← Фикх общий

Фикх общий · id 130550

المقدمة في فقه العصر

فضل مراد

Полный текст (1 109 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

ولأن أخذ الأجور من مال اليتيم ضرورة، والضرورة تقدر بقدرها. وتقديرها هنا يكون بالنص على مقدارها حقيقة لا بالنسبة. وفي حال كثرة أموال اليتامى المتبرع لهم بها من الكافلين: فما فاض عن ميزانية العام جاز استثماره لهم لمدة عام في مشاريع استثمارية مباحة يغلب عليها الربح عادة؛ لأن هذا من إصلاح مال اليتيم والنظر له لقوله تعالى (قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ). وقيدناها بعام واحد ليمكن سحبها إن حصل عجز في موازنة العام الآخر وتشكل له لجنة استثمارية ضمن إدارة مؤسسة اليتيم وهم موظفون يعطون أجرهم بالعرف، وتشكيل هذه اللجنة إن لزمت وكان لا بد منها؛ لإصلاح مال اليتيم؛ فحكمها الوجوب لأنها وسيلة إلى واجب. كيفية استثمار مال اليتيم: وكيفية استثمار مال اليتيم يكون بإدخاله ضمن مؤسسات وشركات وبنوك تجارية ناجحة بالمضاربة بشرط التزامها بضوابط الشريعة، ويحرم إن تعاملت بالربا. وأما استقلالا بإنشاء مؤسسات تجارية أو أعمال خاصة بأموال اليتامى فالأصل فيه الجواز إن تحقق تمام الضبط والرقابة والإصلاح. فإن لم يكن ذلك فلا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى ضياع أموالهم عادةً أو غالباً أو كثيراً لقلة الخبرات في ذلك، ولضعف الرقابة والمحاسبة كثيراً في العمل الطوعي الخيري، وهذا مفاسده واقعية كثيرة. فوجب دفع هذه المفاسد بمنع الاستقلالية الاستثمارية بأموال اليتيم من القائمين على المؤسسة أفرادا أو جماعة، مضاربة أو شركة أو متاجرة بالأجرة إلا مع ثبوت وسائل الحفظ. وجاز مع شركات أو بنوك عامة، حكومية أو مدنية، بشرط استفاضة شهرةٍ وخبرةٍ وتعاملٍ بالشرع.

стр. 702

إيداع أموال دور اليتيم يكون تحت لجنة من العدول الأمناء ولا ينفرد بها شخص، ولا تؤخذ إلى منزله: وتودع أموال اليتامى في هذه المؤسسات تحت لجنة من الأمناء العدول الخبراء، ولا يصرف منه شيء إلا موافقا للوائح المقرة المبنية على ما أمر الشرع من (إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ). والأَوْلَى ألا يتفرد بتوقيع صرف الأموال أو سحبها شخصٌ، سداً لباب الإخلال والفساد. ولا يحق لأحد أخذ أموال منها إلى منزله الخاص في الأصل إلا لضرورة ماسة تحددها لجنة الأمناء، لأن الأخذ الخاص يفتح باب الإفساد، ودفعه واجب. ما يعطى اليتيم من المصاريف، والصلات، والعيديات: ويعطى اليتيم في المؤسسة من هذه الأموال مصاريفه المدرسية واليومية والعيدية، وما يحتاج من سفر لضرورة، أو حاجة، أو لترفه بما جرى عليه عرف مُقرٌّ في عيد ونحوه. ويعطى من المال ما يصل به والدته أو أخته عرفا في عيد مثلا؛ لأنه ليس من إفساد ماله بل من تعويده على مكارم الأخلاق ولما يترتب على ذلك من مشاعر نفسية إيجابية عليه فهو من مصالح اليتيم التي يشملها قوله تعالى (قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ). وهذا كله إن اتسع له المال وإلا اقتصر على الضروريات والحاجيات. حكم الذين يجمعون التبرعات وكم يعطون من الأجر: ويجوز لمؤسسات اليتيم التعاقد مع أشخاص يسعون في تسويق ملفات المؤسسة لدى جهات مانحة، أشخاصا أو هيئات، ويعطون أجرهم بعقد الجعالة لا بالإجارة؛ لأن الإجارة قائمة على إعطاء أجر مقدر بزمن أو عمل، ولا يمكن تقديره بالعمل هنا؛ لأنه مجهول، ولا بالزمن، وهو عرفا راتب شهري؛ لأنه لا يلزم بدوام وظيفي شهري. ولأنه قد لا يجد ولا يحصل شيئا من المال، إما حقيقةً أو لتلاعبه أو لتقصير؛ لعدم إمكان رقابة عليه؛ فيؤدي إلى إهدار مال من أموال اليتامى بغير مصلحة، فحرم. بخلاف الجعالة فلا تحصل فيها هذه المفسدة لأنها تكون بإعطائه نسبة معينة على كل مبلغ حصله وجمعه، فجازت بهذه الكيفية وبنحوها؛ لتحقيقها مصلحة غالبة لمال اليتيم؛ ولدفعها ضرر الدفع بلا مقابل في حالة الأجرة.

стр. 703

والشرط فيها: أن تكون بما جرى عليه العرف، وبما يندرج تحت قاعدة (قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ). فيحرم المبالغة فيها لأنه إفساد، بل تكون أدنى ما يمكن أن يؤدي إلى تحفيز الراغب في الجعالة، لأنه ضرورة، فتقدر بقدرها، وأكثرها عشرة بالمئة لجريان عرف العمولات الغالبة على ذلك. ونحن مأمورون بالعرف في مال اليتيم، فتعين ذلك. ولا حكم لندرة كإعطاء ثلاثين بالمئة، فإنه مبالغة في الأخذ، وهو ظلم وإسراف (وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا) (النساء: ٦)، (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) (النساء: ١٠). ومن سعى من الموظفين في المؤسسة مع جهات مانحة خارج عمله ولم يكن مكلفا به فحصّل أموالا أعطي من الجعالة كما يعطى الأجنبي ولو بلا عقد معه، لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطا. وقلنا: خارج دوام عمله؛ لأن عمله في مرافق المؤسسة عقد إجارة الواجب فيه الالتزام والإيفاء به، فلا يعمل في وقته ما ليس منه. وقلنا: ولم يكن مكلفا به؛ لأنه لو كان كذلك فهو ضمن عقد الإجارة، ويمكن أن يعطى علاوة أو تحفيزا مناسبا. إذا عين المانح يتيما بعينه: وإذا عين المانح الكافل يتيما بعينه باسمه فالمال كله له، يصرف عليه منه وما فاض منه دفع إليه عند بلوغه راشدا، أو عند خروجه من الدار، أو المؤسسة. وقبل رشده يعطى للقائم عليه ليكون بنظره فيما فيه إصلاح لليتيم، بشرط كون القائم عدلا راشدا بالغا. ويجوز للمؤسسة أن تخلط هذا المال الذي ليتيم معين بالمال الكلي للمؤسسة بشرط حفظ قدره، ويخصم منه لليتيم بقدر ما تصرفه المؤسسة على نظرائه، فيوضع في المالية العامة المنصرفة.

