فقه الأموال والاقتصاد المعاصر
قال المؤلف عفا الله عنه:
المال هو: كل ما سوى الإنسان مما تقوم به المنافع، وينتفع به حالا أو مآلا.
لقوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة: ٢٩)، فهذه تدل على أن ما سوى الإنسان خلق للإنسان، واللام للتمليك.
وقوله تعالى (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً) (النساء: ٥)، فوصف المال بكونه (قِيَاماً)، أي تقوم به الحياة.
فكل مال عُدَّ قواما مما تقوم به الأمور وتسير به الحياة داخل في هذا.
وحفظ المال من مقاصد الشريعة الكبرى.
فحرم إعطاؤه لسفيه ينفقه فيما لا يخدم المصالح، ويحجر عليه فيه للنص (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) (النساء: ٥).
وإذا حجر على السفيه فعلى المفسد أولى؛ لأنه سفيه وزيادة.
ونعني به هنا من ولي ولاية عامة فعمل على الفساد في الأرض وإتلاف الأموال العامة وحماية المفسدين، وترك محاسبتهم.
وتعيين مفسد محرم، وتوليته باطلة.
وكل عقد في الثروات الكبرى من نفط، وغاز، وذهب، وغيرها، إذا أبرم مع شركات محلية أو أجنبية بثمن غير ثمن المثل، وهو: السعر العالمي المتعارف عليه، فإن العقد باطل.
ووجب محاسبة من أبرمه، ويعزل إن اقتضى الأمر.
وكل ما فيه حفظ للمال؛ فالشريعة طالبة له بِحَسبه.
وكل ما أدى إلى عدم حفظه من إهدار وإسراف وتبذير فهو إتلاف محرم.
стр. 737
قواعد مالية عامة:
وللمال قواعد كبرى استنبطناها من تصرفات الشرع في الماليات، أو أخذناها من منصوصه، فجعلناها قاعدة بالتتبع لفروعها وثباتها في الضبط، وصغت ما يحتاج إلى صياغة، فمنها:
قاعدة: لا يؤكل مال إلا بوجه حق مشروع (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) (البقرة: ١٨٨).
وقاعدة: الأصل في المعاملات التجارية الحل (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة: ٢٧٥).
وقاعدة: الرضى ركن التجارة، فإن انعدم بطل التصرف (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩).
وقاعدة: احتكار تداول المال ممنوع (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ) (الحشر: ٧).
وقاعدة: لا ولاية للسفيه على مال (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً).
وقاعدة: الحرام لا يباح بحكم قضائي (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: ١٨٨).
وقاعدة: التملك حق لكل إنسان.
أي: من حق الجميع، الرجل والمرأة. وقَيْدُ الحرية غير معتبر (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ) (النساء: ٣٢).
وقاعدة: الإنفاق قائم على التوسط (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) (الإسراء: ٢٩).
وقاعدة: الإنفاق راجع إلى الوسع (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) (الطلاق: ٧).
وقاعدة: الإنفاق يكون مما فضل عن الضروري (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) (البقرة: ٢١٩).
وقاعدة: أيُّ مال لم يتملك فهو ملك عام (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً).
وقاعدة: من أحيا أرضا ميتة ليست لأحد فهي له.
стр. 738
وقاعدة: ليس لعرق ظالم حق (١).
وقاعدة: مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته (٢).
وقاعدة: الأصل في أموال الناس الحرمة «إن أموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا ... » (٣).
وقاعدة: لا بيع إلا بملك مقبوض (٤). ولا تصح هذه القاعدة إلا في الطعام، ولا يصح الاستدلال على التعميم بنحو «لا تبع ما لا تملك ولا ما ليس عندك» (٥).
стр. 739
وقاعدة: كل مقبوض مضمون «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» (١).
وقاعدة: الولاية على مال الغير ولاية نظر لا ضرر (قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ).
وقاعدة: لا وصية لوارث غير الوالدين، لقوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (البقرة: ١٨٠)، وقوله ﷺ : «لا وصية لوارث» (٢).
وأما الأقربون في الآية فيحمل على غير الوارث جمعا بين النصوص، وكذا يجوز الوصية بمتاع سنة للمتوفى عنها زوجها بالنص، والآية ليست منسوخة كما بينته.
وقاعدة: لا يغتفر الإخلال اليسير في الموازين والمقاييس (٣) (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ) (المطففين: ١).
وقاعدة: كل محرمٍ محرمٌ بيعه.
وقاعدة: كل محرمٍ بيعه لا يحل بحيلة، «لعن الله اليهود حرم عليهم الشحوم فجملوه ثم باعوه ثم أكلوا ثمنه» (٤).
وقاعدة: غسيل الأموال لا يطهرها ولا يجعلها حلالا؛ لحديث «لعن الله اليهود حرم عليهم
стр. 740
الشحوم ... » (١)، وللعن أصحاب السبت.
وقاعدة: كل طيب مباح، وكل خبيث محرم.
وقاعدة: الأصل حل بيع المنافع المباحة (٢) المعتبرة (٣).
وقاعدة: الأصل حرمة الغش ولو يسيرا؛ لحديث «من غش فليس منا» (٤).
وقاعدة: النجش ممنوع؛ لحديث «نهي عن النجش» (٥).
وقاعدة: لا يحتكر إلا خاطئ (٦).
وقاعدة: الإضرار بالسوق مفسدة يجب دفعها؛ «نهي عن تلقي الجلب وبيع حاضر لباد» (٧)، «لا ضرر ولا ضرار» (٨).
وقاعدة: ملك المنفعة بمعاوضة تجيز بيعها لا بالإباحة (٩).
وقاعدة: كل ما لم ينص على تحريمه فهو عفو، بدليل (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) في كل مسألة لم ينص على تحريمها.
وقاعدة: الوعود تلزم بالعقود والعهود.
الملكية:
وتتملك الأموال بخمس طرق استنبطناها بالتتبع:
١ - بالمعاوضة المحضة.
стр. 741
٢ - وبالمعاوضة غير المحضة.
٣ - وبالتبرعات والتبررات، وبَابُها.
٤ - وبالفرض الشرعي.
٥ - وبوضع اليد على غير مملوك من المباح العام.
فالمعاوضة المحضة هي: ما قصد منها الربح، وهي البيع والشراء، والسَّلَم، والمضاربات، والشركات، والأجارات، والصرف، والمساقاة، والمزارعة، والاستصناع.
وكل أنواع المعاملات المالية الربحية داخلة في هذا.
وأما المعاوضة غير المحضة فهي: ما لا يقصد بها الربح، بل المكارمة أو المصالحة، فالأول كالمهور والنفقات، والثاني كالديات والأروش. فليست معاوضات بل تعويضات.
وأما التبررات والتبرعات والتسهيلات: فالهبة والوقف والوصايا والنذور ومطلق الإنفاق في وجوه البر والقروض والحوالات.
وأما الإباحة العامة: بوضع اليد فإحياء الموات، والاحتطاب، والاحتشاش، والصيد.
وأما الفرض فالزكاة والغنائم والفيء والفرائض المواريث.
حفظ المال:
وحفظ الأموال يكون بالحفظ القضائي والحفظ الاستيثاقي والحفظ المدني والمجتمعي بالتكليف الشرعي العام والخاص.
فالحفظ القضائي بالحدود والتعازير والعقوبات وسائر ما يطلب في القضايا المالية أمام القضاء من الشروط والأركان للتوقف عن الدعاوى، وحفظ الدولة للأموال العامة والخاصة، والحجر على السفيه والصبي وناقص الأهلية.
وأما الاستيثاقي: فالرهن، وضمان الغصب والإتلاف والكتابة، والكفالة، والضمانة.
وأما الحفظ المدني المجتمعي: فاللقطة، والصلح، والحسبة على المال العام، ومال اليتيم، وحرمة مال الغير، ودفع الصدقات ومساءلة الولاة في مثل المجلس النيابي، والودائع والأمانات وحفظ العواري والعمري والرقبي ونحو ذلك.
стр. 742
وأما أنواع الأموال فهي: نقد، وسهم، وحق، وعين، ومنفعة.
فأما النقد الذهب والفضة والعملة الورقية.
وأما السهم فنعني به الأسهم بأنواعها في الشركات والأسواق المالية والبنوك وغيرها من المعاملات المعاصرة.
وأما الحق فهو: كل حق تعلق بأي نوع من الأموال كالعلامات التجارية والحقوق الفكرية، وحق براءة الاختراع.
وأما العين إما مأكولة، أو مشروبة، أو ملبوسة، أو مقروءة، أو مسموعة، أو للسكن والأثاث، أو وسيلية كوسائل النقل والاتصالات وجميع ما أنتجته الثورة التكنولوجية الحديثة، أو عقارات تجارية أو زراعية، أو ثروات ظاهرة أو باطنة، كالبحرية والنفطية.
