واستصناعا وإيجارا وشركة وغير ذلك.
أما المضاربة في الأموال من نوع الحقوق فالتعاقد جائز مع جهات علمية لإصدارات معينة، أو شراء حقوق تأليف وطباعته مع إعطاء نسبة من الربح معينة دائمة أو مؤقتة للمؤلف، أو إنتاج أفلام، أو مواد إعلامية، أو تسويق.
وفي الأموال من نوع المنافع والخدمات، فكافة الإيجارات، والعقود الوظيفية، والخدمات والصيانة، والتسويق، والتسهيلات، والحوالات، والإيداعات، والتأمين، وإدارة المرافق السياحية، والشركات، ونظم المحاسبات، وغير ذلك.
فهذه أنواع المال الخمسة وفروعها، وتجري فيها عقود المضاربة بصيغها المختلفة، من سلم، وبيع، وشراء، وصرافة، وتحويلات، وإجارات، وشركات، واستصناع، ومرابحات، وكل بالشروط الشرعية المدلل عليها.
ونفقات المضاربة تخصم من الأرباح من إيجارات وعمالة، ونقليات، وكل ما لزم لإنجاح المشروع التجاري مما هو معروف في السوق أو ثبت جدواه، ولو لم يكن معروفا؛ لأن الولاية على المال حينئذ ولاية نظر، فكل ما يضر بالمال يُدفَع، أو كان يضر بالأرباح أو يضر بالمضارب أو رب المال، فكله ضرر مدفوع.
وتحميل المضارب مصاريف نفسه اللازمة للعمل ضرر فاحش عليه، فينظر فيما يتعلق بالعمل حُمِل من مال المضاربة، وما ليس له تعلق بالعمل كمرضه وشراء أدوية له فلا علاقة له بذلك إلا إن كان بسبب المضاربة كسفر إلى بلد فيه ذلك الوباء.
أما مصاريفه الشخصية التي لا علاقة لها بالمضاربة فهي عليه.
وأما مصاريف عمل رب المال كبنك مثلا فإن كان له تعلق بهذه المضاربة جاز؛ لإطلاق النصوص، والأصل عدم المانع.
فإن خصم البنك نسبة معينة كمصاريف إدارية من رأس المال: فإن جرى بها عرف ولم تكن مجحفة جاز؛ لما قدمنا من إطلاقات وعموم النصوص والأصل عدم المانع، ولأن المعروف بين التجار كالمشروط؛ ولأنه مع عدم الإجحاف لا ضرر على طرف فصح؛ لعدم الضرر الفاحش؛ ولأن المصالح في التصحيح غالبة.
стр. 912
وإن شرط رب المال على المضارب أن الربح إذا كان كذا نحو عشرة بالمئة فهو لرب المال كله، وما زاد عن كذا فالزيادة للمضارب، فهذا شرط باطل؛ لأنه تغرير بالمضارب والتغرير الفاحش نوع من الميسر كبيع الملامسة والمنابذة.
والعقد باطل يمكن تصحيحه بإزالة الشرط المبطل، فإن مضى في المعاملة رجعنا فيها إلى مضاربة المثل يحكم به ذوا عدل وخبرة مختاران منهما؛ لأن الله أجاز الإرجاع إلى المثل بحكم عدلين في قوله (فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ) (المائدة: ٩٥)، فدل على اعتبار المثلية ودل على أنها تكون بحكم عدلين من الخبراء والعقود الباطلة إن تعومل بها، فإن أمكن تصحيحها ابتداء أو في الأثناء صحت، أو في الانتهاء فكذلك؛ لأن الضرر مدفوع بقدر الإمكان.
ودفع الضرر عن المضارب العامل بتصحيح العقد بمثل أجره العادل، ودفع الضرر عن رب المال بتصحيح العقد بإزالة الشرط الفاسد المفسد، وإعطائه ربح المثل.
ودليل تصحيح العقود أنه في الربا لا يأخذ إلا رأس المال (وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ) (البقرة: ٢٧٩).
فأسقط زيادة الربا الباطلة ولم يبطل عقد القرض بدفعه حالا بل إلى أجله؛ فإن كان حالَّا وهو معسر فإلى ميسرة؛ فدل على أن دفع الضرر عن الأطراف كلها بنظر مصلحي عادل أمر معتبر شرعا وقد تقدم بيان هذا.
وإن شُرِطَ احتياطي يؤخذ من رأس المال بضابط مضبوط: إما على العمل فتؤخذ عن كل صفقة من صافي ربحها نسبة منه لوضعه في صندوق كاحتياطي. أو على الزمن فتؤخذ كل ربع سنة مثلا أو شهر أو ما يتفقان عليه ولو رأس كل يوم، فينظر في رأس المال في الفترة وربحه الصافي مخصوما منه ما اتفق عليه من المصاريف والنثريات المتعلقة بالعمل، فيؤخذ من صافي الربح نسبة معينة كرصيد احتياطي لمواجهة الطوارئ، فهذا الشرط إن رضي به المضارب العامل فلا مانع؛ لأنها عملية تجارية ركنها التراضي (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩).
стр. 913
فإن كان لحماية رأس المال جاز أيضا؛ لنفس العلة، ولأن سلامة رأس المال مقدم على الربح، إذ الربح فرع عنه فلا يقدم عليه، ولعدم الضرر على الطرفين في هذا الشرط.
ولأنه يخدم المصلحة التجارية من حيث الاستمرارية لضمان رب المال ما يسد خسارته؛ ولعموم (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١) في كل مسألة لم يحكم الله فيها بالحكم المعين، والأصل عدم المانع، فمن ادعاه فدعواه خلاف الأصل.
والاحتياطي ملك لرب المال والمضارب إن كان عن الربح في مضاربة بصفقات متعددة مستقلة كل عن الأخرى.
أما لو كانت مضبوطة بأجل كعام فما جرى من الصفقات المستقلة لا يظهر استحقاق المضارب فيه إلا آخر المدة، فإن سلم رأس المال فالاحتياطي من الربح بينهما، وإن لم يسلم وفَّى منه وما بقي فلهما.
وإن انسحب أحد المشاركين قبل نهاية المدة فليس له إلا حسابه إلى ذلك الوقت، وأما الاحتياطي فيجب فيه أحد أمرين: إما التبارؤ، أو الحساب بعد نهاية المدة.
وهذا ما تقتضيه المنصوصات الأصول الكليات كقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠)، وقوله تعالى (لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ) (البقرة: ٢٧٩).
وصناديق المضاربة الاستثمارية بأنواعها من العملات، أو السلع، أو الأسهم، أو العقار، أو الإيجار جائزة على ما يتفق عليه أطراف العقد.
وشَرْطٌ خلو عقدٍ من أحد الموانع الخمسة.
وهو في العملات صرف، وفي السلع تقليب تجاري، وفي الأسهم إما عامة، أو شركات بعينها بأنواع العمليات التجارية، وفي العقار بالإنشاءات، وفي الإيجار بكافة عمليات التأجير العقاري والنقلي أو الوظيفي أو العمالي أو الآلي.
ويجب أن يذكر في العقد كل ما جهالته توجب الضرر الفاحش أو التغرير او الخصومة؛ لأن دفع المفاسد واجب، وهذا منه.
ولأن التغرير محرم وهو من الميسر والقمار؛ فوجب دفعه بالبيان الرافع له في العقد؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
стр. 914
ويجوز دفع رأس مال المضاربة على أقساط؛ لأنها تجارة قائمة على التراضي، وهذا منه بشرط عدم الإضرار بالمضارب وإلا مُنِع.
وفي نسبة الربح يجوز جعله تصاعديا للعامل بحسب تصاعد الأرباح والمبيعات، وإذا شرط وجب الوفاء به؛ لأنه جزء من العقد المتراضى عليه فيشمله عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١).
وحرم ضمان ربح معلوم مقطوع عند العقد بالنسبة، كأن يقول العامل للممول المضارب: أضمن لك عشرة في المئة على رأس المال، لخروج هذا عن التجارة القائمة على الربح وإمكان الخسارة إلى عدم الخسارة ولو خسر المضارب، وهذا ضرر فاحش على المضارب، والعقود لا تتضمن الضرر.
ولأنه عند الخسارة يلزمه رد رأس المال وربحه المضمون، وهذا صورته قرض وفائدة عليه لا مضاربة على الربح والخسارة؛ فحرم.
إلا إن كان الضمان لبيان الجدوى وندرة الخسارة؛ فإن وقعت الخسارة حكم بها لا بالضمان، وهو حينئذ تحفيز لا تغرير؛ لأنه قائم على دراسة صحيحة معتبرة في السوق أو في مثلها، والطارئ المؤدي إلى الخسارة خارج عن التفريط، وإذا شرط ضمان هامش الربح، فالشرط باطل، فإن مضيا في العقد كان على مضاربة المثل.
لأن الرجوع إلى المثل عند التقويم معتبر شرعا (وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ) (المائدة: ٩٥).
ويجوز التقدير بالعدل عند عدم المثل لاعتباره في الحكم شرعا كخيار (أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ) (المائدة: ٩٥).
وربح الأرباح: إن كانت كل صفقة في المضاربة مستقلة عن الأخرى، فالأرباح ملكت بكمال الصفقة، فإن أضيفت على رأس المال الأصلي الذي دفعه طرف كانت رأس مال مشترك، فيملك المضارب من رأس المال ما وضعه من ربحه.
وتقسم الأرباح عند الانتهاء بأن يأخذ العامل جميع نسبة ربح ماله، ثم يأخذ نسبته من رب المال الأصلي مقابل عمله.
стр. 915
هذا وجه، أو على حسب ما يتفقان حال إضافة الربح على رأس المال وتحويلها إلى شركة أموال؛ فيجوز أن يقسم الربح نصفين ولو تفاوتت الأموال لعلة عمل العامل، أو كان التفاوت لعلة نحو كون الشراكة مع رب المال الأصلي يمنح القبول في السوق نظرا لشهرته. وجوزنا ذلك لإطلاق النصوص في الحل التجاري، ولعدم أحد الموانع الخمسة، ولعموم (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١) في كل مسألة غير منصوصة الحكم.
