← Фикх общий

Фикх общий · id 130550

المقدمة في فقه العصر

فضل مراد

Полный текст (1 109 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩). ومن قدره بثلاث ليال أو بشهر فقد حكَّم عرفه في زمنه (١)، ولا يصلح إمضاؤه على زمن وعرف آخر كعصرنا، بل نرجع في هذا إلى النصوص ولم يُشترط فيها سوى التراضي، فإذا رضي الطرفان أجزنا، وإلا فالمنع مطلقا؛ لأن صحة العقد التجاري قائم على التراض (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩). ج- خيار العيب الضار: وهو خيار جائز، سواء نص عليه في العقد أم لا؛ لأن العقد لا يتضمن الضرر، فإن اطلع على عيب فاحش ينقص الثمن نقصا فاحشا لا يتسامح بمثله، والسلامة منه غالبة. فالمشتري بالخيار لظهور اختلال شرط في صحة العقد وهو الرضى، فإن اطلع على العيب قبل العقد فهو صحيح لتمام الرضى؛ فإن اطلع عليه بعده ورضي بقول أو فعل أو تصرف بالسلعة على وجه الرضى فالعقد صحيح لتوفر شرطه وهو الرضى. د- خيار الغبن: وهو خيار لمن يطلع على غبن فاحش في ثمن السلعة مما لا يتسامح في مثله، وهو جائز. ويجوز اشتراطه لحديث الصحيحين «إذا بعت فقل لا خلابة» (٢). والخيارات كثيرة غير هذه تراجع في المطولات، وما ذكرنا من الخيارات هي أكثر ما يدور في الفقه العملي. سادسا: حق التعويض عن الضرر أثناء العمل: لا بد قبل أن نقضي في مسألة التعويض من الضرر أثناء العمل أن نؤصل بأصول: الأصل الأول: الأموال والأنفس مضمونة قطعا. الأصل الثاني: من أتلف نفسا أو مالا فالأصل الضمان قطعا.

стр. 772

الأصل الثالث: لا ضمان إلا بمباشرة فعل الإتلاف، أو تسببٍ متلفٍ عادة. أما دليل الأصل الأول فقوله ﷺ «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام» (١)، ولعموم قوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ) (البقرة: ١٧٨)، وهذا يدل على ضمان الأنفس. وحرمة الأموال والأنفس تقتضي حفظها وأنها مضمونة، ولأن حفظها من مقاصد الشريعة الستة. أما دليل الأصل الثاني فعموم قوله تعالى (وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا) (الأنعام: ١٦٤)، وعموم (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) (البقرة: ٢٨٦)، وعموم (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠). فمن أتلف نفسا أو مالا فالجزاء بمماثلة الإتلاف، وهو في النص القصاص، والدية تخفيف (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) (البقرة: ١٧٨). وفي الأموال بالثمن، فإذا جاز المال بدل النفس تعويضا فالمال بدل المال من باب أولى. ولقوله (فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ) (المائدة: ٩٥)، فقضى في المال أنه يعوض بمثله بحكم عدلين في تقدير المماثلة، ولحديث «طعام بدل الطعام وإناء بدل الإناء» (٢).

стр. 773

أما دليل الأصل الثالث فقوله تعالى (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام: ١٦٤)، فهذا يدل على المسئولية الشخصية عن الفعل، وعلى عدم تحميل شخص فعل آخر لا علاقة له به. وإذا علم هذا: فالله يقول (وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَا) (البقرة: ١٩٥)، فمن ألقى بنفسه أو بغيره إلى التهلكة سواء باشر التهلكة، أو تسبب في التهلكة ضمن. والمتسبب في التهلكة هو: من عمل محرما غير مأذون فيه شرعا هلك به غيره. أما من عمل مباحا أو مشروعا فتسبب في هلاك شخص أهلك نفسه لأن سببه ليس من المشروع بل من نفسه. فأصل الضمان قائم على مباشرة فعل الإتلاف، أو التسبب المتلف بغير المشروع، أما المباشرة فهي: مباشرة فعل الإتلاف بعمل يحصل به التلف عادة، أو كل فعل يحصل به التلف عادة. ليشمل المباشرة والسبب القائم مقامها ولا يفعل إلا للإتلاف نحو قطع بآلة حادة لنفس أو عضو منها، أو ضرب بحجر تقتل عادة، أو بإعطاء سم في طعام أو دواء، أو إشعال نار في نفس أو عضو أو مال أو بتيار كهربائي قاتل، أو رمي بحجر متلف، أو رمي به في صحراء متلفة، أو حبسه بلا ماء ولا غذاء حتى الموت، أو وضعه في غرفة مغلقة لا تتسع إلا له، وإدخال حية مهلكة فلدغته، أو وحش لا يمكن له دفعه كأسد فقتله. أو حقنه بالإيدز أو بطاعون مهلك، أو وضع لغم في سيارته أو طريقه أو مكتبه أو محله، أو رميه برصاص، أو اتباعه بسيارة لدهسه فقتل، أو منع الهواء عنه حتى قتل اختناقا.

стр. 774

فجميع هذه الأفعال: لا ترتكب إلا للقتل والإتلاف. والأصل فيها القصاص إلا بعفو إلى الدية ممن له العفو من ولي الدم. أما التسبب، فإن كان فعل السبب مشروعا كحفر بئر في ملكه، فسقط فيه شخص، أو بناء بيت صعد فيه شخص فسقط، أو سقط عليه حجر بغير فعل فاعل حال البناء وهو أجير يعمل فيه. فهذ النوع هو: مما فعل، والسبب فيه مباح، ولا ينسب إلى فاعله إتلاف عادةً. ولا ضمان ولا كفارة؛ لأن الشخص ألقى بنفسه بفعله إلى التهلكة لا بفعل غيره. ومثله من رمى نفسه أمام سيارة مسرعة، فلا ضمان ولا كفارة؛ لأنه عَمِل محرما قطعا وألقى بنفسه إلى التهلكة، وذلك عامل بمباح شرعا وهو السير في الطريق ولا يمكن نسبة خطأ أو تفريط إليه. ومثله من عكس السير فساق مركبته في اتجاه مصادم لغيره، ولا يمكن تفاديه فالضمان والكفارة على العاكس. ومنه كذلك من غرقت سفينته وعليها ركاب كثيرون فلا ضمان عليه؛ لأنه عمل بعمل مشروع إلا إن ثبت الضرر من جهة إهمال سفينته من صيانة ونحو ذلك، وكان ركوبها يحتمل الخطر الكثير. فالحاصل من هذا النوع أن تكون قاعدته: الأفعال المشتركة في الإتلاف الضمان منها على فاعل الفعل المحرم شرعا؛ لأنه ألقى بنفسه إلى التهلكة، ولا ضمان على من فعل الفعل المشروع المباح من كل جهة أصلية أو طارئة. وقولنا «أصلية»: أي أصل الفعل على المشروعية والإباحة. وقولنا «طارئة»: أي الطوارئ التي قد يتغير بها الحكم من الإباحة إلى المنع كركاب سفينة متقادمة تغرق إذا تعرضت لحادث عادي لا يغرق مثله، فغرقها لأجل تقادمها وعدم صيانتها لا للحادث. فهنا يتغير حكم الأصل وهو الإباحة إلى حكم المنع لعارض أجنبي هو التقادم المضر الذي لا يتسامح في مثله، بل يضر مثله عادة.

стр. 775

وعلى هذا التأصيل نقول: إن أصحاب المصانع والشركات الذين يشغلون اليد العمالية أصل عمل الطرفين العامل وصاحب العمل مباح مشروع. فإذا حصل تلف للعامل في عضو ووقع عليه الضرر في عمله فلا يخلو من ثلاث صور: الأولى: عدم ارتكاب غيرمأذون فيه فتثبت هنا الإباحة التامة من كل الجهات، فالعامل محسن غير مسيء، وصاحب العمل محسن غير مسيء، فآلاته مصونة لا يمكن أن يترتب عليها ضرر في الأصل. ففي هذه المسألة لا ضمان على صاحب العمل؛ لأنه محسن (وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ١٩٥)، و (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) (الرحمن: ٦٠)، وتضمينه إساءة. أما العامل فهو محسن كذلك والله يقول (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) (الرحمن: ٦٠)، فقطع يده بحادث في المصنع مثلا مع إحسانه في مسالك الأمان والعمل يقتضي الإحسان إليه بالأمر. ويكون الإحسان ممن أحسن إليه العامل وهو صاحب العمل، فحصل تبادل الإحسان من الطرفين، فالعامل لا يُضمِّن صاحب العمل بقصاص ولا دية، فيجب هنا مبلغ مالي مقابل الضرر تعاونا لا ضمانا، والتعاون على البر والتقوى واجب في الجملة إحسانا لأمر الله به، وتسميته تعويضا لا ضمانا؛ لأن الضمان يوجب كمال العِوض المقدر شرعا من أرش الجناية بخلاف التعويض فهو قائم على الصلح والبر. الحالة الثانية: إن كان الإحسانُ من صاحب العمل بسلامةِ آلاته وغلبة أمان استعمالها لكن قصر العامل فأدخل نفسه في محل لا يمكن دخوله إلا بتلف شيء منه، فهنا لا ضمان، والعامل ملق بنفسه إلى التهلكة ويندب التعاون في التعويض. الحالة الثالثة: ثبوت الإحسان من العامل بِسَيْرِه بإتقان وأمان في عمله بلا مخالفة ولا تفريط، ووقع الخلل من جهة صاحب العمل بتقصيره باتخاذ إجراءات السلامة لعماله بحيث يكثر أو يمكن لأجل التقصير في الصيانة من حدوث إتلاف، أو ضرر على عامل سببه ترك الصيانة قطعا أو غلبة.

