ويحرم إكراهها على النكاح كما كان في الجاهلية من جعل المرأة في النكاح كالمتاع الموروث بلا اعتبار للرضى.
وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا) (النساء: ١٩).
وكان إذا مات الأخ ورث أخوه ماله وزوجته كارهة؛ فحرم إكراه النساء بالنص.
فإن رضيت جاز أن يعقد عليها.
وورثها هنا مجازي، أي لا تزوجوا المرأة بالإكراه، وتساوونها بالإرث المالي فتكون من جملة الموروثات والمتاع.
فالعلة في المنع هي إكراهها على الزواج.
ولورود نصوص السنة الصحيحة بالمنع من إكراه المرأة في النكاح، ولذا وجب استئذانها بكرا أو ثيبا، والأولى إذنها صماتها، والأخرى يجب أن تنطق، فإن لم يكن لرضى المرأة اعتبار كانت هذه الأحاديث من العبث، وهذا محال في الشرع.
لا ولاية إجبار في الشريعة:
ولا ولاية إجبار في الشريعة، بل ولاية إذن ورضى.
فإن لم يرض الولي وعضل سقطت ولايته.
وهذا المصطلح، أي: ولاية إجبار، غير وارد في النصوص.
واستنباطه من تزويج بعض الصحابة لبناتهم الأبكار البالغات في سن مبكرة غير صحيح؛ لأنه لم يثبت أن بناتهم كن غير راضيات، وأنهم أجبروهن وأكرهوهن.
وقولهم «أنهم لم يرجعوا إليهن، ولم يخبروهن باطل»؛ لأن الاستئذان والسكوت يخفى نقله ولا يشتهر بخلاف الرفض، والإكراه، والإجبار، فينتشر خبره، ويشتهر عادة لحصول الخصومة، فلما لم ينقل في أي واقعة ذلك علم أنه كان عن رضى.
ومن تزوج مكرهة مجبرة عليه؛ فلا يحل له ذلك لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا) (النساء: ١٩).
وهذا دليل في تحريم تزويج النساء كرها، وترثوا معناه تنكحوا بلا رضاهن إجبارا كالميراث للمتاع.
стр. 632
الحقوق المالية للمرأة كالرجل ولها النفقة، وتفضله في الميراث في حالات، وتساويه في حالات
وجميع الأحكام المالية يستوي فيها الذكر والأنثى من الحلال والحرام، والواجبات والمندوبات، والمباحات في الأصل إلا بمخصص.
ولا فرق بين رجل وامرأة في التملك.
وطرق تملك المال خمس:
١ - بمعاوضة محضة كبيع وشراء وشركات وإجارات وسلم ونحوه.
٢ - وبمعاوضات غير محضة من نفقات وأروش.
٣ - وعقود البر كالوقف والهبات والنذور والصدقات.
٤ - ما جاء عن طريق الفرض الشرعي بشرطه كالزكوات والفرائض والغنائم والمال العام.
٥ - ما كان من المباحات، فمن أخذه فهو له كالصيد والاحتطاب وإحياء الموات.
وجميع هذه الطرق الأصل استواء الرجل والمرأة في تحصيلها.
وتختص المرأة بزيادة على الرجل في أمور:
١ - في وجوب النفقة عليها في جميع حالاتها صغيرة أو كبيرة على وليها أو على زوجها إن كانت ذات زوج.
وتشمل النفقة تأمين الغذاء، والكساء، والدواء، ووجوب السكنى لها.
٢ - وتختص بأن الله جعل لهن من المواريث الفروض، ولم يفرض للذكور إلا بقله.
وأعطاهم ما بقي من السهام.
فالنصف فرض خمسة: النساء أربعة أصناف فيه، والرجل وهو الزوج عند عدم الفرع الوارث؛ فدل على أنها فضلت على الرجل في مسائل النصف بنسبة ٨٠%.
والربع: فرض الزوجة عند عدم الفرع الوارث، وكذا هو للزوج عند وجود الفرع الوارث.
والثمن: فرض للزوجة، إن وجد فرع وارث.
стр. 633
والثلثان: للبنات جمعا، ولبنات الابن، وللأخوات الشقيقات، والأخوات للأب.
فأخذت المرأة من الثلثين ما يعادل ١٠٠%، ولم يفرض للذكور الثلثين بل ما بقي فهو لهم بتفاصيل وشروط.
والثلث: للأم عند عدم الفرع الوارث، ولا جمع من الإخوة.
وللأخوات والإخوة من الأم بالسوية إن كانوا جميعا.
فحصل هنا تساو بين الإخوة والأخوات.
والسدس: للأخ من الأم، أو الأخت من الأم في الكلالة، ولكل واحد منهما السدس، فتساوى الإخوة والأخوات.
وهذا -أي السدس- للأم عند وجود جمع من الإخوة، أو الفرع الوارث.
وللأب: مع وجود الفرع الوارث.
وللجدة بالإجماع من الصحابة.
فحصل في هذه المسائل تساو بين رجل وامرأة أما وأبا وجدة وأختا.
والرجل والمرأة من الوارثين، لهم ثلاث حالات:
١) أن تفضل المرأة على الرجل كالبنات يرثن الثلثين، وأبناء الابن الذكور، أو الإخوة أو أبنائهم يرثون ما بقي.
وهكذا في مسائل النصف، وفي أكثر المسائل.
٢) أن يتساوى المرأة والرجل كالأب والأم، والجدة والجد، والأخ والأخت لأم، وهم في مرتبة واحدة.
٣) أن يفضل الرجل على المرأة في مسألتين، وهو اجتماع الإخوة والأخوات والأبناء والبنات، إلا في مسائل الإخوة والأخوات لأم، فيتساوون بسهم سهمٍ لصلة الإخوة، أو البنوة، ويعطى الرجل سهماً آخر لإلزامه بالنفقات بخلاف المرأة فمنفق عليها.
وأما بقية الماليات فهما سواء حتى في الغنيمة إن كانت مقاتلة كالرجل.
وعدم النقل في إعطائها من الغنائم، هو لعدم قتالها أصلا كالمقاتلين، لا فرضا ولا تطوعا.
стр. 634
وفي المال العام يعطى كل بحاجته في الأصل.
- المهر
والصداق فريضة واجبة (وَآتُوا النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) (النساء: ٤)، ولا حد لأكثره للنص (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا) (النساء: ٢٠)، والقنطار المال العظيم.
ولا حد لأقله لدلالة النصوص «التمس ولو خاتما من حديد» (١).
ويجوز بمنفعة «قد زوجتكها بما معك من القرآن» (٢) أي: ليعلمها ذلك.
وقد آجر موسى نفسه (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) (القصص: ٢٧).
ومن لم يسم مهرا وجب عليه تسميته، ويرجعان إلى العرف في فرض ذلك (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ) (الطلاق: ٦)، ولقوله (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء: ٢٥).
ومن طلق قبل الدخول ولم يسم مهرا فلا يلزمه شيء؛ للنص (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً) (الأحزاب: ٤٩).
فإن كان قد سمى المهر فطلق قبل الدخول ففرض عليه نصفه؛ للنص (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (البقرة: ٢٣٧).
ومن عقد على امرأة فأرخى دونها الستور (خلا بها) بحيث يمكنه المسيس أو الاستمتاع بها فالمهر متقرر جميعه بذلك (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) (النساء: ٢١).
стр. 635
- الجناية على المرأة
إذا جنت المرأة على نفس أو عضو أو مال أو جنى عليها الغير، فالحكم الضمان عليها في الحالة الأولى، ولها في الحالة الثانية؛ لعموم النص والمسئولية والتكليف (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) (البقرة: ٢٨٦).
وأما الأروش:
فالمرأة والرجل سواء، ولا فرق فيما قل أو كثر إلا بنص، ولا يوجد نص صحيح صريح يدل على التفرقة.
وأما القصاص:
فالرجل إن قتل امرأة عمدا قُتِل بها بلا خلاف؛ لعموم (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) (المائدة: ٤٥).
