنه فَعَلَ حراما.
أما الأقوال الممثلة:
فيجب تجنب النطق بكلمة الكفر، كسب الله ورسوله ودينه، ومن فعل ارتد، ولو تمثيلا (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ* لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) (التوبة: ٦٥ - ٦٦). فسمى الاستهزاء عن طريق اللعب بهذه الأمور الكبيرة من الكفر.
والتمثيل ليس حقيقة بل لعب، فله نفس الحكم.
ولذلك قال الله مكفرا اليهود والنصارى في قولهم الكفر (يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ) (التوبة: ٣٠)، أي يماثلون.
ومن مَثَّل أنه يدوس المصحف فداسه حقيقة فهو مرتد، ومن نطق بسب الله أو دينه أو آياته أو رسله فهو كذلك. ولا يقبل التمثيل في هذا.
وأما غير ذلك من المباحات والبطولات والواجبات والأمور الاجتماعية فلا مانع من تمثيلها.
стр. 552
ويمكن للإعلام أن يوصلوا رسالة الحق بلا ارتكاب محضور بكل سهولة ويسر، لكن يقع من يقع في المحضورات؛ نتيجة لعدم الاستقلالية الإعلامية لحضارتنا الإسلامية، وفكرها، ومجتمعها.
بل تبعوا غيرهم، فنقلوا لنا حضارتهم وفكرهم وعادات وأخلاق مجتمعهم؛ ولهذا فإيجاد منتجين لتغطية هذه الفجوة يحملون الرسالة ومشروعها، ويحملون حضارة هذه الأمة العظيمة إلى غيرهم، واجب كفائي.
وهو من الدعوة ونصرتها، لأن الإعلام لسان العصر ومن أسلحته الفاعلة.
فوجب؛ لأن الشريعة داعية إلى بناء المصالح ودفع المفاسد.
وترك هذا الباب يأتي بمفاسد كبيرة على الأجيال والأمة بأسرها، سياسيا واقتصاديا وأمنيا وفكريا فوجب دفع هذه المفاسد.
فإن كانت لا تدفع المفاسد الإعلامية إلا بإعلام قوي في سائر أصنافه: التمثيلي، والتوثيقي، والإخباري وغيره؛ فإنه يجب بفرضِ الكفاية.
стр. 553
المقدمة في فقه العصر (٢)
د. فضل بن عبدالله مراد
стр. 554
فقه التكنولوجيا
* وضع الله في الإنسان من الإمكانات والطاقات الهائلة ما يناسب أن يكون خليفة الله في الأرض، ولذلك فالكون السماوي والأرضي مسخر له (سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) (لقمان: ٢٠)، وما التكنولوجيا المعاصرة إلا قطرة من بحر هذا التسخير الإلهي لخليفة الله في الأرض «الإنسان»
* الشات والنت والفضائيات والهاتف ووسائل التكنولوجيا نعمة ربانية كبرى لعمارة الأرض وإصلاحها فلا تكفرها باتخاذها وسيلة للشر والمعصية والإفساد
стр. 555
فقه التكنولوجيا
الاتصالات:
الاتصالات الحديثة من نعم الله العظيمة على العباد، واستغلالها فيما يخدم التعاون على البر والتقوى ونشر السلام وقضاء الحاجات وتيسير سير الحياة ولا يجوز استعمالها في المعاصي.
نغمة الهاتف واستعمال القرآن والسنة في ذلك:
وجعل القرآن أو السنة نغمة للمكالمات يوقع كثيرا فيما لا يعد تعظيما لهما، ولأن الله يقول (لا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا) (النور: ٦٣)، فإذا حرم أن ننادي رسول الله ﷺ كما ننادي بعضنا، فمن باب أولى النهي عن جعل القرآن والسنة رنة للهاتف؛ لأنا جعلناه حينئذ كأي قول من أقوالنا، وهذا خارج عن التعظيم.
ولأن الغالب قطعه للإجابة في غير محله، وهذا خارج عن التعظيم.
