← Фикх общий

Фикх общий · id 130550

المقدمة في فقه العصر

فضل مراد

Полный текст (1 109 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

والأمكنة تتعلق بمحل الصفقات والمعاملات المالية، دولية ومحلية، رسمية وشعبية، وبالمراسلة أو السلكي، أو البريد، أو النت. وما يتعلق بمحل الإيفاء والتسليم، ومكانه وبلده مسماةً موضحة في كل ذلك كبنك أو شركة أو تحويلات، أو كان محله البحر أو الجو أو البر، أو كان محلا حصريا بوكالة أو جهة كوكيل بلد معين، أو بلدان، أو كان باطن الأرض أو فوقها، أو في أنفاقها، أو في أدغالها، أو كان في محل تاريخي سياحي، أو ديني كالحرم أو المسجد، أو المشاعر المقدسة، أو في مكان عام أو خاص. أما الاستثمار بالأموال والسلع فهو شامل لكل أنواعه العالمية التي حصرناها في خمسة: سهم، ونقد، وعين، وحق، ومنفعة. وأما الأشخاص المستثمرون فالنظر فيهم من جهة الأهلية وكونُهم ملاكاً أو وكلاء أو جهاتٍ اعتيادية، أو أولياء، أو ناظرين. والكلام في مسائل الاستثمار يرجع إلى أن الاستثمار معاملة تجارية قائمة على ركن التراضي (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩)، والخلو عن الموانع الخمسة. والتراضي أمر نفسي خفي يرجع في معرفة تحققه إلى ما يبينه الإنسان، وهو أمر جبلي في أصل الخلقة (الرَّحْمَنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الإِنسَانَ* عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (الرحمن: ١ - ٤). والأقوال رأس البيان، وهي في عقود الاستثمار ركنٌ؛ لأنه لا تتم المعاملات الاستثمارية المعاصرة إلا بالأقوال منطوقةً أو مكتوبةً، ولا تجري بالمعاطاة فلم تعتبر؛ ولأن المشروط بين التجار عرفا كالمشروط شرعا وكالملفوظ. التفاوض الاستثماري والتفاوض قبل الإبرام مشروع وهو السَّوْم. أ- ولا يجوز دخول طرف مفاوض آخر حتى يدع الأول للنص «لا يسم على سوم أخيه» (١).

стр. 877

ولأنه أدفع للخصومة؛ ولأن دخوله مؤد إلى حرص البائع على السلعة طلبا لسعر أعلى من مساوم آخر، ويترتب عليه كثيرا فشل الصفقة معهما، مما يؤدي إلى قلة حركة المبيعات، ونوع من الركود. فمقصود الشرع من تحريم المساومة على المساومة حفظ التعاون، والمودة بين عملاء السوق مع بعضهم وبينهم وبين التجار، إذ انصراف التاجر إلى الآخر مع إعراضه عن الأول طمعا في الزيادة مؤد إلى نفور العملاء منه، وسوء سمعته مما يؤدي إلى نوع خسارة عليه. ونفوق السلع سريعا وجريان حركة السوق والتجارة ودورانها هي إحدى أجدى الطرق للانتعاش الاستثماري والاقتصادي وتشغيل اليد العاملة. فلذلك حرم السوم على السوم، والبيع على البيع؛ لأنه يعود على هذا المقصود الشرعي التجاري بالإخلال. ب- والمداراة والمماراة ممنوعتان في الاستثمار حال التفاوض وأثناء العقود وبعدها للنص على قصد تركهما «كان شريكي، وكان لا يداري ولا يماري» (١). والمداراة هي المجاملة على حساب الحقائق، فالواجب بيان الحق في كل ما يتعلق بالمعاملات؛ لأنه من النصيحة «الدين النصيحة قلنا لمن قال لله ولرسوله ولكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم» (٢). والمماراة كل جدل عقيم بالباطل -وهو الغالب- أو بالحق؛ لأنه يرتب الخصومة والضغينة مما يؤدي إلى فشل العلاقات التجارية والاستثمارية. فالنهي عن المماراة في المعاملات المالية له مقصدان، الأول: حفظ الود ودفع الضغينة، والثاني: حفظ العلاقات التجارية وهما أدعى لمقصود أبعد وأعلى، وهو حفظ جريان ودوران المال وحركة الأسواق.

стр. 878

والنهي عن المداراة له مقصدان، الأول: حفظ الثقة؛ لأن المجامل يفعل ما يرضي الآخر على خلاف الحقائق، فيثمر نزع الثقة التجارية منه. والثاني: أن كشف الحقائق أدعى للثقة، وجريان التعامل، وتجنب المشاكل التجارية بحلولٍ قبل وقوعها. ج- ويحرم النجش للنص «نهي عن النجش» (١). وهو دخول طرف يظهر إرادة الشراء والحرص على السلعة ليوقع المشتري الأول ويكون عادة بالتوافق مع التاجر. وهو محرم؛ لأنه غش؛ ولأنه آيل إلى كساد تجارة ذلك التاجر لانتشار عدم الثقة به وغشه وخداعه. د- ويجب الصدق من التاجر وبيان حقيقة السلعة «فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما محقت بركة بيعهما» (٢). والصدق عند التفاوض يكون ببيان حقيقة السعر بلا مغالاة ولا انتهاز لجهل متستر، أو اضطراره، وبيان صفة السلعة، وصنعها، وعيبها، ومدى توفر قطع غيارها، وإمكان صيانتها إن كان الأمر مما يجري فيه ذلك. وفي الشركات والمضاربات بيان الشروط والمواصفات والحقوق للأطراف، وما لكل وما عليه. وقاعدة هذا في قولي: ويجب بيان كل ما لو عرف لأثر في التفاوض. وأما البركة المقصودة في النص فهي نوعان: بركة سببية، وبركة سماوية. فالأولى ما يترتب على الصفقة من ربح، وتملك، وأثر الربح على حركة المبيعات ورفاهية التاجر. وأثر التملك على المشتري في الانتفاع بالسلعة أو الصفقة فيما قصد به الانتفاع في حياته. ومحق هذه البركات عند الكتمان والكذب ظاهر إذ للمشتري الرد عند ظهوره على عيب

стр. 879

قادح، وله الإمساك والمطالبة بتعويض؛ لعموم (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠)، وهذا منه. وفي العيوب غير الملزمة للرد أو التعويض محقُ بركة الصفقة بالخصومة والضغينة، ونزع الثقة في سلع التاجر البائع. أما الثانية وهي البركة السماوية، فهو أمر يحدثه الله في الصفقة وآثارها عند الصدق، والبيان من الأطراف يؤثر على تضاعف الاستفادة من الربح والسلعة، ومحقُه عند الكذب والكتمان قلة الجدوى من الربح، وقلة النفع والجدوى من السلعة إلى أمور عامة كونية يحدثها الله في التجارات والمناخ والأوضاع (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف: ٩٦)، (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: ٤١). هـ- والحلف في المعاملات مذموم لعموم (وَلاَ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ) (البقرة: ٢٢٤). ومحله حال التفاوض غالبا، فإن كان كذبا فهو من الكبائر والموبقات «والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» (١) أي لا ينظر الله إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم. و- والإيهام بدفع طرف ثمنا أكثر مما دفع المساوم محرم؛ فإن كان في وقت بوار السلعة كذهاب وقت الذروة وانتهاء حركة السوق عظم الإثم، وكان من الكبائر «ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: ورجل حلف بعد العصر أنه أعطى ما لم يعط ليوقعه» (٢).

стр. 880

وبعد العصر كان وقتا تبور فيه السلعة، فجريان تعاملهم على أسواق تقوم في ساعات من نهار أو زمن من الأسبوع أو السنة ثم تنتهي. فبدلا من أن يُصَرِّف التاجر السلعة حينئذ أوقع بإيهامه وقَسَمِه المشتري خداعا وكذبا. فهذا في التفاوض التجاري محرم، وكبيرة من الكبائر، وضار بالسوق والمستهلك والمشتري. ز- ويندب عند التفاوض طلاقة الوجه والابتسامة؛ لأنه من الإحسان لعموم (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠)، ولأنه من السماحة وهي محمودة في البيوع، ولأنه من مكارم الأخلاق والشريعة قصدت حفظها وتتميمها، ولأنه أوقع وأوثق لاستمرار التعامل التجاري، وهذه مصلحة مباحة والشريعة رعت المصالح. ح- ويشرع السماحة في التفاوض والتساوم؛ لعموم «رحم الله امرءا باع سمحا واشترى سمحا» (١)، ولأنه خلق فاضل يدفع الطمع والحرص، ودفع هذه مرغوب في الشرع. ط- ويحرم تعمد البخس للسلعة أو ثمنها؛ لعموم (وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ) (الأعراف: ٨٥)، والبخس تحقير الشيء بما يسقط قيمته إسقاطا فاحشا، وهذا ضرر فاحش واجب الدفع؛ إذ يحمل على الزهد في السلعة؛ ويؤدي بالمالك إلى عرضها وبيعها بما هو ضرر عليه حقيقة، وإن رضي بالصفقة المبخوسة ظاهرا. ولا مانع حال التفاوض من شرط الرد عند ظهور خداع في الصفقة؛ لحديث «كان رجل يخدع في البيوع، فقال ﷺ : إذا بايعت فقل لا خلابة» (٢)، أي لا خداع. وله عند التفاوض والسوم أن يأخذ السلعة ويقلبها ويتأملها، سواء كانت هي أو نموذجا لها. ويجوز له الذوق للمطعوم وتجربة ما يحتاج إلى معرفة مطابقته للطلب، لأن هذه الأمور وسيلة تحصيل ركن الرضى في التبايع.

стр. 881

وإن تلفت السلعة حال السوم في يد من يريد الشراء؛ فإن كان لتفريط منه فعليه ضمانه؛ لأنه مال لأجنبي وحفظه مقصود شرعي، والتفريط فيه خلافه، والعدل ضمان مثله أو قيمته (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠). والعدل مأخوذ من المعادلة والموازنة: وهذا منه، ولقوله ﷺ «إناء بدل الإناء، وطعام بدل الطعام» (١). فضمَّنها ما أتلفت، وبسطه في الضمان. ومبدأ التفاوض في الاستثمارات مضبوط بقاعدة «لا ضرر لا ضرار». فلا يشترط ما يضر بالآخر أو يستخدم أساليب تضر بالتعامل أو بأحد الطرفين أو بالسوق. نتائج التساوم التفاوضي وإذا تم التفاوض فلا بد أن ينتج عن إبرام عقد عاجل، أو آجل، أو فسخ عقد، أو وعد بالشراء ملزم أو غير ملزم، أو عرض سعر ملزم مؤقت، أو غير مؤقت، أو وعد بإتمام الصفقة واستكمال إجرائها ملزم، أو غير ملزم. وعلى كل حال لا بد أن يتفق على صيغة آلية لذلك. فإن كان إبرام عقد فهو إما بيع وشراء بأنواعه، أو شركة، أو مضاربة، أو توكيل، أو تسويق، أو تصنيع، أو استيراد وتصدير، أو تأجير، أو تأمين، أو ضمان، أو خدمات استثمارية عامة. وقد تجتمع عدة معان في عقد فيكون له مسمى آخر ولا يأخذ أحكام ما اجتمع فيه من معاني العقود، وأكثر هذه صيغ العقود الاستثمارية المعاصرة. والأصل فيها الإباحة مهما كانت إلا إن اشتملت على أحد الموانع الخمسة التي قدمناها، وهي -أعني صيغ الاستثمار- إضافة إلى ما سبق: عقد صرافة، أو عقد زراعي، أو عقاري، أو عقد صيانة، أو وديعة، أو عقد فتح حساب جار أو توفير أو استثمار أو عقد إحالة، أو عقد رهن، أو استشارات، أو عقد وظيفي، أو تورق، أو ضع وتعجل، أو عقد جعالة، أو اعتماد مستندي، أو خطاب ضمان، أو بيع للآمر بالشراء، أو عقود خدمات الأوراق المالية من كمبيالات وشيكات وسندات وصكوك.

