قاعدة هامة:
قلنا: إن جميع المعاوضات المالية المدنية والتجارية على وجه الأرض الأصل فيها الصحة والإباحة، ولا يحرم منها شيء إلا بأحد موانع خمسة هي: الربا، وبيع محرم بالنص، والميسر وهو القمار والغرر وهو نوع من القمار، وانعدام ركن الرضى، والضرر العام على السوق أو الدِّين أو المكارم.
فإذا طرأ مانع عليها يقينا أو غالبا منع العقد شرعا.
وقلنا «إذا طرأ» ولم نقل «إذا خلت عن الموانع صحت»؛ لوجود فرق هام بين العبارتين؛ إذ الأولى مفيدة أن المعاوضة قائمة على يقين الصحة فلا تزول إلا بمانع معتبر.
والثانية تفيد أن المعاوضة فيها موانع يجب أن تخلو منها حتى تحل.
وبهذين الاعتبارين تختلف الفتاوى والفهوم والأنظار.
وهذه الثانية طريقة خاطئة في النظر؛ لأنها مخالفة للأصل.
ولأدائها إلى إبطال أي معاملة بمجرد أن الأصل الوجود لأي اشتباه بالمنع.
فيلجأ أهل هذه الطريقة إلى البحث في عقد قديم للإلحاق به، وتحصل هنا العجائب؛ لأنه قياس على أضعف قياس وهو مجرد الشبه.
وقياس على عقد أعطي حكما شرعيا بالنص العام والأصل العام وهو الإباحة (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة: ٢٧٥)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩)، (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) (المائدة: ٥) أي أكلا وشربا واستعمالا ومعاوضة، وكل بحسبه.
(وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ) (الأعراف: ١٥٧) فالخبائث محرمة في استعمالاتها والمعاوضات عليها.
وكل المعاملات التجارية داخلة تحت هذا.
وجاء رسول الله ﷺ وثم معاملات أقرها على هذه الأصول إلا الربا، وبيع الميسر، والمحرمات من خمر وميتة، وما كان عن غير رضى، أو أضر بالناس.
стр. 842
وما جاء بعده من المعاملات المستجدة إلى عصرنا هذا لا تخرج عن هذه الأصول، ولا حاجة إلى مشابهتها لعقد مسمى قديم، لأننا غير متعبدين بها كوسائل للمعاوضات، ومنع غيرها إلا إذا شابهتها.
فالعقود وسائل للتملك والانتفاع بما في الأرض؛ فكل عقد قديم كان وسيلة في زمن وقد يستجد في زمن آخر غيره باسم آخر وتراكيب أخرى، فلا مانع شرعا من هذا الاستحداث، ومن ادعى أننا متعبدون بتلك العقود محرم علينا استحداث غيرها فلا حجة له.
ومن ادعى أننا متعبدون بالاستخلاف في الأرض بكافة إمكانياتها المسخرة وبكل عقد خدم ذلك إلا إن طرأ عليه مانع به لا مفر منه فقد أصاب.
وإذا تبين ما تقدم وجب علينا بيان ما يناقض أصول المعاملات التجارية مما هو ضعيف وأدى التقليد بلا نظر فيه إلى استنباط أصول منه جعلت المعاملات الشرعية أشد صعوبة وارتباكا.
وقد آثرنا ذكرها في أول فقه الأموال لتكون كالقانون الكلي للناظر وشأنه أن يذكر في المقدمات لأن ما سواه مضبوط به أو دائر عليه.
- ركن التراضي:
وركن البيع الرضى، وخلوه من مانع من الموانع الأربعة؛ لقوله تعالى (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩).
والاكتفاء بالرضى في النص يشمل:
أ- كمال الأهلية، فلا بيع لمجنون ولا سكران ولا نائم ولا مغمى عليه؛ لعدم إمكان الرضى الحقيقي منهم، ولا صبي ولا سفيه ولا مكره إكراها ملجئا لنقص أهلية الرضى؛ لأن أصله من الرشد وكمال معرفة المنافع والمضار.
ب- وركن الرضى يقتضي أن يكون العاقد مالكاً، أوله وكالةٌ أو ولايةٌ؛ فيحرم بيع المسروق؛ لأنه غير مملوك للبائع، فلم يقع الرضى من المالك؛ فبطل البيع.
وهو مشمول بالنص (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (النساء: ٢٩)، وبيع المال
стр. 843
المختلس محرم، والعقد باطل لنفس العلة، وكذا بيع المنهوب والمغصوب إذا باعه الناهب والغاصب.
ج- ويجب ظهور ما يدل على الرضى في البيع من صيغة أو تصرف.
فالصيغة نعني بها كل ما أفاد تناقل الملك بين العاقدين بالمعاوضة، كبعت، وقبلت، ولو قدم أحدهما جاز، كقبلت الشراء فقال: بعت؛ لأن الشرع ترك النص على تفصيل هذه المسائل؛ فعلم صحة ما تراضى الطرفان على كونه ناقلا للملك بأي لغة، أو تصرف، وترك الاستفصال في قضايا الأحوال يحمل على العموم في المقال.
فكل صورة دالة على التراضي بالتعاوض جاز عقد البيع.
ولأن الله يقول (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١)، أي عن المسائل التي لم ينص على تحريمها، وهذه منها، ويقول (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ) (الطلاق: ٦)، ويقول (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) (الأعراف: ١٩٩)، فدل على اعتبار جريان العادة بين الخلق في بناء الأحكام، فما جرت به العادات من ألفاظ تناقل الملك في المفاوضات والبيوع صح.
ويجب في اللفظ أن يكون صريحا في المطلوب على الرضى في التعاوض، والصراحة هنا عند المتبايعين، ومن لزم العقد حضوره من الشهود.
وقولنا «هنا» حتى لا يحمل على الصرائح اللغوية؛ لأنها قد تكون مهجورة في تعامل الناس.
وقولنا «من لزم العقد حضوره» ولم نطلق القول في الأشهاد؛ لأنه لا يقع في أكثر معاملات البيع البسيطة.
وقوله تعالى (وَأَشْهِدُوْا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) (البقرة: ٢٨٢) أمر على الإشهاد في البيع.
وقبله في نفس الآية الأمر بالإشهاد على الديون (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ) (البقرة: ٢٨٢).
والأصل فيهما الإيجاب.
واستثني بالنص المعاملات التجارية الحاضرة الدائرة بين الناس (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا) (البقرة: ٢٨٢).
стр. 844
والمقصود بها أكثر التجارات العادية اليومية التي تدور بين الخلق بيعاً وشراءً، ولو لم يرد هنا الاستثناء لوجب كتابة كل البياعات التجارية البسيطة الدائرة في الحاجيات اليومية، ولو محقرا، ولأدى هذا إلى التعذر وشدة الضيق والحرج على الناس في أرزاقهم، وللزم وجود شهود وكاتب على وجه الدوام في كل محل تجاري ولتعذرت التجارات التي يدور عليها رزق الخلق، وما عسر خرج عن مقصود الشرع في التيسير، فبطل.
ولا يكون الإشهاد شرطاً في البيع إلا فيما لا يتم إلا به عادة وعرفا، كبيع العقارات والسيارات.
وكل ما قضى العرف والعادة بالطعن في العقد لأجل الشهود فالإشهاد فيه ركن أو شرط لا يتم العقد إلا به؛ لأن العادة محكَّمة، والعرف معتبر (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) (الأعراف: ١٩٩)؛ ولأن دفع وسائل ضياع الأموال واجبة؛ فإن كان لا يتم الحفظ إلا به فهو واجب ركني أو شرطي كالإشهاد في البيعات التي لا يعترف بنفاذها وصحتها عرفا وعادة وقضاء إلا بها.
ولورود «البينة على المدعي واليمين على المنكر» (١).
стр. 845
فمدعي الملك أمام القضاء أو المحكَّم عليه بينة عادلة، ولا بينة غالباً إلا بإشهاد وإلا بطلت دعواه الملك، فوجب كركن أو شرط في البيع الذي لا يتم إلا به دفعا لضياع الحقوق والأموال.
