← Фикх общий

Фикх общий · id 130550

المقدمة في فقه العصر

فضل مراد

Полный текст (1 109 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ويجوز في الحرب التجسس على: مكالمات العدو، ومراسلاتهم، ومواقعهم الإلكترونية السرية؛ لثبوت إرساله ﷺ العيون لأخذ أخبار العدو (١). وكذا اختراق مواقعهم الإلكترونية، وشبكاتهم المعلوماتية، والاتصالات، وتدميرها إلكترونيا. وكله جائز في الحرب لجواز تدميرها حقيقة أثناء الحرب؛ لأنها من آلة القوة الحربية للعدو المحارب، فجواز تدميرها إلكترونيا في الحرب من باب أولى. ولا يصح اختراق المواقع الإلكترونية لغير عدو محارب لا لمسلم، ولا لغير مسلم مسالم (٢). ولا التجسس بأي طريقة، والدليل عموم (وَلا تَجَسَّسُوا) (الحجرات: ١٢)، ولم يفصِّل واستثنى العدو المحارب؛ لورود النصوص من السنن الصحيحة فيه. وكذا يحرم إرسال فيروسات ضارة عمدا بقصد الضرر لهاتف محمول أو حاسوب أو شبكة أو موقع إلا لعدو محارب في الحرب. وكل البرامج الحديثة كالآندرويد والواتس آب والتانجو وغيرها لا بد من استغلالها والانتفاع بها فيما يصلح في الأرض. ويحرم جعلها آلة للفساد والإفساد وإجراء المعاملات المصرفية والتعاقدية من خلالها مشروط بالوثوق بذلك من مصدر معتمد لمثله لدفع إمكان التزوير أو الإضرار بالخلق أو انتحال شخصية ونحو ذلك، فإن أمكن هذا لم تعتمد. الوسائط، ومقاطع الفيديو، والصور، والمواقع الإباحية: ويحرم التراسل بالصور الخليعة، أو المثيرة للشهوة عبر أي وسيلة للتواصل. والتحريم شامل لامرأة ترسل لمثلها وعكسه.

стр. 562

وتعظم الحرمة وتزداد الآثام إن كان بين رجل وامرأة أجانب. فإن كانا من المحارم فهو أعظم في الجرم؛ لدلالته على انحراف الفطرة، وقلة ديانة، وخبث طوية. ومقاطع الفيديو المسجلة أو المباشرة عبر النت أو أي وسيلة إن كانت تثير الشهوات فيحرم تبادلها على سائر الوسائل. وهي أولى من تحريم ضرب الرِّجل؛ دفعا لسماع نحو خلخال في قوله تعالى (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ) (النور: ٣١). ولوجوب غض البصر (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ* وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) (النور: ٣٠ - ٣١). وتبادل شيء من ذلك مع الأشخاص أو نشرها عبر النت وغيره داخل في عموم قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النور: ١٩). وهذا يدل على كونها من كبائر الجرائم عند الله. وعذابه الأليم في الدنيا تتولاه وجوبا الدولة بالتنكيل الرادع بفاعل ذلك ومروجه، فإن أفلت من يد العدالة تولى رب العالمين عقوبته. وحجب هذه المواقع المهينة فرض على الدولة، وعلى كل قادر. ويحرم التجاوب مع منظمات ناقدة لحجب المواقع المنحرفة باسم الحريات؛ لأنها ومن يقف خلفها مائلة عن الحق إلى الضلال واتباع الشهوات (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا) (النساء: ٢٧). ولأنهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا؛ وهذا محرم بالنص. ولأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق بالنص (١).

стр. 563

والاحتساب على مثل هذه فرض. وهو على رب الأسرة أكثر في الفرضية، فيَمْنعُ أهله منه ولو طفلا، فضلا عن مميز أو بالغ؛ لقوله ﷺ للحسين «كخ كخ إنها من تمر الصدقة لا تحل لنا آل محمد» (١). فمنعه من تناول الحرام وهو طفل لا يعقل الكلام إلا بقوله «كخ كخ»، وهي كلمة تقال للطفل قبل فهمه الخطاب، فدل على وجوب حفظ الطفل مما لا يحل. ولقوله ﷺ «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» (٢). ولقوله تعالى (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) (التحريم: ٦). تأهيل المختصين في التكنولوجيا: وإيجاد مختصين من المسلمين في المجالات التكنولوجية فرض عين على الدولة، واستعمال الوسائل التكنولوجية يأخذ أحكام المقاصد؛ لأنها من الوسائل. فنشر كل ما يقيم المصالح ويدرء المفاسد ويخدم المقاصد الشرعية الكبرى: دينا، ونفسا، ومالا، وعرضا، وعقلا، وجماعة، كله له حكم الوجوب في النظر الكلي. وهذا الحكم منسحب على كل الوسائل التكنولوجية المحققة، والخادمة لهذه المقاصد. تحديد القبلة بالإحداثيات وهلال الصوم بالمجهر: وتحديد القبلة بالإحداثيات عبر المواقع الإلكترونية المعتمدة لا مانع منه، وتبنى عليه الأحكام، بخلاف مسألة الهلال بالمجهر الإلكتروني، أو الحساب الفلكي. والفرق بين المسألتين أن التوجه للقبلة مشروع على غلبة الظن؛ فإذا اتجهنا بالقطع كان أولى، وتحديدها بالإحداثيات قطع أو قريب منه. بخلاف صيام رمضان، والوقوف بعرفة؛ فإنهما معلقان على القطع بالمشاهدة، أو الإتمام للعدة. والمشاهدة المجردة هي عين اليقين، ولا فوق لها إلا التكلف (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ) (التكاثر: ٧)، فجعل سبحانه عين اليقين هي المشاهدة بالعين المجردة.

стр. 564

ومن قواعد الشريعة (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) (ص: ٨٦). ولأنه بالاستقراء عرفنا أن الشريعة في أحكامها التي تعم علقت معرفتها بالأسباب الظاهرة العادية لعموم الخلق (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (النساء: ١٦٥). ولو أجزنا الصيام بالمجهر؛ لتكلفنا الدخول في العبادات، وهو خلاف منهج ومقصد الشرع في النهي عن التكلف (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ). وإلا لأجزنا استعمال مكبرات الرؤية في رؤية النجاسة على الثوب والماء. ولأنه ينبني كثير من المسائل على رؤية الهلال، وهي من أكبر المسائل مثل حساب العدة التي يتعلق بها حفظ الأنساب والأعراض، ويتعلق بها قضاء الديون، وصيام كفارات شهرين متتابعين، والطلاق المعلق، والأيمان، والنذور. فهل يقال بانقضاء العدة بالاعتماد على رؤية الهلال عبر المجهر المكبر، ولم يُرَ بالعين المجردة إلا بعد يوم؟ وفي هذا اليوم تبقى المرأة في ذمة زوجها المطلق وترثه، وهذه المسائل المرجع فيها رؤية الهلال بالعين أو التمام. ولا يقاس على النظارة الطبية على العين؛ لأن العمل بالرؤية بالمجهر للهلال تكبيرٌ لما لا يراه الناس جميعا بالرؤية العادية، فهو تكلف. وأما النظارة فهي فيما هو مرئي للناس في الرؤية العادية فهي علاج لضعف، فكانت في الهلال تكبير لما لا يشاهد لعموم الناس، وفي النظارة تكبيراً لما يشاهده الناس لخلل في عين فرد، فكيف يسوى هذا بهذا والمسألة عكسية؟ فتلك تكلف مذموم والأخرى علاج مشروع، ولا يقاس إلا مع تساوي فرع وأصل، والحاصل أن الله كلف الناس بالعاديات الجارية في الخلق رؤية وسماعا. فمن كلفهم بغير العاديات فقد خرج عن سعة التكليف إلى التكلف في التكليف. ونقل رؤية الهلال في الفضائيات مباشرة بواسطة تكبيره بالمجهر أو بغير تكبير لا يعتبر رؤية يجوز بها الشهادة أمام القضاء لمن رآها؛ لأنه كنقل خبر من رأى؛ فالمخبر شاهِدٌ، وناقل الخبر ليس بشاهد.

стр. 565

الصلاة في الطائرة: والصلاة في الطائرة إن دخل الوقت مشروعة فرضا ونفلا. أما النفل فظاهر؛ وأما الفرض؛ فلأن وقت الطلب إذا دخل فقام به المكلف؛ فإن الشرع يعتبر استطاعته الأداء في ذلك الوقت. فإن لم يستطع استقبال القبلة، جاز إلى حيث اتجه لعموم (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) (البقرة: ١١٥) وهذه نزلت لمن لم تتحدد القبلة عنده في السفر. وإن لم يستطع الصلاة إلا بالإيماء على مقعده في الطائرة جاز (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة: ٢٨٦)، وإلا للزم على عادم الماء ألا يصلي أول الوقت انتظارا للماء، والمريض ألا يصلي قاعدا أول الوقت انتظارا لزوال علة تزول آخر الوقت بخبر طبيب أو لأثر علاج، ولا يلزمه ذلك، بل يصلي بما توفر له من الاستطاعة. وقد ثبت أن النبي ﷺ صلى الفريضة بأصحابه على راحلته لعلة المطر الكثير على الأرض (١). النقل المباشر للصلوات عبر وسائل التكنولوجيا: ونقل الصلوات والأذان بالتلفزة المباشرة من تعظيم شعائر الله (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: ٣٢). ولا يجوز أن يأتم أحد بالإمام عبر الراديو أو التلفزة؛ لأنها لا تسمى صلاة جماعة، لا شرعا ولا لغة ولا عرفا؛ لعدم اجتماعه معهم في محل واحد. فالجماعة من الجمع والاجتماع، وهذا ليس منه.