стр. 704

وفي حال توقع غالبٍ لعجز المالية العامة للمؤسسة، فإن مال اليتيم المعين يعزل منفردا. ويجوز فيما فاض من مال هذا اليتيم المعين استثماره له بالشروط كما سبق. تزويج اليتيم: ومن بلغ سن النكاح من اليتامى جاز تزويجه من ماله، وللمؤسسة تخصيص جزء من ماليتها لذلك؛ لأنه من مصالح اليتيم وحاجياته. ولا تكلف دفع راتب شهري له ولزوجته بعد ذلك إلا إن كان له مال خاص معين لديهم، فيجوز ذلك إن كان لم يرشد اليتيم ماليا. وإلا إن كان راشداً دفع له جميع ماله، لقوله تعالى (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (النساء: ٦). تعليم اليتيم وتأهيله من الكفالة المشروعة ومتى ينتهي: ويدخل في كفالة اليتيم تعليمه حتى يتأهل للقيام بوظيفة وإدارة ماله، ويتحقق ذلك بنهاية التعليم الجامعي غالبا. ويجب تدريب اليتامى وتعليمهم ولو بعد سن البلوغ إلى سن الرشد المالي، لقوله تعالى (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى)، أي: التعليم والاختبار. فيستمر تعليمه وتدريبه إلى بلوغ سن الزواج ثم ينظر، فإن كان مؤهلا وراشدا لإدارة ماله انتهى النظر عليه ودفع له ماله إن بقي وتنتهي كفالته في المؤسسة. ولا يحصل هذا الرشد غالبا إلا بعد التعليم الجامعي؛ فدخل التعليم الجامعي في الكفالة من طب وهندسة وحاسوب وشريعة وزراعة وغيرها. ومن تعليمه وتدريبه الذي يشمله النص (وَابْتَلُوا) تعليم حرفة مهنية ولو قبل البلوغ؛ لأن النص (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ) يفيد أن الابتلاء -أي التعليم والتدريب- يبدأ قبل البلوغ، بل وبعده إلى الرشد.

стр. 705

وحكم تعليم اليتيم كنظرائه من أبناء عصره الوجوب، للنص (وَابْتَلُوا)، ولأنه من الإصلاح لهم (قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ) (البقرة: ٢٢٠). والأمر يدل على الوجوب ويستمر إلى بعد البلوغ للنص. ويواصل حتى يمكن الاعتماد على نفسه في إدارة المال، وهو الرشد المقصود في الآية. والغالب -كما تقدم- حصوله بعد دراسته الجامعية، فتبين أن حكمها شمولها للكفالة؛ لأنها اليوم من مقتضيات إدارة الأعمال والحياة في الغالب، وشرطٌ للإجارة الوظيفية عادة. ويستقل الشخص بعدها -في الغالب- بأمور نفسه ماليا، فدخل ما قبلها تحت الأمر الشرعي بالرعاية والنظر. والغالب في الشريعة هو المعتبر لإجراء الأحكام. فإن تأهل تأهيلا مهنيا في المعاهد الحرفية، ولو بعد الإعدادية إلى تمام التعليم الفني الثانوي أو ما بعده قام مقام ذلك إن أدى الغرض وبلغ به الرشد المالي المشروط، ولا يكفل بعد ذلك لتعليم جامعي ولا غيره؛ لأن شرط الاستقلال المنصوص في الآية قد وقع، فخرج عن كونه يتيما منظورا له. الدولة ومؤسسات اليتيم ودعمها والوقف عليها: ويجوز الوقف على اليتامى، وكذا إعطاؤهم من مال الزكاة ومن أموال الكفارات بالشروط المعروفة. ويجب على الدولة رعايتهم رعاية تامة من المال العام، والقيام بمصالحهم، وفتح باب التشجيع على بناء مؤسساتهم، ومتابعة ذلك، ودفع كل ما يفسدهم دينا ودنيا؛ لأن هذا من النظر المصلحي العام، وهو واجب على الدولة. فإن قصرت الدولة أثم ولي الأمر والمعنيون. ووجب على المجتمع ذلك كفرض كفاية؛ لأنه تعاون على البر والتقوى، وحفظٌ لواجبات شرعية لضَعَفةٍ من دينٍ ومال وعرض ونفس.

стр. 706

وهذا واجب، وما لا يتم إلا به كمؤسسات ودور رعاية؛ فلها حكم الوجوب؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد. ولأنه من النصيحة في الدين لعامة للمسلمين، وهي واجبة «الدين النصيحة» (١). ولأنه لا إيمان حتى يحب المؤمن لغيره ما يحب لنفسه «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لغيره ما يحب لنفسه» (٢). ولأنه دفعٌ لمفاسد عامة وخاصة، وتحقيقٌ لمصالح عامة وخاصة؛ فوجبت.

стр. 707

فقه الجهاد * (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة: ١٩٠) * (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨) * (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) (الأنفال: ٦٠) * فرض على الأمة إعداد قوة مدنية وعسكرية واقتصادية وبشرية وتعليمية وتكنولوجية ونهضوية شاملة بما يكافئ المثل الدولي العالمي لقوى العصر * إقامة مجلس أعلى للسلم والحرب يجمع من له أهلية النيابة عن الأمة في أمورها العامة الكبرى أمر وسيلي هام يخدم كثير من المصالح الكبرى * إخراج الاحتلال فريضة شرعية (وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) (البقرة: ١٩١) * الأصل السلام والحرب استثناء عند وجود دواعيه وأسبابه وشروطه وانتفاء موانعه

стр. 708

فقه الجهاد الجهاد في سبيل الله فرض مطلق معلل. وقولنا «فرض»؛ لكثرة النصوص فيه، وقولنا «مطلق» أي لم يحدد بزمن ولا مكان باطراد. بل يتنزل بحسب السبب، فقد يكون طلبا أو دفعا، كفائيا أو عينيا. وقولنا «معلل» أي ليس بتعبد محض غير معقول المعنى فيطلق فيه قول واحد وكيفية واحدة، بل هو معلل. والتعريف الجامع المانع له أن نقول: الجهاد فرض مطلق معلل، أي مسبب بأسباب، ونزيد هنا «بشروط وأركان وواجبات وموانع». فنقول: القتال في سبيل الله فرض قطعي مطلق معلل بشروط وأركان وواجبات وموانع. فقولنا «القتال في سبيل الله» هو أخص من قولنا الجهاد؛ لأنها أعم لصدقها على كلمة حق عند سلطان جائر، فهي أعظم الجهاد بالنص. وهو يشمل القتال داخل الدولة لعدو كافر، أو باغٍ مسلم، أو مفسد في الأرض. ويشمل القتال خارج الدولة ولا يكون إلا لمعتدٍ كافر. وقولنا «فرض قطعي» لثبوته بالنصوص قطعية الورود والدلالة من الكتاب والسنة. وقولنا «مطلق» معناه: أنه لا يقيد بزمن مضى أو مستقبل، ولا يقيد بمكان ولا بأشخاص. وقولنا «معلل» معناه: أن له أسباباً باعثة عليه، وهي اثنا عشر سببا ذكرناها بأدلتها. ويشمل قولنا «معلل» الحِكَمُ والغايات والمقاصد من القتال. وقولنا «بشروط»: أي لا بد لأداء القتال في سبيل الله من شروط يلزم من عدمها العدم، أي عدم القتال إلا بالشرط. وشروطه راجعة إلى الاستطاعة، ويندرج تحتها سائر الشروط التي سنذكرها. وقولنا «وأركان»: سيأتي بيان أركانه، والفرق بينها وبين الشروط مع تداخلها أن الركن

стр. 709

داخل في ماهية الشيء، والشرط في أمر خارج عنه لازم له. وقولنا «واجبات»: هي ما يأثم تاركها. وقولنا «وموانع»: هي أمور يلزم من وجودها عدم الشيء، وستأتي. والإعداد له فرضٌ كفائي دائم، وهو فرض عين على الدولة فيما لا يقوم إلا بها. وفرضٌ على غيرها فرادى أو جماعات فيما لا يقوم إلا بهم من أنواع الجهاد، فالعالم فرضه العيني نشر العلم وقول الحق، وهو مقدم على غير ذلك من أنواع الجهاد كالقتال إلا إذا تعين عليه وتضيق كمداهمة عدو، فهو -حينئذ- مقدم على العلم، وإنما قدم على العلم لإمكان القيام به موسعا في غير وقتٍ بخلاف نحو قتال عدو داهم البلد فهو مضيق لا يمكن تأخيره، وهكذا إذا تعارضت الفرائض. والجهاد فرض على أنواع: الأول: الإعداد التام للوصول إلى النهضة الشاملة، وهذا فرض دائم عيني على الدولة وكفائي بالنظرة الكلية (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) (الأنفال: ٦٠). الثاني: التعبئة (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ) (الأنفال: ٦٥)، وهو فرض عند استدعاء سببه. الثالث: القتال، وهو فرض مطلق معلل مسبب كما سبق. الرابع: جهاد النفس وتطهيرها وتزكيتها، وهو ربع الرسالة (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) (الجمعة: ٢). الخامس: الإصلاح الشامل وإنهاء الفساد، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ١ - أما الإعداد فهو في كل معنى للقوة يحصل منه ردع للعدو استقلالا أو استكمالا . وأدناه الآن مكافأة قوة العدو تسليحا، وتدريبا، وإعدادا، وتصنيعا لا عددا بالنص (إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ) (الأنفال: ٦٥).

