اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) (النساء: ٨٣)، وهذا من أعظم الأمور المتعلقة بالأمن والخوف فدخل في حكم الآية.
النوع الثالث: الأجواء الشخصية الخاصة
أما الأجواء الخاصة فهي ما يختص بها المالك للأرض أو العقار من أجواء تابعة لملكه.
فله حق استغلالها بالبناء والاستثمار التجاري والانتفاع بأنواعه؛ لأن من ملك الأرض ملك سماءها ضرورة.
لأن هذا هو المقصود من امتلاك الأرض في سائر الانتفاعات، وإلا لأدى إلى إبطال الانتفاع بأي أرض إلا ما كان ذاهبا إلى جوفها كحفر بئر، وهذا إبطال للحياة الإنسانية؛ لأن الأرض ينتفع بها للسكن والزرع والبناء، وكل هذا انتفاع بهواء الأرض ضرورة.
وقد جعلها الله من النعم العامة (وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا) (الأعراف: ٧٤).
فالأرض حقيقة هي فرش لقواعد البناء والنبات وأساسه وأصله، وأما غايته فلا تكون إلا في جهة السماء، وهذا عندي من تفسير قوله تعالى (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٢٢).
أي للافتراش الأفقي والسعة، والسماء لعلو البناء وارتفاعه.
والدليل على هذا التفسير أن الآية نص في تمليك الانتفاع بدلالة اللام (لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاء) (البقرة: ٢٢).
ولو كان المقصودُ أن الله جعل السماوات السبع التي عنده لنا بناء لكان التمليك في اللام غير مفيد، لا تملكا ولا انتفاعا (١).
стр. 807
ومن اشترى مسكنا في عمارة مرتفعة سواء كان ما اشتراه منها شقة أو أجنحة أو غرفة؛ فإنه وسائر الملاك في العمارة شركاء بالشيوع في ملك أصل الأرض ويختص كل منهم بملك معين في البناء.
هذا هو الأصل؛ لأن الهواء تابع للأرض بالعرف المتفق عليه بين الناس بالعادة الجارية.
والعمل به مقر شرعا (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ) (الطلاق: ٦)، (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) (الأعراف: ١٩٩).
فلا يستقل الهواء بالحكم؛ لأنه تابع، والتابع تابع.
ويجوز النص في العقد على أن ملك الأرض لمالك الدور الأرضي، ويكون البيع لما فوقه بيعا للبناء بالتراضي، فشمله عموم الإباحة الأصلية والنصية الدالة على حل البيع والتجارة، والأصل عدم المانع؛ ولأن شرط البيع التراضي بالنص (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩).
فصح العقد، ولا يخرجه عن الصحة إلا دليل مانع، والأصل عدمه.
والهواء في آخر طابق ملك مشترك تبعا للاشتراك في ملك الأرض؛ لأنه تابع لها.
ومن ملك الأرض منفردا جاز أن يبني على آخرِ دوْرٍ، ويبيعَه؛ لأنه مالك للأصل والهواء تابع؛ فجاز له التصرف في الملك وتوابعه، إلا إن جرى الشرط على تركه للانتفاع لملاك العمارة؛ فلا حق له، وانتقلت المنفعة إلى الملَّاك بهذا الشرط؛ لأنه شرط مؤثر معتبر صحيح.
والشرط الصحيح جزء من العقد واجب الوفاء به بعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١).
стр. 808
وإن انهدمت العمارة لغش في مواد البناء، أو خلل في العمارة مع عدم اطلاع المشتري عليه تعميةً؛ فالضمان على البائع مالك العمارة؛ لأن بيعه تضمن ضررا فاحشا بالغير.
والعقود لا يجوز تضمنها الضرر.
ويضمن كل إتلاف في نفس أو عضو أو مال ترتب على ذلك؛ لأنه باشر فعل ما يحرم عليه فعله من سبب مهلك غالبا؛ وعماه عن الغير في عقد مقصوده المنفعة للطرفين؛ فخالف مقصود العقد.
ومن باشر عمل أسباب الإتلاف للغير وعمّاها، فإن قصد قتله فهو قتل غيلة عمدا وعدوانا.
فإن لم يقصد القتل كصاحب العمارة في مسألتنا فضمانه الأنفس بالدية، والأموال بالتقويم، والأضرار والخسائر المترتبة على ذلك بالتعويض العادل.
وإن كان انهدام العمارة لنازلة عامة كحرب، أو زلزال، أو إعصار، أو حريق؛ دفع الضرر بالتعاون مجتمعيا ورسميا من الدولة، ودوليا من عموم الدول والشعوب إن عظمت الكارثة؛ لأن التعاون على البر والتقوى أصل شرعي مقرر (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ) (المائدة: ٢)، وشموله هذه الحالات ظاهر.
وشُرِع ولو كان من نزلت عليه الكارثة على غير دين الإسلام للعموم؛ ولقوله تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨). وهذا من البر.
والشعوب المدنية الأصل أنها مسالمة حتى يثبت خلافه.
والعلاقة الإنسانية أصلها قائم على السلام والتعارف (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: ١٣).
- الثروات المعدنية والبترولية:
والثروة المعدنية بكافة أنواعها من ذهب وفضة وحديد ونحاس وجواهر وأحجار كريمة وغيرها من وجدها في أرضه الخاصة المملوكة له فهي له؛ لأنها جزء من الأرض.
стр. 809
إذْ الملك للأرض يسري على ظاهرها وباطنها بالعادة الجارية المستمرة العامة المقرة (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ) (الطلاق: ٦).
ومن ادعى عدم دخول باطن الأرض في البيع عاد قوله بالضرر الفاحش على المشتري؛ لأن الانتفاع بظاهر الأرض لا يتم إلا بباطنها من حرث، وتقليب، وحفر آبار، وأساسات بناء، ونحو ذلك.
وله أن يبني طوابق سفلية تحت الأرض ما شاء إلا ما استثني دفعا للضرر عن الغير.
ومن استخرج معدنا من أرضه ملكه، سواء كان المعدن المستخرج مسبوكا، أو نقدا من ذهب أو فضة، أو كنزا؛ لحديث البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : اشترى رجل من رجل عقارا له فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب فقال له الذي اشترى العقار خذ ذهبك مني إنما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذهب وقال الذي له الأرض إنما بعتك الأرض وما فيها فتحاكما إلى رجل فقال الذي تحاكما إليه ألكما ولد قال أحدهما لي غلام وقال الآخر لي جارية قال: أنكحوا الغلام الجارية وأنفقوا على أنفسهما منه وتصدقا (١).
وإقرار النبي ﷺ دليل على أن الأرض تملك بما فيها؛ لأن الحكم بإنفاقه على ولديهما لا يكون إلا عن ملك، ولا بد أن يكون لأحدهما ولا يكون إلا المشتري (٢)؛ لأنه لو كان للبائع لكانت لمن قبله ممن كان مالكا للأرض بشراء أو إرث أو غيرهما من طرق الملك، حتى لو كان بإحياء لكانت كنزها صدقة عامة؛ لأن الأرض قبل الإحياء ملك عام.
ويدل على أن كنز الأرض لمالكها قوله تعالى (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا) (الكهف: ٨٢).
فدل على أن من ملك الأرض ملك كنزها، وكل ما في القرآن فهو شريعة لنا إلا ما ثبت
стр. 810
اختصاصه بأمة سبقت، ولم يثبت هنا خلاف ما في الآية ولا الحديث، فدل على الإقرار على الأصل (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام: ٩٠).
فإن ادعى البائع أو شخص آخر ملكية الكنز أثبت دعواه ببينة عادلة مطلعة على أمره عالمة بصفة الكنز بما لا يدع مدخلا للشك في صدقهم.
وهل يكفي المدعي أن يذكر وصف الكنز من نحو عدد ونوع وأمارات لا يمكن أن يطلع عليها إلا مالك؟ احتمال إن ألحقناه باللقطة كونه مالا ضائعاً بنسيان محله، أو جرف سيل له في حادثة كفيضانه على محلة، أو على مجتاز في مجراه فتفلَّت عليه الكنز ونحو ذلك.
وأما إن كانت الأرض عامة غير مملوكة فلكل أحد حق التعدين فيها، ويملك ما أخذ بالحيازة والقبض، فإن كنزا فهو لمن وجده، ويملكه بالحيازة، ومن ادعاه أثبت كما مر.
ويجوز للدولة تنظيم التعدين الشعبي بما يعود بالنظر المصلحي؛ لأن لها النظر المصلحي على الناس لا منعه؛ فإنه مضارة لما وضعه الله للانتفاع (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة: ٢٩).
وإن كان المنع لمصلحة معتبرة أعم جاز كما فعل عمر في الحِمَى، وهو في البخاري (١).