فإن عفوا سلم الدية؛ لعموم النص (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) (البقرة: ١٧٨).
وكذا يسلم الدية في الخطأ؛ لعموم النص (فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) (النساء: ٩٢).
والأصل أن الدية تامة لعموم الآية (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء: ٩٢).
ولم يرد نص من السنة متفق على صحته يخصص.
وفتوى الجماعة هي الإجماع على التنصيف، وخالف قلة لعدم الدليل.
فإن اجتمع علماء المجامع الفقهية، والهيئات، والاتحادات على التمام اليوم بأكثرية أو إجماع أو جماعية، جاز؛ لأن المسألة في التنصيف اجتهادية لا قطعية.
وكذا لو اجتمع علماء بلد لتقنين التمام جاز؛ لأن المسألة لا تبلغ حد القواطع.
стр. 636
- المرأة السياسية:
وولاية المرأة الولاية السياسية العامة الأولى كالخلافة، والإمامة، والرئاسة، والملك، وكذا ما يليها وما في معناها مما ينوبها من الولايات العامة (١):
محل اتفاق قديم على منعه في الجملة، وبين علماء العصر الحديث خلاف.
ودليل من منع عموم «لا يفلح قوم ولَّوْا أمرهم امرأة» (٢).
ومن أجاز تأول الحديث، والتأويل خلاف الأصل.
وعندي اجتهاد وسط بين القولين هو:
أن ولايتها للرئاسة تجوز في حالة كون الدولة قائمة على المؤسسية، بحيث لا يمكن انفراد الرئيس بالقرار؛ لأن هذا يجعل الحكم للمجموع، فيضعف الشمولية، وهذا عندي السبب في إيراد الله لقصة ملكة سبأ ولم ينكر عليها سوى الشرك، وأقر ولايتها وحكمتها ومشاورتها ورأيها السياسي في تصرفات الملوك، وفي عموم مجريات القصة، بل صرح بموافقتها صراحة في قوله تعالى (وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) (النمل: ٣٤).
ويحمل قوله ﷺ «لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، على التولية الكبرى التي يستبد فيها الرئيس بالحكم والقرار استبدادا شموليا كما في قضية بنت كسرى.
стр. 637
وعلة ذلك أن المرأة في أنظمة الاستبداد بالقرار والحكم، لا تقوى على تحمل الأعباء العسكرية والاقتصادية والسياسية والسيادية وغيرها منفردة، وهذا هو الغالب، والحكم للغالب، بخلاف الرجل فيوجد بكثرةٍ من يستبد بذلك كله كما هو معروف على مدار التاريخ في أنظمة الفردية المستبدة.
فيكون الحديث معقول المعنى، لا للتعبد المحض، ويكون في الولاية العامة الكبرى في الوضع الشمولي القابض فيه الفرد الحاكم على سائر الأمر العام في مصير البلاد والعباد الأمني والمدني.
وهو ما يحمل عليه العموم الشمولي المستفاد من عموم الحديث «ولَّوْ أمرهم» لأن المضاف يدل على العموم، فيكون معناه: كل أمرهم الهام.
ولا يمكن أن يكون معنى العموم أيَّ أمرٍ من أمورهم؛ لجواز توليتها في كثير من الأمور العامة كالإدارات العلمية، ومنصب المفتي العام، والإدارات المالية من شركات ومؤسسات، وهذا من الأمور العامة للمسلمين، وهي جائزة؛ فدل أن الحديث مقصور على وضع خاص في منصب خاص، وهو الولاية الشمولية في الولاية العامة الكبرى.
والقاعدة أن من عمل بفتوى عالم مجتهد فقد اتبع التكليف (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (الأنبياء: ٧).
وهذا يجري في غير القطعيات مما للاجتهاد والنظر فيه مدخل.
ومسألة ولاية المرأة من مسائل الاجتهاد لا القطع، فلا مانع من تقليد مانع أو مجيز.
- المرأة في مجلس النواب:
ومجلس النواب يرجع القول فيه إلى تحقيق المناط.
فمن رآه من الولايات منع على أصله، ومن رآه من نوع الوكالات، أو هو أقرب إليها من الولايات قال بالجواز.
ومن تأول الحديث أجاز، كان ولاية أو غير ولاية.
والمرجع في تكييفه إلى الخبراء.
стр. 638
وعندي أن المجلس النيابي أو المسمى البرلمان والشورى أو مجلس الشعب كلها من الشورى، وهي حق جائز للرجل والمرأة لعموم النصوص في الشورى ولمشاورة النبي ﷺ زوجته أم سلمة في صلح الحديبية في أعظم شأن عام فأشارت عليه بالحكمة (١).
- المرأة القيادية
وقيادتها لجامعة، أو شركات تجارية، أو صناعية، أو نقابات المجتمع المدني كنقابات الأطباء أو المحامين، أو الصحافة، أو منظمات المجتمع، والاتحادات الأصل جوازه.
وشَرْطُه التزام المرأة بضوابط الشريعة.
- رئاسة المرأة للأحزاب السياسية
ورئاستها للأحزاب السياسية قد تكون في معنى الولايات السياسية العامة، وقد تكون كالعمل المجتمعي: احتمالات تبنى عليها الفتوى زماناً ومكاناً.
والذي أرى جوازه، ومن منعها إلحاقا لها بالولايات الكبرى يعترض عليه بعدم مساواة الفرع المقيس للأصل المقيس عليه، لأن قيادة الأحزاب السياسية ليست كالولاية الكبرى بدليل أن الخروج من الحزب ليس خروجا عن الجماعة، ولا يرد عليه ما يرد على البيعة للإمام أو الرئيس من حرمة نقض البيعة والخروج عليها. إلا أنه يتساهل في قياس الشبه ما لا يتساهل في قياس العلة وهو هنا إلى قياس الشبه أقرب وهو تردد الفرع بين أصلين فيلحق بأكثرهما شبها.
أمور أسرية:
الواجب في التعامل الأسري بين الزوجين العشرة بالمعروف، ويحرم في المعاملة الأسرية كل ضرر، فلا يجوز مضايقتها عمدا ولا ظلمها ولا التهاون بحقوقها.
وكذلك لا يجوز لها فعل ما يضار زوجها ويؤذيه (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: ٢٢٨).
ويحرم الإضرار بالزوجة في الفراش لعموم (وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ) (الطلاق: ٦). ومن حلف ألا يقرب زوجته أثم؛ لأنه يمين على فعل ظلم، فحرم.
стр. 639
ووجب عليه ديانةً التكفير عن يمينه؛ للأمر بها «من رأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه» (١).
فإن مضى أربعة أشهر ففرضٌ عليه إما الطلاق، أو الرجعة، فإن رجع غفر الله له ما مضى للنص، وإن طلق جاز (لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ* وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧).
فإن أبى الطلاق والرجعة أجبر على أحدهما قهرا؛ لأن دفع الضرر واجب.
فإن أرادت المرأة الصبر عليه ابتداء، فلم تخبر بشأنها وضررها مُحَكَّماً، أو قاضياً، أُجِرَت عند ربها، ويأخذ الله حقها منه؛ لأن عقابه بالظالمين سريع، إلا إن أسقطت، أو عفت عنه، ولها ذلك، ولو بعد الرفع إلى القضاء.
ولا يسقط عفوها حقَّها مستقبلا؛ لأنها محسنة و (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ) (التوبة: ٩١).
ولأن حقوقها هذه من نفقة، وسكن، وعشرة بالمعروف تتجدد بالزمن.
صيانة عرض المرأة:
حفظ العرض أحد المقاصد الكبرى للشريعة، فيحرم الاعتداء ولو بالتهمة بالفاحشة على أحد في عرضه تلويحا أو تصريحا.