стр. 710

وإنما قلنا أدناه؛ لأن الغرض في الإعداد معلق بالاستطاعة، وهذه العلة متحققة في دول العرب والمسلمين، وأدناها المماثلة وهي مستطاعة. ووحدتهم من القوة فهي فرض بالوسيلة هنا، وفرض بالنص في مواضع. ودول الجزيرة العربية السبع (السعودية والإمارات والبحرين وعمان وقطر والكويت واليمن) أشد في فرضية الوحدة، ويليها العراق والشام ومصر (١). ويدخل في القوةِ القوةُ الاقتصادية؛ لأنه لا إمكان لإعداد معتبر في ميزان القوى المعاصر إلا بذلك. وكل وسائل ذلك من قوة المؤسسة العلمية التي تخرج المتخصصين في مختلف علوم النهضة، شرعيةً وتكنولوجيةً وفكريةً. وكل هذه الأمور مستطاعة للعرب والمسلمين اليوم؛ فهم آثمون لتقصيرهم وحكامهم أشد إثما؛ والواجب دفع مفاسد استطالة عدوهم عليهم وعلى دينهم، احتلالا ونهبا واستضعافا وفتكا وأسرا وسجنا وابتزازا لقراراتهم السياسية والسيادية، وصدهم عن سبيل الله كثيرا، واستهزائهم بالله وآياته ورسوله، وقتلهم لأهله، وإخراجهم من ديارهم بغير حق، واعتدائهم ابتداء بالقتال والبغي (وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) (التوبة: ١٣)، ونكثهم للعهد والميثاق الدولي والإنساني (نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ) (التوبة: ١٣). فتلخصت القوة الإعدادية الفرضية في النص بخمسة أمور لا بد منها، وهي القوة العسكرية، والاقتصادية، والتعليمية، ووحدة الصف، فهذه الآن هي القوة، وفرض تحصيلها، وكل ما لا تتم إلا به من الوسائل فهو واجب. وقبل ذلك كله تحقيق الإيمان والعمل الصالح فهو ضرورة يتعذر تمكين الأمة إلا به (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: ٥٥). ولكل عصر قوةٌ بدليل أمر عمر للمقاتلين ألا يقصوا أظافرهم في الغزو؛ لأنها تحل عقدة

стр. 711

وتخدش عدوا؛ فجعلها من معاني القوة، وهو فقه واقعي دقيق في عصره (١). وقوله تعالى (وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ) هو كناية عن القتال ومعسكراته الكثيرة؛ لأن العرب تقول بنو فلان كثيرو مرابط الخيل أي: مقاتلون. وقوله تعالى (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) تعليل للإعداد وهو إحداث قوة ردع ترهب العدو من الاعتداء سواء كان العدو الظاهر وهو ما نعلمه أو الأعداء السريين الذين لا نعلمهم، الذين في قوله تعالى (وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ). ٢ - أما النوع الثاني من الجهاد فهو: التعبئة وهو المستنبط من قوله تعالى (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ)، فهذا فرض للأمر به ومعلل بقوله تعالى (عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً) (النساء: ٨٤)، فالتحريض والتعبئة على قتال العدو يكف بأسهم ويوقف أطماعهم. وهو شامل لنوعين من التعبئة: ١) التعبئة المنهجية العامة. ٢) التعبئة الخاصة. أما الأولى فهي في إشاعة أحكام الجهاد الشامل للناس وجعله ضمن المناهج التعليمية الدراسية من المستويات الوسطى؛ لأنه منهج منزل منصوص في القرآن بكثرةٍ واسعة مقصودة لتعليم أهل الإسلام. فتعليمه مقصد رباني، ولا يقال ليس كل مذكور بكثرة في القرآن واجباً تعليمه كقصة فرعون مثلا. فالجواب: كل ما ذكر في القرآن تعليما لأهل الإسلام؛ فواجب عليهم أن يعلموه بحسبه، ولكل عصر وسائله، وسواء كان تعليما لأهل الإسلام للاعتقاد أو العمل فهو لازم تعلمه وتعليمه بحسبه زمانا ومكانا وأشخاصا.

стр. 712

وقولنا «للاعتقاد» ليشمل العقائد والإيمان. وقولنا «العمل» يشمل كل ما يقصد من العمل فرضا أو تطوعا. وقصة موسى مع فرعون فيها من الاعتقاد والعمل ما هو لازم لنا في شريعتنا، فتعليمها في المناهج الدراسية مطلوب موافق لمقاصد القرآن المنزل. ولا يجوز حذف آيات الجهاد من المناهج الدراسية، ومن فعل ذلك فهو منافق، أو جاهل عَمِلَ عَمَلَ أهل النفاق؛ لأن الله ذكر عنهم كرههم لنزول آيات الجهاد فمنهم من ينصرف أو يستأذن كذبا، أو يقول هي لا تزيد في الإيمان فلا فائدة فيها (أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا) (التوبة: ١٢٤)، ومنهم من يقول: دفعا لعملية السلام فلتحذف هذه الآيات من المناهج. وكل هذا من النفاق؛ لأنه فرض؛ وآيات السلام فرض؛ وبيان ما أنزل واجب؛ وإخفاء بعضه وإظهار بعض هوى عمله أهل الكتاب يهودا ونصارى فلعنهم الله وذم فعلهم. ومن التبعئة القتالية الداخلة في عموم النص (حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ)، إصدار الأفلام الوثائقية والتاريخية وإنزالها على شاشات العرض بأنواعها وعلى الشبكات الإلكترونية، ومن ذلك دعم المقاومة المجاهدة بالمال والخطاب السياسي والإعلامي، وبالكتابة والشعر، وإنشاء المنظمات والهيئات والحركات الداعمة. وكل وسيلة ترفع معنويات الأمة، وتحيي قضاياها العامة وتدفع عدوها عن بلادها فهي داخلة تحت عموم الأمر بالتعبئة. أما التعبئة الخاصة فيدخل فيها دخولا أوليا القوات المسلحة والأمن، سواء في المعسكرات، أو الكليات العسكرية والثكنات في مختلف البلاد، وهذا واجب على قيادة الجيش. ولا بد من تخصيص جهة لذلك كالتوجيه المعنوي تعبئ وتنشر بمختلف الوسائل الإعلامية المتاحة، وقد جاء في الحديث الصحيح «لصوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف» (١)، فهذا يدل على حث الشرع على التوجيه والإلهاب ورفع المعنويات في الجيش بتوظيف الوسائل كذلك الصوت وغيره.

