ولتحريم ضرب الرجل (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ) (النور: ٣١) وهذا أشد منه.
ولأنها تضع ثيابها حال الرياضة، وهو جائز أمام النساء والمحارم لا على من يظهر على عورات النساء، وأما القواعد من النساء فيجوز لهن وضع ثيابهن أي حجابهن في رياضة أو غيرها شرط عدم التبرج بالزينة (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (النور: ٦٠).
والمقصود هو صيانة المرأة وحفظها وسمعتها، وهو من مقصود حفظ الأعراض في الشرع، فإذا تعارضت مع مباح قدم الأصل؛ فإذا تحقق ذلك بما تقدم بقيت المسألة الرياضية للمرأة على الإباحة لا ينقلها عن هذا الأصل ناقل إلا ما أدى إلى معارضة تكريم المرأة، وحفظها من الأذى.
ودفع الأذى عن المرأة مقصد شرعي (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (الأحزاب: ٥٩)، فدل على أن مقصود الشرع دفع الأذى عن المرأة لجعله علة (فَلا يُؤْذَيْنَ).
فإذا تحققت هذه الأمور فللمرأة حينئذ ممارسة الرياضات بأنواعها من كرة قدم، وألعاب قوى وسباحة، وسباق بالقدم أو الخيل، أو السيارات، وأنواع رياضة الكرة، والتنس، والجولف، والتزلج، وركوب البحر، والغطس، والرماية، والقفز.
وتلبس في الرياضة أمام من يباح لها إظهار زينتها أمامهم من النساء والمحارم لباسا ساترا من أسفل الركبة إلى أعلى السرة، وستر الثديين إلا لإرضاع أمام نساء أو المحارم.
ولا تلبس ما يسمى بالمايوه إلا أمام زوج؛ لإظهاره ما لا يجوز إلا له، وعلى نحو ما تقدم تفصيله.
стр. 667
فقه حقوق الإنسان
* (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء: ٧٠)
* (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: ١٣)
* منصب الخلافة في الأرض لا يتماشى إلا مع الحرية؛ لذلك خلق الله الإنسان بمشيئة حرة، وسخر له كافة الإمكانات، فإما أن يكون بهذه الحرية وهذا المنصب أكرم خلق الله، أو يكون بهما أرذل ما في الكون.
стр. 668
فقه حقوق الإنسان
يمكننا تعريف حقوق الإنسان بأنها:
كل أمر شُرِعَ دفعا لكل ضرر فاحش على الإنسان كإنسان، ومعاملتُه بكل ما يحفظ له مقصد التكريم الإلهي، بما يعتبر حفظا لضرورياته وحاجياته، وتحسينياته الإنسانية.
سواء في أموره العادية أو الاستثنائية.
وكل عقوبة لا تنزل به إلا بحق وعدل دفعا للضرر الكلي، وحفظا -كذلك- لضروريات وحاجيات المجموع.
فحقوق الإنسان هي أمور تختص بأصل التكريم للإنسان وحفظ ضرورياته وحاجياته المتفق عليها في سائر الشرائع غالبا وما اختص به الدين الخاتم، ومدارها على حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض والجماعة العامة والفطرة.
ودين الإسلام هو دين الإنسانية جميعا، ولذا قام على رعاية حقوق الإنسان أعظم رعاية برحمة وحكمة ووسطية وعدل وإحسان.
والأصل تكريم الإنسان لقوله تعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء: ٧٠).
وتتساوى الإنسانية في أصل الخليقة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: ١٣).
فلا عنصر ولا شعب ولا عرق ولا لون ولا نسب خير من آخر، فالكل مرجعه لآدم، وآدم من تراب «كلكم لآدم وآدم من تراب» (١).
فلا عنصرية في الإسلام، ولا فضل لعرق على آخر في أصل الخليقة، ولا تفاضل إلا بالكسب، وهو كسب يدور حول الإصلاح في الأرض وترك الفساد وحفظ المقاصد الجامعة،
стр. 669
ومن كسب التقوى حاز مرتبة الفضل عند الله.
ويجب تكريم الوالدين ومصاحبتهما بالمعروف، وترك التأفف منها ولو كافرين، ويطاعان إلا في معصية الله (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (العنكبوت: ٨).
ومن خالفنا في الدين ولم يحارب أو يظاهر فالإحسان إليه مطلوب كإنسان، لقوله تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨).
والبر: هو الإحسان.
والقسط: هو العدل.
ويحرم في الحروب قتل المدنيين غير المقاتلين عموما، ونص على خصوص حرمة قتل النساء والأطفال والعباد ونحوهم من الفئات المدنية.
وكل محايد ومسالم يحرم قتله كذلك (أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً) (النساء: ٩٠).
ويحرم المثلة بالجثث «نهى عن المثلة» (١).
ودفنهم مشروع كما فعل ﷺ في قليب بدر.
وفرض حق الجار، والصاحب، وذي القربى بالنص (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ) (النساء: ٣٦).
فالجار ذو القربى والجار من غير ذي القربى له حقوق بعلة الجوار ولو كان على غير دين الإسلام.
وللمسلم أن يأكل في بيت مخالف في الدين إن دعاه، وعكسه؛ لفعله ﷺ (٢).
стр. 670
وله أن يبيع ويشتري منه (١).
ويرهن عنده للدين (٢).
ويزورهم في المرض لفعله ﷺ مع اليهودي كما ثبت في الصحيح (٣).
ويدعوه إلى الدين الحق.
ويصل القريب ولو كافرا إلا حربياً في الحرب.
ويحرم مع كل إنسان في بيع وشراء كل ما حرم في التعامل به مع مسلم؛ لعموم النصوص. ومن ادعى الاختصاص فعليه الدليل الصحيح الصريح الخالي عن المعارض.
فيحرم الغرر، والغش، والكذب، وبيع ما ليس عندك، والقمار، والميسر، والربا؛ لعموم الأدلة.
وتحرم السرقة، والاختلاس، والنهب، والغصب لمال المسلم وغير المسلم.
وجميع المعاملات من بيع وشراء وشركات ومضاربات وسلم الأصل جوازها مع مسلم أو كافر، وهكذا كل المعاملات التجارية والاستثمارية.
والتملك مكفول لكل إنسان بطرقه المشروعة؛ لأنه من ضرورات الاستخلاف في الأرض.
وضمان ما أتلف من الأموال مكفول كذلك.
ونهى الشرع عن القتل والنهب والسلب والإفساد في الأرض والسرقات والاحتيال والخداع.
وفرض العقوبات العادلة للأمور الكبرى خاصة، كالتي تصادر حقوق الإنسان في الحياة، فالقاتل يقتل، والجاني على عضو يقاص به، العين بالعين والأنف بالأنف.
ودعا إلى العفو الإنساني (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠).
وأمر بالستر وعدم الفضيحة على أحد.
стр. 671
وأمر بحل الخلافات اجتماعيا بالصلح حتى لا تصل إلى القضاء فتحصل الفضيحة؛ ففي الحديث «تعافوا الحدود فيما بينكم»، وفي الآية (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (الحجرات: ١٠).
ويحمي الأعراض من كل اعتداء جنسي، أو بدني، أو سب، أو قذف، أو لعن.
ويرفع الضرر الخاص والعام.
ويدافع عن المظلومين، ويحاصر ويمنع القمع والظلم والاستبداد.
ويحمي المستضعفين.
ويحرم السجن بلا حق؛ لأنه من الظلم.
ويساوى بين الخصوم.
ويحرم التعذيب للإنسان تحت أي مبرر، سواء كان أسيرا أو سجينا أو طليقا متهما أو غير متهم.
فالتعذيب للإنسان محرم، بحرق، أو صعق، أو ضرب وصفع، أو منع من طعام أو شراب، أو بتجريد من الثياب، أو تعذيب بالإغراق، أو إدخال الوحوش عليه أو الهوام كالأفاعي والعقارب ونحوها، أو مساومته بعرضه وتهديده بنسائه وأطفاله وماله، أو التبريد والتسخين، أو التعذيب بمنع من النوم، أو بمنع زيارة الأهل له، أو جعله في وضعية تعذيبية كتعليق أو مد أو مط، أو جرح بمحدد، أو تقطيع شيء منه، أو إتلاف عضو منه، أو ثقبه بثاقب مسمار أو حديدةٍ أو مثقاب أو غيره، أو تعذيبه بالضوضاء الشديدة الصوتية أو شدة إضاءة.
وتحريم هذه الأمور؛ لأنها بغي وعدوان (وَلاَ تَعْتَدُوا) (البقرة: ١٩٠)، ولأنها من الفحشاء والمنكر، وهو محرم قطعي (وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ) (النحل: ٩٠)، ولأنها مفاسد وأضرار فاحشة، وهذا واجب الدفع وباطل أي تشريع به.