وكتابة العقد والإشهاد عليه في كل معاملة لا يتم اعتمادها إلا بهما يدخلهما في الواجب الركني في العقد.
واعتماد كتابة عقود البيع والإشهاد عليها صريح في معرفة الرضى؛ لأنه ينبئ عنه صراحة.
وإصدار توثيق آلي من جهة معتمدة كشركة أو بنك أو بورصة يقوم مقام تعيين الشهود والكاتب؛ لأن المقصود الشرعي متحقق فيه بالأولى.
فتحصل من هذا:
أ- أن ركن البيع هو الرضى.
ب- وأن أركان الرضى راجعة إلى ما لا يستفاد إلا به من الأهلية واللفظ أو التصرف والإشهاد والتوثيق.
ج- والقاعدة التي نستنبطها من هذا أن أركان البيع وشروطه تتغير زمانا ومكانا وأحوالاً.
د- وأن أركان البيع راجعة إلى الرضى والمعرفة التامة بالسلعة والعوض؛ بما يفيد صراحة الرضا عن الصفقة، ولا يتم الرضا إلى بذلك، فأفاد الركنية.
فركن البيع في الجملة هو الرضى.
وأركانه بالبسط هي أركانٌ تحقق الرضى، وهي كل ما لا يتم معرفة الرضى وتحققه إلا بها.
وهي في عصرنا في كبار المعاملات كالعقارات والسيارات والشركات والمعاملات المصرفية ونحوها:
١ - أهلية العاقدين، وهو يشمل العقل والبلوغ والرشد والأهلية على العقد بملك أو وكالة أو نظر.
٢ - صراحة اللفظ أو الفعل في البيع، ونعني بالصراحة ما عرف عادة أنه صريح من إيجاب وقبول لفظي أو فعلي.
стр. 846
٣ - العوض والمعوض، وهي السلعة والثمن وشرطهما معرفة السلعة وثمنها بما يخرجها عن حيز الجهالة ويتحقق بها الرضى.
وقولنا «في كبار المعاملات» خرج بها ما دار من معاملات البيع والشراء الاستهلاكي الحاضر بين الناس لأنه يتم تحققه بمجرد التعاطي ودفع الثمن وسقط الإشهاد حينئذ؛ لأنه متعذر ونظيره الكتابة (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ) (البقرة: ٢٨٢).
وقام صريح الفعل مقام صريح القول في لفظ الإيجاب والقبول.
- شروط البيع:
وشروط البيع هي كل ما دفعت الموانع، أو لا يتم العقد إلا بها من الأمور الخارجة عن الأركان.
فيشترط الخلو من الربا، وكون العقد على مباح لا على محرم.
ويشترط الإشهاد والتوثيق فيما لا يتم التملك إلا به من المعاملات كالعقارات، ومعرفة العوضين معرفة تخرجهما عن الجهالة والغرر والخطر احترازا عن الميسر وهو القمار ومن التغرير الشديد أو الجهالة المؤثرة.
وإن توفرت الأركان والشروط وعدمت الموانع صح عقد البيع.
- الموانع الخمسة:
والموانع الخمسة هي ما تعود على العقود بالإبطال؛ لكونها واردة على إبطال ركن أو شرط.
وهي: الربا وتحريم عين السلعة، والميسر وتشمل القمار والغرر والجهالة الفاحشة، وعدم الرضى، وترتب ضرر في الصفقة عاما أو خاصا.
١ - فعقد الربا ليس بعقد بيع أصلا (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة: ٢٧٥).
والبنوك والمصارف والبورصات وبيوت المال التي تقدم القرض على أنه بيع تجاري مبني على الفائدة واضحٌ التحريم فيها؛ للنص على تحريم عقد الربا، وإخراجِه من عقد البيع المباح.
فليس هو بعقد بيع، بل عقد قرض مؤجل لازم الفائدة.
стр. 847
والنص على التحريم وارد في عين هذه المسألة؛ لأنه في الديون بالفائدة بدليل (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) (البقرة: ٢٨٠).
- القرض وأحكامه:
والقرض يصح في أنواع المال الثلاثة: السهم، والنقد، والعين.
ولا يجري في الحقوق ولا في المنافع.
فمن أقرض أسهما لآخر ردها أسهما من نفس النوع، فلو باعها له وأجله الثمن فالقرض في الثمن لا في عين السهم.
ويجوز القرض في النقد من أي عملة وترد من نوعها بلا فائدة.
فإن ردها له بعملة أخرى بقيمة يوم القضاء جاز إن رضي المقرض.
ولا يعتبر صرفا؛ لأنه -أي الصرف- بيع عملة بأخرى في مجلس العقد بقصد الربح.
وعقد القرض ليس ببيع، بل هو إحسان وإرفاق، فلو ردها بعملة أخرى فلا يغير أصل العقد؛ لأن هذا الصرف تابع لا يستقل بالحكم، إذ هو غيرُ مقصودٍ إجراء عقد مصارفة منه؛ فصح؛ ولأنهم كانوا يبيعون بالدراهم ثم يقبضون دنانير فسئل رسول الله ﷺ ، فقال «لا بأس إن تفرقتما وليس بينكما شيء» (١).
وهذا في الأعمال التجارية كثيرٌ في بيوع الآجال؛ إذ ما استقر من نقد في الذمة يُرَدُّ بنوعه أو مساوٍ له من عملة أخرى.
وقرض الأعيان جائز مما يمكن أن يقرض.
وهذا القيد وهو ما بعد قولنا «جائز» قيد احترازي مما لا يمكن قرضه مثل الأرض والعقار.
وكذا كل ما لا ينقل لا يقرض.
وجاز في الحيوان ويرد مثله.
فإن أخذه بيعا بمثليه جاز، كبعير ببعيرين إلى أجل؛ لأنه ليس بقرض فهو مباح؛ ولأنه ليس بمنصوص عليه في أفراد الربويات (البر، والشعير، والتمر، والملح، والذهب، والفضة).
стр. 848
ولا يقوم غيرها مقامها؛ لأنها ضرورات لا تقوم الحياة إلا بها إلا في حالة الانتقال إلى الحاجيات، وهي البقوليات من فول وعدس ونحوهما بشرط أن يصيرا ضروريا عند فقد الضروريات، أو يقوما مقامهما في الطلب كقيام العملة الورقية مقام الذهب والفضة، وهذا ما لم يحصل.
وبسطه في الأمن الغذائي من فقه الدولة.
وجاز قرض البر، ويرد مثله كيلا أو وزنا بحسب جريان العرف.
فإن رد له شعيرا جاز بالزيادة كضعفين إن رضي المقرض؛ لأنه كأخذ الفضة بدلا عن دين الذهب السابق النص على جوازه.
فإن أقرضه البر، أو أحد أنواع الربويات المنصوصة وشرط عليه رده شعيرا أو آخر من غير جنس القرض فهو بيع لا قرض، فيحرم فيه تأجيل العوض؛ لأنهما ربويان منصوصان.
ومن أقرض آخر نقودا وشرط عليه ردها بعملة غيرها معينة حرم؛ لأنه صرف في بدايته، وعقد الصرف واجب فيه التقابض في المجلس؛ لعموم «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، سواء بسواء وزنا بوزن ويدا بيد، فإن اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد» (١).
فالذهب بالفضة جائز بزيادة سواء نظر إلى القيمة أو الوزن بشرط التقابض.
وإقراض الملبوسات جائز ويرد مثله؛ فإن رد من جنس آخر فزاد أو نقص بحسب القيمة جاز للنص السابق «نبيع بالدراهم فنأخذ الدنانير».
فإن شرط عليه حال عقد القرض رده من جنس آخر وحدده نوعا وقدرا جاز، وهو بيع لا قرض؛ لأنه انعقد من أول العقد كذلك.
وإنما جاز بالزيادة أو النقص بحسب الشرط؛ لأنه بيع غير مشروط التقابض في المجلس؛ لأنه ليس إحدى المنصوصات الربوية.