أما الثروة النفطية والغازية: فهي ملك للشعب. والدولة نائبة عنهم في ذلك؛ لأن هذا هو النظر المصلحي العام للأمة، ولا يتملكها فرد أو جماعة من دون عامة الناس؛ لما في ذلك من الضرر الفاحش على عامة الشعب. والضرر مدفوع وجوبا، خاصة العام.
ولأن الله يقول (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ) (الحشر: ٧).
فَقُصِدَ شرعا عَدَم الاستحواذ على الثروة من فئة.
وأظهَرُه في حال استئثار فئة بملكية هذه الثروة الكبرى فهي أولى بمنع الاستحواذ عليها من الملح الذي نزعه رسول الله ﷺ بعد أن كان ملّكه لشخص، وجعله للناس كافة (٢).
ويجوز في حالات جعل البئر النفطية والغازية ملكا لمن هي في أرضه؛ لأنه الأصل، إذ هي
стр. 811
تابعة للملك في الأرض، فمن ملكها ملك ما في باطنها، ولعدم المانع سوى تعارض المصلحة العامة للخاصة، فإن لم يحصل تعارض جاز.
وعلى الدولة وجوبا استغلال هذه الثروة في مصالح الشعب، ونظرها عليه مبناه على النظر المصلحي الغالب كسائر الولايات (قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ) (البقرة: ٢٢٠).
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء: ٥٨).
(لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (النساء: ٢٩).
(وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً) (النساء: ٥).
فهذه النصوص أصول في مثل هذا؛ فيجب على الدولة الإصلاح العام في هذه الثروة النفطية والغازية، والواجب التسويق للتنقيب لدى الشركات المشهورة بالأمانة والاتفاق؛ لأن هذا هو مقتضى عقد الولاية لمن ولي على الثروة النفطية، والإيفاء بما يقتضيه العقد واجب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١).
فالجهة المخولة رسميا في إدارة النفط: وزارة أو شركات، أو هيئات، أو مؤسسة واجبٌ عليها القيام بتمام هذا التخويل؛ لأنه المقصود الشرعي من العقد لولايتها.
ولا يتولى النفطَ الغازَ خوَّانٌ ولا مفسد؛ لأنه ليس من أهل الولاية (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (النساء: ٥٨)، وفي النص «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قالوا: وكيف إضاعتها. قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (١).
ومن مقتضيات عقد الولايات على المؤسسة النفطية المسح التام لأماكن الاحتمال في البلاد، والتنقيب الشامل للوصول إلى تحقيق غاية المصلحة الكبرى للشعب.
ولا يعقد مع شركات التنقيب إلا بسعر المثل العالمي وزمنه وشروطه، وكذا في حال بيع الإنتاج.
فإن أخل بذلك بطل العقد؛ لأنه خارج عن النظر المصلحي (قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ) (البقرة: ٢٢٠).
стр. 812
وفرض توريد ما بيع به الإنتاج من النقد إلى خزينة المال العام؛ لعموم (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (النساء: ٥٨).
والنقص منه ولو يسيرا من الغلول المحرم ومن كبائر الذنوب، وخيانة للأمانة (وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (آل عمران: ١٦١)، «من كتمنا مخيطا فهو غلول» (١).
ويوثق بما لا إمكان معه للإخلال.
ولا يستقل بالنظر في صرفه فرد ولو حاكما، بل يوضع ضمن المال العام الذي يتولى صرفه والنظر فيه وإقراره أهل الشورى من نواب الشعب وجهات لا يمكن تواطؤهم على الغش؛ لعموم (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى: ٣٨).
وهذا من الأمر العام المؤثر في المصالح الكبرى للبلاد، فشمله النص بالأولوية.
وتوفيره للمواطنين بسعر مناسب لا بالسعر العالمي؛ لأنه يتعذر ويشق تحصيله على الناس حينئذ، والمشقات خاصة العامة واجبة الدفع.
والحفاظ على أنابيب النفط والغاز وشبكتها في عموم ما تمر به واجب شرعا؛ لأنه حفظ لمال مسلم، والعبث به أو إتلافه محرم؛ لعموم «إن أموالكم عليكم حرام» (٢).
وهذا مال الشعب؛ ولأنه لو كان مالا لشخص معين لحرم عليه إتلافه؛ لأنه عبث وإسراف، وهو محرم؛ فما كان للناس فهو أعم في الضرر وأعظم في الحرمة.
وتعمد الإضرار بالشبكة النفطية أو الغازية، أو الاعتداء عليها فساد في الأرض وقد يصل في بعض حالاته إلى الحرابة (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: ٣٣).
وأما الثروة الصخرية ومشتقاتها: فما تبع ملكا خاصا فهو كذلك، وما كان للعامة اشتركوا فيه انتفاعا.
стр. 813
وللدولة تحجير مناطق من غير المملوك لاستثمارها للمال العام؛ لأنه من نظر المصلحة، وإقامة تصنيع للإسمنت ومواد البناء وما يدخل في الصناعات من الوسائل كثيرة المنافع والمصلحة العامة؛ فطلبت.
والثروة البحرية والنهرية:
واجب على الدولة استغلالها. والوجوب مأخوذ من مقتضى عقد الولاية، وهو النظر المصلحي، والوفاء به واجب.
ولا بد من حماية مياه الدولة. واختراقها من عدو والهيمنة عليها احتلال واجب الدفع.
وما سبق قوله من أحكام الجو يقال هنا ..
واستغلال النقل البحري والموانئ والمنافذ والثروات الحية، والمكنوزة البحرية مقصود في نصوص الشرع (وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (فاطر: ١٢).
ويحرم الإفساد للبيئة البحرية بسموم، أو مبيدات، أو مخلفات، أو منتجات نفطية أو غيرها (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: ٤١).
فعاقبهم على الفساد في البر والبحر، وهو دليل التحريم، وتسميته فسادا كاف في التحريم.
والصيد العشوائي الضار ممنوع؛ لأن الضرر مدفوع في الشرع؛ ولأنه من إهلاك النسل المحرم (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة: ٢٠٥).
والثروة الحيوانية مال عيني موضوع على وجه المنة الإلهية للانتفاع به (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ* وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ* وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ* وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) (النحل: ٥ - ٨).
والإحسان إليها ورعايتها وإيتاؤها حقوقها مطلوب شرعا، فيجب إطعامها ويحرم حبسها وتعذيبها، وقد دخلت امرأة النار في هرة حبستها كما جاء في الحديث (١).
стр. 814
ويحرم إيذاء الحيوان، ففي الحديث أن النبي ﷺ مر عليه حمار قد وسم في وجهه فقال «لعن الله الذي وسمه» (١).
وما أتلفت فلا ضمان «جرح العجماء جبار» (٢)، أي هو هدر إلا إن فرط صاحبها؛ لأن تفريطه تسبب في العدوان، وهو محرم (وَلاَ تَعْتَدُوا) (المائدة: ٨٧)، «ولا ضرر ولا ضرار» (٣)، والتسبب في العدوان كمباشرته.
وواجبٌ الإحسان إليها كما أحسَنَتْ لعموم النص (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) (الرحمن: ٦٠)، ولحديث الجمل (٤).
ويقصد شرعا تنميتها، خاصة المنتج منها؛ للنهي عن ذبح الحلوب «إياك والحلوب» (٥).
стр. 815
ويعطى في الزكاة الأنثى من الأنعام من الأبل بالنص، واختيارا في الأبقار تبيعٌ أو تبيعةٌ، وفي الغنم الأنثى للنهي عن أخذ الفحل (١)؛ لأن الإناث أصول منتجة نافعة.
والطب البيطري من وسائل حفظها وتنميتها ودفع الأذى عنها؛ فهو مطلوب لذلك.
وحرم إتلاف وإهلاك الثروة الحيوانية ونسلها؛ فإن عم فهو من الإفساد في الأرض (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة: ٢٠٥).
وواجب تمام الرفق بها في مسرحها ومراحها ومشربها لعموم «شر الرعاء الحطمة» (٢).
ولا تستعمل في غير ما خلقت له لحديث «أن رجلا من بني إسرائيل كان راكبا بقرة فقالت له: لم أخلق لهذا خلقت للحراثة» (٣).
أما الثروة الجغرافية فتشمل الموقع الجغرافي، والمعابر، والمضايق، والمنافذ بحرا وجوا وبرا، وتشمل الثروة الزراعية والنباتية، والمتنفسات الطبيعية، والمناطق السياحية، وتشمل كثيرا مما ذكر من الثروات وتقدم الكلام عنها.
وأما الموقع الجغرافي فدولة الإسلام في أهم موقع، وهي قلب العالم وصلته بالاختيار الإلهي لا بالمجازفة؛ فواجب توظيف موقعها في جلب المصالح ودفع المفاسد، وحرم تمكين غير المسلمين من الاستحواذ عليه عسكريا، أو سياديا، أو سياسيا، أو اقتصاديا، وكل مضر يضر بالإسلام والمسلمين.