стр. 566

أما من حضر الجماعة ولو امتدت الصفوف كالحرم وما شابهه، فهو مصل مع الجماعة لصدق الإطلاق عليه لغة وشرعا وعرفا. وإذا انقطع صوت المكبرات الصوتية، وتعذر متابعة الإمام؛ انفرد الشخص وأتم على حاله؛ لأن هذا هو مستطاعه (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة: ٢٨٦)، وإنما أجزنا تكبير الصوت بالمكبرات هنا لثبوت التبليغ عن الإمام بالصوت (١). الصلاة والصوم خارج الغلاف الجوي: ورائد الفضاء يصلي الصلوات على ميقاتٍ وسط ويقدر لذلك قدره؛ لحديث «اقدروا لذلك قدره» (٢)، ويتجه نحو جهة الأرض، وجهة الكعبة منها بما لديه من بوصلة وإحداثيات. ويصوم بوقت أوسط الأماكن، ويَقْدُر له. وراكب القطار كالطائرة. الفاكس: والفاكس من جهة معتمدة إلى مثلها، لا مانع من اعتماد ما يبعث به من الوثائق: سواء في الأنكحة، أو الأموال، أو الدراسات، وغيرها، وللقاضي حينئذ (٣) القضاء بها. الإحرام في الطائرة ووسائل النقل: والإحرام في الطائرة والقطار والسفينة يكون بمحاذاة الميقات؛ لعموم «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة» (٤).

стр. 567

ويصدق على المحرم في الطائرة أنه أتى على المواقيت فلزمه بالمحاذاة. ويجب على الطيار ونحوه من مساعد أو مخول تنبيه ركاب الطائرة لذلك، وكذا سائق القطار، وربان السفينة. فإن كان غير مسلم وجب عليه ذلك عرفا بمقتضى إلزام العقد له، وإلا ترتب ضرر، والعقود لا تتضمن الضرر، فإن لم يفعل أحرم الحاج من بلده وجوبا؛ لئلا يتجاوز الميقات من غير إحرام، فإن لم يفعل، وتجاوز الميقات بلا علم، أحرم إن علم من ساعته وجوبا. فإن أخر أثم، وفي لزوم الدم أو عدمه خلافٌ معروف في مثل هذه المسائل. والصحيح أنه لا تكليف إلا بيقين، أو غلبة الظن المستفادة من الدليل، وهذا هنا لا يوجد، وإن وجد بعض الآثار عورض بمثله. امتلاك التكنولوجيا العسكرية: الاستراتيجية والتقليدية صناعة وتسلحا وخبرة جوا وبرا وبحرا، أمر شرعي (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: ٦٠)، وهذا عام شامل لكل أنواع القوة، ويحرم الدخول في معاهدات دولية تمنع التسلح الاستراتيجي على أهل الإسلام، خاصة ولو أدخل معها من الدول الضعيفة تحليلا. فإن شمل المنع كافة دول العالم الكبرى وغيرها التزم الكل؛ لأن أسلحة الدمار الشامل من الفساد في الأرض فالامتناع الشامل لكافة القوى العالمية عنها واجب ويحرم الانتقائية وسياسة الكيل بمكيالين. والتكنولوجيا المدنية مطلوبة طلبا وسيليا شرعيا: وامتلاكها فرض على الأمة، وهو من فروض الكفايات، وتأثم الأمة إن فرطت، وسائر أنواع التكنولوجيا داخل في هذا الحكم. وسواء في ذلك التكنولوجيا الطبية، أو الاقتصادية، أو الإعلامية، أو الهندسية، أو الجيولوجية، أو التعليمية، أو الصناعية، أو تكنولوجيا البنية التحتية الكهربائية

стр. 568

والموصلات والطرقات والاتصالات وشبكات المياه والتكنولوجيا الزراعية والجغرافية والتكنولوجيا الإلكترونية. أما التكنولوجيا الطبية فهي وسيلة إلى حفظ النفس، فوسائلها لها حكم ما توسل به إليه لعموم (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة: ٣٢). ودعم هذه التكنولوجيا بحثا ودراسة وتجارب، وإنشاءُ مراكز البحث والدراسات والجامعات والمستشفيات العامة والمتخصصة، ودعم الدارسين في هذا المجال، كل هذه الأمور وغيرها مما يخدم هذا المجال داخل في الفرض، وهو عيني على الدولة. والتكنولوجيا الاقتصادية والتجارية التي تسهل عملية الاستثمار وتبادل الأموال والخدمات والتسهيلات وأعمال المصارف والبنوك والبورصات والشركات والمؤسسات التجارية، خادمة لحاجي من الحاجيات وهو التجارة والبيع والشراء والاستثمار. والحاجة تتنزل منزلة الضرورة، وما خدم الحاجي أخذ أحكامه من الوسائل. فالأصل المشروعية في كافة هذه الوسائل الحديثة في تداول المال، ولا يصح منعها بعلة عدم وجود تخريج لها على مسألة قديمة عند المذاهب، لأن الأصل الحِلَّ، ولا يحرم إلا ما قُطِع بتحريمه من النصوص الصحيحة الصريحة الخالية عن المعارضة مع صحة تنزيل النص على الواقعة يقينا أو قريبا منه، بحيث يعد مخالفه منفردا بشذوذ من القول. أما ما سوى ذلك من الخلاف المحتدم بين بحَّاثة العصر ومتفقهته وفقهائه فأكثره دائر على: هل تُخَرَّج على قول الشافعي، أو قول أحمد، أو مالك، أو أبي حنيفة، أو غيرهم؟ وهذا صوابه أبعد من خطئه إلى الصواب؛ لاختلاف واقع الحال اختلافا شديدا. بل الأصل أن يُتعامل بالحل المطلق في الأمور التجارية، ولا يستثنى إلا ما قطع به نصا، وهي موانع خمسة استقصيناها في فقه الأموال من كتابنا. والتكنولوجيا التعليمية: وسيلة موصلة إلى مطلوب شرعي كبير هو: العلم، والتعليم، وخادمة للمقصد الشرعي: حفظ العقل.

стр. 569

فيطلب شرعا استغلال الوسائل الحديثة لخدمة العلم في كافة مجالاته التي تجلب المصالح وتدفع المفاسد. الدراسة عن بعد وسماع العلم عبر التكنولوجيا: والدراسة عن بعد بوسائل التكنولوجيا المعتمدة من جهات معتمدة جائزة معتبرة إذا آتت ثمارها المصلحية، وهي من التيسير في العلم، والتيسير مطلوب، وهو من قواعد الشريعة. وسماع العلم في علم الشريعة عبر شبكات النت، والقنوات الفضائية، والكاسيت، وشبكات الأثير، والتسجيلات الصوتية، من الأمور الجائزة؛ لأنها وسيلة لأعظم الأمور المشروعة، ويعتمد نقل الفتوى من عالم عبر مصدر معتمد له. وقولنا «معتمد» احترازاً عن مصدر يتطرق إليه إمكان التحريف. والمونتاج الإعلامي المحرف محرم نقله؛ لأنه كذب. ويجوز طلب العلم على العلماء بهذه الوسائل، فيكون للعالم تلاميذ عبر العالم بواسطة هذه التكنولوجيا، بشرط كون سماع دروسه من مصدر معتمد لا يحتمل دبلجته وفبركته والكذب فيه على العالم. فإن احْتُمِلَ أنه عُبِثَ فيه بقص وإضافة لصناعة فتوى يفهمها السامع على غير ما قاله العالم؛ فلا يجوز اعتماد ذلك المصدر. أما إن كان العالم في القناة أو المصدر الإعلامي يلقي في بث مباشر بلا إمكان تغيير، أو دبلجة؛ فيجوز الأخذ عنه من هذه المصادر ونسبتها إليه. ويجوز حينئذ أن يقول التلميذ: حدثنا شيخنا، وقد كان النسائي يقول: حدثنا الحارث بن مسكين من وراء حجاب وأنا أسمع؛ لأنه كان قد منعه من حضور مجلسه مباشرة فاضطر للسماع بهذه الصفة (١).