стр. 713

٣ - النوع الثالث للجهاد: القتال . والقتال في سبيل الله أسباب وجوبه متعددة، وله شروط وأركان وواجبات، فإذا توفرت الأسباب والشروط اجتمع أولو الأمر وجوبا للمشاورة؛ لعموم النص (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) (النساء: ٨٣). وسيأتي تفصيل ذلك بعد قليل، والأسباب: ١ - وجود قوة عسكرية في داخل دولة الإسلام بدليل (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التوبة: ٥)، فلم يجعل خيارا في التعامل معهم إلا السيف أو الأخوة الإسلامية، وحملناها على ذلك لامتناع حمله على ما كان خارج الدولة؛ لاحتمال كونه مسالما فيشمله النص (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) (الممتحنة: ٨). ففرض إنهاء كل تواجد مسلح كافر داخل دولة مسلمة، خاصة جزيرة العرب، ولا يحدث لهم ذلك بعد هذا لا بمعاهدة ولا حلف، وللنص الصحيح «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» (١)، وفي نص آخر «اليهود والنصارى والمشركين» (٢). ومن كان ذا عهد فيوفى عهدهم إلى مدتهم إن وفوا؛ للنص (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (التوبة: ٤). والدليل على أنه يقصد بها داخل الدولة أنها داخلة دخولا أوليا قطعيا وأنها نزلت في مشركي العرب بعد الفتح؛ فأمرت بإنهاء كل تواجد لهم داخل الدولة في جزيرة العرب، وعدم إحداث أي معاهدات معهم والإيفاء لمن له عهد قبل هذه ووفى به.

стр. 714

ولا يمكن حملها على المشركين خارج الدولة؛ لأن منهم أهل سلم (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) (الممتحنة: ٨)، (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) (الأنفال: ٦١). ولا يجوز داخل دولة الإسلام تواجد قوات مسلحة غير مسلمة ولو كان باتفاقية سواء كان من أهل الكتاب أو غيرهم؛ لذلك أجليت قوات اليهود زمن عمر (١)، وإن كان الأمر قد صدر زمن النبي ﷺ لتوافر شروط الإجلاء، أما الجاليات المسالمة منزوعة السلاح فلها الإقامة في بلاد الإسلام إلا الحرم، كنصارى نجران، وقبط مصر، ونحوهم من مواطني الدولة. ٢ - ويجب لحماية حدود دولة الإسلام من عدو مقاتل للنص (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) (التوبة: ١٢٣). ٣ - ولدفع فتنة دينية عن أهل الإسلام (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه) (الأنفال: ٣٩)، فإذا اضطهد المسلمون وفتنوا في دينهم وجب القتال لدفع ذلك إن لم يتم دفع الفتنة إلا به، إلا أن يكون المضطهدون في بلاد كفر بيننا وبينهم معاهدة سلام (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ) (الأنفال: ٧٢). ٤ - ولدفع استضعافٍ واضطهادٍ للنساء والولدان وضعفاء الرجال من المسنين، وهذا يجب فيه القتال في سبيل إنقاذهم ولا تُقَيَّد بوجود ميثاق (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا) (النساء: ٧٥). ٥ - ويجب ردا على العدوان (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: ١٩٤)، ويجب فيه التماثل، والزيادة بغي محرم. وظاهره وعمومه يفيد رد العدوان بالمثل، احتلالا وضربا، أو غزوا خاطفا، أو حصارا، جوا، أو برا، أو بحرا. فإذا نزل الكافرون بأرض دولة الإسلام وجب عينا إخراجهم منها. وهل تحتل بلادهم عملا

стр. 715

بالمثل؟ هذا راجع إلى تقدير الوضع من أهله زمانا ومكانا، والنص أفاد الاعتداء بمثل الاعتداء، وأفاد الآخرُ إخراجَهم. والعمل بالنصين عند القدرة هو كمال التكليف؛ ولأن ذلك من مقتضيات كمال الردع. ٦ - والقتال في سبيل الله واجب لإخراج محتل للنص (وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) (البقرة: ١٩١). وفرق بين الأمر بإخراجهم كما أخرجونا، وبين من حيث أخرجونا؛ لأن الأخير هو إخراجهم من أرضنا التي أخرجونا منها، وسابقه إخراجهم من أرضهم احتلالا ردا للعدوان بالمثل كما يفيده (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) (الشورى: ٤٠)، (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: ١٩٤). ٧ - ويجب قتال من قاتلنا للنص (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا) (البقرة: ١٩٠). ٨ - وكذا قتال من بدأنا بالقتال (وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) (التوبة: ١٣). والفرق بين هذه والتي قبلها أن هذه تفيد تعليل فرض قتال في سبيل الله لكافر بدأ بقتال أهل الإسلام. والتي قبلها تفيد فرض القتال لمن قاتلنا ولو لم نعلم البدء؛ لأن تمييزه قد يخفى؛ فيدعي كل طرف أن الآخر بادئ؛ فرفع هذا الوهم فأوجب قتال من قاتلنا ولو لم يتميز البادئ بيننا وبينهم. ٩ - وبلاغ دعوة الإسلام الحق إلى الناس يكون بالحسنى والحكمة (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل: ١٢٥)، وليس الأصل القتال، بل السلم والرحمة. فمن منع الناس عن الدخول في الإسلام ومنع الدعوة إليه في دولته بالحوار والسلم والتي هي أحسن؛ فإنه يقاتل إعلاء لكلمة الله (قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة: ٢٩).

стр. 716

فأوجب قتال أربع فئات، وهم الملاحدة اللادينيون (الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)، والدهريون المشركون المنكرون للبعث (وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ)، ودول المنافقين الذين يبيحون ما قطع بتحريمه (وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ)، وأهل الكتاب (وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ). وإنما حملنا هذه الآية على هذه الأصناف؛ لأن جعلها في أهل الكتاب فقط يقطع بعدم وجود الوصفين الأولين من الآية فيهم، فهم يؤمنون بالله وهم يؤمنون بالبعث. وغاية القتال الاستسلام إرغاما في ترك الصد عن دين الله من أراد الدخول فيه ومنع دعاته وأهله من تبليغه. وفرض عليهم دفع رسوم مواطنة؛ لأن المسلمين يدفعون الزكاة، وهؤلاء الجزية على قادرٍ. وإنما شرطنا في قتال هذه الفئات صدهم الناس في دولهم عن دخول الإسلام ومحاربته وإيذاء أتباعه؛ لأن الله منع قتال المسالم (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) (الممتحنة: ٨). ١٠ - ويقاتل عدو حربي نقض العهد والهدنة للنص (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) (التوبة: ١٣). ١١ - وكذا يقاتل في سبيل عدو هجَّر المسلمين من وطنهم وديارهم (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ* الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) (الحج: ٣٩ - ٤٠)، (وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا) (البقرة: ٢٤٦). ١٢ - ويقاتل من آذى رسول الله ﷺ بسب أو شتم أو إساءة، وإذا كان معاهدا فينتقض عهده (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ) (التوبة: ١٣). ففرض القتال على مجرد التآمر والتخطيط لإخراج الرسول وتهجيره ولو لم يقع، فسبه وشتمه والإساءة إليه توجب ذلك. وفي سب الله أولى، وكذا الإساءة للدين الإسلامي وشعائره وامتهانه كالمصحف. وهذا إذن راجع إلى تقدير المصلحة، وترتيب هذه المراتب كلها خاضع للشورى المصلحية والقدرة والاستطاعة.

стр. 717

فما قاتل رسول الله ﷺ الروم حتى كانت دولته قد قويت وأمِن من العدو الداخلي. شروط القتال في سبيل الله ورأس شروط القتال في سبيل الله أمران: الأول: بذل غاية الاستطاعة في إعداد القوة العامة، وهي أربعة أمور: القوة البشرية، وجمع الكلمة، والقوة المالية، والقوة التدريبية. وهذه الأربع خاصة بالقتال بخلاف ما سبق من الإعداد العام مما ذكرناه آنفا. الثاني: بذل غاية الاستطاعة في الإعداد الحربي والتسليح؛ فتكون الشروط تفصيلا خمسة: الأربعة المذكورة، والتسليح. وتكون الشروط إجمالا شرطين: القوة العامة، والقوة الحربية. ودليل هذين الشرطين قوله تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: ٦٠). فالقوة العامة (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ)، وهذا عموم. فيشمل ما هو عام بالأمة ونهضتها على وجه عام وما هو متعلق بالقتال، وهو ينقسم كذلك إلى عام وخاص، فالقوة العامة أربعة أمور، والخاصة هي القوة الحربية. والقوة الحربية: معطوفة عليها (وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ). وإنما قلنا «غاية الاستطاعة»؛ لأن الآية تدل على ذلك بـ «ما» المصدرية المنسبكة مع المصدر الدالة على غاية الاستطاعة. ورباط الخيل: هو كناية عن القوة الحربية، وهو كقول العرب فلان له أياد بيضاء، أي عطاءات، ومنه قوله تعالى (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ) (الإسراء: ٢٩). وهذا كناية عن الإسراف والإقتار، ومن ظن آية رباط الخيل على ظاهرها أشكل عليه أن القوة في هذا العصر مختلفة. وجوابه أنها كنايةٌ عربية بليغة معروفة عند العرب دالة على البأس والإعداد الحربي.