стр. 816
القسم الثالث والرابع من الأعيان المالية: الأموال الإنتاجية والاستهلاكية
أما القسم الثالث من الأعيان المالية فهو الأعيان الإنتاجية، وتشمل كل ما سبق في الأرض والعقار وتوابعها، والزراعات، والثروات؛ لأنها منتجة ومثمرة، وكذا كل الآلات التكنولوجية المنتجة من مصانع ومعامل.
وفرض عين على الدولة امتلاك التكنولوجيا المنتجة والتصنيعية، لأنه من القوة المطلوبة شرعا (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: ٦٠)، وقد تقدم في فقه التكنولوجيا.
وهو من تمام أسباب التمكين في الأرض، وهو مقصود شرعي، وفرض إيجاد وسائله؛ لأن ما لا يتم المقصود الشرعي إلا به فهو واجب (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) (النور: ٥٥).
وفرض إيجاد السياسات اللازمة لذلك، وهي تسع سياسات للنهضة الشاملة ذكرتها في فقه الدولة.
أما الأعيان المالية الاستهلاكية وهي القسم الرابع فمن ذلك ما هو من الضرورات كالطعام والشراب والملبس والسكن، ومنه ما هو من الحاجيات وهو ما يقوم به الضروري من الوسائل وما لا بد منه لإخراج الحياة عن مرتبة الضيق إلى السعة، ومنه الترفيهيات وهي ما يقصد بها التوسعة الترفيهية على الخلق.
ويشمل النوعان وسائل النقل والاتصالات، والزينة، واللهو، واللعب، ووسائل الراحة.
وقد سبق الحديث عنها في أبوابها من الكتاب باستثناء:
المأكول والمشروب:
وحاصل أحكامهما أن الأصل فيهما الإباحة (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) (لقمان: ٢٠).
ويشترط أن يكون من الطيبات والحلال، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (البقرة: ١٧٢).
стр. 817
فيباح كل طيب حلال، ولا حد له لسعته، وخلافه محدود. فالطيب خلافه الخبيث (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ) (الأعراف: ١٥٧).
والخبائث كل ما ترتب عن تناوله الضرر على النفس من متلفات ومهلكات كالمآكل السامة.
وقد يثبت الاستخباث بإجماع الناس أو جمهورهم على عدم استساغته طعاما، وقد يكون عاما أو خاصا بشعب أو بلد.
أما اشتراط الحلال؛ فلاجتناب ما حرم بالنص أو كَسْبٍ بطرق محرمة.
فما حرم بالنص فهو كالدم والميتة والخنزير، وما ذبح للأصنام، أو أهل به لغير الله من الشياطين والمخلوقات.
أو لم يمت بالتذكية ذبحا، بل بثقل كالموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع (١). ومن المشروب لا يحرم بالنص إلا ما أسكر وهو الخمر، وأشد منه المخدرات ومثله الحشيشة (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (المائدة: ٣). (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة: ٩٠).
وأما ما كسب بطرق محرمة كالسرقة، والغش، والقمار، والخداع، والغصب والنهب، أو بالدعارة، أو السحر، أو بيع المخدرات والخمور، أو الأجرة على قتل أو ظلم أو رشوة، فيحرم الكسب وأكله من هذه الطرق.
стр. 818
وحرم بالنص أكل كل ذي مخلب من الطير أو ناب من السباع (١) والجلالة حتى تطهر (٢)، والفواسق الخمس لظهور ضررها واستخباث الطبائع لها (٣).
والصيد مباح بآلة محددة تنهر الدم كالسهم والرمح والأسلحة النارية، أو الطيور، والكلاب المعلمة، ويذكر اسم الله عند مباشرة الصيد (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (المائدة: ٤).
وكل ما في البحر من الأحياء البحرية ولو ميِّتَة مباح أكلها ما كانت، إلا إن ثبت ضرر شيء منه؛ لعموم الحل؛ ولعدم ذكرها في منصوصات التحريم، ولورود التصريح «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (٤)، سواء كانت على صورة ما في البر أو لا، ولعموم (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١) في كل ما لم ينص على تحريمه.
وما عاش في البر والبحر فهو مباح إلا ما كان من الخبائث.
لأنا إن غلبنا كونه بحريا أبحناه، وإن غلبنا كونه بريا فالأصل إباحته لعدم وروده فيما نص على تحريمه، ولم يبق سوى ضابط الاستخباث.
والأصل في كل مشروب الإباحة إلا ما أسكر أو خدَّر.
стр. 819
وفي مشروبات الطاقة يجري أصل الإباحة حتى يثبت غلبة التحريم أو يقينه، ولا يكون إلا إن حصل بها الإسكار، أو كان فعلها كالمخدرات، أو ثبت خلطها بالخمر لأن ما أسكر كثيره فقليله حرام.
وجميع طعام وشراب العالم بمختلف الشعوب الأصل فيها الإباحة إلا ما نص على تحريمه وهو: الميتة والخنزير والدم والخمر، وما ذبح لمعبود غير الله وعلم ذلك.
وما جهل ذكر اسم الله عليه من المذبوحات سَمَّى وأكل للحديث في ذلك عن النبي ﷺ عن عائشة ﵂ «إنا نؤتى بلحمان وطعام لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا فقال سموا الله عليه وكلوا» (١).
стр. 820
النوع الخامس من أنواع المال: المنفعة
والنوع الخامس من أنواع المال: المنفعة، والمنافع أقسام.
١) قسم جرى عليه التعامل تجارةً، وضبطُ عوضه المالي بالمثل.
٢) وقسم مالي مقصود به التعبد لله لا يجوز أخذ ثمن له كالقرض والوقف، فالواقف نفع الناس بمنافع ماله ولا أجرة له إلا من الله.
٣) وقسم ديني محض كالخطابة والدعوة، وتعليم القرآن والحديث، فالأصل مجانية هذه المنافع.
وواجب على المجتمع أو الدولة كفاية من فرغ نفسه لذلك، إن كان فقيرا لعموم (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) (الرحمن: ٦٠).
فإن لم يكفوه ولم يجد ما يكفيه ومن يعول فرض عليه عينا التكسب، وفرض عليه تعليم الدين بما يقوم به فرض العين لا التفرغ لفرض الكفاية.
٤) وقسم من المكارم لا يؤخذ عليه عوض وأقرها الشرع وجوبا كحق الضيف وإيواء ابن السبيل، والنصيحة، وحق الوالدين وذوي القربى واليتامى والمساكين والصاحب بالجنب والجار؛ فإيصال المنافع المالية لهم لا ثمن له إلا من الله.
وتعريف المنافع المالية هي: سلعة معنوية يترتب عليها ثمرة مادية أو معنوية متقومة بثمن معلوم في السوق.
فقولنا «سلعة معنوية» سميناها كذلك لجريان التعامل فيها بأحكام السلع التجارية.
وقولنا «يترتب عليه ثمرة مادية» مثالها: نحو منفعة التوكيلات والخدمات المعاصرة يترتب عليها ثمرة مادية.
وقولنا «معنوية» نحو منفعة الدعاية الإعلامية إن كانت لصناعة شائعة كالانتخابات، فإن كانت لمنتج فثمرتها مادية.
стр. 821
وهذه الثمرة المادية المعنوية هي للمستفيد (١) من المنفعة ومشتريها.
وقولنا «متقومة بثمن معلوم» هذا الثمن معاوضةٌ تدفع لبائع المنفعة مقابل تلك الثمرة.
وقولنا «معلوم في السوق» خرج به الحقوق التي سبق الكلام عنها في قسم مستقل للمال كالحقوق الفكرية؛ لأنها متقومة لكن بثمن غير معلوم في السوق، فلا يرجع فيه إلى سعر المثل عند الحاجة؛ لأنها مبنية على التعويض لا على المعاوضة.
فالفرق بين القسمين الحقوق والمنافع:
أن الحقوق المالية تُقَوَّم بثمن التوافق (٢)، ولا قيمة لها مثلية في السوق.
وأما المنافع فلها ثمن، وهو المتوافق عليه، ولها قيمة مثلية في السوق يرجع إليها.
أولا: المنافع التي جرى عليها التعامل تجارة.
فأما ما جرى عليها التعامل تجارة بيعا وشراء فيدخل فيها عقود جرى التعامل بها قديما وحديثا: فالأولى الإجارة وبعض الوكالة بالمعنى القديم.
والثانية: عقود التوكيلات، وعقود الخدمات البنكية، وعقد التخليص الجمركي، وعقد التحويلات، وعقد خطوط الاتصالات، وعقد الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، وعقود الاعتماد المستندي، وعقد الضمان، وعقد التأمين، وعقد التسويق، وعقد الوساطة التجارية، وعقد الدعاية والإعلان، وعقد الخدمات الاستشارية، وعقود المسابقات، وعقود المراهنة، إلا أن هذين الأخيرين ألصق بالحقوق المالية لعدم تقومهما بسعر المثل.
والأصل في جميع هذه العقود الصحة والحل ما لم تشتمل على محرم مقطوع بحرمته أو قريب منه.