ويحرم السجن الانفرادي؛ لأنه تعذيب نفسي مضاد للفطرة.
وكل مضاد للفطرة محرم، لقوله تعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) (الروم: ٣٠).
فما وافق الفطرة فهو الدين القيم.
стр. 672
ويحمي -الإسلام- حق المرأة في كافة حقوقها الإنسانية، والمالية، والنفسية، والسياسية، والاجتماعية، والعلمية (١).
ولها حق اختيار الزوج، فلا تجبر كرها على من لا تريد، ويحمي حق الترابط الأسري والمجتمعي، فيُعقَد للمرأة بإذن أهلها، وحضور شهادة العدول، وإشهار العقد حتى لا تضيع الحقوق وتتفكك الأسر.
وأمر فرضا بحفظ حقوق اليتيم، والشرائح الضعيفة من الأطفال والنساء والرجال والشيوخ (٢).
ونهى عن استغلال اليتيمات، فلا يُتَزَوج بهن إلا إن أدي لها سائر الحقوق، ولو كان كافلا من قبل (فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة: ٢٢٠)، (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا) (النساء: ٣).
وقوله تعالى (وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا) (النساء: ١٢٧).
وأمر بإدخال اليتيم في ضمن الأسرة لا بإقصائه وقهره (وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ) (البقرة: ٢٢٠).
وحرم التحايل على ماله بأي وسيلة من الوسائل (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (النساء: ٦)، (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) (النساء: ١٠).
стр. 673
الحرية لكل إنسان:
وكل مولود يولد حرا، ولا يجوز استعباده، من أية ملة كان.
هذه هي قاعدة الشريعة وأصلها ما روي عن عمر ﵁: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟
والأرقاء حررهم الإسلام بإجراءات صارمة مفروضة، فكل عبد لَحِقَ بدار الإسلام مسلما فهو حر «أيما عبد لحق بنا مسلما فهو حر» (١).
وكل رقيق عند مسلم له حق الحرية بتعويض مناسب مُقَسَّط كتعويض لصاحبه عن خسارة ماله؛ لأنه لا ضرر ولا ضرار.
وفَرْضٌ عليه قبول المكاتبة ديانة، أو قضاء.
وفَرْضٌ إعانة صاحبه له بعطاء مالي بالنص (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) (النور: ٣٣).
وكل امرأة رقيق: لها ذلك الحق، فيكاتبها مولاها وجوبا إن طلبت.
ويزاد في أحكامها أنه لو وطأها مولاها فحملت فهي أم ولد حرة، وولدُها حر.
وجميع أولاد الرقيق أحرار على الأصل، ومن قال إنهم مملوكون أرقاء فقد جاء بشرع من عنده بلا حجة ولا برهان.
ولا أعلم نصا من الكتاب ولا من السنة صحيحا صريحا في ذلك، بل كل مولود يولد على الفطرة، ومن الفطرة الحرية.
стр. 674
ومن اعتدى عليه بضرب أو جرح اقتص بالنص (١)، وهو حرٌ.
ومن قتله قتل به؛ لعموم (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) (المائدة: ٤٥).
ومن لطمه فهو حر للنص «من لطم عبده فهو حر» (٢).
ومن ظاهر من زوجته، أو قتل خطأ، أو جامع في نهار رمضان؛ فالواجب عليه:
أولا: عتق رقبة، ثم ما يليها حسب النصوص.
ومن حلف فأراد أن يكفر فمن كفاراته عتق رقبة، وهو أول ما نص عليه من أنواع الكفارة.
وتبين من هذا أن الإسلام حارب العبودية والرق، ودعا إلى التحرر الجبري (فَكَاتِبُوهُمْ)، وهذا أمر جبري عام.
وكل بلاد فتحت فلا يحق سبي نسائها ولا رجالها؛ لعدم الدليل النصي على ذلك من القرآن والسنة ولا الفعلي من الفاتحين.
بل يتعامل بالمثل مع الأنظمة الأخرى في حال حضور النساء والذرية المعركة، أو تسلم بفدية، أو يمن عليها.
ولا تقتل لعموم الآية (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء) (محمد: ٤).
وقد فعل ﷺ ذلك في سبايا هوازن (٣).
стр. 675
فالأصل فيه: أنه تعامل بالمثل، مع حق العفو، والفداء، لا القتل بالنسبة للرجال وللنساء والذرية، واحتماله للرجال إن أُعْدِمَ الأسرى في الطرف الآخر (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: ١٩٤).
ويحتمل العفو (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠).
فإن لم يحصل فداء للنساء والذرية ولم تعف الدولة وتمن عليهم فإنهم يكونون مواطنين في الدولة المسلمة، فإن استرقت الدولة المقاتلة الأسرى من النساء والذرية أو المقاتلين تعاملت دولة الإسلام بالمثل، ويكون قد فرض عليهم الأمر واقعا وشرعا (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: ١٩٤)، مع احتمال العفو والمن.
ويكون للمرأة سائر حقوقها إن تزوجها.
ويحق لها كذلك طلب المفاداة بالمكاتبة، وفرضٌ قبوله بالنص (فَكَاتِبُوهُمْ).
وإن أراد وطأها فأبت حرم إكراهها؛ لأنه عقد بالرضى لا بالغصب.
أما شراء الرقيق من السوق: فإن اشتراه مسلم فادعى أنه حر وجب إطلاقه إن بين البينة.
وكذا إن كان ذا قرابة للمشتري للنص «ومن اشترى ذا رحم فهو حر» (١).
وإلا فله طلب المكاتبة وفرض قبولها والإعانة للنص.
وكل ما سبق كذلك.
وجميع ذريات الأرقاء أحرار، فإذا انقرض الجيل الأول انقرض الرق في الإسلام بمئة عام.
ولم يبق إلا من خلال بيع الرقيق من قبل الكفار فيشتريه مسلم، فيجري فيه ما سبق من الأحكام وعلى رأسها تحريره بالكتابة.
стр. 676
حق السكن لكل إنسان:
ولكل إنسان حق السكن بتملك أو إيجار أو تبرع، فإن لم يجد شيئا من ذلك وجب دفع الضرر عنه بإيوائه.
وهو واجب فرضي كفائي على الناس والدول.
والأصل -أولا- وجوبه على الحكومات والسلطات؛ لأنها قائمة على التصرف في الناس بالمصالح العامة من المال العام، وهذه المصلحة من أهمها.
والبشرية كلها مكلفة بحقوق الإنسان: وقولنا «على الناس»: يعم المسلم والكافر؛ لأن الله أمر الجميع بذلك وهم عبيده وعليهم طاعته، ولورود الذم على الكفار في عدم الإطعام والرفق بالشرائح الضعيفة (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ* فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ* وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) (الماعون: ١ - ٣)، فحرم الله التكذيب بالدين كما حرم معه في سياق ونص وموضع واحد عدم التعامل بإنسانية مع الإنسان في حاجاته الإنسانية، فاليتيم بحاجة إلى الرفق لا الدفع والإغلاظ، والمسكين بحاجة إلى سد جوعه وحاجته.
وقال عن أهل النار من الكفار (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ* وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ* وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ* وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) (المدثر: ٤٢ - ٤٦)، فدل على تكليف الإنسانية جميعا بحقوق الإنسان على العموم؛ لأنه سئل عن كفره وعذب به، وسئل عن تركه إطعام المساكين وعذب به.
وقال تعالى (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ) (النحل: ٨٨).
وزيادة العذاب فوق عذاب الكفر؛ لتركهم الإصلاح في الأرض دليلٌ على التكليف به على وجه عام للبشرية، ومن أهم الإصلاحات رعاية حقوق الإنسان الضرورية والحاجية والتكريمية.
وأمر الله الناس جميعا المسلم والكافر بالإغاثة العامة للإنسان حال الكوارث الإنسانية كالمجاعات (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ* أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ* ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) (البلد: ١١ - ١٧).
стр. 677
وهذا خطاب في السورة يخاطب به الكافر الذي لا يفعل ذلك (١)، كما هو أمر للمسلم بفعله.
وقال تعالى (قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢١٥).
وهذا عام بلا تخصيص، ومطلق بلا تقييد.
وقال (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ) (النساء: ٣٦)، وهذا بلا تقييد.
وثبت في الصحيح تصدق عائشة ﵂ على اليهودية (٢)، وقال سبحانه (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨)، فأمر بالبر والقسط.
وحقوق الإنسان الإنسانية هي من البر والقسط.
الجرائم ضد الإنسانية:
والجرائم ضد الإنسانية مصنفة في أعلى مستويات الجريمة، وهي من أنواع الفساد في الأرض الذي تعد الحرابة جزءاً واحداً منه، وهي عقوبة قطع الطريق (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: ٣٣).
