وعموما طوال عُمْرٍ في آية (وَأْمُرْ أَهْلَكَ).
ويعلم القوة في قول الحق وانتقاد الأفعال والتصرفات الخاطئة كالكذب، والسرقة، والأذى، وتخريب الأشياء، والحسد، والسب، وترك الدروس، والغش (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ) (لقمان: ١٧).
والصبر في حياته على كل ما يواجهه من متاعب ومصائب وردود الأفعال السيئة عند من لا يقبل توجيهه، ولا يحبط وييأس ويهزم (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) (لقمان: ١٧).
ويُعلَّم ترك الخيلاء في الأرض، والفخر على الناس بقول أو فعل (وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان: ١٨)، والاختيال يحصل بالأفعال والفخر يكون باللسان؛ فجمع بينهما في النص.
وليجتنب تصعير وجهه (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) (لقمان: ١٨).
وهكذا كل ما ينفعه عليه تعليمه لولده حتى هيئة مشيته (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) (لقمان: ١٩).
وأدب نبرة صوته (وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ) (لقمان: ١٩).
وليُقَبِّح له السيئ بضرب الأمثال بما يذمه ويلامسه في حياته (إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) (لقمان: ١٩).
وليفتح له آفاق الحياة والمستقبل ويحذره من أي فعل يؤدي إلى البغضاء والفرقة خاصة مع إخوته (قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ* وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ) (يوسف: ٥ - ٦).
منع الحرام عن الطفل:
ويجب نهي الطفل عن محرم، تعليما له وتأديبا.
ومنعه منه ولو باليد لحديث أن الحسن أخذ تمرة من تمر الصدقة وهو صغير فقال له النبي ﷺ : «كخ كخ لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد» (١).
стр. 597
فزجره عن أكل تمرة لا تحل له مع كونه لا يفهم النهي إلا بهذه الكلمة.
وقوله «كخ كخ» يدل على صغر الحسن آنذاك؛ لأنها كلمة تقال لزجر الطفل في بداية عمره؛ لعدم عقله تفصيل الخطاب، فيزجر بما يناسبه ويعيه.
ويدل هذا على زجر الطفل عن المحرمات عموما بالقياس؛ لعدم الفارق.
فلا يحل إلباس الطفل الذكر الذهب، ولا الحرير، ولا يشرب محرما، ولا يطعم محرما، ولا يأتي بفاحشة.
ويجب منعه من رفقاء السوء.
ويجب السؤال والتحري عن صحبته حتى لا يقع في يد من لا خلاق له فيوقعه في المهالك، ويدل له (قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) (يوسف: ٥). فإذا حذره والده من إخوته في هذا الأمر لغلبة ضررهم في ذلك فغيرهم أولى.
وفرض سد باب الاقتراب مما قد يوقع في منكر بدليل قوله ﷺ : «وفرقوا بينهم في المضاجع» (١).
فالأمر بالتفريق أثناء النوم يدل على حرص الشريعة على قصدها في حفظ الطفل، وسد كل موصل إلى ضرر.
حفظ الطفل من الأضرار:
ويجب حفظ الطفل عن المتلفات والمضرات:
١ - فلا يوضع في متناول يده السموم والمبيدات، والأدوية.
٢ - ولا سلاح ناري، أو حادٌ.
٣ - ولا ما يشعل به النار كثقاب أو ولاعة، ولا غاز، أو نحوه.
٤ - ولا مفاتيح الكهرباء المفتوحة.
ولا يوضع بمكان يمكن أن يغرق فيه إن كان بمفرده، كمسابح بيتية أو بانيو أو حوض ماء ممتلئ بقرب صغير يحبو يمكن أن يغرقه.
стр. 598
٥ - ولا يوضع على سطح بيت لا شفير له يتعذر اجتيازه على طفل.
٦ - وقد نهي عن النوم على سطح بيت كما في الحديث الصحيح، والطفل له هذا المعنى.
٧ - ولا يرسل لحاجة في طريق مخوف عليه كشاهق.
٨ - أو طريق سيارات سريع يعجز مثله عن تفاديه.
٩ - أو يجتاز بركة أو سدا لا يجتازه مثله.
١٠ - أو يمر بطريق فيه حفريات عميقة يغلب إصابته فيها، أو عصابات تخطف مثله، أو سبع يقتله.
١١ - أو يسافر وحده في رفقة غير مأمونة، وطريق لا يأمن مثله فيه.
١٢ - ولا يُرْسَل لإيصال مسدس ونحوه، أو سكين، أو سام، أو ما يمكن أن يتلفه أو يضره لغلبة الضرر فيه عليه.
١٣ - ويحرم إعطاؤه ما يضره كدخان وقات؛ لأنه ليس من النصيحة له ولا مصلحته.
١٤ - ويحرم ولو على والد، أو والدةٍ، إرسال الطفل للتجسس على شخص.
١٥ - أو تعليمه أن يكذب إن سئل.
١٦ - أو يسب فلانا، أو يؤذي آخر.
١٧ - أو يتلف أو يسرق.
تهريب الأطفال:
ويحرم استغلال الأطفال لتهريب المخدرات والممنوعات.
ويجب عقوبة المستغل له عقوبة رادعة.
ويجب محاربة عصابات تهريب الأطفال والأحداث لاستغلالهم في أمور ضارة كفواحش من لواط أو زنا أو دياثة، أو تجارة الأعضاء البشرية، أو بيعهم كعبيد أو استغلالهم للعمل.
والواجب على الدولة ردع هذه العصابات المستغلة المفسدة في الأرض، بما قد يصل إلى حد القتل إن اقتضى الأمر ذلك تعزيراً أو حَدَّاً؛ لأنهم من المفسدين في الأرض (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ
стр. 599
وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: ٣٣).
وتقدير العقوبات بحسب تقدير القضاء ونظره.
الطفل وجناياته وشهادته وسجنه
العمد في جناية الطفل خطأ.
وضمان ما أتلفه من شيء على وليه.
وسواء الجراح وغيرها إلا القتل فالدية على عاقلته.
وإن ثبت تغرير شخص بطفل يمكن خداعه لارتكاب جريمة وحثه وتشجيعه عليها؛ فإن الضمان على المغرِّرِ لا على الطفل؛ لأن الطفل يمكن خداعه عادة بخلاف بالغ عاقل غالبا.
وشهادة الأطفال على بعضهم قرينة لا حجة؛ لسرعة جريان الهلع والخوف المؤثر على ضبط الشهادة حين الحادث.
ولإمكان ضغط قريب عليه بعده بأمر كتهديد يؤثر على إثباته.
ولقول الله (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) (الطلاق: ٢)، وهذا تكليف، ولا تكليف على غير بالغ عاقل، ولأن شهادة الصبيان تَرِدُها الشبهة المعتبرة، فلا يقام بها حد أو حقوق أو عقود.
وسجن الطفل محرم، سواء من والد، أو والدة، أو وليه، أو حاكم؛ فإن ضرره عليه كبير.
وليس فيه إحسان به ولا مصلحة.
وقد قال يوسف (وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) (يوسف: ١٠٠).
فدل على أن السجن ليس من الإحسان للكبير فضلا عن طفل.
وإنما يسجن بالغ راشد مطيق فيما لا يندفع إلا بسجنه؛ لأنه يتحمله لوفور قوته بخلاف طفل.
بل يحفظ إن جنى في بيت وليه، ويمنعه من الخروج تأديبا وحفظا حتى يظن انزجاره ويندفع الضرر.
стр. 600
أحكام متعددة:
وينظر للطفل في كل أموره بما يصلحه ويدفع عنه ما يضر ويفسد؛ لأن الدين النصيحة؛ ولأن غش الراعي لرعيته محرم «من مات وهو غاش لرعيته لم يرح رائحة الجنة» (١).
ومن النصيحة له تعليمه كل حسن، وتجنيبه كل مستقبح عرفا أو شرعا.
لأن العادة محكمة.
وهي قاعدة من القواعد الخمس التي تدور عليها الشريعة.
فيُعَلَّم مميز مستوعب: تنظيم وقته، ونومه، وفراشه، وهيئته، ويعوّد على ذلك.
وينفر عن كل مستقبح في حياته، وأخلاقه، وتعامله، ومدرسته.
ويعوّد على الطموح، فهو أسلوب الأنبياء كما قال يعقوب لولده يوسف طفلا (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (يوسف: ٦)، ففتح أمامه الخير وبشره وحثه.
والنبوغ، والمصداقية، وتجنب الغش، والكذب، والخداع، والكسل، والتسويف، ويشجع بثناء عليه، خاصة أمام نظرائه، أو كإعطائه هدية، وكل بحسب اقتضاء ما ينفعه.