ولأن العلة التراضي في التجارات، وقد وجد؛ ولعدم وجود مفسدة على طرف، فمن ادعى المنع لزمه نقض إعمال هذه الأصول في المسألة بما ينقل عنها.
واشتراط تحمل العامل جزءا من الخسارة إن حصلت ضررٌ فاحش عليه؛ لأنه خسر من جهتين: الأولى عوض جهده المبذول في المضاربة، والثانية ضمان شيء من رأس المال لصاحبه يدفعه من ماله الخاص، وخسر رب المال من جهة واحدة هي من رأس ماله.
والضرر الفاحش يجب دفعه على من وقع عليه، وهو أحد الموانع الخمسة للعقود.
ولأنه لا ضرر ولا ضرار؛ ولأن الخسارة لم تكن بتفريط وتقصير فلا يضمن، كما لو حصل حريق عام.
وعندي وجه آخر في جواز المسألة إن جرى السوق التجاري على التعامل بها بالتراضي؛ لعموم النص التجاري بالتراضي بشرط عدم إجحاف الشرط الجزائي في تحمل شيء من الخسائر؛ لأن الإجحاف ظلم محرم ومفسدة ظاهرة كثيرة، فيعمل بقاعدة (لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)، ولا ضرر ولا ضرار، ولأن رسول الله ﷺ أمر بوضع الجوائح (١) كعلاج للطوارئ عند التعامل التجاري لتخفيف الضرر على المتضرر، ولأنه ﷺ طلب إسقاط شطر الدين المؤجل وأمر بعد الإسقاط بتعجيله (٢).
فهذا الشرط المعتدل، أعني تضمين العامل، هو تعاون على تحمل النازلة، والتعاون محمود؛ ولعموم (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) (الرحمن: ٦٠)، ولأن رب المال محسن والمضارب محسن في عمله فيتعاونان في دفع الضرر إحسانا.
стр. 916
ولعدم ما يمنع منه شرعا صراحة؛ فإن نُصَّ عليه في العقد مع عدم الموانع الشرعية واعتدال الشرط كان جزءا من العقد الواجب الوفاء (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١)، ولعموم (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١) في كل مسألة لم ينص على حكمها في التحريم أو الإيجاب، خاصة في البنوك؛ لأنها كالوسيط الناظر على أموال المودعين بالمصلحة، وهذه منها.
فيشترط البنك على طالب التمويل الاستثماري بالمضاربة شرطا جزائيا بالعدل.
وإذا دفع عميلٌ كمبيالة لبنك ليدفع له ما فيها بلا زيادة ولا نقص، ويتولى البنك تحصيل الكمبيالة في أجلها مع عمولته للوكالة في السداد والتحصيل؛ جاز.
ولو عرض البنك على العميل أن يكون هذا المال رأس مال مضاربة بربح بينهما جاز، وتكون الكمبيالة كرهن في يد البنك.
فإن حصلت خسارة فهي بينهما. هذا الأصل، إذ ليس للبنك ضمان جميع رأس ماله بواسطة الكمبيالة وتحميل المضارب جميع الخسائر؛ لأن هذا ضرر فاحش يجب دفعه ويغلب عليه الاستغلال والحيلة.
والصحيح أن يجعل في المسألة عقدان: عقد مضاربة مستقل بتغطية ضمان الكمبيالة، وعقد كمبيالة مستقل يستوفى في حينه.
فالعقد الأول يعود رأس المال للبنك والربح بينهما؛ لأن هذا عرف المضاربة، ولزومه كالشرط «والعادة محكمة»، (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ) (الطلاق: ٦).
والعقد الآخر يتعلق بالكمبيالة، فإن كانت في نفس أجل عقد المضاربة أو قبلها أو بعدها دفعت كاملة لصاحبها وليس للبنك سوى العمولة.
وإنما تدفع كاملة لأنها حقيقة لم تدفع له أول مرة، بل دفع البنك له قرضا آخر كرأس مال مضاربة، ولا تعطى العين الواحدة حكمَ عينين متضادتين، فهي كرأس مال ملكٌ للبنك، وهي كدفع ما في الكمبيالة ملكٌ للمضارب، وهذا تناقض، ولا بد أن يدخل في معنى النهي عن بيعتين في بيعة لأدائهما إلى مقصود المعنى من التناقض في الأحكام والخصومة.
ويجوز تحويل رأس المضاربة دينا بالتراضي ولو قبل تمام مدة العقد، وتحسب الأرباح حين فسخ المضاربة ثم يجعل رأس مالها دينا محضا بلا فوائد.
стр. 917
ولا مانع من تحويل عملية المضاربة إلى مرابحة إن كان في جميع رأس المال؛ لأنه حيئنذ يتعين الربح إن كان موقوتا بهذه الصفقة؛ فإن كان بالزمن فلا يتبين إلا في نهاية المدة.
أما إن كان في بعض رأس المال فلا يعتبر مرابحة؛ لأنه لا يعلم الربح إلا ببيع كامل رأس المال وتَنْضِيْضِه -أي تحويله إلى نقد- إن كان العقد على هذه الصفقة فقط، فإن كان على مدة فلا يتبين إلا بعدها إلا إن فسخت المضاربة ووزع الربح المتبين بالتراضي.
عقد الإجارة الاستثماري:
هو عقد على المنافع، وسبق شيء منه.
وركنه عاقدان ومعقود عليه من المنفعة، وعوضها، والتراضي.
وما يجب في العاقدين من الأهلية: عقل، وبلوغ، ورشد؛ ليخرج المجنون والصبي والبالغ غير الراشد، لقوله تعالى (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (النساء: ٦).
فَشَرَط لدفع مال اليتيم بلوغاً ورشداً.
ومن الأهلية أهلية التصرف، وهي بثلاثة أمور: بملك، أو وكالة، أو نظر بولاية خاصة أو عامة.
فالأولى كناظر اليتيم أو الوقف، والثاني كالقاضي يبيع مال المفلس.
وأما المنفعة: فيشترط كونها معلومة يمكن استيفاؤها.
وفي العوض -وهو الأجرة- كذلك.
وشرط التراضي يخرج الإكراه لا الاضطرار؛ لأن هذا فعل مع كامل الإرادة بخلاف الإكراه الملجئ من آخر فترتفع معه حقيقة الإرادة والاختيار.
ويشترط في عقد الإجارة خلوه من الموانع الخمسة: الربا، والعقد على المحرم، والميسر وهو القمار والتغرير، أو عقد تضمن ضررا فاحشا، أو اختل فيه التراضي.
فأما الربا فيحرم تأجير عقار لبنك ربوي، أو تأجير موظفين له، أو استيراد لوازم خاصة به
стр. 918
بإجارة، أو الوظيفة فيه محاسبا، أو بيع نظام محاسبي له؛ لأنه في معنى النص «لعن الله الربا وموكله وآكله وشاهده وكاتباه» (١).
فموكل الربا هو البنك، وآكله الجهة المتعاملة بالربا، وكاتبه هم جهات التوثيق كافة في البنك من محاسبين ومراجعين ومدراء وصناديق وصرافة ونحوهم.
وأما بقية الأعمال والوظائف فيه فهي ممنوعة؛ لأنها تعاون على الإثم والعدوان على حدود الله القطعية.
والتأجير لهم من هذا الباب.
وعقود الصيانة: هي إصلاح لمحل المعصية، فحرمت، لأن الواجب في المعصية الإنكار باليد واللسان والقلب كما هو معلوم، وهذه نقضت هذا الأصل وغيره كقوله تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: ٢)، وقوله (فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ) (القصص: ١٧).
ويحرم التقدم لمقاولة بناء منشأة البنك الربوي؛ لأنه محل معصية قطعية التحريم، وهي الربا.
وإذا تأخر المستأجر من سداد ما عليه، فلا يجوز فرض غرامات عليه؛ لأنه من الربا.
فإن كان معسرا أنظر (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) (البقرة: ٢٨٠).
وإن كان موسراً مماطلا، فلا مانع من عقوبةٍ للنص «مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته» (٢).
واستئجار النقود من ذهب وفضة لغرض صحيح معتبر لا أرى فيه مانعا، أما للحلية فجائز.
واستئجار النقود الورقية الحالية لغرض صحيح نحو أخذ ورق عملات من جهة لعرضها للفرجة للهواة والسواح مثلا، فلا مانع إن جرى فيه نفع وربح، وليس من الربا؛ لأنه ليس بقرض ويردها له إذا انتهى العقد.
стр. 919
وتأجير محلات للصرافة جائز إلا إن تعاملت بالربا، وكذا لشركات التأمين.
وتأجير الأراضي للاستثمار الزراعي جائز، ويكون بنقد أو جزء مما يخرج منها شائعا معلوما إن كان مزارعة، ويضرب للإجارة في العقار والأراضي أجل معلوم؛ لأنها تجارة متعلقة بالزمن.
وعقود التأجير جائزة في كافة المجالات السياسية، والرسمية، والاقتصادية، والتعليمية، والاجتماعية، والصحية، والأمنية، والعسكرية، والفنية، والترفيهية، والدينية، وغيرها.
ففي المجال الرسمي يجوز تأجير الأراضي لاتخاذها مقرات لمؤسسات الدولة إلا مؤسسة الربا.
أو للسجون السياسية فيحرم تأجير عقار لها لغلبة الظلم.
والتأجير لمقرات الأحزاب والجماعات وكافة أنشطتها التابعة لها جائز إلا لحزب مفسد في الأرض يتخذ المقر للتآمر والتخريب والعمالة، وقد منع رسول الله ﷺ من دخول مسجد الضرار، وهو مسجد ظاهره العبادة وباطنه الضرار (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ* لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا) (التوبة: ١٠٧ - ١٠٨).
والتأجير للفعاليات السياسية والمؤتمرات عقارا أو أرضا أو مستلزمات إعلامية أو أثاث أو وسائل نقل وغيرها، هو جائز ما لم تكن للفساد في الأرض الظاهر، وكل الفعاليات والمظاهر السياسية مباحة على الأصل.
والتعامل معها حينئذ مباح بالإيجار وكافة العقود المالية إلا ما منع لمانع من الخمسة.