стр. 570

وقد كان الصحابة يسألون الفقيهات كنساء النبي ﷺ من وراء حجاب وينقلون عنهن العلم والحديث. ولا فرق إلا البعد المكاني (١). فإذا تَيقَّن السامع الصوت والصورة من مصدر معتمد سقط معنى الفارق، وإذا طلب التلميذ عن بعد من شيخه إجازة أجازه عن اختبار يتيقن به معرفته، ويكون في طبقة تلامذته. النقل من الموسوعات الإلكترونية: والنقل من الموسوعات الإلكترونية والعزو إلى كتبها بالجزء والصفحة أمر لا مانع منه، بشرط كونها موثقة مقابلة من خبراء ومراكز موثوقة معتمدة؛ لأنه لا فرق بينها وبين الكتاب سوى تصغير الكتب تصغيرا مجهريا إلكترونيا بحيث يجمع في الاسطوانة أو الذاكرة الرقمية التي لا تتجاوز الإصبع آلاف الكتب وملايين المعلومات. وهذا من فضل الله ونعمته على الخلق في هذا العصر، وتقصير العلماء في البلاغ مع هذا التيسير إثم؛ لأن التكليف بقدر الاستطاعة. وفي استطاعتهم ما ليس في استطاعة من قبلهم قبل ثورة العلم التكنولوجي. والله أناط التكليف بالاستطاعة والوسع (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة: ٢٨٦). التكنولوجيا العلمية وتوثيق وحفظ الأصول وبيع الحقوق الإلكترونية: ولا بد من استغلال الوسائل الحديثة في حفظ المخطوطات وتوثيقها وأصولها؛ لأن حفظ أصول العلم وسيلة لحفظه في الجملة؛ لاعتمادها مرجعا ومصدرا للعلم بصحة النقل، وعدم الخطأ فيه، ونسبة الأقوال والمذاهب والاجتهادات إلى أهلها نسبة صحيحة.

стр. 571

وبيع الحقوق الإلكترونية والقنوات الفضائية ومواقع شبكة النت والصحف وكافة وسائل الإعلام جائز لعموم (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة: ٢٧٥). ووسائل التكنولوجيا الجيولوجية في علم الأرض والكون مطلوبة شرعا على جهة الوسيلة؛ لأن الله طلب السير في الأرض للنظر والبحث عن كيفية الخلق وبدئه وسنة الله فيه (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت: ٢٠). وقال (قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ) (يونس: ١٠١). وامتلاك تكنولوجيا البنية التحتية من شبكات مواصلات، وطرقات، واتصالات، وكهرباء، ومياه، وتعليم، وصحة، وتكنولوجيا النهضة الشاملة الإلكترونية، والصناعية، والزراعية، والجغرافية، والاقتصادية: صناعةً واختراعا وبحثا وتطويرا هو: من فروض الكفايات؛ لأن الله أمر بالقوة وإعدادها وهذا منه، ولأن الله أمر بالإصلاح في الأرض وهذا منه، بل من أظهره وأعلاه؛ وأمر بالإحسان (وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ١٩٥)، وهذا من الإحسان. وبعموم النصوص التي تأمر بعمارة الأرض وعدم الإفساد فيها، وهي من النصوص الأصول الكبرى العامة التي تنظم الحياة إلى يوم القيامة. و التكنولوجيا الأمنية والقضائية: الأصل فيها الإباحة ما لم يحصل بها ما حرمه الله كالتجسس والتصنت على الآمنين لعموم (وَلا تَجَسَّسُوا) (الحجرات: ١٢). وتستعمل التكنولوجيا الأمنية لدفع فسادٍ في الأرض متوقع يقينا أو غالباً لا بالتوهم. فإن حصل تيقن وقوع الجريمة أو غلبتها ببلاغ من عدل أو مجهول مع قرائن تؤيده؛ وجب رصد تحرك المجرم المقْدِم على الجريمة لمنعه قبل إحداثها؛ لأن هذا من الفساد في الأرض ويجب دفعه ومنعه.

стр. 572

فإن حصل بلاغ من مجهول ويمكن حدوث ما أخبر عنه للقرائن، وجب اتخاذ الإجراءات اللازمة لدفع المفسدة قبل حصولها. والشرع يأمر بدفع الفساد قبل وقوعه؛ لمجرد حصول خوف معتبر بوقوعه فقال (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ) (الأنفال: ٥٨). وإنما قلنا عند حصول خوف معتبر بوقوعه؛ دفعاً للخوف المجرد عن القرائن الواقعية؛ فإنه لا يُعمل به، قال تعالى (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) (الأنفال: ٦١ - ٦٢)، فأزال مخاوفه المحتَمَلَة بخداعهم واتخاذهم الجنوح للسلم وسيلة للإعداد والغدر بالتطمين من المخاوف، ولم يكلفه العمل بموجبها مجردة. وقال (وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الأنفال: ٧١)، وهذا النص كسابقه في الدلالة على عدم اعتبار المخاوف المجردة؛ فإنه طمأنه ولم يأمره بترتيب فعلٍ على الخوف من خيانتهم. وعُلِمَ بذلك الفرق بين الخوف المجرد وهو الوهم، وبين الخوف المبني على واقعية منظورة، أو ملموسة، أو مسموعة من مصادر صحيحة اجتمعت على تأكيد وقوع الضرر. هذا ما تجتمع به النصوص، والله أعلم. توثيق إقامة الحدود: ولا يجوز توثيق إقامة الحدود إعلاميا كان مرئيا أو مسموعا؛ لأن الأصل فيها الستر، ولأن الجواز الشرعي محصور في طائفة من المؤمنين، وفي بعض الحدود كالزنى (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ) (النور: ٢). والطائفة تصدق على واحد واثنين ونحو ذلك، ولا تحتمل العموم العام على عموم المؤمنين لأنها حينئذ فضيحة، وقصدها محرم، وبثها إعلاميا كقصد الفضيحة.

стр. 573

ونقل إقامته ﷺ الحد على من أقرَّ هو نقل تشريع، وهو واجب؛ لأنه من حفظ الدين بخلاف البث الإعلامي فلا يتعلق به مصلحة معتبرة (١). المحاكمة وبثها إعلاميا: والمحاكمة العلنية التي تبث عبر وسائل الإعلام لا مانع منها عند تعلق الأمر بالوضع العام؛ لردع المفسدين وبيان العدل في مجريات قضية تتعلق بالمصالح الكبرى، وذلك للضرورة وغلبة المصالح، فتقدر بقدرها، وتكون بقرار قضائي أو نيابي أو جهة مخوَّلة. وإلا فالأصل المنع لعموم (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) (النساء: ٨٣). فهذه القضايا ونحوها مما تدخل في مقصود الآية من القضايا العينية المحصورة لا يجوز بث المحاكمة فيها على الخلق؛ لأنه لا يخدم المصالح المعتبرة ولا يدفع المفاسد، بل قد يؤذي الناس فيؤدي إلى مفاسد أكبر، ولأن الأصل الستر لا الفضيحة. الجريمة والتوثيق الإعلامي للإثبات: ولا تثبت الجرائم بمجرد التوثيق الإعلامي للجريمة إلا كقرينة في حال اعتماد المصدر قطعيا؛ لإمكان التلاعب في الصناعة الإعلامية للوثيقة، سواء كان بالصوت فقط أو الصورة أو بهما. وقولنا بالصورة يشمل الأشخاص والأماكن والوثائق المصورة المكتوبة. والأصل في باب جرائم الحدود «ادرءوا الحدود بالشبهات» (٢)، ولا شك في تعلق الشبهة القوية بإمكان التزوير في هذه الوسائل التكنولوجية في توثيق الجريمة.

стр. 574

فلا تثبت الجريمة إلا بإقرار صحيح، بلا إكراه من فاعلها، أو بشهادة عدول أثبات لا يطعن فيهم بما يعتبر في رد شهادتهم، مع كمال عددهم بحسب الواقعة؛ لأن هذا هو ما علق الله عليه إقامة الأحكام. والأصل عند عدمها عدم الحكم؛ إذ الأصل براءة الذمة عموما، وبراءة ذمة المتهم من الدعوى خصوصا، إلا بإثباتٍ بالبينات العادلة الناقلة عن الأصل القطعي.

стр. 575

فقه الطفل والولد * (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (الكهف: ٤٦) * «اتقوا الله واعدلوا بين أبنائكم» * ضياع الأمومة ضياع للطفولة، وذلك عائد بالضرر على الفرد والأسرة والمجتمع * الكفاية والرعاية والحفظ للطفولة أمور مصالحية عظيمة والشريعة طالبة للصلاح * عمالة الأطفال مضارها النفسية والبدنية والأخلاقية والتعليمية والحياتية أكبر من مصالح قد يظنها البعض، فواجب على الدولة والمجتمع كفايتهم ومنع استغلالهم دفعا لهذا الضرر * العناية الصحية واللقاحات حق وسيلي مرعي في الشرع لحفظ النفس البشرية

стр. 576

فقه الطفل والولد من مقاصد الشريعة الكبرى، وأحد المقاصد الست التي تدور عليها الشريعة حفظ النسل. فيتعلق به كل ما يصلحه ودفع كل ما يضره ويفسده. وفرض في الجملة طلب سبب الولد بالنكاح الشرعي، ويحرم التبتل شرعا (١). ويشرع طلب نكاح لأجله في قوله ﷺ «تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة» (٢). ويشرع الدعاء للطفل، ولو قبل حصوله، لقوله ﷺ «إذا أتى أحدكم أهله فقال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فقضي بينهما ولد لم يضره شيطان» (٣). وقوله تعالى (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان: ٧٤). وهذا يشمل من خلق ومن لم يخلق. طلب الولد ولو في الشيخوخة لمن ليس له ولد، وطفل الأنابيب: ويشرع طلبه، ولو عند كبر السن جدا؛ لقوله تعالى عن زكريا (رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ) (الأنبياء: ٨٩). وقوله (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا* وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا* يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) (مريم: ٤ - ٦).