وأما المنفعة فرأسها الإجارات وما يتعلق بها من الأحكام، ويدخل في هذا النوع أحكام العواري والوقف، وعقود الخدمات، ومسائل وعقود معاصرة كثيرة ستأتي.
وقبل أن نتكلم عن هذه الأنواع الخمسة بتفصيل، يحسن هنا التنبيه إلى شيء مما أضر بفقه المعاملات والأموال:
١ - التوسع في علة الربا فوق المنصوص أو ما هو قريب منه، والذي يقطع به ويتفق عليه الجميع أن الشرع لم ينص لا في قرآن ولا في سنة على علة الربا، وإنما حرمه بنصوص قطعية، وهو نوعان عند نزول التحريم:
النوع الأول: ربا الديون، وهو أن يقرضه بفائدة مشروطة على القرض، فهذا محرم قطعا. ومنه نوع يحصل في وقت وجوب السداد للدين، فإن جاء وقت السداد ولم يستطع أجَّله زيادة على ما مضى بشرط زيادة ربوية على الدين، وهذا محرم قطعا، وهو من المقصود في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً) (آل عمران: ١٣٠).
النوع الثاني: ربا الفضل والنسيئة، وهو في أصناف ستة منصوص عليها في أحاديث بلغت حد التواتر، وهي الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح.
هذا ما ثبت، وما سواه تخريج للمناط والعلة بالاجتهاد الشخصي، وقد تفرقت وتشعبت الآراء هاهنا، وهي راجعة إلى أربعة عشر قولا مسطورة في مطولات الفقه، وأما تشاعيبها
стр. 743
فلا تكاد تحصى كثرة حتى أصبح هذا الباب من أصعب وأعقد أبواب الفقه، وفيه من الأقوال العسرة والمعسرة والضيقة والمضيقة والمحيرة ما يُقْطَع أنه خلاف أصل التشريع القائم على التيسير ورفع الحرج والمشقات والقائم على أصل العفو والإباحة في هذه الأبواب، وصدق الله (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) (النساء: ٨٢).
وقد تلقف هذا الخلاف والاختلاف والتعسير كثير من بحاثة وفقهاء العصر وجعلوه أصلا لفقه العصر المالي.
٢ - قاعدة التخريج على ما مضى.
وهذه انبثقت عن جعل كل ما مضى من الآراء الفقهية المالية أصلا، فما تخرج عليها من المعاملات المعاصرة أجيزت أو منعت، وهذه مثل سابقتها في الخطأ، إذ لم يتعبدنا الله ورسوله ﷺ بالتوقف على صور العقود القديمة التي نص عليها الفقهاء، وتحريم استجداد غيرها بحيث لا تصح أي صورة لعقد جديد إلا إن كانت على وفق تلك، وقد بينت في مواضع من هذا الكتاب في الماليات بطلان هذا النوع من المسلك وما أدى إليه من الارتباك في الفتوى، وسترى ذلك في التأمين وفي العقود المستجدة في ثنايا هذا البحث.
٣ - التوسع في تحريم المعاملة بالغرر والجهالة.
وهذا النوع لا يخرج عن قسمين: الغرر والجهالة التي هي من نوع المقامرة، وهي الميسر والقمار المحرم قطعيا، ومنه ما كان يعرف ببيع الملامسة والمنابذة والحصاة.
والقسم الثاني: الغرر الشديد أو الجهالة الفاحشة، وضابطها كل غرر أو جهالة ترتب عليها ضرر لا يتسامح بمثله.
أما غير هذين القسمين فلا مدخل للقطع ببطلان المعاملة بوجوده، وإلا لأبطلنا أمهات من العقود كالمضاربة والمساقاة والمزارعة والسلم وغير ذلك.
٤ - الاعتماد على أحاديث ساقطة وشديدة الضعف في أمهات المسائل في الماليات، ومنها:
أ) حديث «الكالئ بالكالي والدين بالدين»، وهو شديد الضعف ساقط كما ستراه في محله.
стр. 744
ب) حديث «أي قرض جر نفعا فهو ربا» وهو باطل وساقط بإجماع المحدثين، وقد خرجته وبسطت ذلك في الفقه الوظيفي.
ج) حديث «فلا يصرفه إلى غيره» وهو شديد الضعف.
فهذه الأحاديث جعلها علماء وطلبة علم في عصرنا أصلا، وكم حرموا ومنعوا وعسروا من معاملات وعقود معاصرة مستدلين بها، وهي باطلة.
٥ - بالاستقراء والتتبع الشديدين لا يصح إبطال أي معاملة إلا بأحد موانع خمسة، وهي: الربا، وعدم الرضى، والميسر ومنه القمار، والغرر الشديد، ومانع تحريم العين التي يراد بيعها، ومانع الضرر العام أو الخاص، فهذه خمسة موانع وإن جعلنا الغرر قسما مستقلا صارت ستة.
ووجدت أن جميع النصوص في البيوع والمعاملات لا تخرج عن هذه أبدا، وقد عرفت ذلك عن تحرٍ وبحثٍ وتتبعٍ واستقراءٍ.
٦ - جعل أحاديث مختلف في صحتها بين كبار أئمة الفن أصلا لمنع مهمات مما تعم بها البلوى في المعاملات المعاصرة، وستراها في هذا البحث.
وعند التسليم أو الترجيح للصحة فلا تجعل أصلا، بل تبقى المسائل على الأصول الشرعية القطعية، ولا تخرج عنها بمثل هذه الأحاديث التي يحتمل ضعفها وحسنها احتمالا قويا في الجانبين.
٧ - ما هو ضعيف الاستدلال في المنع ومنها تحريم التأمين لأجل التحيُّر في تخريجه على مسألة ذكرها الأئمة الأربعة ونحوهم، والحق أنها على الإباحة؛ لعدم وجود مانع من الموانع الخمسة الشرعية على وجه التحقيق أو الغلبة المعتبرة شرعا في الفتوى لا مجرد الوجود بدون هذين الوصفين، وقد حققنا ذلك في محله، ومما لا دليل عليه اشتراط تقديم رأس مال السَّلَم ولم أجد دليلا من كتاب أو سنة عليه، بل كان مالك يفتي بجواز تأخيره لثلاثة أيام، ومع هذا فقد جعل البعض هذا الشرط أصلا في كثير من المعاملات والعقود المعاصرة، والحق أنه لا أصل له من كتاب ولا سنة، فنبقى على أصل الحل والإباحة المتيقنة حتى تزحزح بيقين.
стр. 745
ومما لا دليل عليه اشتراط القبض في غير الطعام، فإن القبض في الطعام مذكور في الصحيحين، أما غيره فلا يصح فيه دليل، ولذلك اختلف فيه العلماء القدامى من الأئمة الأربعة وغيرهم على سبعة مذاهب، والاستدلال بحديث «إذا بعت شيئا فلا تبعه حتى تقبضه» استدلال لا يصح؛ لأن هذه اللفظة شاذة ومعلة، واللفظة الصحيحة -عند التسليم بصحة حديث حكيم بن حزام- هي «لا تبع ما ليس عندك»، وإنما صححنا هذه اللفظة فقط لوجود شاهد لها من حديث عمرو بن شعيب ومع هذا فالخلاف في ضعفها معتبر فهي مضطربة معلة كما قرر ذلك كبار علماء الفن.
ولذلك اضطربت أقوال العلماء في اشتراط القبض على أقوال كثيرة، والصحيح منها ما دل عليه حديث الصحيحين، وهو الاشتراط في الطعام، لا في كل شيء، ولذلك أعرض البخاري ومسلم عن إخراج حديث القبض مع شدة حاجتهما للاستدلال به، وما ذلك إلا لاعتبار قوة إعلاله عندهما، وقد تتبعت طرقه وشواهده فوجدت أرجحية ما ذهب إليه البخاري ومسلم في ذلك.
٨ - ومما أضر بفقه المعاملات الفهم غير الصحيح للنصوص، كنص «لا تبع ما ليس عندك» على فرض صحته، وأنا وإن كنت قد رجحت الصحة لهذه اللفظة، ولكن يبقى في النفس شيء، على أن معناه هو (لا تبع ما لا تملك)، أما ما هو في ملكك وليس عندك في مجلس العقد فيصح لك بيعه، وقد اطلعت بعد هذا التقرير على أقوال لكبار العلماء وافقت في هذا ما ذهبوا إليه، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وقبله ابن حزم وغيرهما كثير.