والتأجيرات المتعلقة بالمجال الديني الأصل جوازها، فيجوز تأجير مقر لتحفيظ القرآن، ولمسجد لضرورة لا على الدوام ككونهم مهاجرين في غير بلاد الإسلام.
أما في بلاد المسلمين فيحرم استئجار مسجد، بل يجب توفيره واتخاذه على المسلمين، ويجوز شراء أرضه، ثم وقفها.
والفارق أن الشراء ينقل فيه الملك بغرض جعله ملكا لله، بخلاف الإجارة فيبقى فيه الملك
стр. 920
لا لله، وهذا خلاف مقصود الشرع في المسجد (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) (الجن: ١٨)، فيجب أن تخرج عن الملك الخاص إلى الملك لله وقفا.
وتأجير المصحف للقراءة فيه محرمة؛ لأن الإجارة بيع منفعة بعوض مالي استثمارا والمنفعة هنا هي تمكينه من تلاوة كتاب الله من المصحف، وهي منفعة واجب بذلها بلا عوض؛ لأنها تعبدية لله محضة كالصلاة (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الشعراء: ١٠٩)، ولأنه ليس من تعظيم شعائر الله بل الامتهان فيه أقرب (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: ٣٢).
أما بيع المصحف فجائز؛ لأن العقد على الورق والجلد والمداد والتكاليف.
وبخلاف تعليم القرآن وعلوم الشريعة فإن الإعطاء مقابل التفرغ، وهو جائز بدليل أن من مصارف المال العام جزءا مخصوصا لله وللرسول وجزءاً في سبيل الله، أما الأول (فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ) (الأنفال: ٤١).
ولا معنى لها إلا شعائر الله وكتابه ومساجده وسنن نبيه.
وأما الثاني فمن مصارف الزكاة (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) وهو كل ما لا يقصد به المعاوضة إلا منه، كطباعة المصحف وتعليم الكتاب والسنة والدعوة والجهاد (وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (التوبة: ٤١).
والجهاد هو بذل الجهد في كل ما هو لله ودينه وشريعته بالأموال والأنفس، ولذلك كان حرب الله ورسوله في حد الحرابة في النص (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: ٣٣) لا معنى له إلا محاربة دينه وشعائره ومساجده وكتابه وسنة نبيه.
والاستثمار في الجوانب الدينية جائز إلا ما عاد على مقصود الدين بالإبطال (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ) (البقرة: ١٩٨).
стр. 921
فالعمل التجاري في الحج جائز، فيجوز العمل في عقود توكيلات الحج والعمرة ونقل الحجاج وتفويجهم، وخدمتهم إيجارا، ومضاربة، وشركات، وبيعا، وشراء في مجال الإنشاءات، والمقاولات، والنقليات، والإسكان، والغذاء، والصحة.
وقولنا «إلا ما عاد على مقصود الدين بالإخلال أو بالإبطال» يدخل فيه النهي عن البيع والشراء في المسجد وتعليم الفرض القطعي العيني من قرآن وصلاة، ونحو ذلك.
وأما تأجير كتب العلم الشرعي فيرجع النظر فيه إلى: هل تعود على مقصود الشرع من نشر العلم وتعظيمه بالإبطال أو لا؟
وفي المجال الأمني والعسكري يجوز عقود نقل السلاح والمؤن والجنود والمساكن إلا في نقل محرم لهم كخمر ودعارة، أو كانوا جنودا لدولة كافرة محاربة، فيحرم التأجير لهم ونقلهم، هذا في داخل دولة الإسلام لأنهم ممنوعون من البقاء فيها كقوات مسلحة؛ لأنه في معنى الاحتلال، فيحرم التعاون معهم أو التأجير أو التوريد أو الترفيه أو النقل، لورود الأمر بعدم قبول المشركين المسلحين داخل الدولة، ونزلت في ذلك مطلع سورة براءة (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التوبة: ٥).
ولحديث «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» (١).
إلا لمواطن أصلي مسالم غير مسلم من أهل الكتاب، وتفرض عليه رسوم مواطنة باسم الجزية، أو أي اسم غيرها.
وهي رسوم مواطنة؛ لأن أهل الإسلام يدفعون الزكاة.
ولأن وجود قواعد عسكرية، أو قوات في العرف الدولي قديما وحديثا هو استضعاف للدولة، وانتقاص لسيادتها؛ ولأن الظهور على المسلمين محرم.
ولا يكون إلا بدخول بلادهم، إذ لا ظهور بغير ذلك إلا فيما ساواه من الضرر (كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) (التوبة: ٨).
стр. 922
وهذا تعليل لمنع وجود مسلح بمعاهدة داخل الدولة، أما خارجها فـ (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨).
وعقود نقل السلاح وتوريده لفتنة داخلية محرم.
وإبرام عقود الإجارة في المجال التعليمي باق على أصل الإباحة ومشمول بعموم النصوص ما لم يعد على الشرع بنقض أو إبطال كمراكز تعليم حرية الردة والعلاقات الجنسية المحرمة والفكر الضال المبني على سفك الدماء واستباحتها أو السحر والشعوذة ونحو ذلك.
وما عداه مما لا حرمة فيه جائز كتأجير المدارس، والمعاهد، والجامعات، والكليات، والوسائل التعليمية، وسائر عقود إنشائها وما يخدمها.
وتأجير العقار للأعمال الفنية والإعلامية جائز، لأن الأصل الإباحة إلا إن كان لعمل ماجن، أو لقناة أو جهة إعلامية تعمل على نشر الرذيلة أو محاربة الأمة ودينها.
والتأجير المنتهي بالتمليك جائز على كل وجه؛ لأنه تجارة وهي مباحة مطلقا (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩) إلا إن ورد مانع شرعي قطعي من الخمسة، ولا يوجد مانع في التأجير المنتهي بالتمليك من هذه الموانع.
وهو عقد تجاري جديد يقوم على خدمة المصالح.
وغلبة المصلحة للأطراف ظاهرٌ والتراضي موجود، والمفسدة نادرة أو منعدمة للطرفين؛ فما جاء من حرمها باستدلال معتبر، والمنع من ذلك استدلالا بكونها بيعتين في بيعة، وهو منهي عنه هو وهم؛ لأن مقصود بيعتين في بيعة هو دفع التغرير والجهالة؛ لأن البيعة الواحدة إذا ترددت بين بيعتين متناقضتين لا يدرى ما وجب منها؛ فيحرم.
كبعتك أحد بيوتي هذه، ثم يوجبان العقد، ولا يدرى على ماذا، أو بعتك هذا أو هذا ثم يعقدان على ذلك. أو إن دفعت عاجلا فبكذا، وإن أخرت إلى شهر كذا فكذا، ثم عقدا.
أما إن لم يكن جهالة أو تغرير فيجوز (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) (القصص: ٢٧) فالخيار في زيادة المدة رفع الغرر.
стр. 923
فالإجارة المنتهية بالتملك، إما أن ينص على أنه بمجرد انتهاء المدة فالسلعة ملك له، أو فيدفع مبلغ كذا ويملكها، فالشركة ملزمة ببيعها له إن أراد، ولا جهالة في شيء من هذه العقود إلا إن كان ملزما بشرائها بقيمتها زمانا ومكانا بلا تحديد لسعر حال العقد، فهذا تغرير فاحش، فيحرم.
وأما تخريجها على عقد جائز حتى تجوز فلا يلزمنا؛ لأن الأسماء والكيفيات ليست تعبدية لا يجوز غيرها.
بل إنما جازت لموافقها أصول التجارة والبيع الشرعية؛ وخلوها عن الموانع.
فأي عقد كان كذلك فهو شرعي.
ومع هذا يمكن أن نقول تنزلا: هو عقد بيع مقسط.
وأقساط الإجارة هي أقساط الثمن. هذا في صورة التمليك بمجرد الانتهاء.
والإجارة هي بيع في أصلها.
وإن كان بدفع مبلغ جديدٍ ليملكها رمزياً أو فعليا؛ فإن رضي بالعقد على هذا التركيب صح؛ لأنه إن كان رمزيا أو كان فعليا فهو عقد تابع، والتابع تابع ولا يستقل بالحكم.
وإن كان بالخيار له والإلزام للشركة فهو كذلك.
ولا يقال هو وعد وكيف يلزم؛ لأن الوعد بالشراء نوعان:
أ- إن كان بعقد فهو ملزم وخرج من مجرد الوعد إلى العقد بالوعد فشمله (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١).
ب- أو كان بلا عقد لا ملفوظ، ولا عرفي، ولا مكتوب؛ فلا إلزام، ولا يعتبر مخلفا للوعد لخلوه عن مؤكدات تبين جديته فأصبح كاللغو، وقد وضع الله المؤاخذة عن يمين اللغو مع كونها أكثر من وعد غير مقصود على وجه الانعقاد، ويمكن تسميته وعد اللغو.
ويمكن صياغة قاعدة جديدة «الوعود تلزم بالعقود أو العهود».
ولغو الوعد معروف في العرف، أو القرائن.
ولا يتخرج قول مالك في الوفاء بالوعد إذا ترتب عليه ضرر على الآخر على أي وعد، بل على ما إذا دل على كمال قصده فيه بعرف، أو قرينة، أو قصد عقد.
стр. 924
ولم يتنبه -فيما طالعت- باحثٌ على لزوم الوفاء بالوعد إذا كان في عقد؛ لعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١)، فالعقد أخرجه من مجرد الوعد، بل ذهلوا عن إيراد هذا النص هنا، وهو محله لأن الوعود التجارية تصاغ الآن في عقود، ولهذا كثر خلاف التخريج في هذه المسائل.
وتأجير الحقوق المالية كالعلامة التجارية أو الاسم التجاري أو الرخصة التجارية أو المهنية لا مانع في الشرع منه؛ لعموم (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩)، وهذه كذلك، ولعموم (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١) للمسائل غير المنصوص على حكمها في التحريم، ومن ادعى الحرمة فقد كلف عباد الله بلا دليل.
وأخذ مقابلٍ على الكفالة أو الضمان الأصل إباحته، والأصل عدم المانع، أما حديث «من شفع شفاعة فأخذ عوضا فهو سحت» فلا يصح، وتصحيح الألباني له ضعيف.