ويزوره وليه إلى مدرسته؛ لأنها من مصالحه.
ولا يحبطه بتيئيس، أو إسماعه أوصافا من الكلام تؤدي إلى إحباطه.
وليصبر وليه على تعليمه وتأديبه ونفعه، فإن الله أمر الولي بأمر أهله بالصلاة، وأمرَ بالصبر على ذلك.
لأن متابعته واستمرار ذلك وتحمل الخطأ والكسل والمخالفة من الطفل مع إمكان تكرارها كثيرا يحتاج إلى صبر عليه (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) (طه: ١٣٢).
وليعلم أدب النوم، وماذا يصنع عند الفزع، والأذكار، وآداب الرؤيا.
стр. 601
وإذا رأى الطفل في نومه رؤيا فصِدْقُها واردٌ كرؤيا بالغ.
وقد يتعلق بها خير كثير للولد ولأسرته وغيرهم، ويندفع بها شر كثير.
وإذا قصها على والده استمع له، ويبشره بها ويشجعه لقوله تعالى عن يوسف (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ* قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ* وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (يوسف: ٤ - ٦).
وشرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد في شريعتنا خلافه، ولم يرد هنا ما يخالف.
وفيه إمكان رؤية الطفل رؤيا يتعلق بها حدوث أمر عظيم مما يكون في المستقبل حقا.
وفيه الاستماع من الأب لذلك.
وفيه تحذير الوالد لولده مما يضره في هذا الأمر، وغيره قياساً.
وفيه تنبيه الولد على الضرر ولو أدى إلى ذكر قريب كأخ له فيه بلا تحريض، بل يعلل له أن منشأ ذلك نزغ الشيطان كما في الآية السابقة.
وفيه فتح باب المستقبل، والتيسير للطفل، وتذكيره بنعمة الله عليه.
وفيه تذكير الطفل بمآثر الصالحين، وخاصة من آبائه ليسير على ذلك (١).
العدل بين الأبناء
والعدل بين الأبناء واجب لقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠).
ولقوله ﷺ : «اتقوا الله واعدلوا بين أبنائكم» (٢).
وعند خلافهم يفصل بينهم بالحكمة (٣) لكثرة خلاف الأطفال، فإن بلغوا فبالعدل والحكمة.
стр. 602
ولا يعطي أحداً عطية إلا عَدَلَ مع غيره نحوه بما يليق به (١).
وإن أعطى عقارا لأحد ساوى بين الآخرين في ذلك ذكرا أو أنثى.
وإن زوج أحدهم زوج غيره.
فإن مات الوالد أخرج من رأس المال من الوصية الواجبة ما يفي بزواجه.
وكل هذا أصله ما سبق من النص.
وليحذر من افتتان بولدٍ، أو زوجةٍ، أو مالٍ؛ لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) (التغابن: ١٤).
ومع الحذر أمر بالعفو والصفح والمغفرة.
ويحذر الالتهاء عن ذكر الله بمال أو ولد؛ لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (المنافقون: ٩).
وقد يكون الولد عاقا ابتلاءً، كولد نوح، فليدْعُ له وليصبر عليه.
والفخر بالولد محرم.
ولا يجوز الإعجاب بمال حرامٍ أو ظالم وولد منحرف؛ لأنها أدوات تعذيب في الدنيا (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (التوبة: ٥٥).
(وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المنافقون: ٤).
ويحرم اعتقاد أن الولد أعطي لمحبة الله ورضاه عنك، فقد يكون نقمةً ولهوا وعدوا.
والولد في الأصل نعمة ومتاع دنيوي يعطى لمسلم وكافر (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ)
فقه المرأة
* (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: ٢٢٨)
* (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ) (النساء: ٣٢)
* (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) (التوبة: ٧١)
* (وَلا تُضَارُّوهُنَّ) (الطلاق: ٦)
* الحياة العظيمة مصدرها الأسرة العظيمة، والأسرة العظيمة مصدرها المرأة العظيمة.
* الكون كله مركب بذرة سالبة وأخرى موجبة، وبهما تتولد الطاقة، وهكذا الرجل والمرأة.
* المرأة لها الحقوق كافة سياسية، وتعليمية، واجتماعية، ومالية، وإنسانية، ونفسية، وطبية
* المرأة تفضل الرجل في الميراث في حالات، وتساويه في حالات، ويفضلها في حالات
* المرأة تفضل الرجل في الشهادة في حالات، وتساويه في حالات، ويفضلها في حالات
стр. 605
فقه المرأة
المرأة جزء مخلوق من الرجل ابتداءً لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) (النساء: ١).
وجميع الخليقة منهما من رجل وأنثى بعدئذ (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء).
وقوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى) (الحجرات: ١٣).
إلا عيسى بن مريم فمن أنثى ولا أب له آية للناس.
كما خلق آدم من تراب بلا أب ولا أم، ونفخ الله فيه من روحه.
ومثل عيسى كمثله (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (آل عمران: ٥٩).
والمرأة تساوي الرجل في التكليف في الأصل، إلا ما خفف عنها مناسبة لخاصيتها الفطرية.
وتتساوى في الخطاب في نحو (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، ولا تخص إلا بدليل، ولا تفرقة إلا بدليل، وليس هذا خطابا ذكوريا؛ لأنه قصد به الوصف المشترك لا الجنس المعين.
ومن قال إنه خطاب للرجال وتدخل فيه النساء تغليبا فقد أخطأ؛ لأنه نظر باصطلاح النحاة، وهو متأخر عن أصل الوضع اللغوي.
فإنهم وضعوا هذه الأسماء على الاشتراك المتساوي بين الرجال والنساء لا على التغليب، وبهذا يرد على بعض من قلدهم في هذا العصر مسميا ذلك «الخطاب الذكوري» مظهراً الدفاع عن حق المرأة.
وكل قطعي أو ظني هما فيه سواء في التكليف، إلا ما استثني تخفيفا لهما، كالتخفيف عن المرأة في وجوب القتال في سبيل الله، وعن الرجل في العناية بالصغار.
والتمعر لولادة الأنثى من عمل أهل الجاهلية المذموم بالنصوص.
والأحكام التي ذكرت في فقه المولود لا يفرق فيه بين ذكر وأنثى.
وإنما يرش بول الطفل الرضيع قبل أكله الطعام، ويغسل بول الرضيعة لأنها تبول في
стр. 606
موضع واحد فسهل غسله بخلاف الذكر الرضيع فيترشرش متفرقا؛ فخفف الشرع في غسله بالرش.
وكل حقوق الرضاع، والحضانة، والنفقات، والتربية، والإحسان: لا فرق بين ذكر وأنثى في ذلك.
- فضل الأنثى:
ويزاد للأنثى فضل تربيتها في قوله ﷺ : «من رزق بثلاث بنات أو اثنتين فأحسن تربيتهن كُنَّ له حجابا من النار» (١).
وقد حمل رسول الله ﷺ في صلاته أمامة طفلةً وهي بنت بنته (٢)، وكان إذا سجد وركع وضعها وإذا قام أخذها، ولم يقع هذا لغيرها من الذكور.
- لا وجوب في ختان الأنثى ولا تشريع عام:
وختان ذكر واجب، لا أنثى؛ ويجوز ختانها فإن تضررت حرم.
وختانها بشق، وجرح، ورتق بخياط للجانبين حتى لا ينفتح إلا لزفافها كله محرم، ومن المنكرات.
وفاعله آثم ولو أذن له الولي.
ولزم المباشر والآذن أرش جراحةٍ، وتعزيرٌ؛ لأنه تعذيب.
وليس للولي ذلك؛ لأنه لا عمل لإذن الولي في تعذيبٍ؛ لأنه خارج النظر المصلحي.
ولا يدخل هذا التعذيب في الأذن بالختان المباح إن اقتضى الأمر؛ لأنه إزالة يسيرة لزيادة قد تتضرر بها الأنثى في بعض البلاد.
стр. 607
وتُحلَّى الأنثى لا الذكر بذهب وحرير.
وتثقب في الأذنين لعلاقة الحلي.
وهو أمر جرت به العوائد، ولم ينكره الشرع، وهو واقع في زمنه ﷺ ، فدل على الجواز.
والإيلام فيه خفيف (١).
- المرأة والاقتصاد المنزلي:
ومن مصالح الأنثى تدريبها على ما جرت به العادات، وأقرته الشرائع من تدبير شئون البيت طعاما، وشرابا، وترتيباً، وتدبير شئون الذرية، تدريبا لها، وهو من مصالحها، ومن النصح لها و «الدين النصيحة» (٢).