стр. 882

أو عقد بطاقة الائتمان والفيزا، أو عقد وساطة تجارية وسمسرة، أو عقد فكري، أو عقد إعلامي كالإنتاج، أو عقد مقاولات، أو استيراد وتصدير، أو عقد إقراض، أو عقد منفعة وتوفير خدمه كالكهرباء والنت والهاتف. ولا بد في العقود من ذكر السلعة وثمنها بما يفيد تمام البيان والمعرفة وكذلك الأطراف والشهود وجهة التوثيق بما يحفظ به الأموال. فلنتكلم عن هذه العقود وصيغها وموضع العقد فيها والحقوق والواجبات وأحكامها بما يناسب. وإنما اخترنا ذكرها عداً ليكون أجمع لذهن القارئ، وإن كنا قد ذكرنا عقودا منها فيما تقدم، وسنذكر هنا أمهات المسائل الاستثمارية المعاصرة بما يليق بهذه المقدمة، فمنها: - عقد البيع وهو مبادلة مال معلوم بمال معلوم بقصد التملك والربح غالبا بالتراضي من كاملي الأهلية بعقد خال من الموانع الشرعية. فقولنا «مبادلة» خرج به المكارمات والتعويضات في الجنايات وعقود التبرر والتبرع كالوقف والهبة؛ إذ لا تبادل فيها. وخرج به أخذ المال بوضع اليد والسبق كإحياء الموات، وكذا تملك المال عن طريق فرض شرعي كالزكاة والمواريث. وقولنا «مال معلوم بمال معلوم» شامل لأنواع المال الخمسة في العالم التي حصرناها في السهم والنقد والأعيان والمنافع والحقوق. وقولنا «معلوم» احترازٌ عن عقود الميسر والقمار والغرر والجهالة الشديدة. وقولنا «بقصد التملك» لأنه المقصود الأصلي من البيع، ويقع إجبارا، وخرج به ما لو اشتريت السلعة في بيع مزايدة خيري بقصد التبرع بالثمن مقابل ما لا يساويه على أي وجه كشراء قلم يساوي درهما بمليون درهم، والتبرع بها لجهة خيرية، فالبيع هنا غير مقصود بل الحث على المزايدة في السلعة لرفع مبلغ التبرع.

стр. 883

وقولنا «والربح غالبا» لأن من البيوع ما لا يقصد به الربح بل للتصريف والتملك، والربح مقصود في البيوع التجارية ولو لم يحصل، وفي البيوع المدنية وإن لم يقصد أحيانا. وقولنا «بالتراضي» ركن البيع؛ لأنه بعدمه غصب أو إكراه. وقولنا «من كاملي الأهلية» ركن لإخراج بيوع الصبي والمجنون وغير الرشيد من سفيه ومحجور عليه، ومن ليس له أهلية بيع السلعة لعدم الملك أو الوكالة أو الولاية. وقولنا «بعقد» شمل الملفوظ والمكتوب. وقولنا «خال من الموانع الشرعية» وقد حصرناها في خمسة تقدمت. فشمل تعريفنا هذا أركان البيع وشروطه وتمييزه عن غيره وخلوه من مانع، وهذا هو العقد الصحيح شرعا. وإن كان نقدا بنقد فهو صرف، وإن كان بتأجيل السلعة فهو عقد السلم. فإن كان الثمن مؤجلا فهو بيع بآجل، وهو الدين. وأحكام ذلك تقدمت إلا السلم والصرف. - عقود السلم فالسلم هو شراء سلعة موصوفة في الذمة مؤجلة بأجل معلوم، بثمن معلوم. وهل يلزم تقديم رأس المال في المجلس أو بعضه؟ الأصل جوازه، وحديث «نهي عن بيع الدين بالدين» ضعيف (١). فيجوز أن يدفع بعضَه، ويؤجل الباقي إلى وصول السلعة، أو الكل تعجيلا وتأجيلا لعموم (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩)، وهذه تجارة عن تراض، ولعدم وجود مانع من الموانع الشرعية الخمسة المعتبرة شرعا. ولأن الله قال عن المسائل التي سكت عن تحريمها (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١). ولأن النص في «من أسلم في شيء فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم» (٢)

стр. 884

لم يذكر تعجيل الثمن، فيبقى على أصل الإباحة تعجيلا وتأجيلا. أما السلعة المسلم فيها فيجب وصفها بما يخرجها عن الجهالة، والنص دال على معرفة الكمية «كيل معلوم، ووزن معلوم» بمعايير المعرفة الكمية. وهي لا تخرج عن كيل فيما يكال، ووزن فيما يوزن، وهي الحبوب. والسوائل والأدوية ونحوها مما يضبط بمقاييس الأوزان والأحجام المعاصرة. وجميع السلع في العالم الآن من الملبوس والمأكول والمشروب والمستهلكات لا تخرج عن هذا الضبط. وأما العدد فهو الآن: فرع عن معدود من المقدرات والموزنات؛ فلا سلعة في التجارات في العالم إلا وهي مركبة من معايير بوحدات المليجرام، أو وحدات المليمتر. حتى الإلكترونيات معلومة كل قطعة فيها في الواحدة وزنا، ومعلوم الوزن الكلي للواحدة، ولو بيعت بالعدد فلا عدد إلا مسبوق الوزن. فمن زاد العد أو الذرع أو المتر في السَّلَمِ زاد معيارا لا ينضبط به حتى يعلم وزن الواحدة. فعلم بهذا الدقةُ التقديرية في النص النبوي المزيلة لكل لبس على كل جهة. وأما الأجل المعلوم فلا بد منه. وهو شامل لكون السلم على فترات زمنية محدودة، أو فترة. والأجل يجوز، قل أو كثر، ولو ساعة أو يوما أو أكثر من ذلك. فيجوز مع موصوف في الذمة إلى ساعة معلومة من نفس اليوم. وهذا يغني عن السلم الحال الذي قاله الشافعية ومنعه الجمهور. والحالُّ هو: بيع موصوف في الذمة بدون ذكر زمن معلوم للتسليم، وما كان كذلك فيحق طلبه حالا؛ لعدم التأجيل بزمن. وهذا من البيع لا من السلم؛ لأن السلم مقصود شرعا تحديده بزمن معلوم بالنص، وخلاف مقصودات الشرع يخرجه عن كونه شرعيا، إلا إن وافق شرعيا آخر، وهو هنا البيع. ودعوى اشتراط الرؤية للمبيع حال العقد لا دليل عليها إلا أن من شرطها عللها بكونها

стр. 885

تدفع الغرر، والوصفُ المطابقُ رافعٌ له؛ فإن اطلع على خلافه بطل البيع؛ لانعدام الرضى على هذه الصفة. فإن رضي جاز، بدليل أنه لو رآها أثناء العقد ثم تفرقا بعد إيجابه فتبين له عيب فيها حق له الإرجاع مع أنه رأى السلعة، فإذا رضي جاز العقد. فعلم أن المؤثر هو الرضى، وهو المنصوص عليه (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩). وإطلاق النص «إلى أجل معلوم» يدل على جواز عقد السلم إلى أجل معلوم محدد بساعة واحدة أو أقل أو أكثر من نفس اليوم، ويمكن أن نسميه السلم السريع أو القصير وهو ملاءم للمعاملات المالية المعاصرة. ودليله إطلاق «إلى أجل معلوم»، أي إلى أي أجل معلوم طويلا أو قصيرا، فيشمل الساعة واليوم والشهر والسنة، ومن حدد أقل وأكثر الأجل فلا دليل له. وأما بيع السلعة على النموذج أو الرؤية السابقة أو المعرفة التامة بالسلعة التجارية كما هو حاصل الآن وتحويل المشتري لاستلامها من غير محل العقد كالمخازن أو الوكيل أو الموزع أو المصنع فهو بيع لا سلمٌ، وحضور السلعة في مجلس العقد ليس شرطاً عند أحد إلا في الربويات الست فإن ضرب لاستلامها وقتا محددا أشبهت السلم. ولا يرد هنا حديث «لا تبع ما ليس عندك» لأن معناه دائر على ما لم تقبضه، أو ما لم تملكه كما تدل عليه النصوص الأخرى؛ لأن حمله على مكان العقد يُخْرِج كثيرا من السلع عن المعاوضات، ويبطل بيعها خاصةً غير المنقولة، وكذا ما يعسر إحضاره لمجلس العقد من ثابت ومنقول كثير، ولم يقل بهذا أحد فيما أعلم. ولا يشترط في شيء من السلع وجوده في مجلس العقد إلا في الصرافة، وبيع الربويات المنصوصة للنص على كونها يدا بيد. مع أننا لا نرى بأسا في شراء ألف طن من التمر المعين بألف طن من القمح المعين، ثم يحيل كل طرف صاحبه إلى الاستلام من المخازن المعلومة المضمونة؛ لتعذر إحضار هذه الكميات