стр. 776

فهذا يحكم فيه بالضمان على صاحب العمل؛ لأنه تسبب في الإلقاء بغيره إلى التهلكة، ففعله غير مشروع بطروء هذا الخلل. هذا ما فتح الله به من النظر في هذه المسألة، والله أعلم. ودفعا لمفسدة الاختلاف فينبغي سن نصوص قانونية أو شرطية في العقد، فإن نص لزم إلا على باطل. سابعا: الدرجات الوظيفية: الدرجة الوظيفية حق يترتب عليه مال بالإجارة. فإن أراد التنازل عنها لآخر مؤهل جاز، ولو بعوض؛ لأن الله أحل البيع (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) (البقرة: ٢٧٥)، وهذا عموم، والأصل حل كل بيع كلي نافع وهذا منه، والأصل عدم المانع، ولم نقل تجارة ولم نستدل بنصها؛ لأن بيع مثل هذه لا يقصد به التجارة عادة. ثامنا: حقوق الارتفاق: وحقوق الارتفاق في الأموال كحق الشرب والسقي والمداخل والمخارج حقوق تابعة للأموال، ويجوز التنازل عن شيء من ذلك بمال؛ لأنه يجري مجرى المال. ولأن الأصل الإباحة العامة، ومن ادعى التحريم لزمه الدليل الصحيح الصريح الخالي عن المعارض. تاسعا: حق التصويت في شركات الأسهم: وحق التصويت في شركات الأسهم للملاك أو نوابهم جرى العرف ألا يتنازل عنها بمال، والعرف عادة محكمة يقرها الشرع، فإن تغير جاز على أصل الإباحة. عاشرا: حق النظارة على الوقف ومال اليتيم: وحق النِّظارة على مال الوقف واليتيم لا مانع من المعاوضة عنه بمال لآخر كفء لذلك، وهو إكرام وإحسان. الحادي عشر: حق حاضر القسمة: ومن حضر قسمة المال فحقه إعطاؤه منه بالنص (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) (النساء: ٨).

стр. 777

الثاني عشر: الحق العام والحق السيادي: وأما الحقوق العامة للدولة، أو الحقوق السيادية، فالقاعدة فيها أن الدولة تتصرف فيه بما يخدم عامة الشعب، وما جرى العرف الرسمي الدولي والمحلي على المعاوضة عليه جاز كحقوق الأجواء والمياه الإقليمية وحق المرور من أرض الدولة، وحق المضايق والمعابر ونحو هذا. فإنها حقوق سيادية كبرى تجري فيها معاملة العرف الدولي بسعر المثل، ويحرم دونه؛ لأنه خلاف النظر إلا ما يتسامح فيه ولا يعد إضرارا. ويحرم التنازل عن أي حق من ذلك بلا عوض إلا فيما جرى العرف الإنساني والدولي عليه، كنقل الإغاثات وموادها والحملات الإنسانية. وكل حق عام صحيح يتعلق به مال، فإن استغلاله للمصلحة العامة من مقتضيات عقد الولاية الواجب الوفاء (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١). ويحرم التفريط المضر بما لا يتسامح في مثله، ويضمن مرتكبه بحسبه. الثالث عشر: حق انتزاع الملكية: وانتزاع الملكية الشخصية للمصلحة العامة بتعويض عادل مع شدة الحاجة له وعدم البديل جائز؛ لأن المصلحة العامة مقدمة على الخاصة، ولإمكان التعويض عن المصلحة الخاصة بما يدفع الضرر فجاز. وقلنا «بتعويض عادل»؛ لأنه إن خرج عن العدل حرم انتزاع الملكية؛ لأن الله حرم أكل أموال الناس بالباطل، وأجاز تجارة مرضية، وهذه ليست كذلك. وقولنا «مع شدة الحاجة العامة» شرط، فإن لم تشتد الحاجة حرم انتزاع الملكية الشخصية؛ لأنه عدوان وضرر (وَلاَ تَعْتَدُوا) (البقرة: ١٩٠)، (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: ٢). وقولنا «وعدم البديل» شرط؛ لأنه إن وجد بديل حرم الإضرار به، إذ لا ضرورة ملجئة له، والمحضورات إنما تبيحها الضرورات، ولا ضرورة هنا.

стр. 778

فإذا توفرت الشروط جاز، ويكون ذلك من التعاون على البر والتقوى، ولأنه بهذه الشروط دُفِع الضرر وخُدمت المصالح العامة والخاصة، فكان مباحا. فإذا أمرت به الدولة لزم طاعتها في ذلك المباح المتعلق به مصالح عامة غير المشتمل على مظالم خاصة. ولأنه لو امتنع مع التعويض العادل وشدة الحاجة وعدم البديل أصبح مضارا للناس بلا مبرر يسوغ ذلك، فيكون من نوع الاعتداء والضرر، وهو مدفوع ويكون معصية لولي الأمر المأمور طاعته في المباح المصلحي العام الذي لا يترتب عليه ضرر خاص. والله أعلم.

стр. 779

النوع الرابع من الأموال: العين، أو الأعيان المالية وهي ما تسمى بالأصول، وهي قسمان: أولهما: الثابت، ويشمل العقار والمباني وسائر الأراضي. ثانيهما: المنقول، ويشمل كل المواد الاستهلاكية والإنتاجية. وكلاهما يشمل أربعة أقسام: القسم الأول: الأرض والأصول التابعة واللازمة لها، وهي العمارة وموادها، والزراعة، والمياه، بحرية ونهرية وعامة. القسم الثاني: الثروات الكامنة، وهي النفط والغاز والمعادن. القسم الثالث: الأصول الإنتاجية. القسم الرابع: الأعيان أو المواد الاستهلاكية. القسم الأول: الأرض والأصول التابعة لها الأرض هي الأصل الأول، أو أصل الأصول المالية، ويمكننا الاصطلاح على ذلك؛ لأنها أصل الإنسان (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) (طه: ٥٥). وأصل الماء الذي هو أصل الحياة (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا) (النازعات: ٣١)، (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) (الأنبياء: ٣٠). وأصل كل ما ينبت (وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ الْسَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) (النحل: ٦٥). ويتعلق بها أحكام كثيرة، والانتفاع بالأرض بأنواع الانتفاعات جائز؛ لأن هذا أصل مقصود من وضعها شرعا (وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ) (الرحمن: ١٠) أي: منافعهم من عمارة وبناء وغير ذلك، وقال تعالى (وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا) (الأعراف: ٧٤). والاستخلاف في الأرض انفرد به الإنسان بحكم الله وقضائه في ذلك، وما سواه من الخلق جناً وحيواناً وإمكانات متممات ابتلائية (فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (الأعراف: ١٢٩).

стр. 780

فالتصرف المطلق المباح الانتفاعي مقصور على الإنسان. وقلنا «المطلق»؛ لأن تصرف غيره من المخلوقات مقيد محصور، فلا يحق التصرف الاستخلافي التام المطلق لا لملك ولا جن ولا حيوان، فالملائكة سيارون نورانيون مكلفون جبلة ولا سكن لهم في الأرض؛ لعدم حاجتهم للسكن أصلا. والجان والشياطين ناريون من مارج من نار سكنهم من الأرض للابتلاء لا للاستخلاف بلا معارضة التصرف الإنساني الاستخلافي في الأرض. والحيوان له حقه من الأرض (مَتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ) (عبس: ٣٢)، «ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» (١). ولكل رزق وحق حياة، ولكل مستودعاته وسكنه (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) (هود: ٦). وكل ما على الأرض وفيها مملوك للإنسان ملك انتفاع مباح (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة: ٢٩). ومقتضى الملكية أن ما على الأرض وما فيها مال يتملك وينتفع به. ثم هو أقسام: فما يتملك للفرد نوع، وما لا يمكن لفرد تملكه بل لتجمع خاص، أو لمجتمع، أو لشعب كالمال العام، أو لأمة كالعربية والإسلامية وهو الملك الدولي برا وبحرا وجوا، ومنه ما لا يمكن تملكه لفرد أو مجتمع أو شعب أو أمة بل هو مملوك على جهة الاشتراك العام الإنساني، فلكل الانتفاع به بلا ضرر بانتفاع آخر كالمياه البحرية الدولية، والأجواء الدولية. والملك للأرض على سبع درجات: الأولى: الملك الأصلي، وهو لله تعالى. الثانية: الملك الإنساني، وهو بالاستخلاف المنصوص. الثالثة: الملك الدولي. الرابعة: الملك العام، وهو المال العام. الخامسة: الملك المجتمعي.