стр. 718

والقوة العامة هي: - القوة البشرية . - وجمع الكلمة. - والقوة المالية. - والتدريب القتالي. فهذه أربعة أمور يضاف لها التسليح بدلالة رباط الخيل، فتصير شروط القتال خمسة: القوة البشرية: فالقوة البشرية محددة بالنص لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ* الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: ٦٥ - ٦٦). فشرط للقتالِ وجود حد أعلى أو أدنى من القوة البشرية. فالأعلى: أن يكون واحد مقابل اثنين من الكافرين. والأدنى: أن يكون واحد مقابل عشرين من الكافرين. ثم جعل الأصل واحداً مقابل اثنين وغيره تخفيفا بالنص. وترك الخيار فيما سوى ذلك لتقدير المسلمين؛ فإن كان العدو المحارب الكافر أضعافهم عشرين مرة لكن يستطيع المسلمون المواجهة ومعادلة التوازن بأنواع من التخطيط والتكتيك القتالي ففرضٌ المواجهة. وذلك في أكثر مغازي رسول الله ﷺ ؛ ففي بدر وأحد كان العدو ضعفهم نحو ثلاث مرات، وفي الخندق كان العدو ضعفهم نحو عشر مرات، ولكن التكتيك الحربي والقتالي في هذه الوقائع سد الفجوة؛ كاختيار المكان القريب من الماء في بدر؛ وكجعل فئة من المقاتلين في مكان استراتيجي تصيب العدو وتحمي الظهر في أحد. وأما في الخندق فحَفَرَ الخندق وهي وسيلة حربية فاجأت الأعداد الكبيرة من الأحزاب

стр. 719

وعطلت إمكاناتهم، وأصبحت المعركة دائرة على استنزاف القوى، ولا شك أن ذلك أثر في معسكر الأحزاب تأثيرا بالغا فاستنزف المؤن التموينية طعاما وشرابا للمقاتلين وللمراكب الحربية من خيل وأبعرة. وأوقع ذلك بينهم التلاوم والخوف؛ مما هيأ للجهد المخابراتي لمعسكر الإسلام في الوقيعة بينهم، وتفكيك حلفهم بأمرٍ واطلاعٍ من رسول الله ﷺ (١). جمع الكلمة: أما الشرط الثاني للقتال في سبيل الله فهو جمع الكلمة ووحدة الصف وعدم الفرقة والتنازع. فإذا تفرقت الكلمة تفرقا يعود على المقصود من القتال في سبيل الله بالضرر والإبطال، انتظرنا عن بدء مباشرة القتال؛ لوجوب إزالة هذا المانع مع استمرار الإعداد. والدليل على أدائه إلى خلاف مقصود الجهاد في سبيل الله قوله تعالى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: ٤٦) والفشل وذهاب الدولة والهيبة من أعظم المفاسد (٢). القوة المالية: أما اشتراط القوة المالية المستطاعة لوجوب الجهاد فدليله قوله تعالى (لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء

стр. 720

وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التوبة: ٩١). فلما لم يجدوا ما ينفقون بالنص ولم يجدوا عطاء رفع الله عنهم الحرج. التدريب القتالي: وأما اشتراط التدريب فلقوله تعالى (لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التوبة: ٩١). والضعفاء هنا هم كل من لا يستطيع القتال لعلة ضعف، كالنساء والأطفال والشيخ الهرم، ويلحق بهم الأعمى والأعرج كما تفيده نصوص أخرى. فإن كان الضعف لعدم تدريب معتبرٍ على القتال والسلاح والكر والفر؛ فإن النص يشمل في الأعذار من كان فيه ذلك. وفرض عليه وعلى الأمة كافة تحصيل هذه الشروط الخمسة للقتال في سبيل الله كما يفرض على المصلي الوضوء ونحوه؛ لأنه شرط لا تصح الصلاة إلا به. وفرض عين على الدولة أن تحصل شروط الجهاد في فئة كافية من الشعب للقيام بذلك ببناء قوات مسلحة عالية التدريب والكفاءة قادرة على القيام بذلك (١). قوة التسليح: وأما اشتراط التسليح فدليله (وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ) (التوبة: ٩٢)؛ لأنهم لما عدموا المال لشراء السلاح وعدة الحرب ذهبوا إلى رسول الله ليعطيهم السلاح والعدة ولم يكن عنده ما يعطيهم فأعذرهم الله، فدل على اشتراط التسليح لفرض حضور المعركة. أركان القتال في سبيل الله: أما أركان الجهاد في سبيل الله فهي الثبات عند اللقاء، والإخلاص لله، والقتال لتكون كلمة

стр. 721

الله هي العليا، وطاعة الأمر، ووحدة القيادة ووحدة القرار وطاعته. والفرق بين الأركان والشروط أن الأركان مفروضة حال المعركة المعيَّنة وما يتعلق بها من السوابق واللواحق. أما الشروط فهي أمور مفروضة قبل مباشرة أيِّ معركة قتالية في سبيل الله. فالثبات ركن لصحة الجهاد حال اللقاء، ودليل ركنيته الأمر به والنهي عن ضده المعين (إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ) (الأنفال: ٤٥)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ) (الأنفال: ١٥)، واجتماعهما نصا على أمر واحد يدل على عدم الصحة إلا بوجوده، وهذا دليل على الركنية أو الشرطية. وإنما جعلناه ركنا لا شرطا؛ لأن الركن جزء من الشيء بخلاف الشرط، والثبات جزء من القتال حال المعركة، فهو كالقيام في الصلاة حال أدائها. وأما الإخلاص لله فهو أمر قلبي، وهو ركن لصحة العمل عند الله. وأما القتال لتكون كلمة الله هي العليا فللنص «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (١)، و «من قاتل تحت راية عمية ينصر عصبة فهو من جثي جهنم» (٢). والقتال حينئذ محرم، وقد جمع هذان الركنان في قوله تعالى (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (الأنفال: ٤٧)، فحرم القتال رياء وبطرا بلا هدف مشروع. وأما طاعة الأوامر فلأن معصيتها مؤد إلى مفسدة الفشل والتنازع وعدم النصر (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران: ١٥٢). وأما توحد القيادة على قائد مطاع فوجوبه الركني حال القتال في سبيل الله مستفاد من (وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال: ٤٦)، والنهي يفيد الفساد كما هو معلوم في الأصول.

