وقولنا «حينئذ»: أي: إذا اشتراها ليدفع بها خصومة وفتنة لا لينتزعها.
فتحصل أن الغاصب:
١ - جهده هدر.
٢ - ماله المضاف هدر.
٣ - إن أمكن نزع ما غصبه بلا ضرر للمغصوب منه جاز. هذا الأصل؛ لأن إلزام المغصوب منه شيئا إجبارٌ وإكراهٌ بمعاوضة؛ وذلك لا يحل؛ فكان باطلا (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (النساء: ٢٩).
والتزوير وسيلة للغصب، فحرمت، وباطل ما ترتب عليها.
فحرم انتحال شخصية مؤلف وسرقة جهده، وكل ما كسبه منه المنتحل فهو للمؤلف الحقيقي، وجهده هدر بل يلزمه تعويض تعزير إن اقتضى الأمر ذلك.
وتزوير ختم ترتب عليه ضياع حق أو كسب هو في معنى الغصب.
وكذا تزوير وثائق الأملاك. ومن أخذ علامة تجارية لأحد بلا اتفاق فهو غاصب، وكل ربحه فهو للمالك، وكل ضرر ألحقه وجب تعويضه، ولا تعويض للغاصب، لأنه «ليس لعرق ظالم حق».
ولأن التعويض معاوضة تفرض على المغصوب منه بالإجبار، فبطلت (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (النساء: ٢٩)، إلا إن تراضوا بالصلح.
والاختلاس من المال العام أو غيره في معنى الغصب؛ لأنه أخذ لأموال الناس بالباطل ولا فرق إلا أن العرف قضى في الغصب بأنه عنوة وذاك خفية أو بحيلة.
ولكن الأثر واحد يشمله عموم (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (النساء: ٢٩).
وحد الغاصب حد الفساد بالاختيار؛ لأنه مفسد في الأرض، وأقله النفي، أي الطرد، أو الحبس، مع الضمان للمغصوب وثمراته.
وكل مختلس للمال كذلك، لأنه سعى في الأرض فسادا لا إصلاحا، فإن أخذ المال بقطع الطريق فهو من أعلى الفساد في الأرض، وحده بالاختيار المصلحي أو المعادل لفعله (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ
стр. 947
أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: ٣٣).
وإنما قلنا «بالاختيار»؛ لأن «أو» في النص تقتضي ذلك.
وقلنا «المصلحي أو المعادل لفعله»؛ لاحتمال النص، فإن أمكن الجمع بين الاحتمالين في الحادثة كان أجمع للمراد من دلالة النص، وإن لم يمكن فينظر إما بالمصلحة بحسب اقتضاء الحادثة أو ينظر بجنايته المعادلة لما في النص من قتل أو سرقة وغيرهما.
وأما السرقة فحدها (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (المائدة: ٣٨)، وهو عادةً: مَنْ أَخَذَ مالاً للغير محرزا.
ولا قطع عندي إلا بما كان يعدل نصف الدية؛ لأن الله جعل مقابل اليد المال المكسوب والباء ليست سببية وإلا لجاز في أدنى شيء، بل هي للمعادلة والمماثلة كقوله تعالى (جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (السجدة: ١٧)، و (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ) (الأنعام: ١٤٦).
فلم يعاقب الله بمجرد أي ظلم بل بما يقابل استحقاق العقوبة.
ولا أعلم حديثا صحيحا صريح الدلالة يحدد النصاب، مما أدى إلى اضطراب أقوال العلماء، ما بين قاطع بأدنى شيء وما بين محدد على خلاف بينهم، فتبقى المعادلة إلى القضاء مع جواز إسقاطه بعفو صاحب المال، إلا إن ثبت القطع بتأويل حديث «هلَّا كان قبل أن تأتوا إليّ».
وثبوته يقينا يكون بإثبات أنه ﷺ قطع السارق في تلك الحادثة مع تنازل المسروق منه؛ لأن هذا التنازل شبهة قوية، والحدود تدرأ بالشبهات.