ولأنه يُجْعلُ رنةً لما قد يصل من مكالماتِ معصية، فيكون القرآن تنبيها على المعصية من: غيبة، أو كذب، أو سب، أو شتم، أو وقوع في سيءٍ من الخُلُق، أو معاملة مالية محرمة، أو تآمر وحيلة وكيد، وجعل القرآن منبها على مثل هذه الأمور أقرب للعب وعدم التعظيم.
ولأن الإنصات للقرآن هو المشروع عند سماعه وليس كذلك هنا، فلا يستمع له وينصت؛ لأنه ليس مقصودا، بل المقصود التنبيه به لجواب إنسان فخالف (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأعراف: ٢٠٤).
ولأنه يَكْثُر من يسمع رنةَ القرآن أو السنة وهو منشغل باللهو واللعب فيعرض أو يضجر، وقد يتكلم بكلام لا يليق، خاصة في أوقات الراحة أو الانشغال باللعب أو نحوه.
ولورود مكالمات مكروهة للشخص أو ظروف سيئة تمر به، فيتعلق الكره بتلك الرنة المعينة المبرمجة من القرآن أو الدعاء أو السنة، فكلما سمع القرآن أو السنة أو الدعاء ذكره بما يكره؛ فلهذا لا يجوز.
стр. 556
برامج الجوال:
ويستحب تحميل الجوال برامج القرآن والحديث، أو ما ينفع من الخير؛ لمطالعتهم لا لجعلها رنة تنبيه.
ولا مانع من دخول الحمام به؛ لأنه كقلب الحافظ.
ويجوز جعل رنة التلفون ما شاء من المباحات، لا ما يفسد كالأغاني الماجنة.
ولا يجوز تعبئته بالمفاسد والصور القبيحة العارية.
ولا إيذاء الناس، ولا أعراضهم، ولا تخويفهم باتصال أو رسالة.
ومن فعل ذلك فهو آثم، فإن لم يتب انتقم الله منه (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) (الأحزاب: ٥٨).
العقود بالهاتف:
ولا يجوز إجراء العقود بالتلفون لإمكان التقليد للصوت؛ فيؤدي إلى الخصام والنزاع، إلا إن استوثق قطعا كجهة معتمدة إلى مثلها.
البدء بالسلام:
ويبدأ المتصل بالسلام ندبا، ويرد عليه المجيب وجوبا؛ للأمر بها (فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) (النساء: ٨٦)، ولا يقلد تحية غير المسلمين (ألو).
اتصالات المرأة:
وتتكلم المرأة مع أجنبي بلا خضوع، ولا ضحك، ولا تكسر في الكلام.
ولا تطيل المكالمات معه إلا لضرورة أو لحاجة ماسة؛ لأنه ليس من القول المعروف المأذون فيه (وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) (الأحزاب: ٣٢).
والقول المعروف هو ما جرت به عادة الناس مما يؤدي الغرض، بما لا يفهم حب المرأة للكلام مع الرجال الأجانب؛ لأن إفهام حبها للتكلم مع الأجنبي هو في معنى الخضوع، وهو محرم (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ) (الأحزاب: ٣٢)، وخارج عن المعروف المشروع للحاجات (وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) (الأحزاب: ٣٢)، وحكم الرسائل كذلك.
стр. 557
والأولى: أن لا ترسل الرسائل لرجل أجنبي إلا لضرورة بحيث لو اطلع من يهمه صيانة سمعتها، ويتضرر إن تضررت، من ولي وزوج لا يَكْرَه ذلك.
ولأن الخَبَث قد كثر؛ ولأن الله يقول (حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) (النساء: ٣٤).
يعني: إذا غاب زوجها حفظت غيبته فلا تفعل ما لا يرضى، ولحديث «إذا غاب عنها حفظته في عرضه وماله» (١).
أما إخفاء ذلك؛ لعدم الرضى، فهو دليل على خروج القول عن المأذون به شرعا، وهو القول المعروف (وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) (الأحزاب: ٣٢)، فلا يجوز.
وليست من الصالحات من هاتفت أو راسلت بما لا يرضاه الشرع، أو بما يعيب سمعتها وأهلها بين الناس (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) (النساء: ٣٤).
(قَانِتَاتٌ) يعني طائعات لله ولأزواجهن.
(حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ) يعني تحفظ غيبة زوجها، فلا تفعل في غيبته ما لا يرضاه أو يغضب منه أو يعيبه بين الناس (٢).