ولا يصح الاستدلال به على بيع ما تملكه ولم تقبضه؛ لأن لغة العرب تأباه، وهذه الشريعة عربية، ولا يصح كذلك من باب المقاصد الشرعية التي أمرت بحفظ المال وجعلته أصلا من أصولها؛ لأن المقصود هو حفظ أموال وحقوق الخلق، فبيع ما لم تقبضه جائزوقد دخل في ملكك وهو مضمون في الغالب لا مرية في مضمونيته ومضمونية تسليمه للمشتري، وعلى هذا جرت كثير من تجارات العصر، ومنعها من منع لهذه العلة مستدلا بالزيادة الشاذة في حديث حكيم، أو مستنبطا ذلك من لفظة «لا تبع ما ليس عندك».
стр. 746
وهو استدلال غير صحيح يدل على بطلانه أن الشرع أجاز بيع السَّلَمِ وهو بيع موصوف في الذمة معدوم إلى أجل، وما أجازه إلا لحاجة الخلق الشديدة إليه، وضبطه بضوابط تضمن حفظ أموال المتبايعين. ومسائل العصر كذلك تضبط بضوابط في تسليمها ودفع ثمنها، وما وجد من اللوائح والأنظمة الشديدة في البنوك والأسواق المالية في التسلم والتسليم يجعلنا نقول بجواز البيع قبل القبض إلا في الطعام للنص الصحيح الصريح فيه، بخلاف غيره، وهو مذهب مالك عليه رحمة الله تعالى.
٩ - مما أُخطئ في تكييفه شرعا الإيفاء بالوعد، وَخَرَّجوا عليه الوعد للآمر بالشراء، وخرجوا هذه المسألة على بعض أقوال العلماء في هل يجب الوفاء بالوعد أو لا؟ وليس الأمر كذلك، فقد غفل من غفل عن أن الوعد ضُمِّنَ في عقد، والعقود واجبة الوفاء بالنص (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١).
فالوفاء هنا ليس لأنه وعد، بل لأنه عقد بالوعد.
فهذه نبذة مختصرة عما ضر من الأنظار والتأويلات بفقه المعاملات والاقتصاد الإسلامي الذي يعد النموذج الراشد للعالم.
стр. 747
الأنواع الخمسة للمال: النقد، والسهم، والحق، والعين، والمنفعة
النوع الأول من الأموال: النقود ، وهي ثلاثة أنواع: فالذهب نوع، والفضة نوع، والعملة الورقية الحالية وفروعها نوع.
فأما الذهب والفضة فهما أصل الثمنية، ولها أحكام ظاهرة مشهورة، وهي أصل النقدية ويتعلق بها الربا، وفيها الزكاة بالشروط، ومنها حل لبسها للنساء، وحرمة الذهب على الرجال، وكذا حرمة اتخاذها للاستعمال في أواني المآكل والمشارب ونحو ذلك.
أما النقود الورقية فهي: عملة تصدرها الدولة رسميا باسمها، ولها قيمة اعتبارية لا ذاتية.
وتجري فيها أحكام الذهب والفضة، كون العملة الورقية صارت بدلا جارياً عنهما، فيجري فيها الربا والمعاملات، وتكون عِوَضَا في المهور والديات والأروش وتصح في الشركات والضمان والأجور (١).
стр. 748
ويجب على الدولة الحفاظ على العملة؛ لأنها قيم أموال الناس.
وتحفظ من تزويرها، أو التلاعب بقيمتها، أو طباعتها بلا مصلحة ظاهرة معتبرة عامة.
وتغييرها ممنوع إلا للمصلحة العامة، وبقول من يمضي قوله في تقدير المصالح العامة في هذه الأمور.
ويحرم تزوير العملة لعموم «من غش فليس منا» (١)؛ ولأنه أكل لأموال الناس بالباطل وهو سحت محرم، والعملة المزورة هي من الباطل.
стр. 749
ومن ضُبِطَ معه عملة ورقية مزورة حقق معه، فإن ظهر مخدوعا لا علم له كمن أعطيها بقيَّة مبلغ، أو صرف ونحوه، وهو لا يميز ذلك؛ فلا ضمان عليه؛ لأن الأصل براءة ذمته لإمكان ذلك.
ويجب تتبع الأمر حتى يتوصل إلى الجناة وجوبا؛ لأنه من دفع الفساد العام، وهو فرض على الدولة؛ ولأنه مما يخدم حفظ المال وهو أحد مقاصد الشريعة الكبرى.
ولأن رسول الله ﷺ كان يمر على السوق ويدخل يده في الطعام فأحس فيها بللا، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام من غش فليس منا». أخرجه مسلم (١).
ويُعَزَّرُ التعزير الرادع له ولغيره بما يحفظ المال العام؛ لأنه من جلب المصالح العامة ودفع المفاسد.
ويحرم على الدولة طباعة العملة بدون مصلحة راجحة؛ لأنه يؤدي إلى تضخمها وضياع قيمتها؛ فلا تشترى السلع إلا بمبالغ كثيرة.
فيؤدي إلى قلة قيمة العملة لدى الأشخاص؛ لأن ما يتقاضونه من دخل رسمي أو غير رسمي لا يكافئ حاجاتهم وضرورياتهم.
فيشترون بدخولهم الضرورات، ولا يزيدون بل قد لا يُحصِّلون حاجتهم من الضرورات.
فيؤدي حينئذ إلى الكساد التجاري لقلة من يشتري؛ لتوجه الناس إلى الضرورات العاجلة، ويؤدي هذا الكساد إلى قلة الاستثمار، وظهور الفقر، والبطالة لقلة الأعمال.
ويؤدي ذلك إلى مفاسد في الأخلاق والأعراض والسياسات، وتظهر الرشوات وبيع الذمم وشهادات الزور، وشراء الأصوات في الانتخابات، وتظهر الأتباع والأذناب والجواسيس والعملاء وغير ذلك.
هذا إذا طبعت العملة الورقية مع عدم الحفاظ على قيمتها.
أما لو طبعت بكثرة مع الحفاظ على قيمتها الشرائية بما يؤدي إلى وفرتها؛ فإنه يقابلها زيادة سعر السلع لكثرة النقود؛ وزيادة الطلب على السلع.
ويؤدي إلى زيادة الرواتب والأجور.
стр. 750
ويؤدي إلى موجة غلاء قد لا يشعر بها لتدرجها فتؤدي في الحقيقة إلى نقص قيمة العملة وهو تضخم نسبي.
وإن كان ليس كالأول إلا أنه لا يدعم الاقتصاد الاستراتيجي؛ لأن التصنيع وتصدير التصنيع إن كان تكلفته في بلد الصنع كبيرة لا يكون رائجا ومقبولا في الأسواق العالمية لارتفاع سعره، وهذا هو ما يحصل حقيقة في هذه الحالة.
فطباعة العملة بكثرة، ولو مع الحفاظ على قيمتها مضر بالاقتصاد الاستراتيجي للدولة.
وهذا ضرر عام فيدفع.
لذا فلا يجوز طباعة العملة إلا بمصلحة راجحة تقتضي ذلك.
ويكون بتوسط يعادل ويكافئ التوازن بين وفرة النقد والحفاظ على قيمته.
والحفاظ على الاقتصاد المحلي الداخلي المتمثل في: تعادل السلع الضرورية والحاجية والترفيهية بتوسط مع الدخل.
والاقتصاد الاستراتيجي الخارجي المتمثل في التصنيع وتصدير التصنيع للأسواق العالمية بأسعار منافسة من بلد الصنع.
ولا يكون هذا إلا بالحفاظ المتوازن على العملة الورقية الرسمية للدولة.
إصدار العملة العربية الإسلامية الموحدة من غير ارتباط بالعملات المهيمنة الخارجية:
وفرض على الدول العربية والإسلامية إصدار عملة واحدة مستقرة متوازنة لا ترتبط قيمتها بالعملات الأجنبية المهيمنة كالدولار الأمريكي.
ودليل الفرضية أن الارتباط بالدولار أو أي عملة مهيمنة أخرى؛ تجعل الاقتصاد رهنا لتلك الدولة سياسيا؛ لإمكان إسقاط اقتصادها بإسقاط قيمة عملتها.
فيؤدي إلى انهيار اقتصادي عام وفقر وبطالة، وتظهر كافة المفاسد السالفة الذكر.
والتي تؤدي إلى تفكك المجتمع والكيان السيادي والسياسي؛ فتقدم التنازلات تلو الأخرى حفاظا على سياسة المالية في سوقه المحلي والخارجي.
стр. 751
وهذه المفسدة الكبرى وما يترتب عليها من مفاسد ومهالك يجب دفعها ضرورة لأن الله لا يحب الفساد.
والوسائل لها حكم المقاصد؛ لذلك فرض على الدول العربية والإسلامية فك ارتباطها بالدولار وغيره كارتباط مصيري وسيادي.
ولا يكون ذلك إلا بإصدار عملة واحدة قوتها من اقتصادها ووحدة سياساتها فتكون مستقلة يرتبط غيرها بها لا العكس.