стр. 577

وقول إبراهيم (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) (الصافات: ١٠٠). وفي الآيتين عدم اليأس من طلب الولد، ولو في انقطاع الأسباب الظاهرة؛ لأنهما طلبا ربهما ذلك وقد انقطع العمر وامتنع ذلك عادة. والبشارة به مشروعة لقوله تعالى (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ) (الصافات: ١٠١). ويجوز طلب الطفل بالأنابيب بمني الزوج، وبويضة زوجته، ويزرع في رحم زوجته صاحبة البويضة، وأما غيرها من الصور فمحرمة (١). والولد هبة ربانية محضة متعلقة بالمشيئة؛ قال تعالى (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ* أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) (الشورى: ٤٩ - ٥٠). فقولنا: هبة .. وما بعدها مستنبط من الآية، ولا فرق بين ذكر وأنثى في الهبة الربانية. المولود الأنثى: ويحرم التمعر وإظهار السوء من المولود الأنثى، وفعل ذلك من الجاهلية؛ لقوله تعالى (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ* يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ) (النحل: ٥٨ - ٥٩). فيحرم إظهار الاستياء بولادة الأنثى، أو معاملتها بالإهانة، أو دفنها حية كما كان يفعل أهل الجاهلية. وقد سوى الله في الحكم العام بين الثلاثة الأمور بقوله (أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ). فالاستياء بها، أو إهانتها، أو دفنها حية أمور محرمة، وإن كان بعضها أكبر جريمةً من بعض. لذا خص بالسؤال جريمة الإعدام للأنثى صغيرة بدفنها حية، فقال تعالى: في أوائل الوحي (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ) (التكوير: ٨ - ٩). وكذَّب الله الكافرين في قولهم أن لهم الحسنى وهم الذكور، وأن له ما يكرهون وهن

стр. 578

الإناث، فقال تعالى (وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ) (النحل: ٦٢). فجعل الله الكذب من وجهين: من وجه نسبة الإناث لله، فهذا كذب، فهو سبحانه (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) (الإخلاص: ٣). ووجه آخر: تسميتهم الحسنى بالذكور، وغير الحسنى للإناث، وهذا كذب، فالولد كله حسنى في أصل هبته. وهذا الأسلوب الجاهلي رده الله، وحرمه في نصوص كثيرة في القرآن. واختار لأفضل أنبيائه ورسله هبتَه الإناث لا الذكور مع عيب أهل الشرك له بالأبتر أي: مقطوع النسل؛ لعدم رزقه بِذَكَرٍ يحمل اسمه ونسبه. فرَدَّ الله هذا الكذب والسخافة والهراء بسورة مستقلة قائلا (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ* فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ* إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ) (الكوثر: ١ - ٣). فالأبترية والانقطاع كائن فيمن عابك لا فيك. فحالك وشأنك في رفعة متصلة إلى يوم القيامة، وأما عدوك ولو أنجب الذكور فإنه منقطع. بل ومن قبل هذا مريم ﵍ التي حملت بالرسول عيسى ابن مريم ﵇، المبشِّر بمحمد ﷺ . وقد رفع الله شأنها؛ ذاكرا لها في كتابه إلى يوم الدين. وقد رد الله على أمها لما وضعتها، وأرادت المولود الذكر ليخدم المسجد؛ لأنه أكثر قوة من الأنثى، فقال تعالى (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) (آل عمران: ٣٦). ثم قالت (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ) فاعترض الله قولها مكرماً لمريم بقوله (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ). وفي الآيات: ١ - جواز النذر بالولد، ولو حملا لجعله لخدمة الدين؛ لأن الله قَبِله ورضيه، ولم يَرِدْ ما

стр. 579

يُخَصِّص ذلك بمريم، فالتشريع عام، وهذا يدخل في قول الفقهاء «شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه». والنذر بجعل الولد كذلك طاعة، والنذر في الطاعة جائز. فما دام الولد تحت يد والده فله ذلك حتى يستقل، فإن استقل ورأى الولد تغيير ما وُجِّه له جاز ذلك له في الأصل؛ لأنه حر في تصرفاته لا يقيدها فعل غيره، أو نذره، ولا إثم على الوالد. فإن أمره والده بطاعته في الوفاء بنذر الطاعة أطيع إن استطاع الولد. فإن لم، فلا إكراه، ولا إثم؛ لأن الطاعات متعلقة بالطاقات والاستطاعات (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة: ٢٨٦). ٢ - وفيه مشروعية توجيه الوالد لطفله في الطاعات. ٣ - وفيه أن تصرفات الوالد في طفله بالنظر لا بالضرر؛ فقد أجاز الشرع تصرف أم مريم في توجيهها حَمْلَها لخدمة المسجد؛ لأن فيه نظراً بلا ضرر. ومَنْعُ تصرفات الإضرار بالطفل والنسل لعموم (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة: ٢٠٥). ٤ - وفيه: أن توجيه الوالد لطفله لخدمة خاصة في الدين جائز للذكر والأنثى، بلا فرق. ٥ - وفيه: جواز هبة المجهول؛ لأنها وهبت مريم لله ولا تدري أذكر أم أنثى. ٦ - وفيه: أن الأصل تصحيح النذور والعقود والهبات على ما يطابق الواقع، لا ما طابق الظن. فأم مريم صح هبتها لله بحملها الذي تظنه ذكرا، فخالف الظن ووقع النذر على الواقع. ٧ - وفيه: العمل بالعموم (مَا فِي بَطْنِي) (آل عمران: ٣٥)؛ فعمت ذكرا أو أنثى. ٨ - وفيه: التفريق بين الذكر والأنثى في القوة والخلقة للعمل؛ لأن الله لم يعترض على قولها (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى) وعقب على قولها (إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى) استقلالا. لأنه المقصود من السياق.

стр. 580

٩ - وفيه: جواز تسمية المولود إثر ولادته مباشرة فإنها سمتها مريم إثر الولادة كما يدل عليه سياق النص. ١٠ - وفيه: إعاذته وذريته من الشيطان الرجيم وذريته. ١١ - وفيه: أن الأم لها حق في تسمية المولود، ولا يختص بذلك الوالد. ١٢ - وفيه: عداوة الشيطان لابن آدم ولو قبل سن التكليف، فإنها عوَّذت منه مريم إثر ولادتها، فدل على مطلق عداوته لبني آدم ولو طفلاً. ١٣ - وفيه: الالتجاء إلى الله من عداوة الشيطان؛ لأن الاستعاذة هي التجاء. ١٤ - وفيه: تحصين الأبناء من شره وأبناء الأبناء وإن لم يكونوا موجودين حينئذ. ١٥ - وفيه: الدعاء للولد وذريته. ١٦ - وفيه: الدعاء لذرية الطفل على الأصل مع أنه قد يموت، وقد لا ينجب. ١٧ - وفيه: شمول الذرية إلى يوم القيامة، ذكورا وإناثا. ١٨ - وفيه: عظيم عطف الوالدة على مولودها واهتمامها به وهي في أشد حالة من الضعف إثر الولادة وشدتها وأتعابها. ١٩ - وفيه: إثبات عداوة الشيطان على الإنسان، ومشروعية رقية الولد منه بالاستعاذة وما ثبت في ذلك من السنن. ٢٠ - وفيه: أنه قد يؤثر الشيطان على الإنسان طفلا مولودا، وضرره عليه من ذلك الوقت، ولا ضرر إلا بالاستحواذ عليه أو مسه؛ لأنه لا وسوسة بالمعاصي إلا على بالغ أو مقارب. ٢١ - وفيه: أن الله لا يضيع من تولاه؛ فإن مريم أنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا. ٢٢ - وفيه: أن لطف الله ورحمته بمريم من صغرها، وهي أنثى. ٢٣ - وفيه: مشروعية كفالة اليتيم؛ لأن مريم كفلها زكريا؛ فدل على يتمها، وعلى مشروعية الكفالة، وأنه تيسير من الله للعبد. ٢٤ - وفيه: جواز القرعة على القُرَب، فقد اقترع بنو إسرائيل في من يكفل مريم.