أما التلويح فهو كل قولٍ يُفْهَم من مقصوده القذف في العرض؛ لقرائن حالية أو مقالية؛ فإن لم يُفْهِم فليس بشيء، وقد يلزم التعزير، وقد قال بنو إسرائيل عن مريم إذ أتت بعيسى تحمله إثر الولادة (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) (مريم: ٢٨).
فهذا تلويح بالقذف له حكم التصريح بالنص (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا) (النساء: ١٥٦).
فحكم الله أن قولهم السابق تصريح بالقذف بالبهتان العظيم، فهذا تلويح له حكم صريح القذف.
стр. 640
والصريح هو: قذف امرأة أو رجل بالزنا صراحة كقوله: فلان زان أو فلانة زانية أو عاهر أو قحبة.
وحكم القذف صراحةً أو تلويحا مفهما أنْ يُلْزَم القاذف بالشهود أمام القضاء، فإن لم يأت بأربعة شهود يصرحون برؤيتهم المقذوف رجلا أو امرأة يباشر الزنا بلا أدنى احتمال كالميل في المكحلة، فإن القاذف يُحْكَمُ عليه بالجلد ثمانين جلدة.
ولا تقبل له شهادة في أي قضية وتسقط عدالته ويعتبر فاسقا بالنص.
فإن جاء بهم وصحت شهادتهم لم يجلد، فإن لم تصح شهادتهم للاختلاف في الرواية، أو كونهم غير عدول، أو صرح أحدهم بعدم رؤيته التقاء الختانين بالإيلاج، فإن الشهود والقاذف يجلد كلٌّ منهم ثمانين جلدة علنا بقدر شيوع الإشاعة والبهتان؛ لأن هذا ما تقتضيه مقاصد الشرع في هذا الحكم (١) (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: ٤).
وأما من قذف زوجته، فإن رفعت أمرها إلى القضاء ولم يكن للزوج شهود أربعة عدول يشهدون صراحة برؤيتهم الزنا ألزمه القاضي اللعان أوْ يجلد إن لم يلاعن، وهو كما في النص (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ* وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) (النور: ٦ - ٧).
فإن كانت المرأة حاملا، ولم ينف الولد في اللعان فهو إقرار بأنه ابنه؛ لأنه قد يكون ثبوت الزنا عليها خلال أشهر الحمل الأخيرة كالسابع والثامن والتاسع، فلا يتطرق إلى الزوج ظنٌ غالبٌ بأن الحمل ليس ابنا له.
فتكون القضية منفكة أي: منفردة عن قضية الحمل.
فيلاعن بلا نفي، وهو ابنه حينئذ.
أما إن نفاه في اللعان فإنه ينتفي عنه وينسب إلى المرأة.
стр. 641
فإذا لاعن الزوج فإن الزوجة تلاعن كما في النص لتبرئ نفسها، فإن أبت الملاعنة وجب عليها الحد للنص في أن لعانها يدرأ عنها العذاب (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ* وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (النور: ٨ - ٩)، فلعانه دافع للحد عن نفسه وموجب للحد عليها إلا أن تلاعن.
حق المرأة في خلع زوجها:
وللمرأة إذا تضررت ولم تستقم حياتها مع زوجها وحصل الشقاق بينهما التحكيم للصلح (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) (النساء: ٣٥).
ولهما الاتفاق على الخلع، وهو أن ترجع المرأة لزوجها ماله الذي أعطاها مقابل الزواج بها، وعليه الطلاق واحدة. وليس له حق المراجعة في العدة؛ لأنه يعود على أصل حكم الخلع بالإبطال، فبطل حقه هنا.
وتعتد بثلاث حيض أو أطهار لعموم (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ) (البقرة: ٢٢٨).
ولم يثبت ما يخصص المختلعة بحيضة فبقيت على العموم؛ لأنها مطلقة وحديث أنها حيضة لا يصح (١).
العدة ثلاثة أطهار أو ثلاث حيض أو كلاهما:
وقلنا «أو أطهار»؛ لأن الله أمر بثلاثة قروء، وهو لفظ مشترك فيهما، كحكم شرعي لمسألة واقعية أكثرية بين الناس، فعلم أن هذا اللفظ مقصود بمعنييه.
إذ لا يمكن أن يجمل الله الحكم في مسألة تعم الكافة بتكرار كثير دائم، فعلم حمله على معنيين، ويترك للفقيه تقدير ذلك بحسب مقتضيات المصلحة في اختيار أحد المعنيين أو كليهما.
فمن عمل في العدة بالحيض فقد أصاب ما أمر الله به في اللفظ المشترك (قُرُوَءٍ)، ومن عمل بالأطهار فقد أصاب ما أمر الله به في اللفظ.
وبدليل تأنيث ثلاثة قروء.
والتأنيث في العدد (ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ) لا يكون إلا لمذكر؛ فكان التقدير ثلاثة أطهار وجعل في آية أخرى الأشهر بدلا عن الحيض (وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) (الطلاق: ٤)، فدل على جواز العدة بهذا أو بهذا لاقتضاء أحدهما الآخر لتلازمهما طبيعة وخلقة، ولا توصف من لم تحض، أو انقطع عنها الحيض يأساً أو حملاً أنها طاهرة.
стр. 645
بل لهن حالات أخرى لا توصف إحداهن بحيض ولا طهر؛ لأنه لا تسمى المرأة حائضاً إلا إذا كانت تحيض وتطهر، ولا تسمى المرأة طاهرا إلا إذا كانت تحيض وتطهر.
ومن لا تحيض ولا تطهر هي إحدى خمس نساء:
١ - اليائسة: وهذه عدتها ثلاثة أشهر بالنص (وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ) (الطلاق: ٤)، ولا يقال عنها إنها طاهرة؛ لأنها لا تحيض أصلا.
٢ - الصغيرات: وهذه عدتها ثلاثة أشهر بالنص (وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ)، عطفا على عدة اليائس ثلاثة أشهر.
٣ - الحوامل: وعدتها وضع الحمل (وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (الطلاق: ٤).
٤ - المستحاضة الدائمة: التي لا تميز بين حيض وطهر، فعدتها بالأشهر.
وأما تكليفها الصلاة والصيام قياسا على أمثالها من نسائها فهو قياس منصوص في الحديث لأجل التعبد احتياطا ولا يعتبر في حساب العدة؛ لأنه لا عدة إلا بيقين.
٥ - المُطهَّرات: وهن الحور العين، سمين بذلك لعدم دورة الحيض والطهر فيهن بل هن مطهرات منه خلقةً (وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ) (آل عمران: ١٥).
ومن استدل بأن المقصود الطهر في الآية بدليل تأنيث لفظ ثلاثة قروء؛ لأنه لا يؤنث إلا المذكر، استُدِل عليه بجعل الأشهر بدلا عن الحيض (وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ) (الطلاق: ٤) وبأن ثلاثة نص عددي قطعي، ولا قطع إلا بعدد الحيض لا بالطهر.
والصحيح أن الله سبحانه في قوله (ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ) (البقرة: ٢٢٨) لو أراد الحيض لذكر اللفظ «ثلاث قروء» لأنه بلسان عربي مبين.
فلما أنثه علم أنه الطهر، ثلاثة أطهار تامة، ولما جعل الأشهر بدلا عن الحيض علم أنه الحيض فجاز الأمران.
وقلنا «تامة»؛ لأنه الأصل في الإطلاق؛ ولأنه لا يخرج من العدة إلا بيقين، والتمام هو اليقين.
وتمام الثلاثة الأطهار تقتضي ثلاث حيض تامة قطعا، وثلاثة أطهار تامة قطعا.
ولا يمكن أن يكون هناك ثلاثة أطهار تامة قطعا إلا بحيضة أولى تامة، ثم طهر تام إلى
стр. 646
الحيضة الثانية التامة، ثم طهر تام إلى الحيضة الثالثة تامة، ثم طهر تام بنزول أول دفعة دم من حيضة رابعة فهذه غير تامة ولا تحسب.