وجرائم الإبادة كالإبادة الجماعية، وقتل المدنيين المسالمين العزل، والإرهاب في الأرض على المدنيين العزل، وجرائم الخطف والتعذيب الجسدي المنكر، وقصف الأحياء السكنية المدنية والمستشفيات وزرع الألغام إلا في منشأة عسكرية للعدو في حال الحرب عند الحاجة لذلك، كل هذا مما يدخل في الجرائم المصنفة من الفساد في الأرض.
стр. 678
وللقضاء النظر بحسب النص القرآني المتنوع العقوبة في إنزال العقوبة المناسبة بالحادثة.
حق العمل المعيشي لكل إنسان في أي مكان على الأرض مكفول مباح:
وهو من الحقوق الضرورية التي لا بد منها في الأصل لكل إنسان.
وقد فرضها الله قسمة بين الناس بحسب كسبهم وأرزاقهم المكتوبة، وأسبابهم المشروعة (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (الزخرف: ٣٢).
والعمل المعيشي هو من مقاصد الحِكَم لوضع الأرض وما فيها على الإباحة (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة: ٢٩)، (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك: ١٥).
وقال ﷺ «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول» (١).
وتأثيمه دليل على وجوب وسيلة تدفع ضياع من يعول الشخص ووسيلته -عادة- العمل المعيشي.
ومن لم يجد عملا للمعيشة له ولمن يعول وجب على الناس دفع حاجته، إما بتوفير عمل، أو بكفالة واجبة؛ لأن دفع الضرر واجب على النفس والغير، ووجوبه لا يثبت شرعا إلا على قادر على دفع الضرر.
وإذا عجز الشخص عن دفع الضرر المعيشي عن نفسه وعياله وجب دفع الضرر عنه على قادر في المجتمع.
والدولة مسئولة عن ذلك على وجه عام للشعب؛ لأنها من أعظم المصالح العامة، وتحقيق المصالح العامة واجب عليها وكذا وسائلها.
فوجب عليها التنمية الاقتصادية التي تُوجِدُ سوق عمل للناس، فإن لم تفعل ظهرت البطالة وعم الفقر ونتجت المفاسد الكبرى فينهار التعليم، ويظهر الفساد المالي والإداري، وتضعف الدولة علميا وعسكريا وسياسيا واقتصاديا.
стр. 679
هذا من الجانب السياسي، أما من الجانب الإنساني فعلى الدولة أن توفر العمل المعيشي، أو تطعم الناس، أو تعتزل، وهذا مما قرره عمر كما في البخاري (١).
وعلى الدول عامة أن تتعاون في إيجاد سوق العمل المعيشي؛ لأن هذا من الحق الإنساني المشترك العام؛ لأن الله وضع الأرض للإنسان ككل، يشترك فيها الجميع في حق المعيشة بالفرض الإلهي السنني (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (الزخرف: ٣٢)، ويقول (وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ* فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ) (الرحمن: ١٠ - ١١).
فهذه للناس جميعا (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة: ٢٩).
فهي موضوعة على الاشتراك الإنساني العام في ضروريات وحاجيات المعيشة.
وقد كان الخلفاء يسهلون للتجار دخول بلاد الإسلام من كافة الديانات والجنسيات، حفاظا على مردوده المصلحي العام في السوق، ومن أهم ذلك تشغيل العاطلين؛ مما يوفر المعيشة للشعب. وكلما زادت فرص العمل المعيشي زادت المصالح العامة للإنسان، والوطن، والدولة، والعالم أجمع.
ولا يجوز للدولة أن تمنع الناس من دخول بلادها بحثا عن العمل المعيشي؛ لأنه منع من حق مشروع مباح إلهي (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك: ١٥). ويجوز لها اتخاذ إجراءات تنظم ذلك من غير تعنت بشروط ونظام يخدم المصالح الإنسانية والمصالح العامة.
ويجب على دول العالم التعاون في إرساء هذه الحقوق لعموم قوله تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ) (المائدة: ٢).
والتعاون على الإثم والعدوان محرم على الناس جميعا، ومقابله مشروع، وهو التعاون على المصالح ودفع المضار.
ولقوله تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨)، ومن البر والقسط التعاون على تسهيل ما يقيم البر والقسط من وسائل العمل المعيشي.
стр. 680
ولعموم (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) (البقرة: ٨٣)، وهذا يدل على التعامل بالحسنى بين الخلق في الأصل إلا ما استثني من باغ ومعتد.
وقد اتفق النبي ﷺ مع اليهود في أمور عامة تخدم المصالح العامة للمدينة، وكانت الأسواق بين المسلمين والكفار من المشركين وأهل الكتاب جارية كسوق بني قينقاع وعكاظ وغيرهما.
والحركة التجارية بين الشعوب أمر من النعم الربانية العامة على البشرية التي بينها الله امتنانا في قوله (لإِيلافِ قُرَيْشٍ* إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ* فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) (قريش: ١ - ٤)، وهذا ساقه في سياق الامتنان.
فيجب على الإنسان أن يحفظ النعم شاكرا لله، وحفظُها من شكرها.
ومِنْ كفر النعمة: منعها أو عرقلتها وكفر النعمة محرم، وهو من البغي في الأرض.
وأمر الله بالتبادل المصلحي والمنافعي الضروري المشترك، وحرم منعه، وأصل هذا تشريع حكم الماعون.
قال المؤلف غفر الله له: وتعريف الماعون الآن هو: تبادل كل ما يحتاجه الإنسان من الإنسان ولا يضر أحدهما.
فمن منعه فهو مرتكب لجرم ولو كان كافراً (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ* فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ* وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) (الماعون: ١ - ٣).
فإذا كانت هذه الآيات فسرت في زمن سالف بحسب واقع المكلفين حال النزول بمنع الحبل، والقدر والفأس (١)؛ فمنع ما المجتمع الإنساني بحاجة إنسانية له محرم من باب أولى، كمنع الدواء، والتعليم، والعمل المعيشي الضروري.
والمحرم في الماعون منعه مع أنه بلا عوض.
стр. 681
فكيف بمنع ما هو من ضرورات وحاجات المجتمع الإنساني، خاصة وهو بمعاوضة لا تبرع.
وحق الأجر العادل مرعي شرعاً: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: ٩٠).
وهذا نص عام يدخل فيه ضبط سياسة الأجور؛ فيجب فرض أجر عادل، ويحرم الغبن الفاحش؛ لأنها معاوضة، والغبن الفاحش فيه ضرر فاحش وظلم، وهو محرم يوجب بطلان الأجرة هذه، وفرض أجرة عادلة مماثلة لمثله سواء كان كافرا أو مسلما؛ لمعاملة الشرع يهود خيبر بشطر ما يخرج منها، وهو ما كان يتعامل به المجتمع من المسلمين وغيرهم آنذاك (١).
وحق التنقل لكل إنسان في عموم الأرض مكفول: سياحةً وبحثا ونظرا وتعلما ومعيشة، وأي مصلحة معتبرة لا ضرر منها على الآخر (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت: ٢٠).
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) (محمد: ١٠).
فالسير في الأرض حق إنساني مشترك عام لا يحق لأي دولة أو جهة منعه عن شخص إلا بمبرر معتبر كالضرر؛ لأن الضرر يزال، ولا ضرر ولا ضرار، وهي ضرورة تقدر بقدرها.
ولا يجوز الخضوع لأي إملاءات من دول مهيمنة تفرض عرقلة السير المباح في الأرض والتنقل على جنس معين أو اتباع دين معين بغيا وعدوانا وتعنتا.
لأن هذا حق إنساني من خالق الإنسان والأرض، ولا ينزع هذه الهبة إلا هو، ولكن الضرورات الضارة تقدر بقدرها العادل (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) (البقرة: ١٧٣).
فشرط في الاضطرار عدم البغي والعدوان، وأكثر العرقلة على أهل الإسلام في حركتهم الإنسانية الدولية على الكوكب هو من البغي والعدوان والعدائية الدينية (حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) (البقرة: ١٠٩).
فإذا حصل ذلك العدوان فقد شرع الله رد العدوان بالمثل (وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) (البقرة: ١٩١).
стр. 682
(وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠)، (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: ١٩٤)، (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ) (الشورى: ٣٩).
وهذا عرف دولي مقر معروف بسياسة المعاملة بالمثل.
ويمنع التمييز العنصري تحريما:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: ١٣)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) (النساء: ١).
وفي الحديث «كلكم لآدم وآدم من تراب» (١).
ويحرم الاضطهاد والاستضعاف الطائفي (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (القصص: ٤).
فسمى عمل فرعون الاضطهاد الطائفي فسادا، وهو في أعلى أنواع الجرائم.
والاضطهاد الديني محرم:
لعموم (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة: ٢٥٦).
ولقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) (البروج: ١٠).