стр. 781

السادسة: الملك المشترك الخاص. السابعة: الملك الخاص. فأما الأول فهو قطعي ظاهر، وكذا الثاني غني عن الشرح. وأما الملك العام فقد تكلمنا عنه في فقه الدولة في فقه المال العام. وأما الملك الدولي فهو ما تملكه كل دولة من أرض تقيم عليها سيادتها ودولتها ولها التصرف التام بها وفق المصلحة العامة المعتبرة؛ لأن تصرف الولاة منوط بالمصلحة العامة الخالصة أو الراجحة. فالدولة مكلفة بالفرض العيني بالدفاع والدفع والنهوض بالبلاد، والحفاظ على أراضيها وسيادتها وثرواتها ومواطنيها وقاطنيها ومصالحها كافة (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج: ٤١). فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي سياسة الإصلاح العام في كل ما تحتاجه البلاد. وملكية الدولة على أراضي وطنها لا تخول لها بيع شيء من أرض الوطن أو التنازل عنه لدولة أخرى؛ لأن ملكيتها ناتجة عن الولاية على الشعب. والولاية وكالة ونيابة قائمة على النظر المصلحي، وباطلة في الضرر، وهذا من أشد الضرر وأعلاه إلا أن يكون بتفويض شعبي عام في عين قضية بعينها لدفع نزاع في قضايا الحدود ونحو ذلك. والدولة لها حق التصرف المصلحي العام في أراضيها برا وبحرا وجوا، وفرض عليها حماية الحدود دفعا للضرر (١)؛ لأن هذه الأمور من سياسة الإصلاح العام ودفع المفاسد وهي من مقصود (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج: ٤١)، فهي نوع من الأمر والنهي. ويحرم على الدولة أن تفتح أراضيها البرية أو الجوية أو مياهها الإقليمية لدولة لضرب دولة مسلمة أو مستضعفين مستجيرين.

стр. 782

ولا يجوز التمكين لدول الكفر أن تضرب أهدافا داخل أراضي الدولة؛ لأن هذا من أعظم الضرر وأعلاه، لأن وجود الدولة قائم على حماية شعبها مواطنين وقاطنين ومستجيرين وعكسه محرم، وهو تعاون على الإثم والعدوان وخيانة لأمانة الولاية وهو مبطل لها بشروطه، ولأنه عاد على مقتضياتها المصلحية الكبرى بالإبطال. ولأنه يحرم قطعا إعطاء معلومات مجردة للعدو على المسلمين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء) (الممتحنة: ١)، وفتح الأجواء أعظم وأشد، فقطعية تحريمه أظهر من تلك. ولأنه أعظم سبيل للكافرين على الدولة المسلمة وهو محرم بأدنى من هذا (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (النساء: ١٤١)، وهذا أمر بصيغة الخبر يفيد أشد التحريم وأبلغه. ولأن المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه ولا يخذله بالنص (١)، وهذا أعظم الخذلان وأشده. ولا يجوز للدولة السماح بوجود قوات دولية على أراضيها، لأنه امتهان وإذلال واستضعاف لسيادتها وقرارها وشعبها والأمة المسلمة جمعاء، وتقوية لعدوها، وهذا محرم غاية التحريم لعظيم مفاسده وضرره، ولأنه في أعلى أنواع الموالاة، فتحريمه أشد من تحريم موالاتهم بإيصال خبر إليهم برسالة في أمر للمسلمين الذي نزلت فيه الممتحنة. والخلافات الحدودية بين دويلات العرب والمسلمين فرض حلها داخليا بصلح عادل ملزم لعموم (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (الحجرات: ١٠). وقلنا داخليا؛ لأن تدويلها مفاسده أكبر من مصالحه بالتجربة الواقعة، كأدائه إلى إذكاء الفتنة من أطراف دولية لها مصلحة في ذلك، وكاستغلاله كورقة ضغط على الدولة في قضايا مختلفة. وقد ينتهي الأمر بإنزال قوات دولية بذريعة فض النزاع وحفظ السلام، وهذا غايةٌ في التمكين على رقاب المسلمين. وإذا احتلت دولة كافرة جزءا من أراضي دولة مسلمة وجب على أهل الإسلام النفير العام

стр. 783

دولا وشعوبا، فإن عجزت الدولة عن الدفع تعين على المسلمين دولا وشعوبا الدفع جهادا في سبيل الله بما يدحر الاحتلال (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا) (البقرة: ١٩٠)، (وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) (البقرة: ١٩١)، (وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) (التوبة: ١٣)، (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) (الحج: ٤٠). وفرض أن تتكتل دول الإسلام على ذلك (وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) (الأنفال: ٧٣)، فإن لم يقم حكام الدول الإسلامية بالدفع والتحالف، وجب عند استطاعةٍ وأمن فتنةٍ خلع معرقل ومخذل ومثبط منهم؛ لأن بقاءه يفتح ما حذر الله منه في النص (إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) (الأنفال: ٧٣). والفتنة أشد من القتل بالنص، والفساد الكبير واجب دفعه، ويحرم طاعة متسبب فيه، وولايته محرم لحرمة طاعته (وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ* الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ) (الشعراء: ١٥١ - ١٥٢). وأي حاكم لدولة مسلمة يصد عن إيجاد تحالف دول الإسلام يعتبر شرعا مسببا لوقوع الفتنة والفساد الكبير في الأرض المحذر منه في النص، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وعزله يكون عبر مؤسسات الدولة المخولة بذلك أو بثورة سلمية شعبية عامة إن غلبت مصالحها على مفاسدها ويحرم الخروج المسلح لغلبة ضرره. وفرض الآن أن توجد الدول العربية الإسلامية حلفا مدنيا وعسكريا بينها لتحقق العلة في النص ووجودها بتحالف دول الكفر (وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) (الأنفال: ٧٣). والحلف العسكري يشمل قوات مسلحة حديثة تكافئ القوى الدولية لحماية دول العرب والمسلمين. والحلف المدني يشمل كافة وسائل النهضة الحديثة التعليمية والاقتصادية والتكنولوجية والصناعية وغيرها.

стр. 784

ويقوم الحلف المدني بإيجاد شركات كبرى حديثة للتنقيب عن الثروات في البلاد العربية والإسلامية عوضا عن شركات دول الهيمنة؛ لأنه يحقق تمام المصلحة للمسلمين، وما حقق تمام المصلحة طلب وقصد شرعا؛ لأنه من الإحسان (وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ١٩٥)، و (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠). ولأنه يعود بالمصلحة على دول المسلمين وسياساتها واقتصاداتها فطلب شرعا. ولأن المسلمين بعضهم أولياء بعض (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) (التوبة: ٧١)، ومن الموالاة تقوية بعضهم بعضا بأنواع القوة، وهذه المسألة منها؛ لأن التعاون في مجال التنقيب عن الثروات النفطية والغازية والمعدنية من أهم ركائز القوة المعاصرة فضلا عما يتبع ذلك من تشغيل لليد العاملة ونشاط اقتصادي وبنية تحتية، وهذه مصالح كبرى عامة فوجب أن تتعاون دول الإسلام في ذلك، وهو مشمول بعموم (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: ٢). وكل من دخل أرض الدولة من المسلمين فهو آمن. ويحرم طرده أو سجنه إلا مفسدا. أما غير هذا من أهل الإسلام فالأصل حرية دخولهم وتنقلهم في أراضي أي دولة عربية وإسلامية، بالجواز أو البطاقة الشخصية؛ لأن الله أباح ذلك على وجه العموم (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ) (العنكبوت: ٢٠)، (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك: ١٥). ولأن أرض الإسلام أورثها الله لأهل الإسلام الصالحين (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء: ١٠٥)، وأهل الإسلام مقصودون بهذا لأنه نزل النص إليهم ويستحيل أن يراد غيرهم، لنقض المعنى مقصود الشرع من التمكين للمؤمنين، إذ يكون المعنى: كتب أن الأرض يرثها عباده غير المسلمين، وهذا محال. ولأن التمكين وإزالة الخوف مقصود شرعي لأهل الإسلام (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) (النور: ٥٥). وطرد وسجن مسلم مسالم غير فار بفساد أو جناية لمجرد دخوله دولة عربية وإسلامية

стр. 785

بدون تأشيرة من أنواع المظالم؛ لأنه منع لمسلم من حق مباح بلا مصلحة معتبرة شرعا سوى العصبية الوطنية، وزيادة القطيعة والفرقة بين بني الإسلام مع فعل الأمم غيرهم اليوم من الكافرين نقيض ذلك، فأجازوا لمواطني دولهم الدخول إلى بعضها بمجرد البطاقة الشخصية. وفعلهم معلل بالمصلحة الوطنية المدروسة المعتبرة؛ لأنه يحقق مصالح كبيرة في الوحدة والجماعة والتحالف المدني والعسكري. فدل على أنه مصلحة معتبرة، وهي من مفردات المصالح الخادمة للتحالف والموالاة المقصودة في قوله تعالى (وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) (الأنفال). ولا مانع من اتخاذ إجراءات لدفع المفاسد حال التنقل لا منعه البتة، أو تعسيره بإجراءات تخدم المفاسد كالفرقة والقطيعة بين دول الإسلام وأهلها. ومن دخل بلاد المسلمين من غير المسلمين بتأشيرة، فهو آمن لا يجوز الاعتداء عليه بأي نوع من العدوان، سواء كان كتابيا أو وثنيا أو لا دينيا، جاء لعمل دبلوماسي أو لسياحة أو زيارة أو لتجارة أو غيرها. ومن أخفر أمنه فاعتدى عليه فهو ضامن، وعليه لعنة الله ورسوله والمؤمنين بالنص (١)، وقد قضى عمر بقتل من قتل محاربا كافرا أعطي الأمان (٢). ويجوز التنقل والسفر في الأرض لأي إنسان في الأصل (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ) (العنكبوت: ٢٠). فإن كان لمعصية أو إضرار بآخر حرم (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة: ٢٠٥). وقلنا التنقل والسفر ليشمل النوعين: ما له حكم السفر وما ليس له؛ وذلك لاختصاص المسافر بأحكام قصر الصلاة الرباعية وجمع الظهرين والعشائين تقديما وتأخيرا لثبوته.