وهكذا تكون قطعا ثلاث حيض تامات، وثلاثة أطهار تامة؛ فتخرج من عدتها قطعا، ولا يصح إخراجها من يقين الزوجية إلا بيقين العدة؛ فلو تبعضت الأطهار أو الحِيَضُ لم تخرج بالقطع.
ولأن الزوج إذا مات وهي في العدة في آخر طهر بعد مرور ثلاث حيض تامات فلو قلنا «العدة بالحيض» لم ترث، ولو قلنا بالأطهار ورثت.
ولكن لو تم الطهر الثالث ومات بعد نزول دفعة من الحيضة الرابعة فهي لا ترث بيقين، لتيقن ثلاثة قروء تامة من حيض وطهر.
ولا يمكن نقل أحد من أصل قطعي في الحق إلى منعه من الحق إلا بقطع، فلا تمنع الميراث إلا بالقطع.
فدل على عظيم بلاغة القرآن كلام الله في النص على العدد، وهو ثلاثة وفي تأنيثه بالتاء ليدل على القطع في اعتبار ثلاث حيض تامات لا تكون إلا بثلاثة أطهار تامة.
ومن زعم أن في هذا تطويلاً على المرأة رُدَّ عليه: بل هو عين المنفعة؛ لأن فيه عدم الاستعجال في نقض عقدة الزوج، وهذه مصلحة لها، وهذا في الطلاق الرجعي.
وفيه عدم حرمانها من الميراث بالظن لو مات زوجها في العدة، وهذا في الطلاق الرجعي وهو إجماع، وأما في الثلاث والخلعي البائن فيحتاج إلى نوع استنباط، فإن قلنا به فدليله (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (البقرة: ٢٣٤).
فالمختلعة البائن والمطلقة ثلاثا إذا مات زوجها وهي في العدة انتقلت إلى عدة الوفاة، فإذا أُفْتى بهذا لزم العلة في النص وهي (أَزْوَاجًا) فهي زوجته؛ لأنها لو لم تكن كذلك لما اعتدت بالوفاة.
ومعلوم أن كل زوجة ترث، ومن أخرج هذه لزمه الدليل الصحيح الصريح الخالي عن المعارضة، والشرع يؤخذ كله، فمن ألزمها بالعدة؛ لأنها زوجة ومنعها من الميراث فقد أخذ ببعض وترك بعضا، ويحتمل عدم ذلك لأنهن -أي المطلقة ثلاثا والمختلعة البائن بالثلاث
стр. 647
والملاعنة- خرجن من دائرة الحلية لهذا الزوج بالنصوص، لزوال الزوجية، وإذا زالت وهي علة أو جزء علة انعدم الحكم بإرثهن.
الطلاق الرجعي مرتان، فإن كان مقابل مال فهو خلع:
والطلاق مرتان، بالنص أي الطلاق الرجعي مرتان، وهذا هو التقدير الصحيح.
فإذا بلغت أجلها أي: قاربت انتهاء العدة، فله أن يراجعها، فإن لم يراجعها سَرَّحَها إلى بيت أهلها لقوله تعالى (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) (البقرة: ٢٣١).
وليس معنى السراح الطلاق كما ذهب إليه بعض الأئمة؛ لأنه لا معنى له في الآية (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) (البقرة: ٢٣١)، فلا يمكن أن يكون معناها وإذا طلقت النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو طلقوهن بمعروف؛ لأنها مطلقة أصلا وهي في عدة طلاقها! !
و(مَرَّتَانِ) أن يقول لها إما باللفظ مجموعا أنت طالق أنت طالق .. أو يقول لها أنت طالق ثم يراجعها ثم يطلقها بعد ذلك.
أو يطلقها في مجلس مرة بقوله أنت طالق، ثم في مجلس آخر مرة أخرى، فهذا كله طلاق رجعي وهو مرتان.
أما أن يجمع الثلاث بالتمييز فيقول أنت طالق ثلاثا فهذه واحدة؛ لأن التمييز لا حكم له هنا مؤثر في إحداث الحدث بل هو إخبار عن عدد مرات الحدث الذي حدث فعلا، وهو كمن قال أستغفر الله ثلاثا فلا يعتد له ذلك ثلاث مرات، وكذا من قال سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثم قال ثلاثا وثلاثين، فما هي إلا واحدة حقيقية.
فالتمييز لا يُحْدِث الحدث، بل يخبر عن واقعٍ قد حدث، فإن طابق وإلا فهو لغو.
ولا يحل له أن يأخذ على الطلاق شيئا مما آتاه إلا إن كانت هي تريد أن تفادي نفسها ليطلقها، وهو ما يعرف عند الفقهاء بالخلع، وهو منصوص في نفس الآية (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة: ٢٢٩).
стр. 648
فهذا يدل على أن الخلع طلاق محسوب عليه لأن الله تعالى ذكر الطلاق فلم يُحِلَّ فيه أخذ المال ثم استثنى هذه الحالة، فأجاز أخذ المال فمن طلق ثم طلق مرة أخرى مقابل مال فهو طلاق خلع وعليه طلقتان، وبقي له طلقة واحدة إن أوقعها فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره بالنص (فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (البقرة: ٢٣٠).
ولا بد من الدخول الحقيقي «حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» (١).
ولا يجوز الزواج بقصد التحليل للنص «لعن الله المحلل والمحلل له» (٢).
стр. 649
العدة وحقوقها:
العدة قسمان فقط:
أ. عدة وفاة.
ب. وعدة طلاق.
والنساء أقسام:
١ - المعتدة من طلاق رجعي.
٢ - المعتدة من طلاق الثلاث.
٣ - المعتدة من طلاق خلع.
٤ - المعتدة من طلاق لعان.
٥ - المعتدة من طلاق وهي حامل.
٦ - المعتدة من طلاق وهي يائسة من الحيض.
٧ - المعتدة من طلاق وهي لم تحض بعد.
٨ - المعتدة من وفاة.
٩ - المعتدة من وفاة وهي حامل.
١٠ - المعتدة من وفاة وهي في عدة طلاق.
فهؤلاء النسوة من الأولى إلى الرابعة وهن المعتدات من طلاقٍ رجعيٍ، أو بائن، أو خلعٍ، أو طلاق لعانٍ، حكمهن واحد في أن تعتد المرأة بثلاثة قروء وهو حيض وأطهار تامات أو أحدهما لمن أراد العمل بقول عالم يقول بأحدهما.
ومن قال إن المختلعة تعتد بحيضة فلا حجة له صحيحة، وأما الملاعنة فإنه يطلقها بعد اللعان وتأخذ أحكام الطلاق؛ لأنه سبحانه ذكر أن ملاعنتها تنفي الحد (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ) (النور: ٨) ولم يذكر أنها فراق.
فدل على أنها زوجته، ولا أثر للعان إلا لدرء الحد عنه وعنها.
ونفي الولد لا يكون إلا إن نفاه.
стр. 650
ويجب عليه الطلاق بعد اللعان لثبوت ذلك في الحديث بإقرار قوله إن أمسكتها فأنا كاذب فطلقها بين يدي رسول الله وأقره على قوله وفعله (١).
عدة الحامل واليائسة واللائي لم يحضن:
أما الحامل فعدتها وضع الحمل. واليائسة، أو اللواتي لم يحضن عدتهن ثلاثة أشهر للنص (وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) (الطلاق: ٤).
عدة المتوفى عنها زوجها:
أما من توفى عنها زوجها فعدتها أربعة أشهر وعشرا بالنص (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (البقرة: ٢٣٤).
فإن كانت حاملا فعدتها بوضع الحمل، ويجوز أن تعتد بأبعد الأجلين، والمعتدة بطلاق وتوفى عنها زوجها في العدة؛ فإنها تعتد بأبعد الأجلين عملا باليقين.