والقاعدة:
أن المقرض في حال العقد إن شرط فيه رد أكثر منه من نفس جنسه فهو ربا قطعي محرم.
стр. 849
وإذا شرط حال العقد رد غير جنسه فهو بيع لا قرض؛ فيجوز فيه الربح، إلا إن كانا عملتين نقديتين فهو صرف وشرطه التقابض بالنص، أو كانا ربويين منصوصين شرط فيهما التقابض.
فإن كانت الزيادة عند الرد نفس نوع القرض أو غيره جاز؛ لأنه إكرام وإحسان أو كان الأداء أصلا وزيادة من جنس آخر فهو جائز.
وشرط فيه رضى المقرض إن كان امتناعه لعلة معتبرة، وإلا فهو عنت ودليله أخذ الذهب عن دين الفضة وعكسه، وجوازه بالنص بسعر حينه، وقد تقدم.
أما قرض النوعين الماليين: المنفعة أو الحق المالي فلا يتصور قرضهما؛ لعدم إمكان رد مثله؛ لأنه في الحقوق المالية نحو الحق الفكري متعذر رد حق فكري آخر، أو قرض علامة تجارية برد مثلها، وفي المنافع يتعذر قرض سكنى بيت عادة بسكنى بيت آخر.
فالقاعدة أنه لا يجري في المنافع والحقوق المالية إلا البيع أو التبرع.
فلا قرض في ثابت ولا منفعة ولا حق؛ لتعذره عادة.
فإن أمكن في العادة وقوعه جاز لعموم النصوص ولأن الأصل عدم المانع شرعا.
وأما المانع الثاني فهو كون العقد محرما لتحريم السلعة بالنص وهي الخمر والميتة والخنزير والأصنام بالنص عن جابر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام». فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى به السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها. فقال عند ذلك: «قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه» (١). متفق عليه وأخرجه الأربعة وأحمد.
فالميتة كل ما مات بدون تذكية شرعية عادية أو طارئة أو ذبحت للنُّصُب أو لغير الله.
فالعادية هي ذبح بمحدد في العنق بما ينهر الدم «ما أنهر الدم» (٢).
стр. 850
وقوله ﷺ «أنهر» لفظة تفيد تدفق الدم وسيلانه من مجاريه، وهي احتراز عن بعض سيلانٍ من نحو جرح ينزف، فلا يعد تذكية.
وقولنا «أو طارئة» في نحو تدارك مشرفة على الموت للنص (وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ) (المائدة: ٣).
وقولنا «أو ذبحت للنصب» وهي ما عبد من دون الله من صنم وحجر وشجر.
وكذا ما ذبح لغير الله ميتة (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) (المائدة: ٣)، (وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) (الأنعام: ١٢١)، (أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) (الأنعام: ١٤٥)، كالذبح للجن والشياطين.
وما جاء من اللحوم من أرض أهل الكتاب حل للنص (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ) (المائدة: ٥).
وكذا ما جاء من أي أرض ولم يتيقن ذبحه على الطريقة الإسلامية، فيذكر اسم الله عليه وتؤكل «إنا نؤتى بلحمان وطعام لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا فقال سموا الله عليه وكلوا» (١).
وذبائح كل إنسان من أي دين مباحة ما لم يتيقن أنه ذبحها للنصب، أو أهل لغير الله به.
وإنما قلنا بذلك؛ لأن المحرم من المطعوم حصر في ذلك (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) (الأنعام: ١٤٥).
(وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ) (المائدة: ٣).
فالتبادل التجاري بين الأمم مطعوم ومستهلك مفتوح على مصراعيه، إلا ما استثني في النص وعلم أنه كذلك.
стр. 851
وعقود الدعارة محرمة «نُهِيَ عن مهر البغي» (١).
وإن رخص لها الإمام فيراجع فإن أبى فواجب خلعه بشروطه؛ لأنه ناقض مقصود الولاية في ركن قطعي وهو حفظ الأعراض، وتعمد عالما إشاعته على وجه العموم بِحُكمٍ عام بقانون أو مرسوم أو غيرهما (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة: ٤٤).
وهذا نص يشمل الكفر الأكبر، أو كفرَ معصيةٍ عامة في الحكم؛ فوجب خلعه «إلا أن تروا كفرا بواحا» (٢).
ولأن طاعته مقيدة بما أقام كتاب الله «ما أقاموا فيه كتاب الله» (٣) كما في الصحيح.
وحرم بيع العقار لشركة أو جهة تقيم عليه محلا للدعارة والعقد باطل؛ لأنه في محرم.
وفرض منع بيع وسائل الدعارة من أفلام وإعلانات وقنوات وصحف وصور ووسائط ومواقع على النت.
وكل عقد روج لشيء من ذلك فهو باطل، وثمنه سحت، وواجب تعزير عصاباته ومن يقوم به لعموم (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النور: ١٩).
والعذاب في الدنيا بتعزيره وتأديبه.
وبيع الخنزير محرم، ولحمه رجس للنص.
وكذا الأصنام بيعها وشراؤها وجعلها في البيوت إلا لعب الأطفال (٤).
وبيع الدم محرم بالنص، ولعمومه يشمل دم الآدمي.
والتبرع لمحتاج جائز، وحرم أخذ عوض مقابله.
ومثله أعضاء الآدمي؛ لعدم الفارق.
стр. 852
وليست العلة في المنع من بيع الدم نجاسة الدم؛ لعدم ثبوت ذلك ولعموم «إن المسلم لا ينجس» (١).
وعقود الخمر بيعا وشراء واستيرادا وتصنيعا محرمة قطعا.
وأما المانع الثالث فهو الميسر والغرر.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة: ٩٠).
والميسر نوعان: القمار، والغرر الفاحش.
أما القمار فهو المخاطرة بدفع مال لربح مال أكثر منه أو خسارته كله، وهو محرم. أو يقال هو دفع عوض مالي بغرض ربح عوض كثير سلعة أو نقدا أو خسارته كله، أو ربح ما لا يريد من السلع، أو ما لا قيمة له، ويغلب فيه المخاطرة والضرر.
ونوادي القمار محرمة للنص على حرمة الميسر، ويحرم تأجيرها أو المشاركة فيها.
وحرم بيع الملامسة والمنابذة والحصاه بالنص (٢)؛ لأنه قمار، وهو أن تلزمه السلعة بمجرد اللمس بالحظ أو بمجرد النبذ إليه، أو رمى حصاة فعلى ما وقعت وجب.
وتحرم المشاركة في مسابقة الاتصالات؛ لأنها مبنية على شراء وحدات اتصال مقابل الفوز بسلعة يندر الحصول عليها.
ويقطع فيه بربح شركة الاتصالات أو جهة إعلان المسابقة بما يعظم، ويقطع فيه بخسارة ملايين المشتركين كلهم سوى عدد الأصابع (٣).
وكذا مسابقات شركات المبيعات قائمة على هذا النهج فحرمت؛ لأنها قمار وميسر.
وأما الغرر الفاحش؛ فيشمل كافة عقود البيع المحرمة لعلة الجهالة الفاحشة، وأصل الباب الميسر والغرر وهو ممنوع «نهى ﷺ عن بيع الغرر» (٤).
стр. 853
وقد تقدم الكلام عن جميع أنواعه.
وقيدناه بالفاحش أو المترتب عليه ضرر يجب دفعه أو خصومةٌ؛ لأن الغرر التي جرت المعاملات على عدم اعتباره لا يكون فاحشا ولا مترتبا عليه الضرر.
وأما المانع لأجل الضرر العام فهو إما ضرر على السوق أو على الشعائر الدينية أو على المكارم والأخلاق.
فالأول: منه النهي عن تلقي الركبان (١)؛ لأن الضرر المترتب على حركة السوق التجارية أكبر من مجرد ملاحظة الضرر بالبائع أو المشتري؛ لأن الضرر بالسوق واقع لأدائه إلى التأثير السلبي على الحركة والعمالة والوفرة، وينعكس ذلك على الاقتصاد الكلي؛ لأن خروج الصفقات التجارية عن السوق الرسمية موصل إلى تعطلها وإنشاء سوق هامشية غير رسمية (السوق السوداء).