وتعليمها ذلك على أمها؛ لأنها راعية في بيت زوجها بالنص (٣).
ولأن العادة محكمة.
وهل يلزم هذا أختها الكبرى عند وجود أم؟ الأصح لا؛ لأن الأم هي الراعية الشرعية إلا في يُتْمٍ، فقد يلزم؛ لأنه من النصيحة (وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الأنفال: ٧٥)، فإن عدمت لزم والدها تكليف زوجته الأخرى (٤)، فإن تعذر دفعها إلى إحدى قريباتها؛ لأن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، ولأنه من عموم الحقوق المتعلقة بمصالحها الهامة (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) (الإسراء: ٢٦)، فإن تعذر استأجر لها معلمة، فإن عَدِم ذلك سقط عنه.
- حق المرأة في التعليم إلى أعلى المستويات:
ومن حق أنثى أن تتعلم وتتأهل من أول التعليم الابتدائي إلى أعلى المستويات؛ لأنه يغلب عليه المصلحة: الخاصة لها والعامة للمجتمع، وتحصيل ما يترتب عليه مصلحة معتبرة مطلوب كلي.
стр. 608
والنصوص المتواترة في العلم وفضل أهله، وذم الجهل عامة؛ فيدخل فيه ذكر وأنثى للعموم.
فتعليمها من مصالحها بل من المصالح العامة؛ فلا خير في جهل النساء.
وقولنا «من حقها» أي: لا تمنع منه.
وعلى الدولة فعل ذلك؛ لأنه من المصالح العامة.
ولم نقل يجب؛ لأن الوجوب أخص من الحق فتأثم بترك الواجب لا بترك ما هو حقها إلا في تعليم واجبات الدين.
وشرطه حينئذ التزامها بأحكام شرعية تتعلق بأحوالها زمانا ومكانا.
فالزمان ما تعلق بسنها من أحكام ككونها صغيرة، وكونها مراهقة، أو بالغة.
وكون التعليم ليلا أو نهارا.
وكذا ما يتعلق بالمكان: كونها في بيت والدها، أو وليها، ثم زوجها، وكون تعليمها في مكان عام، أو خاص محضٍ، أو مختلطٍ، وسيرها إليه راكبة، أو راجلة وركوبها في نقل عام، أو خاص وغير ذلك.
ومن المصلحة الشرعية أن تخص بأمور في المنهج للقطاع التعليمي النسائي مما هو من خاصية أحكام المرأة وما هو من فطرتها.
- الزي المدرسي للطالبات:
وإن أُلزِمَت الطالبات بزي مدرسي، ففرض على الدولة إلزامها بما هو مفروض من حجاب للمرأة المسلمة.
وهو إخفاء زينة البدن بستر كامله سوى وجه وكفين ففيهما خلاف إلا عند حصول فتنة، فتدفع بسترهما وغض البصر.
وتسوية زي مدرسي أو تعليمي في أي مرحلة بين ذكر وأنثى محرم.
وعلة التحريم؛ أداؤه إلى سقوط فرض قطعي هو الحجاب على المرأة البالغة، فإن لم تكن قد بلغت فلعلة مخالفة الفطرة، وكل ما خالف الفطرة فهو غير مشروع (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ
стр. 609
النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (الروم: ٣٠)، فسمى الله الفطرة دينا.
فإن أمر به حاكم أو سلطة حرمت الطاعة في ذلك؛ لأن الطاعة إنما هي فيما وافق الشرع.
فإن أدى إلى مخالفة الفرائض بطل الأمر، وحُقَّ للشعب مساءلته.
فإن أصر على ذلك فولايته باطلة ووجب عزله؛ لأنه حكم بغير ما أنزل الله بواحا؛ لقول النبي ﷺ «إلا أن تروا كفرا بواحا» (١)، إذْ الحجاب على بالغةٍ فرضٌ قطعي بالنص في القرآن والسنة.
فإصدار أمر من دولة أو جهة مديرة بتوحيد الزي التعليمي بين الجنسين يقضي بإبطال معلوم من الدين بالضرورة.
وما أدى إلى إبطال ضروري فهو باطل ضروري، ويجب إنكاره وتغييره ضرورة، وخلع مُصرٍّ على إنفاذه واجبٌ.
ولا يجوز لولي الطالبة تسجيلها في مدرسة منفلتة عن التعاليم الإسلامية والآداب والأخلاق، فإن فعل فهو غاش لرعيته مضيع لما ائتمنه الله له مما تحت يده، «ومن مات وهو غاش لرعيته لم يرح رائحة الجنة» (٢).
- المرأة ووسائل المواصلات:
ومن استأجر سائقا خاصا لإيصال أهله وبناته إلى مدارسهن وحوائجهن: وجب عليه اختيار عدل أمين ذي دين، لا فاسق ولا خَوَّان.
فإن كان مع هذا مسناً متزوجاً فحسنٌ؛ لوفور عقله وبُعْدِه عن الطيش.
فإن انفرد سائق في السيارة مع امرأة بالغ، أو مراهقة كان في معنى الخلوة وقريبا منها، وأدى إلى نوع من فسادها؛ لإمكان نزغ الشيطان بخضوع قول وكلام غير لائق، وهذا محرم وطريق إلى الطمع في الأعراض (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) (الأحزاب: ٣٢).
стр. 610
فإن كانت السيارة معكسة: فهي كالخلوة؛ فيحرم ركوب امرأة منفردة مع سائق في سيارة معكسة، فإن كن جماعة زالت الخلوة.
فإن كان يوصلها سائق الجهة كمدرسة أو شركة لها سيارات خاصة لنقل موظفيها أخذت تلك الأحكام.
وأولُ طالعة، وكذا آخرُ من تنزل من الموظفات أو الطالبات مع سائق بانفرادٍ إن تباعدت المسافة قد تكون في حكم خلوة، أو قريب منها إن أمكن حصول مفاسد الخلوة بخلاف ما لو قربت المسافة، وكذا لو كانت بعيدة لكن لا يمكن حصول المفسدة، والضرورات تقدر بقدرها.
وللمرأة قيادة سيارة؛ لأن الأصل الإباحة.
ومن منع فعليه الدليل الصحيح الصريح الخالي عن المعارض وأنى له ذلك؟
ويحرم كونها مضيفة في طيران لكثرة مفاسد المهنة عليها.
وكل عمل كان الواقع فيه حصول محضور شرعي؛ فالفتوى على تحريمه.
ومن أفتى بحله بشرط التزام الضوابط أخطأ أو احتال.
إذ شرطه ذلك نظري ذهني، ففتواه عن أمر غير حاصل، والمطلوب الفتوى في واقعة حادثة بلا ضوابط شرعية.
- المرأة إذا تصدرت الوعظ للرجال:
وتصدر المرأة وعظ الرجال في المساجد، والإعلام، والمجامع العامة لم يُعْمَل بين يديه ﷺ مع الحاجة إليه.
ولوجود مقتضياته أيامه ﷺ وأيام خلفائه ولم تفعل النساء ذلك، ولم يوجد مانع.
وهذه هي شروط البدعة في الدين.
ولا تخطب جمعة، ولا عيدا.
وهذا هو سبيل المؤمنين أيام الرسالة والخلفاء والسلف وسائر الأمة تاريخيا (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا) (النساء: ١١٥).
стр. 611
أما إلقاؤها كلمة في حفل أو اشتراك في مداخلة كالأمسية، فالأصل أنه مباح بضوابطه شرعا من قول معروف وحشمة؛ لأن هذا مع قلة وندرة لا يدخل في محضور شرعي واضح، فإن تبين وقوع ذلك كتبرج منع للنص (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى) (الأحزاب: ٣٣).
أو خضوع بالقول وتكسر الكلام (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) (الأحزاب: ٣٢).
- سجن المرأة:
والأصل تحريم سَجْن النساء لغلبة المفاسد.
ولأن المرأة عرض، وإدخالها السجن فيه تضييع لمقصد الشرع في حفظ العرض (١).
فإن اضطرت الدولة لذلك: أقامت سجنا لا يكون فيه عامل إلا منهن، وبإشراف قضائي ورقابة تامة.
- تجنيد المرأة:
وتجنيد المرأة في الجيش مع الرجال محرم، وكذا في شرطة، أو أمن مختلط، إلا في قطاع شرطة نسائية خالص بأكمله بطاقم نسائي لا يخالطه غيرهن، وإنما جاز في هذه حتى يتعاملن مع مرتكبات الجرائم من النساء من تفتيش، وتأكد من هوية وغير ذلك.