النفقة والسكنى والمتعة:
وجميع المطلقات لهن النفقة والسكن والمتعة إلا الملاعنة بدليل قوله تعالى (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ) (الطلاق: ١) والملاعنة هي من هذا الباب؛
стр. 651
لأنها أتت بفاحشة مبينة بلعان. وفي المتعة أرى أنها تمتع بدليل من قالت لرسول الله ﷺ : «أعوذ بالله منك»، فقال: «لقد عذت بمعاذ إلحقي ببيت أهلك، وكساها رازقيين» (١). فدل على أنه ليس لها السكن واستعاذتها من رسول الله ﷺ من أفحش القول في حقه.
أما المختلعة والمطلقة الرجعية، والمطلقة ثلاثا، والمطلقة الحامل، واليائس، واللاتي لم يحضن فلهن جميعا السكن، هذا في أصل النظر إلى عموم النصوص -إلا ما سيأتي- لقوله تعالى بعد تفصيل أحكامهن (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى* لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (الطلاق: ٦ - ٧).
وهذا عموم للمطلقات وغير المطلقات أو هو خاص بالمطلقات؛ لأن هذا في سياق المطلقات؛ لأن سكن الزوجة غيرِ المطلقة معلومٌ، ونفقتها معلومة حاملا وغير حامل، ولأنه يجب عليها الإرضاع ولا يسقط بالتعاسر بينهما في حالة عدم الطلاق فهذه الأحكام كلها للمطلقات.
وأما المبتوتة التي طلقت ثلاثاً فلولا حديث فاطمة بنت قيس لكان لها النفقة والسكنى (٢).
стр. 652
إلا أن المختلعة لما فادت نفسها بمال فطلقها على ذلك، كان إلزامه بالنفقة والسكنى في عدتها نقصا فيما أرجعت إليه ويدخل في هذا الخصام؛ لأن الخلع مبنيٌ على المشاحة والخصومة والتعويض، فلهذا المعنى أرى: جريان الصلح هنا بما يناسب؛ لأن نص الآية يدل على إطلاق المفاداة (فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) (البقرة: ٢٢٩).
وأما دليل المتعة فهو (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (البقرة: ٢٤١)، وهذا نص عام لكل مطلقة.
والمتعة هو ما تعارف عليه الناس في المجتمع من كسوة ورزق وهدية ونحو ذلك وهي غير النفقة.
وقد كسى رسول الله ﷺ من طلقها رازقيتين (١).
عدة الوفاة وإثبات متعة عام للمتوفى عنها زوجها وسكنها:
وأما عدة المتوفى عنها زوجها فهي أربعة أشهر وعشراً بالنص (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (البقرة: ٢٣٤).
وأما متعتها فهي سنة كاملة بالنص (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة: ٢٤٠).
стр. 653
وأخطأ من ظن أن الآية نسختها عدة أربعة أشهر وعشرا؛ لأن هذه الآية هي لغرض متعة المتوفى عنها زوجها وسكناها وهي متعة سنةٍ وسكن سنة، والمتاع هنا شامل للنفقة والمتعة؛ لأنه جعل غايته إلى الحول ولا يكون ذلك إلا بما يشمل النفقة لأنها تتكرر لا مجرد متعة بنحو كسوة، وإنما فرض الله لها ذلك لعظيم مصيبتها.
فيجب على الزوج أن يوصي لها بهذين الأمرين للنص (وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) (البقرة: ٢٤٠) ودليل السكن قوله تعالى في نفس الآية (غَيْرَ إِخْرَاجٍ) (البقرة: ٢٤٠) أي لا إخراج لها من سكن زوجها المتوفى طيلة عام كامل.
وهذا استثناء من «لا وصية لوارث» (١) من باب تخصيص العام.
والسكن لها نوعان:
سكن للعدة أربعة أشهر وعشرا وهو سكن تعبد لا اختيار لها ولا لأحد فيه؛ لأنه تبع للعدة في قوله تعالى (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (البقرة: ٢٣٤).
وهو ثابت في السنة بلا خلاف، وحفظا لحق حمل قد يتبين، وقياسا على المطلقة البائن؛ لأنها أعظم مصيبة منها عند من يقضي لها بالسكنى، أما المتعة فتمتع عند الجميع.
ويشرع للمتوفى عنها زوجها سكنٌ فوق سكن العدة توفية للعام، وهو سكن المتعة وهو بالخيار بالنسبة لها للنص في الآية على تعليق الخروج لها إن أرادت (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة: ٢٤٠).
فإنه سبحانه جعل خروجها مباحاً، وما فعلت بنفسها مباحاً، يعني من زينة ونحوها، لكنه في الآية السابقة قيد أن تفعل بنفسها ما تشاء بالمعروف بعد أربعة أشهر وعشرا، وجاءت السنة مبينة أنها تلزم بيت زوجها مع ترك الزينة في مدة أربعة أشهر وعشرا.
للمرأة الحكم بين الناس:
وللمرأة أن تحكم في قضايا الخصوم وغيرها لعموم (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ) (المائدة: ٩٥)،
стр. 654
ولم يشترط الذكورية، وهذه قضية ليس فيها خصومة لها الحكم فيها بما يعدل الجناية على الصيد في الحرم، وهو المقصود بقولنا «وغيرها».
ولقوله تعالى (حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) (النساء: ٣٥). وهذا عام ولم يشترط فيه الذكورية، وهذه قضايا خصوم.
ولعموم (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) (الحجرات: ٩)، فشمل العموم النساء والرجال.
للمرأة أن تكون في منصب المفتي العام:
ولها أن تكون في منصب المفتي العام إن كانت فقيهة مجتهدة، وقد كانت عائشة وأم سلمة وغيرهما يسألهن كبار فقهاء الصحابة فيما أشكل.
وللمرأة أن تصلح بين الأمة في القضايا الكبرى:
ولها أن تصلح بين الناس، وثبت ذلك عن عائشة ﵂ لما سعت بالصلح ولم ينكر عليها الصحابة وإنما أنكر أبو أمامة مستدلا بحديث «لا يفلح قوم ولَّوْا أمرهم امرأة» لظنه أنها ولاية ولم يوافَقْ.
ولعموم (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (الحجرات: ١٠) ولم يشترط الذكورية في المصلحين في كل أوامر الإصلاح بين الناس (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) (النساء: ١٢٨)، (لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (النساء: ١١٤).
والعمل والاستثمار للمرأة من المباحات
فللمرأة أن تعمل في القطاع الاقتصادي، أو غيره، للاستثمار أو غيره؛ لعموم الأدلة في الإنعام على الخلق بذلك (لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ) (يس: ٣٥)، وهذا عام في عمل اليد للرجال والنساء.
ولعموم (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة: ١٠٥).
стр. 655
ولحديث أسماء أنها كانت تعمل في أرض زوجها (١).
ولقوله تعالى عن المرأتين (وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) (القصص: ٢٣).
ولأن الأصل الإباحة. والخطابات في العمل والسعي والمضاربات لا تخص ذكرا أو أنثى بل تعمهما ويشترط ألا تضيع ما عليها من فرض عين كرعاية ما تحت يدها من بيت وطفل ومال.
وأن تلزم فرض الشرع في الحشمة وعدم الابتذال وإظهار ما لا يظهر إلا على من استثني في النص (٢).
ومشاركة المرأة في التبرعات والإنفاق المالي وكل تعاون على البر والتقوى مشروع: فلها أن تتصدق من مالها الخاص الذي تملكه لما جاء في الصحيحين «تصدقن فأخذت المرأة تلقي قرطها أو خاتمها» (٣).
стр. 656
ولها أن تدفع زكاتها، وصدقتها لزوجها إن كان فقيرا للنص في قوله ﷺ «هي لك صدقة وصلة» (١).
ولا تتصدق من مال زوجها مما تحت يدها إلا بإذن منه للنص (٢) إلا ما جرى به العرف.
ولها أن تنفق على ابن السبيل والفقير والمحتاج واليتيم من مالها.
ويجب عليها ما يجب على الرجل من الصدقات والزكوات والكفارات والإنفاق الواجب في سبيل الله؛ لعموم الأدلة.