ولعموم (مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا) (النساء: ٨٥) والنصيب لفظ واضح يشمل الأجر والأجرة، أو العوض أو الإكرام، ولو أراد الأجرة لقال «يكن له أجر».
ثم لو سُلِّم فالكفالة والضمان ليست شفاعة، فهما خارجَ محل النزاع.
والاشتراك في شراء الخدمات هو من نوع الإجارة المباحة. هذا هو الأصل.
فدفع مشترك مقابل خدمات شركة طبية، أو خدمات طرق، أو خدمات صيانة مقابل ما يتفقان عليه من الخدمات والميزات كالفحص الدوري الصحي، أو الميكانيكي، أو إسعاف من تعطلت سيارته في مكان منقطع بالوصول إليه ونحو ذلك فهذا أصله الإباحة؛ لأنها أصبحت من عموم التجارات فشملت بعموم النص (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩).
وأما عقود خدمات البنوك فالكلام على ما تبقى منها سيأتي بعد قليل.
وصيانة العين المستأجرة على المالك، وطروء عطل حال الإجارة يكون على المالك إلا بالتفريط الظاهر، أو ما جرى العرف والعادة التجارية على كونه على المستأجر بشرط عدم معارضة دليل ظاهر.
والأجير المشترك ضامن، وقد فصلنا هذا في الفقه الوظيفي.
стр. 925
ومزاولة الوساطة التجارية بأي صيغة استثمارية لم ينقلها عن أصل الجواز دليل صحيح صريح.
- السوق التجاري:
والسوق التجارية أقسام هي:
السوق العرفي: وهو التجمع المكاني لعملية البيع والشراء السلعي.
والسوق العام: وهو ما يشمل كافة الأنشطة التجارية في مكان معين.
والسوق الوطني: وهو ما يشمل كافة الأنشطة التجارية في بلد معين، وقد يطلق على النشاط التجاري في السلع المصنعة محليا.
والسوق الدولي: وهو ما يشمل كافة الأنشطة التجارية على المستوى الدولي.
وللسوق أحكام خاصة راجعة إلى الحفاظ على مصالح الخلق، وقوة الشراء والطلب والحركة التجارية، وما يترتب عليها من مصالح عظيمة، فواجب عموما على الدولة الرقابة والتفتيش على السوق؛ لأن هذا خادم للمصالح العامة ودافع لمفاسد الإضرار بالناس وحركة التجارة.
وقد كان ﷺ يمر بالسوق (وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) (الفرقان: ٢٠).
وقد يفتش على السلع كما حصل مع صاحب الطعام؛ إذْ أدخل يده فيه فوجد أسفله مبلولا، فقال ﷺ «من غش فليس منا» (١).
ونهى عن البيع على أطراف السوق حتى يحوزه التجار إلى رحالهم (٢)، لأن ذلك يؤدي إلى وجود سوق ثانوي يؤثر على حركة السوق الأصلي، هذا ما أراه تعليلا للحديث ومن جعل علته أن الحيازة لأجل القبض فقد أبعد؛ لأنهم قد قبضوا في مكان البيع ولم يبق سوى النقل إلى المكان المخصص من السوق وهي الحيازة المقصودة في الحديث. والله أعلم.
وفي هذا دفع لما يسمى «السوق السوداء» لتأثيره على الحركة التجارية واليد العاملة ووفرة
стр. 926
السلع؛ كونه يعتمد على الفردية، والبعد عن العرض في السوق، وهذه مفاسد معتبرة، فدفعها الشرع.
وحرم تلقي الجلب (١) لما فيه من الخروج عن السوق فيضر به من حيث ورود السلع ووفرتها ومن حيث السعر، واحتكار السلعة بدلا عن عرضها العام في السوق المؤدي إلى زيادة العرض والطلب.
ويؤدي ذلك إلى بطالة اليد العاملة تدريجيا؛ لعلة قلة ورود البضائع والنشاط التجاري إلى السوق العام، وقلة العرض والطلب ويؤثر ذلك على المعيشة والوضع الاقتصادي العام.
ونُهي أن يبيع حاضر لباد (٢)، دفعا للاحتكار، وتخزين السلع، ورفع الأسعار.
وكل ما يخدم مصلحة السوق وحركة التجارة وتشغيل اليد العاملة أمر مصلحي عام، والمصالح جاءت الشريعة لرعايتها.
وعلم التسويق والإدارة التجارية وكل ما تعلق بها من الوسائل الخادمة لهذه المصالح، فهي مطلوبة؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.
- خدمات سوق المال في البنوك
عقود الخدمات والاستثمار الجارية في البنوك الأصل فيه الإباحة؛ لعموم (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩).
وهذه العمليات تجارة، فشملها أصل الإباحة، ولا يحرم شيء من عمليات البنوك إلا ما كان فيه أحد الموانع الخمسة.
وهي عقود الربا وعقود السلع المحرمة، وعقود الميسر ومنه القمار والتغرير وعقود جرى فيه اختلال التراضي، وعقد اشتمل على الضرر العام على السوق أو الديانة أو المكارم الإنسانية.
فالبنوك الربوية يحرم التعامل بوجه معها؛ لأنها قائمة على أساس قطعي البطلان شرعا ومعلوم الحرمة بالضرورة الشرعية.
стр. 927
وكل سلعة محرمة من خمر أو خنزير أو ميتة أو دعارة أو أصنام معبودة أو دم يحرم التعامل فيها بعقد بيع أو شراء أو استيراد أو تصدير أو عقد صناعي أو سلم أو مضاربة أو إيجار أو شركة أو إنشاء أو إعمار أو نقل أو صيانة أو مقاولة أو اعتماد مستندي أو توكيل أو خصم أوراقه كالكمبيالات أو تحويل أمواله المعلومة أنها لذلك، أو في الصفقة أو خطاب ضمان أو تمويل أو تشغيل.
وتحرم هذه العمليات إن اطلع البنك على حقيقة الصفقة، فإن لم يطلع أو لم يكن مخولا كتحويل مال أو خصم شيك فالأصل السلامة.
وتحرم هذه العقود إن اشتملت على التغرير والجهالة الفاحشة، أو الضرر العام كشراء سلاح في فتنة وتمويل ذلك بما يزيدها.
ويجوز عمل سائر العقود والصيغ والخدمات غير ذلك فمنها:
١ - فتح حساب جار للعميل وأخذ عمولة للبنك على ذلك أو الاكتفاء بالمضاربة لصالح البنك بالمال مع ضمان رده عند السحب، أو يجمع بين العمولة والمضاربة.
والأصل في الوديعة حفظها، والبنك قائم بذلك.
وهذا الأصل هو الفرض الشرعي (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (النساء: ٥٨)، والوديعة أمانة فيجب أداؤها إلى أهلها، ووجوب الأداء أبلغ من مجرد الحفظ لاشتماله عليه؛ لأنه إن لم يحفظها فلم يؤدها بل ضيعها وخانها، وكل استعمال ينقض أصل الحفظ والأداء فهو خيانة محرمة.
وقولنا «ينقض أصل الحفظ والأداء» يشمل إعارة الوديعة، أو استعمالها بما يضر.
وكل استعمال للوديعة يُعَدُّ تعريضاً لها لعدم الحفظ، إلا في ما لا يتعين، وهي النقود الورقية.
ولا يجري هنا الخلاف القديم أنها تتعين؛ لأنه جار في النقود من الذهب والفضة؛ لأنها تتعين بالنظر إلى معدنها، ووزنها بخلاف العملة الورقية الآن فلا نظر لذلك.
فإذا استعمل البنك ودائع العملة الورقية في تغطية معاملاته المالية فلا حرج؛ لأن استعماله لم يعد على أصل الحفظ والأداء بالإخلال ولا الإبطال.
стр. 928
فإن شرط عليه العميل عدم استعمالها ألزمه البنك باستئجار خزينة خاصة، فإن أبى امتنع البنك عن الإيداع، وهذا كله احتياط، وإلا فالشرط لاغ لتعذر عدم استعمالها مع خلطها بأموال المودعين عموما.
والشرط المتعذر لاغ؛ لأنه ضرر فاحش على العقد، فيدفع.
وأما الودائع الاستثمارية فهي بحسب عقد الاتفاق، وتجري عليها عقود المضاربة الشرعية.
وقلنا «عقود» بالجمع؛ لأن صيغها متعددة.
ويجب ذكر ما لكلٍّ من الأرباح بالنسبة الشائعة، وينص على ذلك في العقد إلا إن جرى عرف البنك على عدم النص، وعلم القدر بالعرف التعاملي الجاري صح.
وإنزال الراتب على البنك خدمةٌ يَخْصُم البنك عوضها منه، وهو أجير، أو وكيل بأجرة.
وخطاب الضمان الذي يصدره البنك لجهة تطلبه جائز، ويجرى فيه حكم الضمان، وللطرف المضمون له الرجوع على البنك أو العميل بحسب الاتفاق أو العرف الجاري.
وللبنك أخذ رهون أو ضمانات على العميل طالب خطاب الضمان.
ويجوز أخذ معاوضة على العملية بحسب الاتفاق؛ لأنها مقابل العمل، وهو القيام بتوفير غطاء ضامن، ولا دليل على الحرمة أو المنع حتى في صورة ضمان الأفراد المعروفة في الفقه.
والاعتماد المستندي عملية تجارية يشملها (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩)، وسبق ماهيتها.
والأجرة فيها مقابل العمل من مراسلة ومطابقة وتوثيق وإصدار لا مقابل القرض إن حصل في بعض الصور.
وخصم الكمبيالة لا يُخَرَّج بأنه قرض والبنك أخذ عليه فائدة، بل أخذ الأجرة مقابل مجموعة من الأعمال الإدارية، والوكالة في قبض دين الكمبيالة من الآخر في حينها. وليست من شراء الدين، أو بيع الدين بالدين على ضعف الحديث بل أجرة على وكالة قبض دين في وقته، وقبول إعطائه حالا بضمان.
стр. 929
فالمبلغ المعطى للعميل من البنك هو دين إلى أجل بضمانِ شخص آخر هو مصدر الكمبيالة.
والإحالة على سداده في شهر كذا من حساب الكمبيالة عملية إحالة تتضمن نفقة ومصاريف هي ما يدفعها العميل لا أنها ربا على الدين.