- الاستدلال على عقود المنافع
والعقود على المنافع من الحاجات البشرية المقرة في الشرائع والأديان أصلها منتشر في النصوص (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) (الكهف: ٧٧).
стр. 822
فجعل موسى ﵇ مقابل العمل الأجر وأقره الله في مصدر شريعتنا ولم ينكر عليه، بل علل له قضية التبرع (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا) (الكهف: ٨٢).
وللنص على جواز بيع المنافع المختلفة في عقد واحد من رعي وإصلاح زرع وخدمة، وحراسة مقابل منفعة أخرى متقومة عرفا وشرعا (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) (القصص: ٢٧).
ولقوله ﷺ «قد زوجتكها بما معك من القرآن» (١). فجعل منفعة التعليم مقابل منفعة النكاح.
ولقوله تعالى (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) (الطلاق: ٦)، فقابل منافع الرضاعة بالأجرة؛ لأن بيع الحليب غير مقصود بانفراد، بل هو ومجموع المنافع معه.
(فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء: ٢٥) فسمى مقابل منفعة النكاح أجرة.
وفي النص «من قتل قتيلا فله سلبه» (٢)، وهذا وإن كان من الحقوق المالية لعدم وجود ثمن المثل، فهو وما سبق في الحقوق أصل في المنافع فجعل عمل المقاتل متقوما مع كثرة الجهالات فيه، وعلق الحكم -وهو إعطاؤه السلب- على تحقق المقصود، وهو قتل محارب من العدو، وفي النص «للفارس سهمان وللراجل سهم» (٣).
فحدد نسبة ثابتة مقابل منفعة دينية وهي الجهاد مع اختلاف المجهود الحربي بين معركة وأخرى وجهالة غنائمها.
стр. 823
والأدلة على المعاوضة على المنافع كثيرة بنوعيها، أعني ما له ثمن في العرف مستقر وهي هذه، وما ليس له ثمن مستقر في العرف، وهي: الحقوق المالية التي سبقت، كأخذ الأجرة على الحق الفكري والرقيا، وهي منفعة غير متقومة وليس لها سعر مثل في العرف «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» (١).
ولأن الشريعة جاءت لرعاية المصالح ودفع المفاسد، وهذه منها؛ ولأن العادات محكمة إن لم تخالف شرعا، وهذه لم تخالف. ولعموم (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩).
فأحل كل عمل تجاري قائم على التراضي، وهو عقود المنافع والخدمات التي صارت اليوم من أظهر التجارب. ولقوله تعالى (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة: ٢٧٥). فأحل كل بيع وأطلق في المبيع، وحرم الربا.
فمن حددها ببيوع معينة، أو تجارات معينة احتاج إلى قاطع للإخراج من هذه القواطع الأصول.
ولم يأت من محرمات المعاملات التجارية تحريمُ بيع المنافع، أو حصرُ الحل على صورةِ العقد في زمن التشريع.
وقد ذكرنا مهمات الأصول والقواعد في مبدأ فقه المال.
ونذكر إن شاء الله في الأنظمة المالية كل دليل غير ثابت سبب الاستدلال به اختلافا في الأنظار.
ونقرر قاعدة في العقود المالية، ونحصر مع قديمها حديثَها.
ونذكر أصولها بلا تحير أو تكلف في ليِّها لتوافق عقدا قديما. إذ القديم مقر شرعا بالأصول العامة، والعلل والقواعد، والمقاصد المالية. والجديد مقر شرعا بالأصول والعلل والقواعد والأصول المالية. لا لمجرد أنه وافق القديم.
ونحرر قواطعَ ما ثبت من الأمور التي تؤثر في صحة العقود وعدمها؛ لتكون ملاذا للناظر
стр. 824
والفقيه والباحث الاقتصادي، إن وجدها في العقد فسدت المعاملة وإن لم يجدها صحت (١).
فالإجارة هي بيع المنافع .
والمنافع هي مقصود الأموال، وارتفاعها يرفع القيم والأسعار، وعكسه عكسه، وذهابها ذهاب لقيمة المال وقد يخرجه عن التمول حينئذ (٢).
وإذا انفردت عن المال صارت مالاً مستقلاً وقومت به كمنفعة الإنسان؛ إذ هو بعينه ليس بمال ومنفعته مال.
فالمنفعة قد تنتج من غير مُتَمَوَّل.
وعقد الإجارة يقع على منافع الإنسان، أو الحيوان، أو الأرض، أو العقار، أو الأعيان المالية سوى هذه.
فهذه خمسة أنواع:
فالإجارة على منافع الأشخاص هي العقد الوظيفي الثابت، والتعاقدي على مدة وعمل فيها بوظيفة، أو إجارة معينة على عمل معين، أو إجارة معينة في زمن معين.
فالأولى هي الدرجات الوظيفية الحكومية وما يلحق بها من الوظائف الأهلية، وقد تقدم في «الفقه الوظيفي».
والثانية الوظائف التعاقدية وهي شائعة وأحكامها كسابقتها.
والثالثة والرابعة هي الإجارات المشتركة، وهو ما يسمى بالأجير المشترك، والإجارات الخاصة، وهو الأجير الخاص.
وما سبق في «الفقه الوظيفي» يغني عن إعادته هنا.
وعقد التوكيلات:
عبارة عن تعاقد بين طرفين: الأصيل والوكيل على بيع منتج الأصيل والدعاية له وضمان صيانته، وقطع غياره ويُضْربُ لذلك أجل.
وفيها نوع مضاربة؛ لأنه دفع مال لبيعه بنسبة في الربح، وفيه نوع إجارة؛ لأنه يبيع مال
стр. 825
غيره بأجر مقطوع، أو نسبة.
وقد تكون التوكيلات في معنى لا في سلعة، كشركات النقل والسفريات والسياحة؛ فإنها توكيلات على منفعة معنوية مستفادة للعميل مقابل عوض على الوكالة.
وقد تجتمع هذه المعاني جميعا في عقد واحد كبعض شركات التوكيلات التي تجمع بين الوكالة في منتج معين وبين المنافع والخدمات والإجارات، وقد لا يكون ذلك، وهو أمر راجع إلى منصوص العقد.
ولا يمكن تخريج هذه العقود على أحكام الإجارات، أو المضاربات، أو الوكالة المفردة المنصوصة في كتب الفقه، ومن رام ذلك تكلف، والتكلف مذموم (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) (ص: ٨٦).
ولأن الشريعة سهلة يسيرة: تطبيقا، وفهما، وعملا، وتفقها.
وتعسير تصور مسائلها خروج عن سننها.
وكل من تكلف في تخريجٍ أو تشبيهٍ بما سبق فالخطأ صنوه.
فمسمى هذه العقود هو ما جرى عليه السوق والعادة من الأسماء؛ لأن الشرع لم يسم العقودَ وإنما بيَّن ما يصح منها، وما لا يصح.
ولم يثبت في نص أنه غيَّر اسما لعقد مع جريان هذا في أسماء الأشخاص والأماكن (١).
فدل على أن الأسماء تؤخذ من التعامل الجمهوري العام بين الناس، ولا يحتاج الفقيه إلا إلى معرفة حقيقة المسمى لينظر في موافقته للشرع ويعطيه حكمه.
وجميع تسميات عقود العصر تبقى على ما هي عليه في السوق، وعمل الفقيه بيان حكمها من النصوص لا من العقود القديمة ولا تغيير اسمها لتكون عقد قرض أو سلم أو صرف أو غيره.
فهذه قاعدة هامة أدى الغفول عنها إلى كثير من التعب والإرهاق لبحَّاثة ومتفقهةٍ وفقهاء.
وعقد الوكالات هو عقد مباح في الأصل؛ لعموم (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩).
стр. 826
وهو أحد أهم عقود التجارة والاقتصاد الجاري في العالم، فشمله حكم الإباحة التجارية من عموم النص.
والنظر في حكمه أولاً هو أن يعطى حكم الإباحة على الأصل المقطوع، ثم ينظر فيما يخرجه عن هذه الدائرة، من محرم مقطوع كعقد ربا، أو محرم منصوص، أو قمار، أو ما ليس عن رضى.
فهذه هي الموانع الأربعة الأصول التي ترجع على كل عقد بالإبطال ويزاد لها خامس هو: العقد المترتب عليه الضرر العام الاقتصادي أو العبادي أو الأخلاقي.
الموانع الخمسة التي تبطل العقود
والموانع التي تعود على عقود المعاملات بالإبطال خمسة ترجع إليها سائر الموانع في النصوص، وهي عقد الربا، وعقد على المحرم المنصوص، وعقد الميسر، وعقد لم يقم على الرضا وعقد ضار عام.
فالربا محرم قطعي (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة: ٢٧٥)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً) (آل عمران: ١٣٠)، (وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ) (الروم: ٣٩)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ* فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ) (البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩).
وعقد البيع غير عقد الربا للنص (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة: ٢٧٥).