وإذا حصل ذلك تعطلت كثير من التجارات وأضر باليد العاملة، ومن ثم بالاقتصاد العام، بخلاف لو اعتبرنا الضرر شخصيا وهو احتمال الغبن في الثمن؛ لأنه يمكن حصوله ولا يمكن؛ لأنه قد يكون عارفاً بالسعر في السوق فيتلقى الركبان ويشتري بسعر السوق فلا يحصل الضرر، بخلاف السابق فإمكانه شديد، والشريعة قائمة على الغالب.
ومنه النهي عن بيع حاضر لباد (٢)، وهو لنفس علة المسألة السابقة بدليل التعليل الوارد في النص «لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق بعضهم بعضا» (٣).
والنهي مفيد للتحريم، فيحرم بيع حاضر لباد؛ لأنه مؤد إلى كثير من الضرر بالسوق؛ إذ ينتج عنه الاحتكار ورفع السعر، وذلك بالاتفاق مع المورِّد على عدم بيعها حالاً؛ وتخزينها عنده كوكيل مبيعات بأجرة.
وهذا ضرر عام مؤد إلى غلاء السلع، ومحدودية تداولها بين مورد ووكيل قاصد حكرها، وهذا ينعكس بالضرر على التداول التجاري، ورواج السلع، ورخص الأسعار، ويقلل من
стр. 854
فرص شرائها بين الناس؛ لغلائها ولاحتكارها؛ فيكون فيه نوع مما قصد الشرع النهي عنه (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ) (الحشر: ٧).
وهذان العقدان باطلان؛ لأن النهي يقتضي الفساد؛ ولأن الضرر العام أشد طلبا للدفع من الضرر الخاص.
وللدولة تقنين هذا المنع، وعدم الاعتراف بهذه العقود لمعارضتها مقصودات الشرع في المعاملات التجارية؛ حفاظا على السوق.
والثاني: هو النهي عن البيع وقت نداء الجمعة؛ لأن الجمعة شعيرة من الشعائر العظمى ولا تصح إلا جماعة، ويقصد بها سماع الوعظ وحضور الجماعة؛ وإبرام البيوع يعود على هذه الشعيرة بالإخلال، وعلى مقاصد الشرع منها بالإبطال؛ فحرم البيع حال النداء إلى الفراغ من صلاة الجمعة للنص (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ* فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة: ٩ - ١٠).
وواجب إصدار الدولة قانونا بمنعه وإبطاله؛ لأنه وسيلة إلى إقامة شعيرة والحفاظ على مقصوداتها؛ فوجب؛ لعموم (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج: ٤١).
وأما الثالث: فهو النهي عن أخذ العوض على ما جرى أنه من المكارم أو إنفاقها بما يخل بالمكارم كعوض ضراب الفحل «نهي عن عسب الفحل» (١) وإنفاق السلعة بما يخل بالمكارم «كالحلف الكاذب» (٢)، و «النجش» (٣).
والشريعة قاصدة حفظ المكارم «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (٤).
والعقد باطل إذا أبرم على ذلك، والعوض لمثل عسب الفحل غير لازم.
стр. 855
ويصحح العقد بالتراضي وبإزالة الضرر المانع، وإذا زال المانع عاد الممنوع كما كان على الإباحة.
ويحرم أن يبيع على بيع أخيه بالنص «لا يبع أحدكم على بيع أخيه ولا يسم على سومه ولا يخطب على خطبته» (١).
وهذا النهي يفيد التحريم والمقصد الشرعي منه الحفاظ على المكارم، ودفع مفاسد الفتنة والشحناء، أو الخصومة.
وأما القبض من المشتري للسلعة فليس ركنا أو شرطا لصحة الشراء لكن لا يجوز إحداث عقد بيع عليه إلى آخر حتى يقبضه (٢).
فالقبض شرط لصحة تصرف المالك إذا أراد البيع لآخر، وهو معنى «لا تبع ما ليس عندك» (٣)، لأن الشريعة يفسر بعضها بعضا، فيشمل ما هو ملكه بشراء لكنه لم يقبضه، ويشمل ما لم يشتره مطلقا بل يبرم الصفقة ثم يشتريها من السوق ويدفعها للمشتري.
ولا يشمل المنع ما إذا كانت السلعة في المخازن أو لدى وكيله فيبيعها ثم يحيله إلى مخازنه أو وكيله لاستلامها، فهذا لا مانع منه.
وما قدمناه من المنع مطلقا عن بيع السلعة قبل قبضها ليس محل اتفاق عند العلماء بل فيه سبعة مذاهب (٤)، والذي تدل عليه الأدلة أن الربويات يشترط فيها القبض وأن الصرف لا يصح إلا بالقبض، فهذان الموضعان مما يقطع بثبوتهما وهما محل إجماع.
وهل يشترط القبض في سائر الطعام ربوي أو غير ربوي؟ الذي تدل عليه ظواهر الأدلة واستصحاب محل الإجماع المتقدم أنه لا يشترط إلا فيما كان ربويا، فيحمل حديث «لا يباع الطعام حتى يقبض» الذي رواه البخاري على الطعام الربوي. وما قدمناه هو ما ذهب إليه الإمام مالك وهو أرجح المذاهب هنا.
стр. 856
أما من أطلق القبض في كل شيء كالشافعي، أو القبض في المنقول كأبي حنيفة، فالأدلة لا تساعدهم على ذلك وأقوى ما استدلوا به «لا تبع ما ليس عندك»، و «نهى عن ربح ما لا يضمن»، وقد ورد الخلاف القوي في صحتهما، وهما بعد التسليم بصحتهما لا يدلان على المطلوب لكثرة الاحتمالات الواردة في تفسيرهما مع تكافئ الاحتمالات قوة مما يجعلهما غير قويين في الاستدلال بهما على اشتراط القبض لا رواية ولا دراية، وتكليف العالمين في مسألة كهذه تواترت حاجة الناس في معاملاتهم إليها بمثل هذا يكفي في رده (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: ٧٨).
والحرج المترتب على اشتراط القبض في غير الربويات كثير جدا خاصة في عصرنا هذا الذي توسعت فيه المعاملات التجارية بما لم يكن يخطر على بال مجتهد حتى ينظر فيه.
وأما ما ذهب إليه الإمام أحمد من اشتراط القبض في المكيلات والموزونات من الطعام فهو أخص من اشتراط القبض في الطعام بإطلاق والقول فيه كالقول المتقدم.
وأما من اشترط المكيل والموزون بإطلاق كأبي عبيد وإسحاق، أو المكيل والموزون والمعدود كابن حبيب وعبدالعزيز بن أبي سلمة وربيعة، فقولهم إنما هو بالتسليم في أن علة الربويات هي هذه، أو بأحاديث خاصة دلت على أن ما يكال ويوزن لا بد من قبضه، ولا توجد أحاديث تدل على أن ما يكال ويوزن لا بد فيه من التقابض إلا إن بيع بالكيل أو بالوزن المعين فلا يقبضه المشتري إلا بإعادة الكيل أو الوزن من قبله، وهذا هو معنى حديث «حتى يجري فيه الصاعان» لا أن الشرط هو القبض.
فهذه سبعة مذاهب في المسألة ولا يصح منها سوى ما نصت عليه الأحاديث الصحيحة الصريحة وأجمع عليه العلماء أن القبض مشترط في الربويات الستة وفي الصرف، وكم تشدد أقوام في عصرنا تقليدا فمنعوا كثيرا من أنواع المعاملات التجارية في البورصات والبنوك والشركات والمؤسسات بسبب اشتراطهم القبض في كل شيء تبعا لإمام مع أن في قول غيره من الأئمة تيسير يوافق أصول الشرع ونصوصه ومحل الإجماع (١).