والتعايش السلمي بين سائر البشر إلا لمحارب مقاتل مشروع (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الممتحنة: ٨ - ٩).
والإكراه في اعتناق الدين منهي عنه (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة: ٢٥٦).
والقتال واجب لحماية المضطهدين في دينهم من أهل الإسلام (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) (البقرة: ١٩٣)، وجعل الفتنة عن الدين الحق دين الإسلام أشد من القتل (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) (البقرة: ١٩١)، وأذن لمن فتنهم المشركون
стр. 683
واضطهدوهم وأخرجوهم من المهاجرين بالقتال (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ* الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) (الحج: ٣٩ - ٤٠).
ويجب حماية الأقليات الدينية المستأمنة، ويحرم الاعتداء عليهم وظلمهم بأنواع من الظلم أو اضطهادهم «من قتل معاهدا فعليه لعنة الله ... » (١).
وأوجب جماعة من فقهاء أهل الإسلام وهم الحنفية أن من قتل معاهدا قتل به.
وقولهم أقرب إلى الأصول الكبرى (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) (المائدة: ٤٥).
وحديث «لا يقتل مسلم بكافر». أي بكافر حربي، هكذا أولوه، وهو وجه قوي.
وقول عمر فيمن أشار إلى محارب فَفَهِم منه الأمان فلما جاء قتله أنه يقتله به (٢)، دليل على ذلك.
وللدولة منعهم من الوظائف السيادية؛ لأنها ليست من حقوق الإنسان الإنسانية، بل هي من حقوق السيادة الدينية والوطنية.
وكل دولة تشترط الوطنية واعتناق دينها الرسمي لهذه الوظائف الكبرى كالرئاسة وغيرها من كبار الوظائف السيادية والسياسية، لا لأنه تمييز ديني أو عنصري، بل لأنه حق سيادي للشعب الذي اختار التوافق على هذه الشروط، واختار اعتناق الدين الذين يمنع الوظيفة السيادية على غير أتباعه في وطنهم، وهذا من حق أي شعب؛ مراعاة لمصالحهم العامة.
والإسلام قضى بشرط ولاية المسلم على المسلم في الوظائف السيادية، ومنع غير مسلم.
وهو ما يجرى عليه الغالب من التعامل الدولي الآن.
المساواة العادلة:
والمساواة العادلة، وحفظ الحقوق، وإيتاؤها، وعدالة العوض، والجزاء في الدنيا والآخرة أمور مقررة شرعا. والقاعدة الشرعية المستفادة من تصرفات الشرع:
أن من تساووا في الواجبات تساووا في الحقوق، وهي قاعدة العقل والعدل.
стр. 684
فإذا تفاوتت الواجبات تفاوتت الحقوق.
وخلاف هذا خروج عن العقل والعدل والنقل والعادة البشرية والسنن الكونية والإلهية والفطرة.
فهل يعطى الخامل كالعامل، والمخترع البارع كالبليد الجاهل، والمصلح في الأرض كالمفسد فيها؟ (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الزمر: ٩).
والأمن والاستقرار للإنسان في العالم هو الأصل:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَآفَّةً) (البقرة: ٢٠٨) وهذا أمر دال على الوجوب في الالتزام بالسلم للكافة، فمن اعتدى بعد هذا رد عدوانه بمثله، (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: ١٩٤).
ويحرم العدوان ابتداء (وَلاَ تَعْتَدُوا) (البقرة: ١٩٠). (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: ٩٠).
والدفاع عن النفس مشروع (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ) (الشورى: ٣٩).
والإعداد للعدو المحارب فرض كحق للأمة ولإيجاد توازن الأمن والاستقرار العالمي والإنساني (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: ٦٠).
وإنقاذ المستضعفين المضطهدين من المدنيين المسالمين واجب شرعي ولو بالقتال (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا) (النساء: ٧٥).
فهذا أمر بالقتال لإنهاء الاستضعاف والعلو والهيمنة على المدنيين المسالمين العزل المستضعفين ظلما وعدوانا.
ويجب مساندتهم ونصرتهم بكافة الوسائل التي تدفع الطغيان والعدوان عليهم.
وكل من أخرج من أرضه وولده شرع له القتال (وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا) (البقرة: ٢٤٦).
стр. 685
ويكون بالمثل (وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ) (البقرة: ١٩١).
ومن بدأ بالقتال عدوانا شرع ردعه ولو بالقتال (وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ) (التوبة: ١٣).
فعلل الشرع مشروعية القتال ببدء العدو ذلك (وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ) (البقرة: ١٩١).
وحق اللجوء السياسي: مكفول لكل إنسان في الأصل، يقول تعالى (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ) (التوبة: ٦).
فهذا نص على وجوب منح الاستجارة لمن طلبها ولو مشركا، ويدخل فيه حق اللجوء السياسي.
وغايتها (ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) (التوبة: ٦)، وهذا غاية الأمان والرعاية للاجئ والمستجير.
ولا يسلم لبلده إن كان مستجيرا منها، بل لمأمنه أينما كان.
ويعرف مأمنه بإخباره عن نفسه؛ لأن المكان الآمن للشخص يرجع فيه إلى معرفته الشخصية عادة.
وقد يكون مأمنه في الدولة عموما، أو في مكان ما فيها، أو مكان وبلد من العالم؛ فيوفر ذلك للمستجير ولو كافرا.
ويجوز للمسلم اللجوء السياسي إلى دولة غير مسلمة؛ لأن النبي ﷺ دخل في جوار المطعم وكان المطعم كافرا (١).
والحق الصحي للإنسان: وحفظ النفس، وإحياؤها، وإغاثتها مطلوب شرعا، قال تعالى (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة: ٣٢).
стр. 686
وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ «زار يهوديا في مرضه» (١).
فدل على أن زيارة المريض حق إنساني أقره الشرع، ولا يخضع لعرف أو يقيد بطائفة.
والنص دال على أن إحياء النفس البشرية والحفاظ عليها مقصد عظيم؛ لأنه عَادَلَ إحياء نفس واحدة بإحياء البشرية جميعا، وهذا غاية الإصلاح، وإتلافَهَا بإتلاف البشرية، وهذا غاية الإفساد.
وحفظها وإحياؤها من المقاصد الكبرى الشرعية التي يجب الحفاظ عليها قطعا ضروريا بالشرع والسنن، وهي حفظ الدين والعقل والمال والعرض والنسل والجماعة والفطرة.
وكل الوسائل الصحية والطبية الخادمة لحفظ النفس واجبة وجوبا كليا؛ لأنها وسائل المقاصد ولا يتم المقصد إلا بها.
فيدخل في هذا صناعة الأدوية، واللقاحات، وحملات التوعية، والمعاينة، والتطعيم، وإنشاء الجامعات ومراكز البحث، وإغاثة المناطق الوبائية، ومنع وسائل المرض ونشر ثقافة الصحة، وإقامة جمعيات ومؤسسات ومنظمات محلية ودولية تعتني بذلك؛ لأنها وسائل لحفظ ضروري وخدمته، فتجب وجوبا كليا بالنظر الكلي المقاصدي.
وتجب وجوبا جزئيا فيما لا يتم حفظ النفس إلا به، استقلالا أو استكمالا، كاللقاحات للأطفال، وإغاثة المناطق الموبوءة والنازحين، وإسعاف المرضى وجرحى الحروب، وإنقاذ الغرقى، وإغاثة أهل الحوادث والكوارث الطبيعية من زلازل وأعاصير وجفاف وفيضانات ومجاعات.
وكذا إنقاذ ما تخلفه الحوادث في وسائل المواصلات والنقل الجوي والبحري والبري بأنواعه، وإغاثة النازحين من الحروب والصراعات والكوارث، وما إلى ذلك.
فهذه مطلوبة شرعا كونها من وسائل حفظ النفس. وهو حق إنساني مشترك عام، ومن الإحسان العام (وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ١٩٥).
ومن إحياء النفس المقصود بالنصوص (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة: ٣٢).
стр. 687
ويحرم استعمال كل ما يؤدي إلى إهلاك الأنفس من السموم والأسلحة البيولوجية والجرثومية والنووية.
ومن اخترع هذه الأسلحة فهو آثم؛ لأنه سن سنة سيئة عامة للفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل.
وإذا اتفقت جميع دول العالم بلا استثناء الدول الكبرى أو غيرها على إتلافها والتخلص منها وعدم صناعتها وجب الالتزام بذلك على أهل الإسلام وغيرهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) (البقرة: ٢٠٨) فإن كان انتقاء فلا يلزم.
والتصريح لدول محدودة ومنع غيرها سياسة إجرامية مصنفة في الجرائم الكبرى في الأرض؛ لأنها وسيلة له، ووسيلة إلى العلو والهيمنة لجانب، والاضطهاد والإذلال والاستضعاف لجانب آخر، وهي سياسة الفساد والمفسدين (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (القصص: ٤).