فباين الله بين العقدين؛ لأن البيع مقصود به محض المعاوضة والربح، وأما الربا فمقصوده المحض بيع القرض بربح، والقرض لا يباع؛ فَجَعْلُه من أنواع البيع أو الاستثمار خارج عن الحقيقة إلى الحيلة. وهذا ربا الديون، وهو من النسيئة.
أما ربا الزيادة فهو: زيادةٌ في مجلس العقد في أحد العوضين من جنس واحد من الضروريات الغذائية أو النقدية.
стр. 827
فقولنا «في مجلس العقد» خرج به ربا النسيئة.
وقولنا «من جنس واحد» احتراز عن اختلاف الجنسين، فالزيادة مباحة.
وقولنا «من الضروريات» احتراز عن غير هذه المنصوصة؛ لأن عليها تدور الضرورة البشرية «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والزبيب بالزبيب والملح بالملح ربا إلا هاء وهاء فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إن كان يدا بيد» (١).
وفي الأمن الغذائي وضحنا اقتصار العلة على هذه بما لا يمكن للناظر رده.
ويدل على خطأ التعليل بغير هذا شدة الاختلاف في العلة على نحو أربعة عشر قولا.
وكل مسألة اشتد التباين فيها؛ فذلك دليل على عدم النص فيما اختلف فيه ولا قريب من النص، ودليل على خروج الاجتهاد فيها عن سنن التيسير في الشريعة، ودليل على خطئه إلا محل الوفاق.
فيرجع هنا إلى المحل المجمع عليه، ويترك ما سواه.
وكل اجتهاد في حال شدة الاختلاف يدور على المحل المجمع عليه فهو صحيح.
وهذه قاعدة عرفتها بالتتبع والتأمل (٢)، ودليلها (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) (النساء: ٨٢).
فكل ما ليس من عند الله اشتد فيه الاختلاف.
وثاني الموانع المفسدة للعقود هو معاوضة أو بيعٌ لمحرم بالنص.
стр. 828
مُحرَّمٌ منصوص على حرمة بيعه.
وهي: بيع الميتة والأصنام والخنزير ومهر البغي وحلوان الكاهن وبيع الدم وبيع الخمر ومثله أو أشد المخدرات (١).
والمانع الثالث: بيع الميسر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة: ٩٠).
والميسر قسمان: القمار، وهو بيع على الحظ والمغامرة، وَحُرِّم لأنه شديد الخطر والجهالة ويترتب عليه ضرر شديد، والضرر مدفوع. ومن أنواعه بيع الحصاة والملامسة والمنابذة، فهذا هو القسم الأول من الميسر وهو أشده.
والثاني: بيع الغرر. وهو منهي عنه بالنص «نهي عن بيع الغرر» (٢).
وبيع الغرر: هو ما اشتد غلبة إيصاله إلى الضرر على المشتري، ويدخل فيه بيع الملاقيح والمضامين (٣) وما في بطون الأنعام (٤) وبيع السمك في الماء (٥)، وبيع الحب في السنابل بالحب كيلاً، والتمر على النخل بتمر كيلاً (٦).
وبيع الحي بالميت في اللحوم (٧).
стр. 829
وبيع الرطب باليابس من جنسه كالزبيب بالعنب والتمر بالرطب (١)، وبيعتين في بيعة (٢)
стр. 830
وبيع ما ليس عندك (١)، أي لم تملكه أو ملكته وقبضه محتمل العدم بكثرة، وبيع ما لم يقبض إن غلب عدمه (٢)، وربح بما لا يضمن (٣).
وما خف الضرر والغرر فيه والجهالة مما لا يوصل إلى خصومه غالبا خرج عن المنع، كالجهالة بأساس الجدار، وبالخرص، والصبرة، والمزروعات مما تحت الأرض، وجهالة عمل المساقاة والمزارعة والمضاربة وخدمات كثيرة معاصرة.
ويختلف القول في المسائل هنا في المذاهب لاختلاف تحقيق التغرير عند المجتهد في الحادثة من عدمه.
والرابع من الموانع المبطلة للعقود: عدم الرضا (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩).
فشرط للتجارة الرضا. والخلل فيه مؤثر.
стр. 831
ويدخل فيه بيع المعيب بلا بيان، وبيع ما ليس ملكا، ولا ولاية عليه بوكالة أو ولاية نظر؛ لأن الرضى إنما هو من المالك أو من له ولاية.
وبيعُ المجنون والسفيه والصبي لانعدام الرضى أو نقصه. وبيع المحجور عليه والمفلس، لأن الرضا تعلق بآخرين.
وبيع المغصوب والمسروق والمنهوب وبيع الخداع والمغشوش؛ لأنه لا رضى في هذه المسائل ممن له الرضى. وبيع ما لا منفعة فيه. وبيع المصراه (١)، وبيع المكره؛ لظهور اختلال الرضى.
وضابط هذا: كل بيع جرى مع فَقْدٍ أو نقص مؤثر للأهلية، أو مع خلل مؤثر في العين فهو مبطل في الأصل، وخلل العين يدخل فيه العيوب.
وبقي مانع خامس: وهو ما ترتب عنه الضرر العام: بالسوق، أو بالشعائر الدينية الكبرى، أو الأخلاق والمكارم والإنسانية.
ومنه النهي عن تلقي الركبان (٢). وبيع حاضر لباد (٣)، والاحتكار. وبيع التجار خارج السوق حتى يحوزوه إلى رحالهم في السوق (٤). ومن الآخر أعني الضرر بالشعائر الدينية النهي عن
стр. 832
البيعٍ حال النداء للجمعة.
والبيع في المسجد، وأخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلم الشرعي والأذان والدعوة وبيع الأوقاف.
ومن الثالث أعني ما ترتب عنه ضرر ظاهر بالمكارم والإنسانية، بيع فضل الماء، وعسب الفحل؛ لأنه من المكارمات بذلا بلا عوض.
فهذه هي الموانع الخمسة.
فكل عقد في الدنيا -قديماً أو حديثاً إلى يوم القيامة- لا يوجد فيه مانع قاطع منها أو قريب منه فهو مباح.
وكل معاملات العالم التجارية بين المسلمين وغيرهم الأصل فيها الإباحة والحل .
والعقود المالية قديمها وجديدها كثيرة، والأصل فيها الحل (١)، وسنتكلم عن مهمات أحكامها في الأنظمة المالية، ونذكر هنا ما يتعلق بهذا الموضع، فمن ذلك:
- عقد التخليص الجمركي:
وهو: عقد منفعة على استكمال إجراءات تخليص السلع من الجهات الجمركية الرسمية إلى يد المستورد أو من يوكله مقابل عوض مالي.
وهو بهذا عقد إجارة واضح.
- عقد خدمة التحويلات:
والتحويلات المالية خدمة مصرفية عمّت إليها الحاجة، وما كان كذلك فقد رعته الشريعة في الحاجيات؛ إذ يؤدي عدمها إلى تعطل كثير من المصالح التجارية والشخصية وتعسرها.
وبعض الحاجيات تنزل منزلة الضروريات.
وقيدناها «ببعض» لأن إطلاقها عَسِرٌ، فلا يقال الحاجيات تنزل منزلة الضروريات بل بعض الحاجيات، إذ الضروريات مرتبة عالية تختل الحياة وجوداً باختلالها، بخلاف الحاجيات، فإطلاق كون الحاجيات كالضروريات في الحكم لا بد أن يقيد بالبعض.
стр. 833
وصورةُ التحويلات الإلكترونية، أو التلكسية، أو الهاتفية: أن يدفع شخص مبلغا يريد تحويله إلى مستقبل في مكان آخر محلي أو دولي.
ويكون عمل مكتب التحويلات أن يقبضها منه بسند فيه اسمه واسم المحوَّل إليه، والمبلغ، والبلد، ورقم التحويل، وما يحتاج إليه من تفاصيل، ثم يأمُر المكتبَ المحولَّ عليه أن يسلم للمحول له ذلك المبلغ.
وهذه الخدمة بعوض مالي معلوم عند التحويل تؤخذ من العملاء.
وهو عقد مباح، وكسبه حلال؛ لأنه بالنسبة للشخص المحوِّل بالمبلغ عبر مكتب التحويلات عقد مع المكتب على منفعة إيصال المبلغ إلى المستلم المحول إليه بأجرة مدفوعة.
ولأنه بالنسبة إلى مكتبي التحويلات عقد وكالة بينهما، إذ كل منهما وكيل عن الآخر مقابل عوض متفق عليه؛ ففيها وكالة على عمل بأجرة.
ولأن أحدهما يقبض أموالا ويأمر الآخر بدفعها فلا بد من ضمان جهة على تعاملهما كالبنك المركزي أو وكلائه.
ولا شأن للشخص المرسِل والمستلِم إلا بعقد الحوالة المبرم، ولا يتعلق صحة أو بطلان هذا العقد بالعقود الأخرى الخاصة بين المكتبين.