стр. 886

مجلس العقد، فيكون معنى النص «يدا بيد» أي بلا تقييد للعقد بزمن محدد للاستلام؛ لأنه حينئذ يكون آجلا. فإن لم يضربا زمنا فهو حالٌّ يُقْبَض حالا إثر العقد ولو لم تحضر السلعة إلى مجلس العقد. وكل سلعة بحسبها كما وكيفا، فقد لا يتمكن من تمام القبض إلا بأيام من التفريغ والشحن والنقل لكثرة الكميات أو الطلبيات المستحقة للعملاء. ولا يخرج عن كونه يدا بيد؛ لأن التكليف بحسب الاستطاعة العادية والعرفية (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة: ٢٨٦)، وقد جرت الأعراف التجارية والاستطاعات المتعلقة بها على نحو هذا، فإن كان تأخر القبض والإقباض للربويات الحالة لتساهل مع استطاعة القبض أثما جميعا؛ لمخالفة المناجزة المفروضة شرعا «يدا بيد» (١). ويبطل العقد، فإن أمضياه دخلا في محرم وعلى الدولة إصدار قانون ينظم التعامل ويمنع الصور المخالفة للنصوص. ويجري السلم في أنواعٍ من الخمسة الأموال: النقد والسهم والعين والمنفعة والحق. فالنقد هو: العملة الورقية الآن ولا يصح جريان السلم فيها بأن تدفع نقداً مع تأجيل في النقد المقابل سلما، وهو صرف يشترط فيه التعجيل والإقباض في المجلس. وأما الذهب والفضة فإن كانا نقدين فكذلك، وإن كانا سلعتين أو معدنين فدفع العميل رأس المال من الذهب نقدا في ذهب سلعة كحلي أو معدن أو في فضة حرم، وبطل العقد لاشتراط التعجيل وحرمة التأجيل بالنص «يدا بيد» (٢). والسَّلَمُ قائم على التأجيل؛ فحرم في منصوصٍ على تعجيله وهي الذهب والفضة ببعضها، والبر والشعير والتمر والملح ببعضها. وقولنا «ببعضها» يشمل من جنسها، ويشمل من أحد الأجناس الربوية الأربعة المذكورة. أما الذهب أو الفضة بإحدى هذه الأربعة فلا مانع سلما، للإجماع، وجريان التعامل به من

стр. 887

زمن الرسالة فما بعد بلا نكير من العلماء، ولأن منع ذلك تعسير شديد، وهو مدفوع؛ ولأنه يلزم في العملة الورقية كذلك لأنها مقامه الآن، وهذا من أشد الحرج والتعسير، فدفع. ويجوز عقد السلم بدفع عملة ورقية الآن في ذهب أو فضة سلما، أو استصناعا؛ لعدم المانع الربوي. أما السَّلَم في المعادن الأخرى غير الذهب فجائز بلا إشكال، ويجوز العقد مع جهة لاستخراج المعادن سلما بحسب سعره وكميته ونوعه حال التسليم، فيجوز تسليمها على دفعات، ويجوز أن يسلم رأس مالها حسب سعرها زمانا ومكانا، وتحديد سعرها راجع إلى مقاييس عالمية مضبوطة ترفع النزاع والجهالة، وأدلة المسألة هي عموم النصوص وإطلاقاتها فمن ادعى قيدا أو مانعا فقد ادعى خلاف الأصل لأن الأصل عدم المانع. ولا جهالة فاحشة هنا؛ لأنه قائم على معايير تجارية دقيقة منضبطة، وجهة مرجعية فاصلة حال النزاع كبنك ونحوه. وتقوم الضمانة البنكية مقام صاحب رأس المال في الدفع والاستيفاء (١)؛ لأنه لا دليل على تعجيل رأس مال السلم في المجلس، فيجوز كون رأس المال بضمانة بنك يدفع حين الاستحقاق عن صاحب رأس المال. ويشترط ضرب أجل كعام للتنقيب أو التسليم خلالها على دفعات؛ لأنه مشروط في الحديث، ولحصول الغرر الشديد والخصومة بدونه بخلاف عدم تقدير الكميات في كل مرة تسلم فيها كمية لإمكان دفع الجهالة بتقدير زمن الدفع وقيمتها حسب نوعها وكميتها حال التسليم. فيجتمع في النص الأجل المعلوم وهو العام مثلا، والوزن المعلوم وهو حال التسليم، وحال توقيع العقد حيث يذكر الكمية الكلية المطلوبة. وحديث الدين بالدين والكالئ بالكالئ ضعيف لا حجة فيه ولو صح فَرْضاً لكان في دين في الذمة يحل أجله فيبيعه الدائن بدين آخر بزيادة على المدين طلباً للتأخير، وهو ربا.

стр. 888

وأما السلم في الأسهم فلا أعلم وقوعه، إلا أنه لو دفع أحدٌ رأس مال في أسهم معلومة من جهة معلومة يسلم له صكها في أجل معلوم فلا أرى فيه ما يمنع. وأما السلم في الأعيان المالية وهي الأربعة الأنواع المتقدمة: فالأرض يجوز السلم فيها لشراء قطعة محددة الأوصاف، وتصوير المسألة واقع في جمعيات عقارية أو زراعية تجمع أموالا من الراغبين في الشراء بمواصفات معينة، ومحل معين على الشيوع لا على التعيين الشخصي، وأجل معين للتسليم، وبعد الاستيفاء يتم شراء أرض كبيرة تقسم بحسب أسهم المشاركين ثم تقسم بنظام الكمبيوتر أو القرعة أو بحسب لوائح الجمعية المتوافق عليها. ويخرج لكل اسم سهمه تحديدا على التخطيط والواقع، ويصدر له صك ملك بذلك. وأما السلم فيما يخرج من الأرض فجائز بشروط السلم المتقدمة. والسلم في العقارات جائز بأن يدفع الراغب في الشراء إلى جهة البيع قيمة العقار عمارة أو شقة أو فيلا حسب الوصف والمخطط الشامل الدقيق. وتقوم جهة البيع بعد تمام المساهمين بالإنشاء حسب المواصفات وتسلمها في المدة المحددة، بعقد تمليك للمشتري. وأما السلم في النوع الثاني من الأعيان المالية وهي الثروات فبحسب نوع الثروة، وقد ذكرناها بالحصر، وهي الثروات المعدنية، والذهب والفضة، والنفطية، والغازية، وثروة المياه، والثروة البحرية، والثروة النابتة، والثروة الزراعية، والحيوانية، والصخرية ومشتقاتها، والثروة الجغرافية، والجوية. ففي معدن الذهب والفضة إن كان بالنقد جاز السلم فيه لعدم مانع الربا، ويشترط معلومية الأجل والوزن والسعر وقد تقدم. ويجوز دفع السعر عند العقد وأخذ ضمان على المدفوع إليه، وهو المسلم إليه، أو رهن. ولا دليل يدل على منع ذلك؛ لأنه دين والنص يجيز أخذه على الدين (وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُوا

стр. 889

الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٨٣). ومن زعم أن الرهن لأجل الإيفاء منه عند عدم التسليم يجعله ممنوعا في السلم لأنه لا يستوفي منه السلعة فجوابه أنه يستوفي منه ما دفع إليه من رأس المال هذا إن سلم أن العلة حقا هي تلك، والصحيح أنه للتوثق بإطلاق. ويجوز أن تقوم الجهة بدفع المعدن على أقساط معينة متفق عليها؛ لعموم «إلى أجل معلوم» وهذا أجل معلوم، ولأن الأصل عدم المانع. وإن خالف المواصفات فلا يلزم قبضه؛ لأنه خلاف العقد الواجب الوفاء به (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١). والعقد على مواصفات مغايرة، فلا يلزم القبض إلا بما جاء وفق العقد بالمطابقة أو تفاوت يسير يتسامح في مثله. والمعادن بالمعادن جائزة بتفاوت وتأجيل بعض وتعجيل؛ لأنها ليست من الربويات. والنفط والغاز كذلك فيجوز بيع نفط بنفط مع تفاضل وتآجل في طرف لعدم الربوية. ويجوز السلم في النفط والغاز بشروط السلم، ويتفق في جميع دفعات السلم على محل التسليم إن كان بحاجة إلى نص، وشرط النقل وكلفته؛ لأنها شروط تدفع الضرر والغرر والجهالة المؤدية إلى الخصومة. والسلم في استيراد المياه المعدنية والغازية جائز. وفي الثروة البحرية من سمك وأحياء وأعشاب وكل ما يمكن ضبطه كما بالوزن أو الكيل وكيفا بالوصف المخرج له عن الجهالة. وسواء كان السلم فيه رطبا أو جافا فلا يشترط جفافه؛ لعدم الدليل إلا في الربوي، وهذا غير ربوي. والسلم في الثروة العشبية والخشبية يشمله عموم الجواز بشروط السلم. وكذا الثروة الصخرية مع ضبطها بالوزن. ويجوز السلم في مشتقاتها كالإسمنت ونحوه ومسبباتها.

стр. 890

وكذا يجوز في الحيوانية التي يمكن ضبطها وزنا لا بالعدد أو السن لعدم انضباطه إلا في سلم في الأضاحي الشرعية فبالسن والسلامة من العيوب الشرعية في الأضاحي؛ لأنه ضبط شرعي خاص، فيقدم على ضبط باب السلم التجاري. وأما السلم في النوع الثالث من الأعيان المالية وهي الأصول الإنتاجية فما كان طبيعيا كالأرض وتوابعها من العقار والحيوان فقد تقدم. وبقية الأصول الإنتاجية الصناعية كالمصانع والآلات المنتجة، فالسلم فيها جائز بمواصفاتها المعلومة وآجالها. وأما السلم في النوع الرابع من الأعيان المالية وهي: الاستهلاكيات من ملبوس ومأكول ومشروب وكماليات، وكل السلع الاستهلاكية والترفيهية؛ فالأصل في الجميع جريان السلم بلا مانع شرعي إلا ما كان من الربويات الستة بالتفصيل المتقدم، فيجوز السلم في الورقيات، والإلكترونيات، والهواتف، والحواسيب، والسيارات، والآلات، وقطع الغيار، والأدوية، والمعلبات، والألبسة، وسائر أنواع هذا الباب. وأما السلم في القسم الرابع من الأموال وهو الحقوق: فما أمكن فهو جائز كدفع شركة فنية منتجة لمخرج معين في أن ينتج لها عملا فنيا معينا. ويسلم في أجل معلوم بأوصاف مشترطة تخرجه عن الجهالة. وكل وصف في الدنيا يدخل في الميزان وهو المعيار الضابط، وله صور بحسب المادة، فميزان الماء المليلتر، والأثقال الكجم، وميزان البورصة إشارة الأسهم، وميزان الكون تقديراته (وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) (الرحمن: ٧). وميزان السلعة معاييرها؛ فالأفلام والكتابات ميزانها معاييرها ومواصفاتها. فشملها النص «فليسلم في وزن معلوم». ويجوز لدار نشر أن تدفع لمؤلف أو كاتب مبلغا في إصدار معين بأوصاف معينة وزمن معين، إذ لا مانع شرعي في ذلك، ومن ادعاه فهلم به صحيحا صريحا. ولا يحضرني الآن صورٌ للسلم في الحقوق غير ما ذكرت.