والعلة في ذلك ما في تجنيدها من المفاسد العظيمة التي تناقض مقصد الشريعة في حفظ الأعراض وإكرام المرأة وصيانتها، فلا بد أن تحصل أمور مخالفة شرعا بكثرة كثيرة؛ لأن هذه هي طبيعة العمل في هذه المؤسسة، كخلوة محرمة، وخدمات ثنائية بين رجل وامرأة، ودوريات ليلية ونهارية ثنائية مشتركة، والاختلاط بالأفراد والقادة اختلاطا خارجا عن مقصود الدين في حفظ الأعراض.
ولذا لم تكلف بالجهاد، لا وجوبا ولا ندبا في الأصل.
ولم تخرج امرأة للقتال في زمن النبي ﷺ ولم تحمل سيفا، ولا تقلدت عُدة.
стр. 612
وخروج بعضٍ مع زوجها أو محرمها؛ لمداواة لا لقتال.
وهما مسألتان مختلفتان؛ فلا يقاس هذا على هذا لاشتراط المساواة بين أصل وفرع في صحة القياس، وهو ما لا يوجد هنا.
كما أن خروجها تبع، والتجنيد أصل، ويغتفر في التوابع ما لا يغتفر في الأصول.
والتجنيد يوجب القتال عليها، ومن أوجب ما لم يرد الله إيجابه بالنص فهو مُشرِّع ما لم يأذن به الله، ولا طاعة له (١).
ودعوى أن التجنيد من حقها مردودة بانتفاء كونه حقا شرعيا بالنص، ولاحقا وطنيا؛ لأن الوطن ليس بإله مشرع، ولا حقا فطريا؛ لأن الدلائل الواقعية والتاريخية والاجتماعية تدل على أنه من خلاف فطرتها وتكوينها.
ولأن المرأة إن عسكرت اقتضى تضييعها لواجب عيني متعلق بالزوج والبيت وبناء الأسرة وصيانة سمعتها وعرضها من الأذى.
وهذه أوجب الفروض عليها، وهي مقدمة على غيرها من الفروض، فكيف والتجنيد لها ليس بفرض، ولا مندوب! ؟
لا يتعنت الزوج في منع زوجته الإجابة للدعوة:
وإجابة الدعوة لعرس الوليمة مشروعة وجوبا للأمر بها، وهو حق للمسلم على المسلم؛ لحديث «حق المسلم على المسلم ست»، وفيه «وإذا دعاك فأجبه» (٢).
ويأذن لها زوجها؛ فإن امتنع فحقه مقدم على حق غيره.
ولا يتعنت في منعها؛ لأنه ليس من العشرة بالمعروف، وهو مأمور به (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء: ١٩)، ومنهي عن مضارتها والتضييق عليها (وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ) (الطلاق: ٦).
стр. 613
فإن تعنت أثم.
وهل لها الذهاب حينئذ؟
الصحيح لا تذهب؛ لأنه يفتح باب الشقاق بينهما؛ وهذه مفسدة قصد الشرع دفعها بين الزوجين حفاظا على الأسرة، فيجب دفع ما يوصل إلى ذلك.
ولأن الظاهر معه عند التناكر والتقاضي؛ لأن للزوج حقاً عليها ألا يأذن لها لحاجته لها وحقه مقدم، ودعواها أنه مضار مجرد عن البرهان؛ فهو خلاف الأصل؛ فتكون ناشزا، وأمره إلى الله، فإن صبرت قضى الله لها.
كوافير النساء
ويجوز لها الذهاب إلى كوافيرة نسائية مأمونة لا إمكان لاطلاع الرجال عليها.
وقولنا «مأمونة»: لحرمة إظهار زينتها على فاسقة لقوله تعالى (أَوْ نِسَائِهِنَّ) (النور: ٣١).
والإضافة تخرج عموم النساء وتخص المؤمنات.
ولأن الفاسقة لا تؤتمن على الأعراض؛ لإمكان تصويرها، أو الإيقاع بها: خاصة عند كثرة الفساد.
فإن كان محلُّ الكوافير مختلطاً يعمل فيه رجال ونساء، أو تعمل فيه نساء كوافيرات للرجال والنساء، فيحرم الذهاب إليه؛ لحصول إظهار زينتها لأجنبي لا يجوز له الاطلاع عليها.
وهذا محرم نصا (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: ٣١).
وليس الأجنبي واحدا من الذين شملهم الاستثناء في إظهار الزينة.
- لباس المرأة، وزينتها، والأعراس النسائية:
ولبس المرأة على ثلاث درجات:
стр. 614
الأولى: لبسها أمام الرجال الأجانب، وهو ما يستر جميع بدنها من رأسها وعنقها وصدرها إلى أسفل الكعبين في أقدامها؛ لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (الأحزاب: ٥٩).
فهذا في ستر كامل البدن بساتر كالجلباب أو ما يقوم مقامه مما يستر الزينة ويدفع الإيذاء عن المرأة.
وأما ما يستر الشعر والعنق والصدر فهو الخمار (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) (النور: ٣١)، فالخمار للرأس، وأمر أن يكون على الجيب وهو النحر والصدر، فدل على ستر الشعر والعنق والصدر.
أما الوجه والكفان ففيهما خلاف مشهور.
الثانية: الزينة التي تلبسها أمام من يجوز لها إظهارها له من المحارم والنساء والزوج والطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء.
وهي ما سنفصل عنها الكلام في زينة المرأة بعد قليل.
الثالثة: ما لا يجوز إظهاره إلا على زوجها وهي ما بين سرتها وركبتها، وأما الأثداء فلها إظهارهما للإرضاع أمام المحارم والنساء.
وأما ما لا يُظْهَر إلا على الزوج مما بين السرة والركبة فلا يجوز إظهاره ولو على النساء.
ولا يجوز لبس ما يصفه شكلا ولا حجما ولا لونا، فيحرم لبس مقطع يظهر السرة أو «مايوه»، أو ضاغط يصف السوءتين إلا لزوج فقط، وسيأتي التفصيل والاستدلال.
ويجوز للمرأة استعمال الزينة ما شاءت؛ لعموم (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (الأعراف: ٣٢).
ولأنه من أصل تنشئتها الفطرية (أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ) (الزخرف: ١٨)؛ ولأن الأصل الإباحة بشرط توسط، لا إسراف، ولا مخيلة، وعدم إظهارٍ لأجنبي يظهر على عورات النساء.
стр. 615
فجاز تحمير شفةٍ، وخدين، وبودرةٌ، وكحلٌ، وصبغٌ لشعر رأس، أو قص له، وخضابُ ما جرت عليه العادة.
الحواجب وشعر الجسد:
وتجتنب تحريما نتف حاجب، وشعر جسد على الطبيعة، إلا الإبطين والعانة.
فالأول للنص «لعن الله النامصة والمتنمصة» (١).
والثاني لعموم (وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) (النساء: ١١٩).
وإنما قلنا نتف شعر جسد على الطبيعة؛ لأنه يجوز إذا نبت الشعر في الجسم على غير الطبيعة العادية لدى النساء فهو حينئذ معالجة للضرر، وهو جائز.
ويجوز لها صبغ أطراف حاجبها لتدقيقه، أو كله بسواد على أصل الإباحة؛ لأن المحرم النمص وهو النتف، ونحوه مما يزيل الشعر في الحاجب ولو بحرق طبي، أو حلق، أو مزيل؛ لعدم الفارق.
فإن كان شعر جسدها نابتاً على غير عادة النساء، بل كالرجال، أو قريبا من ذلك، جاز لها إزالته؛ لأنه ليس بتغيير لما خلق الله من فطرة، بل هو معالجة عيب خرج عن أصل فطرة المرأة المخلوقة بها، فجاز لأنه كعلاج.
الوصل، والباروكة، والأهداب، وتفليج الأسنان:
وتجتنب تحريما وصل شعرها للنص «لعن الله الواصلة والمستوصلة» (٢).
وأولى منه لبس الباروكة وهو الشعر المستعار يلبس على الرأس.
стр. 616
ويحرم هذا، ولو لزوج؛ للعموم في النهي بلا تخصيص لزوج أو غيره.
ويحتمل الجواز لزوج لأن الباروكة هنا ليست وصلا ولا تغريرا.
وأما تركيب أهداب لإظهار طوله، فَتردّد، والأصل الإباحة، والإلحاق بالوصل قد يمكن.
ولنا أن نفصل في هذه المسألة فنقول الأصل أنه مباح إلا في حالة تركيب الأهداب تغريرا براغب زواج.
ولا يجوز لها برد أسنانها تفلجا وهي ملعونة إن فعلت نصا «لعن الله المتفلجات» (١).