ولو أردنا تعسيرا لقلنا تخريجا:
إن الشخص المحوِّل حين دَفْعِ المبلغ هو مقرض للمكتب بالعاجل، والمكتب محيل على مكتب آخر ملء بأجرة برضا المحوِّل؛ فهو قرض جر نفعا؛ فحرم.
وكذلك نقول فيما بين المكتبين، فأحدهما دائن والآخر مدين، ثم يجري السداد ويتقاسمان مقابل ذلك الفائدة المحصلة من العملاء كأجرة للحوالات.
أو نقول عقد إجارة وقرض؛ فحرم؛ لأن الحوالات إجارة كما مر، وفيها دفع مبلغ قرضا ليعطيه آخر عاجلا بأجرة.
وجميع هذه التخريجات من التعسير على الخلق؛ لأن كل عقد تجاري جرى به التعامل الأصل حله؛ ولا يؤخذ حكمه من عقد آخر بالإلحاق؛ بل حكمه الأصلي الإباحة قطعا على الأصل؛ فمن زحزحه عن هذا كان بدليل في أحد الموانع الخمسة للعقود وإلا فلا حجة له.
стр. 834
ويجب أن يكون المانع واضحا إما بالقطع أو قريب منه، بحيث ينقله عن الإباحة إلى التحريم، وإلا فلا يحق بالاحتمالات والتخريجات المشككة تحريم ما جعله الله مباحا على الأصل للعباد (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩)، و (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة: ٢٩).
وهذا الخلق يقتضي سائر التصرفات، ومنها العقود، فما أكثر ما في الأرض جميعا وما أكثر عقودها؛ فإن كان لا يحل إلا إذا شابه عقدا قديما بطل الامتنان وضاق على الخلق معاشهم.
عقود خدمة الهاتف:
وعقود خدمات الهواتف الثابتة والمتحركة والسلكية واللاسلكية عقود مباحة قائمة على بيع المنفعة، وهي وحدات الاتصال المقدرة بالزمن والمسعرة بحسب ذلك.
وهو عقد خدمي مباح جارٍ في التعامل التجاري من حاجيات العصر الحديث، فهو على أصل (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩)، (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة: ٢٧٥).
ولو خَرَّجناه على أنه عقد بيع للشريحة المشفرة -التي تبيعها الشركة ومزودو الخدمة- مجموعٌ مع عقد إيجار للمنفعة التي تُشْتَرى على الدوام بتعبئة كروت الشحن، أو أي وسيلة.
فيجتمع عقدان، وقد نهي عن بيعتين في بيعة بالنص لخرجنا حينئذ عن التيسير، وعن أصل الإباحة في عقود التجارات باجتهاد محتمل لا يُسَلَّم عند آخر، ويضيق به على الخلق، وما عسر على الخلق فهو غير موافق لأصل التشريع في التيسير، فبطل.
بل نقول هو عقد بيع خدمة يتم به نقل ملكية الرقم والشريحة وتزويد المالك بخدمة الاتصال.
وأما شراء وحدات الاتصال كلما نفدت فهو بيع جديد لا علاقة له بأصل العقد السابق، وهو كشراء مستأجر الأرض الزراعية الحبوب لزراعتها.
ولو أن الشركات تبيع الهواتف ضمن العقد ولا يمكن إجراء الخدمة إلا بذلك لجاز على الأصل.
ولكن لما جرى التعامل على فصل عقد شراء الشريحة، والإمداد بالخدمة، وعقد شراء
стр. 835
الهاتف كان جمعهما بالإجبار حينئذ حيلة لإنفاق السِّلَع؛ ولحصل اختلال في ركن الرضى، فحرم؛ ودخل في بيعتين في بيعة وهو منهي عنه.
ويجوز إجراء عقد على توفير الخدمة باشتراك شهري مقطوع، سواء حصل الاتصال أو لا.
نظيره إيجار عقار؛ فيجب الدفع لمجرد القبض، ولو لم يسكن.
والجمع بين اشتراك شهري وشراء وحدات جائز -كذلك- على الأصل إن كان عن تراض وكان للاشتراك ميزة على غيره؛ فإن لم يكن له ميزة فهو أكل للمال بالباطل؛ لأنه بلا عوض.
وخدمات الانترنت: منفعة معتبرة جرى عليها التعامل المعاصر تجارةً، وصارت من حاجيات العصر كوسيلة لإقامة خدمات العالم اقتصاديا، ومدنيا، وعلميا، وتجاريا، وسياسيا، واجتماعيا.
والخدمة تزود بعقد معاوضة مقصودها الربحية.
فهي مال متقوم من نوع المنافع يعاوض عليه بالثمن.
والأصل فيها الإباحة، كانت باشتراك مقطوع أو بالدفع المسبق أو غيره.
وإبرام عقود المعاوضات من خلاله جائزٌ في حال جريان التعامل به والوثوق بالمصدر، وقد سبق (١).
عقد الاعتماد المستندي:
الاعتماد المستندي هو عقد على خدمة يقوم بها البنك للعميل المستورد سلعة علتها تسهيل التجارات الدولية وموثوقية مطابقة مواصفات البضاعة للمستورد المشتري وموثوقية استلام ثمنها للمورد البائع.
فهذه علتها الأصلية. وأما أركانها فهي: المستورد، والبنك، والسلعة، والمورد، والعقد مع البنك.
أما المستورد فهو طالب السلعة. وهو مشترٍ. وأما المورِّد فهو بائع السلعة. وأما البنك فهو وكيل وضامن في الجملة بأجرة، ولأن البنك ضامن ووكيل على الطرفين فإنه لا بد له من ضمان على ما يدفعه.
стр. 836
فيطلب من المشتري المستورد ضمانا على تغطية القيمة التي سيقدمها عنه البنك، وعلى أثره يقوم البنك بإصدار مستندات توضح الدفع والملكية للمستورد وله أن يحجزها عنده كرهن حتى الدفع.
ويقوم بإشعار الطرف الآخر المورِّدِ بذلك، أي بالدفع وما يتعلق بإتمام العملية، ويأمره بإرسال وثائق الشحن، فإذا تأكد البنك من المطابقة وتمام العملية حول له القيمة على بنك آخر أو إليه مباشرة.
فإن دفع المستورد كامل الثمن للبنك فظاهر، أو دفع جزءا ودفع البنك ما تبقى طلب منه ضمانة لتغطية ذلك.
وللبنك أن يسلك مسلكا آخر، وهو أن يشتري السلعة ثم يبيعها للمستورد بالمرابحة.
أو يقرض المستورد القيمة، ويكون وكيلا في بقية الإجراءات بعوض مالي.
وجميع الصور جائزة.
فإن أقرضه المبلغ وفرض عليه فائدة على المبلغ فيمكن القول بالبطلان.
ويمكن القول بالجواز لأن المعاملة ليست قرضاً إنما هي شراء لشخص، وتقديم الثمن ثم أخذ أجرة على عملية الوكالة وإجراء الاعتماد المستندي.
وما أجاز خير مما منع؛ لأن الأصل الإباحة.
وقد أجاز العلماء «تصدق بدارك عني، واشتر لي كذا» والتقدير: بعني دارك، وثمنه قرضةً عندي ثم كن لي وكيلا في التصدق به. والتقدير في الآخر: أقرضني واشتر لي كذا وكذا به، وأنا أعطيك القرض وأجرة السعاية في الشراء.
فليست الأجرة على مجرد القرض، وإنما هي مقابل عمل معتبر شرعا وعرفا.
أما عقد الضمان: فهو إحدى عقود الخدمات التجارية اليوم، وهو متداخل في كثير من العقود والخدمات.
فقد يكون أصل العقد بيعا مع ضمان السلعة، أو الجودة، أو العيب، وهو جائز.
وقد يكون عقدا مستقلا، وهو عقد ضمان أجنبي عن آخر، إما ضمانا ماليا أو ضمانَ
стр. 837
إيصال، وهما: عقدان في الفقه.
ويجوز أخذ العوض المالي مقابل الضمان؛ لعدم ورود المانع الصحيح الصريح عن ذلك.
ولجريان التعامل التجاري عليه؛ إذ أصبح عقد الضمان أحدَ المعاملات التجارية الربحية؛ فيشملها النص (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩).
وخطاب الضمان البنكي بعوضٍ جائز؛ لأنها أجرة للبنك على إصداره، والقيام مقام الوكيل في الدفع؛ فالأجرة ليست على فائدة المبلغ الذي يدفعه البنك، بل هي عمولة على عمل يقوم به البنك هو الوكالة في كافة الإجراءات المتعلقة بالخطاب والدفع أمام المستفيد، وكل ما يمكن شرطه عليه مقابل ذلك وعليه فالأصل فيه الإباحة.
وهو عقد وكالة واضح والأجرة عليها.