стр. 891

وأما السلم في القسم الخامس من الأموال وهي: المنافع والخدمات، فصورها في جهة مع أخرى عقد خدمات طبية للعاملين بمبلغ مقطوع معلوم مقابل خدمات طبية معلومة في أوقات معلومة من العام. ومثله خدمات الصيانة بأجل معلوم محدد، ولهم توزيعه على فترات من السنة مقابل ثمن مقطوع عند العقد. وجعلها إجارة أوضح، وجعلها سلما على المنافع والخدمات اجتهاد جديد وهو أسلم إذ الإجارة لها اشتراطات معلومة يتعسر معها هذه المعاملات على كثرتها وكثرة الحاجة إليها في عصرنا، وإذا جاز السلم في الأعيان جاز السلم في المنافع والخدمات لأنها أختها وقسيمتها فما جرى في تلك يجري في هذه بدليل واحد هو (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة: ٢٧٥)، (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩). وهذا عقد بالتراضي لا مانع فيه من الموانع الخمسة ولأنه عقد بيع فيحل فإذا كان دليل أصل مشروعيتهما واحد واشتركا في كثير من التعاملات وكان أصلهما واحدا وهو البيع فما هو المانع هنا من جريان السلم في المنافع والخدمات كجريانه في الأعيان؟ ومن ادعى المنع فقد ادعى ما هو على خلاف الأصل، فعليه بالدليل الصحيح الصريح الخالي عن المعارضة. وكذا خدمات التخليص الجمركي إن كانت بعقد لمدة كعام يدفع مقابلها عند العقد مع العلم بالكميات والآجال الموزعة على السنة حسب الصفقات القادمة. ويمكن أن يجعل هذا عقد وكالة بأجرة، لكنه ليس كذلك في العرف التجاري، والحاصل جوازه على كل وجه. ويجوز البيع على أساس بوليصة الشحن المحددة الأوصاف الكاملة للسلع والأجل، ويجوز بتظهيرها، أي نقل الملكية إلى آخر وإثبات ذلك على ظهر البوليصة إن جرى التعامل بذلك، وهو من عقود السلم. وإذا تأخر دفع السلعة المسلم فيها عن تاريخ الدفع: فإن كان التأخر فاحشا وضر المشتري

стр. 892

فلا يلزمه القبض، وله أخذ رأس ماله، وهل يعوض بدفع الضرر عنه صلحا؟ الظاهر لا مانع؛ لأنه غير مشروط أول العقد كشرط جزائي، فلو شرط كان ربا؛ لأنه دين ولا يصح أن يشترط زيادة عليه عند التأخير، وهو ما نزل فيه النص في التحريم. ومع عدم اشتراط الجزاء في تأخير البضاعة المسلم فيها يجوز عند وقوع الضرر للتأخير الفاحش أن يقضى بينهم بالعدل وفق قاعدة (لا ضرر ولا ضرار). والبيع والشراء في البورصة من الوسيط للمشتري: إن كان بالمواصفات فهو سلم، ولا يشترط فيه أن يكون مقبوضا للوسيط، ويشترط له أجل سريع كساعة أو يوم أو أجل آجل، أما إن باع سلعة بعينها بالأوصاف وهو يملكها ولم يقبضها فإنه كذلك يجوز، وحديث «فلا يبعه حتى يقبضه» مختلف في صحته وقد تقدم، وإن صَحَّ حُمِلَ على ما يكون عدم قبضه دخولا في بيع القمار؛ لغلبة عدم تمكن قبضه، أما إن قطع بالقبض كما يجري بين التجار وكما هو الحال في المعاملات في الأسواق المالية المعاصرة؛ فإنه لا مانع منه. لأن مقصود الشرع حفظ أموال وحقوق الناس ودفع الخصومات وقد تحقق مقصوده بالضوابط الدقيقة في اللوائح والقوانين المنظمة للعمليات التجارية المعاصرة، وأما حديث «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» فهو ضعيف معل (١)، وهو كحديث «الدين بالدين

стр. 893

والكالئ بالكالئ». وحديث «نهي عن ربح ما لا يضمن» ضعيف أو مختلف في صحته، ويؤول مع ذلك بما لم يضمن وصوله إلى يده. وأما حديث «لا تبع ما ليس عندك» (١) فمع اختلاف في صحته فغير وارد هنا لأن معناه لا تبع ما لا تملك كما في رواية أحمد، وقد ملكها بإبرام العقد ولا يشترط القبض كما بينا سابقا إلا في الربويات الست، ولا حضور السلعة مجلس العقد لتعذره في الصفقات الكبرى، ولعدم اشتراطه شرعا إلا في الصرف. وهذه الأحاديث من أحاديث ضعيفة أدت إلى خلاف وعسر في أبواب المعاملات واضطراب كثير في آراء الفقهاء، ونحن اليوم لا نعمل بها أبدا ونكتفي بالأصول الصحيحة المتفق على صحتها بين الأئمة، وسنبين كل ضعيف من هذا النوع في المعاملات في محله، وقد ذكرنا أكثرها في مقدمة فقه الأموال. - عقد الصرافة: عقد الصرافة هو عقد بيع نقدٍ بنقد، وشرطه التقابض في المجلس بالنص «يدا بيد هاء وهاء» (٢). فإن جرى تبعيا في بيع أو قضاء دين فهو جائز. فما كان في الذمة دينا ورده المدين إلى صاحبه صرفا بعملة أخرى سقط فيه التقابض في نفس المجلس حقيقة، وإن قدر تقديرا؛ تجويزا للمسألة. والصحيح أنه يجوز؛ لأنه ليس عقد مصارفة، بل عقد بيع أو دين رد بدله بصرفه لا بقصد عقد الصرف.

стр. 894

والتابع يجوز فيه ما لا يجوز في الأصل؛ لحديث «كنا نبيع بالدراهم ونقبض بالدنانير». فقال ﷺ «لا بأس إن افترقتما وليس بينكما شيء». فأجاز الصرف في الذمة؛ لأنه تابع لا أصل. - العقد الصناعي: العقد الصناعي هو عقد جديد ولا يخرج على عقد الاستصناع القديم في كل صوره؛ لأنه أعم منه وأشمل وأوسع وأكثر تركيبا، فالقول فيه على ما قررناه مرارا هو أن كل معاملة تجارية جارية في العالم الأصل فيها أنها مباحة لعموم (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩)، (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) (البقرة: ٢٧٥)، ولعموم العفو عما لم ينص على تحريم فيه (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١). والعقود الصناعية على هذا الأصل ما لم يزحزحها مانع من أحد الموانع الخمسة القاطعة. والعقود الصناعية هي تجارة سمها ما شئت، ولا يلزمنا موافقتها ما كان قبل أكثر من ثلاثة عشر قرنا في أيام أبي حنيفة وغيره من الأئمة عليهم رحمة الله ورضوانه. ولا يلزمنا تسميتها عقد استصناع، لأن الاسم ليس توقيفيا بل اجتهادي خاص بزمن معين، ولأن التزامنا بذات التسمية القديمة يدخلنا في إرباكات فقهية وإلزامات راجعة إلى تشبيه ما نحن فيه بذاك؛ فنقول بعدم الجواز أو به، ولم ينزل الله القرآن والسنة إلا ليفهمها الناس جميعا لا لأفراد بأعيانهم ولو كانوا كالأئمة الأربعة، ولذلك اشتد إيصاؤهم بعدم تقليدهم بل الأخذ من حيث أخذوا. ولذلك سميتها في هذا الكتاب اسما جديدا جامعا لكل الأنواع، وهي العقود الصناعية بحيث تشمل كل عقد صناعي في العالم كيفما كان، فهو مباح ما لم يمنع بقاطع من أحد الخمسة. والعقود الصناعية بحسب تقسيمنا للمال إلى سهمٍ ونقدٍ وعينٍ وحقٍ ومنفعةٍ تشمل كل هذه الأمور. وسنبدأ بالأعيان لكونها الباب الأكبر للصناعات، وبحسب تقسيمنا لها إلى أربعة أنواع: ١ - الأرض والعقار.

стр. 895

٢ - والثروات الكبرى، وهي خمسة عشر نوعا بحسب حصرنا الاستقرائي المتقدم. ٣ - والأصول الإنتاجية. ٤ - والمواد الاستهلاكية. وأركان العقود التجارية الصناعية الآن: عاقدان، ومعقود عليه من ثمن ومثمن، وصيغة عقد ملفوظ ومكتوب ومشهود. فالعاقدان يشترط فيهما أهلية التصرف، جهةً اعتبارية كبنك، أو شخصيةً كفرد. وصيغة العقد بحسب مقصود العقد بما لا يفهم غيره ويرفع التوهم. وقولنا مكتوب ومشهود ركن في الصيغة؛ لأنه لا نفوذ لها في التعامل التجاري رسميا إلا بذلك. والمعقود عليه هو الثمن والسلعة. أما الثمن فهو: ما تراضيا عليه في منطوق العقد عوضا للسلعة؛ لأن النطق هو الأصل؛ فإن لم يذكرا ذلك نطقا رجع إلى العرف؛ فإن لم يكن عرف فالعقد باطل؛ لاشتماله على المقامرة والتغرير الشديد في أحد طرفي العقد، وهذا محرم لتحريم الميسر والغرر. وحينئذ يجوز تحديد السعر ولو بعد إبرام العقد لتصحيحه؛ لأن ارتفاع المانع المبطل للعقد يعيد العقد إلى الصحة. ويجوز تأخير الثمن إلى التسليم، أو تقسيطه على أقساط، ويجوز دفع قسط أول بعد إبرام العقد. ويجوز دفع كامل الثمن أوله، والسلم يجوز فيه ذلك، ولا دليل على الإلزام بتعجيله كما مر. ودليل الصور السابقة (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩)، فأطلق صحة عقود التجارات بركن التراضي. وهذا عقد بالتراضي لا مانع فيه من الموانع الخمسة، ولأنه عقد بيع فيحل (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة: ٢٧٥). وهذا عموم، ولأن الله يقول عن المسائل التي لم يحرمها أو يحكم فيها بإيجاب (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١).

стр. 896

فيدل على عموم العفو في سائر صور العقد، تقدم الثمن أو تأخر بتقسيط أو كمال. وأما المثمن وهو السلعة المعقود عليها في العقد الصناعي فيشترط فيها أن تكون من الطيبات لا الخبائث (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ) (الأعراف: ١٥٧). والشرط الثاني أن تكون السلعة حلالا غير محرمة. فَشَرْطٌ فيما يجوز أكله وأكل ثمنه أمران: الأول أن يكون حلالا فخرج به الحرام الميتة والخنزير والميسر والأقمار والخمر والدم والأصنام. والثاني أن يكون طيبا غير مستخبث. فلا يجوز العقد الصناعي على سلعة محرمة بالنص على عينها كالخمر، أو معناها وهي الخبائث. فالعقد على إنتاج الخمر والمخدرات باطل لتحريمه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة: ٩٠)، «لعن الله في الخمر عشرة بائعها ومشتريها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وشاربها وآكل ثمنها وشاهدها» (١). وكذا عقود المخدرات، وهي من الفساد في الأرض، وحدها حد الحرابة (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: ٣٣). ويبطل عقد استصناع أعلاف من دم ومستخلصات الميتة والخنزير ولو خلط بغيره، لأن ما حرم بالنص حرم قليله وكثيره «ما أسكر كثيره فقليله حرام» (٢).