стр. 857
والنص الموجب للاستيفاء بالوزن أو الكيل لما هو مكيل أو موزون عند شرائه (١) يدل على عدم صحة الصفقة حتى يتحقق المشتري من الوزن أو الكيل بنفسه وما ذلك إلا لأن الكيل أو الوزن مقصود في العقد وليس المقصود القبض لأنه لو باعه جزافا لصحت البيعة ولو لم يقبضه لكن لا يبيعه لآخر حتى يحوزه بالقبض على حسب ما تقدم، ولا يلزم كيله لأنه غير مقصود في العقد ولا منصوص عليه فيه.
ولا يجوز بيع تأجيل الدين بفائدة عليه؛ لأنه سبب قطعي في نزول تحريم الربا لأنه نزل في ربا الديون.
وقد يتحيل ببيع الدين بدين آخر بزيادة مع تأجيل، وهو محرم لنفس العلة، والنص في تحريم
стр. 858
الربا في الآية، أما حديث «نهي عن بيع الدين بالدين» (١) فلا يصح.
وتعجيل أداء الدين مع الخصم منه جائز لوروده «ضع هذه أي الشطر وأنت قم فاقضه» (٢). وهو «ضع وتعجل» (٣) وجوازه ظاهر، وإنما استدللنا بحديث الصحيحين لا بحديث «ضعوا وتعجلوا» (٤) لأنه ضعيف ووجه الاستدلال بحديث الصحيحين عدم الاستفصال من النبي ﷺ ،
стр. 859
وعدم الاستفصال في قضايا الأحوال ينزل منزلة العموم في المقال، فدل على أن الحكم بوضع شيء من الدين مقابل تعجيل الدفع جائز.
وأما بيع اللحم بالحيوان من جنسه فالأصل جوازه، ومَنَعَهُ العشرة (١) للنص «نهي عن بيع اللحم بالحيوان» (٢).
وأجازه أبو حنيفة لضعف الحديث.
وقد قلت نظما زمن الطلب:
والميْت بالحي من الجنس يره ... وجوَّز بن ثابت في الربوي
نعمان والمنع مقال العشرة ... رطبا بيابس وليس بالقوي
وبيع الحيوان بالحيوان جائز ولو بأكثر؛ لأنه ليس من الربويات المنصوصة.
ومن اجتهد بالمنع فممنوع؛ لأنه شكٌّ في مقابلةِ تَعَيُّن الإباحة، ولا زحزحة له إلا بمثله لا بمجرد التوهم.
وأما بيع جنس الربوي بفروعه مثل الدقيق بالبر أو الخبز بالبر أو الدقيق، فالأصل جوازه؛ لأنه لا يصنع ذلك إلا على وجه الندرة والحاجة، وما كان كذلك فلا حكم له، وكان حاجة كالعرايا المرخص فيها «رخص في العرية بأوسق من تمر بخرصة من رطب» (٣).
стр. 860
وما عَسَّر باب الربويات إلا مثل هذه الإلحاقات المظنونة، على خلاف أصل (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١)، في كل مسألة لم ينص على حرمتها. ولذلك اشتد خلاف الفقهاء القدامى في هذه المسألة (١).
وأما أنواع البيوع (٢):
فالمرابحة، والتولية، والمناقصة، والمزايدة.
فالأولى: بذكر رأس المال أو بما قام عليه ثم يجعل ربحه بالنسبة أو المسمى.
والتولية: هو أن يولي العقد غيره بعد كمال الاتفاق على سائر الأمور.
أما المناقصة فهي الخصم بالنسبة، أو المسمى.
أما المزايدة فهي طلب الزيادة بالإعلان لمريدي الشراء؛ فمن دفع أكثر عقد له.
الطريق الثاني من طرق التملك: المعاوضة غير المحضة
وهذه الطرق راجعة إلى المكارمات والتعويضات، لا محضَ الربح.
فالمكارمات هي: النفقات، والمهور.
والتعويضات هي: الديات والأروش . ولنبدأ بها:
الديات والأروش:
ودية النفس إما عن عفو من قصاص، أو من قتل خطأ، فالأولى لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (البقرة: ١٧٨).
فأمر بالأداء بإحسان أي الدية، بعد عفو القصاص.
وإنما قال (شَيْءٌ) في (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) (البقرة: ١٧٨)؛ لأن العفو يكون عن كل شيء، وعن شيء، فالأول عن القصاص والدية، والثاني عن القصاص.
стр. 861
وأما دية الخطأ فللنص (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء: ٩٢).
ومقدارها شرعا مئة من الإبل فإن غلظت فأربعون في بطونها أولادها.
وفرضت على أهل الذهب ذهبا، وعلى أهل الفضة فضة، وعلى أهل الحلل حللاً، وتفرض الآن على كل بلد بعملتها بتقويم عادل.
والدية هي: تعويض مالي مفروض مقدر شرعا على الجاني للمجني عليه في النفس أو العضو.
فقولنا «تعويض» جعلناه من باب التعويضات لا من باب المعاوضات؛ لأن الآدمي وأجزاءه لا تدخلها المعاوضات.
والرق طارئ (١) زال (٢) بالشرع، والملك فيه وارد على المنفعة لا على البدن (٣).
وقولنا «مالي مفروض مقدر شرعا» يفهم أن التعويض يكون ماليا بأي نوع من أنواع المال الخمسة حسب تقسيمنا السابق الجامع وهو السهم، والنقد، والعين، والحق، والمنفعة.
وقولنا «مقدر» أي بتقدير يدفع النزاع، وبابه مفتوح ولا دليل لمن منع.
وقولنا «مفروض شرعا» لأنه منصوص عليه في الكتاب والسنة (فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ)، وهذا يفيد الوجوب.
وإنما قلنا «شرعا» في التعريف لورود النص على ذلك.
стр. 862
وفي النص من الأحكام:
- أن الإيمان يَدْفع قتل المؤمن عمدا عدوانا.
وفيه أنه لا يقتل مؤمنا متعمدا إلا من لا تجري عليه أحكام أهل الإيمان من الموالاة، والنصرة، والعون، والحقوق، والصلاة عليه حال موته، وإيتائه الحقوق العامة للمؤمنين، ولا يجوز تزويجه؛ لأنه ليس بمؤمن.
«إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه» (١)،
(وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ
стр. 863
وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (النور: ٣٢).
والقاتل عمدا غير مرضي الدين ولا الصلاح؛ ولأنه ليس من عباد الرحمن بالنص (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) (الفرقان: ٦٨).
فدل على أنه ليس بمؤمن فلا حقوق له.
وتعود إليه الحقوق بالتوبة للنص (إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (الفرقان: ٧٠).
وشرط التوبة (وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) (الفرقان: ٧١).
أي ليس أي توبة ولا أي عمل صالح، بل تكون التوبة دائمة مستمرة لا يخرج منها ولا يعود للموبقات كما يفيده (فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا)، وصيغة (مَتَابًا) مع تركيب النص يدل على أن التوبة صارت مَحَلَّه وموطِنه، ويدل على كثرة فعله ذلك كما يفيده (مَتَابًا).
أما النص (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (النساء: ٩٣)، فهو أصل الحكم.
стр. 864
وأما الاستثناء (إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (الفرقان: ٧٠) فهو فيمن عمل بشروطه، وداوم على ذلك حتى الموت، فإنه لا مفر من القول بدخوله في عباد الرحمن.
هذا بخصوص ما بينه وبين الله.
أما بحق العباد فالقصاص إلا إن عفوا.
والدية لهم إسقاطها بالرضى من كافة من يرثها (١).
والدية واجبة على كل قاتل مؤمنا خطأ أو غير مؤمن، ذكرا أو أنثى، صغيرا أو كبيرا، مجنونا أو عاقلا، بالغا أو غير بالغ؛ للعموم المستفاد من (وَمَن قَتَلَ).
فعلى هؤلاء دية.
وإطلاق النص يفيد الجماعة والواحد؛ لأن «من» تفيد ذلك.