стр. 786

ويجوز القصر عند خوف فتنة الذين كفروا بالنص (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا) (النساء: ١٠١). ويفطر المسافر رخصة ويقضي صوم الفرض (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (البقرة: ١٨٥). وإذا ركب دعا (سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ). وإذا صعد نحو جبل كبَّر. وإذا انحدر سبح الله (١). ويكبر إذا أقلعت الطائرة ويسبح حالة استوائها وهبوطها قياسا لعدم الفارق المعتبر. والهجرة إلى أرض جائزة، فإن كانت فرارا من فتنة في دين وجبت (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا) (النساء: ٩٧). ولعلم (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة: ١٢٢). وتجب إن لم يتم إلا بها تعلم فرض عين أو كفاية، دينا أو دنيا. وللبحث والنظر (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ) (العنكبوت: ٢٠). وللعبرة والبحث (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) (النمل: ٦٩). ولطلب الرزق (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ) (المزمل: ٢٠). ولجهاد (وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (المزمل: ٢٠). ولعلاج؛ لأنها وسيلة إلى دفع الضرر. ويجوز السير ليلا أو نهارا (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ* وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (الصافات: ١٣٧ - ١٣٨). وإذا سار في الثلث الأخير من الليل أو السحر دعا بالمأثور «عياذا بالله من النار: اللهم

стр. 787

صاحبنا في سفرنا» (١). والآثار التاريخية في الأرض يحافظ عليها؛ لأنه تحقيقٌ لمقصود الشرع في الأمر (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) (النمل: ٦٩)، ولا نظر إلا بوجود هذه الآثار، والأمر بإتلاف الأصنام هو لما كانت تعبده العرب في مبعث محمد ﷺ ، ولذا لم يأمر بهدم أصنام ومعبودات القرى البائدة لما مر عليها، وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع (٢). وتستغل الآثار سياحيا، ولا يجوز لأحد بيعها بل هي ملك عام للدولة. وينتقل عن أرض فرارا من معصية لا يمكن تركها إلا بذلك لحديث «أن رجلا من بني إسرائيل قتل مئة نفس .... » (٣). وأخذ جنسية دولة أخرى جائز ولو دولة كفر؛ لأن وصف الدين والوطن لا يتضادان كصهيب الرومي، وحديث «أنا بريء ممن أقام بين ظهراني المشركين» (٤) محمول على ما قبل الفتح لعموم «لا هجرة بعد الفتح» (٥)، أو على بلد محارب لأنه قد يصاب ويهدر دمه (٦). والفساد في الأرض محرم بأنواعه (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة: ٢٠٥). وإذا صنفت الجريمة فسادا في الأرض فحدها حرابة (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ

стр. 788

وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: ٣٣). ويحافظ على جمال الأرض عمارة وبيئة لعموم «إن الله جميل يحب الجمال» (١). ويجوز في الأصل أنواع الزخارف المعمارية والأشكال والزينة (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ) (الأعراف: ٣٢). وارتفاع بناء مباحٌ كناطحات سحاب، وحديث «يتطاولون في البنيان» (٢) إخبار لا ذم، ولا تلزم الحرمة بكون ذلك من أشراط الساعة؛ لورود ما ليس بمحرم وهو من أشراطها كحكم على منهاج النبوة والمهدي، وتقارب الزمان، وعودة جزيرة العرب مروجا وأنهارا. والاستثمار في المستغلات المعمارية جائز؛ لأن التجارة مباحة، وهذا منها. ويراعى في الفنادق والمستغلات عدم احتوائها على محرم كخمر ودعارة. والاعتصامات في الساحات والميادين العامة مباحة، لتحقيق مصالح ودرء مفاسد عامة. وينظر العلماء من أهل الاجتهاد في ذلك الزمان وفي تلك البلدة، وقولهم هو المعتبر في ذلك تحليلا وتحريما بالنظر والموازنة بين المصلحة من الاعتصام، والضرر الذي قد يلحق بالمارة والأحياء، أو الضرر العام، وقد سبق الحديث عن هذا بشيء من التفصيل في موضعه. ومن اعتدي على أرضه بغير حق دافع، فإن تعذر دفع الضرر قضاء فإن صال عليه معتد باغ رده بمثله (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: ١٩٤). ومن قتل دون ماله فهو شهيد بالنص (٣). ولأرض الجزيرة أحكام خاصة، وحدودها كما أفاده ابن الأعرابي واعتمده الجمهور من عدن في اليمن جنوبا إلى بحر الشام شمالا، وإلى بحر الخليج والعراق بنهريها، وحدودها الشامية شرقا، إلى الأردن والشام المتاخم له وبحر جدة والبحر الأحمر غربا (٤).

стр. 789

الملك المجتمعي وما لا يتملكه فرد كالمال العام والمرافق المجتمعية نوعان: أما الأول فبسطنا أحكامه في فقه الدولة، وهو المال العام. وأما الثاني فهو الملك المجتمعي، وهو ما توافق الناس عادة على أن يكون مشتركا في المنفعة بينهم كالمراعي والمحاطب والمساقي. وهذه مقصودة في الحديث «الناس شركاء في ثلاثة الماء والنار والكلأ» (١). وكذا الطرقات العامة، والمواقف، والحدائق، والمتنفسات، ونحو هذا؛ فلا يباع ولا يوهب، ولا يوقف، بل يكون منفعة للمجتمع. وقريب منه الملك الخاص المشترك بين طرفين مالكين، من مداخل ومخارج ومنافذ الأموال ومراعيها وتوابعها من الشجر والحجر. الملك الخاص المتعلق بالأرض وأحكامه: ويتعلق بالملك الخاص للأرض عقود وأحكام أظهرها الثروة الزراعية واستثمارها، ومنها المزارعة، والمساقاة، والإيجار، وإحياء الموات، والرهن، والوقف، والهبة، والأرض المغصوبة، والشفعة، والزكاة، والمستغلات، والاستثمار بيعا وشراء، وكنز الأرض المملوكة وثرواتها، وانتزاعها للمصلحة العامة اضطرارا بتعويض عادل مرض. وتجري هذه الأحكام في الأرض العامة للدولة بحسبها إلا الزكاة.

стр. 790

الأحكام الزراعية: الثروة الزراعية نعمة يتعلق بها الوجود البشري ضرورةً، فهي من الضروريات التي يتعلق بها حفظ الحياة، وهي أربعة أقسام: الحبوب، والفاكهة، والنخيل، والنبات. وهي مجموعة في قوله تعالى (وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ* فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ* وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ) (الرحمن: ١٠ - ١٢). فذكر الفاكهة والنخل والحب، والنوع الرابع النبات، وهو الريحان (١). وكل ما في القرآن راجع إلى هذه الأربعة بالاستقراء. ورأس الفواكه الرمان والأعناب والزيتون، ولذا استقلت بالذكر. والنخل نوع مستقل ليس بفاكهة، ولا حبوب؛ بل هو جامع للنوعين التفكه والتقوت، ويغني عن فاكهة وقوت لجمع ثمرته ما تفرق فيهما من خواص النوعين. وفرض على الدولة العناية بالثروة الزراعية لقيام أكبر المصالح العامة على الأمن الغذائي، ولأن المقياس الدولي المعاصر للقوى العالمية هو بميزان الأمنين الغذائي والقومي. وقد جمعا في قوله تعالى (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) (قريش: ٣ - ٤). وأرض الدول العربية خاصة والإسلامية عامة مهيأة لنهضة إنتاجية زراعية؛ إذ الأنواع الأربعة من الثروة الزراعية مستوعبة فيها. ولا يزرع بعضها في غيرها البتة كالنخيل، أو بجودتها كالزيتون فهي أرض طيبة مباركة (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) (سبأ: ١٥)، (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) (سبأ: ١٨)، (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (الإسراء: ١)، (اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ) (البقرة: ٦١).

стр. 791

والبركة في اليمن والشام وبلاد الحرمين ثابتة بدعوة رسول الله إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام (١). ودعا ﷺ لليمن والشام «اللهم بارك لشامنا ويمننا ثلاثا» (٢). وهذه نعم تمكينية. والإعراض عن النعم إعراض عن شكر المنعم وإيذانا بعذابه (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم: ٧). وإهمال الحرث الزراعي مؤد إلى مفاسد كثيرة من إضرار بالتربة، وتعطيل لليد العاملة ووفرة البطالة واحتياج الدولة إلى غيرها لسد عجزها غذائيا، وقد ترتهن قراراتها لدول الهيمنة. وإذا فسدت الأرض الزراعية هلكت الثروة الحيوانية وتضرر الشعب، وهذا فساد محرم (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة: ٢٠٥). ولا يجوز استيراد مواد ضارة بالتربة لأنها من الخبائث (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ) (الأعراف: ١٥٧)، ويعاقب مخالف، وتراقب الدولة الأسمدة الزراعية وكيفية استعمالها دفعا لإفساد الأرض والمحاصيل. واستصلاح الأراضي الزراعية مشروع بالأمر، والأصل فيه الوجوب «ليزرعها أو يُزرعها» (٣). وكذا استصلاح الأرض الميتة «من أحيا أرضا ميتة فهي له» (٤).