стр. 897

ولحديث «لعن الله اليهود لما حرم عليهم شحوم الميتة أخذوه وباعوه وأكلوا ثمنه» (١). واستصناع الأسمدة من المخلفات الحيوانية للزراعة جائز؛ لعموم العفو عن كل مسألة لم تحرم (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١)، سواء مأكولة أو غير مأكولة للعموم، إلا ما كان من الخبائث كالبول والغائط الإنساني لعموم تحريم الخبائث، ولوجوب الاستنزاه منهما في البدن والثوب والمكان لعموم العلة في حديث الصحيحين أن رجلاً كان لا يستنزه من البول فعذب في قبره (٢). وللعن من يتخلى أي يتغوط في الطريق وتحت الشجر المثمر وفي الظل (٣). واستعمالها سمادا زراعيا أشد من معنى التخلي، فيحرم. وصناعة الأصنام محرمة، فيحرم عقود استصناعها وبيعها، ويستثنى ما كان للعب الأطفال، لورود إقرار الشرع عليها، وأصنام الأزياء كلعب الأطفال في الحكم؛ لأنها ممتهنة. وصناعة أصنام الزعماء والحكام محرم؛ لأن مقصودها التعظيم. وكذا العلماء والأنبياء والرسل وهو أشد تحريما لغلبة تعظيمها وأدائه إلى الاعتقاد المحرم فيها عند العوام (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا* وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا) (نوح: ٢٣ - ٢٤). وهذه أسماء عباد صالحين صنعت لصورهم أصنام ثم جاء من بعدهم فاعتقدوا فيها الضر والنفع، فضلوا وأضلوا كثيرا. والعقد الصناعي في الأرض إن كان لصناعة أرض كردم جزء من البحر أو جسر عليه أو نفق فيه أو صناعة جزيرة لغرض. فهذه وأمثالها جائزة؛ لعموم (سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) (لقمان: ٢٠)، ولعموم (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة: ٢٩).

стр. 898

فعموم التسخير والتمليك يقتضي حل التصرف، ومنه هذا. ويشمله عموم حل التجارات (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩). وعندي أن يختص هذا النوع باسم مستقل هو «العقود الإنشائية» وهي أنواع ومنها عقد المقاولات والعقود الهندسية؛ لأن الصنع هو إيجاد شيء مستخلص من مواد خام، أو هو تحويل المادة من طبيعتها الخام إلى منفعة أو تحويل المادة من طبيعتها الخلقية الخام إلى وضعها المنفعي الغائي. والإنشاء إيجاده بالمواد المصنعة، وبالمواد الخام، فيقال: صنع سيفا، وأنشأ بيتا. - العقود الصناعية في الثروات: وأما الثروات وهي خمسة عشر نوعا فيتعلق بها عقود صناعية كثيرة: فالثروة الجوية تجري فيها عقود استصناع الطائرات، وقطع غيارها، ومحركاتها، وصناعة مستلزمات المطارت والطيران التشغيلية والخدمية. وإنشاءُ المطارات هو عقد إنشاء لا استصناع، وقد يشمل على استصناع بعض المواد بمواصفات، ولا تعارض في اجتماع المعاني في عقد واحد. وفي الثروة البحرية على صناعة السفن وسائر النقل البحري وقطع غيارها وموادها ووقودها، وتجري في الصناعات البحرية والأحياء والنبات والمواد المعدنية والملحية والصخرية والنفط والغاز والحلية. وفي الثروة الزراعية على صناعة الأسمدة والآلات الزراعية للحرث والحصاد والمطاحن والتغليف والنقل وصوامع الغلال، وغيرها. ومن الثروة النباتية عشبية وخشبية على صناعة الخشب والدواء، والعطور، والروائح والزينة والوقود، وغير ذلك. والعقد على الصناعة بمواصفات معينة، والصناعات النفطية والغازية، وكذا على المواد الاستهلاكية -ملبوسةً، ومأكولةً، ومشروبةً- ومستعملات الزينة والإلكترونيات، والتسلح، ومنتجات النهضة التكنولوجية الحديثة.

стр. 899

كل هذه الأنواع تجري فيها العقود الصناعية، والاستصناع، والإنتاج والإنشاء، وكل بحسبه. وكافة ما يمكن صناعته يجوز إبرام العقود في تصنيعه ما كان، لا محرم. والوسيط الصناعي جائز، فلا يلزم كون العقد مع الجهة المباشرة للتصنيع، بل يجوز عبر وسطاء من بنوك وشركات وأشخاص وجهات يعقد معها. وتتولى العقد، وتكون مسئولة أمام المشتري عن المواصفات المطلوبة، ولا علاقة للمشتري بالمُصَنِّع المباشر حينئذ. وإن كانت السلعة المطلوب تصنيعها جاهزة بنفس المواصفات فله شراؤها للعميل، ولا يلزم صناعة أخرى مماثلة إلا إن كان شرطا؛ للزوم الوفاء بالشرط، لأنه جزء من العقد الواجب الوفاء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١). عقد الإنشاء والمقاولات: وعقد الإنشاء نوع من الاستصناع، ويختص عرفا بالمباني والإنشاءات الخدمية كالعقارات والجسور والطرق، وصيغها عقد مقاولات. ويجوز لمقاول مقاولة العمل لمقاول آخر بالباطن أو العلن، لجري التعامل على ذلك في العرف التجاري، فهو مشمول بعموم الإباحة الأصلية والنصية للبياعات والتجارات، ولا مانع منه شرعا، والأصل عدم المانع. ويكون الأول هو المسئول أمام المالك أو وكيله؛ لأنه طرف العقد؛ فهو ملزم به وضامن تنفيذه، ويكون المقاول الآخر مسئولاً أمامه وضامناً تنفيذ ذلك. ويجوز أن يكون طالب عقد الصناعة أو الإنشاء هو المنشئ والصانع نفسه، كأن يطلب من جهة كبنك أو شركة أن تصنع له آلة أو تنشئ له عقارا وهو يتولى الصناعة والإنشاء. عقود الإنتاج الإعلامي والأعمال الفنية والعقد لإنتاج مادة إعلامية مسموعة، أو مرئية، أو مقروءة، جائز. وهي من العقود المعاصرة الجديدة، وليس لها نظير فيما سبق، والعقد الاستثماري فيها

стр. 900

مباح على الأصل العام (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩). إلا أن يكون على أمر محرم كالأفلام الإباحية والماجنة؛ فالعقد فيها باطل، والكسب المترتب عليها حرام، وقد نهى الشرع «عن أجرة البغي» (١)، وهذا منه. وحرم إشاعة الفاحشة، وهذا منه (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النور: ١٩). ولا تُخَرَّجُ عقود الإنتاج الإعلامي على الاستصناع أو السلم أو الإجارة أو المضاربة إلا بتعذر وعسر، وفيه نوع من جميع هذه المعاني، فهو عقد مستجد تجاري جائز ما لم يمنع منه مانع شرعي معتبر من الموانع الخمسة. عقد الإنتاج الفكري العقد الفكري هو: عقد لكتابةٍ فكرية في صحيفة معينة، أو موقع، أو إصدارات مطبوعة. ويكون العقد معلوم المدة؛ لينتج به بحسب الاتفاق يوميا أو أسبوعيا أو شهريا أو سنويا، كمقال صحفي، أو إصدار معين كل مدة معينة، ويقبض على هذا العمل بموجب العقد راتبا شهريا، ونسبة من المطبوع، أو إحداها. وهذا عقد استثماري رائج لا مانع منه على أصل الإباحة. العقد الاستشاري العقد الاستشاري هو: عقد مع جهة استشارية في مجال معين لمدة معينة لتقوم بأعمال استشارية حسب العقد والعوض المتفق عليه، وهو إجارة. وعقود الاستيراد والتصدير مع جهة قد تكون إجارةً أو مضاربةً أو شراكةً بحسب العقد، وصورها جائزةٌ ما لم يكن في العقود مانع من الخمسة يحرمه. وخدمات الفيزاكارت منفعة مقصدها الاستثمار والربح مقابل عوض، فجازت وقد يُخَرَّج البنك على أنه وكيل بإجارة يدفع للمحل المراد.

стр. 901

وإذا لم يكن الرصيد مغطى، فهو -أي البنك- وكيل سداد بأجرة ومقرض كـ «بع عبدك عني» (١). والأجرة مقابل عملية السداد، لا مقابل القرض؛ فإن كانت فائدة على القرض مع ذلك حرم. وبقي أن نذكر عقود الشركات لأنها من أصول العقود الاستثمارية. وأما بقية عقود الخدمات الاستثمارية فمنها ما مر كالعقود الزراعية، والعقارية، والتأمين والصيانة، ومنها ما سنذكره في البنوك، وهي عقود التسهيلات والخدمات البنكية. عقود الشركات والشركة أنواع كثيرة، وأشملها لسائر الأنواع شركة المضاربات، وهي مال من طرف وعمل من طرف. فإن كان منهما المالان والعمل فهي شركة العنان، وهي جائزة بإجماع. فإن كانت بماليهما وعمل أحدهما جاز كذلك. أو كانت باتفاق طرفين على أن يعمل كلٌ فيما فتح الله عليه ثم ما ربحا فهو بينهما، وتسمى شركة الأبدان. والأصل جوازها؛ لعموم الحل في كل مسألة لم ينص على تحريمها بدليل (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١). ولأنها أصبحت الآن من التجارات المعروفة، والأصل حل كل التجارات بعموم النص (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩). وصفتها بأن تكون مجموعة من الأطراف التجارية اتحادا مشتركا، يعمل كل طرف في أنشطته المختلفة، وما حصل من الربح من جميع الأطراف فهو بينها. والهدف من هذا توسيع النشاط التجاري وتقويته، وشرطه الخلو من الموانع الخمسة. وأما إن كانت بالوجاهة، كأن تأخذ كل جهة أعمالا وأنشطة ورأس مال وتعطى ذلك دينا لثقة السوق بها ثم يتقاسم الربح بينهم، فلا مانع منه على الأصل، وتسمى شركة الوجوه.