стр. 581

٢٥ - وفيه: عناية الله بالعبد إذا سخر له عبدا صالحا يكفله، فإن زكريا كان نبيا، وهيأه الله لكفالة مريم. ٢٦ - وفيه: بقاء المرأة في المسجد (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ) (آل عمران: ٣٧). ٢٧ - وفيه: قدرة الله المطلقة، ومنها رزق العبد بدون سبب، بل من عنده بلا واسطة بشرية كما كان يرزق مريم. والأسباب مشروعة: كما أمر مريم في أشد حالتها أثناء المخاض أن تهز جذع النخلة لتساقط الرطب، مع أنه يعجز عن هز جذع النخلة الرجل مفتول العضلات. ولكنها آيات لعباده . ٢٨ - وفيه: اتخاذ المحراب، ومشروعيته، ولا إنكار في ذلك في شريعتنا. ٢٩ - وفيه: عدم إنكار زكريا لهذه الكرامة الربانية لعلمه وإيمانه بإمكان حصولها، وحصول الكرامات للمرأة الصالحة. ٣٠ - وفيه: الاعتراف بفضل الله في النعمة (قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ) (آل عمران: ٣٧). ويتعلق بالحمل حقوق وأحكام قال تعالى (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ) (لقمان: ١٤). أي: ضعفا على ضعف. وعند الضعف تلحق التخفيفات، قال تعالى (الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا) (الأنفال: ٦٦). فإن ضعفت الحامل عن الصيام، أفطرت ثم قضت؛ لعموم (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (البقرة: ١٨٤)، وضعف الحامل عن الصيام كالمرض لوجود الضعف والوهن المانع من القدرة على الصيام (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة: ٢٨٦)، وليس في وسعها ذلك. أما الحامل المطيقة للصوم بلا ضرر فتصوم على الأصل.

стр. 582

وتجب النفقة عليها حتى تضع حملها حتى ولو طلقت، بالنص في ذلك (وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (الطلاق: ٦). ولا نفقة لها هذه المدة الطويلة إلا لعلة الحمل، فدل على أن له ولها حقوقاً خاصة في فترة الحمل. وتراعى النفقة بحسب الوسع، لقوله تعالى (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (الطلاق: ٧). العلاج للحامل والحمل: وإن احتاجت هي أو جنينها إلى علاج وجب ذلك؛ لأن الله يقول (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء: ١٩). وليس من المعروف أن تَهْلَك مرضا ولا يداويها. وأما الولد؛ فدفع الضرر عنه واجب على وليه؛ لعجزه؛ ولقوله تعالى (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) (الإسراء: ٢٦). وهذا من حقه؛ لأن حقه الإحسان إليه. فإن عجز فـ (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة: ٢٨٦). وفي وسعه الدعاء؛ فعليه به في هذا الحال وفي كل أحواله كان مليئا أو فقيرا. ذمة الحمل المالية: والحمل له ذمة مالية فيرث، ويملك الهبات والنذور والوصايا التي لا تحتاج إلى قبول معاوضة، وإن احتاجت إلى نوع قبول كالقبض في الهبة إلا أنه يعفى في حق الجنين ذلك القبض؛ لتعذره عليه، وينوب عنه وليه. الإجهاض: ويحرم الإجهاض للحمل، ولو في بدايته، ولو عَلَقةً؛ لأنه فساد في الأرض (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة: ٢٠٥). والنسل عام، فيشمل مختلف مراحله من بداية الحمل إلى نهايته وما بعده. إلا إن تبين ضرره البالغ على الأم، كأن أضر بحياتها، لا لأجل خوف ولا عَيْلة؛ فإنه محرم (وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) (الأنعام: ١٥١).

стр. 583

ولا يجهض لأجل عمل والدته، أو دراستها، أو تأثير على أخيه الرضيع، ولا لجمال ورشاقة. ومن أجهض الحمل لأجل شيء من هذا فهو مرتكب لكبيرة ذكرت في أنواع الفساد في الأرض. فإن كان الجنين قد نفخ فيه الروح، فإجهاضه قتل نفس معصومة، وعليه الدية المشروعة. نسب الحمل: وفرض على الأم حفظ نسب الحمل؛ لقوله ﷺ : «أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم لم ترح رائحة الجنة» (١). ولهذا فرض على المطلقة الحامل: حرمة الزواج والعقد حتى تضع حملها؛ حفاظا على حق الطفل وأبيه في النسب (وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (الطلاق: ٤). وحرم على معتدة وفاة ولو غير حامل الانتقال من بيت زوجها المتوفى إلا لضرورة ماسة، وذلك حفظا للحق النسبي والاجتماعي والمالي. دية السقط: ومن ضرب حاملا فأسقطت ما في بطنها، فعليه نصف عشر الدية وكفارة صيام قتل خطأ في الأصل؛ لعدم الفارق. إلا أن يقال إنما فرض نصف العشر لأجل الشك في حياته قبل ضربه، فأما إن تبين حيا قطعا فضرب بطن أمه فأجهضت؛ فالدية كاملة. ويَرِدُ عليه احتمال كونه ميتا في بطن أمه، ولا يتحقق من حياته إلا بالولادة، وكل هذا التشريع حفظا لحياة الطفل، ولو حملا.

стр. 584

الأدوية الضارة بالجنين: ويحرم على الأم تناول علاجات تضر بالجنين؛ لأن الضرر مدفوع، ويجب التحري من الطبيب المعالج، وإلا أثما؛ لأنه تفريط متعلق ضرره ببدن آدمي أمكن دفعه عنه؛ فحرم. فإن أسقطته بعلاج لزمها الكفارة وهي صيام شهرين متتابعين، وكذا يلزم الطبيب المعالج، ويلزمهما كذلك نصف عشر الدية، ويدخل في هذا الإلزام بالدية والكفارة الزوج إن أمر أو وافق، إن كانت موافقته مؤثرة بحيث لا يتم الإسقاط إلا بها. موت الأم الحامل بجنين حي: ومن حق الجنين المفروض شرعا أن أمه لو ماتت، وعُلِم حياة جنينها بحركته أو أي وسيلة تدل على ذلك مع استيفاء زمن الحمل؛ وجب إخراجه، ولو بشق بطن أمه الميتة؛ لعموم (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة: ٣٢)؛ ولأن تركه للتلف مع استطاعة إنقاذه منه بلا ضرر على المنقذ مطلوب شرعا على وجه الوجوب؛ لأنه من دفع الضرر الفاحش عن الحي. لا يقام الحد على حامل: وإذا أقرت حامل بجريمة وكان حكمها سيضر بالجنين أُجِّلَ النظر فيها إلى ما بعد وضع الحمل والإرضاع وجوبا، فإن لم تجد حاضنا له بعد الإرضاع أُوْقِفَ الحكم إلى استقلال الصبي بمنفعة نفسه؛ للنص في مثل هذه الحالة «دعيه حتى يأكل الطعام» (١). السقط: وإن أسقطت الأم حملها: ١ - فإن تبين منه شيء من خلقة آدمي وجب إكرامه بالدفن؛ لأنه آدمي. وسبيل إكرامه ميتا دفنه وجوبا ولو جزءا منه؛ لعدم الفرق؛ لأن العلة الإكرام. ٢ - وإن لم يتبين منه خلقة آدمي فإن كان كشيء من لحم فالصحيح دفنه لاحتمال كونه جنينا؛ لأنه يستبعد غيره، إذ لا بد من أحد احتمالين: كونه جنينا أو شيئا من الأم، والأخير مستبعد لندرة كون الشيء الخارج من اللحم منها؛ لأنه لا يخرج من الرحم سوى الحيض أو

стр. 585

الاستحاضة وهو دم النزيف، أو بعض الرطوبات، أو حمل، فيترجح الأخير في هذه المسألة؛ فيدفن لغلبة الاحتمال أنه جنين لم يتخلق. ولأن الله كرم بني آدم، فلا يرمى في قذارة بل يدفن؛ لأنه مقصود الإكرام. ٣ - أما إن استهل صارخا ثم مات؛ فإنه يجري عليه من الأحكام ما على غيره: فيغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن. ٤ - فإن لم يستهل صارخا وكان قد اكتمل خلقه، فله نفس الأحكام؛ لعدم الفارق؛ لأن الأصل أنه كان حيا ومات. فإِنْ كان لم يكتمل في الخلقة، فلا يصلى عليه؛ لأننا نقطع بعدم نفخ الروح فيه، فلا نقطع له بحياة أصلا، فيدفن فقط. ولأن أحكام الموت هي لمن مات عن حياة، ولم يحكم لناقص الخلقة بحياة أصلا. والأصل في الجنين الحياة إن اكتمل تخلقه للنص (١)؛ وإلا فلا. والجنين على أصل الفطرة، ويتبع والده المسلم في الدين. بل وولد الكافر إن وضعته أمه ثم مات من حينه، فهو على الفطرة بدليل النص «كل مولود يولد على الفطرة» (٢)، فلا مانع من جريان أحكام الإسلام دين الفطرة عليه من تغسيل وتكفين وصلاة عليه ويقبر في مقابر المسلمين بخلاف ما لو ميز فهو يُهَوَّد أو يُنَصَّر أو يُمَجَّس.