الشات (الدردشة):
ومن اشترك في الشات حرم عليه إيذاء الخلق، والأعراض، وكل ما يسخط الله. وهو وإن لم يعرف شخصه، فإن الله يعلمه ويراه ويسمعه (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) (النساء: ١٠٨).
وإذا اشتركت المرأة في الشات احترزت عن اللهو والخضوع مع الرجال الأجانب؛ لأنه محرم (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ) (الأحزاب: ٣٢)، وليس من القول المعروف المأذون فيه بل نوع خضوع أو خضوع (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) (الأحزاب: ٣٢).
стр. 558
فإذا غلب أو كثر إمكان وقوع ذلك؛ فلا يجوز الاشتراك.
ولأنها لا تعلم هل رجل أو امرأة من تخاطب، وهل هو عدل أو فاسق؛ لقلة الأمانات؛ ولكثرة ما وقع من الاستدراج للأعراض من شباب أوهموا كثيرات، حتى يقعن في المكاره، وينخرطن في أنواع البلايا والفساد إكراها.
والقهقهة من المرأة كتابيةً على الشات من الخضوع بالقول (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ) (الأحزاب: ٣٢)؛ لأن الكتاب كنص الخطاب في الأحكام من إقرار وعقد وفسخ وطلاق وبيع وشراء وغير ذلك.
إعارة الهاتف:
ومن طلب جهاز التلفون لمهاتفة به أعطي لاتصال، أو رنة به، أو استقبال.
ولا يمنع لغير ضرر، وهو في معنى منع الماعون، وإنما ذم الماعون في الشرع؛ لأنه يمنع مع الحاجة له؛ وعدم ترتب ضرر على مالكه.
والهاتف أصبح من الحاجيات؛ فإن تحققت العلة وعدم الضرر على مالكه؛ فمنعه قريب من حكم الماعون إذا منع.
ويجوز منع ذلك لعذر؛ كمن لا يريد أن يُتَّصل برقمه؛ لغرض صحيح لا لبخل، إلا إن كان صاحبه محتاجا لوحدات الاتصال، ويعسر عليه شراؤها لفقر أو بُعْدٍ عن مكان شرائها، فحينئذ حاجته مقدمة على غيره.
إيذاء الأعراض:
ولا تنشر المرأة رقمها للرجال دفعا لأذاها.
ومن آذى الأعراض بالهاتف وجب على الجهات المختصة تأديبه.
ولهم فصل رقمه؛ لأن الاتصال منفعة بعقد معاوضة محضة، والعقود لا تتضمن الضرر.
وإيذاء الأعراض من أكبر الأضرار ودفع وسيلتها واجب، وهو هنا فصل رقمه إن لم يتم دفع الضرر إلا به.
стр. 559
وينبغي حفظ الجوال عن أيدي من لا ثقة به؛ لأنه قد يستعمله فيما لا يليق.
سرقة الجوال:
وسرقة الجوال من المحرمات.
ولا يشتري مسلم تلفونا مسروقا بيقين أو غلبة الظن؛ لأنه معاون على الإثم والعدوان.
والبيع باطل.
ويحق لمالكه المسروقِ منه انتزاعُهُ بالبينة ممن اشتراه، ولا يعطيه أيَّ ثمن.
مسابقات شركات الاتصالات وغيرها من الشركات التجارية:
ومسابقات شركات الاتصالات التي يتم الاشتراك فيها اتصالا، أو بإرسال رسالة: قائمةٌ في أصلها على:
طرف يدفع مالا قطعا، وهو المتصل المشترك في المسابقة وثمن مكالمته أو رسائله محسوبة عليه، وكثيرا ما يكون بأضعاف ثمنها العادي، فهذا المشترك عوضه متوهم لا محقق.
وعلى طرف آخر ضامن للربحية قطعا أضعافا مضاعفة، بلا مقابل يعاوض به الدافعين الذين قد يصل عددهم إلى الملايين.
فيتحصل من الربح بسبب هذا الإيهام الشيء الكثير جدا، وهذا هو أكل أموال الناس بالباطل.