ويشرع لها ما يشرع للرجل من سائر القربات المالية من الوقف، والإطعام، وسقيا الماء، وبناء المساجد، وحفر الآبار، وبناء المرافق الخيرية والمؤسسات التنموية والمراكز الدعوية ودور القرآن وعلومه والسنة وعلومها، ونشر العلم، والدعوة، والدين، والخير، والتعاون على البر والتقوى، لعموم النصوص في ذلك كله.
غزو النساء:
ولا يجب على امرأة القتال في سبيل الله في الأصل تخفيفا عليها، وإلزامها بذلك إلزام وتكليف لما لم يكلفها الله به، سواء كان بتجنيد أو غيره.
ولها أن تتطوع للقتال في سبيل الله بلا إلزام، لحديث «ادع الله أن يجعلني منهم قال أنت منهم. فغزت مع زوجها في البحر فاستشهدت» (٣).
стр. 657
سفر المرأة ورفقتها:
وإذا سافرت المرأة سفرا يستغرق يوما وليلة وجب عليها أن تأمن على نفسها بِمَحرمٍ للنص الصحيح الصريح «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يوماً وليلة إلا مع ذي محرم» (١)، ولو كان ذلك بوسائل النقل الحديثة جواً أو براً أو بحراً؛ لأن العلة موجودة، وهي السفر.
ونصه على مسيرة يوم وليلة يدل على اختصاص المحرم بالسفر الطويل كهذا فما فوق، فإن كانت على طائرة في زمن يسير كساعة فهل نعتبر زمن الرحلة أم مقياس المسافة على الأرض؟
الظاهر عندي النظر إلى مقياس المسافة على الأرض، فإن كان مسيرة يوم وليلة وجب المَحْرَم، ولأنها علة منصوصة مضبوطة، وقياس الزمن علةٌ غير منضبطة، هذا هو الأصل.
ثم تقرر عندي أن اعتماد الزمن أضبط سواء كانت الرحلة جوية أم برية أم بحرية، وهو ما يدل عليه منطوق الحديث، فالمرأة التي تسافر يوما وليلة (٢٤ ساعة) في جوٍ أو برٍ أو بحرٍ لا شك أنه سفر طويل وشديد المشقة ولو كان بأحدث الوسائل مما يعوزها إلى ما نص الشرع عليه من المَحْرَم لشدة حاجتها إليه في مثل هذا السفر الطويل.
ويستثنى حالة الحاجة للسفر فيجوز مع الأمن وغلبته ولو مع رفقة نساء ثقات أو في اضطرار فمنفردة، والضرورة تقدر بقدرها.
وأما السفر مع النساء المأمونات بلا حاجة أو اضطرار فهو اجتهاد لا دليل عليه نصا، ولا معنى.
أما النص فلعدم وروده، أما المعنى والتعليل الشرعي فهو حفظ المرأة وصيانة عرضها وسمعتها والقيام عليها في السفر وهذا كله يخدم مقصدا من أكبر مقاصد الشرع وهو حفظ العرض.
ولا يحقق حفظ المرأة وصيانة عرضها وسمعتها تحققا تاما إلا بمحرم لها في السفر، والشريعة في حفظ مقاصدها قصدت تمام الحفظ لا مجرد الحفظ.
стр. 658
أما كونها مع نساء ثقات أو رفقة آمنة من النساء مع محارمهن، فهو انفراد من بعض الأئمة في مسألة الحج، ولا يحقق ما يحققه المحرم من الحفظ والرعاية خاصة عند طروء ضعفٍ على المرأة وهو كثير في السفر.
ويرد عليه أن رجلا ذهبت امرأته للحج مع الصحابة ونسائهم فقال لرسول الله: يا رسول الله إن امرأتي ذهبت للحج وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا. فقال: «الحق بأهلك» (١).
فلو كان اعتبار الرفقة المأمونة معتمدا شرعا لكان ذلك في رفقة فيها صحابة رسول الله ونساؤهم، ولرخص له رسول الله ﷺ ؛ فدل على عدم اعتباره.
أما خروج بعض نساء النبي ﷺ بعد موته للحج؛ فهو لأنهن أمهاتهم بالنص (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) (الأحزاب: ٦)، وهذه خاصية ليست لغيرهن.
فَعُمِل بمدلول هذا النص في تلك الحجة، ولم يؤثِّر هذا المدلول في غير ذلك السفر أو الدخول عليهن في بيوتهن من أجنبي بالإجماع، ويعمل بفتوى الرفقة مع النساء المأمونات فيما يعمل به اضطرارا لا كأصل، والضرورات تقدر بقدرها؛ فإن لم تجد والسفر ضرورة جاز منفردة قياسا على فرار المرأة من المشركين مهاجرة منفردة بشرط غلبة السلامة.
الدخول على المرأة الأجنبية:
أما الدخول على النساء الأجنبيات في غير مكان عام ظاهر فالأصل حرمته للنص «إياكم والدخول على النساء» (٢). وهذا عام يشمل أي دخول ويدخل فيه الخلوة دخولا أولياً.
ويجوز للضرورة بشرط عدد من الرجال العدول «لا يدخلن أحد على مغيبة إلا ومعه الرجل والرجلان» (٣).
стр. 659
وقلنا «للضرورة»؛ لأنه من غير ضرورة يبطل أصل حفظ المرأة وصيانة سمعتها وعرضها وما عاد على الأصول بالإبطال فهو باطل.
ولا يشك عاقل أن المرأة التي فتحت أبواب بيتها لكل من شاء من الرجال الدخول عليها لِتَرَفُّهٍ، وتبادل الحديث، والأقاويل أنها امرأة لا سلامة لسمعتها بين المجتمع، وتكثر حولها الشائعات والقيل والقال.
ولذلك لم يحل الله لها إلا القول بالمعروف بدون خضوع (يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) (الأحزاب: ٣٢).
والدخول عليها ولو بعدد من الرجال من غير حاجة وضرورة خروج عن المعروف؛ لأنه أشد من الخضوع بالقول، وخروج عن المعروف إلى عدم المعروف؛ لأنه إن لم يكن لحاجة بالمعروف؛ كان لمجرد الترفُّه للأجانب مع الأجنبيات، وهذا محرم أشد من تحريم الخضوع وأولى.
فدل على أن الدخول لحاجة؛ ولأن «العادة محكمة» إحدى القواعد الخمس الكبرى، والعادة بين البشر أن كثرة دخول الرجال الأجانب على المرأة في غياب زوجها شبهة، وهذا يعلمه مسلم وكافر، وقد ضبطت الشريعة قولها وفعلها بالمعروف (يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) (الأحزاب: ٣٢)، فهذا في الأقوال، والأفعال أبلغ (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: ٢٣٤).
وهذه في الأفعال؛ فضُبِطَتْ بالعُرْف.
وهذا كثير في النصوص كقوله تعالى (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ) (الطلاق: ٦)، (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) (البقرة: ٢٢٨)، وهذا يدل على اعتبار العادة والعرف في ذلك اعتبارا بينا مُحَكَّما.
وأما حديث فاطمة بنت قيس أنها اعتدت عند أم شريك وكانت امرأة غنية، وكان الصحابة يأكلون في بيتها «إنها امرأة يغشاها أصحابي فتحولي من عندها حتى لا ينكشف منك ما تكرهين» (١) فهو دليل على ما قلنا.
стр. 660
وفيه الفرق بين الشابة والمسنة، ودليله أنه ﷺ نهى المعتدة الشابة أن تجلس في بيت يغشاه الرجال لئلا يرى أحد منهم ما تكره.
فدل على أن المرأة التي كان يأكل عندها الصحابة امرأة من القواعد ويجوز لهن بالنص وضع ثيابهن (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (النور: ٦٠)؛ لأنه نص في حديث فاطمة أنها لا تستطيع أن تضع ثيابها عندها.
ولا يلزم أنها كانت تخدمهم؛ لأنها امرأة غنية بالنص ولها غلمان يقومون بذلك عادة.