стр. 722

وهذا التكليف في النص هو حال اللقاء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ* وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: ٤٥ - ٤٦). وأما ركن الطاعة أعني طاعة الله ورسوله فللأمر به حال اللقاء (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، وهذا يفيد الوجوب الخاص، ويرفعه إلى كونه من أركان الجهاد في سبيل الله أنه إذا فقد بطل الجهاد؛ لأن المقاتلين إذا كانوا عصاة لله ورسوله في أمهات التكليف؛ فجهادهم ليس في سبيل الله، ولو ادعوا؛ لأن الدعوى إذا خالفتها الظواهر فهي باطلة. فدعوى أنهم في سبيل الله مع اعتدائهم على حدود الله وشربهم الخمر، وقطعهم الصلاة، وارتكابهم الفواحش، نفاق. واجبات القتال في سبيل الله: وأما واجبات القتال: فَذِكْرُ الله تعالى كثيرا للنص (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ) (الأنفال: ٤٥). والإكثار منه مقصود بالنص، فلا يجزئ الذكر بقلة. والأمر دليل الوجوب، وتعليله بالفلاح دليل على عظيم إيجابه. ويحرم السماح للمنافقين بالخروج في سبيل الله. ويجب منع مخذل ومرجف وعميل؛ لأنهم منافقون (فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) (التوبة: ٨٣). (لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (التوبة: ٤٧). ومن ذكر الله في القتال الدعاء نحو (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (آل عمران: ١٤٧). ويجب التحريض على القتال والتعبئة ورفع المعنويات والتبشير (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُوا

стр. 723

أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ) (الأنفال: ٦٥). والتعبئة المعنوية على القتال تحريضا، وتبشيرا، وترهيبا من التخاذل، مقصودة في النصوص. فمن أبلغ ما ورد في ذلك: (وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ) (التوبة: ١٢). (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ) (التوبة: ١٣). فعلل لهم أسباب القتال بنكثهم للعهود وطعنهم في الدين وذكرهم بأبشع غدرهم واستهدافهم قيادتهم (وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ). وهو تنبيه على السوابق الإجرامية بحيث يندفع الشك في احتمال حسن النوايا واحتمال أن الواقعة الحالية كانت فلتة وخطأ. وسبَّب لهم بأسباب تزيل ذرائع البعض بعدم العدوان (وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) (التوبة: ١٣). وبعد استقصاء السوابق والعلل عيَّرهم بما لا يرضى أحد أن يوصف به عادة، وهو الذل والخوف والجبن رغم عدالة قضيتهم، وإمكان انتصارهم لو أعدوا (أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ) (التوبة: ١٣). ثم بشرهم بحسم المعركة ونتائجها (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ) (التوبة: ١٤). ثم بين لهم أن هذا الأمر أصبح واقعا لا خيار فيه، وليس طارئا بل هو الواقع الذي لا مفر منه ولا مناص كسنة لابتلاء المؤمنين (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (التوبة: ١٦). ثم بين لهم أن الجهاد في سبيل الله أعظم من عمارة المسجد الحرام وخدمته، ثم بين لهم الخيار

стр. 724

بين الله ورسوله أو الأهل والأموال والمتاع والمساكن ولا ثالث لهذين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ* قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة: ٢٣ - ٢٤)، ثم ذكرهم بأيام الله وقدرته (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ) (التوبة: ٢٥). وهذا البيان من أول النصوص إلى آخرها لا يدع لأحد مجالا للتخاذل والتراجع إلا إن كان منافقا. قاعدة هامة تستنبط من هذه النصوص وأمثالها وهي: التحريض على الفعل أبلغ من الأمر به (١). التفصيل القتالي بما يتعلق بالمعركة من الأحكام: وإذا حصل سبب يوجب الجهاد في سبيل الله من الأسباب السالفة أرجع الأمر إلى أهل الشورى من العلماء وأولي الأمور (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) (النساء: ٨٣). والعلماء قائمون مقام رسول الله ﷺ في حمل الشرع، وأولو الأمر يمثلهم القيادات المعتبرة، فإن كانوا معينين في مجلس رسمي رجع إليهم. إنشاء المجلس الأعلى للسلم والحرب: ووجب إيجاد مجلس أعلى مختص بذلك يجمع قيادة العلماء الكبار، والقيادات الكبرى في الجيش، ونواب الشعب، وأهل الشورى، والقيادات الكبرى المتبعة. ويكون المجلس الأعلى من عدد مرجعي من هؤلاء شرعيين وسياسيين وقياديين.

стр. 725

وقلنا بوجوب تشكيله بما سبق؛ لأنه مقصود بالنص قصدا أوليا وسيليا؛ لأنه لا يتم الرجوع في الأمن والخوف العامين الآن إلى أهل الأمر المعتبرين إلا بذلك، والوسائل تأخذ أحكام المقاصد. ولا بد قبل اتخاذ قراراته النهائية الكبرى التي تتعلق بالأمن والحرب أن تعرض على نواب الشعب وأهل الشورى. ويتخذ المجلس الأعلى للأمن والحرب قراره بعد ذلك حتى يتحمل كافة أولي الأمر مسئولية القرار؛ ولأن الآية أطلقت (أُوْلِي الأَمْرِ) فشمل سائر القيادات المطاعة في الشعب، ولتعذر استقصاء مشورتهم يقوم عنهم نوابهم وأهل الشورى والمجلس الأعلى بمكوناته السابقة. ولأن الميسور لا يسقط بالمعسور، وهذا متيسر بخلاف استقصاء كل أولي الأمر في الأمة أو الشعب. فإذا صدر قرار المجلس -حينئذ- وجب طاعته والعزم فيه، وحرم التردد بعده (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران: ١٥٩). وقراره بالجهاد في سبيل الله يجعله فرض عين على من استنفروا، بدءا بالقوات المسلحة، ثم كافة أفراد الشعب؛ لأن الاستنفار العام يوجب الجهاد العيني على كل فرد للنص (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ) (التوبة: ٣٨). ثم عمم ولم يستثن أحداً (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) (التوبة: ٤١)، وتوعدهم عند التخلف (إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (التوبة: ٣٩). وفي الحديث «وإذا استنفرتم فانفروا» (١).

стр. 726

وعلى هذا كلمة العلماء كافة. وواجب بحسب القضية حينئذ التعبئة العامة في كافة أجهزة الإعلام التابعة للدولة المسلمة حكوميا وأهليا وقنوات وصحافة وإعلام مرئي ومسموع ومواقع إلكترونية (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً) (النساء: ٨٤). ويمنع مخذل ومرجف وهو منافق ويتعامل معه بالمصلحة العامة، وقد تصل إلى المنع (فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) (التوبة: ٨٣). ووجود مناهضين للحرب بعد تعذر السلام وفشل مساعيه؛ إن كان في القتال مع كافرٍ مُحْتَلِّ فهو نفاق، أو كان في قتال داخلي لصد بغاة على الجماعة بعد الصلح فلا حرج عليه؛ لأنه يجوز الاجتهاد في المسألة لوجود نصوص مانعة عن قتال أهل الإسلام، وأخرى تجيز قتال باغ بعد الصلح (فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا) (الحجرات: ٩). وبها اعتزل بعض الصحابة القتال في الفتنة، وعذروا من الجانبين، فكان الإجماع. ولا عذر لمتخلف في قتال الكفار المعتدين عند النفير العام؛ للنص في النفير خفافا وثقالا. ولعقوبة الثلاثة المؤمنين المتخلفين بالنص (وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (التوبة: ١١٨). وللحكم على القاعدين بالنفاق في نصوص صريحة (وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة: ٩٠). ولحصر أهل الأعذار بالنص (لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ* وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ* إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاء رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) (التوبة: ٩١ - ٩٣).