الإسراف في الزينة وحرمة إظهارها إلا أمام من يحل له ذلك من المحارم والنساء:
وأما لبسها فتلبس ما شاءت من الزينة والثياب بلا إسراف ولا مخيلة.
وتظهرها أمام من يجوز له ذلك في النص (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: ٣١).
فإن أسرفت في ذلك كمن لبست ذهبا كثيرا خارجا عن التوسط أثمت؛ لإسرافها؛ ولأنه يدعو إلى الكبر والفخر والبطر غالبا، وما أدى إلى الحرام فهو حرام.
ومثله لبس أنواع من الأقمشة فائقة الثمن خارجة عن وسطية الشريعة إلى حد البذخ والإسراف؛ لعموم (وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأنعام: ١٤١).
لبس الضاغط، والمقطع، والشفاف، وما يظهر السرة أمام النساء والمحارم:
وجائز لها بين نساء مأمونات أو أمام محارمها أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء إظهار زينتها من شعر ونحر وصدر وساعدين وساقين لا إظهار سُرّةٍ ولا ما تحتها إلى الركبة؛ لخروجه عن التوسط إلى الذم الوارد في حديث «نساء كاسيات عاريات مائلات
стр. 617
مميلات لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها» (١)، ولأنه ليس من لباس التقوى (وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ) (الأعراف: ٢٦)، ولأن ما تحت السرة وفوق الركبة لا يتم الستر للعورتين إلا بسترهما، وما أدى إلى انكشاف العورة فهو من عمل الشيطان (يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا) (الأعراف: ٢٧).
فنزع اللباس حول السوءتين فوق الركبة وتحت السرة وسيلة إلى إظهار العورة حال الحركة والجلوس والارتفاق ولا بد، وهذا عمل شيطاني لإظهار العورات وما كان كذلك فهو محرم كما في الآية.
ولبس مقطع يظهر السرة وما تحتها كأسفل البطن والخصر، أو يظهر شيئا من فخذها كله محرم إلا منفردةً أو لزوج.
ومن قواعد الشريعة المجمع عليها ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كغسل شيء من الرأس لاستيعاب الوجه لأنه لا يتم إلا به.
فكذلك هنا لا يتم ستر السوءات إلا بلبس يعم الركبتين ويغطي السرة ويكون واسعا لا ضيقا يصف العورتين، وإلا أخذ حكم الكشف لورود النهي عن ضرب الرجل دفعا لكشف الزينة سماعا لتخيل خلخال (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ) (النور: ٣١)، فمن باب أولى وأشد المنع من لبس ضاغط على السوأتين يصف حجمهما، أو شكلهما بالرؤية؛ فهذا محرم حتى على النساء؛ لأنه لا يصح كشف العورتين إلا للزوج.
فيحرم ما كان كشفا لهما لشفافية اللبس، أو ضيقه الضاغط المبين للعورة وصفها أو شكلها أو حجمها.
ولأنه مشمول بحديث لعن الكاسيات العاريات؛ لعموم النهي فيه «صنفان من أمتي لم أرهما نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا، العنوهن فإنهن ملعونات» (٢) أخرجه مسلم.
стр. 618
ولا يجوز لها لبسه ولو بين نساء ثقات، ولو أما أو أختا؛ لأنها عورة مجمع على تحريم إظهارها إلا لزوج لما سبق من الاستدلال ولحديث «غط فخذيك فإنهما عورة» (١). وهو صحيح.
ولقوله تعالى (يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا) (الأعراف: ٢٧).
والقبل والدبر هما السوءتان دخولا أوليا قطعيا، وما حولهما إلى السرة والركبة يأخذ الحكم.
لأن ستر السوأتين لا تتم إلا به فوجب؛ لأنه وسيلة إلى واجب كغسل شيء من الرأس لتيقن غسل جميع الوجه.
ولقوله تعالى (وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ) (الأعراف: ٢٦)، وليس هذا من لباس التقوى، وغير لباس التقوى ليس بخير بمفهوم الآية.
وكذا إخراج أثداء محرم إلا لإرضاع أمام غير أجنبي من الرجال.
والحاصل أن لبس الضاغط والمقطع والشفاف ومما يظهر حجم العورة أو شكلها أو «المايوه» محرم إلا لزوج:
ويحرم لباس شفاف ترى منه العورة أو تلاحظ، أو ضاغط يصف العورة لقوله تعالى (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: ٣١)، فنهى عن فعل ينبئ عن وجود زينة باطنة ولو سماعا مؤدياً إلى تخيل زينة باطنة كخلخال.
فبالأولى ما لوحظ من العورة بالرؤية لشفافيته أو ضغطه.
فهو مظهر بالمشاهدة لما خفي من الزينة، وأوْلى بالتحريم في موضع من العورة المحرم إظهارها إلا على الزوج، كالأرداف والأفخاذ وما بين سرة وركبة فلبس ضاغط أو شفاف أو مُقّطَّع عليها لا يؤثر في الستر؛ لأنه يصف العورة بالمشاهدة، فهو أشد من تحريم ضرب رجلها ليسمع خلخالها الرجال، ولأن الله جعل من عمل الشيطان فعل ما يظهر السوأتين (يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا)
стр. 619
(الأعراف: ٢٧)، ولبس هذه الأمور أمام غير الزوج هو في هذا المعنى؛ لأن غايته إظهار العورتين شكلا أو حجما أو لونا فكان من عمل الشيطان.
ولأنها كاسية عارية مائلة إلى الإفراط المؤدي إلى العري المحرم، مميلة لغيرها من النساء أن يخرجن عن التوسط والستر إلى ذلك، وهذا محرم بالنص (١).
فيحرم لبس الضاغط، أو الشفاف أو المقطع إن وصف عورة أمام غير زوج.
ولو من المحارم والنساء.
وهو ليس من لباس التقوى المأمور به (وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ) (الأعراف: ٢٦)، أي: البسوا لباس التقوى وهو عام.
واستثنى الزوج لحل نظره إلى ما شاء من زوجته.
الشرط في إظهار الزينة في الأعراس، وحكم التصوير وإدخال الجوال:
والشرط في إظهار الزينة المباحة في الأعراس أو غيرها: ألَّا يوجد بينهن رجل (٢)، أو طفل يظهر على عورات النساء؛ للنص (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء) (النور: ٣١).
وامتناع إمكان مشاهدتهن منهم بمباشرة، أو توثيق مصور.
ولذا حرم إدخال الجوالات المزودة بالفيديو، وكاميرات التصوير إلى أعراس النساء.
وكذا يحرم تصوير عام بالفيديو، أو الفوتوغرافي في العرس العام للنساء؛ لغلبة انتشار الصور، وتسربها.
فيقع من الضرر للأعراض ما تنهى عنه الشريعة؛ لأنها في العرس تظهر أمام النساء من الزينة ما حرمه الله أن يظهر على أجنبي مما يتعلق بالمرأة من الفتنة: من زينة، وحركات، ورقص، ولهو، ولعب قولي، وفعلي.
وقلنا: في العرس العام؛ لأنه يمكن استثناء تصوير خاص في يد امرأة معينة أمينة إن تيقن حفظه.
стр. 620
وحينئذ فلا يجوز أن يطلع على ذلك إلا النساء، أو من يجوز له الاطلاع على زينة المرأة من المحارم لمن هن في الصورة.
الصلاة في العرس وحكم الأصباغ والخضاب:
وإذا حضرت الصلاة وجب على النساء في العرس الصلاة في وقتها، ويحرم تركها أو تأخيرها حتى يخرج الوقت.
وليس بعذر ذهاب الأصباغ بماء الوضوء خاصة ممن يمكنها الحفاظ على وضوئها عدة صلوات.
ويمكن القول بجواز جمع الصلاتين الظهرين والعشائين بإتمام لمن يشق عليها التوقيت في العرس نظرا لحديث ابن عباس في الصحيحين (١).
ويجب للصلاة ستر سائر الجسد بلبس جلباب أو نحوه وخمار إلا الوجه والكفين للنصوص الكثيرة في ذلك.
والخضاب والأصباغ على الأظافر والأيدي والشعر لا مانع منه، ولا يؤثر على الوضوء؛ لأن خضاب الأيدي وتغييرها بالأصباغ من فعل النساء منذ القدم، وفي زمنه ﷺ أقره بل وحث عليه (٢)، ولم يُفَصِّل بين ما يمنع الوضوء مما لم يمنع، ولم يبين تعارضه مع الوضوء من عدمه، فدل على إطلاق الإباحة.
وقد كان الرجال والنساء يلبدون رؤوسهم.
стр. 621
والتلبيد كالصمغ والمثبت على الشعر وهو أشد من الأصباغ.