ولأن الله شرع التنازل في القصاص في النفس فما دون قصاصا، ودية؛ وقتل الأنفس أعظم من باب السرقة فكيف لا يصح التنازل.
فالظاهر أن قوله ﷺ «هلا قبل أن تصلوا إليّ» إنما هو دلالة على ما كان الأصل سترا عليه لا أنه دلالة على أنه نفذ الحد. ولأنه الآن في موضع تدفع الحدود فيه بالشبهة بإجماع، وهذه أقواها، لأن العفو أسقط حد القصاص في النفس وفي العضو، فأولى منه إسقاط حد القطع بالعفو؛ لأنه إذا أثر في النفوس ففي الأموال أولى.
فيلحق حد السرقة بغيره من الحدود في هذه القاعدة.
стр. 948
ولا أذكر الآن نصا صحيحا صريحا يدل أنه قطع في تلك الحادثة فإن اختلفت الروايات أورثت الشبهة (١).
أما الضمان والكفالة:
فالضمان إما على الأموال، أو على من تعلقت بهم الأموال من الأشخاص.
فأما الأولى: فهي أن أموال الناس محفوظة بحفظ الشرع، فمن أهدر الحفظ فقد اعتدى، والعدوان محرم (وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة: ١٩٠).
ولا يجوز أن تصل أموال الناس إلى بعضهم إلا بطريق من طرق خمس: معاوضةُ بيع أو تجارة. أو معاوضة إكرام وتعويض وهي ما لا يقصد به الربح. أو طريق التبرع والتبرر. أو طريق الفرض الشرعي كالمواريث والزكوات والإنفاقات. أو طريق الإرفاق وهي تشمل اللقطة والوديعة.
وكل طريق غير هذه لوصول أموال الناس إلى بعضهم فهي محرمة؛ لأنها إما غصب، أو سرقة، أو خيانة، أو خداع وغش.
وسواء وصل إليه بهذه الطرق: سهماً أو نقداً أو عيناً أو حقاً أو منفعة.
أنواع الضمان:
والضمان وارد للأموال في جميع هذه الطرق.
فضمان التجارة ما أتلفه المشتري حال السوم وما أتلفه المضارب والمستأجر والأجير في العمل أو النقل، وما أتلفه الوكيل التجاري، وضمان الدرك، وضمان العيب، وضمان الجودة، وضمان توفير غيارها وصيانتها، وضمان الصلاحية، وضمان المواصفات المطابقة، أما ما كان في الإرفاق فضمان الودائع، وضمان المرهون، وضمان العواري.
وأما الضمان على الأشخاص: فضمان حضوري، أو ضمانٌ تجاري مسلم أو خطاب بنكي،
стр. 949
ولنبدأ بالسوم فنقول:
ضمان السوم يكون بتلف السلعة في يد المشتري حال المساومة، فالواجب فيها القيمة لا المثل؛ لأنها موضوعة في السوق على ذلك أي: بيعها بالقيمة؛ ولأن العادة التجارية جرت على هذا والعادة محكمة؛ فلا يكلف المثل ولو كانت السلعة مثلية، إلا في غير المعروض للبيع كمن أتلف مالا لآخر غير معروض للبيع بعمد أو بخطأ، لأن المقصود منه اقتناؤه، فيكلف بالمثل ثم القيمة عند التعذر، ودليل الضمان قوله تعالى (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (النساء: ٢٩)، وحديث «طعام بدل طعام وإناء بدل إناء» (١)، وحديث «إن أموالكم عليكم حرام» (٢).
ووجه الاستدلال بالآية تحريم أكل المال بالباطل، والباطل هو ما لم يكن بعوض أو برضا من غير عوض كهبة، والإتلاف في حال السوم وغيره ليس بمعاوضة ولا هبة، فإن أهدرناه صار إتلافا لأموال الناس بالباطل فوجب ما كان له من العوض في المعاوضة الصحيحة المماثلة أو القيمة، ولأن الله أمر بالمثل في جزاء الصيد وأحال في التقدير بالحكم على عدلين.