стр. 902

وأما شركة المضاربات التجارية فهي: عقد على عمل من طرف ومال من آخر، وهو جائز بلا خلاف، وأخذ اسمه من (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ) (المزمل: ٢٠)، وأصله (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩)؛ لأنه عقد تجاري استثماري. وركنه التراضي والأهلية والإبرام. فأما التراضي فلأنه عقد تجاري (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩). أما الأهلية من العاقدين فلأنه لا تصرف إلا برشد مالي، وهو البلوغ والرشد والعقل (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) (النساء: ٦). فشرط مع البلوغ الرشد لدفع مال اليتيم إليه؛ وللنص (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً) (النساء: ٥). وقولنا «الإبرام» ليشمل سائر صور التوثيق من صيغة وكتابة وشهادة. وكذا اعتماد جهة معتمدةٍ؛ لأن هذا ما تقتضيه العقود في السوق التجاري الآن، ويسقط بعض هذه بحسب العادة التجارية. والمضاربة تكون في الأنواع الخمسة من المال . فهي في الأسهم بأن يدفع طرف لآخر أسهما للمضاربة بها بيعاً وشراء على ما يتفقان من المدة، ومقدار الربح، ونوع الأسهم المضارب فيها. ويجوز شراء أسهم من بنك أو شركة وجعله مضاربا فيها بشروط الربح والخسارة. ورأس المال إن كان نقدا -وهو الأصل- إن شرط عليه أن يشري به سلعا بعينها لزمه، ولا يجوز له المخالفة؛ فإن خالف فخسر ضمن؛ لأنه لم يوف بالعقد (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١)، ولأنه على غير المعقود، فكان تصرفا من نوع الاعتداء والبغي، فبطل. ويضرب مدةً للعقد، يوزع آخرها الربح، ولهما ألا يوقتا، لأن هذه الشروط ترجع إلى العقد بالإصلاح؛ فلم تمنع، وتكون جزءا من العقد الواجب الوفاء به (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١). ولا دليل يدل على أن المضاربة لا تصح إلا على عدم التوقيت، ولأن ما علل به من ذهب إلى المنع غير وارد الآن في المعاملات المعاصرة لقيامها على الدراسات الدقيقة والأنظمة واللوائح التي يندر معها ذلك.

стр. 903

وإذا دفع له رأس مال من الأعيان المالية كالعقار، والسلع من الملبوس، والمأكول والمشروب أو الإلكترونيات أو الترفيهيات أو أدوات النقل على أن يبيعها مضاربة وما زاد عن رأس مالها فهو ربح بينهما. ولا بد من جرد رأس مالها حال العقد وتحديده بالنقد إن كان المقصود بيعها وتحويلها إلى نقد، فما زاد فهو ربح. فإن لم يقصد تحويلها إلى نقد فينظر في الزيادة الحاصلة على رأس المال وصورته بأن يدفع إليه محل بضائع مختلفة أو متحدة ليضارب فيه، فيلزم جرد ذلك عددا وسعرا، وما زاد بعد انقضاء مدة المضاربة من عدد السلع فهو ربح، لا زيادة سعرها بل زيادة العدد؛ لأن السعر لا يتحكم فيه بالعمل إذ لا مدخل للعمل في زيادة السعر بل يؤثر على زيادة عدد السلع، فيجعل هو المرجع هنا؛ لأنه منضبط. وما كان أضبط وأبعد عن الغرر والخصومات فهو المقصود شرعا. ورأس المال إن صح أن يحيل عليه صح أن يضارب به، والإحالة عليه كالدين الحال عند ملئ يصح أن يجعله عند المدين رأس مال مضاربة وأن يحيل عليه من يقبضه عنه، وكذا يصح أن يجعله رأس مال سلم. وقلنا «الدين الحال» ليخرج الدين المؤجل ولم يحل أجله؛ فلا يحال عليه لأنه لم يتحقق دخوله في استحقاقه حتى يحل الأجل؛ فلا تصح الإحالة عليه، ولا المطالبة بقبضه. ولا يصح جعله رأس مال مضاربة ولا سلم؛ لأن المضاربة مال وعمل، والمال لم يستحق قبضه، فكان على لا شيء، وهذا تغرير محرم. فإن استحق قبضه بأن حل أجله وكان مليئا جاز؛ لأنه يكون كالوديعة عند المدين. وشرطنا أن يكون مليئا؛ لأن المعسر لا يحل استحقاق القضاء عليه بالنص (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) (البقرة: ٢٨٠). والسلم في ذلك كذلك. أما الاستصناع فيجوز بالدين، لعدم الدليل على المنع؛ ولأنه عادة يجري مع تأخير رأس

стр. 904

المال بخلاف المضاربة، فعمدتها رأس المال لأن العمل إنما هو فيه، فإذا كان معدوما كدين لم يحل، أو حل عند معسر، كانت المضاربة لغوا؛ لانعدام ما يمكن العمل فيه. وأما السلم فيجوز بالدين بشرط أن يكون تسليم المسلم فيه مساويا لزمن حلول الدين ولزومه، ولا دليل من كتاب ولا سنة صحيحة على تعجيل رأس مال السلم في المجلس. وهذا المدرك هو ما حدا بالإمام مالك -عليه رحمة الله تعالى- إلى القول بجواز تأخير رأس مال السلم يسيرا. وقد شرط في المعتمد من المذاهب الأربعة ألا يكون رأس المال في المضاربة دينا. وأطلقوا ذلك ولم يفصلوا هذا التفصيل ولا بد منه. ولا دليل يدل على المنع مطلقا، ولا أظنهم إلا قاصدين للمنع من الدين غير الحال أو حالاً عند معسر. ثم اطلعت على قول آخر لأصحاب الإمام أحمد بالجواز في الدين وأطلقوا، وفيه نظر، بل الصحيح ما قدمنا من التفصيل، وهو أن يكون الدين حالا عند ملئ؛ لأنه إن كان غير حال فهو طلب بغير حق فضلا أن يطلب منه المضاربة به، أو كان حالا على معسر فطلبه منه إلزاماً خلافُ النص (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) (البقرة: ٢٨٠). والمضاربة به منعها أولى؛ لأنه طلب وزيادة؛ أي لأنه طلب إيجاد المبلغ والعمل بالمبلغ. وشرط رأس المال أن يكون معلوما، ويحرم كونه مجهولا. والأسهم إذا عينت بالوصف، وعلمت بما يرفع الجهالة جاز دفعها لمن يضارب فيها، فإذا باعها فربح كان الربح بينهما بحسب الاتفاق. ويجوز أن يضع مالا في البنك لشراء أسهم للمضاربة بها، وشرط أهل المذاهب الأربعة في المعتمد أن يكون رأس المال نقدا، ولا دليل عليه إلا عدم الانضباط وهي علة معتبرة إذا حصلت؛ فإن أمكن ضبط المضاربة بالعروض بما يرفع هذا جاز. والأنظمة المحاسبية اليوم، والطرق الاقتصادية، والأدوات، والوسائل، والنظم كفيلة بهذا الضبط؛ ففتواهم صحيحة في زمنها، وما نحن عليه الآن إنْ انضبط صح.

стр. 905

- مضاربة البنك بالودائع غير الاستثمارية والاستثمارية والتصرف فيها وإذا دفع البنك إلى عميل تمويلا بحسب طلبه؛ فإن أعطاه على جهة القرض الحسن تمويلا لمشروع صغير جاز. ويرد له القرض في أجله، ولا بد من أخذ ضمان عليه حفاظا على أموال المودعين. ويؤخذ القرض الحسن من الودائع غير الاستثمارية؛ لأن التصرف في الودائع الاستثمارية لا يكون إلا بالاستثمار؛ لأن هذا هو مقصود العقد مع البنك، فوجب الوفاء (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١)، ولا يلزم إعلام صاحب الوديعة؛ لأنه قد علم بالعرف الرسمي في البنوك. وتصرف المودَع في الوديعة بالضمان؛ لأن حفظ الأمانات واجب، ويلزم إن سحبها صاحبها أداؤها (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (النساء: ٥٨)، وهذا عام؛ فلزم ردها عند الطلب، والبنك ضامن لها. وهذه الودائع يجوز للبنك استثمارها، ولا يدفع لصاحبها من الربح شيئا؛ لأنه أذن له إذنا عرفيا رسميا بحسب التعامل البنكي العام حال الإيداع أن يصنع بها ما يشاء، ويضمن له ردها كما هي إذا طلبها. والعلم بالتصرف منهم مع الإقرار والرضا بالتعامل معه كالنص على الإذن. ولأن حفظ المال إحسان، ولا مقابل له إلا إحسان التعامل، ومنه الإذن في تحريكها واستثمارها (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) (الرحمن: ٦٠). فإن صرح بعدم الإذن للبنك بالمضاربة في الوديعة فلا بد أن يستأجر لها خزينة بنكية مستقلة، أو يترك الإيداع العام البتة؛ لأن وديعته تختلط بسائر الأموال عند وضعها، ويتعذر عدم ذلك، ويؤدي الشرط إلى الخلل في أعمال البنوك فيضر بهم، والمودع لا يضر بمن أودع عنده بأن يشرط شرطا ضارا أو غيره مما يضر؛ لأنه إحسان (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) (الرحمن: ٦٠). وإن دفع البنك تمويلا للعميل في عملية تجارية فيكون البنك ممولا والعميل قائما بالعمل، وهذه هي المضاربة؛ فتجوز.

стр. 906

والبنك حينئذ مضارب مستقل مع العميل بعقد مستقل، وهو -أي البنك- مع المودعين المستثمرين عامل مضارب بعقد مستقل. فالعقود مستقل بعضها عن بعض؛ لورود النصوص المبيحة للعمل التجاري على العموم والإطلاق بلا تفصيل، ومن ادعى المنع لزمه الدليل المقيد أو المخصص. وعليه فلا مانع من ذلك شرعا، ولأن يد البنك المضارب مطلقة في التصرف، ولأن المستثمرين المودعين علموا بهذا التصرف عند العقد وحصل الرضى فجازت، ولا يمكن تخريجها على الخلاف في المسألة القديمة في مضاربة العامل لمضارب آخر، لأن البنوك لا تضارب بنفسها فقط، بل بنفسها ومع غيرها بدفعه إلى جهات استثمارية. ومعلومية هذا التعامل يخرجه عن الخلاف في المسألة عند تخريجها على ما مضى. بل العمل التجاري لا تقوم مصالحه في هذا العقد إلا بإطلاق نظر المضارب، وهو البنك أو الشركة في التصرف المصلحي. ولا حاجة إلى القول بأنها عقد جديد بمسمى المضاربة المشتركة بجعل البنك وسيطا بين الطرفين لعدم الحامل الداعي لذلك إلا تكلف لا معنى له، فإن اصطلح على ذلك فلا يضر؛ لأنه لا مشاحة في الاصطلاح. ولأن جعلها مضاربة ثلاثية مشتركة لا يؤثر على أحد العقدين؛ إذ لا علاقة لكل بالآخر. مسئولية البنك في النظر المصلحي ودراسة الجدوى: والبنك مسئول في مضارباته التجارية أن ينظر بالنظر المصلحي في أموال المستثمرين لديه، فلا بد أن يجعل له نسبة من الربح كافية مع الجهات التي يضارب بالأموال فيها؛ لأنها -أي المضاربة- حقيقة بينه وبين المودعين، فوجب النظر المصلحي لهم؛ وهذا من النظر المصلحي للمودعين المستثمرين. والنظر المصلحي واجب عليه فلا يجوز للبنك أن يتصرف في تقليل نسبته من الربح بما يضر بالعملاء، بل الأموال المدفوعة إليه شَرْطُها تحصيل غايةِ المصلحة الاستثمارية، وهو شرط معتبر، فيعمل به كجزء من الإيفاء بالعقد؛ لأن دونه مع الاستطاعة لما فوقه ضرر لا نظر.