المساواة العادلة واختصاصات المجتمعات الإنسانية:
المساواة العادلة في الحقوق والواجبات والحريات من مقصودات الشرع؛ لعموم (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠)، وهذا منه (١).
وكل إنسان مضبوط بمجتمع الإنسان، ولكل مجتمع وشعب وأمة حقوق لا يمكن تجاوزها، وكلها تدور على حق حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض، والجماعة، والدولة.
стр. 688
ولا يحق لأحد في مجتمع أن يضر بحقوق المجتمع الآخر المتوافق عليها بينهم؛ لأن كل أمة لها حقوق، فما اشترك بين الناس جميعا من الحقوق وجب رعايته من الجميع، وهي الحقوق الإنسانية العامة.
وما اختصت به بعض المجتمعات والأمم من الحقوق الخاصة فلا يحق لأحد العدوان عليها.
ولكل إنسان حق الدفاع عن نفسه من البغي والعدوان لقوله تعالى (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ) (الشورى: ٣٩)، ولحديث «من قتل دون دمه وعرضه وماله فهو شهيد» (١).
ولكل إنسان حق رد العدوان والبغي المماثل (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: ١٩٤)، (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠).
ولا يحق لأي إنسان العدوان والبغي على أي إنسان آخر (وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة: ١٩٠).
العلل الخمس المترتب عليها الحقوق والواجبات:
والحقوق والواجبات والحريات في بني البشر جميعا مرتبطة بخمس علل باعثة على ذلك:
- العلة الأولى: الإنسانية.
- العلة الثانية: الوطن والمواطنة.
- العلة الثالثة: الأهلية، وهي: فطرية وشرطية.
- العلة الرابعة: الدولية.
- العلة الخامسة: الدينية.
أما العلة الإنسانية: فيجب بها حفظ الضرورات والحاجيات وتكريم الإنسان كإنسان، فله حق السكن والطعام والشراب واللباس والأسرة وصيانة السمعة وحق التعلم والمعاملات التجارية والتنقل في الأرض ووسائل الحياة من الحاجيات.
وأما العلة الوطنية: فهي بحسب التوافق الوطني الأغلبي أو الإجماعي وشروط الترشح للولايات.
стр. 689
وأما العلة الدولية: فكل ما ترتب على التعامل السياسي من حقوق المعاهدات والأمان والتكتلات والأحلاف.
وأما العلة الأهلية: فهي في شروط الأعمال والعقود أو الوظيفة والإجارات ونحوها.
وأما العلة الدينية: فهي كل حق ترتب على كونه مسلما أو غير مسلم.
والعلل الأربع: الوطنية، الدولية، الأهلية، الدينية، لا يحق لأحد أن يطالب بحقوقها بعلة حقوق الإنسان العامة؛ لأن هذه حقوق خاصة لمن فيه هذه العلة الخاصة.
أما العلة المشتركة فهي الإنسانية، فلها حق عام مشترك ترعاه الشرائع والأعراف والعقول.
стр. 690
فقه اليتيم
* (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ) (البقرة: ٢٢٠)
* «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين» متفق عليه
* حقوق اليتيم والشرائح الضعيفة من المسائل الغاية في الأهمية في التشريع
* الجمعيات والمؤسسات وبيوت اليتيم ودور المسنين والشرائح الضعيفة لا بد أن تقوم على تمام الحفظ والرعاية وواجب حينئذ دعمها وتطويرها والرقابة عليها
* نرى أن تعليم اليتيم إلى المستوى الثانوي الفني أو الجامعي هو من تمام كفالته الشرعية؛ لأنه يتمكن حينئذ من الإدارة الراشدة لنفسه وحياته وشعوره وبلوغ الرشد قصده الشرع غاية في إنهاء النظر (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) (النساء: ٦)
стр. 691
فقه اليتيم
اليتيم هو: من مات أبوه قبل البلوغ.
وفرضٌ حفظ دينه، ونفسه، وماله، وعرضه، وعقله.
والولاية عليه ولاية نظر لا ضرر.
ويحرم قهره بأي نوع من القهر القولي أو الفعلي، ولو بإشارة كهمزٍ، أو لمز، أو سخرية، أو بتنقص؛ لعموم مُتَعَلَّق (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) (الضحى: ٩).
أي لا تقهره في أي أمر؛ لأن حذف المعمول يدل على العموم.
ودعُّه باليد من الكبائر للنص (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ* فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ) (الماعون: ١ - ٢).
ويقدم إطعامه في الاختيار، أو الاضطرار على غيره من المساكين، ولو متربة لتقديم اليتيم في الذكر في قوله تعالى (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ* أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ) (البلد: ١٤ - ١٦).
وشرط ذلك كونه فقيرا فاجتمع عليه اليتم والفقر، ولذا قدم.
ووصفه بذي مقربة، أي من ذوي القربى يدل على آكدية الوجوب في اليتيم والفقير من ذوي القربى.
قاعدة التعامل مع اليتيم في دينه ونفسه وماله وعقله وعرضه وحاجياته وتحسيناته:
وفرضٌ في التعامل معه العمل بقاعدة (قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ) (البقرة: ٢٢٠)، (وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ) (النساء: ١٢٧)، (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى) (النساء: ٦)، (وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ) (البقرة: ٢٢٠)، (فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا) (النساء: ٦)، (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) (النساء: ٢)، (وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) (النساء: ٢)، (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) (الضحى: ٩)، (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) (النساء: ١٠).
فهذه الآيات نصوص تفيد في قواعد التعامل مع اليتامى، والجامع لهذه الآيات هي الآية الأولى (قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ) (البقرة: ٢٢٠).
стр. 692
وهذه الآية نص عام في التعامل مع اليتامى بالإصلاح في دينهم، وأموالهم، وأنفسهم، وأعراضهم، وعلمهم.
فأما دينه: فيعلم ما أمر الله به من الفرائض والآداب والأخلاق ويؤمر بالصلاة لسبع، ويؤدب بما ينفعه في أموره الدينية.
وينظر له في دينه ما ينظر إلى الولد النسبي، وإنما قلنا كالولد النسبي في النظر؛ لأن الدين النصيحة (١).
ولأنه «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٢).
ولأن الأمر في قوله تعالى (قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ) (البقرة: ٢٢٠)، راجع إلى كل إصلاح عرفي مع أمثاله في السن، فالكافل يعامله كأمثاله من أبنائه في كل ما يصلحه من تعليم وتربية ودربة على الالتزام بالواجبات والسنن، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ويحذره من الشرك والمعتقدات الفاسدة، ويأمره بالبر وإيتاء ذي القربى حَقَّه، ويأمره بالتواضع، وترك البطر، والكبر، والفخر في قول أو فعل: كالفخر بالمال، أو النسب، أو الحطام، ويأمره باجتناب الاختيال مشيا، والتصعير للناس، ويأمره بالقصد في المشي وغض الصوت، وترك الكسل والتسويف (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ* وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ* وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) (لقمان: ١٧ - ١٩).
ويُعَلَّم بالقدوة قيام الليل والذكر والآداب كما كان ﷺ يفعل مع ابن عباس وابن مسعود (٣)، ويعلم فرضا التلاوة الصحيحة للقرآن الكريم؛ لأنها من أعظم مصالحه الشرعية التي تدخل في الأمر (إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ).
стр. 693
وأما حفظ أموال اليتامى: فإصلاحها بسائر ما يصلحها واجب؛ لأنه مقتضى الأمر.
فيحرم بيعه إلا بغبطة ظاهرة لليتيم.
ومنه جواز استثمار أموال اليتيم في كل استثمار مباح يغلب فيه الربح، وقد يجب إن لم يتم إصلاح ماله إلا بذلك.
وهل يأخذ له أجرة في ذلك؟
إن كان الاستثمار في شركات وبنوك استثمارية فإن صافي الربح لليتيم لا يأخذ منه الولي شيئا.
وينفق منه على اليتيم نفقة قصد وتوسط بالمعروف، فإن أسرف في النفقة على اليتيم من مال اليتيم فمحرم؛ إذ يحرم أن يسرف الشخص في نفقة نفسه من ماله، فالأولى الحرمة في الإسراف في مال الغير ولو عليه كصرف على اليتيم بإسراف من مال اليتيم.
ولأن الإسراف محرم؛ لعموم (وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأنعام: ١٤١)، ولأنه غش وضرر على اليتيم فلا يجوز «من غش فليس منا».
ولأنه خلاف الإصلاح (قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ) (البقرة: ٢٢٠).
أما إن كان مال اليتيم في يد ولي اليتيم لا في بنك، أو شركة استثمارية:
فإنه يجب عليه استثماره لليتيم في كل تعامل مباح يغلب فيه ربح ويندر فيه خسارة.