ولا يبيحه الدفع للفرد الفائز بالجائزة، وهم عشرة كأكثر احتمال؛ لأن فوزهم كان بالمقامرة لا بالمعاوضة.
فتحريم تلك المسابقات ظاهرٌ؛ لأنها قائمة على أصل المعاوضة في نية المشترك، مع ما فيها من الغرر والجهالة والمخاطرة والمقامرة، ثم يؤكل ماله بلا مقابل إلا ما ندر جداً، وهذا من الباطل (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) (البقرة: ١٨٨).
وهو من الميسر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة: ٩٠) والميسر هو القمار، وهذه المسابقات وافقت نفس صورة الميسر المحرم.
стр. 560
وهو كذلك من الغرر، وهو منهي عنه تحريما لنهيه ﷺ عن الغرر (١).
وفيها كذلك جهالة ما سيقبض من العوض من جائزة إن كان قابضا (٢).
وقد لا يقبض شيئا، وهم الأغلبية الساحة.
وفيها التعاون على أكل أموال الناس بالباطل، وهو من التعاون على الإثم والعدوان.
ولا يسلم من هذا مشترك فاز أو لا.
وهذه الأمور من المنصوص على حرمتها بالكتاب والسنة.
فتسمية المشترك في أصل الشرع هي «مقامر». وتسميته فائزاً إن تحصل على شيء من خداع الشيطان وأوليائه، وصاحب الشركة آكل سحت وميسر.
وكل مسابقة تعلنها الشركات التجارية يكون فيها على المشترك شراء شيء كسلعة غذائية أو استهلاكية؛ فإن الاشتراك فيها هو من الميسر والقمار المحرم.
والقول فيها كالقول فيما تقدم في مسابقات شركات الاتصالات، إلا في حالة واحدة، وهي أن يشتري الشخص سلعة تجارية، ثم يعطى من جهة الشراء جائزة، أو يدخل في من يمكن فوزه، وكان هذا بلا طلب ولا قصد، فهذه يمكن القول فيها أنها هبة على العقد، وهذا لا مانع منه؛ لأنه غير مشروط ولا مقامر فيه.
التجسس على المكالمات والمواقع الإلكترونية، واختراقها، والفيروسات، والهاكرز، والآندرويد، والتانجو، والواتس آب، وغيرها:
ولا يجوز التجسس على المكالمات، أو الرسائل: لا لدولة، ولا شركة، ولا شخص لعموم (وَلا تَجَسَّسُوا) (الحجرات: ١٢).
فإن صدر قانون بالإذن للدولة بذلك فهو باطل؛ لنقضه ما هو أصل الباب وهو حرمة التجسس.
стр. 561
ويجوز في الحرب التجسس على: مكالمات العدو، ومراسلاتهم، ومواقعهم الإلكترونية السرية؛ لثبوت إرساله ﷺ العيون لأخذ أخبار العدو (١).
وكذا اختراق مواقعهم الإلكترونية، وشبكاتهم المعلوماتية، والاتصالات، وتدميرها إلكترونيا.
وكله جائز في الحرب لجواز تدميرها حقيقة أثناء الحرب؛ لأنها من آلة القوة الحربية للعدو المحارب، فجواز تدميرها إلكترونيا في الحرب من باب أولى.
ولا يصح اختراق المواقع الإلكترونية لغير عدو محارب لا لمسلم، ولا لغير مسلم مسالم (٢).
ولا التجسس بأي طريقة، والدليل عموم (وَلا تَجَسَّسُوا) (الحجرات: ١٢)، ولم يفصِّل واستثنى العدو المحارب؛ لورود النصوص من السنن الصحيحة فيه.
وكذا يحرم إرسال فيروسات ضارة عمدا بقصد الضرر لهاتف محمول أو حاسوب أو شبكة أو موقع إلا لعدو محارب في الحرب.
وكل البرامج الحديثة كالآندرويد والواتس آب والتانجو وغيرها لا بد من استغلالها والانتفاع بها فيما يصلح في الأرض.
ويحرم جعلها آلة للفساد والإفساد وإجراء المعاملات المصرفية والتعاقدية من خلالها مشروط بالوثوق بذلك من مصدر معتمد لمثله لدفع إمكان التزوير أو الإضرار بالخلق أو انتحال شخصية ونحو ذلك، فإن أمكن هذا لم تعتمد.