ففي حال الجماعة يقتلون شخصا خطأً (وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ).
وهل الدية على كل شخص كاملة، أو هي عليهم جميعا كاملة؟ احتمال يرجحه المعطوف (فَمَن لَّمْ يَجِدْ) أي الرقبة (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) ولا بد أن يكون على كل واحد.
فإن مات قبل الصيام فوليه مقامه، ولا يجوز صيام أولياء متعددين لشرط التتابع بخلاف قضاء رمضان.
ويضعف الوجه أن الدية حق العباد، والمفروض إيفاؤها بكمالها ولو من سائر العصبات بخلاف الصوم والرقبة فلا يكون إلا على من وجب عليه.
فالجماعة يقتلون خطأ عليهم دية واحدة.
وفرض تسليم الدية إلى أهل المقتول للنص (مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ).
وشرط تسليمها لهم إلى أيديهم للنص؛ فلو استلمها محكمون لم يقع حتى تصل إلا إن رضي أهل المقتول أو جرى به عرف.
والدية تقديرها منصوص في خمسة أمور: الإبل وهي الأصل، والذهب والفضة والبقر والغنم.
стр. 865
وفرض كل نوع على أهله يدل على أنه ينظر في التقدير حالا وزمانا بدليل تقويمها «بالحلل» (١)،
وثبت تقويمها بالدينار والدرهم في السنن الصحيحة، كما سيأتي.
стр. 866
فتقدر في زماننا بعملة البلد الرائجة بالعدل؛ لعموم (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠).
ولا يلزم الإبل إلا على أهلها للنص «إن الإبل قد غلت» (١).
والدية تجب في الخطأ للقتيل المؤمن، وكذا للقتيل غير المؤمن وهو من أهل الموادعة والعهد والأمان (وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً) (النساء: ٩٢).
فإن كان المقتول في بلد حرب فلا دية له ولو كان مؤمنا وتلزم الكفارة (فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ) (النساء: ٩٢).
وهذه الأحكام عامة لذكر وأنثى، فتنصيف دية المرأة خلاف الأصل لعدم الفارق الصحيح في الآية.
ولم يرد نص صحيح صريح من السنة في تنصيف دية المرأة سوى الآثار الشاهد بعضها لبعض مع عمل أو فتوى الأمة.
стр. 867
والعمل بأمر ولي الأمر والقضاء به كان كنص قانوني لا كنص شرعي.
وكذا تنصيف دية الذمي أو المجوسي رجالا أو نساء لا دليل عليه يثبت الحكم.
ولما وادع رسول الله ﷺ اليهود، ولزمهم الديات لهم وعليهم، لم يرد نص يفصل مع شهرة القضية (١)؛ فدل على البقاء على أصل النص في عدم التفريق حتى يرد دليل صحيح ناقل.
والإجماع على العمل إنما هو كنص قانون لا كنص شرعي؛ لأنه كان بأمر من ولي الأمر عمر ﵁ وتعميمه في الأقطار، ويلزم الأمة العمل بأمر الإمام بالنص.
وكان عمر لا يعمم حكما حتى يشاور؛ فالفتوى غير حكم الإمام بالفتوى أو حكم قاض بها؛ إذ ترفع الخلاف العملي في المحاكم والأحكام، فهو إجماع تنفيذ بأمر حاكم عام لا إجماع بالرأي والنظر (٢).
ودية الجنين إن خرج ميتا بنحو ضرب بطن حامل، أو شربها دواء مسقطا، فنصف عشر الدية للنص (٣).
وهي على الأم التي شربت ما يسقط؛ فإن كان طبيبا بإذنه اشتركا في الدية ولو أذن الوالد أو ولي أمر الحمل؛ فكذلك وليس لهم منها شيء؛ لأن القاتل لا يرث المقتول (٤).
ولا صيام عليهم كفارة إلا إن نزل الجنين حيا ثم مات إثر ذلك، لأن هذا هو المتيقن بالنصوص، وأما غيره فلا شيء فيه ولولا النص في ثبوت غرة وهي نصف عشر دية في الجنين لما وجب فيه شيء، فيبقى الأصل في عدم الكفارة بالصيام هنا.
والدية حينئذ تامة عليهم، ولا حظ لهم فيها لمانع القتل.
стр. 868
وأما ديات الأعضاء فواجبة بالنص «إن رسول الله ﷺ قال: «وفي الأنف إذا أوعب جدعة الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرِّجلِ الواحدةِ نصف الدية» رواه النسائي (١).
وأما الجراح ففي حديث عمر بن حزم «وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل إصبع من الأصابع من اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، وأن الرجلَ يُقْتَل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار» (٢).
وأما غير هذه من الجراح فالمرد الاجتهاد (٣).
وفرض على الدولة النص في كل مسألة من الجراح مما يقطع النزاع، وتعميم ذلك على المحاكم؛ لأنه من دفع المفاسد العظيمة والفتنة والخصومة؛ لكثرة الابتلاء بهذه الحوادث.
стр. 869
وأما إجراءات الحوادث فمحلها فقه الجريمة.
- النفقات:
وأما النفقات فهي تعويض مالي واجب لمعين على معين بالمعروف مكارمة.
وتعريفنا هذا يشمل النفقة على الزوجة والأولاد والوالدين ومن لزم الشخص نفقته من ذوي القربى أو حيوان.
وقولنا «مكارمة» خرج به المعاوضة على سبيل التعويض كالديات وعلى سبيل الربح كالبيوع.
وواجب النفقة على الوالدين الفقيرين؛ لأنه مقتضى الإحسان وهو مقدم حينئذ على الأولاد والزوجات.
وقيدناه بقولنا «حينئذ» أي حين فقرهما لعدم وجوب ذلك حال الغنى.
وإنما يجب تقديمهما؛ لأن تقديم الأولاد والزوجة عليهما مع فقرهما يعود على أصل فرض الإحسان لهما بالإخلال الفاحش؛ ولحديث الثلاثة الذين أطبقت عليهم الصخرة، وكان أحدهم بارا بوالديه، وجاءهما بغبوقهما، فجاء بالعشي وقد ناما، وكان لا يغبق قبلهما أهلا ولا مالا، وصبيته الصغار يتضاغون جوعا، فما قدمهم إلى الفجر واستيقاظ والديه؛ فأغبقهما، ثم أغبق الصغار فأجاب الله له (١).
стр. 870
وهو دليل على إقرار الله له على أنه عمل صالح؛ إذ لو كان الصغار من أولاده مقدمين في النفقة على الوالدين مع شدة الحاجة والجوع ونوم الوالدين وإمكان تعويضهما؛ لما كان عملا صالحا؛ بل ظلما لأهل الحق الواجب تقديمهم وهم الأولاد والزوجات.
وخلاف فقهاءَ في ذلك دليلٌ على إغفالهم هذا الدليل والنظر في مقاصده.
ولقوله تعالى (قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢١٥).
ولتقديمهما بالذكر في كل آية ذكرت فيها الحقوق لأهلها (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) (الإسراء: ٢٣).
ولثبوت تقديمهما في الحق والنفقة في السنة الصحيحة (١).
стр. 871
والنص الترتيبي المفهم عند البعض لتقديم الأولاد «أطعم نفسك ثم ابنك ثم زوجك ثم أدناك فأدناك» لا يصح بهذا اللفظ.
وورد في المعنى حديث «إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه، فإن كان فضل فعلى عياله، فإن كان فضل فهاهنا وهاهنا» وهو في صحيح مسلم من حديث جابر (١).
وفي حديث أبي هريرة «وابدأ بمن تعول» (٢). فالأول عند عدم الوالدين أو وجودهما مع الغنى جمعا بين النصوص. والثاني عام.
وأما الزوجات فالإنفاق عليهن منصوص بالمعروف حتى المطلقة في العدة (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ) (الطلاق: ٧)، أو المتوفى عنها (مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ) (البقرة: ٢٤٠).
أو المرضعة المطلقة (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ) (الطلاق: ٦)، أو الحامل المطلقة (فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (الطلاق: ٦).