والوجوب إن كان الاستثمار لا يتم حفظ مال اليتيم إلا به.
ويدفع من المال أجور الموظفين العاملين في مال اليتيم.
وكذا إن لزمه إيجار عقار أو ناقلة، وأجور تراخيص، وما يلزم به من الدولة كجمارك أو ضرائب وزكوات ونحوها.
وصافي الربح يرجع كله لليتيم وهل للولي شيء من ذلك؟
الحق لا مانع إن كان فقيرا وإلا امتنع للنص (وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء: ٦).
وهو هنا أكل بالمعروف؛ لأن العرف جار على أن المضارب يأخذ له من الربح، وولي اليتيم
стр. 694
هنا ضارب في مال اليتيم، فلا مانع من أخذه من الربح ما تعارف عليه الناس في ذلك بدلالة الآية.
ويحرم رهن مال اليتيم، أو إقراضه، أو التبرع منه والتصدق ولو للجهاد.
ولا يلزمه شيء من الحقوق إلا الزكاة على الراجح؛ لأن الأصل فرض الزكاة على كل مال.
ومن قال إن الزكاة تكليف، والتكاليف لا تكون إلا على بالغ واليتيم غير بالغ فلا وجوب عليه، فالجواب: أن رسول الله ﷺ أتلف مال اليتامى لما طرأ عليه الحرمة لما حرم الخمر فسألوه عن خمر كان ليتامى هل يخلل؟
فقال: لا، أريقوه (١).
فأتلف مال يتيم يمكن أن ينتفع به بالتخليل فيصير مالاً.
فنظر إلى المال لا إلى مالكه اليتيم غير المكلف.
فتعلقت الأحكام بالمال لا بالتكليف.
وكذا يحرم في مال اليتيم الربا، وهو تكليف.
وإن تزوج اليتيم مراهقا قبل البلوغ لحاجة وجب في ماله النفقة، وألزمه بها الحاكم وهو غير مكلف.
وكذا يجب في ماله غرامات المتلفات والديات والأروش التي ارتكبها.
فوجدنا الأنواع من التكاليف لازمة عليه في ماله وهي:
- التزام اجتناب المنهيات كالربا.
- إتلاف ماله إن كان حراما قطعيا كالخمر.
- التزام دفع الواجبات كالنفقة على الزوجة.
- التزام التعويض عن إتلاف في مال أو أرش.
فعلة منع إيجاب الزكاة بعدم تكليفه باطلة بهذا.
فبقينا على أن الأصل التزام الفرائص واجتناب المحرمات في الأموال، كان لمكلف أو غير مكلف لصغر كيتيم، أو لزوال عقل كمجنون، ولعموم الأدلة بلا تفصيل ولا بيان منه ﷺ .
стр. 695
ولأنه منع الحسن أو الحسين من أكل تمرة من الصدقة قائلا: «أخ أخ لصغرهما وعدم عقلهما الخطاب، إنا لا تحل لنا الصدقة» (١).
فتبين أن إلزام الولد بالديانة الاستطاعية واجب على الولي فعليَّةً أو تركيَّةً.
وأما الواجبات الفِعْلِيَّة فما تعلق باستطاعة فعل:
فيضرب على الصلاة لعشر (٢)، ويصوّم باستطاعته كما جاء في السنن (٣)، ويؤدب مقارب بلوغ في ترك صوم.
وأما الحج فلا يؤمر به، وإن جاز؛ لتعلقه بالمشقة البالغة المتعلقه بالمال مع أنه غير واجب عليه.
والنظر في مال الطفل للولي إنما هو نظر مصلحة وغبطة وليس من النظر له إنفاقه في أمر لا يجب كحج وجهاد.
وأما التَرْكيَّات فهي المحرمات، فيجب تجنيب اليتيم وماله كل محرم.
وتدفع من ماله الواجبات كشراء لباس يستره للصلاة، وضمان المتلفات والأروش وسائر الأجور.
فالحاصل أن مال اليتيم المحرم فيه:
أكله بدارا وإسرافا، أو ضمه إلى مال الولي أو تبدل الخبيث بالطيب، أو أكله ظلما وعدوانا (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (النساء: ٦).
(وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا) (النساء: ٢).
والواجب فيه إصلاحه بالخير، وهو النظر المصلحي الغالب فيه، والزكاة داخلة في قاعدة (قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ) لما فيها من البركات المنصوص عليها.
стр. 696
فليست بابا من أبواب الإفساد أبدا.
ومن ادعى أنها لا تدخل في القاعدة هذه فقد زعم أن الزكاة إتلاف وإفساد وهو خلاف النصوص.
ولا يقال: فلم مُنِع الولي من أن يحج باليتيم من مال اليتيم مع أن الحج ليس بإفساد ولا إتلاف؟ فالجواب أن الحج عليه تطوع للقطع الشرعي، وأما الزكاة فهي فرض في المال بالقطع فإدخال اليتيم في ما هو تطوع مالي بالقطع ليس من النظر له، وإدخاله فيما هو فرض عام في المال على الأصل هو عمل بالأصل المقطوع وإخراج ماله منه خلاف الأصل.
طرق كفالة اليتيم:
والكفالة لليتيم المأمور بها والمرغب فيها في قوله ﷺ «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين» (١) تكون بطرق:
الأولى: إيواؤه في أسرة الكافل، وهذه أعلاها (وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ) (البقرة: ٢٢٠).
والأصل أن كفالة اليتيم تكون بإيوائه ضمن أسرة الكافل مع ولده، يربيه، ويؤدبه، ويعلمه، وينفق عليه.
فإن كان اليتيم لا مال له أُنْفِق عليه من مال الكافل.
فإن كان له مال وكان الكافل غنيا فلا يأخذ منه في ماله شيئاً.
وإن كان الكافل فقيرا أخذ من مال اليتيم بالمعروف، فجعلها في النفقة العامة للأسرة لقوله تعالى (وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ) (البقرة: ٢٢٠)، ولقوله (وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء: ٦).
الثانية: النفقة عليه كفاية في مأكل ومشرب ومسكن وتعليم، وتدفع إلى يد من يسكن اليتيم معه كأمِّه.
فإن كانت متزوجة دفعت إلى يد من يلي أمره من أقاربه أو المسلمين.
стр. 697
الثالثة: دفع مال يقوم بسائر حاجاته من مأكل ومشرب ومسكن ونفقات وتعليم إلى مؤسسة أو جمعية أو بيت للأيتام يؤويه ويقوم على كل أمره.
والكفالة نوعان:
النوع الأول: كفالة نظر وتربية وتعليم ومتابعة وتسيير لأموره، وتدبير لماله إن كان له مال، والإنفاق عليه من مال نفسه لغناه.
فهذا الكافل مع أنه لا يخسر شيئاً من ماله إلا أنه قائم مقام الوالد، فهذا داخل في النصوص التي وعد الله عباده لكافل اليتيم ويدخل فيها القائمون على دُور الأيتام بالإدارة والإشراف والمتابعة.
النوع الثاني: كافل بماله فقط يدفعه للعدل القائم على اليتيم لتسيير أموره، وهذا يشمله النص، ويدخل فيه الكافل بالمال، والكافل بالنظر المدفوع له المال.
وأعلى الكفالات: إيواؤه في أسرة الكافل، والنفقة عليه وتربيته والإحسان والنظر له في دينه ودنياه في ماله ونفسه.
يليها: دفع مبلغ مالي إلى آخر يقوم بذلك ضمن أسرته وأبنائه.
يليها: دفع مبلغ مالي يفي بذلك إلى مؤسسة أو جمعية تقوم بذلك.
وشرط القائم على اليتيم: البلوغ والرشد والعدالة.
فلا نظر لصغير على آخر، ولا نظر لسفيه، ولا لفاسق؛ لأن السفيه محجور عليه في حق نفسه، والفاسق لا يؤمن على مال ولا عرض ولا نفس ولا دين، وهذه مقصودات الكفالة.
بيت اليتيم الخيري:
وإقامة الجمعيات الخيرية والمؤسسات الخاصة برعاية اليتيم وتربيته وتعليمه من فروض الكفاية على المجتمع؛ لأنها وسيلة إلى فرض كفاية شرعي.
والقائمون عليها لهم أجر كفالة يتيم تامة، لأنهم أحد المتصدقين «الخازن الذي يؤدي ما عليه أحد المتصدقين» (١).
стр. 698
ولأنهم القائمون بالكفالة والرعاية المباشرة، وهذا ركن الكفالة.
وكل موظف له أجره عند الله، ولو عمل بأجرة؛ لأنه يعمل في طاعة الله.
والساعي على هذه الدور والمؤسسات «كالصائم الذي لا يفطر والقائم لا يفتر والمجاهد في سبيل الله» (١) للنص في ذلك.