ومقصد الشريعة حفظ الأموال، والضمان للمتلفات خادم أصيل لهذا المقصد؛ لأن عدم التضمين ينقض مقصد الشرع في الحفظ، ويؤدي إلى إهدار حرمة الأموال وأكلها بالباطل وهذا خلاف النصوص والمقاصد.
وإنما يكون الضمان بالعدل والإحسان لعموم (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠)، فمن أتلف حال المساومة التجارية ضمن الثمن؛ إذ هو مقصود التجارة؛ ولأنه محل اتفاق البائع والمشتري؛ إذ الأول لا يريد من التجارة إلا تحصيل أثمانها. والثاني إن أبى كلف بالمثل المطابق، وأدى ذلك إلى شرائه لها من آخر بثمن، فرجع الأمر إلى دفع الثمن فيدفعه أولا.
هذا عند التشاحن والتشاح؛ فإن تراضيا على الثمن أو المثل جاز؛ لأن مقصود الشرع حفظ الأموال وعدم الإضرار، وقد تحقق.
ويحكم بينهما عدل عارف بالثمن، أو القيمة السوقية إن اختلفا؛ فإن لم يرض البائع بالثمن
стр. 950
أو المساوم المتلف فلا يلزم غير المثل المطابق بأي ثمن؛ فإن عسر وجوده، أو ليس من المثليات أجبر الطرفان على تقويم عدلين عارفين؛ لأن الشرع أرجع التقويم في إتلاف ما يحرم إتلافه إلى عدلين (وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ) (المائدة: ٩٥)، ولأن هذا قاطع للتنازع، فتعين طريقا؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
أما ما تلف في المضاربة: فإن أتلفه أجنبي فهو هنا على العامل؛ فإن أهمل العامل متابعة التضمين فهو ضامن؛ لأنه مفرط.
أما لو كان الإتلاف من جهة عامل المضاربة؛ فإن كان بتفريط فهو ضامن بلا خلاف على الأصل، وإن كان بلا تفريط كأن غرفت السفينة، أو احترق المحل، أو انقلبت الناقلة، ولا يد له في تفريط فلا ضمان عليه؛ لأن هذه من الجوائح التي يقع الابتلاء بها، فإن ظهر تفريط أو خيانة ضُمِّن، ولا يثبت ذلك إلا بالبينات العادلة.
وأما ضمان المستأجر للدار أو الأرض أو العربة أو الناقلة، وكذا كل منقول مستأجر، فالضمان فيه عند التفريط بلا خلاف؛ لأنه الأصل، ولأنه مأذون له في المنفعة بعوض لا في الإضرار بالعين ضررا فاحشا؛ فكان تعديا إلا إن جرت العادة على عدم التضمين مطلقا، أو في أمور معينة، فالعادة محكمة لأنها قائمة على التراضي المشروط عرفا (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) (الأعراف: ١٩٩)، (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ) (الطلاق: ٦).
وما جرت به العادات من الضرر أثناء الانتفاع فهو هدر؛ لأنه عادةً لا يمكن استيفاء المنفعة المعاوض عليها إلا بشيء من الضرر؛ فإن فحش فقد خرج عن العادة؛ فيضمن.
وكذا لو شرط في العقد الضمان فهو ضامن، لأن الشرط جزء من العقد؛ فوجب الإيفاء به (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١) إلا ما لا يمكن استيفاء المنفعة إلا به.
بخلاف المضاربة، فلا يشترط ولا يصح شرط لأدائه إلى ضمان الخروج من الخسارة لصاحب رأس المال مطلقا، سواء خسر العامل أو لا، وهذا باطل؛ لأنه ضرر فاحش على العامل.
وأما ضمان الأجير المشترك أو الأجير العام فعلى الأصل أنه يضمن.