وكانت تصبغ النساء بزعفران وحناء وغير ذلك، بلا نكير في عهد النبوة ولا تفصيل.
فدل على الإطلاق.
ومن قال إنه يمنع ماء الوضوء عُوْرِض بنحو وجود نحو دسم يُزْلق الماء ويمنعه عن الجلد مع صحة الوضوء فيه.
ولا يقاس على «الجوانتي» والحوائل حتى يقال إنها موانع للماء عن وصوله إلى العضو حال الوضوء فوجب إزالتها، وكذلك الأصباغ والخضاب؛ لأن الأصباغ والحناء ونحوهما مما يغلب ملابسته من الرجال والنساء من زمن النبوة، فلو شرط إزالته لتعذر وعسر، والمشقة مدفوعة (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: ٧٨).
أما اللفافة الاختيارية بلا مرض كالجوانتي مثلا؛ فإنها مما يستغنى عنه عادة ولا يلبس غالبا فوجب خلعه حال الوضوء، بخلاف ما لو كانت موضوعة لمرض كسور أو جروح.
ولذا رُخِّص لمريض الجبيرة في ترك غسل العضو للتعذر، والضرر؛ لأنها كالدائم، ولعموم (وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) (النور: ٦١).
وصبغ الشعر جائز بما تشاء إلا إن خرج عن العادة لأنها مُحَكَّمة.
الوشم:
والوشم حرام للنساء والرجال للنص «لعن الله الواشمات والمستوشمات» (١)، ولا فرق بين رجل وامرأة في التكليف على الأصل.
ومن استطاع إزالته وجب ذلك لأنه إزالة منكر، وإلا تاب إلى الله واستغفره.
والصحيح عدم تأثيره على وضوء، ولا صلاة؛ لعدم الدليل، مع النص على منعه والتشديد فيه.
فدل على عدم تأثيره.
ومن زعم أنه يبطل الصلاة قال محتجا: لاختلاطه بالدم، والدم نجس ظاهر على بدن المصلي، فوجب إزالته، وإلا بطلت الصلاة.
стр. 622
والجواب أن المشقة تجلب التيسير، وأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولم يبين ﷺ هذا الحكم -أي إبطاله للصلاة وأنه نجس- مع بيانه الحرمة، فدل على أنه معفو عنه، وإلا لوجب على الرسول ﷺ بيانه؛ لأنه حكم شرعي متعلق بأهم العبادات وهي الصلاة.
فمن ادعى بطلان الصلاة به فعليه الدليل الصحيح الصريح الخالي عن المعارضة.
الطيب والعطور:
ومن ذهبت إلى عرس فيجوز أن تتطيب بطيب النساء، وخيره ما جاء في النص، وهو ما ظهر لونه وخفي ريحه كما في النص «طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه» (١).
وتجتنب ما له ريح ظاهر من العطور والبخور، إن كانت خارجة إلى سوق أو عمل لمرورها بأجانب من الرجال للنص «من تطيبت فلا تشهد معنا الصلاة» (٢)، «ومن تطيبت ليشتم الناس ريحها فهي زانية» (٣)، أي في الإثم؛ لأنها تسبب الفتنة للناس، فيترتب عليه زنا العين وزنا الأنف، وهو النظر والشم كما في الحديث الصحيح.
والعدسات اللاصقة بالعين التي توضع لزينة المرأة (٤)، لا مانع منها، إن لم يكن بها ضرر غالب على العين؛ لأن الضرر مدفوع.
وجوازها؛ لأنها في معنى الكحل.
ولأن الزينة الأصل فيها الإباحة بالنص، وهذه منها.
стр. 623
وترقيق حاجب بلون كلون البشرة لتحديده لا مانع منه على أصل الإباحة؛ لأن المحرم النمص وهو النتف، وقد تقدم.
المرأة والبيت:
المرأة راعية في بيت زوجها: أصل من الأصول الشرعية المنصوصة في الباب.
وهو يدل على وجوب رعاية المرأة بيت زوجها؛ لأنه خبر يراد به الأمر، بدلالة تحميلها مسئولية ذلك نصا في قوله ﷺ في هذا الحديث «وهي مسئولة عن رعيتها» (١).
والرعاية كلمة جامعة لمعاني الحفظ.
وهي هنا تشمل كل ما يتعلق بحفظ المال والولد والأهل.
حفظ ولدها وولد زوجها، فالولد حفظه يكون بحمايته من كل ضرر، ومفسد، ومتلف في جسد، أو عضو، أو خُلُق، أو نفس، أو عقل، أو دين، أو عرض.
فتقوم على طفلها، وطفل زوجها بذلك لما سبق من النص.
وبدليل حديث جابر أنه تزوج من تقوم على أخواته وتمشطهن فأقره ﷺ بالنص (٢).
وما احتواه بيت زوجها مما يحتاج إلى رعاية جرت العادة برعاية الزوجة له؛ فإنه واجب عليها ذلك لعموم المسئولية في النص.
ولأن العادة محكمة، ولأن الله أمر بالعشرة بما جرت عليها الأعراف، وهذه منها (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء: ١٩).
стр. 624
وهي مؤتمنة على حفظه شرعا.
المرأة ووالدا زوجها:
ويجب عليها الإحسان إلى والدي الزوج إن كانا معه في بيته؛ لأنه في معنى النص في حديث جابر، إذ هو كمشروعية خدمة أخوات زوجها القُصَّر بالنص، بل أولى منه.
والإحسان إلى والدي الزوج يكون بما جرت به العادات.
فإن خرج زوجها من البيت لطلب المعاش ونحوه تعين عليها رعاية من يحتاج إلى رعاية كأطفالهما أو أطفاله، أو أخواته القصر، أو والديه الكبيرين لعموم المسئولية في النص.
فإن فرطت فحصل ضرر أثمت، وضيعت الأمانة.
فإن اشتكت لزوجها وتأففت من ذلك، وأنها ستمتنع عن رعاية ذلك، بلا ضرر معتبر عليها، فلا يحق لها ذلك؛ لأنها مسئولة عن الرعاية بالنص.
ولأنها حينئذ تضار بزوجها، وهو منهي عنه.
وهو خلاف العشرة بالمعروف؛ لأنه يجب عليه حينئذ حفظ ما تحت يده من والدين كبيرين، وأخوات قُصَّر وأطفاله. وهذا متعذر حال غيبته عن بيته.
وبقاؤه لرعايتهم يؤدي إلى تركه أمور معاشهم وهو ضرر بالغ.
فوجب عليها بالتكليف الشرعي عشرته بالمعروف (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: ٢٢٨).
و«على» تدل على الوجوب.
وقَيْدُ المعروف أي: بالعرف المشروع؛ وهذا منه؛ لأنه مبني على تبادل المصالح بين الزوجين ودفع المفاسد عنهما وعن الأسرة، وهذا أمر شرعي.
فإن أصرت على الامتناع تعنتا بلا ضرر عليها؛ وعَضَهَا.
فإن وجد إعراضا هَجَر؛ فإن اضطر لتأديب أدبها بالمعروف بلا ضرر (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) (النساء: ٣٤).
стр. 625
فإن زاد الشقاق (فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) (النساء: ٣٥).
فإن تعذر طلقها؛ لأنها مضارة.
يحرم على المرأة اعتياد التشكي من والد زوجها أو والدته؛ لأنه يؤدي إلى الكبائر كالعقوق:
ولا يجوز لامرأة اعتياد التشكي لزوجها من والديه، سواء كانا يعيشان معه أحدهما أو كلاهما، أو لا.
لأن الدوام في التشكي يؤدي إلى تأففه من والديه وترك الإحسان لهما، وهذا منكر منصوص عليه وما أدى إليه حرام (فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا) (الإسراء: ٢٣).
ولأن نقل ما يؤدي إلى التباغض بين الخلق حرام، وهو نميمة، وهذا أقبحه.
ولو طلبت المرأة من زوجها منع والديه أحدهما أو كلاهما من دخول بيته، أو من الإحسان إليهما، فقد أمرته بالعقوق.
فتوعظ؛ ويصبر عليها، ثم يُحَكِّم كما أمر الله، فإن لم تنته وجب طلاقها؛ لأنها تؤدي إلى ارتكاب أعظم الكبائر وهو عقوق الوالدين وقطيعتهما، وهي امرأة سوء.
طاعة الزوج وخدمته:
وخدمتها لزوجها واجب بالعرف والفطرة، والشرع أقر ذلك؛ لأن الله أمر برد العشرة إلى العرف (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: ٢٢٨).
وقوله تعالى (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء: ١٩).