وأما حديث «كانت خادمتهم وهي العروس» (١) فهو دليل على أنه يجوز للمرأة ولو عروسا أن تصلح الطعام للضيوف، وليس المعنى أنها خرجت إليهم مباشرة بل خدمتهم في تجهيز مائدتهم وطعامهم وشرابهم، ثم ناولته من يعطيهم من محارمها كما جرت عليه العادات؛ فصح إطلاق أنها خادمتهم وهي العروس.
عبادة المرأة:
والأصل أنه لا فرق بين رجل وامرأة في العبادات كلها من طهارات وصلاة وصوم وحج وزكاة.
وخفف الله عنها الصلاة والصوم في زمن الحيض والنفاس، فأما الصلاة فلا تؤديها ولا تقضيها، وأما الصوم فلا تصوم أداءً ولكن يجب عليها القضاء.
وهذا من قطعيات الشرع «الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة» (٢).
والحيض دم أسود تعرفه النساء وغالبه سبعة أيام، ومن لم تميز الدم لا بلون ولا بريح تمكث سبعة أيام كعادة نسائها لورود الحديث فيه (٣).
стр. 661
وأما الدم بعد الحيض وزمنه فهو استحاضة، وتصلي وتصوم، ويأتيها زوجها، وهو دم أحمر ناتج عن نزيف عرق في الرحم وليس بحيض.
وأما النفاس فهو دم يخرج عقب الولادة أو معها، والمرجع في معرفته النساء، وغالبه أربعون يوما «كانت النفساء تمكث زمن رسول الله ﷺ أربعين يوما» (١).
وإذا طهرت المرأة من الحيض أو النفاس تطهرت بالاغتسال على كامل بدنها؛ لورود النصوص الكثيرة في ذلك، وهذا من مقطوعات الشرع.
فإن لم تجد الماء تيممت للصلاة، والصيام، ولزوجها جماعها.
стр. 662
وقد أكثر الفروعيون هنا من الأقسام والتناويع بما يحير العقول، ويشتت الأذهان ويشق في التكليف، ويخرج المسائل عن سماحة ويسر وسهولة الشريعة المنصوص عليها قطعيا (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: ٧٨)، (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: ١٨٥).
وحاصل أحكام الكتاب والسنة في الحيض والنفاس ما ذكرته، وما رامه أصحاب الفروع من عجائب التقاسيم هو تعسير على الخلق.
وتسهيل السهل تعسير له، ومن أصول الشريعة (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) (ص: ٨٦).
وأما حج المرأة: فالمرأة إذا حجت البيت الحرام صنعت كما يصنع الرجل في المناسك إلا أنها لا تلبس الإحرام الذي للرجل، بل تحرم في ملابسها ولا تلبس القفازين، ولا ما مسه ورس أو زعفران ولا تنتقب، وهذا تخفيف عليها، وإذا حاضت أو نفست صنعت كل مناسك الحج إلا الطواف بالبيت والصفا والمروة للنص في الحائض «اصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت» (١).
فإذا طهرت طافت.
وإذا كان الحج يقتضي سفرا فلا بد لها من محرم لما سبق.
فإن لم تجد محرما سقط عنها الوجوب، إلا أن تجد رفقة مأمونة من نساء ثقات مع محارمهن الثقات كما أفتى به مالك والشافعي في مسألة الحج.
وللمرأة أن تتناول دواء يمنع حيضها زمن الصوم والحج، لأن الحكم الشرعي يتعلق بوجود سببه، وهو هنا نزول الدم، ولم يوجد فبقيت على أحكام الطهارة، ولا ينظر الشرع إلى ما وراء ذلك من سبب قطع الدم، ولعدم المانع الشرعي عن ذلك.
стр. 663
الظهار:
ومن ظاهر من امرأته امتنع عنها، وقد ارتكب منكرا من القول وزورا، ولا تصير كأمه بذلك الظهار بالنص (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ* وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ* فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (المجادلة: ٢ - ٤).
ولم يرد لفظ معين منصوص في الظهار إلا أن النص في الآية يبين أن الظهار هو: ذكر ما يفيد أن زوجته كأمه في الحرمة عليه ويؤخذ ذلك من (مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ) (المجادلة: ٢) ومن (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ) (المجادلة: ٢).
فالمظاهرة تفيد لفظ الظهر، كأن يقول: أنت عليّ كظهر أمي.
وتفيد معنى الحرمة كأن يقول أنت علي كأمي في الحرمة، أو بطن أمي أو فخذها أو نحو ذلك مما يعطي معنى الظهار؛ لأن العبرة بالمعاني.
وكذلك إذا أبدل لفظ أمه بأخته فقال أنت علي كظهر أختي أو غيرها ممن يحرمن عليه مؤبدا من محارمه كابنته أو خالته أو عمته أو جدته أو حليلة ابنه لعدم الفارق في التحريم، وإنما ذكر الله الأم في الظهار لأنه الغالب.
فإذا نطق الزوج بذلك امتنع عن زوجته، فإذا أراد العودة لها وجب عليه الكفارة، ولا يمسها حتى يكفر بعتق رقبة، فإن لم يجد فلا يمسها حتى يصوم شهرين متتابعين، ومن لم يستطع كَفَّر بإطعام ستين مسكينا.
وسكت النص عن اشتراط عدم المسيس في إطعام المساكين فيبقى على العفو (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) (مريم: ٦٤)، ولقوله تعالى عن المسائل التي لم يحرمها أو يذكر حكمها (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١).
وعلته أن الصيام يستطيعه كل أحد غالبا فلا مس إلا بعده، وأما العتق فلأن له بدلاً وهو الصوم عند عدم الرقبة.
стр. 664
بخلاف إطعام ستين مسكينا، فليس له بدل لمن عجز عنه، بل يكون في ذمته؛ ولأن الفقر كثيرٌ في شرائح المجتمع، ووقوع الظهار قد يكون كثيرا، فمن كان فقيرا وعجز عن الإطعام والصيام لمرض أو كبر سن عفي عنه؛ لأن هذه الحالة لا بد أن تكون كذلك.
إما أنه عجز عن الصيام لمرض أو كبر سن، وانتقل إلى الإطعام، وعجز عنه لفقره.
وكبير السن العاجز عن الصوم، أو المريض مع فقر تلحقه التخفيفات، فسكت النص عن إلزامه قبل المس؛ لأنه لا يعجز عن آخر المراتب إلا من كان في مشقة بَيِّنة.
وكل ما سكت الله عنه فهو عفو للنص (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١).
وقد مد الله زمن الإطعام بلا تحديد، فلو أطعم واحدا بين فترة وأخرى حتى يستوفى جاز.
والمرأة إذا ظاهرت فهو لغو لعموم المسائل المسكوت عنها (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١).
ومن أفتاها من الصحابة بعتق رقبة احتمل أنه ليمينها لا لظهارها؛ لأنها حلفت فلا تدل الحادثة على المظاهرة للمرأة.
شهادة المرأة وتفضيلها على الرجال في حالات وتفضيله في حالات:
والمرأة تفضل الرجل في الشهادة في حالات، وتساويه في حالات، ويفضلها في حالات:
فللمرأة في الشهادة ثلاث حالات:
الحالة الأولى: ما اعتبر الشرع فيها شهادتها وقولها عن فعل نفسها المؤثر على الغير (١)، ولم يعتبر قول الرجل كذلك، وهي في شهادة المرأة أنها أرضعت فلانا وفلانة، وقد عمل النبي ﷺ بشهادتها وفرق بينهما كما في البخاري (٢).
стр. 665
وكان الأصل أنها إقرار ومعلوم أن الإقرار حجة قاصرة على النفس لا تتعدى إلى الغير.
وكذلك لو شهدت بالبكارة ويثبت النسب للمولود بشهادة المرأة القابلة وهي واحدة.