وقد جاز «ضع وتعجل» (١).
وهذا مثله من وجه أن البنك وكيل لِمُصْدر الكمبيالة، فيده كيده؛ لجريان العرف التجاري على أن البنك وكيل التجار في القبض والإقباض ويأخذ أجره على ذلك، فأحاله مُصْدِر الكمبيالة على وكيله، وهو البنك، ففاوضه البنك على شرط: ضع من الدين وتعجله الآن. ودفعه من ماله لا من حساب مصدر الكمبيالة بضمان إلى الأجل؛ فإن أمكن رجوع البنك على الأصل في حين أجل السداد وإلا استوفى دينه من ضمان العميل وكان الأجر مقابل هذه العمليات الكثيرة والشديدة الدقة، أو مقابل التعجيل بوضع شيء من الدين، وهو ملك لمصدر الكمبيالة، ويجعلها له أجرة على وكالته في الدفع.
وعلى كل حالٍ فلسنا مضطرين إلى هذه التخاريج على وضوحها إلا تنزلا، وإلا فالأصل الإباحة في العقود التجارية ما لم تشتمل على محرم، ولا اشتمال للعقد على بعض ذلك إلا بتكلف مع إمكان تخريجه على ما يبيحه.
وما أجاز أولى مما منع؛ لأنه الأصل.
وخصم الشيكات مع عمولة عليها جائز، ولا أعلم فيه خلافا، وتظهيرها لآخر لا حرج فيه؛ لجريان العرف التجاري بذلك (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) (الأعراف: ١٩٩) بشرط معرفة حقيقية للتظهير ومصدره.
وأما السندات فهي وثيقة على دين في ذمة آخر؛ فإن كانت شروطها كالكمبيالات فهي في حكمها.
ومن باع سندا أو كمبيالة قابلة للبيع لآخر، وأمكن تظهيرها، أو توثيق ذلك وأعطاه ما فيها مع خصم أجرة المتابعة فلا أرى في ذلك مانعا، وحديث بيع الدين بالدين لا يصح حجة لشدة
стр. 930
ضعفه، وعلى فرض صحته فهو على من باع دينا في ذمته لصاحب الدين إلى أجل مع زيادة ثمن، فهذه حيلة للربا.
أما لو أعطاه ما فيها كاملا أو زائدا فلا كلام في صحته، وهو محسن حينئذ قصد الإرفاق والبر، وهو أمر من مطلوبات الشرع.
ومثله بيع تذاكر طيران أو نقل بحري أو بري لم يحن موعد سفره لآخر بسعر أقل أو مساو أو أكثر عاجلا ومن ادعى المنع لزمه الدليل.
وخدمات الفيزاكارت إن كانت مع خلو الرصيد فالأجرة المأخوذة هي مقابل الضمان والتوكيل لا مقابل دين الدفع للآخر، أو كانت برصيد متاح فالأجرة مقابل توكيل بالدفع، فهي أجرة على الوكالة.
- حكم التطهير والفرق بين العقد المحرم لأنه على محرم قطعي والعقد المباح على مباح مع من أكثر ماله حرام
والمساهمة في شركات أو جهات تتعامل بالربا محرم، وحيلة التطهير لا ترفع الحرمة، وهي التصدق بمثل نسبة الربا؛ لأن التطهير مفروض شرعا لتائب عن الربا لا مستمر فيه؛ فلو طهر مع عدم توبةٍ وسحب رأس ماله، فالتطهير عناد وإصرار على المعصية، وهو اسم يدل على النجاسة، والعائد المستمر في النجاسة مرتكب لمحرم موجب لعذاب القبر ولو تطهر مع إصراره على تنجيس نفسه وعناده بهذه المعصية (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران: ١٣٥)، (وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ) (البقرة: ٢٧٩).
وأدلة القول بالتطهير لا تخرج عن التكلف، أو الاستدلال بغير محل النزاع، أو بقواعد مقولة في معاملة من أكثر ماله حرام.
وإبطالها أن معاملة من أكثر ماله حرام محل الخلاف فيها بأن يكون العقد معه على مباح قطعا، فيبقى هنا النظر إلى أصل ماله من أين اكتسبه، فإن كان بحرام أو شبهة أو غيرها فقد تحرم معاملته، وقد تجوز خلاف بين العلماء.
أما المعاملة بعقد محرم قطعا فهي محرمة قطعا، ولو مع من رأس ماله كله مباح، فافهم هذا الفارق.
стр. 931
والمساهمة مع شركات الربا هو معاملة بعقد حرام قطعا وهو عقد الربا بغض النظر عن ما كان عليه أصل ماله قبل العقد: هل من حلال أم من حرام؟
فالنظر الفقهي هو في نوع عقد المعاملة مع من رأس ماله فيه حرام أو حلال كله.
فإن كان بعقد حرام كالربا والدعارة مع من رأس ماله حلال أو فيه حرام فهذا عقد قطعي التحريم بالنظر إليه لا بالنظر إلى ما كان عليه مال الآخر.
فإن النظر في مال الآخر أصله إنما هو من باب الورع لا من هذا الباب.
وقد أباح الله معاملة اليهود والنصارى والمشركين ولا شك في وجود شبهة في أموالهم، ولم تبن الأحكام الشرعية إلا على النظر في نوع عقدنا معهم، هل هو حلال أم حرام؟ لا بالنظر إلى ما في أموالهم من الحرام والشبهة.
وبهذا يعلم الخطأ الفقهي الفادح في فهم القواعد وتنزيلها لمن قال بالتطهير.
ولو جاز هذا العقد ثم تطهيره لجاز على تجارة مشتركة فيها عقود حلال وحرام كالدعارة ثم تطهير ما يتعلق بها، وتجارة الخنزير ثم خصم ما يتعلق بها، والاشتراك مع شركة لها فروع: منها الحلال ومنها حرام كصناعة الخمر والإباحية والمجون ثم يطهر المشترك ما أتى من الخمر وغيره من قواطع المحرمات، وهذا لم يقل به عالم أو يجيزه.
ودعوى عدم تركها للفسقة هو كدعوى التكليف بالحرام لمنع استيلاء المجرمين على الحرام، وما فاعل الحرام إلا عاص ولو نوى الخير.
والمقاصد الحسنة لا تبرر وتجيز الأعمال المحرمة بدليل حديث السفينة (١).
وإلا لجاز الاشتراك في شركة حبوب وأدوية وخمر ودعارة ثم تطهيرها وكفالة اليتامى بها، وهذا إن لم يكن عقدا حراما قطعيا -لأنه على محرم قطعي ومباح قطعي- فلا ندري ما المحرم.
وعقد المرابحة للآمر بالشراء ملزم، لا لأنه وعد يترتب على خلفه ضرر بل لأنه وعد لزم بصيغة عقد، فدخل في عموم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١).
стр. 932
وللعميل أن يطلب من البنك شراء سلعة للبنك على أن يبيعها له بآجل مع زيادة في السعر مرابحة، ويقوم العميل باختيار السلعة، ومناظرتها كوكيل عن البنك، ثم أخذ الأوراق من البنك وإبرام البيعة كوكيل في القبض عن البنك، ويبيعها لوكيله.
هذا على التنزل في التخريج، وإلا فهو عقد تجاري مباح غير مشتمل على مانع شرعي.
ودعوى عدم القبض من البنك وبيعه قبل القبض مردودة بضعف حديث اشتراط القبض، ولا يثبت القبض في نص صحيح إلا في الربويات الست، فلا يلزم الناس بالتكليف مع براءة الذمة منه إلا بصحيح صريح لا معارض له معتبر. وقد تقدم بيان مسألة القبض وتحقيقها.
ولو سلم ذلك لجاز تخريجا على أن البنك وكل العميل.
أما الرؤية فالمواصفات كافية لدقتها، ورؤية العميل كافية؛ لأن مقصودها له، والعمل بالمقاصد هو منهج الشرع على أن العميل وكيل البنك في القبض والرؤية سداً للباب.
وهذا مع التكلف في النظر والخروج عن التيسير (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) (ص: ٨٦)، (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: ١٨٥).
وإلا فالأصل ما قدمنا من الإباحة إلا بمانع ظاهر لا متكلف.
وعقود التمويل الاستثمارية في البنوك مضاربة، جوازها ظاهر وقد سبق.
ومنه التمويل التشغيلي باستيراد البنك مواد للعميل ثم تأجيرها منه مدة يتم فيها تقسيط كامل رأس المال والربح، ثم تعاد للبنك، أو يبيعها للعميل بعقد مستأنف أو بنفس العقد إن كان شرطه الانتهاء بالتمليك، وهذا جائز، ولا مانع شرعي معتبر فيه.
أما سوق الأوراق المالية «البورصة» ففي معاملاتها كثير من الاختلاف الفقهي المعاصر والأصل عندي في جميع معاملاتها الجواز إلا ما منع منه أحد الموانع الخمسة المتقدمة.
وبيع ما لم يقبض، وكذا بيع ما ليس عندك على تقدير صحة الأحاديث؛ فالعلة المقصودة منهما حفظ الأموال للناس وحقوقهم.
فإذا كانت المعاملة مضمونة الدفع والتسليم في البورصة فسواء كانت مقبوضة أو ليس عنده، فهي جائزة على الأصل الكلي في الإباحة.
стр. 933
والسمسرة جائزة، ويضبطها الموانع المتقدمة.
والواجب شرعا إنشاء سوق مالية إسلامية موحدة؛ لأنه من أعظم القوة في هذا العصر، وطلبها -أي القوة- من أعظم المصالح الخادمة للإسلام والمسلمين.
وما جاء الشرع إلا لجلب المصالح ودفع المفاسد.
وقد تقدمت أحكام السندات والكمبيالات والأسهم (١).
العقود الرياضية والسياحية والمزاين:
والعقود الرياضية استثماريةٌ جرى عليها التعامل، فجازت على الأصل العام.
стр. 936
وشراء اللاعب لموسم معين بأجر معين إجارة؛ لأنه عمل بزمن.
ولا يشترط الفوز؛ لأنه غير منضبط، فإن شرط فالعقد باطل؛ لأنه شمله مانع التغرير والجهالة كاشتراط الشفاء على الطبيب.