التوظيف في مؤسسات اليتيم:
ولا يجوز التوظيف في مؤسسات اليتيم، وسائر المؤسسات الخيرية لمجرد إيجاد عمل لمعرفة أو قريب بلا حاجة أو بدون اعتبار الكفاءة، فإنه أكل لمال اليتيم بالباطل، فلا يوظف إلا للضرورة أو حاجة داعية لذلك وإلا كان داخلا في الحرام (وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا) (النساء: ٦)، وهذا إسراف.
ويحرم توظيف غير العدل القوي الأمين؛ لقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (النساء: ٥٨).
والعدل هو: المحافظ على فرائض الدين وشعائره، المجتنب للكبائر، غير مصر على المعصية، لقوله تعالى (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران: ١٣٥).
ولأن القوة والأمانة شرط الإجارة، خاصة في المال العام، ومال اليتيم له هذا الحكم.
ولأن الفاسق لا يؤمن على دين، ولا مال، ولا عرض، ولا نفس، وهي أمهات كفالة اليتيم.
ورب الأسرة -مع ما سبق- الخبير أولى من غيره؛ لأنه الأقرب لأن يحقق الإصلاح لليتيم بأحسن درجاته، وما كان كذلك فهو مقصود الشرع قصداً أولوياً.
- الإشراف الداخلي في بيوت اليتيم:
ويجب وجود مشرفين للقسم الداخلي في بيوت رعاية الأيتام على مدار الأوقات ليلا ونهارا، لرعاية الأطفال ومتابعة سلوكهم حفظا لهم من أي سلوك غير سوي؛ لأن وجود الإشراف وسيلة إلى تحقيق واجب، وهو حفظ النشء فوجب.
وهو داخل في عموم قوله تعالى (قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ).
стр. 699
ويفصل المراهقون عن غيرهم من الأطفال في السكن وعن الكبار البالغين عنهم كذلك لقوله ﷺ «وفرقوا بينهم في المضاجع» (١).
لأنه أحفظ لهم، وكل وسيلة حققت الواجب على وجه الكمال والإحسان فهو المقصود شرعا بالقصد الأولوي، ولأن هذا من الإحسان وهو مطلوب شرعا (وَأَحْسِنُوَا) (البقرة: ١٩٥).
ويكون لكلٍّ دورات مياه مستقلة تابعة لسكنهم لا مشتركة؛ لأنها تحقق غاية الحفظ والمصلحة.
ويحفظون من اعتداء بعضهم على بعض بالضرب، أو الشتم، أو التهديد، وكل ما يمس الأخلاق والأعراض، والأنفس، والأموال.
ويعنى بنظافة فرشهم وغرفهم وأغراضهم، ويُعَلَّمون ذلك.
ويؤمرون بالانضباط والنظام والتطهر وشعائر الدين والصلاة على رأسها، لأن ذلك كله من مصالحهم وحفظها هو مقصود الكفالة.
وسيلة إثبات اليتم:
ولا بد من إثبات اليتم بشهادة عدلين، أو الاستفاضة، حرصا على إيصال الحق إلى أهله بالوجوب الشرعي (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (النساء: ٥٨).
وكل وسيلة لذلك فهي واجبة، كالبحث، وطلب إثبات اليتم بحكم قاض ونحو ذلك.
الموظفون في دار اليتيم، والميزانية العامة، والمنع من خصم نحو ١٠% للمصاريف الإدارية:
والموظفون في هذه الدور يعطون أجرهم من مال اليتيم بالمعروف، بلا إسراف ولا إقتار.
ويجب تحديد الميزانية كل عام؛ فيحسب بالدقة عدد الموظفين وأجورهم وتخصم من رأس المال الكلي المدفوع من الكافلين.
ودليل الوجوب أنه سبيل إلى حفظ مال اليتيم، فله حكمه، لأن الوسائل لها أحكام المقاصد (قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ) (البقرة: ٢٢٠).
ولا يجوز خصم نسبة ثابتة كعشرة في المئة للمصاريف الإدارية؛ لأنه إجحاف بمال اليتيم
стр. 700
في حالة قلة الموظفين؛ ولأن الأكل بالمعروف من مال اليتيم هو إعطاء الأجير قدر أجره عرفا، ولا أجرة بالنسبة هنا إذ العرف جار على الدفع للموظفين بالشهر وبأجر معلوم.
والنسبة مخالفة لذلك من جهة أنها تزيد عادة على مستوى المصاريف والأجور، أو يحصل عجز مالي في ذلك.
ويترتب عليه إخلال بالعمل، فيؤدي إلى سحب مبالغ أخرى من أموال اليتيم، وهذا يفتح باب عدم الضبط.
ولجريان العرف في سائر الشركات والمؤسسات والبنوك وموازنات الدول على ذلك، أي على ضبط الأجرة بالراتب المقطوع.
مع حرصهم التام على الضبط الدقيق للأجور والرواتب، ولو عمل في هذه القطاعات بالأجرة بالنسبة الكلية كهذه الطريقة؛ لأدى إلى العبث بالأموال والتلاعب بها.
فالحاصل أنه لا يجوز التعامل بخصم مبلغ كلي بنسبة معينة للأجور من رأس مال مؤسسة اليتيم؛ لأنه لا بد أن يزيد أو ينقص، والمطابقة نادرة، وهذا ليس فيه إصلاح لليتامى خير وليس فيه أكل بالمعروف.
أما الأولى فاحتمال الزيادة وارد بكثرة، وهذا من أكل مال اليتيم ظلما، وأما الثانية فلأنه خلاف المتعارف عليه لدى المؤسسات الخاصة أو الحكومية الحريصة على الضبط التام لمبالغ أجور الموظفين.
ولو كان في النسبة خير وإصلاح لفعلوا ذلك، ولكنهم تعمدوا تركها لعدم انضباطها.
وأموال مؤسسات اليتيم قد تفيض كثيرا فتكون مقدار النسب عالية، وهذا هو من عين ما نهى الله عنه؛ لأن الفائض الكثير من المتبقي من النسبة عشرة في المئة مثلا قد يكون بالملايين، وهذا باب ضياعها.
ولأن الإجارة يجب أن تكون معلومة الأجر.
وما يؤخذ من مال اليتيم لها يجب أن يكون معلوما؛ لأن أخذ المجهول من مال اليتيم لدفعه في معلوم القدر معناه التضييع والإهمال والأكل بالباطل.
стр. 701
ولأن أخذ الأجور من مال اليتيم ضرورة، والضرورة تقدر بقدرها.
وتقديرها هنا يكون بالنص على مقدارها حقيقة لا بالنسبة.
وفي حال كثرة أموال اليتامى المتبرع لهم بها من الكافلين:
فما فاض عن ميزانية العام جاز استثماره لهم لمدة عام في مشاريع استثمارية مباحة يغلب عليها الربح عادة؛ لأن هذا من إصلاح مال اليتيم والنظر له لقوله تعالى (قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ).
وقيدناها بعام واحد ليمكن سحبها إن حصل عجز في موازنة العام الآخر وتشكل له لجنة استثمارية ضمن إدارة مؤسسة اليتيم وهم موظفون يعطون أجرهم بالعرف، وتشكيل هذه اللجنة إن لزمت وكان لا بد منها؛ لإصلاح مال اليتيم؛ فحكمها الوجوب لأنها وسيلة إلى واجب.
كيفية استثمار مال اليتيم:
وكيفية استثمار مال اليتيم يكون بإدخاله ضمن مؤسسات وشركات وبنوك تجارية ناجحة بالمضاربة بشرط التزامها بضوابط الشريعة، ويحرم إن تعاملت بالربا.
وأما استقلالا بإنشاء مؤسسات تجارية أو أعمال خاصة بأموال اليتامى فالأصل فيه الجواز إن تحقق تمام الضبط والرقابة والإصلاح.
فإن لم يكن ذلك فلا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى ضياع أموالهم عادةً أو غالباً أو كثيراً لقلة الخبرات في ذلك، ولضعف الرقابة والمحاسبة كثيراً في العمل الطوعي الخيري، وهذا مفاسده واقعية كثيرة.
فوجب دفع هذه المفاسد بمنع الاستقلالية الاستثمارية بأموال اليتيم من القائمين على المؤسسة أفرادا أو جماعة، مضاربة أو شركة أو متاجرة بالأجرة إلا مع ثبوت وسائل الحفظ.
وجاز مع شركات أو بنوك عامة، حكومية أو مدنية، بشرط استفاضة شهرةٍ وخبرةٍ وتعاملٍ بالشرع.
стр. 702
إيداع أموال دور اليتيم يكون تحت لجنة من العدول الأمناء ولا ينفرد بها شخص، ولا تؤخذ إلى منزله:
وتودع أموال اليتامى في هذه المؤسسات تحت لجنة من الأمناء العدول الخبراء، ولا يصرف منه شيء إلا موافقا للوائح المقرة المبنية على ما أمر الشرع من (إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ).