стр. 586

حق تسمية الطفل: وإذا ولد المولود وجب تسميته؛ لقوله (ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ) (الأحزاب: ٥). ولا يدعى إلى أبيه إلا باسمه واسم أبيه، حقيقة أو تقديرا كابن فلان (١). ولأن هذا حق من أصل الفطرة والخلقة؛ لقوله تعالى (لِتَعَارَفُوا). والاسم يدخل في التعارف دخولا أوليا، ولقوله (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) (الروم: ٣٠). فجعل الدين القيم وفق الفطرة، والاسم من الفطرة، ولأن هذا من الضرورات؛ لمعرفة الأنساب، والحقوق، والأموال. وحفظ الضرورات واجب، فلو لم يوجد اسم لجهلت الرسالة بجهل اسم الرسول، ولجهل نقل أسانيد العلم والسنن، وضاعت الحقوق وأهدرت الدماء والأموال؛ لتعذر ضبط الجناة حينئذ. وهذا كله هو من المعنى الحقيقي لقوله تعالى (لِتَعَارَفُوا). وذكر الله في الآية منتهى النسب التعريفي، وهو الشعب والقبيلة. فكم ممن اسمه زيد في العالم فإذا قيل اليماني حصر، وإذا قيل آل فلان حصر أكثر، وإذا ذكر أبوه وجده تبين قطعا. ولذا قال الله (ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ) (الأحزاب: ٥). ولا يتوصل إلى التعريف المقصود الذي تقام به الحقوق والواجبات، وما له وعليه من قصاص وديات وديون عادة: إلا باسمه واسم أبيه وجده ثم قبيلته. ولا يتوصل إلى التعريف الذي تقام عليه الحقوق عادة بذكر اسم الشخص وقبيلته، أو شعبه (٢) مباشرة مجردا عن اسم أبيه وجده. وكثيرا ما تتطابق الأسماء: اسمه، واسم أبيه، وكثيرا مع اسم الجد، والفاصل نسبته إلى القبيلة والشعب، فجُعِل التعريف بالنهاية الفاصلة فاصلاً. والشعب: ما نسب إلى جغرافيا غالبا.

стр. 587

والقبائل: ما نسب إلى جد أو آل. فتبين أن التسمية المضافة إلى النسب للطفل حق شرعي، وطبعي، أو دليلي وجبلي. ويجب الإقرار بنسب المولود، فإن أنكره لاعن. ويكون الإقرار بالسكوت، والفرح، وقبول التهنئة على الأصل. من يحق له تسمية الطفل: والطفل يسميه والده لجريان الأعراف بذلك فشمله عموم (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ) (الطلاق: ٦) ولإقرار الشرع ذلك زمن الوحي بلا نكير ولأنه ينتسب إلى أبيه بالنص (ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ) (الأحزاب: ٥)، فهو أخص به. وللأم تسمية ولدها لقوله تعالى (وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ) (آل عمران: ٣٦). فإن لم يسمياه سماه جده؛ لأنه أولى الناس به بعد أبويه (وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الأنفال: ٧٥). ويجوز للإمام والحاكم تسميته إن اقتضى الأمر: اختياراً وابتداء بأن يأخذه وليه إلى الإمام الصالح لتسميته. أو اضطرارا عند عدم الولي، أو الكافل، أو تركهم تسميته، فيسميه الحاكم أو الجهة المسئولة. وقد كان جماعة من الصحابة يذهبون بأبنائهم إلى النبي ﷺ ، فيدعو لهم ويحنكهم، وقد يسميهم، وهذا ثابت في الصحاح (١). ويجوز تسميته من أول يوم؛ كما حصل لمريم إثر الولادة كما هو ظاهر سياق النص. وكما ثبت عن أسماء لما ولدت وهي في طريقها للحج في حجة الوداع فبعثت بوليدها إلى رسول الله فسماه أول يوم (٢).

стр. 588

ويشرع تسميته يوم سابعه للدليل «المولود يوم سابعه يسمى ويذبح عنه ويختن» (١). ويذبح فرحا بالمولود شاتان تسمى عقيقة، وهي على وليه (٢). ويشرع إثر ولادته الأذان في أذن المولود، والإقامة في الأخرى للحديث (٣). حكم التلقيحات للأطفال: ومن حق الطفل اللقاح المضاد للأمراض، وهو على وليه. لأنه يجب على ولي الطفل دفع الضرر عنه؛ إذ هو مسئول عنه؛ لعموم حديث «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» (٤): نفسا وعضوا ومالا ودينا وعرضا. والمسئولية التي يؤاخذ عليها هي عدم دفع الضرر عنه من المهلكات والمتلفات لنفس أو عضو، ووجوبُ جلب منافعه ومصالحه مما يحفظ به الطفل. ومن ذلك تحصينه باللقاحات المضادة لأمراض العصر الفتاكة بالأطفال: من شلل، أو عاهة معيقة في سمعه، أو بصره، أو عقله، أو نفسه.

стр. 589

فوجب على وليه دفع ذلك الضرر عنه بإعطائه اللقاحات المضادة لذلك. فإن فرط فأصيب ولده بشلل، أو عاهة، أو ضرر، أو موت أثم. وعلى الدولة توفير ذلك؛ لأنه من رعاية المصالح العامة ودفع المفاسد العامة، وهو واجب على ولي الأمر وسلطاته المعنية. حق اللعب للطفل: واللعب للطفل حق فطري أقره الشرع، قال تعالى مخبرا عن إخوة يوسف (أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (يوسف: ١٢). ومن حق الطفل أن تشترى له الألعاب ولو مصورة مجسمة بحسب عرفه وقدرة وليه (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ) (الطلاق: ٧). وقد ثبت في أطفال الصحابة أنهم كانوا يُعطَون اللُّعب ويصنعها لهم آباؤهم وأمهاتهم كما ورد أنهم كانوا يُصوِّمُون الأطفال تعليما لهم ويصنعون لهم اللعبة من العهن، وكان لعائشة لعبة، وأقره ﷺ والنقل في هذا كثير. ويقاس عليه جواز أفلام الكارتون، ومجلات الطفل، وشرط ذلك عدم اشتمالها على الشرك أو اللاأخلاقيات أو تعليم التهتك والمعاصي. وقد ثبت عن ابن عباس أنهم كانوا يلعبون وهم أطفال على باب المسجد، ولا يعلمون انتهاء الصلاة إلا بالتكبير كما في الصحيح (١). وللطفل اللعب بعصفور إن كان لا يتأذى به العصفور؛ لأن إيذاء الحي ممنوع. وقد ثبت مرور النبي ﷺ على طفل يلعب مع عصفور اسمه النغير فكان ﷺ يداعبه قائلا: يا عمير ما فعل النغير .. وهو في البخاري. والحديث يدل على رعاية حق الطفل في الملاطفة والاهتمام به وسؤاله ولو من الإمام الأعظم.

стр. 590

وإقامة أماكن عامة للعب الأطفال كالحدائق ونحوها جائز؛ لأن الأصل الإباحة، والشريعة راعية لحقوق الطفل وهذا منها لأنه من أصل خلقته. الرضاعة الطبيعية: ومن الحق الواجب للطفل إرضاعه رضاعا طبيعيا حتى يستغني بالطعام، وتمامه عامان، وهو واجب على أمه، وعلى وليه النفقة، لقوله تعالى (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) (البقرة: ٢٣٣). وفي حالة الطلاق يبقى وجوب الإرضاع على الأم؛ فإن تعذر ذلك لسبب وجب على وليه إرضاعه عند أخرى ولو بأجرة (وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى) (الطلاق: ٦). الطفل في أعوامه الأولى: وفرض على الأم حضانة المولود، وهي: القيام بما يحتاجه الطفل من إطعام وتنظيف، وتمريض، وإلباسه ما يقيه حرا وبردا، ويزينه عرفا، ويدفع عنه وسخاً وقذراً وبولاً وغائطاً، وعموم ضرر ينشأ عن إهمال في حضانته ومتعلقاتها، ونحو ذلك. ودليله قوله ﷺ «المرأة راعية في بيت زوجها في ماله وولده» (١)، وقال تعالى (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ) (الطلاق: ٦)، أي: ليلزم كُلٌّ ما يأمره به المعروف بين الناس بلا ضرر، ومعلوم أن المعروف بين الناس هو أن الحضانة على الزوجة. فدل على وجوبها عليها، ولذا تقدم الأم على والده عند طلب حق الحضانة ولو مطلقة ما لم تتزوج. فلما قدمت شرعا (٢) وقضاءً عند الاختيار (٣) والاضطرار (٤)؛ دل على أنه واجب عليها أولاً.