الحالة الثانية: ما ساوى الشرع شهادتها بشهادة الرجل، وهي الشهادة على الهلال للصوم والحج والقبلة ونجاسة وطهارة الماء وفي سائر الأمور شهادتها كالرجل ومن ادعى الفرق في غير شهادتها في الديون احتاج إلى الدليل الصحيح الصريح الخالي عن المعارضة ولا يوجد.
الحالة الثالثة: شهادتها على وثائق الديون المالية وهذه مما قد تنساها المرأة بكثرة لعدم كثرة ملابستها لها فجعل لها الشرع امرأة معها تذكرها (١) بالنص (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُوا) (البقرة: ٢٨٢).
رياضة المرأة:
الرياضة أمر مباح للرجال والنساء، وعلى كل الالتزام بضوابط الشريعة.
فتكون رياضة النساء في صالات مغلقة على النساء لا يشاهدهن رجل أجنبي مباشرة أو بتصوير.
لأن الرياضة ترفيه، ويحصل في الترفيه ما لا يجوز أن يظهر على من يظهر على عورات النساء. والله يقول (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (النور: ٣٠).
وغض البصر هو في هذا ونحوه.
стр. 666
ولتحريم ضرب الرجل (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ) (النور: ٣١) وهذا أشد منه.
ولأنها تضع ثيابها حال الرياضة، وهو جائز أمام النساء والمحارم لا على من يظهر على عورات النساء، وأما القواعد من النساء فيجوز لهن وضع ثيابهن أي حجابهن في رياضة أو غيرها شرط عدم التبرج بالزينة (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (النور: ٦٠).
والمقصود هو صيانة المرأة وحفظها وسمعتها، وهو من مقصود حفظ الأعراض في الشرع، فإذا تعارضت مع مباح قدم الأصل؛ فإذا تحقق ذلك بما تقدم بقيت المسألة الرياضية للمرأة على الإباحة لا ينقلها عن هذا الأصل ناقل إلا ما أدى إلى معارضة تكريم المرأة، وحفظها من الأذى.
ودفع الأذى عن المرأة مقصد شرعي (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (الأحزاب: ٥٩)، فدل على أن مقصود الشرع دفع الأذى عن المرأة لجعله علة (فَلا يُؤْذَيْنَ).
فإذا تحققت هذه الأمور فللمرأة حينئذ ممارسة الرياضات بأنواعها من كرة قدم، وألعاب قوى وسباحة، وسباق بالقدم أو الخيل، أو السيارات، وأنواع رياضة الكرة، والتنس، والجولف، والتزلج، وركوب البحر، والغطس، والرماية، والقفز.
وتلبس في الرياضة أمام من يباح لها إظهار زينتها أمامهم من النساء والمحارم لباسا ساترا من أسفل الركبة إلى أعلى السرة، وستر الثديين إلا لإرضاع أمام نساء أو المحارم.
ولا تلبس ما يسمى بالمايوه إلا أمام زوج؛ لإظهاره ما لا يجوز إلا له، وعلى نحو ما تقدم تفصيله.
стр. 667
فقه حقوق الإنسان
* (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء: ٧٠)
* (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: ١٣)
* منصب الخلافة في الأرض لا يتماشى إلا مع الحرية؛ لذلك خلق الله الإنسان بمشيئة حرة، وسخر له كافة الإمكانات، فإما أن يكون بهذه الحرية وهذا المنصب أكرم خلق الله، أو يكون بهما أرذل ما في الكون.
стр. 668
فقه حقوق الإنسان
يمكننا تعريف حقوق الإنسان بأنها:
كل أمر شُرِعَ دفعا لكل ضرر فاحش على الإنسان كإنسان، ومعاملتُه بكل ما يحفظ له مقصد التكريم الإلهي، بما يعتبر حفظا لضرورياته وحاجياته، وتحسينياته الإنسانية.
سواء في أموره العادية أو الاستثنائية.
وكل عقوبة لا تنزل به إلا بحق وعدل دفعا للضرر الكلي، وحفظا -كذلك- لضروريات وحاجيات المجموع.
فحقوق الإنسان هي أمور تختص بأصل التكريم للإنسان وحفظ ضرورياته وحاجياته المتفق عليها في سائر الشرائع غالبا وما اختص به الدين الخاتم، ومدارها على حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض والجماعة العامة والفطرة.
ودين الإسلام هو دين الإنسانية جميعا، ولذا قام على رعاية حقوق الإنسان أعظم رعاية برحمة وحكمة ووسطية وعدل وإحسان.
والأصل تكريم الإنسان لقوله تعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء: ٧٠).
وتتساوى الإنسانية في أصل الخليقة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: ١٣).
فلا عنصر ولا شعب ولا عرق ولا لون ولا نسب خير من آخر، فالكل مرجعه لآدم، وآدم من تراب «كلكم لآدم وآدم من تراب» (١).
فلا عنصرية في الإسلام، ولا فضل لعرق على آخر في أصل الخليقة، ولا تفاضل إلا بالكسب، وهو كسب يدور حول الإصلاح في الأرض وترك الفساد وحفظ المقاصد الجامعة،
стр. 669
ومن كسب التقوى حاز مرتبة الفضل عند الله.
ويجب تكريم الوالدين ومصاحبتهما بالمعروف، وترك التأفف منها ولو كافرين، ويطاعان إلا في معصية الله (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (العنكبوت: ٨).
ومن خالفنا في الدين ولم يحارب أو يظاهر فالإحسان إليه مطلوب كإنسان، لقوله تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨).
والبر: هو الإحسان.
والقسط: هو العدل.
ويحرم في الحروب قتل المدنيين غير المقاتلين عموما، ونص على خصوص حرمة قتل النساء والأطفال والعباد ونحوهم من الفئات المدنية.
وكل محايد ومسالم يحرم قتله كذلك (أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً) (النساء: ٩٠).
ويحرم المثلة بالجثث «نهى عن المثلة» (١).
ودفنهم مشروع كما فعل ﷺ في قليب بدر.
وفرض حق الجار، والصاحب، وذي القربى بالنص (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ) (النساء: ٣٦).
فالجار ذو القربى والجار من غير ذي القربى له حقوق بعلة الجوار ولو كان على غير دين الإسلام.
وللمسلم أن يأكل في بيت مخالف في الدين إن دعاه، وعكسه؛ لفعله ﷺ (٢).
стр. 670
وله أن يبيع ويشتري منه (١).
ويرهن عنده للدين (٢).
ويزورهم في المرض لفعله ﷺ مع اليهودي كما ثبت في الصحيح (٣).
ويدعوه إلى الدين الحق.
ويصل القريب ولو كافرا إلا حربياً في الحرب.
ويحرم مع كل إنسان في بيع وشراء كل ما حرم في التعامل به مع مسلم؛ لعموم النصوص. ومن ادعى الاختصاص فعليه الدليل الصحيح الصريح الخالي عن المعارض.
فيحرم الغرر، والغش، والكذب، وبيع ما ليس عندك، والقمار، والميسر، والربا؛ لعموم الأدلة.
وتحرم السرقة، والاختلاس، والنهب، والغصب لمال المسلم وغير المسلم.
وجميع المعاملات من بيع وشراء وشركات ومضاربات وسلم الأصل جوازها مع مسلم أو كافر، وهكذا كل المعاملات التجارية والاستثمارية.
والتملك مكفول لكل إنسان بطرقه المشروعة؛ لأنه من ضرورات الاستخلاف في الأرض.
وضمان ما أتلف من الأموال مكفول كذلك.
ونهى الشرع عن القتل والنهب والسلب والإفساد في الأرض والسرقات والاحتيال والخداع.
وفرض العقوبات العادلة للأمور الكبرى خاصة، كالتي تصادر حقوق الإنسان في الحياة، فالقاتل يقتل، والجاني على عضو يقاص به، العين بالعين والأنف بالأنف.
ودعا إلى العفو الإنساني (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠).
وأمر بالستر وعدم الفضيحة على أحد.