وللوكيل أن يقدم من ماله عن الأصيل ما هو مفوض فيه، ويكون قرضا، ومن ادعى المنع لزمه الدليل القائم الخالي عن المماثل والمقاوم.
وعقد التأمين: عقد جديد تجاري قائم على الربحية في الأصل. مقابل تقديم خدمة دفع المفاسد عن العميل طالب التأمين في مجال معين. ولا أجد فيه مانعا من الموانع الخمسة المعتبرة التي يدور عليها المنع الشرعي وهي: مانع الربا في الدين والعين الربوية المحددة شرعا في النص، ومانع كون المعقود عليه محرما بالنص، ومانع كون العقد من الميسر وهو القمار، وكون العقد من الغرر الفاحش الذي يضر بأحد الطرفين بما لا يتسامح فيه وهو نوع من الميسر.
ومانع اختلال الرضى بخلل الأهلية أو خلل ما عقد عليه.
ومانع الضرر العام على السوق أو الناس أو الدين أو الأخلاق والمكارم.
أما أن تجعله عقدا آخر قديما ثم تُورِدُ عليه مانعاً؛ فهذا خلاف الحقيقة؛ لأن محل التحقيق هو في هذا العقد بكيفيته الآن لا على عقدٍ آخر قديم.
فورود المانع عليه لا على هذا العقد.
ولأن الأصل الإباحة بيقين؛ فمن نقله عنها احتاج إلى دليل.
стр. 838
ولأنه عقد تجارات، وركنها الرضى وعدم الموانع؛ والرضى موجود، والموانع غير موجودة.
فالربا لا يوجد فيه لأنه ليس قرضا، ومن حرمه لذلك فقد حرم عقدا آخر؛ لأن عقد التأمين ليس بعقد قرض أصلا، بل هو عقد بيع منفعة معروفة المحل معلومة غايتها القصوى والدنيا.
ولأن القرض قائم على «أقرضني» كذا، ولا تقول شركات التأمين ذلك، بل تقول أقدم خدمَة دفع الضرر عنك الأقصى والأدنى. وما بينهما في نفسك، أو مالك، وقيمة الخدمة اشتراك سنوي، أو شهري بمبلغ معين.
والشريعة ما جاءت إلا لدفع المفاسد والضرر، وعمل شركات التأمين كذلك.
ولأن مصالحها غالبة للطرفين، والشريعة راعية للمصالح.
ولأنها ليست بيع نقد بنقد حتى تجري فيه أحكام الصرافة، ولا بيع نقد بسلعة تجارية يلزم قبضها عاجلا أو مؤجلا.
فلا يجري عليه المانع، ولا بيع محرم عينه بالنص، ولا بيع قمار؛ لأنه غير دافع مالا مقابل سلع متعددة بالحظ.
ولا غرر فاحش فيه يؤدي إلى الضرر بأحد الطرفين.
بل هو محدد بأعلى وأدنى وما بينهما، وبشكل مدروس وعوض مرض، لدفع الضرر حال حصوله.
ولأن بيع المنافع أوسع من بيع الأعيان، والجهالات فيها أوسع.
ولذا شرط للعامل جزء الربح مع جهالة عمله في المضاربة، وجهالة هل يربح أو لا؟
وجهالة كثير من الجهد الذي يبذله العامل في المساقاة، كلها بالتقدير العام بحد أعلى وأدنى وغالب متوسط، وجواز الأجرة على الرقيا بالنص مع جهالة القدر وجواز الأجرة للوكيل على الخصومة، والمحاماة، وجواز الأجرة على الاستصناع وهو بيع وأجرة مع جهالة تفاصيل الجهد والمواد إلا بتخمين عام كلي بحد أعلى وأدنى.
وجواز رد القرض من جنس آخر إن رضي المقرض حال الدفع.
والتأمين يغتفر فيه الجهالات التفصيلية؛ لأنها معلومة بالتحديد الكلي كحد أعلى وأدنى ومتوسط.
стр. 839
كما تغتفر تلك الجهالات التفصيلية فيما سبق، ولأنها جهالة لا تؤدي إلى ضرر ولا خصومة على الطرفين.
وأعظمُ دليلِ مَنْ مَنَعَها جَعْلُها عقدا قديما كالقرض، ثم إنزال أحكام القرض عليه.
وهذا خطأ فقهي أثر على الاستنباط والاجتهاد حتى في العقائد؛ إذ هرب فريق إلى التأويل أو التعطيل؛ لأنهم ألزموا أنفسهم تشبيه الصفات الرحمانية بالصفات المخلوقة؛ فأوجبوا القياس فيما لا يجب، وكذلك هنا لا يوجد نص لا يبيح العقود إلا إذا خرجت على عقد مسمى فقهي، بل جعل الشرع الأصل الإباحة التجارية العامة؛ ثم فرض ركن الرضى، وامتناع موانع محددة إن خلا عنها العقد فهو شرعي صحيح.
فكل عقد تجاري في العالم أصله إلى يوم القيامة (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩)، (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة: ٢٧٥).
فإذا وجد مانع شرعي وهو أحد الخمسة الموانع اليقينية حرم، ولا يحرم حتى يكون المانع موجودا يقينا أو قريبا منه، وقد بينا ذلك فيما مر.
أما الاحتمال والتخمين والشك فهو مذموم (وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (النجم: ٢٨)، (وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ) (البقرة: ٧٨)، (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) (الحجرات: ١٢).
وإذا أردت أن تعرف حكم أي عقد شرعا، فهب أنه مباح على الأصل ثم اعرضه على الموانع الشرعية؛ فإن سلم بقي على يقين الإباحة.
وأما عقود التسويق والوساطة التجارية والدعاية والإعلان فلا غبار على جوازها؛ لأنها إجارة على عمل معين، فإن اقترنت بصناعة الإعلان ومواده مع نشره وتوزيعه والترويج له فهو عقد جامع لمعان كعقد الصناعة والإجارة، وهو صحيح على الأصل، ولعدم الموانع، ولا حاجة لتخريجه على الإجارة أو الوكالة أو الاستصناع حتى يحل؛ لأنها عقود تفتقر إلى الدليل وليست هي الدليل.
فإن كان مفوضا بالبيع فهو وكيل بأجرة، ويجوز أن يجمع بين التسويق ووكيل البيع
стр. 840
وضمان السلعة ويأخذ عمولة على الكل؛ لأن عقد التسويق قد يتضمن هذه جميعا، والعمولة هي أجرة على هذه الأعمال الخدمية التي هي مقومة بعوض مالي في السوق التجاري الآن؛ فيجري فيها أصل الإباحة.
والأنظمة المالية خمسة:
١ - نظام التملك
٢ - نظام الاستثمار
٣ - نظام الحماية
٤ - نظام الإنفاق وتوزيع الثروة
٥ - نظام الإرفاق والتسهيلات
أما النظام الأول فهو: نظام التملك، وهو قائم على خمس طرق:
الأولى: المعاوضات المحضة: وهي البيع والشراء وكافة المعاملات التجارية.
الثانية: المعاوضة غير المحضة: وهي ما لا يقصد بها الربح، وإنما التعويضات والمكارمات كالأروش والديات والمهور والنفقات.
الثالثة: التبرر والتبرع، ويشمل الهبات والأوقاف، والوصايا، والنذور.
الرابعة: الفرض الشرعي، ويشمل الزكوات، والمواريث، والغنائم، وتوزيع الثروات الواجبة (وهو ما يشمل الفيء بالمعنى الأوسع الذي وضحناه في هذا الكتاب بأنه سائر ثروات الدولة بشرط معين).
الخامسة: الإباحة العامة، كالصيد البري والبحري، والاحتطاب، والاحتشاش، والسبق بوضع اليد كإحياء الموات.
ولنبدأ بالمعاوضات المحضة:
فالمعاوضات المالية رأسها عقود البيوع النقدية والعينية والمنافعية والسهمية والحقوقية.
فالأول الصرف. والثاني ظاهر والثالث باب الإجارات والمنافع والخدمات. والرابع عقود بيع الأسهم في البورصات والشركات والبنوك والصناديق. والخامس عقود بيع الحقوق المالية.
стр. 841
قاعدة هامة:
قلنا: إن جميع المعاوضات المالية المدنية والتجارية على وجه الأرض الأصل فيها الصحة والإباحة، ولا يحرم منها شيء إلا بأحد موانع خمسة هي: الربا، وبيع محرم بالنص، والميسر وهو القمار والغرر وهو نوع من القمار، وانعدام ركن الرضى، والضرر العام على السوق أو الدِّين أو المكارم.
فإذا طرأ مانع عليها يقينا أو غالبا منع العقد شرعا.
وقلنا «إذا طرأ» ولم نقل «إذا خلت عن الموانع صحت»؛ لوجود فرق هام بين العبارتين؛ إذ الأولى مفيدة أن المعاوضة قائمة على يقين الصحة فلا تزول إلا بمانع معتبر.
والثانية تفيد أن المعاوضة فيها موانع يجب أن تخلو منها حتى تحل.