ويجوز مع الإجارة المعينة التراضي على تحفيز مشروط في العقد عند الفوز، وهي جعالة.
وما يدفع لفوز أحد الفريقين عقد جعالة مباح.
والعقد على البث الحصري للفعاليات عبر أي وسيلة إعلامية جائز؛ لأنه تجارة معتبرة في العرف التجاري العالمي الآن، فشملها الحل (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩).
والعقود الفنية المسرحية والدرامية كذلك إلا إن اشتملت على محرم.
وكذا العقود السياحية وإدارة الفنادق على أصل الجواز إلا في محرم كتقديم الخمر والسياحة الجنسية.
وشراء الإبل في أسواق مزاين عقد تجاري مقصود الربح جرى عليه التعامل، فشمله (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) (النساء: ٢٩)، وكذا (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة: ٢٧٥)، ويرجع التحريم إلى شيء آخر هو الإسراف والتبذير أو الفخر والخيلاء، وكذا يقال في شراء الطيور.
ويجري مثله في عقود المزاد أو البيع على أرقام مميزة للتلفونات والسيارات.
فإن كانت للتجارة جازت بهذا النظر، أما بالنظر إلى من يشتريها فإن كان له مقصد صحيح من تجارة جاز، أو بلا معنى سوى الفخر والخيلاء صارت من الكبائر، فإن لم يكن ذلك فهي سرف وتبذير منهي عنه (وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا* إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) (الإسراء: ٢٦ - ٢٧).
стр. 937
النظام المالي الثالث: نظام الحماية
نظام الحماية المالية نظام راجع إلى إقامة المقصد الشرعي «حفظ المال».
أنواع الحماية المالية:
وتتنوع الحماية إلى حماية تعاقدية، وقضائية، ومدنية، وتوثيقية، وحماية ضد الطوارئ، وحماية إصلاحية.
أما التعاقدية فَشَرْطٌ كمال الأهلية للعاقدين؛ فلا يبيع مكره، ولا ومجنون، ولا صبي، ولا غير راشد.
ولا يباع بعقد تغرير أو جهالة فاحشة، أو عقد فيه ضرر عام أو غش وخداع وقد مرَّت.
وأما الحماية القضائية: فلا تملك الأموال إلا بالإثبات والبيانات العادلة «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (١).
ويُلْزَم المختلس والغاصب بالرد والضمان، وللقاضي التعزير، والسارق إن ثبتت جنايته بشروطها ووصل إلى الحاكم أقام عليه حد السرقة، وكذا الناهب بقطع الطريق، و الحجر على السفيه والمفلِسِ، والنظرُ لأموال اليتامى والقُصَّر.
وأما المدنية فمنها: حفظ اللقطة، وتحريم الغصب والنهب.
أما التوثيقية فمنها: كتابة الديون، والرهن، والضمان، والكفالة، والإشهاد، وتوثيق العقود.
وأما الطارئة: فالرد بالعيب، ووضع الجوائح، وفصل نزاع المتعاقدين.
أما الإصلاحية: فتحريم الإسراف والتبذير، ووجوب حفظه بإصلاحه وإدارته لا بكنزه.
فلنتكلم على مهمات الباب بدءاً بالحجر على السفيه فنقول:
- الحجر:
أما الحجر على السفيه فأصله النص (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) (النساء: ٥).
стр. 938
والسفه هو عدم الرشد في التصرف المالي، ولا يقترن بالبلوغ، فقد يبلغ غير راشد ماليا.
وفرض لذلك اختبار الرشد لليتامى حين البلوغ؛ فإن ظهر الرشد دفع له ماله وإلا انتظر (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (النساء: ٦).
والحجر على السفيه نوعان، فمنه مدني: فيمنع من تمكينه على إدارة مال حتى مال نفسه. وقضائي: وهو بحكم القاضي إن استدعى الأمر ذلك.
والأمر في المنع مطلق (وَلاَ تُؤْتُوا) ليعم المنع قضائيا أو مدنيا، فإن لم يتم المنع إلا بالقضاء رفع.
والأموال التي لا تُدْفع للسفيه هي: ما كان معتبرا تقوم به أمور الحياة، ويؤخذ هذا من (الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً)، أي: تقيم حياتكم وشؤونكم، فخرج بهذا الوصف الأموال التي لا شأن لها عرفا.
وقلنا «عرفا» لأن مرد معرفة مقدار المال ونوعه الذي تقوم به الأمور راجع إلى العرف (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ) (الطلاق: ٦).
ولا بد من معرفة العدول العارفين المشهود لهم بالمعرفة، بالاستفاضة والشهرة أو بقبول قولهم في ذلك؛ لأن المسألة هنا حكم فـ (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ).
ومن النص (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً) (النساء: ٥)، يفهم من هو السفيه وما أحكامه.
فتعريف السفيه المقصود في النص هو: كل من في يده ما يقيم به حياته من المال ولم يقمها؛ لإهمال، أو إتلاف، أو إنفاق في غير نفع.
فقولنا «من في يده .. الخ» لم نقل من يملك، لأنه قد يكون في يده من مال غيره تجارة كمضاربة.
وقولنا «ما يقيم به حياته»؛ ليخرج إن كان في يده مال قليل لا يقيم به حياته وهو الفقير والمسكين ونحوهم.
стр. 939
أو كان في يده مال كثير لكنه لا حق له في إقامة حياته به؛ لأنه مملوك لغيره وديعة أو أمانة.
واخترنا لفظ «يقيم به حياته» لأنه مأخوذ من النص (الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً)، أي: ما تقومون به في الحياة.
ولا يقوم الإنسان إلا بمال معتبر، والمال الذي تقام به الحياة غير المال التي تقوم بها الأرزاق المعيشية والكسوة ونحوها فاستثناها الله؛ لأنها ضروريات (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) (النساء: ٥).
وقولنا «ولم يقمها لإهمال» أي: أهمله فلم يحفظه حتى هلك، أو ضاع، أو انعدمت فائدته.
وقولنا «أو إتلاف» كأن تصرف فيه بما يتلفه من الاستعمالات غير الآمنة.
وقولنا «أو إنفاق في غير نفع» وهو كل ما لا يعتبر منفعة معتبرة في الحياة.
وهي المنفعة التي وضع لها هذا النوع من المال.
وهي «قياما» أي إقامة الحياة شخصية، أو مجتمعية، أو أكثر من ذلك.
أقسام الناس في إدارة المال:
والناس في المال أربعة أقسام: فمنهم راشد أمين، ومنهم راشد غير أمين، ومنهم سفيه أمين، ومنهم سفيه غير أمين.
والخلل في إدارة الأموال يأتي من هذه الطرق.
فالرشد هو القوة والخبرة على إدارة المال، والأمانة عدم الخيانة.
وهما أُولى صفتين للتعاملات الولائية المالية (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ) (القصص: ٢٦)، (إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (يوسف: ٥٥).
فالحفظ عدم الخيانة، والعلم هو الرشد وعدم السفه.
وأقبحهم السفيه غير الأمين، وأفضلهم الراشد الأمين.
ويليه الأمين غير الراشد في إدارة المال وحفظه، ويليه الخائن الراشد؛ فهذا يدير المال الذي في يده من حق غيره بالرشد لما يصلح لنفسه ولا يصلح للناس.
стр. 940
ومنهم الولاة المختلسون والغَالُّون والذين كونوا ثروات لأنفسهم بخيانة أموال في أيديهم للغير، فهذا راشد ماليا غير عدل بل فاسق مفسد.
وأما السفيه الخائن فيخون ما في يده ولا ينتفع به لشخصه، وهو في الإثم أقل من السابق؛ لأن الأول أصلح حاله المالي فجمع ثروة من الإفساد في مال الغير، فعمل على خلاف ما هو يستطيعه من إصلاح المال بحسب العقد بخلاف السفيه الخائن فلا يستطيع أصلا إدارة المال، فالمال ضائع على كل حال، وعلى من دفع له المال إثم.
أما الأمين غير الراشد فلا يُمَكَّن من إدارة الأموال، لكن يمكن من الرزق المعيشي فيها بنحو وظيفة يستطيع عملها مناسبةً له غير خارجة عن قدراته.
وأما الأمين الراشد فهو المقصود شرعا أن يُولَّى في إدارة الأموال وحفظها.
والنص منطوقا ومفهوما يشمل التعامل مع جميع هذه الأصناف (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) (النساء: ٥).
فالراشد العدل يؤتى الأموال حفظا وإدارة، والسفيه الخائن لا يعطى لا حفظا ولا إدارة، ولكنه يرزق فيها.
وإنما جاء النص (فِيهَا) ولم يقل «منها» ليشمل إمكان توفير عمل مناسب له في ذلك المال، ويشمل الهبات والصدقات والكفالات والإعانات.
وليشمل التعامل معه بيعا وشراء لحاجياته، فلو قال «منها» لكان يعطي منها هبة أو صدقة ولما شمل ما ذكرنا.
فـ (فِيهَا) أشمل؛ لأنها ظرفية، أي اجعلوا رزقهم في هذه الأموال أو في ذات الشركات والعقارات والتجارات ورزقه فيها بما يناسب.
فإن كان من نوع السفيه الخائن وهو فقير أعطي من الزكوات والهبات، وجعل له في الأموال حق معلوم.
وإن كان من نوع السفيه الأمين فقد يعطى من الزكوات، وقد يعطى فيها رزقا بوظيفة وعمل يناسب هذا الوصف، وإن كان راشدا خائنا فلا يوظف فيها بما يمكنه من الخيانة، وإن كان فقيرا أعطي، وإن كان راشدا عدلا مُكِّن من الأموال إدارة وحفظا.
стр. 941
وقد يجعل لأحد هذه الأقسام سهم في الأموال يدر عليه دخلا دائما، وهذا ما يشمله (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا).
وفي هذا النص الإلهي من صور الحياة والتعامل ما لا يتسع ذكره هنا؛ لأن النص يشمل صور الحياة في هذا الباب (١).
стр. 942
فلا يُدْفَع مالٌ مما جعله الله قياما إلا لراشد أمين.