стр. 727

وإذا وجب الجهاد فللأمة أحوال: أ- فإما أن تكون بإمام واحد، وسياستها الخارجية متحدة سواء كانت في دولة متحدة كليا، أو كانت في دولة متحدة في السياسة الخارجية والأمن الداخلي والخارجي والاقتصاد فقط، فواجب النفير العام بأمر الدولة. ب- أو كانت في اتحاد أقل من ذلك، فواجب على دول الاتحاد كافة الدفع والنفير. ج- وإن كانوا دويلات متفرقة فواجب على رؤساء الدول وقياداتها الدعوة للنفير العام. د- فإن لم يفعلوا وجب على كل قادر النفير ويأثمون للترك. وإذا احتل الكفار بلاد الإسلام وتخاذل حكامهم؛ فلا يسقط وجوب الجهاد على الشعوب، وفَرْضٌ وجود طائفة تدفع الاحتلال (وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) (البقرة: ١٩١)؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً) (النساء: ٨٤). ويكون رباطهم وجهادهم في الأرض التي بها احتلال العدو؛ لأن هذا هو محل الفرض. ولا يجوز لهم قتال كافر في داخل دولة مسلمة دَخَلَ برضا ولي الأمر لتلك الدولة ولو كان محتلا لدولة مسلمة أخرى. لأن الفرض يؤدى في محله وهي الأرض المحتلة؛ ولأَن وجوده في دولة مسلمة أخرى لم يكن احتلالا؛ لأنه بأمان وتوافق، وبغير قوات عسكرية؛ لأن ذمة المؤمنين واحدة. وسواء كان هؤلاء في تلك الدولة تجارا، أو سواحا، أو شركات استثمارية، أو عمالا، أو مبعوثا عسكريا. فإن كانت قوات عسكرية فيحرم على الإمام والدولة إعطاؤها الإذن والأمان بالتواجد داخل الدولة المسلمة؛ لأنه إن كانت ضعيفة فهو احتلال، أو كانت قوية فهو عمالة ونفاق (١)، إلا في حالة الضعف وكان ذلك تقية لدفع ما هو أعظم (إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) (آل عمران: ٢٨). فيرجع النظر فيها إلى أولي الأمر لعموم النص (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا

стр. 728

بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) (النساء: ٨٣). ويقدر الأمر قدره. ويشترط في العقد إخراجهم في أي وقت، وعدم استعمالهم الأرض لضرب دولة أخرى. فإن لم يشترط ذلك لشدة ضعف، وفرقة دول المسلمين، فهي مصيبة عامة حينئذ أصلها ذنوب عظيمة في الأمة وجب التوبة منها والسعي لجمع الكلمة والخروج من الوضع القائم العام، وهذه فروض. وأحكام الإسلام ودولته تبدأ بالتدرج كما تدرج رسول الله ﷺ في الدعوة والدولة، ولم يقاتل المعتدي حتى اشتدت قوة الدولة، ولم يعلن إخراج المشركين من جزيرة العرب حتى كان الإسلام قوة عظيمة، وقد واجه محاور القوة للمشركين وغلبهم، وهي قريش، والطائف، وحنين، وقوى اليهود، وأعلن بعد ذلك إخراج القوات المشركة من جزيرة العرب. ونزلت براءة مفتتحة ذلك. ويستنبط من هذه الاستدلالات أنه إذا تواجدت قوات كافرة في دولة مسلمة باتفاق رسمي لا باحتلال حال ضعف المسلمين كما هو حاصل الآن فالواجب الأول هو السعي لجمع الكلمة وتوحيدها، والإعداد، والتوبة، وغرس الإيمان في الأمة. وقيام طائفة مسلمة بالعدوان على تلك القوات الكافرة غير المحتلة الموجودة باتفاق رسمي في وضعنا الراهن متعذر؛ ومفاسده عظيمة، فيمنع. بل يصنع كما صنع رسول الله ﷺ ، فلم يمنع التواجد المسلح للكفار في الجزيرة حتى كان قد وحد جزيرة العرب، وظهر الإسلام فيها على غيره، واجتمعت الكلمة العامة. وقد شرط الله للجهاد جمع الكلمة، وعدم التنازع (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ* وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: ٤٥ - ٤٦). ومنع نصرة المستضعفين في بلاد الكفار إن كان بيننا وبينهم ميثاق (حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ) (الأنفال: ٧٢).

стр. 729

واكتفى رسول الله ﷺ بالدعاء على قبيلة رعل وذكوان، وقد قتلوا غدرا القراء المرسلين إليهم (١). ولم يبعث لقتالهم، فدل على أن خيار القتال له شروط وأركان. ولا يكون في أي حال حتى لو اعتدى الكفار على المسلمين فقتلوهم كحال رعل وذكوان لما قتلوا القراء. ففتح جبهات قتالية تضر المسلمين عامة هو من المحرمات الشرعية. وقد منع رسول الله ﷺ أبا بصير من البقاء في الدولة (٢) حتى لا يحمل المسلمين ودولتهم ما لا طاقة لهم به آنذاك؛ ولوجود عهد وميثاق جعلهم يتفرغون للدعوة سماه الله فتحاً وهو صلح الحديبية (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا) (الفتح: ١). - إجراءات قتالية: ويعين قيادات القوة المتحركة للقتال، بدءا بالقائد، ونوابه، ومساعديه. وهو أمر متعلق بالمصالح. وقد عين رسول الله ﷺ قيادات في سرايا وجيوش، وعين نوابا كما في مؤتة (٣).

стр. 730

وتوديع الجيش إلى مشارف البلد من ولي الأمر، أو القيادات العليا مشروع، وقد ودع رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر. ويستقبلون الجيش العائد كما ورد في جيش مؤتة. ولا مانع من إطلاع الشعب على مجريات المعركة إعلاميا لأن الرسول ﷺ قال على المنبر «أخذ الراية زيد فأصيب». وإذا سار الجيش كبروا على مرتفع، وسبحوا على كل سهل للنص (١). ولأنه أوقع في نفوس من يمرون عليهم (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) (الأنفال: ٦٠). وإذا حضرت الصلاة صلوا صلاة الخوف (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا* وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا) (النساء: ١٠١ - ١٠٢). ولها كيفيات عديدة، بحسب الوضع ومردها إلى ثلاثة أنواع: الأول: أن يصلوها جماعة بكيفيات وتكتيك معين (٢). الثاني: أن لا يستطيعوا أن يصلوا أي صلاة، لا فرادى ولا جماعة، فيؤخرونها حتى إمكان الاستطاعة، ثم يجمعونها كما ورد في الخندق (٣).

стр. 731

الثالث: إن استطاع أن يصلي الفرد بالإيماء؛ فيجوز لورود ذلك (١). وأما الصوم فإن كان الفطر أقوى لهم فالفطر واجب ويقضون؛ لورود تسمية من لم يفطر في فتح مكة بالعصاة (٢)، لاقتراب القتال؛ فإن كان لا قتال ولا خوف فلهم الإفطار لعلة السفر، ولهم الإمساك. ومن أفطر قضى وجوبا. وأما الأذكار فقد بيناها في كتابنا «فقه المقاتل» (٣). وواجب الأخذ بعوامل النصر، وهي: الإعداد التام، والثبات، وذكر الله كثيرا، وطاعة الله

стр. 732

ورسوله وترك التنازع، والصبر، وترك البطر، والرياء، والتكبر على الخلق بعدد أو عدة، ووجوب اعتقاد أن النصر من عند الله، وهذه مجموعة في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ* وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: ٤٥ - ٤٦). ومن كان مخذلا أو مرجفا حرم إخراجه في الجيش (لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) (التوبة: ٤٧). ويجوز إرسال العيون والاستخبارات على العدو كما ثبت في النصوص (١). والإيهام والخداع والتحرك والتكتيك والقتال من أصول الحرب عرفاً وشرعاً على المستوى الدولي الرسمي وغيره «الحرب خدعة» (٢). وإن اطلع على جاسوس للعدو قبض عليه لمحاكمته والنظر في أمره. والإلهاب والتحفيز للمقاتلين والتحريض واجب (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) (النساء: ٨٤)، وهذا أمر. ويجب إنشاء جهة مسئولة عن ذلك كالتوجيه المعنوي؛ لأن الوسائل تأخذ أحكام المقاصد. ويختار مكان المعسكر بما يفيد قتاليا، ويشاور في ذلك كما ورد في بدر (٣). ويتفحص الرأي لأهل القيادة والخبرة فيما يتعلق بالقتال كما في بدر (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران: ١٥٩).