стр. 792

والمزارعة والمساقاة الأصل فيهما (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) (البقرة: ٢٧٥)، (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩). فالأرض الزراعية إن سُلِّمت لمن يعمل فيها بالأجرة فالعقد جائز أصله عقد الإجارة. والإجارة عقد بيع لأنها بيع منفعة وجوازها على تخريج أنها إجارة قد يرفع الخلاف؛ لأن الإجارة جائزة بلا خلاف، وتسميتها مزارعة لا يغيِّر حكمها الشرعي، وأجر الأجير يدفع بحسب الاتفاق؛ فجاز نقدا، وجاز جزءا من نماء كأجير المضاربة. والمساقاة هي دفع أرض بها شجر لعامل بعوض من ثمرتها. والخلاف القديم فيهما -أي المزارعة والمساقاة- مضطرب لاضطراب حديث رافع في المزارعة. وما كان كذلك أخذنا منه ما وافق الأصل (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) (البقرة: ٢٧٥)، ووافق أصل النهي عن الظلم والغرر وأكل أموال الناس بالباطل. ولا تصح حينئذ سوى رواية «كنا نزارع على الأربعاء والجداول ولك هذه ولي هذه وقد تنبت إحداهما ولا تنبت الأخرى فنهينا» (١). وهذا النهي للتحريم؛ لأنه ظلم وغرور وأكل لأموال الناس بالباطل، وتصح رواية الكراء بالدنانير والدراهم (٢)، لموافقة متنها الأصول. ويظهر حينئذ أن رواية «نهى عن كراء المزارع» (٣)، ورواية نهى عن المخابرة، ورواية ما

стр. 793

تصنعون بمحاقلكم (١)، ورواية «من كان له أرض فليزرعها أو يزرعها ولا يؤاجرها» (٢) من حديث جابر، كلها محمولة على الإجارة بجزء خارج من الأرض معين بمكان معين، وهذا محرم؛ لأنه قد لا ينبت موضع منهما، وتبقى الصور الباقية على الجواز. ودليله أن رسول الله ﷺ «عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها» (٣). وعاملهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي حتى زمن جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (٤). وأقر معاذ أهل اليمن على المخابرة (٥). فتحمل جميع روايات النهي على ما لا خلاف فيه لا رواية ولا فقها مع موافقةٍ للأصول في الإباحة. وهي ما ذكرنا. والعقد المبرم في الاستثمار الزراعي، مزارعة أو مساقاة، الأصل فيه الإباحة في كل زرع وشجر. فإن لم يكن للشجر ثمر ولا للزرع كالذي يعطى غذاء للأنعام فيتفق الطرفان على أجرة مقطوعة مقابل العمل. فإن كان يُتاجر في ورق الشجر والمساقاة فيها فهو كالثمرة. وإطلاق الثمر على الورق والزهر صحيح بلغة القرآن (ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً) (النحل: ٦٩).

стр. 794

والزرع المعد لطعام الأنعام مما لا يثمر يجوز دفع أجرته بجزء مشاع منه كثلث وربع على الأصل في الإباحة بشرط التراضي، والأصل عدم المانع الناقل عنه. وتصح المساقاة والمزارعة في الأنواع الأربعة: الفواكه، والنخل، والزرع، وكل نبات يتعامل فيه الناس بذلك وقع التعامل قديما أو لم يقع. أما الفواكه بأنواعها فظاهر؛ لأن الأصل الإباحة، ولا ناقل صحيح ينقل عن هذا الأصل وعضد الأصل بالنص العام (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) (البقرة: ٢٧٥)، و (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩). والمساقاة بيع منفعة من العامل بثمن مشروط مشاع من إنتاج الشجر من ثمرتها. وإن كان استثمارا فهي تجارة كالمضاربة، والأصل في الاستثمارات التجارية الحل بالنص، والنص لم يفصل، فشمل الاستثمار الزراعي في شجر الفواكه أو النخل أو الحبوب أو النبات. وتقييدها بالنخل أو الكرم أو بنوع دون آخر معارض للعموم، والنص لا يعارض إلا بنص. ولا تُقَيَّد بمعاملة أهل خيبر، وكانت ثمرتهم النخل؛ لأن التقييد حصر وإلغاء، فالحصر هو إعطاء حكم يتناول ما لا يحصى لفرد منه، والإلغاء: هو إلغاء حكمه عما بقي. ولا يكون إلا بنص صريح صحيح يفيد ذلك. فإن كان بالمقايسة الاجتهادية على ما هو في مورد آخر منع، فلا يصح قياسه على منع بيع المعدوم، أو النهي عن الغرر أو المحاقلة، وهي بيع الحبوب المكيل بالحبوب في السنابل خرصا (١). لأن هذا يقال في المساقاة على النخل؛ لأنه بيع معدوم وفيه غرر، فلما أجازه الشرع قولا وفعلا كان الأصل قياس المساقاة في غيرها من الثمر عليها؛ لأنها من نفس بابها؛ فيحكم حينئذ بمشروعية المساقاة في النخل وغيره؛ لا الذهاب إلى ما يخالفه من بيع معدوم كبيع

стр. 795

الحمل الحادث بعد زمن، وهو حبل الحبلة أو بيع ما في بطون الأنعام (١)؛ لكثرة الخطر والغرر في ذلك المترتب عليه الضرر الفاحش، بخلاف المساقاة والمزارعة فالأكثر السلامة. وحصول الضرر والغرر قليل وجريان العادة الإنسانية المستمرة على ذلك مفيد لغلبة المصالح فيها، بخلاف بيع المعدوم مما لا يغلب فيه المصلحة فمتروك عادة؛ لضرره الغالب، فطابق حكمُ الشرع ما جرت به العادات من المصالح الغالبة كالمزارعة والمساقاة، ومنع ما تُرِكَ عادة لغلبة أو كثرة ضرره وغرره كبيع حبل الحبلة والسمك في الماء؛ لعلة الغرر الفاحش والضرر الكثير. ومن المصلحة الشرعية أن تدفع الدولة الأرض إلى من يستثمرها من الشركات والمؤسسات والأفراد والجهات الاستثمارية الوطنية لعموم «فليزرعها أو ليزرعها أخاه». وهذا أمر والأصل فيه الوجوب، فواجب على الدولة أحد أمرين في الاستصلاح الزراعي: الأول: مباشرتها للاستصلاح الزراعي. والثاني: إبرام عقود مع الغير استثمارا. أما الأول وهو زراعة الأرض واستصلاحها؛ فللأمر في النص، ولأنه يحقق المصالح الكبرى للدولة والشعب من الاكتفاء الذاتي في الغذاء، وصولا إلى الأمن الغذائي، ويدفع مفسدة الفاقة والمجاعة، وذل حاجة سؤال آخر، دولة أو مجتمعا أو جهة. وكل وسيلة خادمة لذلك فهي مطلوبة شرعا بحسبها من دراسات وأبحاث وتولية كفء وإعداد المعاهد والكليات الزراعية. وكذا الرقابة على القطاع الزراعي وتأهيل المختصين الزراعيين؛ لأن الوسائل لها أحكام ما توسل بها إليه. فإن لم تباشر الدولة بجهاتها المعنية الإصلاح الزراعي، وجب الأمر الآخر، وهو إبرام عقود

стр. 796

استثمارية زراعية مع جهات مختصة وطنية لعموم «أو ليزرعها أخاه» (١). وقلنا «وطنية» لأنه ملفوظ النص بقوله «أخاه»، فدل على أولوية الاستثمار الوطني الزراعي، ولا يلجأ إلى جهات مستثمرة أجنبية زراعية إلا للحاجة لعدم كفاية وطنية، أو نقص تأهيل أو خبرات. ويجوز اشتراط شرط عادل كتشغيل اليد العاملة الوطنية لتحقيق مصلحة الخبرة والحد من البطالة وتأهيل الخبرات. ويؤقت العقد بما يحقق المصلحة، ولا يضر الطرفين؛ فإن حصل استغناء عنهم أبرم مع وطنيين. ويتفق في العقود على كل شرط عادل يحقق المصلحة العامة ويدفع الضرر. وقولنا «عادل» لأنه لا ضرر ولا ضرار، فلا يضيق على مستثمر، ولا يضر بالمال العام. ومن المصلحة العامة أن تدعم الدولة المزارعين وتوفر لهم التسهيلات والتحفيز، ويجوز أن تشتري الدولة المحاصيل الزراعية المحلية إن استدعت المصلحة ذلك، أعني المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والسكر. لأن بيع المُزارع لها في السوق متعذرٌ؛ لأنه يبيعها بسعر التكلفة مع ربح فيرتفع الثمن للمحصول المحلي فيُرغَبُ عنه إلى الاستيراد الخارجي الأرخص سعرا. فإذا اشترته الدولة دعمته من المال العام؛ لتوفره في الأسواق بسعر منافس. وهذه مصلحة تحقق الأمن الغذائي، والاكتفاء الذاتي، والاستثمار الزراعي الوطني. وعليهم الاعتناء بالمحصول من الحبوب والفواكه وغيرها بما يحفظها ويدفع عنها التلف؛ لأن إتلافها إهدار للمال وعبث وهو محرم. فتغلف وتعلب وتهيأ لها المخازن المركزية لحفظها تبريدا وتخزينا وعناية وتسويقا داخليا أو خارجيا. وتحديد ما على الجهة المزارعة، وما على الدولة، أو الجهة المالكة راجع إلى الاشتراط العادل