وأما مال السفيه نفسِه، فلا يصح أن يَعاوِضَ به مالا هو قيام للحياة؛ لأنه إيتاء للسفهاء المال الذي جعله الله لنا قياما.
فالمعاوضة مع السفيه محجورة في هذا النوع من المال؛ لأنه إيتاء.
وأما ما دون ذلك من البيع والشراء فيما جرت به الحاجات والضرورات من أكل وشرب وكسوة ونحو ذلك فلا مانع وهو مقصود في النص (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) (النساء: ٥).
وللسفيه زواج الثانية والثالثة والرابعة إلا إن كان رشده المالي يؤثر على رشده الأسري، فلا؛ لأنه ضرر متعد إلى الغير فَيُدْفَعُ، ويكتفى بواحدة تدفع الضرر ونفقته لا حجر عليه فيها بالنص (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) (النساء: ٥)، وإنما استثنيت هذه الأمور من الحجر لأنها ضروريات وحاجيات لا تستقيم الحياة إلى بها، ونفقة زوجته لا تتعدى هذه الضروريات والحاجيات فكانت بنفس المعنى.
وله الحج والعمرة تطوعا؛ لأن الإنفاق فيهما ليس من السفه.
وله الصدقة بما جرت به العادات لا بما خرج عنها مما يعتبر من عادات غير الراشد؛ لأن الصدقة من غير رشد مذمومة شرعا (وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) (الإسراء: ٢٩).
والحجر عليه هو عدم إيتائه الأموال تبرعاً أو معاوضةً أو مال نفسِه؛ بدليل منع ناظر اليتيم البالغ من دفع ماله إلا إذا انضاف إلى البلوغ الرشد (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (النساء: ٦).
ويحق للقاضي الحجر على السفيه الذي طرأ عليه السفه وعرف به، وذلك بالرفع إليه من أوليائه (وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الأنفال: ٧٥)، وهذا عام، وهو من النصح له بحفظ ماله.
فاجتمع عليه حجران، حجر مدني ومجتمعي في عدم إيتائه أموالهم التي جعل الله لهم قياما لا بمعاوضة، ولا بتبرع. وحجر قضائي بحكم.
стр. 943
ويرفع بحكم، أو بمجرد زوال المانع؛ لأنه حكم معلل؛ فإن زالت علته زال.
ورفعه بشهادة عدول عند قاض، أو بالاستفاضة بين الناس.
- الغصب:
والغصب هو أخذ مال الغير بغير حق.
وقولنا «مال الغير»: يشمل الأقسام الخمسة للمال حسب تقسيمنا: سهماً ونقداً وحقاً وعيناً ومنفعة.
وقولنا «بغير حق»: شرط؛ إذ هو بحقٍّ حقٌّ.
والغاصب إن كان على الطريق فحده الحرابة، وكذا لو غصب أرضا أو شيئا عنوة بنحو سلاح وتكرر منه.
وقولنا «تكرر منه» لأنه مفاد قوله تعالى (وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا)، لإفادة المضارع الاستمرارية. وينزع منه عنوة، ويجب أن تتولى ذلك الدولة دفعا للفتنة؛ فإن لم تكن أو كانت وعجزت أو قصرت؛ فالتعاون عليه من المجموع؛ فإن لم؛ فللرجل دفع الظلم عن نفسه بما هو مقر شرعاً (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ* وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (الشورى: ٣٩ - ٤٠).
واستعمال المغصوب مضمون؛ لأن هذا هو مقتضى العدل (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠).
فإن تلف لزمه المثل إن كان مثليا أو القيمة بالعدل بحكم عدلين خبيرين لعموم دلالة قوله تعالى (فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ) (المائدة: ٩٥)، فحكم الله بالمثلية عند الإتلاف بحكم عدلين فإن انعدمت المثلية فللعدلين التقويم؛ لأنه لا يدفع الضرر إلا بأحد هذين فتعينا ترتيبا، ولعموم (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)، وهذا منه.
وإن استغله وكسب به مالا فالمال كله للمغصوب منه؛ لأن المنافع مملوكة كالأصول، وتأجيرها بدون ملك، ولا وكالة ولا ولاية أكل بالباطل، وهو محرم (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (النساء: ٢٩)، فالغلة للمالك، وليس للغاصب شيء منها، لعموم «ليس
стр. 944
لعرق ظالم حق» (١)، ولعموم (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (النساء: ٢٩)، وطريق الغصب باطل، وما ترتب على الباطل باطل.
ولو أدخل ماله في المغصوب: كأن زرع الأرض المغصوبة، فله قيمة الحبوب قبل الزرع، وما فعله بعد ذلك باطل ويحتمل ألا قيمة للحبوب لأنه أهدرها بيده لعموم «ليس لعرق ظالم حق»، ولو حكمنا له بشيء لكان أكلا لأموال الناس بالباطل، وهو محرم؛ لأن أتعابه وزرعه كله عن طريق الباطل وهو الغصب؛ فحرم نماؤه لأنه عدوان في مال الغير.
وكل أكل منه محرم سواء أكله الغاصب مباشرة أو حكمنا على صاحب الأرض المغصوبة أن يعطيه العِوض عن الزرع، فالعوض حرام؛ لأن المعاوضات لا تكون إلا بتجارة عن تراض ولا تراضي هنا بل هو إجبار ناتج عن عدوان الغاصب، وقد قضى الشرع بإهدار الحق لعرق الظالم، وهذا منه.
ولو أدخل ماله في المغصوب وكان قبل إدخاله لا ثمن له فهو باطل؛ لأنه ليس له إلا ماله منفردا عن المغصوب، لأن كافة التصرفات باطلة في المغصوب فلا تقويم لها، زاد الثمن أولا.
ولو أدخل جهده فهو هدر لما قدمنا.
ولو أمر صاحب المغصوب بخلع الزرع فله ذلك، ولا تعويض لعموم ما تقدم «ليس لعرق ظالم حق»، (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (النساء: ٢٩).
ولو كانت خشبة في دار أو حجر فلا يعوض إلا القيمة؛ لأن الأصل في هذه الأمور المسامحة وعدم المشاحة، والتسامح من مكارم الأخلاق، والشريعة جاءت لرعايتها بخلاف ما لو كانت مما له خطر وثمن كبير لا يتسامح فيه عادة كمن بنى على الأرض، فلا يعوض إلا برضى المغصوب منه.
والقاعدة أن لا تقدير لعمل الغاصب، بل هو هدر.
وأما ماله إن أدخله في المغصوب فإن أمكن إزالته بلا ضرر على المغصوب كإزالة الزرع
стр. 945
وهدم العمارة فهو الأصل وقد جاء في النص «فأمر بقلعها» (١).
فإن لم يمكن إزالته إلا بإتلاف المغصوب، أو الإضرار به ضررا فاحشا، فلا حق له فيه لأنه هدر «ليس لعرق ظالم حق».
ولو حكمنا للغاصب بتعويض لكنا أجبرنا المغصوب منه على ذلك المضاف، ولا بيع إلا بالتراضي ولا تراضي هنا فهو باطل، فيكون الثمن أكلا لأموال الناس بالباطل.
أما إن تراضيا فلا مانع؛ لأنه صلح والصلح خير.
فإن كان الغصب يتعلق به إنقاذ نفس المغصوب كخيط للجراحة، أو أرض مغصوبة دفعها للمستشفى ضمانا للعلاج الطارئ لعدم قدرته؛ فإن الحكم هو التعويض إن فات، لأن فوته كان لطارئ إنقاذ النفس، وهي أولى من المال لإمكان تعويضه بخلاف النفس.
ولأن المال يدفع به قبل النفس بدليل الأمر بالجهاد بأموالكم قبل أنفسكم في جميع النصوص المقترنة (وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (التوبة: ٤١).
ولأن الجهاد المالي من مقصوداته إيجاد القوة الدافعة الحامية للأنفس.
وإن كان لإنقاذ حياة حيوان محترم؛ فالتعويض؛ لأن إنقاذ نفس الحيوان المحترم صدقة «في كل كبد رطب أجر» (٢).
ولأن امرأة دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعا، وأخرى سقت كلباً فغفر الله لها وكانت بغيا، وهذه المعاني لا توجد في غيرها من الأموال.
فيجمع بين المصالح بالتعويض للمغصوب منه.
وبيع الغاصب المال باطل.
ويجوز لمالكه بيعه إلى طرف رضي بالبيع عاقلاً راشداً، سواء أراد نزعه أو لا، استطاع أم لا، لأنه قد يشتريه لقطع الخصومة والنزاع ودرء الفتنة إن أمكن حصولها بلا قصد لانتزاعه.
وهو غارم حينئذ يعوض جوازا من الزكاة في سهم (وَالْغَارِمِينَ).
стр. 946
وقولنا «حينئذ»: أي: إذا اشتراها ليدفع بها خصومة وفتنة لا لينتزعها.
فتحصل أن الغاصب:
١ - جهده هدر.
٢ - ماله المضاف هدر.
٣ - إن أمكن نزع ما غصبه بلا ضرر للمغصوب منه جاز. هذا الأصل؛ لأن إلزام المغصوب منه شيئا إجبارٌ وإكراهٌ بمعاوضة؛ وذلك لا يحل؛ فكان باطلا (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (النساء: ٢٩).
والتزوير وسيلة للغصب، فحرمت، وباطل ما ترتب عليها.
فحرم انتحال شخصية مؤلف وسرقة جهده، وكل ما كسبه منه المنتحل فهو للمؤلف الحقيقي، وجهده هدر بل يلزمه تعويض تعزير إن اقتضى الأمر ذلك.
وتزوير ختم ترتب عليه ضياع حق أو كسب هو في معنى الغصب.
وكذا تزوير وثائق الأملاك. ومن أخذ علامة تجارية لأحد بلا اتفاق فهو غاصب، وكل ربحه فهو للمالك، وكل ضرر ألحقه وجب تعويضه، ولا تعويض للغاصب، لأنه «ليس لعرق ظالم حق».
ولأن التعويض معاوضة تفرض على المغصوب منه بالإجبار، فبطلت (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (النساء: ٢٩)، إلا إن تراضوا بالصلح.