أي: آمركم بمعاشرتهن بالعرف، والأمر يدل على الوجوب، والغالب الأكثري في هذا الأمر على مدار تاريخ الخليقة إيجاب العرف على الزوجة الخدمة لزوجها.
ولم يأت دين سماوي يعارض ذلك.
بل أقر ذلك رسول الله ﷺ ، وأقره الله والوحي يتنزل.
стр. 626
وقد بلغ من خدمة المرأة من نساء الصحابة في شئون زوجها وبيتها أن ظهر آثار الخدمة على أيديهن، وأبدانهن.
ومنهن فاطمة حتى اشتكت له ﷺ ليعطيها خادما فلم يفعل، بل وعظها بالصبر والذكر (١).
ومنهن أسماء كما في الأحاديث الصحيحة «أنها كانت تسوس فرس الزبير» (٢).
واطلع رسول الله على ذلك وأقرها على خدمة زوجها، وهو المبين ﷺ ما أجمل من الأمر الواجب بالعشرة بالمعروف، فلو كان خلاف ذلك لنهى.
стр. 627
فما لهج به من لم يلزمها بذلك ليس عليه ولا فيه حجة.
والأصل قرار المرأة في بيتها للأمر في (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى) (الأحزاب: ٣٣).
وهي عامة؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولا بخصوص المخاطب.
وتخرج لحاجتها إن أرادت، «أذن لكن أن تخرجن في حاجتكن» (١).
وتستأذن زوجها في خروج يستأذن منه عرفا؛ للأمر بالعشرة بالمعروف، ومنه هذا، ولأن العادة محكمة.
وطاعة الزوج حكم بها الله وشرعها بالنص؛ لقوله تعالى (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً) (النساء: ٣٤)، ومن طاعته خدمته بالمعروف، ومنها إذنه في الخروج والقيام على بيته وحفظه وماله وولده بلا مضارة، وإلا فلا معنى للأمر بالطاعة إن لم تفعل ذلك بالمعروف، ونصوص السنن في هذا كثيرة.
يجب في النكاح رضى المرأة وأهلها:
ويجب في النكاح رضى أهل المرأة لقوله تعالى (فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) (النساء: ٢٥).
وإذنهم رضاهم، فالرضا من الأهل واجب؛ لأنه مأمور به في الآية على سبيل الشرط، فيكون المعنى «إذا أذن أهلهن فانكحوهن» كقولك لمن استأذن في استعارة شيء: خذ بإذن فلان، أي إذا أذن لك فخذه، فهذا شرط، وكقول الفقهاء يجاهد الابن بإذن والديه، أي إذا أذنا جاهد وإلا فلا.
فإن امتنع الأهل من الرضى فلا نكاح.
لكن إن وصل عدم الرضى إلى التعنت في منع المرأة من الزواج فهو عضل محرم (فَلاَ
стр. 628
تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: ٢٣٢).
فالرضى من أهلها شرط، ولكنه إن وصل إلى العضل مُنِع.
والاستئذان من الأهل غير إذن الأهل؛ لأن الأول مجرد إعلام الأهل بنكاح ابنتهم، والثاني: هو اشتراط إذنهم، ولا إذن إلا عن رضى فكان المقصود رضى الأهل.
لأن الإذن يتضمن الموافقة على النكاح وهو الرضى.
والأهل هم الذكور؛ لأنه هكذا يطلق في اللغة، والعرف، فيقال: أهل المرأة يعني عصبتها من الذكور.
والقرآن خاطب بلسان عربي مبين، ولعموم قوله تعالى (وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) (الأنفال: ٧٥)، فشمل كل رحمٍ وبعضهم أولى من بعض كما يفيده النص.
ورأسهم الأب؛ لأن الأبناء تحت طاعته (١).
والأب أقرب من الإخوة بلا خلاف، ولذلك يسقطهم في الميراث.
ولأنه يصدق عليه النص في (بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ)، بخلاف رضى غيره مع عدم رضاه؛ ولأن النفقة على ابنته لازمة عليه لا على إخوتها؛ لأنه أولى بها وطاعته عليها فرض، بخلاف طاعة الأخ.
ويبطل النكاح إن زوجت المرأة نفسها بلا إذن أهلها مع إمكان لولي؛ للشرط في الآية، والنص في الحديث «لا نكاح إلا بولي» (٢) ونحوه كثير، وأصرحها «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» (٣).
ولأن عقد النكاح بيد الولي؛ لقوله تعالى (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) (البقرة: ٢٣٧).
ولا يقصد به الزوج هنا؛ لأن الآية فيمن طلق قبل الدخول ومعلوم أنه بمجرد طلاقه تبين منه
стр. 629
زوجته بلا عدة بالنص (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً) (الأحزاب: ٤٩)، فأي عقدة بيده!
فالمقصود هنا الولي لا الزوج؛ لأن عقدة النكاح قد خرجت من يد الزوج هنا بالطلاق البائن، فهذا دليل على أن عقدة النكاح في يد الولي، وهم الأهل المأمور بطلب إذنهم.
تزويج من ليس لها ولي أو تعذر إذنه:
وعند طروء ظروف ضرورية، يجوز للمرأة أن تتزوج بلا إذن أهلها.
وذلك في حالة العضل، أو عدم الولي، أو وجوده وعدم إمكان التواصل معهم كأسير عند عدو.
ووليها حينئذ يجوز أن يكون من أرحامها من جهة النسب الأسري، أو من جهة أهل الأم لعموم (وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) (الأنفال: ٧٥).
فإن لم يوجد لها ذو رحم، زوجها القاضي لحديث «فالقاضي ولي من لا ولي له» (١).
فإن لم يوجد، فأولوا الأمر في المجتمع قياسا على القاضي.
ولأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
فإن لم يوجد كمسلمة مهاجرة في بلاد الكفار زوجت نفسها بشهادة عدلين، لأن الشروط مشروطة إن وجدت، فإن عدمت ولم يتمكن منها سقطت (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة: ٢٨٦).
زواج المغترب، وحرمة المتعة:
ويجوز لمن نزل ببلد لدراسة ونحوها أن يتزوج بلا توقيت للنكاح في العقد، لأن الله أجاز بالمال الإحصان وهو: الزواج. وحرم المسافحة وهو الزنا، وأطلق في ذلك ولم يفصل.
ودليله قوله تعالى (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) (النساء: ٢٤).
يعني إذا أردتم النساء فيحل لكم ذلك بالزواج بأموالكم غير مسافحين معها دعارة وفسقا بلا عقد نكاح.
стр. 630
فإن وَقَّتَ في العقد فهو متعة، وهي محرمة بنصوص الأحاديث (١).
المسيار:
ونكاح المِسْيَار، وهو: أن تسقط المرأة قسمتها، ونفقتها، وسكناها، وتكتفي بالوطء، جائز: إن كان بولي، وشهود.
فإن لم يكن لها ولي حقيقةً، أو تقديرا (٢)، والعقد موثق بشهود؛ فإن كانت مضطرة لإعفاف نفسها زوجت نفسها، ووليها القاضي، فإن لم يكن وهي راشدة زوجت نفسها.
ولأن القضاء قد لا يُوَثِّق هذا النوع؛ فلا تستطيع رجوعاً إليه، مع حاجة إعفاف.
ولأن الشرط يسقط بالضرر، فيُسْقِط هذا اعتبارَ الولي؛ لأن اعتبار شرط الولي ضرر بها، والحال أنه لا ولي لها لا حقيقة ولا تقديرا.
ويحرم بلا شهود؛ لأنه يفتح باب ضياع نسب المواليد، وحقوقهم عند التناكر، وهذا ضرر فاحش متوقع كثيراً، فحرم.
ولأن الله أمر بالأشهاد عند الإرجاع للمطلقة الرجعية، فالابتداء بالزواج أولى في الأمر؛ لأن العلة حفظ الأنساب، والأعراض، لكثرة التناكر عند الاختلاف، والاختلاف كثير.
والفساد الكثير ممنوع، وواجب دفعه، خاصة إن تعلق بالمقاصد الكبرى كحفظ العرض والنسل.
إكراه المرأة على النكاح ممنوع شرعا:
ورضى المرأة شرط في صحة العقد؛ فإن أكرهت فهو باطل لقوله تعالى (فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: ٢٣٢). فشرط التراضي بين الزوجين.
فاعتبر رضاها شرطا في إنكاحها.
ومع رضاها إن حصل عضل فلا ولاية.
стр. 631
ويحرم إكراهها على النكاح كما كان في الجاهلية من جعل المرأة في النكاح كالمتاع الموروث بلا اعتبار للرضى.
وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا) (النساء: ١٩).
وكان إذا مات الأخ ورث أخوه ماله وزوجته كارهة؛ فحرم إكراه النساء بالنص.
فإن رضيت جاز أن يعقد عليها.
وورثها هنا مجازي، أي لا تزوجوا المرأة بالإكراه، وتساوونها بالإرث المالي فتكون من جملة الموروثات والمتاع.
فالعلة في المنع هي إكراهها على الزواج.
ولورود نصوص السنة الصحيحة بالمنع من إكراه المرأة في النكاح، ولذا وجب استئذانها بكرا أو ثيبا، والأولى إذنها صماتها، والأخرى يجب أن تنطق، فإن لم يكن لرضى المرأة اعتبار كانت هذه الأحاديث من العبث، وهذا محال في الشرع.
لا ولاية إجبار في الشريعة:
ولا ولاية إجبار في الشريعة، بل ولاية إذن ورضى.
فإن لم يرض الولي وعضل سقطت ولايته.
وهذا المصطلح، أي: ولاية إجبار، غير وارد في النصوص.
واستنباطه من تزويج بعض الصحابة لبناتهم الأبكار البالغات في سن مبكرة غير صحيح؛ لأنه لم يثبت أن بناتهم كن غير راضيات، وأنهم أجبروهن وأكرهوهن.
وقولهم «أنهم لم يرجعوا إليهن، ولم يخبروهن باطل»؛ لأن الاستئذان والسكوت يخفى نقله ولا يشتهر بخلاف الرفض، والإكراه، والإجبار، فينتشر خبره، ويشتهر عادة لحصول الخصومة، فلما لم ينقل في أي واقعة ذلك علم أنه كان عن رضى.
ومن تزوج مكرهة مجبرة عليه؛ فلا يحل له ذلك لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا) (النساء: ١٩).
وهذا دليل في تحريم تزويج النساء كرها، وترثوا معناه تنكحوا بلا رضاهن إجبارا كالميراث للمتاع.
стр. 632
الحقوق المالية للمرأة كالرجل ولها النفقة، وتفضله في الميراث في حالات، وتساويه في حالات
وجميع الأحكام المالية يستوي فيها الذكر والأنثى من الحلال والحرام، والواجبات والمندوبات، والمباحات في الأصل إلا بمخصص.
ولا فرق بين رجل وامرأة في التملك.
وطرق تملك المال خمس:
١ - بمعاوضة محضة كبيع وشراء وشركات وإجارات وسلم ونحوه.
٢ - وبمعاوضات غير محضة من نفقات وأروش.
٣ - وعقود البر كالوقف والهبات والنذور والصدقات.
٤ - ما جاء عن طريق الفرض الشرعي بشرطه كالزكوات والفرائض والغنائم والمال العام.
٥ - ما كان من المباحات، فمن أخذه فهو له كالصيد والاحتطاب وإحياء الموات.
وجميع هذه الطرق الأصل استواء الرجل والمرأة في تحصيلها.
وتختص المرأة بزيادة على الرجل في أمور:
١ - في وجوب النفقة عليها في جميع حالاتها صغيرة أو كبيرة على وليها أو على زوجها إن كانت ذات زوج.
وتشمل النفقة تأمين الغذاء، والكساء، والدواء، ووجوب السكنى لها.
٢ - وتختص بأن الله جعل لهن من المواريث الفروض، ولم يفرض للذكور إلا بقله.
وأعطاهم ما بقي من السهام.
فالنصف فرض خمسة: النساء أربعة أصناف فيه، والرجل وهو الزوج عند عدم الفرع الوارث؛ فدل على أنها فضلت على الرجل في مسائل النصف بنسبة ٨٠%.
والربع: فرض الزوجة عند عدم الفرع الوارث، وكذا هو للزوج عند وجود الفرع الوارث.
والثمن: فرض للزوجة، إن وجد فرع وارث.
стр. 633
والثلثان: للبنات جمعا، ولبنات الابن، وللأخوات الشقيقات، والأخوات للأب.
فأخذت المرأة من الثلثين ما يعادل ١٠٠%، ولم يفرض للذكور الثلثين بل ما بقي فهو لهم بتفاصيل وشروط.
والثلث: للأم عند عدم الفرع الوارث، ولا جمع من الإخوة.
وللأخوات والإخوة من الأم بالسوية إن كانوا جميعا.
فحصل هنا تساو بين الإخوة والأخوات.
والسدس: للأخ من الأم، أو الأخت من الأم في الكلالة، ولكل واحد منهما السدس، فتساوى الإخوة والأخوات.
وهذا -أي السدس- للأم عند وجود جمع من الإخوة، أو الفرع الوارث.
وللأب: مع وجود الفرع الوارث.
وللجدة بالإجماع من الصحابة.
فحصل في هذه المسائل تساو بين رجل وامرأة أما وأبا وجدة وأختا.
والرجل والمرأة من الوارثين، لهم ثلاث حالات:
١) أن تفضل المرأة على الرجل كالبنات يرثن الثلثين، وأبناء الابن الذكور، أو الإخوة أو أبنائهم يرثون ما بقي.
وهكذا في مسائل النصف، وفي أكثر المسائل.
٢) أن يتساوى المرأة والرجل كالأب والأم، والجدة والجد، والأخ والأخت لأم، وهم في مرتبة واحدة.
٣) أن يفضل الرجل على المرأة في مسألتين، وهو اجتماع الإخوة والأخوات والأبناء والبنات، إلا في مسائل الإخوة والأخوات لأم، فيتساوون بسهم سهمٍ لصلة الإخوة، أو البنوة، ويعطى الرجل سهماً آخر لإلزامه بالنفقات بخلاف المرأة فمنفق عليها.
وأما بقية الماليات فهما سواء حتى في الغنيمة إن كانت مقاتلة كالرجل.
وعدم النقل في إعطائها من الغنائم، هو لعدم قتالها أصلا كالمقاتلين، لا فرضا ولا تطوعا.
стр. 634
وفي المال العام يعطى كل بحاجته في الأصل.
- المهر
والصداق فريضة واجبة (وَآتُوا النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) (النساء: ٤)، ولا حد لأكثره للنص (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا) (النساء: ٢٠)، والقنطار المال العظيم.
ولا حد لأقله لدلالة النصوص «التمس ولو خاتما من حديد» (١).
ويجوز بمنفعة «قد زوجتكها بما معك من القرآن» (٢) أي: ليعلمها ذلك.
وقد آجر موسى نفسه (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) (القصص: ٢٧).
ومن لم يسم مهرا وجب عليه تسميته، ويرجعان إلى العرف في فرض ذلك (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ) (الطلاق: ٦)، ولقوله (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء: ٢٥).
ومن طلق قبل الدخول ولم يسم مهرا فلا يلزمه شيء؛ للنص (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً) (الأحزاب: ٤٩).
فإن كان قد سمى المهر فطلق قبل الدخول ففرض عليه نصفه؛ للنص (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (البقرة: ٢٣٧).
ومن عقد على امرأة فأرخى دونها الستور (خلا بها) بحيث يمكنه المسيس أو الاستمتاع بها فالمهر متقرر جميعه بذلك (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) (النساء: ٢١).
стр. 635
- الجناية على المرأة
إذا جنت المرأة على نفس أو عضو أو مال أو جنى عليها الغير، فالحكم الضمان عليها في الحالة الأولى، ولها في الحالة الثانية؛ لعموم النص والمسئولية والتكليف (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) (البقرة: ٢٨٦).
وأما الأروش:
فالمرأة والرجل سواء، ولا فرق فيما قل أو كثر إلا بنص، ولا يوجد نص صحيح صريح يدل على التفرقة.
وأما القصاص:
فالرجل إن قتل امرأة عمدا قُتِل بها بلا خلاف؛ لعموم (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) (المائدة: ٤٥).
فإن عفوا سلم الدية؛ لعموم النص (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) (البقرة: ١٧٨).
وكذا يسلم الدية في الخطأ؛ لعموم النص (فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) (النساء: ٩٢).
والأصل أن الدية تامة لعموم الآية (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء: ٩٢).
ولم يرد نص من السنة متفق على صحته يخصص.
وفتوى الجماعة هي الإجماع على التنصيف، وخالف قلة لعدم الدليل.
فإن اجتمع علماء المجامع الفقهية، والهيئات، والاتحادات على التمام اليوم بأكثرية أو إجماع أو جماعية، جاز؛ لأن المسألة في التنصيف اجتهادية لا قطعية.
وكذا لو اجتمع علماء بلد لتقنين التمام جاز؛ لأن المسألة لا تبلغ حد القواطع.