стр. 733

ويكثرون من التضرع لله، وطلب النصر، والبعد عن المعاصي (١). وواجب الالتزام بالأوامر للقيادة ويحرم عصيانها، وهو مأثم مؤدٍ إلى الفشل (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران: ١٥٢). ولا إثم إلا من ذنب. ويجب اعتقاد أن الموت والحياة بإذن الله، ويحرم ربطها ببقاءٍ وتخلف عن قتال؛ وهو من قول الكفار والمنافقين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (آل عمران: ١٥٦)، (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران: ١٤٤). والفرار من الزحف محرم، وهو من كبائر الموبقات (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ) (الأنفال: ١٥). إلا إن كان بتكتيك قتالي، أو لإعادة جمع القوات وهو وارد في النص (وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (الأنفال: ١٦).

стр. 734

ويختار وقت المعركة بما هو أنفع للجيش كاعتدال الحرارة، وحركة الشمس «كان ﷺ ينتظر حتى تزول الشمس وتهب الأرواح» (١). وواجب الرد على الإشاعات والدعايات والشعارات التي يطلقها العدو؛ لورود «أعل هبل. فقال رسول الله ﷺ : قولوا الله أعلى وأجل ... » (٢). وقلنا بالوجوب؛ لأنه أرفع للمعنويات، وأدفع لمفسدة الوهن والإرجاف.

стр. 735

فقه الأموال والاقتصاد المعاصر * كل المعاملات التجارية على وجه الأرض بين شعوب العالم مباحة على الأصل، ولا يزحزحها عن هذا الأصل اليقيني إلا دليل صحيح صريح، لا مجرد الاحتمالات والظنون والتخريجات المتكلفة، فإن اليقين لا يزول بالشك * (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة: ٢٧٥) * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩) * (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ) (النحل: ٩٠) * وجود طبقية مالية تتداول المال من دون الناس أمر مرفوض شرعا (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ) (الحشر: ٧) * (فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة: ١٠) * (أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ) (البقرة: ٢٦٧) * المال وسيلة للحياة لا لمحاربة الحياة * بقاء الثروة ونحوها من المتاع مقترن بالعطاء

стр. 736

فقه الأموال والاقتصاد المعاصر قال المؤلف عفا الله عنه: المال هو: كل ما سوى الإنسان مما تقوم به المنافع، وينتفع به حالا أو مآلا. لقوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة: ٢٩)، فهذه تدل على أن ما سوى الإنسان خلق للإنسان، واللام للتمليك. وقوله تعالى (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً) (النساء: ٥)، فوصف المال بكونه (قِيَاماً)، أي تقوم به الحياة. فكل مال عُدَّ قواما مما تقوم به الأمور وتسير به الحياة داخل في هذا. وحفظ المال من مقاصد الشريعة الكبرى. فحرم إعطاؤه لسفيه ينفقه فيما لا يخدم المصالح، ويحجر عليه فيه للنص (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) (النساء: ٥). وإذا حجر على السفيه فعلى المفسد أولى؛ لأنه سفيه وزيادة. ونعني به هنا من ولي ولاية عامة فعمل على الفساد في الأرض وإتلاف الأموال العامة وحماية المفسدين، وترك محاسبتهم. وتعيين مفسد محرم، وتوليته باطلة. وكل عقد في الثروات الكبرى من نفط، وغاز، وذهب، وغيرها، إذا أبرم مع شركات محلية أو أجنبية بثمن غير ثمن المثل، وهو: السعر العالمي المتعارف عليه، فإن العقد باطل. ووجب محاسبة من أبرمه، ويعزل إن اقتضى الأمر. وكل ما فيه حفظ للمال؛ فالشريعة طالبة له بِحَسبه. وكل ما أدى إلى عدم حفظه من إهدار وإسراف وتبذير فهو إتلاف محرم.

стр. 737

قواعد مالية عامة: وللمال قواعد كبرى استنبطناها من تصرفات الشرع في الماليات، أو أخذناها من منصوصه، فجعلناها قاعدة بالتتبع لفروعها وثباتها في الضبط، وصغت ما يحتاج إلى صياغة، فمنها: قاعدة: لا يؤكل مال إلا بوجه حق مشروع (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) (البقرة: ١٨٨). وقاعدة: الأصل في المعاملات التجارية الحل (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة: ٢٧٥). وقاعدة: الرضى ركن التجارة، فإن انعدم بطل التصرف (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩). وقاعدة: احتكار تداول المال ممنوع (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ) (الحشر: ٧). وقاعدة: لا ولاية للسفيه على مال (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً). وقاعدة: الحرام لا يباح بحكم قضائي (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: ١٨٨). وقاعدة: التملك حق لكل إنسان. أي: من حق الجميع، الرجل والمرأة. وقَيْدُ الحرية غير معتبر (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ) (النساء: ٣٢). وقاعدة: الإنفاق قائم على التوسط (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) (الإسراء: ٢٩). وقاعدة: الإنفاق راجع إلى الوسع (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) (الطلاق: ٧). وقاعدة: الإنفاق يكون مما فضل عن الضروري (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) (البقرة: ٢١٩). وقاعدة: أيُّ مال لم يتملك فهو ملك عام (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً). وقاعدة: من أحيا أرضا ميتة ليست لأحد فهي له.

стр. 738

وقاعدة: ليس لعرق ظالم حق (١). وقاعدة: مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته (٢). وقاعدة: الأصل في أموال الناس الحرمة «إن أموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا ... » (٣). وقاعدة: لا بيع إلا بملك مقبوض (٤). ولا تصح هذه القاعدة إلا في الطعام، ولا يصح الاستدلال على التعميم بنحو «لا تبع ما لا تملك ولا ما ليس عندك» (٥).

стр. 739

وقاعدة: كل مقبوض مضمون «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» (١). وقاعدة: الولاية على مال الغير ولاية نظر لا ضرر (قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ). وقاعدة: لا وصية لوارث غير الوالدين، لقوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (البقرة: ١٨٠)، وقوله ﷺ : «لا وصية لوارث» (٢). وأما الأقربون في الآية فيحمل على غير الوارث جمعا بين النصوص، وكذا يجوز الوصية بمتاع سنة للمتوفى عنها زوجها بالنص، والآية ليست منسوخة كما بينته. وقاعدة: لا يغتفر الإخلال اليسير في الموازين والمقاييس (٣) (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ) (المطففين: ١). وقاعدة: كل محرمٍ محرمٌ بيعه. وقاعدة: كل محرمٍ بيعه لا يحل بحيلة، «لعن الله اليهود حرم عليهم الشحوم فجملوه ثم باعوه ثم أكلوا ثمنه» (٤). وقاعدة: غسيل الأموال لا يطهرها ولا يجعلها حلالا؛ لحديث «لعن الله اليهود حرم عليهم

стр. 740

الشحوم ... » (١)، وللعن أصحاب السبت. وقاعدة: كل طيب مباح، وكل خبيث محرم. وقاعدة: الأصل حل بيع المنافع المباحة (٢) المعتبرة (٣). وقاعدة: الأصل حرمة الغش ولو يسيرا؛ لحديث «من غش فليس منا» (٤). وقاعدة: النجش ممنوع؛ لحديث «نهي عن النجش» (٥). وقاعدة: لا يحتكر إلا خاطئ (٦). وقاعدة: الإضرار بالسوق مفسدة يجب دفعها؛ «نهي عن تلقي الجلب وبيع حاضر لباد» (٧)، «لا ضرر ولا ضرار» (٨). وقاعدة: ملك المنفعة بمعاوضة تجيز بيعها لا بالإباحة (٩). وقاعدة: كل ما لم ينص على تحريمه فهو عفو، بدليل (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) في كل مسألة لم ينص على تحريمها. وقاعدة: الوعود تلزم بالعقود والعهود. الملكية: وتتملك الأموال بخمس طرق استنبطناها بالتتبع: ١ - بالمعاوضة المحضة.
следующие страницы →