والاختلاس من المال العام أو غيره في معنى الغصب؛ لأنه أخذ لأموال الناس بالباطل ولا فرق إلا أن العرف قضى في الغصب بأنه عنوة وذاك خفية أو بحيلة.
ولكن الأثر واحد يشمله عموم (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (النساء: ٢٩).
وحد الغاصب حد الفساد بالاختيار؛ لأنه مفسد في الأرض، وأقله النفي، أي الطرد، أو الحبس، مع الضمان للمغصوب وثمراته.
وكل مختلس للمال كذلك، لأنه سعى في الأرض فسادا لا إصلاحا، فإن أخذ المال بقطع الطريق فهو من أعلى الفساد في الأرض، وحده بالاختيار المصلحي أو المعادل لفعله (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ
стр. 947
أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: ٣٣).
وإنما قلنا «بالاختيار»؛ لأن «أو» في النص تقتضي ذلك.
وقلنا «المصلحي أو المعادل لفعله»؛ لاحتمال النص، فإن أمكن الجمع بين الاحتمالين في الحادثة كان أجمع للمراد من دلالة النص، وإن لم يمكن فينظر إما بالمصلحة بحسب اقتضاء الحادثة أو ينظر بجنايته المعادلة لما في النص من قتل أو سرقة وغيرهما.
وأما السرقة فحدها (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (المائدة: ٣٨)، وهو عادةً: مَنْ أَخَذَ مالاً للغير محرزا.
ولا قطع عندي إلا بما كان يعدل نصف الدية؛ لأن الله جعل مقابل اليد المال المكسوب والباء ليست سببية وإلا لجاز في أدنى شيء، بل هي للمعادلة والمماثلة كقوله تعالى (جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (السجدة: ١٧)، و (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ) (الأنعام: ١٤٦).
فلم يعاقب الله بمجرد أي ظلم بل بما يقابل استحقاق العقوبة.
ولا أعلم حديثا صحيحا صريح الدلالة يحدد النصاب، مما أدى إلى اضطراب أقوال العلماء، ما بين قاطع بأدنى شيء وما بين محدد على خلاف بينهم، فتبقى المعادلة إلى القضاء مع جواز إسقاطه بعفو صاحب المال، إلا إن ثبت القطع بتأويل حديث «هلَّا كان قبل أن تأتوا إليّ».
وثبوته يقينا يكون بإثبات أنه ﷺ قطع السارق في تلك الحادثة مع تنازل المسروق منه؛ لأن هذا التنازل شبهة قوية، والحدود تدرأ بالشبهات.
ولأن الله شرع التنازل في القصاص في النفس فما دون قصاصا، ودية؛ وقتل الأنفس أعظم من باب السرقة فكيف لا يصح التنازل.
فالظاهر أن قوله ﷺ «هلا قبل أن تصلوا إليّ» إنما هو دلالة على ما كان الأصل سترا عليه لا أنه دلالة على أنه نفذ الحد. ولأنه الآن في موضع تدفع الحدود فيه بالشبهة بإجماع، وهذه أقواها، لأن العفو أسقط حد القصاص في النفس وفي العضو، فأولى منه إسقاط حد القطع بالعفو؛ لأنه إذا أثر في النفوس ففي الأموال أولى.
فيلحق حد السرقة بغيره من الحدود في هذه القاعدة.
стр. 948
ولا أذكر الآن نصا صحيحا صريحا يدل أنه قطع في تلك الحادثة فإن اختلفت الروايات أورثت الشبهة (١).
أما الضمان والكفالة:
فالضمان إما على الأموال، أو على من تعلقت بهم الأموال من الأشخاص.
فأما الأولى: فهي أن أموال الناس محفوظة بحفظ الشرع، فمن أهدر الحفظ فقد اعتدى، والعدوان محرم (وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة: ١٩٠).
ولا يجوز أن تصل أموال الناس إلى بعضهم إلا بطريق من طرق خمس: معاوضةُ بيع أو تجارة. أو معاوضة إكرام وتعويض وهي ما لا يقصد به الربح. أو طريق التبرع والتبرر. أو طريق الفرض الشرعي كالمواريث والزكوات والإنفاقات. أو طريق الإرفاق وهي تشمل اللقطة والوديعة.
وكل طريق غير هذه لوصول أموال الناس إلى بعضهم فهي محرمة؛ لأنها إما غصب، أو سرقة، أو خيانة، أو خداع وغش.
وسواء وصل إليه بهذه الطرق: سهماً أو نقداً أو عيناً أو حقاً أو منفعة.
أنواع الضمان:
والضمان وارد للأموال في جميع هذه الطرق.
فضمان التجارة ما أتلفه المشتري حال السوم وما أتلفه المضارب والمستأجر والأجير في العمل أو النقل، وما أتلفه الوكيل التجاري، وضمان الدرك، وضمان العيب، وضمان الجودة، وضمان توفير غيارها وصيانتها، وضمان الصلاحية، وضمان المواصفات المطابقة، أما ما كان في الإرفاق فضمان الودائع، وضمان المرهون، وضمان العواري.
وأما الضمان على الأشخاص: فضمان حضوري، أو ضمانٌ تجاري مسلم أو خطاب بنكي،
стр. 949
ولنبدأ بالسوم فنقول:
ضمان السوم يكون بتلف السلعة في يد المشتري حال المساومة، فالواجب فيها القيمة لا المثل؛ لأنها موضوعة في السوق على ذلك أي: بيعها بالقيمة؛ ولأن العادة التجارية جرت على هذا والعادة محكمة؛ فلا يكلف المثل ولو كانت السلعة مثلية، إلا في غير المعروض للبيع كمن أتلف مالا لآخر غير معروض للبيع بعمد أو بخطأ، لأن المقصود منه اقتناؤه، فيكلف بالمثل ثم القيمة عند التعذر، ودليل الضمان قوله تعالى (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (النساء: ٢٩)، وحديث «طعام بدل طعام وإناء بدل إناء» (١)، وحديث «إن أموالكم عليكم حرام» (٢).
ووجه الاستدلال بالآية تحريم أكل المال بالباطل، والباطل هو ما لم يكن بعوض أو برضا من غير عوض كهبة، والإتلاف في حال السوم وغيره ليس بمعاوضة ولا هبة، فإن أهدرناه صار إتلافا لأموال الناس بالباطل فوجب ما كان له من العوض في المعاوضة الصحيحة المماثلة أو القيمة، ولأن الله أمر بالمثل في جزاء الصيد وأحال في التقدير بالحكم على عدلين.
ومقصد الشريعة حفظ الأموال، والضمان للمتلفات خادم أصيل لهذا المقصد؛ لأن عدم التضمين ينقض مقصد الشرع في الحفظ، ويؤدي إلى إهدار حرمة الأموال وأكلها بالباطل وهذا خلاف النصوص والمقاصد.
وإنما يكون الضمان بالعدل والإحسان لعموم (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠)، فمن أتلف حال المساومة التجارية ضمن الثمن؛ إذ هو مقصود التجارة؛ ولأنه محل اتفاق البائع والمشتري؛ إذ الأول لا يريد من التجارة إلا تحصيل أثمانها. والثاني إن أبى كلف بالمثل المطابق، وأدى ذلك إلى شرائه لها من آخر بثمن، فرجع الأمر إلى دفع الثمن فيدفعه أولا.
هذا عند التشاحن والتشاح؛ فإن تراضيا على الثمن أو المثل جاز؛ لأن مقصود الشرع حفظ الأموال وعدم الإضرار، وقد تحقق.
ويحكم بينهما عدل عارف بالثمن، أو القيمة السوقية إن اختلفا؛ فإن لم يرض البائع بالثمن
стр. 950
أو المساوم المتلف فلا يلزم غير المثل المطابق بأي ثمن؛ فإن عسر وجوده، أو ليس من المثليات أجبر الطرفان على تقويم عدلين عارفين؛ لأن الشرع أرجع التقويم في إتلاف ما يحرم إتلافه إلى عدلين (وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ) (المائدة: ٩٥)، ولأن هذا قاطع للتنازع، فتعين طريقا؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
أما ما تلف في المضاربة: فإن أتلفه أجنبي فهو هنا على العامل؛ فإن أهمل العامل متابعة التضمين فهو ضامن؛ لأنه مفرط.
أما لو كان الإتلاف من جهة عامل المضاربة؛ فإن كان بتفريط فهو ضامن بلا خلاف على الأصل، وإن كان بلا تفريط كأن غرفت السفينة، أو احترق المحل، أو انقلبت الناقلة، ولا يد له في تفريط فلا ضمان عليه؛ لأن هذه من الجوائح التي يقع الابتلاء بها، فإن ظهر تفريط أو خيانة ضُمِّن، ولا يثبت ذلك إلا بالبينات العادلة.
وأما ضمان المستأجر للدار أو الأرض أو العربة أو الناقلة، وكذا كل منقول مستأجر، فالضمان فيه عند التفريط بلا خلاف؛ لأنه الأصل، ولأنه مأذون له في المنفعة بعوض لا في الإضرار بالعين ضررا فاحشا؛ فكان تعديا إلا إن جرت العادة على عدم التضمين مطلقا، أو في أمور معينة، فالعادة محكمة لأنها قائمة على التراضي المشروط عرفا (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) (الأعراف: ١٩٩)، (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ) (الطلاق: ٦).
وما جرت به العادات من الضرر أثناء الانتفاع فهو هدر؛ لأنه عادةً لا يمكن استيفاء المنفعة المعاوض عليها إلا بشيء من الضرر؛ فإن فحش فقد خرج عن العادة؛ فيضمن.
وكذا لو شرط في العقد الضمان فهو ضامن، لأن الشرط جزء من العقد؛ فوجب الإيفاء به (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١) إلا ما لا يمكن استيفاء المنفعة إلا به.
بخلاف المضاربة، فلا يشترط ولا يصح شرط لأدائه إلى ضمان الخروج من الخسارة لصاحب رأس المال مطلقا، سواء خسر العامل أو لا، وهذا باطل؛ لأنه ضرر فاحش على العامل.
وأما ضمان الأجير المشترك أو الأجير العام فعلى الأصل أنه يضمن.
أما الأجير الخاص فلا؛ لأن يده مع يد صاحب الملك مشتركة، ولا تضمين مع اشتراك