ومقدار النفقة وماهيتها راجعة إلى العرف، وهو الآن مأكل ومشرب وملبس ودواء وسكن (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ) (الطلاق: ٦)، (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) (البقرة: ٢٢٨)، (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء: ١٩).
ومَنْعُ جماعة من الفقهاء القدامى وجوبَ احتساب الدواء في النفقة راجعٌ إلى الجريان العرفي آنذاك بذلك؛ ولخفة الأمراض والمؤنة فيها، بخلاف عصرنا، فالمرض والدواء والمعاينات واللقاحات، وما انتشر من أمراض العصر الفتاكة يوجب جريان النفقة في الدواء؛ فليس من
стр. 872
الإحسان من يرى زوجته في مرض ولا ينفق لعلاجها، والإحسان بها مأمور به لعموم (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠)، ولأنه من وسائل حفظ النفس كسائر الضروريات من المأكل والمشرب، ولجريان العرف الحادث على هذا (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ) (الطلاق: ٦)، (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء: ١٩).
والإنفاق على الأولاد تقدم (١).
ومهماتٌ من مسائل الإنفاق على الحيوان (٢).
وأما المهر فهو عوض واجب شرعا للمرأة مقصوده المكارمة عند العقد عليها (وَآتُوا النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا) (النساء: ٤).
ولم نقل عوض مالي لجوازه بغير مال عرفي (٣).
فيجوز بالقرآن «زوجتكها بما معك من القرآن» (٤).
وبالخدمة (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ) (القصص: ٢٧).
وبخاتم من حديد «التمس ولو خاتما من حديد» (٥).
стр. 873
الطريق الثالث للتملك هو: ما كان على سبيل التبرر والتبرع
وتشمل الوقف، والهبات، والهدايا، والوصايا، والنذور، والعارية، والمنح، والعطايا، والإغاثات، والإعانات، والكفالات، وحملات التبرع، والتسكين، والتمليك العقاري المجاني، وإكرام الضيف، والتعاون الجماعي من العاقلة على دية الخطأ.
وقاعدة هذا النوع من التملك بالاستقراء هي: أن ما كان لله محضا وهو الوقف والصدقات والنذور فيحرم المعاوضة عليها بما يفهم قصد المعاوضة، لا عرفا، ولا شرطا، ولا قرينة حال. (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا* وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا* إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا) (الإنسان: ٧ - ٩).
(وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى* الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى* وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى* إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى* وَلَسَوْفَ يَرْضَى) (الليل: ١٧ - ٢١).
فقصد وجه الله منصوص، وهو يدل على اعتباره وإلا كان لغوا، وهو محال.
والثاني: ما كان على سبيل مكارم الأخلاق، فالمعاوضة عليه محرمة، كإكرام الضيف، لأنه خروج عن مقصود الشرع في رعاية المكارم.
والثالث: ما كان على سبيل الإحسان الإنساني العام كالإغاثات في الكوارث والمنح ونحو ذلك. فيجوز مقابلتها بالإحسان في مثل حدوث ذلك الظرف، ويعاب تركه حينئذ.
والرابع: ما قصد به معاوضة يذم تاركها عرفا لا معاملة ربحية مقصودة.
وقد جرى فعله عند بعض العرب في الهدايا حيث قصد عوضها بأكثر منها أو مثلها (١).
стр. 874
وقد هم رسول الله ﷺ ألا يأخذ الهدايا من هؤلاء (١)؛ لإلزامهم إعْناته عادة وعرفا يذم تركها، لا معاوضة مقصودها البيع والربح.
وهمه ﷺ وإعلانه أسماء من قبائل تفعل ذلك دليلٌ على المنع الشرعي المفيد للكراهة لا للإثم.
ومن ألزم المعاوضة بها من الفقهاء فلجريان العادة بذلك.
أما الأحكام التفصيلية لكل نوع من هذا النوع والنوع الرابع فمحله سيأتي في نظام الإنفاق وتداول المال.
الطريق الرابع للتملك هو: ما فرض بالشرع دَفْعُه مقدرا زمانا ومكانا وأشخاصا، وهو الزكاة والمواريث والغنائم والفيء.
والطريق الخامس للتملك هو: التملك عن طريق السبق ووضع اليد والإباحة العامة كإحياء الموات، أو تقاسم الثروات الطبيعية، وقد تقدم هذا.
стр. 875
النظام المالي الثاني وهو: نظام الاستثمار
شرع الله الاستثمار برا وبحرا وجوا، في الأرض وخارجها، أما في البر فلقوله تعالى (لإِيلافِ قُرَيْشٍ* إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ* فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) (قريش: ١ - ٤).
وقوله تعالى (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ) (المزمل: ٢٠).
وفي البحر قوله تعالى (اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (الجاثية: ١٢).
وفي الجو قوله تعالى (سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) (لقمان: ٢٠).
وتسخير ما في السماوات وما في الأرض عام لعموم دلالة الاقتضاء المحذوفة المقدرة (سَخَّرَ لَكُم) أي للتجارات، والمنافع، والاهتداء، والاستخلاف.
والاستثمار أصله من «ثمر» وهو استفعال يدل على الطلب «للثمرة».
وهي الفائدة المترتبة على الفعل الاستثماري.
وهذا المبنى دال على أن الثمر ناتج عن التفاعل الاستثماري عرضا وطلبا بالأقوال والأفعال والأفكار والأزمنة والأمكنة وأنواع المال والأشخاص؛ لأن «استثمار» هو استفعال عام يشمل كل هذه.
فالأقوال والأفعال شاملة لكل إيجاب وقبول، وإبرام، ووعد، وإعلان، وفسخ، وإلغاء، وعقد.
وللأفعال كتابة، وتسليماً، وتسلماً، ونقلا، وحيازة، وقبضا، وإزالة، وإنشاء.
والأفكار ما يتعلق بالقناعات والخطط والأهداف.
والأزمنة ما يتعلق بتاريخ الصفقات، والبيوع، والمعاملات، والآجال، والشروط والخيارات، وتاريخ التسليم، وتاريخ الضمان، والوكالات، والشيكات، والكمبيالات، وأوقات الدوام الرسمي في الأسواق الكبرى. وزمن الوفرة، والندرة، ومواسم الذروة الاقتصادية والاستثمارية.
стр. 876
والأمكنة تتعلق بمحل الصفقات والمعاملات المالية، دولية ومحلية، رسمية وشعبية، وبالمراسلة أو السلكي، أو البريد، أو النت.
وما يتعلق بمحل الإيفاء والتسليم، ومكانه وبلده مسماةً موضحة في كل ذلك كبنك أو شركة أو تحويلات، أو كان محله البحر أو الجو أو البر، أو كان محلا حصريا بوكالة أو جهة كوكيل بلد معين، أو بلدان، أو كان باطن الأرض أو فوقها، أو في أنفاقها، أو في أدغالها، أو كان في محل تاريخي سياحي، أو ديني كالحرم أو المسجد، أو المشاعر المقدسة، أو في مكان عام أو خاص.
أما الاستثمار بالأموال والسلع فهو شامل لكل أنواعه العالمية التي حصرناها في خمسة: سهم، ونقد، وعين، وحق، ومنفعة.
وأما الأشخاص المستثمرون فالنظر فيهم من جهة الأهلية وكونُهم ملاكاً أو وكلاء أو جهاتٍ اعتيادية، أو أولياء، أو ناظرين.
والكلام في مسائل الاستثمار يرجع إلى أن الاستثمار معاملة تجارية قائمة على ركن التراضي (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩)، والخلو عن الموانع الخمسة.
والتراضي أمر نفسي خفي يرجع في معرفة تحققه إلى ما يبينه الإنسان، وهو أمر جبلي في أصل الخلقة (الرَّحْمَنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الإِنسَانَ* عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (الرحمن: ١ - ٤).