الوسائط، ومقاطع الفيديو، والصور، والمواقع الإباحية:
ويحرم التراسل بالصور الخليعة، أو المثيرة للشهوة عبر أي وسيلة للتواصل.
والتحريم شامل لامرأة ترسل لمثلها وعكسه.
стр. 562
وتعظم الحرمة وتزداد الآثام إن كان بين رجل وامرأة أجانب.
فإن كانا من المحارم فهو أعظم في الجرم؛ لدلالته على انحراف الفطرة، وقلة ديانة، وخبث طوية.
ومقاطع الفيديو المسجلة أو المباشرة عبر النت أو أي وسيلة إن كانت تثير الشهوات فيحرم تبادلها على سائر الوسائل.
وهي أولى من تحريم ضرب الرِّجل؛ دفعا لسماع نحو خلخال في قوله تعالى (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ) (النور: ٣١).
ولوجوب غض البصر (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ* وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) (النور: ٣٠ - ٣١).
وتبادل شيء من ذلك مع الأشخاص أو نشرها عبر النت وغيره داخل في عموم قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النور: ١٩).
وهذا يدل على كونها من كبائر الجرائم عند الله.
وعذابه الأليم في الدنيا تتولاه وجوبا الدولة بالتنكيل الرادع بفاعل ذلك ومروجه، فإن أفلت من يد العدالة تولى رب العالمين عقوبته.
وحجب هذه المواقع المهينة فرض على الدولة، وعلى كل قادر.
ويحرم التجاوب مع منظمات ناقدة لحجب المواقع المنحرفة باسم الحريات؛ لأنها ومن يقف خلفها مائلة عن الحق إلى الضلال واتباع الشهوات (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا) (النساء: ٢٧).
ولأنهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا؛ وهذا محرم بالنص.
ولأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق بالنص (١).
стр. 563
والاحتساب على مثل هذه فرض.
وهو على رب الأسرة أكثر في الفرضية، فيَمْنعُ أهله منه ولو طفلا، فضلا عن مميز أو بالغ؛ لقوله ﷺ للحسين «كخ كخ إنها من تمر الصدقة لا تحل لنا آل محمد» (١).
فمنعه من تناول الحرام وهو طفل لا يعقل الكلام إلا بقوله «كخ كخ»، وهي كلمة تقال للطفل قبل فهمه الخطاب، فدل على وجوب حفظ الطفل مما لا يحل.
ولقوله ﷺ «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» (٢).
ولقوله تعالى (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) (التحريم: ٦).
تأهيل المختصين في التكنولوجيا:
وإيجاد مختصين من المسلمين في المجالات التكنولوجية فرض عين على الدولة، واستعمال الوسائل التكنولوجية يأخذ أحكام المقاصد؛ لأنها من الوسائل.
فنشر كل ما يقيم المصالح ويدرء المفاسد ويخدم المقاصد الشرعية الكبرى: دينا، ونفسا، ومالا، وعرضا، وعقلا، وجماعة، كله له حكم الوجوب في النظر الكلي.
وهذا الحكم منسحب على كل الوسائل التكنولوجية المحققة، والخادمة لهذه المقاصد.
تحديد القبلة بالإحداثيات وهلال الصوم بالمجهر:
وتحديد القبلة بالإحداثيات عبر المواقع الإلكترونية المعتمدة لا مانع منه، وتبنى عليه الأحكام، بخلاف مسألة الهلال بالمجهر الإلكتروني، أو الحساب الفلكي.
والفرق بين المسألتين أن التوجه للقبلة مشروع على غلبة الظن؛ فإذا اتجهنا بالقطع كان أولى، وتحديدها بالإحداثيات قطع أو قريب منه.
بخلاف صيام رمضان، والوقوف بعرفة؛ فإنهما معلقان على القطع بالمشاهدة، أو الإتمام للعدة.
والمشاهدة المجردة هي عين اليقين، ولا فوق لها إلا التكلف (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ) (التكاثر: ٧)، فجعل سبحانه عين اليقين هي المشاهدة بالعين المجردة.