стр. 907

ولأنه حال الخسارة من رأس المال يتحملها المستثمرون في البنك ويتحمل البنك المضارب خسارة أرباح كانت متوقعة، فخسارة المستثمرين في محقق وهو رأس مالهم، وفي متوقع وهو الربح، وخسارة البنك المضارب في متوقع وهو الربح. فوجب حينئذ غاية النظر، والدراسة للمشاريع وجدواها؛ لأن ذلك أدفع لمفسدة الضرر الفاحش على الأموال، ووجب ما لا يتم إلا بها استقلالا أو استكمالا، من رقابة، ومتابعة، وتقويم، ومحاسبة؛ ولأن الشرع إنما حجر على السفيه ومنع إعطاءه المال نظراً لعدم نظره المالي الراشد (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً) (النساء: ٥). فإذا تصرف البنك في مشروع بلا دراسة كافية للجدوى فهو محجور عليه الدخول فيها لغلبة المخاطرة. ولأنه لم يتصرف تصرف المصلحة، وهو عين ما حجر على السفيه به. - التمويل الجزئي: وإن مول البنك جزءا من العملية وطالبُ التمويل جزءا، فالبنك مضارب بجزئه ويقسم الربح أولا بين المالين، فيأخذ المضارب نسبته من الربح الكلي بحسب ماله، وبقية الربح الخاصة بمال البنك يأخذ نسبته بحسب الاتفاق بينه وبين البنك. إذ العقد مع البنك على المضاربة بمال البنك ولا شأن للبنك بالمال الآخر ممن كان، سواء من المضارب طالب التمويل أو من غيره. فلا يتعلق الوجوب الشرعي في الوفاء له إلا بالعقد في ماله بقدره. وعقد المضاربة تحكمه أصول كبرى (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة: ٢٧٥)، (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩). وخلوه من الموانع الخمسة التي استقرأناها بالحصر وهي: الربا المنصوص، والسلعة المحرمة بالنص، والميسر ومنه القمار والتغرير، واختلال الرضا، وترتب الضرر العام على العقد. فما كان وفق هذه من المضاربات التجارية فهو صحيح، ومن ادعى شروطا، أو أركانا، أو موانع في الثمن والسلع، أو الصيغ، أو التوثيق، أو العاقدين خارجة عن هذه فقد جاء بما لا حجة له.

стр. 908

فاشتراط كون رأس المال نقدا لا عروضا لا دليل عليه سوى احتمال الغرر، والاحتمالات لا تبطل الأحكام؛ فإن غلب الغرر أو تيقن صح هذا الشرط، وتقدم ندرة وقوع هذا الآن في المعاملات الحديثة لدقة الضبط في سائر أمورها. واشتراط كونه منقودا لا دينا خارجٌ عن الأدلة الشرعية السابقة إلا في صورة الدين غير الحال مع عدم الرضى بالتعجيل؛ فإن طلب المضاربة بالدين فوق طلب استيفائه، ولا يحق له استيفاؤه أصلا؛ لأنه مؤجل إلا إن رضي صاحب الدين بالتعجيل ودخلا معا في مضاربة بهذا المال جاز؛ لأن التعجيل جائز والتراضي على عقد المضاربة جائز. فالمدين يأخذ قدر الدين من ماله للمضاربة فيه على الربح المتفق عليه في العقد. فلا مانع لا شرعا، ولا عقلا، ولا عادة، لعموم (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩). وقد استقرأت حجة من منع فلم أجد لها نصا من كتاب ولا سنة، ولا معنى معقول صحيح تقصده الشريعة، وجميع الموانع الخمسة وما يدخل تحتها من الأدلة منعدمة هنا. وأما اشتراط أن يكون رأس المال معلوما فعليه دليل؛ لأن عدم معلومية رأس المال تغرير فاحش، فهو من نوع المقامرة كبيع الملامسة والمنابذة. فلا يصح العقد إلا بذكر مال معلوم. أما الربح فشرطه المعلومية؛ فيحرم ويبطل العقد مع عدم معرفة نسبة الربح بينهما؛ لأنه ميسر ومقامرة، وهو محرم. فيجب ذكر نسبة كل طرف وأن يكون شائعا في جميع المال المستثمر مضاربة وأن يكون نسبة لا بعدد؛ لأن الدفع بالعدد إجارة لا مضاربة. ولأنه لو أعطي بقدر العمل إجارة لأمكن استغراق جميع الربح، وقد يستهلك أجرته من رأس المال فتحصل الخسارة لطرف، وهو خلاف مقصود العقد القائم على توزيع الربح بالنسبة. ولا يصح ضمان الربح؛ لأنه حينئذ ضرر بالعامل في المضاربة وضرر فاحش وهو مدفوع؛ ولأنه حينئذ يجب عليه رد رأس المال؛ لأن الربح فرض عليه مضمون ولا ربح إلا بضمان رد رأس المال، وهذا هو الربا المحرم؛ لأنه مطابق حينئذ للدين بفائدة، وهذا مانع مبطل للعقد.

стр. 909

وإذا صُحِّح العقد بإبطال هذا الشرط؛ جاز وصح؛ لأن تصحيح العقود المالية بإزالة المانع يدل عليه قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (البقرة: ٢٧٨)، فأمر بترك ما بقي من الربا ولم يأمر بإبطال أصل المعاملة، بل قال (وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ) (البقرة: ٢٧٩)، فأبطل الله شرط الربا وأمر بأخذ رأس المال، وهذا يدل على عدم إبطال المعاملة كليا في صورة من باع ذهبا بذهب مع الزيادة في أحدهما، أو باع سلعة بثمن آجل بشرط الزيادة على الثمن في حال عدم الدفع عند حلول الدين. فأمر الله بالتوبة وأخذ رأس المال فقط وهو في الصورتين جار مع صحة الصفقة لإطلاق النص. وما ذهبت إليه هنا وفي غير هذا الموضع من الاجتهاد القائم على المقاصد وقواعد الشريعة ودلالات نصوصها مع اعتبار واقع الحال الذي نعيشه في هذا القرن، قد لا يروق لناسك في التقليد هاجر للنظر الفقهي، وحسبي أني بفضل الله قد فتحت بابا فتحه الله علينا بهذا الكتاب، سيكون له ما بعده بحول الله وقوته من تجديد في الفقه خصوصا ولهذا الدين عموما. والمضاربة تدخل في الأرض فلو دفع له مالا فاشترى به أرضا ليبيعها، أو بناها للبيع، أو للإيجار مدة معينة، أو دائمة ويديرها ولهما ربح ريعها، جاز كل ذلك. وما ارتفع من سعرها وسعر عقارها فمنه رأس المال للمالك وما فوقه ربح بينهما. فإن تراجع السعر فغطى رأس المال فهو للمالك، وإن لم يغط فهو خسارة عليه. ويجوز أن يزرعها ويبيع محاصيلها ثم يقسمان الربح، ويجوز أن يؤجرها بيضاء أو للزرع أو للبناء. والمضاربة عقد شراكة تجاري عام قائم على (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩)، فشمل هذه الصور وغيرها ما لم يرد مانع شرعي، والأصل عدمه. ويجوز أن يستثمر بالمال في الثروات الخمس عشرة وهي: الجوية، والبرية، والبحرية، والمائية، والجغرافية، والمعدنية، والذهب، والفضة، والنفط، والغاز، والحيوانية، والنباتية، والزراعية، والصخرية، والخشبية.

стр. 910

ففي الجوية بالنقل والتصنيع والإيجار والتوكيلات والتخليص والخدمات والتفويج، ونحو ذلك. وفي البرية بالإنشاءات والإعمار والنقل البري والتصنيع للوازم ذلك. وفي البحرية بالنقل البحري والتأجير والتصنيع والصيد والتصدير والاستيراد. والأحياء البحرية وثروات البحر المختلفة العشبية والنباتية والصخرية والمعدنية. وفي المائية بالتنفيذ والتعليب والتعبئة والطاقة والري. وفي الجغرافية بالسياحة والموانئ والمعابر والمضايق والمطارات والإنشاءات والإيجارات. وفي المعدنية بالتنقيب والتصنيع والتنقية والتجارة والاستيراد والتصدير والبحث. وفي الذهب تنقيبا وتصنيعا وسبكا وتشكيلا وبيعا وشراء وضربا وصياغة وصرافة. وفي الفضة كذلك. وفي النفط بحثا وتنقيبا وتنقية وبيعا وتصديرا واستيرادا. وفي الغاز بحثا وتنقيبا وتعبئة وبيعا. وفي الثروة الحيوانية رعاية وتنمية ومشتقاتها الحيوانية من الألبان والدهون والأثاث واللحوم والجماليات. وفي الثروة النباتية من تشجير وزينة ومعالجة وأدوات تجميل وزينة وعطور وأدوية. وفي الزراعية في الحبوب والبقوليات والخضروات والفواكه سلما وبيعا وشراء وزراعة. والصخرية تشكيلاً وبناء ومشتقاتها الإسمنتية والرخامية وأدوات الرفاهية والزينة والحماية. وفي الخشب قطعاً ونقلا وتشكيلا وغيرها. أما المضاربات في الأصول الإنتاجية فمنها ما سبق، ومنها الآلات الاستثمارية الإنتاجية كالمصانع وآلات النقل، ويكون بشراء مصانع أو آلات إنتاجية لاستغلالها، أو استئجارها، أو إيجارها، أو بيعها. أما في الاستهلاكيات الإنسانية من مأكل، ومشرب، وملبس، وآلات نقل، وترفيه، وزينة، وإلكترونيات، ونواتج النهضة؛ فتجري فيها عقود المضاربة بكل صيغ الاستثمار سلما

стр. 911

واستصناعا وإيجارا وشركة وغير ذلك. أما المضاربة في الأموال من نوع الحقوق فالتعاقد جائز مع جهات علمية لإصدارات معينة، أو شراء حقوق تأليف وطباعته مع إعطاء نسبة من الربح معينة دائمة أو مؤقتة للمؤلف، أو إنتاج أفلام، أو مواد إعلامية، أو تسويق. وفي الأموال من نوع المنافع والخدمات، فكافة الإيجارات، والعقود الوظيفية، والخدمات والصيانة، والتسويق، والتسهيلات، والحوالات، والإيداعات، والتأمين، وإدارة المرافق السياحية، والشركات، ونظم المحاسبات، وغير ذلك. فهذه أنواع المال الخمسة وفروعها، وتجري فيها عقود المضاربة بصيغها المختلفة، من سلم، وبيع، وشراء، وصرافة، وتحويلات، وإجارات، وشركات، واستصناع، ومرابحات، وكل بالشروط الشرعية المدلل عليها. ونفقات المضاربة تخصم من الأرباح من إيجارات وعمالة، ونقليات، وكل ما لزم لإنجاح المشروع التجاري مما هو معروف في السوق أو ثبت جدواه، ولو لم يكن معروفا؛ لأن الولاية على المال حينئذ ولاية نظر، فكل ما يضر بالمال يُدفَع، أو كان يضر بالأرباح أو يضر بالمضارب أو رب المال، فكله ضرر مدفوع. وتحميل المضارب مصاريف نفسه اللازمة للعمل ضرر فاحش عليه، فينظر فيما يتعلق بالعمل حُمِل من مال المضاربة، وما ليس له تعلق بالعمل كمرضه وشراء أدوية له فلا علاقة له بذلك إلا إن كان بسبب المضاربة كسفر إلى بلد فيه ذلك الوباء. أما مصاريفه الشخصية التي لا علاقة لها بالمضاربة فهي عليه. وأما مصاريف عمل رب المال كبنك مثلا فإن كان له تعلق بهذه المضاربة جاز؛ لإطلاق النصوص، والأصل عدم المانع. فإن خصم البنك نسبة معينة كمصاريف إدارية من رأس المال: فإن جرى بها عرف ولم تكن مجحفة جاز؛ لما قدمنا من إطلاقات وعموم النصوص والأصل عدم المانع، ولأن المعروف بين التجار كالمشروط؛ ولأنه مع عدم الإجحاف لا ضرر على طرف فصح؛ لعدم الضرر الفاحش؛ ولأن المصالح في التصحيح غالبة.