حكم تغيير العملة:
وإذا غيرت الدولة العملة بعملة أخرى؛ فإن ذلك لا يجوز إلا بشرط تقدير دقيق لتحقق المصلحة الراجحة من ذلك، ودفع المفاسد المتوقعة التي قد تؤثر على مالية الدولة واقتصاداتها وديونها لها وعليها، وصناعاتها تصنيعا وتصديرا.
لأن تغيير العملة إن كانت بأقل أو أكثر قيمة لا بد أن ينعكس مباشرة على المال العام أولاً. والاستقرار الاقتصادي الداخلي والخارجي ثانيا وليس آخرا.
وأما تأثير ذلك على القطاع الخاص أفرادا ومؤسسات وشركات وبنوك وصناديق فإن رد الديون بالعملة الورقية له صور عدة:
الأولى: إن كانت العملة قد ألغيت وحل بدلها نقد آخر رسمي.
ففي هذه الحالة ينظر في قيمة العملتين يوم الإلغاء، ويعطى صرفها من العملة الجديدة.
ويجب على الدولة حينئذ بيان قيمة العملة الجديدة أمام السابقة، ليبادر الناس إلى تغيير ما في أيديهم في البنوك الرسمية وحتى لا يترتب على ذلك ضرر على الفرد الواحد.
الثانية: إذا كانت العملة باقية لكن تعرضت لانهيار، أو هبوط قيمتها، مما أدى إلى تضخمها فالديون ترجع حينئذ بنفس عدده يوم الإقراض لا بالنظر إلى قيمته.
وذلك عملا بأصل التشريع في رد الديون.
ولا ينقل عنه ناقل إلا إذ تعذر السداد في مسألةٍ معينة بسبب تغيير العملة.
ولأن تغيير قيمة العملة لا ينضبط، حتى في العملة الثانية ظاهرا، لأنها ولو كانت ثابتة بالنظر إلى العملات الأخرى إلا أنها بالنظر إلى قيمة السلع غير ثابتة غلاء ورخصا.
стр. 752
ولعدم انضباط التعويض عند الرجوع إلى القيمة يوم الإقراض؛ لتردده بين كونه بذهب أو فضة أو سلعة أو نقد.
ولا يمكن اختيار صاحب الدين؛ لأنه يختار الأحظ له فيظلم المدين.
ولا اختيار المدين لأنه يختار ما يضر صاحب الدين.
ولا عدلين؛ لأنه حينئذ صلح ولا إلزام في الصلح، وردُّ الدين يكون إلزاما.
ويجب الصلح حين الخوف من فتنة للأمر (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (الحجرات: ١٠) ويجب الالتزام به حينئذ.
وعلة عامة أخرى هي:
أن التقويم بالسلع يوم الاستدانة لا ينفع؛ لغلبة التغير على سعر السلع يوم الدفع عما كانت عليه حين الدين.
فإن كانت قديما غالية ثم هي اليوم رخيصة كان الضرر يسيرا، لأن الرخص قابل هبوط العملة فكان متقاربا.
وإن كانت رخيصة يوم الدين غالية يوم السداد تعذر الضبط بها.
والخلاصة أن الأمر لا ينضبط البتة.
فإن اتفقا يوم الدين على أنه يردها كذا جراماً من الذهب بثمن يوم الدين جاز، وكذا بعملة أخرى سواء رخص أم غلا السعر.
لأنها انتقلت إلى ذمته بذلك الدين من ذهب أو عملة أخرى ورضي.
والرضى وافق شرطا مباحا؛ لأن شرط دفعها بالعملة المقابلة، أو الذهب مثلا أمر مباح لا يقتضي حراما.
ولأن المؤمنين عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا، وهذا ليس منه.
ولأن الحديث أنهم كانوا يبيعون بالدنانير فيأخذون بالدراهم، فسألوا رسول الله، فقال: «لا بأس إذا كان بسعر يومه، وانصرفتما وليس بينكما شيء» (١).
стр. 753
فالحاصل أن الديون النقدية بالعملة المعاصرة ترد بمثلها عددا، ولو رخص ثمنها.
وسواء في ذلك البنوك أو المؤسسات أو الأفراد وبهذا أفتى المجمع الفقهي وهو ما نفتي به (١)
إلا في حالة وقوع فتنة بينهما فيجب الصلح وقبوله درءا للفتنة (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (الحجرات: ١٠)، ولأن رسول الله ﷺ أمر صاحب الدين أن يخصم النصف، وأمر المدين أن
стр. 754
يسلم فورا دفعا للخصومة، وكان ﷺ قد سمع ارتفاع صوتهما في المسجد لذلك (١).
وثم وجه آخر يؤيد ذلك هو أن مالك الدين المضمون غير الميئوس يؤدي زكاته كل عام مع ماله عند من يقول بذلك.
ولا أحد من العلماء يقول إنه يؤدي بالقيمة عند كساد العملة وتضخمها بعد وجوب الزكاة فيها، بل يخرج زكاته بمقدار دينه عددا لا بالتقييم مقابل السلع أو العملات أو الذهب أو الفضة. وما لم نقل بذلك لا تلزم المدين بما لا يلزم الدائن في مال واحد.
لأن الزكاة حق للفقراء مفروض. ورد الدين حق لمالكه مفروض.
فيدفع كلّا بما ثبت في ذمته لا بقيمته.
стр. 755
النوع الثاني من الأموال هو: السهم
والنوع الثاني من الأموال هو: السهم. وهو: جزء مشاع مقدر متساو مع مثله.
وشاع في الأسواق المعاصرة انقسامه إلى سهم لحامله وسهم باسم مالكه، فالثاني ظاهر في أصل الجواز والأول يجوز؛ فإن فُقِدَ وأخذه آخر فهو لُقَطَةٌ وجب تعريفها.
والواجب اتخاذ غاية الإجراءات التي تحقق حفظ الحقوق والأموال وتدفع ضياعها؛ لأن الشريعة قائمة على مقاصد كبرى، وحفظ المال منها.
فإذا كان السهم لحامله يغلب عليه ضياع المال بإمكان غلبة ذلك؛ نتيجة لعدم تسجيل اسم مالكه عليه، فإن القول بمنع إصدار مثل هذه الأسهم قريب، وعكسه عكسه.
ولا يجوز جعل أسهم ممتازة وعادية إن ترتب على الامتياز فائدة مسماة على السهم؛ لأنه ربا ظاهر. وكذا إن ترتب عليه خروج صاحب السهم الممتاز من الخسارة، أو تقديمه على غيره في تقاسم الأصول عند الإفلاس، بل الكل سواء حال الإفلاس.
والتصويت في الجمعية العمومية لمالكي الأسهم ترتيبه قائم على مراعاة المصلحة للشركاء، ولهم جعل التصويت لكل مالك، وهو الأصل.
فإن تعذر لكثرة الملاك فينتخبون منهم وكلاء كمجلس للجمعية لتسيير أمور الشركة.
ولا تفاضل في التصويت باختلاف السهم كممتاز وعادي؛ لأنه الله يأمر بالعدل والإحسان، فيعطى مالك السهم الحق في التصويت مباشرة أو بالنيابة؛ لأن له مالاً هو ناظر عليه، ووضعه في يد شركاء لا يرفع حقه في النظر، والتصويتُ من مسائل النظر مباشرةً أو نيابةً، ويمكن القول بجواز التفاضل في التصويت بحسب الأسهم (ممتاز وعادي).
ويجري في الأسهم العينية من الخلاف ما جرى في قبول العروض في الشركات، وهي مسألة قديمة، والصحيح عندي جوازه لأن مدار المنع القديم إنما هو لكثرة حصول الاختلاف عند التقويم والتحاصص، وهذا غير وارد الآن؛ لأن آليات ضبط هذه الأمور واضحة.
أما الأسهم النقدية فلا خلاف في قبولها، فإن آل الأمر في السهم العيني إلى النقد أول الشركة جاز؛ لأنه آل إلى محل إجماع بالجواز.
стр. 756
والأسهم أموال تجري فيها الزكوات بقيمتها يوم وجوب الزكاة بشرط بلوغها نصاب الذهب (٨٥ جراماً) وحال الحول عليها.
ولا تزكى بأصل رأس مالها يوم الدخول في الشركة؛ لأن هذا هو الأصل (١)، إذ الزكاة وجبت فيه وهذه قيمته يوم الوجوب، وأداء الواجب مضبوط بشروطِ وأركانِ زمنِ الوجوب لا قبله.
ولأنه يعود على الزكاة بالضرر غالبا؛ لقلة ثمن رأس مالها كثيرا عن سعرها بعد ذلك، ولا تقاس بعروض التجارة في التقويم لثبات هذه المستهلكات عادة، وقلة الفارق بين رأس المال والربح المقدر.