стр. 591

فإن حُكِمَ للوالد بالحضانة؛ لعذر من قبل أمه كطلاقها وزواجها؛ لزمه القيام بكل معاني ذلك. وإن ماتت الأم وجب على والد الطفل القيام بذلك كله بمباشرة، أو إنابة ولو استأجر لذلك. تكليف الطفل برعاية إخوته: ولا يكلف ولد صغير بالقيام على أخيه فيما تقدم من أمور الحضانة؛ لأنه يخرج الحضانة عن مقصودها، وهي الحفظ؛ ولأنه إشقاق. إلا إن كان شيئاً خفيفاً على وجه غير كثير من غير اتخاذ ذلك عادة. ولو أمره أبوه أو أمه بذلك فقد كلفاه بغير تكليف شرعي. ويؤجر على طاعة والديه. ويحرم الإشقاق عليه في ذلك إلا أن تكون أخته المقاربة للبلوغ القادرة؛ فتكلف برعاية أخيها الصغير تعليما لها، لا إضرارا بها وإشقاقا عليها؛ لأنه من مصالحها تعليما لها وتدريبا، فلا مانع. إرسال الطفل انتفاعا به: ولوالد أو والدة إرسال طفل خارج المنزل بما جرى عليه العرف، كشراء غرض، أو رمي زبالة، أو حمل رسالة، أو هدية، وغير ذلك. وشرطه قدرته على ذلك والأمن عليه؛ ولأن هذا من مصالح تعليم الطفل وتمرسه، ولا مفسدة فيه؛ فجاز، ولجريان العرف عليه بلا نكير، والعادة محكمة من قواعد الشريعة الكبرى. صحة الطفل: ويسأل ولي الأمر عن الأطفال وأمورهم وصحتهم. ويوجه الشعب في ذلك، كما فعل النبي ﷺ في ذلك فقال: «علام تدغرن أولادكن بهذا الإعلاق عليكن بالقسط الهندي» (١) والحديث في مسلم. فنهى عن التصرفات الصحية الخاطئة مع الطفل، ووجه بما يصلح ذلك.

стр. 592

وعلى الدولة توفير التوجيه الصحي والثقافة الصحية المتعلقة بالطفل ومستشفيات ودراسات وتخصصات للعناية بصحة النشء؛ لأنه من حفظ النسل، والوسائل لها حكم المقاصد. ويزداد الوجوب إذا لم تندفع المفاسد إلا بذلك كدفع الأمراض العصرية الفتاكة فيتأكد الطلب حينئذ. تعليم الطفل: وتعليمُ طفلٍ على والده أو وليه وجوبا، في الأصل؛ لأنه من أعظم مصالحه وولايته عليه ولاية نظر، ولا نظر في ترك تعليمه، بل مضارة وضرر. ويجب على الدولة توفير كل ما يلزم لتعليمه، وعلة ذلك أن ترك الطفل بلا تعليم مفسدة لا مصلحة، والمفسدة مدفوعة. ولا يتم إلا بتوجيه الأب، وتيسير الدولة لذلك فوجب؛ ولأن نظر الوالد لولده والدولة لمواطنيها مبني على نظر المصلحة الراجحة. ولا مصلحة في إهمال تعليمه ما ينفعه في دينه ودنياه، بل هو مفسدة منكرة؛ فوجب دفعها. وكذا تحصيل ما تدفع إلا به من المصالح. وفرض على الدولة وضع المناهج التعليمية الاستراتيجية الشرعية والمشروعة بما يحفظ الكليات الست: الدين، والنفس، والمال، والعقل، والعرض، والجماعة. ويحمي البلاد من التجهيل والتخلف والاستعمار الفكري والعقائد المنحرفة والتمييع والانحلال. ويضع المناهج مسلم عدل مختص (١). ويستعان في غير مناهج الدين أو ما لا تعلق له بمسائل شرعية بكفء خبير. ولو بكافر إن عدم مسلم خبير؛ بشرط حاجةٍ ضروريةٍ له، ورقابة، وعدم مسلم مختص. ومتابعة تحصيل الولد على والده أو وليه أو أمه، وكذا على المعنيين في جهة تعليمه. لأنه قد يتفلت، أو يغيب، أو يهمل؛ لقلة عقل الصغير وطيشه، فاحتيج لمن ينظر في مصالحه.

стр. 593

والمكلف شرعا وليه بحكم الولاية الخاصة. وكذا الجهة المعنية التعليمية بحكم الولاية العامة؛ إذ الولايتان مبنيتان على النظر المصلحي. ولقول النبي ﷺ : «الدين النصيحة» (١)، وهذا من النصيحة له؛ فإن أُهمل ففشل في تعليمه أثموا لتفريطهم. إكرام النشء: ومن الحكمة في التربية إكرام النشء مُقاما، وهيئة، ومطعما، ومشربا، وتعليما، وصحة بتوسط عرفي وشرط قدرة منفق. لأن هذه الأمور تجلب كثيرا من المصالح والنفع وقد قال الله تعالى (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) (يوسف: ٢١)، وقال (وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) (يوسف: ٢١). فجعل سبحانه أمر وزير مصر لامرأته بإكرام مثواه من النعمة والفضل عليه والتمكين له. وفي الآية: أن المرأة ولو كانت عالية القدر كزوجة ملك أو وزير هي في الأصل الفطري من تتولى العناية بالنشء؛ لانشغال الرجل بأموره خارج بيته. فوجب عليها ذلك؛ ورُفِعَ عنه الوجوب بشغله بضروريات المعاش فتعين عليها، ولجريان الفطرة الخلقية على ذلك، والفطرة من الدين (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (الروم: ٣٠). ولذا وجبت حضانته في سن الحضانة عليها شرعا، وقضاء. ويلزم الرجل النفقة. ولأن النشء في البيت ألصق بأمه فأمرت برعايته نصا «والمرأة راعية .. » (٢). وتدل الآية (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ) مفهوما على أن الإهانة للنشء في أموره لا تجلب نفعا، عادة.

стр. 594

وقلنا «عادة» لتعليق النفع في الآية بـ (عَسَى) للترجي الجارية مجاري العادات السببية، وقد تتخلف قليلا، والأحكام تبنى على الغالب لا على النوادر. فالإكرام للطفل واجب في الجملة. تأديب الولد: وتأديب الولد بتوسط، وبما جرى عليه عرف صحيح غير معارض للشريعة -تأديبَ نظرٍ وإصلاحٍ لا ضررٍ ولا إتلافٍ- مشروع (١). ومنه ضربه تأديبا اضطرارا بلا ضرر في عضو أو نفس عند عدم جدوى غيره. وخاصة على الصلاة «علموا أولادكم الصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر» (٢). وضربه هنا تكليفٌ على الولي. وهو على الصبي تأديب لا تكليف، والحكمة منه تعويده على التكليف تدرجا؛ لأنه لا يتم لزومه التكليف تاما من أول لحظة في بلوغه إلا بتدرج تربية سابقة فوجب قبل البلوغ؛ لأنه لا يتم إلا بذلك، كمسح جزء من الرأس لتمام غسل الوجه، ولا يقال إن التكليف نزل فآمن الصحابة دون سابق تربية؛ لأنه نزل تدريجيا فأغنى عن سابق تدريج من التربية عليه. ما يحرم في تأديب الولد: وشتم طفل ولو أخطأ بمقذع الأصل فيه الحرمة، لعموم النص (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) (البقرة: ٨٣)، (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ) (الإسراء: ٥٣)، (وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الحجرات: ١١). وفُسِّرت عند البعض بقول شخص لآخر هو حمار، أو كلب، ونحو ذلك. وليس المؤمن بسباب، ولا لعان، ولا طعان، ولا فاحش، ولا بذيء (٣). وغير هذه من النصوص.

стр. 595

ولا مخصص، فدخل فيها طفل وبالغ وقريب وبعيد. ويحرم وسمه، أو صعقه بكهرباء، أو تهديده بسلاح، أو إحراق في يده أو وجهه أو بدنه. ويحرم تقييده بربط رجليه، أو يديه، أو بأي شكل غير هذا، أو ضربه بما يكسر عظما أو يدمي أو يقشر جلدا أو يغيره لونا، أو تورماً. ويحرم ممارسة أي نوع من التعذيب النفسي، أو البدني؛ لأن هذه من الضرر الفاحش، وهو محرم؛ لأنه ظلم وعدوان. وتحرم إخافته، فإن أخافه فأصيب ضمن، أو لحقه فهرب فوقع من عال، أو أمام سيارة ضمن، أو أفزعه فطار عقله أو استطلق بوله خوفا، فإنه يضمن ديانة وقضاء. المفردات الهامة لتربية الولد: ويتدرج مع الطفل في التربية، فيُعلَّم ضروريات الدين، ومكارم الأخلاق وجوبا على الوالد لولده منذ الصغر؛ لقوله ﷺ للحسن وقد أخذ من تمر الصدقة: «كخ كخ»، وهذه الكلمة تقال للطفل قبل تمام نطقه، كما سيأتي بعد قليل. وقد جمع الله على لسان لقمان مفردات التربية، وذكرها تعالى مقرا لذلك كتشريع عام. فيعلم التوحيد لله وعدم الإشراك به (يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ) (لقمان: ١٣)، ويبين له خطره (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). وطاعة والديه (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (لقمان: ١٤). ويعلم مراقبة ربه وقدرته ولطفه (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) (لقمان: ١٦). وفرضٌ أن يُعلَّم الصلاة (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ). ولقوله تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) (طه: ١٣٢). أي اصطبر عليها دفعا للانقطاع عن المتابعة والاستمرار؛ لأنه واجب مستمر. ويختار لذلك الأسلوب الحسن، كقوله يا بني في (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ).