стр. 912

وإن شرط رب المال على المضارب أن الربح إذا كان كذا نحو عشرة بالمئة فهو لرب المال كله، وما زاد عن كذا فالزيادة للمضارب، فهذا شرط باطل؛ لأنه تغرير بالمضارب والتغرير الفاحش نوع من الميسر كبيع الملامسة والمنابذة. والعقد باطل يمكن تصحيحه بإزالة الشرط المبطل، فإن مضى في المعاملة رجعنا فيها إلى مضاربة المثل يحكم به ذوا عدل وخبرة مختاران منهما؛ لأن الله أجاز الإرجاع إلى المثل بحكم عدلين في قوله (فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ) (المائدة: ٩٥)، فدل على اعتبار المثلية ودل على أنها تكون بحكم عدلين من الخبراء والعقود الباطلة إن تعومل بها، فإن أمكن تصحيحها ابتداء أو في الأثناء صحت، أو في الانتهاء فكذلك؛ لأن الضرر مدفوع بقدر الإمكان. ودفع الضرر عن المضارب العامل بتصحيح العقد بمثل أجره العادل، ودفع الضرر عن رب المال بتصحيح العقد بإزالة الشرط الفاسد المفسد، وإعطائه ربح المثل. ودليل تصحيح العقود أنه في الربا لا يأخذ إلا رأس المال (وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ) (البقرة: ٢٧٩). فأسقط زيادة الربا الباطلة ولم يبطل عقد القرض بدفعه حالا بل إلى أجله؛ فإن كان حالَّا وهو معسر فإلى ميسرة؛ فدل على أن دفع الضرر عن الأطراف كلها بنظر مصلحي عادل أمر معتبر شرعا وقد تقدم بيان هذا. وإن شُرِطَ احتياطي يؤخذ من رأس المال بضابط مضبوط: إما على العمل فتؤخذ عن كل صفقة من صافي ربحها نسبة منه لوضعه في صندوق كاحتياطي. أو على الزمن فتؤخذ كل ربع سنة مثلا أو شهر أو ما يتفقان عليه ولو رأس كل يوم، فينظر في رأس المال في الفترة وربحه الصافي مخصوما منه ما اتفق عليه من المصاريف والنثريات المتعلقة بالعمل، فيؤخذ من صافي الربح نسبة معينة كرصيد احتياطي لمواجهة الطوارئ، فهذا الشرط إن رضي به المضارب العامل فلا مانع؛ لأنها عملية تجارية ركنها التراضي (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩).

стр. 913

فإن كان لحماية رأس المال جاز أيضا؛ لنفس العلة، ولأن سلامة رأس المال مقدم على الربح، إذ الربح فرع عنه فلا يقدم عليه، ولعدم الضرر على الطرفين في هذا الشرط. ولأنه يخدم المصلحة التجارية من حيث الاستمرارية لضمان رب المال ما يسد خسارته؛ ولعموم (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١) في كل مسألة لم يحكم الله فيها بالحكم المعين، والأصل عدم المانع، فمن ادعاه فدعواه خلاف الأصل. والاحتياطي ملك لرب المال والمضارب إن كان عن الربح في مضاربة بصفقات متعددة مستقلة كل عن الأخرى. أما لو كانت مضبوطة بأجل كعام فما جرى من الصفقات المستقلة لا يظهر استحقاق المضارب فيه إلا آخر المدة، فإن سلم رأس المال فالاحتياطي من الربح بينهما، وإن لم يسلم وفَّى منه وما بقي فلهما. وإن انسحب أحد المشاركين قبل نهاية المدة فليس له إلا حسابه إلى ذلك الوقت، وأما الاحتياطي فيجب فيه أحد أمرين: إما التبارؤ، أو الحساب بعد نهاية المدة. وهذا ما تقتضيه المنصوصات الأصول الكليات كقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠)، وقوله تعالى (لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ) (البقرة: ٢٧٩). وصناديق المضاربة الاستثمارية بأنواعها من العملات، أو السلع، أو الأسهم، أو العقار، أو الإيجار جائزة على ما يتفق عليه أطراف العقد. وشَرْطٌ خلو عقدٍ من أحد الموانع الخمسة. وهو في العملات صرف، وفي السلع تقليب تجاري، وفي الأسهم إما عامة، أو شركات بعينها بأنواع العمليات التجارية، وفي العقار بالإنشاءات، وفي الإيجار بكافة عمليات التأجير العقاري والنقلي أو الوظيفي أو العمالي أو الآلي. ويجب أن يذكر في العقد كل ما جهالته توجب الضرر الفاحش أو التغرير او الخصومة؛ لأن دفع المفاسد واجب، وهذا منه. ولأن التغرير محرم وهو من الميسر والقمار؛ فوجب دفعه بالبيان الرافع له في العقد؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

стр. 914

ويجوز دفع رأس مال المضاربة على أقساط؛ لأنها تجارة قائمة على التراضي، وهذا منه بشرط عدم الإضرار بالمضارب وإلا مُنِع. وفي نسبة الربح يجوز جعله تصاعديا للعامل بحسب تصاعد الأرباح والمبيعات، وإذا شرط وجب الوفاء به؛ لأنه جزء من العقد المتراضى عليه فيشمله عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١). وحرم ضمان ربح معلوم مقطوع عند العقد بالنسبة، كأن يقول العامل للممول المضارب: أضمن لك عشرة في المئة على رأس المال، لخروج هذا عن التجارة القائمة على الربح وإمكان الخسارة إلى عدم الخسارة ولو خسر المضارب، وهذا ضرر فاحش على المضارب، والعقود لا تتضمن الضرر. ولأنه عند الخسارة يلزمه رد رأس المال وربحه المضمون، وهذا صورته قرض وفائدة عليه لا مضاربة على الربح والخسارة؛ فحرم. إلا إن كان الضمان لبيان الجدوى وندرة الخسارة؛ فإن وقعت الخسارة حكم بها لا بالضمان، وهو حينئذ تحفيز لا تغرير؛ لأنه قائم على دراسة صحيحة معتبرة في السوق أو في مثلها، والطارئ المؤدي إلى الخسارة خارج عن التفريط، وإذا شرط ضمان هامش الربح، فالشرط باطل، فإن مضيا في العقد كان على مضاربة المثل. لأن الرجوع إلى المثل عند التقويم معتبر شرعا (وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ) (المائدة: ٩٥). ويجوز التقدير بالعدل عند عدم المثل لاعتباره في الحكم شرعا كخيار (أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ) (المائدة: ٩٥). وربح الأرباح: إن كانت كل صفقة في المضاربة مستقلة عن الأخرى، فالأرباح ملكت بكمال الصفقة، فإن أضيفت على رأس المال الأصلي الذي دفعه طرف كانت رأس مال مشترك، فيملك المضارب من رأس المال ما وضعه من ربحه. وتقسم الأرباح عند الانتهاء بأن يأخذ العامل جميع نسبة ربح ماله، ثم يأخذ نسبته من رب المال الأصلي مقابل عمله.

стр. 915

هذا وجه، أو على حسب ما يتفقان حال إضافة الربح على رأس المال وتحويلها إلى شركة أموال؛ فيجوز أن يقسم الربح نصفين ولو تفاوتت الأموال لعلة عمل العامل، أو كان التفاوت لعلة نحو كون الشراكة مع رب المال الأصلي يمنح القبول في السوق نظرا لشهرته. وجوزنا ذلك لإطلاق النصوص في الحل التجاري، ولعدم أحد الموانع الخمسة، ولعموم (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١) في كل مسألة غير منصوصة الحكم. ولأن العلة التراضي في التجارات، وقد وجد؛ ولعدم وجود مفسدة على طرف، فمن ادعى المنع لزمه نقض إعمال هذه الأصول في المسألة بما ينقل عنها. واشتراط تحمل العامل جزءا من الخسارة إن حصلت ضررٌ فاحش عليه؛ لأنه خسر من جهتين: الأولى عوض جهده المبذول في المضاربة، والثانية ضمان شيء من رأس المال لصاحبه يدفعه من ماله الخاص، وخسر رب المال من جهة واحدة هي من رأس ماله. والضرر الفاحش يجب دفعه على من وقع عليه، وهو أحد الموانع الخمسة للعقود. ولأنه لا ضرر ولا ضرار؛ ولأن الخسارة لم تكن بتفريط وتقصير فلا يضمن، كما لو حصل حريق عام. وعندي وجه آخر في جواز المسألة إن جرى السوق التجاري على التعامل بها بالتراضي؛ لعموم النص التجاري بالتراضي بشرط عدم إجحاف الشرط الجزائي في تحمل شيء من الخسائر؛ لأن الإجحاف ظلم محرم ومفسدة ظاهرة كثيرة، فيعمل بقاعدة (لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)، ولا ضرر ولا ضرار، ولأن رسول الله ﷺ أمر بوضع الجوائح (١) كعلاج للطوارئ عند التعامل التجاري لتخفيف الضرر على المتضرر، ولأنه ﷺ طلب إسقاط شطر الدين المؤجل وأمر بعد الإسقاط بتعجيله (٢). فهذا الشرط المعتدل، أعني تضمين العامل، هو تعاون على تحمل النازلة، والتعاون محمود؛ ولعموم (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) (الرحمن: ٦٠)، ولأن رب المال محسن والمضارب محسن في عمله فيتعاونان في دفع الضرر إحسانا.
следующие страницы →