على أن الأصل في عروض التجارة تقويمها بثمن يوم الزكاة فيها لا بأصل رأس مالها، وإن عُدِلَ عنه استحسانا؛ فلعدم الضرر على الزكاة ولا على المالك بخلاف زكاة الأسهم فالضرر ظاهر على الزكاة.
هذا إن كانت الأسهم للتبادل التجاري، فإن كانت لا للتبادل بل ريعها فقط جرى فيها خلاف زكاة المستغلات.
والإجماع فيه على زكاة ريعه إن بلغ نصابا، وحولا. وصُوَرُه الباقية فيها خلاف (٢)،
فنبقى
стр. 757
على محل الإجماع، ولا تكليف مع اضطراب الدلالات كما هو الحال في بقية الصور.
ومن استفتى مفتيا فأفتاه في محل خلاف، لزمه؛ لأن الله أمر بسؤالهم لأجل الالتزام بالعمل، وإلا لزم محال وهو عدم فائدة التكليف بالسؤال.
ومن مات وله أسهم قسمت بين ورثته على المواريث الشرعية بتقويم يوم الوفاة؛ لأنه زمن انتقال الملك.
ويجوز أن يشترك جماعة في ملكية سهم؛ لعموم النصوص الدالة على الجواز وإطلاقها ولعدم المانع الشرعي، ويجعل التصويت لواحد اعتبارا بالسهم لا بتعدد مُلاَّكه.
ومن اشترى أسهما بقصد التورق، أي طلب النقد؛ فإن اشتراها بدين مقسط ثم باعها في السوق من ساعته بعد قبضها، أو دخولها في ملكيته عرفا، وهو القبض تقديرا؛ جاز، ولو بثمن أقل مما اشتراه؛ لأن الله أحل البيع والشراء.
стр. 758
فإن باعها لمن اشتراها منه فالأصل حل ذلك؛ لأن بيعه لها في السوق مباح، وممن اشتراها منه مباح وإحسان و (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) (الرحمن: ٦٠)، فكيف تجيز للغير، وتمنع لمن أحسن وباع بالتقسيط والدَّين؟ ولأنهما لم يقصدا الربا، والأمور بمقاصدها.
ولأن الأعمال بالنيات، ولا نية للمراباة بينهما.
وتحرم إن نوى إقراضه بفائدة، ثم أخرجا ذلك في صورة بيع؛ لأن الحيل التي تعود على أصول الشريعة بالإبطال باطلة.
ولا معرفة لباب الحيل إلا بمعرفة مقاصد النيات، فالقول بالحرمة حينئذ أمر تديني بينه وبين ربه، والقول بالبطلان متعلق بالظواهر.
فإن أظهر لنا مقصده قضينا بالمقاصد وأبطلنا المعاملة دفعا للربا.
стр. 759
النوع الثالث من الأموال: الحقوق المالية
والنوع الثالث من الأموال: الحقوق المالية.
وأصل النظر في هذا النوع هو النظر في مدى حقيقة كونه من الماليات فيعطى أحكامها فينظر: هل هو مال يصح فيه أحكام المال أو ليس بمال؟
وتعريفه بالتتبع والاستقراء هو: استحقاق ترتب عنه مال أو ترتب على مال، فما كان حقا ترتب على مال فهو الشفعة، وحق الخيار والرد بالعيب، والضمان، والكفالة، ونقل القدم، وحق التصويت في شركات الأسهم، والسبق بوضع اليد في الأمور العامة.
وحقوق الارتفاق المتعلقة بالمال كالتوابع، والمداخل، والمخارج ونحوها، وحق المسيل.
والحقوق السيادية: كالأجواء، والمداخل، والمعابر في الدولة، والمياه الإقليمية.
وأما ما ترتب عنها مال فـ: حقوق التأليف: وهو الحق الأدبي والمادي المترتب عليه. وحق الاختراع. وبيع المعلومات. والحقوق الإعلامية. وحق العلامة التجارية والاسم التجاري.
والحق الوظيفي لأنه ترتب على أمر معنوي، كالكفاءة والمواطنة ويترتب عنها مال.
والحقوق كذلك تشمل الحقوق التي لها عُلقة بالمال من أي وجه. ومنه حق التعويض عن الأضرار أثناء العمل. والحق في انتزاع الملكية الخاصة للعامة. وحق الناظر على مال الوقف، وهل هو مال يمكن التنازل عنه بمال؟
والحق في المال لحاضر قسمته، ولمن دخل بستانا، وحق الجوار، والحق العام.
فالأول (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ) (النساء: ٨)، والثاني لورود الإذن في السنة بالأكل لمن دخل بستانا غير متخذ خبنة، وأما حق الجوار فكقوله ﷺ «يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك» (١).
وأما الحق العام فهو نوع حق يدفع للدولة على أمر منصوص فيه ذلك.
والأصل في الحق المالي أنه مال باعتبار أنه يعاوض به معاوضة محضة.
стр. 760
و يمكن تقسيم الحقوق المالية إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما له تعلق بالمال من وجه أكسبه حقا معنويا .
والثاني: الحق المترتب على مال .
والثالث: الحق المترتب عنه مال .
ويمكن تعريفها تعريفا جامعا فنقول: الحقوق المالية أمور معنوية ترتبت عن مال، أو ترتب عنها مال، ويمكن المعاوضة به.
فقولنا «أمور معنوية» هي الحقوق والمنفعة التي يمكن بيعها بثمن لا ينضبط بثمن المثل عادة. وخرج بالقيد الأخير الإجارات، فهي منفعة تباع بما جرت به العادات من أجرة المثل.
وقولنا «ترتب عن مال» وذلك نحو الشفعة.
وقولنا «ترتب عنها مال» وذلك نحو الحقوق الفكرية، والعلامة التجارية.
وقولنا «ويمكن المعاوضة به»: المعاوضة هنا إنما صحت لجريان التعامل عليها الآن في هذه الحقوق، وما جرى عليه العمل اعتمد في الشرع، والحقوق كذلك، فشملها عموم (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) (البقرة: ٢٧٥)، وعموم (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩).
أولا: حقوق التأليف:
وحقوق التأليف لها اعتبار مالي الآن، ودخل فيها التعاوض، فهي مما يباع ويشترى، فصار عرفا، وهو لا يعارض الشرع؛ فشمله أصل الجواز (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) (البقرة: ٢٧٥).
وقولنا «المادية» خرج به الفكرية، فلا يجوز بيعها؛ لأن نسبة القول إلى غير قائله من الكذب؛ فحرم.
ويعظم الإثم بنيل شهادات بذلك البحث المنسوب إليه زوراً نسبة فكرية.
ومن فعل ذلك فسق وسقطت عدالته إلا إن تاب.
واما الحقوق المادية فهي حق طباعة الكتاب، ونشره، وتوزيعه تجارة، وذلك جائز بدليل قوله ﷺ «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» (١)، وهو في الصحيحين وهو دال على جواز
стр. 761
بيع المنفعة المعنوية المتعلقة بالعلم، ومنها الرقيا بالقرآن التي ورد هذا الحديث في سياقها.
ولأن الطبيب يأخذ أجرة على الإخبار بالمرض، وتقرير الدواء، ولا خلاف في جوازه، وهو إنما باع المعلومة الفكرية فقط، سواء اشترى المريض العلاج أم لا.
فإذا جاز ذلك، فمثله إذا اخبرَ الطبيبُ بالمرض وعلاجه في كتاب أرسله إلى المريض بعوض مقابل المعلومة المكتوبة، فإذا عظم الجهد وكتب كافة الأمراض وعلاجاتها في كتاب عام للناس، وباعه بيعا، فهو جهد معتبر جواز بيعه بالأولوية من بيع منفعة إخبار شخص واحد مشافهة أو بمكتوب.
وإذا كتب شخص تفسير القرآن، والحديث، وفقهه، وباع ذلك جاز لعموم «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله».
وحذف المقتضى يدل على العموم فيكون المعنى في النص «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» تعليماً وتفسيراً وكتابةً وتداوياً.
ويستثنى من هذا الدعوة، فأصلها قائم على المجانية (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) (الأنعام: ٩٠).
وكذا يستثنى تعليم فرض العين للصلاة لمن طلب التعلم كالفاتحة ونحوها من قصار السور التي تقرأ في الصلاة.
فإذا امتنع إلا بأجر أثم، وعليه تحمل الأحاديث التي تنهى عن أخذ الأجرة على تعليم القرآن؛ لأنها واردة في قضايا عينية لا على وجه العموم بخلاف «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله»، هذا ما أراه جامعا للأدلة.
الحقوق الأدبية لا تباع:
والحقوق الأدبية في التأليف، وهي نسبة التأليف إلى مؤلفه، واجب حفظها؛ لأن النسبة إلى غير المؤلف عمدا من القول الكذب والباطل، وهو محرم.