والأقوال رأس البيان، وهي في عقود الاستثمار ركنٌ؛ لأنه لا تتم المعاملات الاستثمارية المعاصرة إلا بالأقوال منطوقةً أو مكتوبةً، ولا تجري بالمعاطاة فلم تعتبر؛ ولأن المشروط بين التجار عرفا كالمشروط شرعا وكالملفوظ.
التفاوض الاستثماري
والتفاوض قبل الإبرام مشروع وهو السَّوْم.
أ- ولا يجوز دخول طرف مفاوض آخر حتى يدع الأول للنص «لا يسم على سوم أخيه» (١).
стр. 877
ولأنه أدفع للخصومة؛ ولأن دخوله مؤد إلى حرص البائع على السلعة طلبا لسعر أعلى من مساوم آخر، ويترتب عليه كثيرا فشل الصفقة معهما، مما يؤدي إلى قلة حركة المبيعات، ونوع من الركود.
فمقصود الشرع من تحريم المساومة على المساومة حفظ التعاون، والمودة بين عملاء السوق مع بعضهم وبينهم وبين التجار، إذ انصراف التاجر إلى الآخر مع إعراضه عن الأول طمعا في الزيادة مؤد إلى نفور العملاء منه، وسوء سمعته مما يؤدي إلى نوع خسارة عليه.
ونفوق السلع سريعا وجريان حركة السوق والتجارة ودورانها هي إحدى أجدى الطرق للانتعاش الاستثماري والاقتصادي وتشغيل اليد العاملة.
فلذلك حرم السوم على السوم، والبيع على البيع؛ لأنه يعود على هذا المقصود الشرعي التجاري بالإخلال.
ب- والمداراة والمماراة ممنوعتان في الاستثمار حال التفاوض وأثناء العقود وبعدها للنص على قصد تركهما «كان شريكي، وكان لا يداري ولا يماري» (١).
والمداراة هي المجاملة على حساب الحقائق، فالواجب بيان الحق في كل ما يتعلق بالمعاملات؛ لأنه من النصيحة «الدين النصيحة قلنا لمن قال لله ولرسوله ولكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم» (٢).
والمماراة كل جدل عقيم بالباطل -وهو الغالب- أو بالحق؛ لأنه يرتب الخصومة والضغينة مما يؤدي إلى فشل العلاقات التجارية والاستثمارية.
فالنهي عن المماراة في المعاملات المالية له مقصدان، الأول: حفظ الود ودفع الضغينة، والثاني: حفظ العلاقات التجارية وهما أدعى لمقصود أبعد وأعلى، وهو حفظ جريان ودوران المال وحركة الأسواق.
стр. 878
والنهي عن المداراة له مقصدان، الأول: حفظ الثقة؛ لأن المجامل يفعل ما يرضي الآخر على خلاف الحقائق، فيثمر نزع الثقة التجارية منه.
والثاني: أن كشف الحقائق أدعى للثقة، وجريان التعامل، وتجنب المشاكل التجارية بحلولٍ قبل وقوعها.
ج- ويحرم النجش للنص «نهي عن النجش» (١).
وهو دخول طرف يظهر إرادة الشراء والحرص على السلعة ليوقع المشتري الأول ويكون عادة بالتوافق مع التاجر.
وهو محرم؛ لأنه غش؛ ولأنه آيل إلى كساد تجارة ذلك التاجر لانتشار عدم الثقة به وغشه وخداعه.
د- ويجب الصدق من التاجر وبيان حقيقة السلعة «فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما محقت بركة بيعهما» (٢).
والصدق عند التفاوض يكون ببيان حقيقة السعر بلا مغالاة ولا انتهاز لجهل متستر، أو اضطراره، وبيان صفة السلعة، وصنعها، وعيبها، ومدى توفر قطع غيارها، وإمكان صيانتها إن كان الأمر مما يجري فيه ذلك.
وفي الشركات والمضاربات بيان الشروط والمواصفات والحقوق للأطراف، وما لكل وما عليه.
وقاعدة هذا في قولي: ويجب بيان كل ما لو عرف لأثر في التفاوض.
وأما البركة المقصودة في النص فهي نوعان: بركة سببية، وبركة سماوية.
فالأولى ما يترتب على الصفقة من ربح، وتملك، وأثر الربح على حركة المبيعات ورفاهية التاجر.
وأثر التملك على المشتري في الانتفاع بالسلعة أو الصفقة فيما قصد به الانتفاع في حياته.
ومحق هذه البركات عند الكتمان والكذب ظاهر إذ للمشتري الرد عند ظهوره على عيب
стр. 879
قادح، وله الإمساك والمطالبة بتعويض؛ لعموم (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠)، وهذا منه.
وفي العيوب غير الملزمة للرد أو التعويض محقُ بركة الصفقة بالخصومة والضغينة، ونزع الثقة في سلع التاجر البائع.
أما الثانية وهي البركة السماوية، فهو أمر يحدثه الله في الصفقة وآثارها عند الصدق، والبيان من الأطراف يؤثر على تضاعف الاستفادة من الربح والسلعة، ومحقُه عند الكذب والكتمان قلة الجدوى من الربح، وقلة النفع والجدوى من السلعة إلى أمور عامة كونية يحدثها الله في التجارات والمناخ والأوضاع (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف: ٩٦)، (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: ٤١).
هـ- والحلف في المعاملات مذموم لعموم (وَلاَ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ) (البقرة: ٢٢٤).
ومحله حال التفاوض غالبا، فإن كان كذبا فهو من الكبائر والموبقات «والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» (١) أي لا ينظر الله إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم.
و- والإيهام بدفع طرف ثمنا أكثر مما دفع المساوم محرم؛ فإن كان في وقت بوار السلعة كذهاب وقت الذروة وانتهاء حركة السوق عظم الإثم، وكان من الكبائر «ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: ورجل حلف بعد العصر أنه أعطى ما لم يعط ليوقعه» (٢).
стр. 880
وبعد العصر كان وقتا تبور فيه السلعة، فجريان تعاملهم على أسواق تقوم في ساعات من نهار أو زمن من الأسبوع أو السنة ثم تنتهي.
فبدلا من أن يُصَرِّف التاجر السلعة حينئذ أوقع بإيهامه وقَسَمِه المشتري خداعا وكذبا.
فهذا في التفاوض التجاري محرم، وكبيرة من الكبائر، وضار بالسوق والمستهلك والمشتري.
ز- ويندب عند التفاوض طلاقة الوجه والابتسامة؛ لأنه من الإحسان لعموم (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠)، ولأنه من السماحة وهي محمودة في البيوع، ولأنه من مكارم الأخلاق والشريعة قصدت حفظها وتتميمها، ولأنه أوقع وأوثق لاستمرار التعامل التجاري، وهذه مصلحة مباحة والشريعة رعت المصالح.
ح- ويشرع السماحة في التفاوض والتساوم؛ لعموم «رحم الله امرءا باع سمحا واشترى سمحا» (١)، ولأنه خلق فاضل يدفع الطمع والحرص، ودفع هذه مرغوب في الشرع.
ط- ويحرم تعمد البخس للسلعة أو ثمنها؛ لعموم (وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ) (الأعراف: ٨٥)، والبخس تحقير الشيء بما يسقط قيمته إسقاطا فاحشا، وهذا ضرر فاحش واجب الدفع؛ إذ يحمل على الزهد في السلعة؛ ويؤدي بالمالك إلى عرضها وبيعها بما هو ضرر عليه حقيقة، وإن رضي بالصفقة المبخوسة ظاهرا.
ولا مانع حال التفاوض من شرط الرد عند ظهور خداع في الصفقة؛ لحديث «كان رجل يخدع في البيوع، فقال ﷺ : إذا بايعت فقل لا خلابة» (٢)، أي لا خداع.
وله عند التفاوض والسوم أن يأخذ السلعة ويقلبها ويتأملها، سواء كانت هي أو نموذجا لها.
ويجوز له الذوق للمطعوم وتجربة ما يحتاج إلى معرفة مطابقته للطلب، لأن هذه الأمور وسيلة تحصيل ركن الرضى في التبايع.