стр. 797

في العقد، أو العرف، أو نصوص تقنن ذلك، أو مذهب فقيه. وأولاها العقود، دفعا للخصومة والضرر عن الطرفين. تملك الأرض: ولا تتملك الأرض إلا بالطرق الخمس للتملك، وهي بعقد معاوضة محض، أو غير محض، أو تبرر وتبرع، أو فرض، أو سبق. فعقد المعاوضة المحض هو البيع والشراء بأنواعه. وغير المحض هو المدفوع في مهر ونفقة وتعويض جنايات كالأروش والديات. وأما التبرر والتبرع فوقف الأرض وهبتها. وأما الفرض فالميراث والغنيمة والزكاة. وأما السبق فهو إحياء الموات، ونحوه. والكلام على هذه العقود في بابها سوى الأَخِيْرَيْن. فالملك إما أن يكون للدولة، أو للمجتمع، أو للأشخاص. والأخيران لا مدخل لإحياء الأرض فيه؛ لأن الملك المجتمعي منافعه عامة للمجتمع، كالطرقات العامة، وأراضي المرافق والمنابت، والمسارح للأنعام، وغابات الاحتشاش والاحتطاب، ولأنها إذا امتلكت لشخص تضرر العامة. ولأنها ليست مَيْتة، لانتفاع المجتمع بها. وأما الملك الشخصي فلا يحق إحياؤه تملكا لأحد غير مالكه؛ لعموم «إن أموالكم عليكم حرام» (١). والإضافة في «أموالكم» إضافة ملك. ولأن التصرف في ملك الغير محرم إلا بإذنه، ولا إذن هنا، فيكون غصبا. وأما ملك الدولة فهو نوعان: أحدهما الملك العام وهو هنا ما المقصود به الملك السياسي والسيادي، وهي تشمل سائر

стр. 798

الأراضي داخل حدود الدولة. والآخر بملك خاص مسجل باسم الدولة. وهذا الأخير لا يحيا إلا بإذن الدولة. والأول يجوز إحياء الميت منه وإصلاحه ولو بلا إذن؛ لعموم «من أحيا أرضا ميتة فهي له». فإن منعت الدولة استصلاحه إلا بإذن نُظِر: فإن كان أمرها تعنتا مع عدم استصلاحها للموات؛ فالأمر باطل؛ لأنه خارج عن المصلحة العامة، وتصرفات الدولة منوطة بالمصالح العامة وإلا بطلت. ولأنه يؤدي إلى إهلاكٍ لكثير من الأرض الصالحة للمنافع من زراعة وبناء واستثمار؛ فحرم؛ لأنه مفسدة. وإن كان استئذانها تنظيما ودفعا لمفسدة العشوائية في التملك جاز؛ لأنها مصلحة معتبرة. ويجوز أن يُحْييَ الموات مواطنٌ مقيم في الدولة. فشمل قولنا ذلك الذكر، والأنثى، والمسلم، وغير المسلم؛ لأن حق الإحياء من حقوق المواطنة. وقولنا «مواطن مقيم» لا يشمل غير المواطن في الدولة المسلمة من تاجر مارٍّ بأرض الدولة، أو سائح، أو مبعوث لمهمة مدنية، أو رسمية؛ فهؤلاء لا يحق لهم إحياء الموات في أرض الدولة المسلمة؛ لأن هذا ممنوع بالعرف الدولي الرسمي، والعمل بالعرف جائز بلا مخالفة للشرع، وهو هنا كذلك. إذ مقصده إصلاح أرض الدولة بما يعود بالنفع العام على الشعب، وإحياء غير المواطن يبطل هذا المقصد؛ لأدائه إلى تملك منفعةٍ وعقاراتٍ للخارج تملكاً نافذ التصرف فيها، وهذا ضرر على الدولة. والإحياء للأرض هو استصلاحها بكل ما يعد حياة لها: بالزراعة، والاستثمار، والسكن، أو اتخاذ مسجد. فالزراعة شاملةٌ لكل ما ينبت من زروعِ وشجرٍ مثمر، أو غير مثمر. والاستثمار يشمل: بناء محطات الوقود، أو تربية الثروة الحيوانية أو الطيور، أو المصانع، أو

стр. 799

الفنادق والاستراحات، وغير ذلك. وقولنا «اتخاذ مسجد» لا يشمل معبدا أو كنيسة؛ لأنه ليس في معنى الإحياء؛ لأن الله جعل الكافر ميتا موتا دينيا (وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاء وَلا الأَمْوَاتُ) (فاطر: ٢٢)، أي: ما يستوي المسلم والكافر. والكنيسة هي دار الدين عندهم، فلم يعتبر بناؤها إحياء للأرض بل إماتة؛ لأن ما هم عليه موت بالنص. وشرط إحياء الأرض أن تكون مَيِّتَة ليست لأحد. فالميتة هي ما لا ينتفع بها بوجه عام ولا خاص، وليست ملك أحد لا ميت ولا حي، كان حاضرا أو غائبا، ولو تقادم الملك، إذ التقادم يقوي الملك ولا يضعفه. أو ما هي قريبة من ملكه وتحسب عرفا وعادة أنها تابعة لذلك الملك؛ فلا إحياء لها. ويعرف الملك بالاستفاضة، أو خبر العدول، أو الوثائق، فإن اندثر المُلَّاك، ولا يعلم لهم بقية وارث، لا من عصبة ولا رحم، جاز إحياؤها وتملكها؛ لأنها تصير حينئذ في النظر العام للدولة، وهو يجوز إحياء مواته. وإنما قلنا بالنظر العام لأنه متعلق بعموم نظرها على الشعب احترازا عن النظر الخاص لأنه يكون من الدولة في أموالها. ومن أحيا أرضا وملكها ثم أهملها في حياته مدة يُعْلَمُ بها زهده وتركه لها؛ جاز لغيره إحياؤها؛ لأن الأول خالف المقصود الشرعي من إحياء الموات وهو حصول المنفعة عامة، وخاصة. فلما عاد السبب وهو الإحياء على المقصد بالإبطال بطل ما ترتب عليه، وهو الملك. وقولنا «في حياته» احترازٌ عما إذا كان الإهمال وقع بعد موته لانتقالها إلى ورثته؛ فإنه لا يحق لأحد إحياؤها؛ لأن تبدل سبب الملك كتبدل العين. ومنه قوله ﷺ «هي لها صدقة ولنا هدية» (١). فَتَغيُّر سبب الملك يغير الأحكام.

стр. 800

وللدولة التمليك من أراضيها هبةً لجهة أو فرد، بشرط اعتبار المصلحة العامة كتمليك المجاهدين، وأسر الشهداء، والجرحى في سبيل الله. ولا مانع من تمليك الشرائح الضعيفة والفقراء، أو تمليك جهات استثمارية تسهيلا وتحفيزا للجانب الاستثماري، وهي مصلحة معتبرة عامة؛ لتعدي منافعها إلى العموم وهو النمو الاقتصادي العام. ويحرم تمليك نافذين في الدولة احتيالا دون غيرهم من عموم المواطنين، والملك باطل؛ لأنه لا مصلحة فيه. وقد نزع رسول الله ﷺ الملك من أبيض بن حمال -وكان قد أقطعه إياه- لما أخبر أنه إنما أقطعه المال العد أو الماء العد، أي: الخالص الذي ينتفع به عموم الناس، فتحويزه لأحد ضرر. ولا يجوز للأسر الحاكمة احتكار تمليك أراضي الدولة فيما بينها لأفرادها إلا بما يتساوى مع عموم الشعب؛ لأن هذا مقتضى العدل. ولا مانع من زيادتهم بما يكافئ حاجياتهم زيادة مكافئة لمثلهم في الطبقة والحاجيات من الشعب، بعدل وإحسان بلا إسراف، ولا تقتير، ولا تعسير. ولأن المال العام ملك عام؛ فاحتكاره على طائفة مخرج له عن ذلك. ولأن التصرف على المال العام مشروط بالنظر الأحظ المصلحي العام، ولا أحظ هنا؛ فكان ضررا؛ وهو ممنوع. القسم الثاني من الأعيان المالية: الثروات والأصل في الثروات المالية قول الله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة: ٢٩)، (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الجاثية: ١٣)، (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النحل: ١٤)، (وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ) (إبراهيم: ٣٢)، (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) (النحل: ٥)، (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (الكهف: ٧).