فإن كان على الله كفعل كفرة أهل الكتاب إذ نسبوا إلى الله ما لم يقل فهو كفر. والقول على رسوله ﷺ ما لم يقل إن كان قولا كفريا ففاعل ذلك عمدا مرتد، وإن كان غير كفري فهو ضال فاسق ساقط العدالة، ووجب تعزيره.
стр. 762
وإذا جُهِلَ اسم مؤلف الكتاب فينسب إلى الكتاب، ويحرم نسبة الكتاب أو ما ينقل منه إلى آخر، فإن كان عالما عامدا فهو فاسق لعموم (لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (آل عمران: ١٨٨).
وذم الفعل والتوعد عليه يدل على تحريمه، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولحديث «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» (١).
والزور من الكبائر ووصف العمل به يدل على حرمته، ولأن هذا كذب وهو من الكبائر.
ويحرم نسبة تأليف، أو قول، أو فتوى لمعتمد معتبر لم يقلها تلبيساً على الناس لما ينشر باسمه بالقبول، تسريعا لبيع الكتاب، أو طلبا للثقة بما في الكتاب من فكر وقول ولو لم يقصد التجارة، بل لخدمة فكر أو معتقد، أو فئةٍ، أو جماعة، أو حزب، أو قول.
ويحرم لو كان مقصده حسنا، كحث الناس على خير ديني كترغيب وترهيب أو دنيوي كتعاون ونحو ذلك.
فهذه الصور مشمولة بحكم التحريم شرعا، والمقصد الحسن لا يبرر الفعل السيئ بدليل «إن جماعة استهموا على سفينة ... » (٢).
ويحرم أن يقول مؤلفٌ «قلت»، ثم ينقل نص كلام لآخر بغير بيان إيهاما أنه من تحريره وقوله.
ودعوى توافق الأقوال بعيدة؛ لأن المذهب قد يتفق كثيرا، لا نَصُّ الأقوال بحروفها؛ فهو محال عادة إلا في صياغة قاعدة نحو: الحرج مرفوع، فيمكن التوافق بين مؤلفين فيها مذهبا ونصا، ولو لم يطلع أحدهما على الآخر.
ويجوز في النقل الشفوي كمحاضرة، أو نحوها من خطب، أو فتوى أن يذكر القول على جهة العموم بلا ذكر لقائل، ولا نسبة إلى نفسه، وله أن يقول قال البعض، أو الأكثر، أو الجمهور بلا تحديد لأسماء.
стр. 763
والحقوق المادية للتأليف تبقى محفوظة للمؤلف إن نص، وإلا فهي عامة إن لم ينص على أنها لجهة تبرعا أو معاوضة، إلا إن جرى العرف على حفظ الحقوق المادية، نص أو لم ينص؛ لأن المعروف عرفا كالمشروط شرطا.
والمعاوضة هنا هي أشبه بالمعاوضات غير المحضة، بل هي على سبيل التعويض، والإكرام، والمكافأة، فالمؤلف إذا أعطى الحقوق المادية لجهة، فإنها عادة تشتريها تجارةً مقصود منها الربح، ومنه ما يكون طائلا ويندر الخسارة، ومقابل ذلك يعوض المؤلف بما يتراضى عليه.
وليس فيها غبن فاحش في الأصل؛ لعدم ضبط تقويمها بالتحديد الغالب في السوق، ولا يكون غبن إلا بثمن مثل معتادٍ عرفا، والله يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (النساء: ٢٩).
والتجارة يحددها العرف العادل، فالناشر متاجرٌ والمؤلف ليس كذلك في الأصل، إذْ التجارة بالنسبة للتأليف تبع لا أصل، ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصول.
ولأن المؤلف محسن (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) (الرحمن: ٦٠)، وهذا أمر عام بصيغة الإنشاء الاستفهامي الإنكاري المراد به الأمر بالإحسان مقابل الإحسان، ولحديث «من أحسن إليكم فكافئوه» (١).
الإكرام على الاختراعات والتآليف:
فجميع الاختراعات والتآليف النافعة هي إحسان عام للأمة، فيجب شرعا إكرام المخترع والمؤلف في كل نافع للناس، والوجوب هنا أصلاً على الدولة؛ لأن هذا من المصالح العامة للأمة، والأصل في المصلحة العامة أن تقوم بها الدولة وبوسائلها. والبحث والاختراع والتآليف من هذا الباب.
ويجوز مع التشجيع والإكرام من الدولة للمخترع بيع اختراعه؛ لأن بيع المعلومة والمنفعة
стр. 764
جائز، أما إن كان متعاقدا مع شركة منتجة براتب أو بنسبة على أن ما اخترعه يعتبر ملكا لها فلا يحق له بيعه لأنه أجير أو مستصنع.
بدليل ما سبق، ولأن من أخبرك عن شيء مباح تنتفع به بشرط العوض إن كان كما قال جاز له ذلك جعالة، وهذه معلومة جرى فيها عقد معاوضة محضة، ومن بشر ببشارة وشارط على المعاوضة جاز له ذلك، فإن لم يشارط فأعطي جاز؛ لحديث الثلاثة الذين خلفوا وإعطاء من بشرهم بالتوبة كساء (١)، وكان قد جرى العرف على هذا وأقره الشرع.
والمعروف عرفا كالمشروط شرطا، وقد جرى العرف على حق البشارة مكارمةً، وأقرها الشرع وأمر بالمكافأة عموما «من أحسن إليكم فكافئوه» (٢).
بذل المال على المعلومة والمراهنة على ذلك:
وبذل المال لمعلومة نافعة عامة على سبيل الإلزام جائز ورد في مراهنة أبي بكر مع مشرك بمئة من الإبل مقابل مئة إن غلبت الروم في بضع سنين، ففاز بها أبو بكر، وكان فيها مصلحة عامة للإسلام والمسلمين (٣).
стр. 765
ومن قال إنها منعت بعد تحريم القمار فقد أخطأ؛ لأن القمار هو بذل العوض على عوض مجهول يغلب فيه الضرر، والغرر، والغبن الفاحش على المقامر بخلاف قضية أبي بكر في المراهنة، فهو بذل عوض معلوم مقابل عوض معنوي مصلحي معتبر عام محقق، فقد بذل مئة من الإبل وهو متيقن أن الروم ستغلب الفرس في بضع سنين، للنص القطعي في القرآن، بخلاف المقامرة؛ لأنها قائمة على الجهالة وأكل المال الباطل وعدم النفع.
فما كان مثل قضية أبي بكر جاز.
فإذا تراهن اثنان على صحة أبحاث علمية من عدمها، كالمراهنة على بطلان نظرية داروين في قردية الإنسان ونشرت المراهنة واشتهرت جاز؛ لشهادة القرآن على بطلانها.
وكمناظرة عامة متلفزة على بطلان أو صحة أمر من الأمور التي يتعلق بها مصلحة، كدفع اتهام بفساد نسب إلى جهة بعينها فلا مانع منه عند تيقن صحة المآل؛ لكون المراهنة حينئذ سببا لكشف الحقائق، ودفع المفاسد.
стр. 766
أو كمناظرة لإثبات البشارة بمحمد ﷺ في الكتب السابقة.
وضبط المراهنة الجائزة يمكن استنباطه من قصد أبي بكر ونحوها أن نقول المراهنة المشروعة هي: دفع عوض معلوم لإثبات مصلحة مادية ومعنوية محققة أو غالبة يدفع بها ضرر عنه، أو عن العامة.
فخرج بقولنا «محققة أو غالبة»: القمار على الحظ؛ لأنه يغلب عليه الضرر.
وخرج بقولنا «يدفع بها ضرر»: المسابقات الفضائية بالأسئلة الثقافية التي يربح عند الإجابة الصحيحة، ثم يضع ماله الذي ربحه على المراهنة، للسؤال الثاني، فإما أن يخسر كلاًّ، أو بعضا، أو يربح، فهذا قمار لوضعه مالاً معاوضاً به على مجهول شديد الغرر والخطر والضرر.
وقولنا «مادية أو معنوية»: فأما المادية فمصلحة المراهنة على سباق الخيل، وقد ثبت ذلك عنه ﷺ (١).
وأما المعنوية فهي كصدق خبر أو إثبات معلومة كما مر في قضية الصديق ﵁.
بيع المعلومات:
وبيع المعلومات لا يخلو من أن يكون البائع قد خسر في تحصيلها أموالا، أو لا.
فالثاني نادر وأكثره في نشاط فردي (٢)، وبيعه جائز على الأصل، إلا إن اشتمل على مانع شرعي.
أما الأول فهو الأصل الذي تقوم عليه مراكز البحث والاختراع والمعلومات والاستشارات.