وبهذين الاعتبارين تختلف الفتاوى والفهوم والأنظار.
وهذه الثانية طريقة خاطئة في النظر؛ لأنها مخالفة للأصل.
ولأدائها إلى إبطال أي معاملة بمجرد أن الأصل الوجود لأي اشتباه بالمنع.
فيلجأ أهل هذه الطريقة إلى البحث في عقد قديم للإلحاق به، وتحصل هنا العجائب؛ لأنه قياس على أضعف قياس وهو مجرد الشبه.
وقياس على عقد أعطي حكما شرعيا بالنص العام والأصل العام وهو الإباحة (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة: ٢٧٥)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩)، (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) (المائدة: ٥) أي أكلا وشربا واستعمالا ومعاوضة، وكل بحسبه.
(وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ) (الأعراف: ١٥٧) فالخبائث محرمة في استعمالاتها والمعاوضات عليها.
وكل المعاملات التجارية داخلة تحت هذا.
وجاء رسول الله ﷺ وثم معاملات أقرها على هذه الأصول إلا الربا، وبيع الميسر، والمحرمات من خمر وميتة، وما كان عن غير رضى، أو أضر بالناس.
стр. 842
وما جاء بعده من المعاملات المستجدة إلى عصرنا هذا لا تخرج عن هذه الأصول، ولا حاجة إلى مشابهتها لعقد مسمى قديم، لأننا غير متعبدين بها كوسائل للمعاوضات، ومنع غيرها إلا إذا شابهتها.
فالعقود وسائل للتملك والانتفاع بما في الأرض؛ فكل عقد قديم كان وسيلة في زمن وقد يستجد في زمن آخر غيره باسم آخر وتراكيب أخرى، فلا مانع شرعا من هذا الاستحداث، ومن ادعى أننا متعبدون بتلك العقود محرم علينا استحداث غيرها فلا حجة له.
ومن ادعى أننا متعبدون بالاستخلاف في الأرض بكافة إمكانياتها المسخرة وبكل عقد خدم ذلك إلا إن طرأ عليه مانع به لا مفر منه فقد أصاب.
وإذا تبين ما تقدم وجب علينا بيان ما يناقض أصول المعاملات التجارية مما هو ضعيف وأدى التقليد بلا نظر فيه إلى استنباط أصول منه جعلت المعاملات الشرعية أشد صعوبة وارتباكا.
وقد آثرنا ذكرها في أول فقه الأموال لتكون كالقانون الكلي للناظر وشأنه أن يذكر في المقدمات لأن ما سواه مضبوط به أو دائر عليه.
- ركن التراضي:
وركن البيع الرضى، وخلوه من مانع من الموانع الأربعة؛ لقوله تعالى (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩).
والاكتفاء بالرضى في النص يشمل:
أ- كمال الأهلية، فلا بيع لمجنون ولا سكران ولا نائم ولا مغمى عليه؛ لعدم إمكان الرضى الحقيقي منهم، ولا صبي ولا سفيه ولا مكره إكراها ملجئا لنقص أهلية الرضى؛ لأن أصله من الرشد وكمال معرفة المنافع والمضار.
ب- وركن الرضى يقتضي أن يكون العاقد مالكاً، أوله وكالةٌ أو ولايةٌ؛ فيحرم بيع المسروق؛ لأنه غير مملوك للبائع، فلم يقع الرضى من المالك؛ فبطل البيع.
وهو مشمول بالنص (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (النساء: ٢٩)، وبيع المال
стр. 843
المختلس محرم، والعقد باطل لنفس العلة، وكذا بيع المنهوب والمغصوب إذا باعه الناهب والغاصب.
ج- ويجب ظهور ما يدل على الرضى في البيع من صيغة أو تصرف.
فالصيغة نعني بها كل ما أفاد تناقل الملك بين العاقدين بالمعاوضة، كبعت، وقبلت، ولو قدم أحدهما جاز، كقبلت الشراء فقال: بعت؛ لأن الشرع ترك النص على تفصيل هذه المسائل؛ فعلم صحة ما تراضى الطرفان على كونه ناقلا للملك بأي لغة، أو تصرف، وترك الاستفصال في قضايا الأحوال يحمل على العموم في المقال.
فكل صورة دالة على التراضي بالتعاوض جاز عقد البيع.
ولأن الله يقول (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١)، أي عن المسائل التي لم ينص على تحريمها، وهذه منها، ويقول (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ) (الطلاق: ٦)، ويقول (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) (الأعراف: ١٩٩)، فدل على اعتبار جريان العادة بين الخلق في بناء الأحكام، فما جرت به العادات من ألفاظ تناقل الملك في المفاوضات والبيوع صح.
ويجب في اللفظ أن يكون صريحا في المطلوب على الرضى في التعاوض، والصراحة هنا عند المتبايعين، ومن لزم العقد حضوره من الشهود.
وقولنا «هنا» حتى لا يحمل على الصرائح اللغوية؛ لأنها قد تكون مهجورة في تعامل الناس.
وقولنا «من لزم العقد حضوره» ولم نطلق القول في الأشهاد؛ لأنه لا يقع في أكثر معاملات البيع البسيطة.
وقوله تعالى (وَأَشْهِدُوْا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) (البقرة: ٢٨٢) أمر على الإشهاد في البيع.
وقبله في نفس الآية الأمر بالإشهاد على الديون (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ) (البقرة: ٢٨٢).
والأصل فيهما الإيجاب.
واستثني بالنص المعاملات التجارية الحاضرة الدائرة بين الناس (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا) (البقرة: ٢٨٢).
стр. 844
والمقصود بها أكثر التجارات العادية اليومية التي تدور بين الخلق بيعاً وشراءً، ولو لم يرد هنا الاستثناء لوجب كتابة كل البياعات التجارية البسيطة الدائرة في الحاجيات اليومية، ولو محقرا، ولأدى هذا إلى التعذر وشدة الضيق والحرج على الناس في أرزاقهم، وللزم وجود شهود وكاتب على وجه الدوام في كل محل تجاري ولتعذرت التجارات التي يدور عليها رزق الخلق، وما عسر خرج عن مقصود الشرع في التيسير، فبطل.
ولا يكون الإشهاد شرطاً في البيع إلا فيما لا يتم إلا به عادة وعرفا، كبيع العقارات والسيارات.
وكل ما قضى العرف والعادة بالطعن في العقد لأجل الشهود فالإشهاد فيه ركن أو شرط لا يتم العقد إلا به؛ لأن العادة محكَّمة، والعرف معتبر (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) (الأعراف: ١٩٩)؛ ولأن دفع وسائل ضياع الأموال واجبة؛ فإن كان لا يتم الحفظ إلا به فهو واجب ركني أو شرطي كالإشهاد في البيعات التي لا يعترف بنفاذها وصحتها عرفا وعادة وقضاء إلا بها.
ولورود «البينة على المدعي واليمين على المنكر» (١).
стр. 845
فمدعي الملك أمام القضاء أو المحكَّم عليه بينة عادلة، ولا بينة غالباً إلا بإشهاد وإلا بطلت دعواه الملك، فوجب كركن أو شرط في البيع الذي لا يتم إلا به دفعا لضياع الحقوق والأموال.
وكتابة العقد والإشهاد عليه في كل معاملة لا يتم اعتمادها إلا بهما يدخلهما في الواجب الركني في العقد.
واعتماد كتابة عقود البيع والإشهاد عليها صريح في معرفة الرضى؛ لأنه ينبئ عنه صراحة.
وإصدار توثيق آلي من جهة معتمدة كشركة أو بنك أو بورصة يقوم مقام تعيين الشهود والكاتب؛ لأن المقصود الشرعي متحقق فيه بالأولى.
فتحصل من هذا:
أ- أن ركن البيع هو الرضى.
ب- وأن أركان الرضى راجعة إلى ما لا يستفاد إلا به من الأهلية واللفظ أو التصرف والإشهاد والتوثيق.
ج- والقاعدة التي نستنبطها من هذا أن أركان البيع وشروطه تتغير زمانا ومكانا وأحوالاً.
د- وأن أركان البيع راجعة إلى الرضى والمعرفة التامة بالسلعة والعوض؛ بما يفيد صراحة الرضا عن الصفقة، ولا يتم الرضا إلى بذلك، فأفاد الركنية.
فركن البيع في الجملة هو الرضى.
وأركانه بالبسط هي أركانٌ تحقق الرضى، وهي كل ما لا يتم معرفة الرضى وتحققه إلا بها.
وهي في عصرنا في كبار المعاملات كالعقارات والسيارات والشركات والمعاملات المصرفية ونحوها:
١ - أهلية العاقدين، وهو يشمل العقل والبلوغ والرشد والأهلية على العقد بملك أو وكالة أو نظر.
٢ - صراحة اللفظ أو الفعل في البيع، ونعني بالصراحة ما عرف عادة أنه صريح من إيجاب وقبول لفظي أو فعلي.