والأَوْلَى ألا يتفرد بتوقيع صرف الأموال أو سحبها شخصٌ، سداً لباب الإخلال والفساد.
ولا يحق لأحد أخذ أموال منها إلى منزله الخاص في الأصل إلا لضرورة ماسة تحددها لجنة الأمناء، لأن الأخذ الخاص يفتح باب الإفساد، ودفعه واجب.
ما يعطى اليتيم من المصاريف، والصلات، والعيديات:
ويعطى اليتيم في المؤسسة من هذه الأموال مصاريفه المدرسية واليومية والعيدية، وما يحتاج من سفر لضرورة، أو حاجة، أو لترفه بما جرى عليه عرف مُقرٌّ في عيد ونحوه.
ويعطى من المال ما يصل به والدته أو أخته عرفا في عيد مثلا؛ لأنه ليس من إفساد ماله بل من تعويده على مكارم الأخلاق ولما يترتب على ذلك من مشاعر نفسية إيجابية عليه فهو من مصالح اليتيم التي يشملها قوله تعالى (قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ).
وهذا كله إن اتسع له المال وإلا اقتصر على الضروريات والحاجيات.
حكم الذين يجمعون التبرعات وكم يعطون من الأجر:
ويجوز لمؤسسات اليتيم التعاقد مع أشخاص يسعون في تسويق ملفات المؤسسة لدى جهات مانحة، أشخاصا أو هيئات، ويعطون أجرهم بعقد الجعالة لا بالإجارة؛ لأن الإجارة قائمة على إعطاء أجر مقدر بزمن أو عمل، ولا يمكن تقديره بالعمل هنا؛ لأنه مجهول، ولا بالزمن، وهو عرفا راتب شهري؛ لأنه لا يلزم بدوام وظيفي شهري.
ولأنه قد لا يجد ولا يحصل شيئا من المال، إما حقيقةً أو لتلاعبه أو لتقصير؛ لعدم إمكان رقابة عليه؛ فيؤدي إلى إهدار مال من أموال اليتامى بغير مصلحة، فحرم.
بخلاف الجعالة فلا تحصل فيها هذه المفسدة لأنها تكون بإعطائه نسبة معينة على كل مبلغ حصله وجمعه، فجازت بهذه الكيفية وبنحوها؛ لتحقيقها مصلحة غالبة لمال اليتيم؛ ولدفعها ضرر الدفع بلا مقابل في حالة الأجرة.
стр. 703
والشرط فيها: أن تكون بما جرى عليه العرف، وبما يندرج تحت قاعدة (قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ).
فيحرم المبالغة فيها لأنه إفساد، بل تكون أدنى ما يمكن أن يؤدي إلى تحفيز الراغب في الجعالة، لأنه ضرورة، فتقدر بقدرها، وأكثرها عشرة بالمئة لجريان عرف العمولات الغالبة على ذلك.
ونحن مأمورون بالعرف في مال اليتيم، فتعين ذلك. ولا حكم لندرة كإعطاء ثلاثين بالمئة، فإنه مبالغة في الأخذ، وهو ظلم وإسراف (وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا) (النساء: ٦)، (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) (النساء: ١٠).
ومن سعى من الموظفين في المؤسسة مع جهات مانحة خارج عمله ولم يكن مكلفا به فحصّل أموالا أعطي من الجعالة كما يعطى الأجنبي ولو بلا عقد معه، لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطا.
وقلنا: خارج دوام عمله؛ لأن عمله في مرافق المؤسسة عقد إجارة الواجب فيه الالتزام والإيفاء به، فلا يعمل في وقته ما ليس منه.
وقلنا: ولم يكن مكلفا به؛ لأنه لو كان كذلك فهو ضمن عقد الإجارة، ويمكن أن يعطى علاوة أو تحفيزا مناسبا.
إذا عين المانح يتيما بعينه:
وإذا عين المانح الكافل يتيما بعينه باسمه فالمال كله له، يصرف عليه منه وما فاض منه دفع إليه عند بلوغه راشدا، أو عند خروجه من الدار، أو المؤسسة.
وقبل رشده يعطى للقائم عليه ليكون بنظره فيما فيه إصلاح لليتيم، بشرط كون القائم عدلا راشدا بالغا.
ويجوز للمؤسسة أن تخلط هذا المال الذي ليتيم معين بالمال الكلي للمؤسسة بشرط حفظ قدره، ويخصم منه لليتيم بقدر ما تصرفه المؤسسة على نظرائه، فيوضع في المالية العامة المنصرفة.
стр. 704
وفي حال توقع غالبٍ لعجز المالية العامة للمؤسسة، فإن مال اليتيم المعين يعزل منفردا.
ويجوز فيما فاض من مال هذا اليتيم المعين استثماره له بالشروط كما سبق.
تزويج اليتيم:
ومن بلغ سن النكاح من اليتامى جاز تزويجه من ماله، وللمؤسسة تخصيص جزء من ماليتها لذلك؛ لأنه من مصالح اليتيم وحاجياته.
ولا تكلف دفع راتب شهري له ولزوجته بعد ذلك إلا إن كان له مال خاص معين لديهم، فيجوز ذلك إن كان لم يرشد اليتيم ماليا.
وإلا إن كان راشداً دفع له جميع ماله، لقوله تعالى (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (النساء: ٦).
تعليم اليتيم وتأهيله من الكفالة المشروعة ومتى ينتهي:
ويدخل في كفالة اليتيم تعليمه حتى يتأهل للقيام بوظيفة وإدارة ماله، ويتحقق ذلك بنهاية التعليم الجامعي غالبا.
ويجب تدريب اليتامى وتعليمهم ولو بعد سن البلوغ إلى سن الرشد المالي، لقوله تعالى (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى)، أي: التعليم والاختبار.
فيستمر تعليمه وتدريبه إلى بلوغ سن الزواج ثم ينظر، فإن كان مؤهلا وراشدا لإدارة ماله انتهى النظر عليه ودفع له ماله إن بقي وتنتهي كفالته في المؤسسة.
ولا يحصل هذا الرشد غالبا إلا بعد التعليم الجامعي؛ فدخل التعليم الجامعي في الكفالة من طب وهندسة وحاسوب وشريعة وزراعة وغيرها.
ومن تعليمه وتدريبه الذي يشمله النص (وَابْتَلُوا) تعليم حرفة مهنية ولو قبل البلوغ؛ لأن النص (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ) يفيد أن الابتلاء -أي التعليم والتدريب- يبدأ قبل البلوغ، بل وبعده إلى الرشد.
стр. 705
وحكم تعليم اليتيم كنظرائه من أبناء عصره الوجوب، للنص (وَابْتَلُوا)، ولأنه من الإصلاح لهم (قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ) (البقرة: ٢٢٠).
والأمر يدل على الوجوب ويستمر إلى بعد البلوغ للنص.
ويواصل حتى يمكن الاعتماد على نفسه في إدارة المال، وهو الرشد المقصود في الآية.
والغالب -كما تقدم- حصوله بعد دراسته الجامعية، فتبين أن حكمها شمولها للكفالة؛ لأنها اليوم من مقتضيات إدارة الأعمال والحياة في الغالب، وشرطٌ للإجارة الوظيفية عادة.
ويستقل الشخص بعدها -في الغالب- بأمور نفسه ماليا، فدخل ما قبلها تحت الأمر الشرعي بالرعاية والنظر.
والغالب في الشريعة هو المعتبر لإجراء الأحكام.
فإن تأهل تأهيلا مهنيا في المعاهد الحرفية، ولو بعد الإعدادية إلى تمام التعليم الفني الثانوي أو ما بعده قام مقام ذلك إن أدى الغرض وبلغ به الرشد المالي المشروط، ولا يكفل بعد ذلك لتعليم جامعي ولا غيره؛ لأن شرط الاستقلال المنصوص في الآية قد وقع، فخرج عن كونه يتيما منظورا له.
الدولة ومؤسسات اليتيم ودعمها والوقف عليها:
ويجوز الوقف على اليتامى، وكذا إعطاؤهم من مال الزكاة ومن أموال الكفارات بالشروط المعروفة.
ويجب على الدولة رعايتهم رعاية تامة من المال العام، والقيام بمصالحهم، وفتح باب التشجيع على بناء مؤسساتهم، ومتابعة ذلك، ودفع كل ما يفسدهم دينا ودنيا؛ لأن هذا من النظر المصلحي العام، وهو واجب على الدولة.
فإن قصرت الدولة أثم ولي الأمر والمعنيون.
ووجب على المجتمع ذلك كفرض كفاية؛ لأنه تعاون على البر والتقوى، وحفظٌ لواجبات شرعية لضَعَفةٍ من دينٍ ومال وعرض ونفس.