فهي لا تحصل على المعلومات إلا بأموال وتكاليف ونفقات تشغيلية وتمويل للأبحاث والاختراعات وتوظيف لخبراء ومستشارين، فالمعلومة مكلفة لهم، فمزاولتهم العمل على
стр. 767
سبيل التجارة والربح والاستثمار، فجاز لهم المعاوضة عليها لعموم النصوص في جواز التجارة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩).
فالأصل الشرعي حل العمل التجاري ولا يستثنى إلا ما قطع بتحريمه كالربا والغرر والغش والخداع، ولا يوجد في تجارة المعلومات في الأصل ذلك فكانت مباحة، فإن وجد حرم في ذلك الشيء لا في كل شيء.
بيع المعلومات المخابراتية:
وبيع المعلومات الاستخبارية ضد العدو المحارب ولو تجارةً جائزٌ على أصل جواز التجارة، وحل البيع، إلا إن تعلق بها محرم كتسليم مسلم، أو مسالم مستجير ولو كافرا.
أما بيع المعلومات التجسسية لأجهزة الأمن في الدولة على مواطنيها فهو عمل محرم في الأصل لعموم (وَلا تَجَسَّسُوا) (الحجرات: ١٢)، ولأن ضرره متحقق على الشعب بدليل ما عُرِفَ من الأنظمة البوليسية الديكتاتورية التي ما جنى منها شعب سوى القمع والإذلال والإرهاب، وتكريس حماية سلطة فرد مفسد في الأرض، وتصفية الخصوم السلميين غير المقاتلين من حملة الحق من علماء، وساسة، وقادة، وأفراد.
ولحديث «من أكل بمسلم أكلة أطعمه الله مثلها في جهنم» (١).
بيع الإنتاجات الإعلامية:
ويجوز بيع الإنتاجات الإعلامية من صور أو صوتيات أو فيديو على الأصل؛ لأنها من التجارات الرائجة التي جرى التعامل بها اليوم، فيشملها أصل الإباحة، وتحرم إن اشتملت على محرم وأدت إلى مفاسد مؤثرة معتبرة في الفتوى بالمنع.
ثانيا: حق نقل القدم أو بدل الخلو:
حق نقل القدم أو بدل الخلو عبارة عن تنازل من المستأجر السابق لمستأجر جديد مقابل تعويض مالي يتفق عليه، وهو جائز في الأصل؛ لأن العرف يعده من الحقوق التجارية.
стр. 768
والتجارة مباحة على العموم (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩).
ولم يمنع منه مانع شرعي صحيح صريح؛ فبقي حل نقل القدم بعوض على أصل الإباحة التجارية المنصوصة.
فإن انتهى عقده، وأراد صاحب الملك أخذَ العقار فله ذلك، ولا يحق للمستأجر منعه بعلة دفعه لسابق نقل قدم ولو كثيرا.
لأن حبس الحقوق عن أصحابها غصب، وغرامته للسابق الذي دفع بدل الخلو لمن قبله لا يصلح علة لحبس المحل حتى يجد آخر يدفع له بدلا؛ لأن انتهاء العقد يقطع حق المستأجر، ويعيد ملك المنفعة إلى مالك العقار.
وهو على الخيرة في قبضه لنفسه أو عقده لمستأجر آخر؛ ولأنه لا تصرف في مال أحد تصرفا شرعيا إلا بولاية نظر، أو وكالة، أو عقد منفعة بعوض أو بغير عوض.
فولاية النظر تكون على مال القاصر أو السفيه بأمر الحاكم، والوكالة عقد تصرف مشروط للغير نيابة عن المالك. وعقد المنفعة بعوض كالإجارة، وبغير عوض كالهبة والعارية والعمرى والرُّقبى.
وكان تصرف المستأجر بعقد منفعة بعوض، وقد انتهى ولا تعلق له بصورة شرعية أخرى مما سبق ولم يبق سوى الغصب.
فإن كان العرف جاريا بين الناس في هذه الإجارة أن له حق الانتظار لمستأجر آخر يبيعه بدل الخلو جاز؛ لأن المعروف عرفا كالمشروط شرطا؛ ولأن الشروط التجارية في عرف التجار كالمنطوقات.
إلا إن تيقن أن صاحب الملك يقبضه لنفسه فله انتزاعه منه، ولا يجب عليه تعويضه ببدل نقل القدم، إلا إن كان على جهة الصلح والمطايبة؛ لأن الصلح خير كما في النص (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) (النساء: ١٢٨)، وهذا عام.
ثالثا: حق الشفعة:
وهو حق مترتب على مال بالجوار المشترك، أو الشراكة المشاعة، ويُثْبِتُ تقديماً في الشراء ولو بفسخ شراء أجنبي.
стр. 769
فقولنا «مال بالجوار المشترك» قلنا ذلك عملا بحديث «الجار أحق بسقبه» (١)، وقد أطلقت الحنفية الشفعة بالجوار بهذا، ومنع الأئمة الثلاثة الشفعة للجار؛ لحديث جابر «إذا وقعت الحدود والطرقات فلا شفعة» (٢).
والصحيح الذي نراه مطابقا للنصوص جميعا ومطابقا للواقع العملي أن الجوار إذا كان منفصلا بالمداخل والمخارج ولم يبق بينهما سوى لفظ الجوار فلا شفعة. وعليه صريح حديث جابر.
أما إن كان الجوار مشتركا في نفس الأرض، ولا تفصل بينهما سوى علامة من وضع حجر، أو غرز حديدة، أو علامة شجرة، والمداخل والمخارج مشتركة فهذه يشفع فيها بالجوار وعليها يحمل حديث «الجار أحق بسقبه».
ولذا قلنا في التعريف بالجوار المشترك، احترازا عن الجوار المنفصل.
وقلنا «أو الشراكة المشاعة»: وهي ما قبل القسمة بين الشركاء، فالشفعة فيها مشروعة بدلالة النصوص والإجماع.
وإطلاق النصوص يدل على إثبات حق الشفعة ولو قل النصيب، فإن كان الشركاء جماعة وشفعوا جميعا جاز على عدد الرؤوس بالتساوي وجاز على حسب نسبة ملك كل شخص لاندراج هذه الكيفية في عموم الإطلاق بلا تفصيل، فعلم جوازهما؛ ولدخولها تحت قوله تعالى (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١).
فكل مسألة لم يحرمها الله فهي من العفو بالنص.
فإن اختصموا فالقول قول صاحب الملك في اختيار الأنسب له؛ لأن له حق تقدير دفع
стр. 770
الضرر عن نفسه، وقد تضرر بفسخ البيع السابق، فلا يتضرر بتنازع الشركاء، فيدفع الضرر بالضرر بل له النظر لأنه مالك له حق البيع لمن شاء في الأصل.
واستثنيت الشفعة دفعا للضرر عن الشركاء، فلا تجعل ضررا على المالك؛ لأنه لا ضرر ولا ضرار.
رابعا: حق العلامة التجارية:
الأصل في كل ما يعتبر عرفا أنه تجارة عموم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (النساء: ٢٩).
فأخرج التجارات القائمة على الرضى من دائرة أكل أموال الناس بالباطل.
والعلامة التجارية هي حق تجاري مباح «ومن سبق إلى مباح فهو أولى به» (١). والتصرف بها يعتبر تجارةً معتبرةً في العرف المحلي والدولي، ولأنه لم يرد مانع شرعي صحيح صريح خال عن المعارضة يخرجها عن أصل عموم النص في الحل التجاري.
خامسا: حق الخيار:
أما حق الخيار فهو أنواع:
أ- فمنها خيار المجلس:
وهو الحق في الرجوع عن عقد الصفقة ما دام أطراف العقد في مجلس العقد لم يفترقا لحديث الصحيحين «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» (٢).
ب- ومنها خيار الشرط:
والأصل جوازه لعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١)، وخيار الشرط جزء مقصود من العقد ولعدم المانع الصحيح الصريح، ومدته راجعة إلى التقدير والتراضي؛ لعموم (إِلاَّ أَن تَكُونَ
стр. 771
تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩).
ومن قدره بثلاث ليال أو بشهر فقد حكَّم عرفه في زمنه (١)، ولا يصلح إمضاؤه على زمن وعرف آخر كعصرنا، بل نرجع في هذا إلى النصوص ولم يُشترط فيها سوى التراضي، فإذا رضي الطرفان أجزنا، وإلا فالمنع مطلقا؛ لأن صحة العقد التجاري قائم على التراض (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩).
ج- خيار العيب الضار:
وهو خيار جائز، سواء نص عليه في العقد أم لا؛ لأن العقد لا يتضمن الضرر، فإن اطلع على عيب فاحش ينقص الثمن نقصا فاحشا لا يتسامح بمثله، والسلامة منه غالبة.
فالمشتري بالخيار لظهور اختلال شرط في صحة العقد وهو الرضى، فإن اطلع على العيب قبل العقد فهو صحيح لتمام الرضى؛ فإن اطلع عليه بعده ورضي بقول أو فعل أو تصرف بالسلعة على وجه الرضى فالعقد صحيح لتوفر شرطه وهو الرضى.