стр. 801

فالأُولى: عمومٌ في خلق كل ما في الأرض و (مَّا فِي) تدل على الظرفية الباطنة، فتعم كل الثروات الباطنة، وتدخل الثروات الظاهرة؛ لأنها مقصودة في النص، ويدل لها (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً). فما على الأرض مقصودُ وَضْعِه داخل في قضية الاستخلاف القائمة على الابتلاء، وهذا هو مقصود النص (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً). فأصبح العمل فيما على الأرض عملاً؛ لأنه داخل في التكليف الابتلائي المحاسب عليه، والقائم على طلب التنافس في الإحسان في العمل (أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً). والثروات على وجه الأرض وباطنها أقسام، فمنها: ١ - الثروة الحيوانية. ٢ - والثروة النباتية من نابت ومستنبت، ويلحق بها الثروة الجغرافية والسياحية. وقد نذكرها استقلالا. ٣ - والثورة الصخرية. ٤ - والثروة المائية البحرية والنهرية. ٥ - والثروة البترولية. ٦ - والثروة الغازية. ٧ - والذهب والفضة. ٨ - وسائر المعادن. ٩ - والأجواء. ولنبدأ من هذا الأخير فما فوقه، فنقول وبالله التوفيق: الثروة الجوية: أما ما هو متعلق بالأرض، وليس منها فهو الهواء والأجواء. وهو داخل في الثروة الكبرى العامة من حيث ملك النظر في تنظيم حركة الملاحة الجوية والطيران لكل دولة بحسب أجوائها.

стр. 802

ودليل كونه حقا للإنسان قوله تعالى (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الجاثية: ١٣)، فهذا نص عام على تسخير كل ما في السماوات من الإمكانات، ويدخل في ذلك الهواء والأجواء والجاذبية والمجموعة الشمسية وسائر الكواكب؛ لعموم (مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ). فالهواء هو: غلاف الأرض، وهو موضوع على أصل التسخير المشترك العام لسائر المخلوقات على الأرض. ولا يستطيع أحد احتكاره. ومن حاز شيئا منه فهو ملكه؛ يجري عليه حكم الأموال بيعا وشراء، وغير ذلك. واسطوانة الأكسجين الطبية أو المهنية من هذا الباب. والأجواء أنواع ثلاثة: - أجواء دولية. - أجواء وطنية. - أجواء شخصية خاصة. النوع الأول: الأجواء الدولية فالدولية ما يشترك فيه العَالَم في حق المرور، والطيران، والملاحة الجوية، ولا تملكها دولةٌ بعينها. ولا يحق لأي دولة أو جهةٍ السيطرة عليها. ومن اعتدى على الطيران في الأجواء الدولية فهو باغ، وله حكم قطاع الطرق، وحَدُّه الحرابة؛ لأنه من الفساد في الأرض (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: ٣٣). فإن كانت دولةٌ فإن أَقَرَّت بالخطأ؛ لزمها التعويض التام. فإن لم تقر البتة نُظِر في وسائل الإثبات عند الخصومة الدولية. أو أقرت بعمدية العدوان في الأجواء الدولية فهي معتدية مفسدة في الأرض، سواء كان عدوانها على طيران عسكري أو مدني.

стр. 803

والواجب رد العدوان بالمثل (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: ١٩٤). ويجوز العفو صلحا (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠). وقلنا «العفو صلحا»: لدلالة الآية؛ فإن العفو عليه أجر، والصلح عليه أجرٌ، واجتماعهما كذلك. فلا يصح في مثل هذه الحالة العفو ابتداء؛ لأن الدولة المعتدية على دولة النظر فيها ليس كالنظر في حق الفرد؛ لأن الولاية قائمة على النظر المصلحي العام، ولا مصلحة في مجرد العفو الصريح أو السكوت؛ لأنه امتهان لسيادة الدولة المعتدى عليها ويؤدي إلى الاستهانة بها وبشعبها. فلا يجوز هنا العفو إلا إن كان صلحا تدخلت فيه أطراف تحكُم بتضمين المعتدي وعدم عوده إلى العدوان. وهذا واجب كلي على سائر الدول والمنظمات العالمية؛ لأنه من منع الفساد في الأرض، وهو فرض على كل الإنسانية، ويأثم تاركه ولو كافرا بدليل (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ) (النحل: ٨٨). فعذبهم بكفرهم، وعذبهم بفسادهم في الأرض. فدل على التكليف العام بالإصلاح في الأرض وعدم الفساد. واختطاف الطائرات حده الحرابة وجزاء الفساد في الأرض (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: ٣٣). إلا طائرةً حربية للعدو المحارب في الحرب، لا مدنية؛ فيحرم ولو كانت للعدو. النوع الثاني: الأجواء الوطنية أما الأجواء الوطنية: فهي أجواء كل دولة تابعة لأراضيها. والمرور بالطيران المدني يكون بإذن الدولة وتؤمنه لزوما؛ لأنه من الإصلاح في الأرض. ورسومه مجانية في الأصل إلا ما تعارفت عليه الدول وتوافقت بما لا يضر بحركة الملاحة الجوية.

стр. 804

ولا يجوز لدولة التعنت بمنع أو عرقلة حركة الطيران المدني في أجوائها؛ لأنه بغي وعدوان وضرر، وهذه محرمات. وأما الطيران الحربي؛ فإن كان للكافرين فلا يجوز دخوله أجواء الدولة المسلمة بأي وجه؛ لأنه لا معنى له سوى الهيمنة على دولة الإسلام وإرهابها وانتهاك سيادتها وإذلالها. ولأنه لا يخلو الأمر حينئذ من أن يكون بإذنٍ أو لا. أما إن كان من غير إذنٍ فواضح تحريمه قطعيا؛ لأنه لا معنى له سوى العدوان المسلح على الدولة، إلا إن كان خطأ واعْتُذِر منه، ومنع تكراره، فإن تكرر فهو عدوان لا يُقْبَل الاعتذار منه، ووجب ردعه. فإن كان بإذن فهو محرم؛ لأن الإذن الصادر من الدولة ممنوع في هذا الباب؛ لأن ولايتها على الشعب ولاية نظر مصلحي عام، وليس هذا منه، بل هو ضرر غالب أو محض. لذا لا يمكن لدولة قوية أن تأذن به تحت أي مبرر فضلا عن دول الهيمنة الكبرى، إذ هو مصنف في المخالفات الدستورية والسيادية والوطنية الكبرى، فدل على أن المنع مصلحة معتبرة مقررة في دولهم، وهي كذلك. فيحرم على دولة الإسلام الإذن لطيران حربي للكافرين من دخول الأجواء تحت أي مبرر؛ لأنه من أعظم السبيل للكافرين عليهم، وهو محرم (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (النساء: ١٤١). فإن كان الطيران الحربي للكافرين يخترق الأجواء للدولة المسلمة لضرب أهداف فيها تحت أي مسمى فيجب إسقاطه، أو إسقاط النظام الحاكم في الدولة المسلمة؛ لأنه عميل موال على أهل الإسلام، فصار منهم لا منا للنص (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) (المائدة: ٥١). وبطلت طاعته؛ لأن شرطها أن يكون «منا» للنص (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: ٥٩). وإن كان لضرب أهداف في دولة أخرى، وأذنت دولة الإسلام بذلك، فالإذن باطل كذلك. فإن كان الضرب لدولة مسلمة أخرى؛ فخلع السلطة الحاكمة الآذنة فرضُ عينٍ على كل فرد

стр. 805

في الشعب بشروطه، ولا طاعة له لما سبق، وهو عميل وَلِيٌّ لأهل الكفر على أهل الإسلام، وحكمه حكم الجاسوس، بل أشد لعظيم ضرره. أما إن كان الطيران الحربي المخترق للأجواء من دولة مسلمة أخرى؛ ففرض على المسلمين دولا وشعوبا الصلح بينهما منعا لحدوث عدوان واقتتال، فإن حدث اشتدت فرضية المصالحة (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات: ٩)، (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (الحجرات: ١٠). فأوجب في النص أمرين: الأول: المصالحة بين المتقاتلين من أهل الإسلام. والثاني: الصلح العام في كل أمر يحتاج إلى صلح وتقطع به الفتنة. ويجوز للطيران الحربي لدولة مسلمة دخول الأجواء لدولة مسلمة بالإذن. ودخوله للمناورات العسكرية بين الدولتين المسلمتين من وسائل المصالح والتعاون بين أهل الإسلام؛ لعموم (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) (الأنفال: ٦٠). والمناورات العكسرية بين دول الإسلام من القوة؛ فدخلت في النص. ولا يجوز المناورة مع دول الكفر؛ لأنهم يتعرفون على نقاط الضعف عندنا وهذه مفسدة لا تجيزها مصلحةُ معرفةِ نقاط ضعفهم؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. هذا إن كانت المناورة على أراضيهم، أما على أراضينا؛ فيحرم أصلا لما سبق، وهو انعدام المصلحة الحقيقية في ذلك، بل هي متوهمة ومفاسدها أكثر، ودفعها مقدم على جلب المصالح. - إن كان اختراق الأجواء في حال ضعف المسلمين لا لعمالة: أما إن كان اختراقهم الأجواء لحال ضعف المسلمين لا لعمالة؛ فتعذر السلطة بعد أن تستفرغ جهدها في العمل لمنع ذلك؛ لعموم (لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) (آل عمران: ٢٨)، مع وجوب رد المسألة للشورى بين أهل الإسلام (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ

стр. 806

اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) (النساء: ٨٣)، وهذا من أعظم الأمور المتعلقة بالأمن والخوف فدخل في حكم الآية. النوع الثالث: الأجواء الشخصية الخاصة أما الأجواء الخاصة فهي ما يختص بها المالك للأرض أو العقار من أجواء تابعة لملكه. فله حق استغلالها بالبناء والاستثمار التجاري والانتفاع بأنواعه؛ لأن من ملك الأرض ملك سماءها ضرورة. لأن هذا هو المقصود من امتلاك الأرض في سائر الانتفاعات، وإلا لأدى إلى إبطال الانتفاع بأي أرض إلا ما كان ذاهبا إلى جوفها كحفر بئر، وهذا إبطال للحياة الإنسانية؛ لأن الأرض ينتفع بها للسكن والزرع والبناء، وكل هذا انتفاع بهواء الأرض ضرورة. وقد جعلها الله من النعم العامة (وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا) (الأعراف: ٧٤). فالأرض حقيقة هي فرش لقواعد البناء والنبات وأساسه وأصله، وأما غايته فلا تكون إلا في جهة السماء، وهذا عندي من تفسير قوله تعالى (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٢٢). أي للافتراش الأفقي والسعة، والسماء لعلو البناء وارتفاعه. والدليل على هذا التفسير أن الآية نص في تمليك الانتفاع بدلالة اللام (لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاء) (البقرة: ٢٢). ولو كان المقصودُ أن الله جعل السماوات السبع التي عنده لنا بناء لكان التمليك في اللام غير مفيد، لا تملكا ولا انتفاعا (١).