стр. 596

وعموما طوال عُمْرٍ في آية (وَأْمُرْ أَهْلَكَ). ويعلم القوة في قول الحق وانتقاد الأفعال والتصرفات الخاطئة كالكذب، والسرقة، والأذى، وتخريب الأشياء، والحسد، والسب، وترك الدروس، والغش (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ) (لقمان: ١٧). والصبر في حياته على كل ما يواجهه من متاعب ومصائب وردود الأفعال السيئة عند من لا يقبل توجيهه، ولا يحبط وييأس ويهزم (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) (لقمان: ١٧). ويُعلَّم ترك الخيلاء في الأرض، والفخر على الناس بقول أو فعل (وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان: ١٨)، والاختيال يحصل بالأفعال والفخر يكون باللسان؛ فجمع بينهما في النص. وليجتنب تصعير وجهه (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) (لقمان: ١٨). وهكذا كل ما ينفعه عليه تعليمه لولده حتى هيئة مشيته (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) (لقمان: ١٩). وأدب نبرة صوته (وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ) (لقمان: ١٩). وليُقَبِّح له السيئ بضرب الأمثال بما يذمه ويلامسه في حياته (إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) (لقمان: ١٩). وليفتح له آفاق الحياة والمستقبل ويحذره من أي فعل يؤدي إلى البغضاء والفرقة خاصة مع إخوته (قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ* وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ) (يوسف: ٥ - ٦). منع الحرام عن الطفل: ويجب نهي الطفل عن محرم، تعليما له وتأديبا. ومنعه منه ولو باليد لحديث أن الحسن أخذ تمرة من تمر الصدقة وهو صغير فقال له النبي ﷺ : «كخ كخ لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد» (١).

стр. 597

فزجره عن أكل تمرة لا تحل له مع كونه لا يفهم النهي إلا بهذه الكلمة. وقوله «كخ كخ» يدل على صغر الحسن آنذاك؛ لأنها كلمة تقال لزجر الطفل في بداية عمره؛ لعدم عقله تفصيل الخطاب، فيزجر بما يناسبه ويعيه. ويدل هذا على زجر الطفل عن المحرمات عموما بالقياس؛ لعدم الفارق. فلا يحل إلباس الطفل الذكر الذهب، ولا الحرير، ولا يشرب محرما، ولا يطعم محرما، ولا يأتي بفاحشة. ويجب منعه من رفقاء السوء. ويجب السؤال والتحري عن صحبته حتى لا يقع في يد من لا خلاق له فيوقعه في المهالك، ويدل له (قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) (يوسف: ٥). فإذا حذره والده من إخوته في هذا الأمر لغلبة ضررهم في ذلك فغيرهم أولى. وفرض سد باب الاقتراب مما قد يوقع في منكر بدليل قوله ﷺ : «وفرقوا بينهم في المضاجع» (١). فالأمر بالتفريق أثناء النوم يدل على حرص الشريعة على قصدها في حفظ الطفل، وسد كل موصل إلى ضرر. حفظ الطفل من الأضرار: ويجب حفظ الطفل عن المتلفات والمضرات: ١ - فلا يوضع في متناول يده السموم والمبيدات، والأدوية. ٢ - ولا سلاح ناري، أو حادٌ. ٣ - ولا ما يشعل به النار كثقاب أو ولاعة، ولا غاز، أو نحوه. ٤ - ولا مفاتيح الكهرباء المفتوحة. ولا يوضع بمكان يمكن أن يغرق فيه إن كان بمفرده، كمسابح بيتية أو بانيو أو حوض ماء ممتلئ بقرب صغير يحبو يمكن أن يغرقه.

стр. 598

٥ - ولا يوضع على سطح بيت لا شفير له يتعذر اجتيازه على طفل. ٦ - وقد نهي عن النوم على سطح بيت كما في الحديث الصحيح، والطفل له هذا المعنى. ٧ - ولا يرسل لحاجة في طريق مخوف عليه كشاهق. ٨ - أو طريق سيارات سريع يعجز مثله عن تفاديه. ٩ - أو يجتاز بركة أو سدا لا يجتازه مثله. ١٠ - أو يمر بطريق فيه حفريات عميقة يغلب إصابته فيها، أو عصابات تخطف مثله، أو سبع يقتله. ١١ - أو يسافر وحده في رفقة غير مأمونة، وطريق لا يأمن مثله فيه. ١٢ - ولا يُرْسَل لإيصال مسدس ونحوه، أو سكين، أو سام، أو ما يمكن أن يتلفه أو يضره لغلبة الضرر فيه عليه. ١٣ - ويحرم إعطاؤه ما يضره كدخان وقات؛ لأنه ليس من النصيحة له ولا مصلحته. ١٤ - ويحرم ولو على والد، أو والدةٍ، إرسال الطفل للتجسس على شخص. ١٥ - أو تعليمه أن يكذب إن سئل. ١٦ - أو يسب فلانا، أو يؤذي آخر. ١٧ - أو يتلف أو يسرق. تهريب الأطفال: ويحرم استغلال الأطفال لتهريب المخدرات والممنوعات. ويجب عقوبة المستغل له عقوبة رادعة. ويجب محاربة عصابات تهريب الأطفال والأحداث لاستغلالهم في أمور ضارة كفواحش من لواط أو زنا أو دياثة، أو تجارة الأعضاء البشرية، أو بيعهم كعبيد أو استغلالهم للعمل. والواجب على الدولة ردع هذه العصابات المستغلة المفسدة في الأرض، بما قد يصل إلى حد القتل إن اقتضى الأمر ذلك تعزيراً أو حَدَّاً؛ لأنهم من المفسدين في الأرض (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ

стр. 599

وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: ٣٣). وتقدير العقوبات بحسب تقدير القضاء ونظره. الطفل وجناياته وشهادته وسجنه العمد في جناية الطفل خطأ. وضمان ما أتلفه من شيء على وليه. وسواء الجراح وغيرها إلا القتل فالدية على عاقلته. وإن ثبت تغرير شخص بطفل يمكن خداعه لارتكاب جريمة وحثه وتشجيعه عليها؛ فإن الضمان على المغرِّرِ لا على الطفل؛ لأن الطفل يمكن خداعه عادة بخلاف بالغ عاقل غالبا. وشهادة الأطفال على بعضهم قرينة لا حجة؛ لسرعة جريان الهلع والخوف المؤثر على ضبط الشهادة حين الحادث. ولإمكان ضغط قريب عليه بعده بأمر كتهديد يؤثر على إثباته. ولقول الله (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) (الطلاق: ٢)، وهذا تكليف، ولا تكليف على غير بالغ عاقل، ولأن شهادة الصبيان تَرِدُها الشبهة المعتبرة، فلا يقام بها حد أو حقوق أو عقود. وسجن الطفل محرم، سواء من والد، أو والدة، أو وليه، أو حاكم؛ فإن ضرره عليه كبير. وليس فيه إحسان به ولا مصلحة. وقد قال يوسف (وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) (يوسف: ١٠٠). فدل على أن السجن ليس من الإحسان للكبير فضلا عن طفل. وإنما يسجن بالغ راشد مطيق فيما لا يندفع إلا بسجنه؛ لأنه يتحمله لوفور قوته بخلاف طفل. بل يحفظ إن جنى في بيت وليه، ويمنعه من الخروج تأديبا وحفظا حتى يظن انزجاره ويندفع الضرر.

стр. 600

أحكام متعددة: وينظر للطفل في كل أموره بما يصلحه ويدفع عنه ما يضر ويفسد؛ لأن الدين النصيحة؛ ولأن غش الراعي لرعيته محرم «من مات وهو غاش لرعيته لم يرح رائحة الجنة» (١). ومن النصيحة له تعليمه كل حسن، وتجنيبه كل مستقبح عرفا أو شرعا. لأن العادة محكمة. وهي قاعدة من القواعد الخمس التي تدور عليها الشريعة. فيُعَلَّم مميز مستوعب: تنظيم وقته، ونومه، وفراشه، وهيئته، ويعوّد على ذلك. وينفر عن كل مستقبح في حياته، وأخلاقه، وتعامله، ومدرسته. ويعوّد على الطموح، فهو أسلوب الأنبياء كما قال يعقوب لولده يوسف طفلا (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (يوسف: ٦)، ففتح أمامه الخير وبشره وحثه. والنبوغ، والمصداقية، وتجنب الغش، والكذب، والخداع، والكسل، والتسويف، ويشجع بثناء عليه، خاصة أمام نظرائه، أو كإعطائه هدية، وكل بحسب اقتضاء ما ينفعه. ويزوره وليه إلى مدرسته؛ لأنها من مصالحه. ولا يحبطه بتيئيس، أو إسماعه أوصافا من الكلام تؤدي إلى إحباطه. وليصبر وليه على تعليمه وتأديبه ونفعه، فإن الله أمر الولي بأمر أهله بالصلاة، وأمرَ بالصبر على ذلك. لأن متابعته واستمرار ذلك وتحمل الخطأ والكسل والمخالفة من الطفل مع إمكان تكرارها كثيرا يحتاج إلى صبر عليه (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) (طه: ١٣٢). وليعلم أدب النوم، وماذا يصنع عند الفزع، والأذكار، وآداب الرؤيا.
следующие страницы →