стр. 564
ومن قواعد الشريعة (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) (ص: ٨٦).
ولأنه بالاستقراء عرفنا أن الشريعة في أحكامها التي تعم علقت معرفتها بالأسباب الظاهرة العادية لعموم الخلق (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (النساء: ١٦٥).
ولو أجزنا الصيام بالمجهر؛ لتكلفنا الدخول في العبادات، وهو خلاف منهج ومقصد الشرع في النهي عن التكلف (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ).
وإلا لأجزنا استعمال مكبرات الرؤية في رؤية النجاسة على الثوب والماء.
ولأنه ينبني كثير من المسائل على رؤية الهلال، وهي من أكبر المسائل مثل حساب العدة التي يتعلق بها حفظ الأنساب والأعراض، ويتعلق بها قضاء الديون، وصيام كفارات شهرين متتابعين، والطلاق المعلق، والأيمان، والنذور.
فهل يقال بانقضاء العدة بالاعتماد على رؤية الهلال عبر المجهر المكبر، ولم يُرَ بالعين المجردة إلا بعد يوم؟
وفي هذا اليوم تبقى المرأة في ذمة زوجها المطلق وترثه، وهذه المسائل المرجع فيها رؤية الهلال بالعين أو التمام.
ولا يقاس على النظارة الطبية على العين؛ لأن العمل بالرؤية بالمجهر للهلال تكبيرٌ لما لا يراه الناس جميعا بالرؤية العادية، فهو تكلف.
وأما النظارة فهي فيما هو مرئي للناس في الرؤية العادية فهي علاج لضعف، فكانت في الهلال تكبير لما لا يشاهد لعموم الناس، وفي النظارة تكبيراً لما يشاهده الناس لخلل في عين فرد، فكيف يسوى هذا بهذا والمسألة عكسية؟ فتلك تكلف مذموم والأخرى علاج مشروع، ولا يقاس إلا مع تساوي فرع وأصل، والحاصل أن الله كلف الناس بالعاديات الجارية في الخلق رؤية وسماعا.
فمن كلفهم بغير العاديات فقد خرج عن سعة التكليف إلى التكلف في التكليف.
ونقل رؤية الهلال في الفضائيات مباشرة بواسطة تكبيره بالمجهر أو بغير تكبير لا يعتبر رؤية يجوز بها الشهادة أمام القضاء لمن رآها؛ لأنه كنقل خبر من رأى؛ فالمخبر شاهِدٌ، وناقل الخبر ليس بشاهد.
стр. 565
الصلاة في الطائرة:
والصلاة في الطائرة إن دخل الوقت مشروعة فرضا ونفلا.
أما النفل فظاهر؛ وأما الفرض؛ فلأن وقت الطلب إذا دخل فقام به المكلف؛ فإن الشرع يعتبر استطاعته الأداء في ذلك الوقت.
فإن لم يستطع استقبال القبلة، جاز إلى حيث اتجه لعموم (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) (البقرة: ١١٥) وهذه نزلت لمن لم تتحدد القبلة عنده في السفر.
وإن لم يستطع الصلاة إلا بالإيماء على مقعده في الطائرة جاز (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة: ٢٨٦)، وإلا للزم على عادم الماء ألا يصلي أول الوقت انتظارا للماء، والمريض ألا يصلي قاعدا أول الوقت انتظارا لزوال علة تزول آخر الوقت بخبر طبيب أو لأثر علاج، ولا يلزمه ذلك، بل يصلي بما توفر له من الاستطاعة.
وقد ثبت أن النبي ﷺ صلى الفريضة بأصحابه على راحلته لعلة المطر الكثير على الأرض (١).
النقل المباشر للصلوات عبر وسائل التكنولوجيا:
ونقل الصلوات والأذان بالتلفزة المباشرة من تعظيم شعائر الله (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: ٣٢).
ولا يجوز أن يأتم أحد بالإمام عبر الراديو أو التلفزة؛ لأنها لا تسمى صلاة جماعة، لا شرعا ولا لغة ولا عرفا؛ لعدم اجتماعه معهم في محل واحد.
فالجماعة من الجمع والاجتماع، وهذا ليس منه.