стр. 807

ومن اشترى مسكنا في عمارة مرتفعة سواء كان ما اشتراه منها شقة أو أجنحة أو غرفة؛ فإنه وسائر الملاك في العمارة شركاء بالشيوع في ملك أصل الأرض ويختص كل منهم بملك معين في البناء. هذا هو الأصل؛ لأن الهواء تابع للأرض بالعرف المتفق عليه بين الناس بالعادة الجارية. والعمل به مقر شرعا (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ) (الطلاق: ٦)، (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) (الأعراف: ١٩٩). فلا يستقل الهواء بالحكم؛ لأنه تابع، والتابع تابع. ويجوز النص في العقد على أن ملك الأرض لمالك الدور الأرضي، ويكون البيع لما فوقه بيعا للبناء بالتراضي، فشمله عموم الإباحة الأصلية والنصية الدالة على حل البيع والتجارة، والأصل عدم المانع؛ ولأن شرط البيع التراضي بالنص (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩). فصح العقد، ولا يخرجه عن الصحة إلا دليل مانع، والأصل عدمه. والهواء في آخر طابق ملك مشترك تبعا للاشتراك في ملك الأرض؛ لأنه تابع لها. ومن ملك الأرض منفردا جاز أن يبني على آخرِ دوْرٍ، ويبيعَه؛ لأنه مالك للأصل والهواء تابع؛ فجاز له التصرف في الملك وتوابعه، إلا إن جرى الشرط على تركه للانتفاع لملاك العمارة؛ فلا حق له، وانتقلت المنفعة إلى الملَّاك بهذا الشرط؛ لأنه شرط مؤثر معتبر صحيح. والشرط الصحيح جزء من العقد واجب الوفاء به بعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١).

стр. 808

وإن انهدمت العمارة لغش في مواد البناء، أو خلل في العمارة مع عدم اطلاع المشتري عليه تعميةً؛ فالضمان على البائع مالك العمارة؛ لأن بيعه تضمن ضررا فاحشا بالغير. والعقود لا يجوز تضمنها الضرر. ويضمن كل إتلاف في نفس أو عضو أو مال ترتب على ذلك؛ لأنه باشر فعل ما يحرم عليه فعله من سبب مهلك غالبا؛ وعماه عن الغير في عقد مقصوده المنفعة للطرفين؛ فخالف مقصود العقد. ومن باشر عمل أسباب الإتلاف للغير وعمّاها، فإن قصد قتله فهو قتل غيلة عمدا وعدوانا. فإن لم يقصد القتل كصاحب العمارة في مسألتنا فضمانه الأنفس بالدية، والأموال بالتقويم، والأضرار والخسائر المترتبة على ذلك بالتعويض العادل. وإن كان انهدام العمارة لنازلة عامة كحرب، أو زلزال، أو إعصار، أو حريق؛ دفع الضرر بالتعاون مجتمعيا ورسميا من الدولة، ودوليا من عموم الدول والشعوب إن عظمت الكارثة؛ لأن التعاون على البر والتقوى أصل شرعي مقرر (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ) (المائدة: ٢)، وشموله هذه الحالات ظاهر. وشُرِع ولو كان من نزلت عليه الكارثة على غير دين الإسلام للعموم؛ ولقوله تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨). وهذا من البر. والشعوب المدنية الأصل أنها مسالمة حتى يثبت خلافه. والعلاقة الإنسانية أصلها قائم على السلام والتعارف (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: ١٣). - الثروات المعدنية والبترولية: والثروة المعدنية بكافة أنواعها من ذهب وفضة وحديد ونحاس وجواهر وأحجار كريمة وغيرها من وجدها في أرضه الخاصة المملوكة له فهي له؛ لأنها جزء من الأرض.

стр. 809

إذْ الملك للأرض يسري على ظاهرها وباطنها بالعادة الجارية المستمرة العامة المقرة (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ) (الطلاق: ٦). ومن ادعى عدم دخول باطن الأرض في البيع عاد قوله بالضرر الفاحش على المشتري؛ لأن الانتفاع بظاهر الأرض لا يتم إلا بباطنها من حرث، وتقليب، وحفر آبار، وأساسات بناء، ونحو ذلك. وله أن يبني طوابق سفلية تحت الأرض ما شاء إلا ما استثني دفعا للضرر عن الغير. ومن استخرج معدنا من أرضه ملكه، سواء كان المعدن المستخرج مسبوكا، أو نقدا من ذهب أو فضة، أو كنزا؛ لحديث البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : اشترى رجل من رجل عقارا له فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب فقال له الذي اشترى العقار خذ ذهبك مني إنما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذهب وقال الذي له الأرض إنما بعتك الأرض وما فيها فتحاكما إلى رجل فقال الذي تحاكما إليه ألكما ولد قال أحدهما لي غلام وقال الآخر لي جارية قال: أنكحوا الغلام الجارية وأنفقوا على أنفسهما منه وتصدقا (١). وإقرار النبي ﷺ دليل على أن الأرض تملك بما فيها؛ لأن الحكم بإنفاقه على ولديهما لا يكون إلا عن ملك، ولا بد أن يكون لأحدهما ولا يكون إلا المشتري (٢)؛ لأنه لو كان للبائع لكانت لمن قبله ممن كان مالكا للأرض بشراء أو إرث أو غيرهما من طرق الملك، حتى لو كان بإحياء لكانت كنزها صدقة عامة؛ لأن الأرض قبل الإحياء ملك عام. ويدل على أن كنز الأرض لمالكها قوله تعالى (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا) (الكهف: ٨٢). فدل على أن من ملك الأرض ملك كنزها، وكل ما في القرآن فهو شريعة لنا إلا ما ثبت

стр. 810

اختصاصه بأمة سبقت، ولم يثبت هنا خلاف ما في الآية ولا الحديث، فدل على الإقرار على الأصل (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام: ٩٠). فإن ادعى البائع أو شخص آخر ملكية الكنز أثبت دعواه ببينة عادلة مطلعة على أمره عالمة بصفة الكنز بما لا يدع مدخلا للشك في صدقهم. وهل يكفي المدعي أن يذكر وصف الكنز من نحو عدد ونوع وأمارات لا يمكن أن يطلع عليها إلا مالك؟ احتمال إن ألحقناه باللقطة كونه مالا ضائعاً بنسيان محله، أو جرف سيل له في حادثة كفيضانه على محلة، أو على مجتاز في مجراه فتفلَّت عليه الكنز ونحو ذلك. وأما إن كانت الأرض عامة غير مملوكة فلكل أحد حق التعدين فيها، ويملك ما أخذ بالحيازة والقبض، فإن كنزا فهو لمن وجده، ويملكه بالحيازة، ومن ادعاه أثبت كما مر. ويجوز للدولة تنظيم التعدين الشعبي بما يعود بالنظر المصلحي؛ لأن لها النظر المصلحي على الناس لا منعه؛ فإنه مضارة لما وضعه الله للانتفاع (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة: ٢٩). وإن كان المنع لمصلحة معتبرة أعم جاز كما فعل عمر في الحِمَى، وهو في البخاري (١). أما الثروة النفطية والغازية: فهي ملك للشعب. والدولة نائبة عنهم في ذلك؛ لأن هذا هو النظر المصلحي العام للأمة، ولا يتملكها فرد أو جماعة من دون عامة الناس؛ لما في ذلك من الضرر الفاحش على عامة الشعب. والضرر مدفوع وجوبا، خاصة العام. ولأن الله يقول (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ) (الحشر: ٧). فَقُصِدَ شرعا عَدَم الاستحواذ على الثروة من فئة. وأظهَرُه في حال استئثار فئة بملكية هذه الثروة الكبرى فهي أولى بمنع الاستحواذ عليها من الملح الذي نزعه رسول الله ﷺ بعد أن كان ملّكه لشخص، وجعله للناس كافة (٢). ويجوز في حالات جعل البئر النفطية والغازية ملكا لمن هي في أرضه؛ لأنه الأصل، إذ هي
следующие страницы →