د- خيار الغبن:
وهو خيار لمن يطلع على غبن فاحش في ثمن السلعة مما لا يتسامح في مثله، وهو جائز. ويجوز اشتراطه لحديث الصحيحين «إذا بعت فقل لا خلابة» (٢).
والخيارات كثيرة غير هذه تراجع في المطولات، وما ذكرنا من الخيارات هي أكثر ما يدور في الفقه العملي.
سادسا: حق التعويض عن الضرر أثناء العمل:
لا بد قبل أن نقضي في مسألة التعويض من الضرر أثناء العمل أن نؤصل بأصول:
الأصل الأول: الأموال والأنفس مضمونة قطعا.
الأصل الثاني: من أتلف نفسا أو مالا فالأصل الضمان قطعا.
стр. 772
الأصل الثالث: لا ضمان إلا بمباشرة فعل الإتلاف، أو تسببٍ متلفٍ عادة.
أما دليل الأصل الأول فقوله ﷺ «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام» (١)، ولعموم قوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ) (البقرة: ١٧٨)، وهذا يدل على ضمان الأنفس.
وحرمة الأموال والأنفس تقتضي حفظها وأنها مضمونة، ولأن حفظها من مقاصد الشريعة الستة.
أما دليل الأصل الثاني فعموم قوله تعالى (وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا) (الأنعام: ١٦٤)، وعموم (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) (البقرة: ٢٨٦)، وعموم (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠).
فمن أتلف نفسا أو مالا فالجزاء بمماثلة الإتلاف، وهو في النص القصاص، والدية تخفيف (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) (البقرة: ١٧٨).
وفي الأموال بالثمن، فإذا جاز المال بدل النفس تعويضا فالمال بدل المال من باب أولى.
ولقوله (فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ) (المائدة: ٩٥)، فقضى في المال أنه يعوض بمثله بحكم عدلين في تقدير المماثلة، ولحديث «طعام بدل الطعام وإناء بدل الإناء» (٢).
стр. 773
أما دليل الأصل الثالث فقوله تعالى (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام: ١٦٤)، فهذا يدل على المسئولية الشخصية عن الفعل، وعلى عدم تحميل شخص فعل آخر لا علاقة له به.
وإذا علم هذا:
فالله يقول (وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَا) (البقرة: ١٩٥)، فمن ألقى بنفسه أو بغيره إلى التهلكة سواء باشر التهلكة، أو تسبب في التهلكة ضمن.
والمتسبب في التهلكة هو: من عمل محرما غير مأذون فيه شرعا هلك به غيره.
أما من عمل مباحا أو مشروعا فتسبب في هلاك شخص أهلك نفسه لأن سببه ليس من المشروع بل من نفسه.
فأصل الضمان قائم على مباشرة فعل الإتلاف، أو التسبب المتلف بغير المشروع، أما المباشرة فهي: مباشرة فعل الإتلاف بعمل يحصل به التلف عادة، أو كل فعل يحصل به التلف عادة.
ليشمل المباشرة والسبب القائم مقامها ولا يفعل إلا للإتلاف نحو قطع بآلة حادة لنفس أو عضو منها، أو ضرب بحجر تقتل عادة، أو بإعطاء سم في طعام أو دواء، أو إشعال نار في نفس أو عضو أو مال أو بتيار كهربائي قاتل، أو رمي بحجر متلف، أو رمي به في صحراء متلفة، أو حبسه بلا ماء ولا غذاء حتى الموت، أو وضعه في غرفة مغلقة لا تتسع إلا له، وإدخال حية مهلكة فلدغته، أو وحش لا يمكن له دفعه كأسد فقتله.
أو حقنه بالإيدز أو بطاعون مهلك، أو وضع لغم في سيارته أو طريقه أو مكتبه أو محله، أو رميه برصاص، أو اتباعه بسيارة لدهسه فقتل، أو منع الهواء عنه حتى قتل اختناقا.
стр. 774
فجميع هذه الأفعال: لا ترتكب إلا للقتل والإتلاف.
والأصل فيها القصاص إلا بعفو إلى الدية ممن له العفو من ولي الدم.
أما التسبب، فإن كان فعل السبب مشروعا كحفر بئر في ملكه، فسقط فيه شخص، أو بناء بيت صعد فيه شخص فسقط، أو سقط عليه حجر بغير فعل فاعل حال البناء وهو أجير يعمل فيه.
فهذ النوع هو: مما فعل، والسبب فيه مباح، ولا ينسب إلى فاعله إتلاف عادةً. ولا ضمان ولا كفارة؛ لأن الشخص ألقى بنفسه بفعله إلى التهلكة لا بفعل غيره.
ومثله من رمى نفسه أمام سيارة مسرعة، فلا ضمان ولا كفارة؛ لأنه عَمِل محرما قطعا وألقى بنفسه إلى التهلكة، وذلك عامل بمباح شرعا وهو السير في الطريق ولا يمكن نسبة خطأ أو تفريط إليه.
ومثله من عكس السير فساق مركبته في اتجاه مصادم لغيره، ولا يمكن تفاديه فالضمان والكفارة على العاكس.
ومنه كذلك من غرقت سفينته وعليها ركاب كثيرون فلا ضمان عليه؛ لأنه عمل بعمل مشروع إلا إن ثبت الضرر من جهة إهمال سفينته من صيانة ونحو ذلك، وكان ركوبها يحتمل الخطر الكثير.
فالحاصل من هذا النوع أن تكون قاعدته: الأفعال المشتركة في الإتلاف الضمان منها على فاعل الفعل المحرم شرعا؛ لأنه ألقى بنفسه إلى التهلكة، ولا ضمان على من فعل الفعل المشروع المباح من كل جهة أصلية أو طارئة.
وقولنا «أصلية»: أي أصل الفعل على المشروعية والإباحة.
وقولنا «طارئة»: أي الطوارئ التي قد يتغير بها الحكم من الإباحة إلى المنع كركاب سفينة متقادمة تغرق إذا تعرضت لحادث عادي لا يغرق مثله، فغرقها لأجل تقادمها وعدم صيانتها لا للحادث.
فهنا يتغير حكم الأصل وهو الإباحة إلى حكم المنع لعارض أجنبي هو التقادم المضر الذي لا يتسامح في مثله، بل يضر مثله عادة.
стр. 775
وعلى هذا التأصيل نقول:
إن أصحاب المصانع والشركات الذين يشغلون اليد العمالية أصل عمل الطرفين العامل وصاحب العمل مباح مشروع.
فإذا حصل تلف للعامل في عضو ووقع عليه الضرر في عمله فلا يخلو من ثلاث صور:
الأولى: عدم ارتكاب غيرمأذون فيه فتثبت هنا الإباحة التامة من كل الجهات، فالعامل محسن غير مسيء، وصاحب العمل محسن غير مسيء، فآلاته مصونة لا يمكن أن يترتب عليها ضرر في الأصل.
ففي هذه المسألة لا ضمان على صاحب العمل؛ لأنه محسن (وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ١٩٥)، و (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) (الرحمن: ٦٠)، وتضمينه إساءة.
أما العامل فهو محسن كذلك والله يقول (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) (الرحمن: ٦٠)، فقطع يده بحادث في المصنع مثلا مع إحسانه في مسالك الأمان والعمل يقتضي الإحسان إليه بالأمر.
ويكون الإحسان ممن أحسن إليه العامل وهو صاحب العمل، فحصل تبادل الإحسان من الطرفين، فالعامل لا يُضمِّن صاحب العمل بقصاص ولا دية، فيجب هنا مبلغ مالي مقابل الضرر تعاونا لا ضمانا، والتعاون على البر والتقوى واجب في الجملة إحسانا لأمر الله به، وتسميته تعويضا لا ضمانا؛ لأن الضمان يوجب كمال العِوض المقدر شرعا من أرش الجناية بخلاف التعويض فهو قائم على الصلح والبر.
الحالة الثانية: إن كان الإحسانُ من صاحب العمل بسلامةِ آلاته وغلبة أمان استعمالها لكن قصر العامل فأدخل نفسه في محل لا يمكن دخوله إلا بتلف شيء منه، فهنا لا ضمان، والعامل ملق بنفسه إلى التهلكة ويندب التعاون في التعويض.
الحالة الثالثة: ثبوت الإحسان من العامل بِسَيْرِه بإتقان وأمان في عمله بلا مخالفة ولا تفريط، ووقع الخلل من جهة صاحب العمل بتقصيره باتخاذ إجراءات السلامة لعماله بحيث يكثر أو يمكن لأجل التقصير في الصيانة من حدوث إتلاف، أو ضرر على عامل سببه ترك الصيانة قطعا أو غلبة.