أما الأجير الخاص فلا؛ لأن يده مع يد صاحب الملك مشتركة، ولا تضمين مع اشتراك
стр. 951
الأيدي (١)، وهنا تجري قاعدة: الأجر والضمان لا يجتمعان.
والوكيل بأجرة أو بغيرها إن قبض لموكله شيئا ثم تلف في يده فمحل حكم الأصل الذي هو الضمان، إن كان بتفريط ضمن، أو كان بلا تفريط فهو قسمان: إن كان خارجا عن العادة كأمر لا مدفع له ولا تسبب له من طرفه كحصول انقلاب سيارة هو فيها ومعه المال المقبوض فتلف جراء الحادث فلا ضمان.
أو كان هو من فعله كأن كان هو السائق؛ فيدفع الضرر عنهما بقدر الإمكان صلحا؛ لأن الله يأمر بالعدل والإحسان، وهذا منه.
وأما ضمان الدرك فهو: ضمان السلعة من ظهور عيب أو استحقاق وهو جائز؛ فإن حصل ضمان الدرك فهو جزء من العقد المأمور بالإيفاء به، ومنه ضمان المطابقة للمواصفات، وضمان الصيانة، والصلاحية والجودة وتوفير قطع الغيار.
وقاعدة الضمان خلاصتها أن الأصل في الأموال الضمان، وما تلف على خلاف العادات فيه فهو مضمون؛ لأنه يغلب فيه التفريط؛ لأن ما تلف والعادة عدم تلفه فالتفريط ظاهر، وما جرت العادة على إمكان إتلافه كثيرا فينظر إلى العادة في التضمين.
لأن ما كثر حصوله وأصبح عادة يكون تعامل العادة معه بالتضمين أو عدمه هو ما تراضى الناس عليه؛ فيعمل به.
والغالب التراضي على ما يتسامح فيه أنه لا ضمان.
والغالب التراضي على ضمان ما لا يتسامح فيه من الأموال عادة؛ لكونها تعود بالضرر الفاحش على مالكها.
وقاعدة أخرى هي: كل مدع للتلف بلا ضمان فهو خلاف الأصل؛ وعليه البينة لعموم «البينة على المدعي».
وضمان الرهن إن تلف هو الأصل، ويضمن بالمثل أو القيمة.
وكذا الأصل في الودائع؛ لأن التلف خلاف أداء الأمانة؛ فأوجب النظر في التفريط من عدمه.
стр. 952
وتجري فيها القواعد السابقة.
وضمان العواري كذلك؛ فإن ادعى التلف ثبت الضمان؛ لأن مدعي التلف لما في يده كالمقر بالضمان ضمنا؛ ولا مدفع له إلا ببينة؛ لأنه مدع.
وأما الضمان على الأشخاص فهو عقد لآخر على آخر بمال يسلم، أو شخص يحضر، وهو واجب الوفاء؛ لأنه عقد فشمله عموم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١).
وللمضمون له مطالبة من شاء؛ لأن هذا هو مقتضى العقد؛ لأنه لو شرط عليه ألا يطالب إلا الأصيل فالضمان باطل.
ولو شرط عليه ألا يطالب إلا الكفيل فهو عقد حوالة بالحق من ذمة إلى ذمة وقع التراضي عليه، وهذا عقد مباح؛ فوجب الإيفاء به.
وأما ضمان الإحضار فالمطالب به هو الضامن؛ لأن هذا هو مقصود العقد، ويجب إلزامه عند لزوم الإحضار للأصيل المكفول عنه، ولم يحضر.
أو عند إمكان عدم حضوره بفرار أو نحوه؛ لأنه -أي الإحضار- محل العقد وزمانه ومقصوده.
أما اللقطة فهي مال ضائع يحل أخذه لمن وجده على سبيل التعريف.
وإذا كانت من بني آدم فهي «لقيط» وهو الطفل الرضيع الذي يجده شخص، ولا يعلم له أب ولا أم.
فاللقطة شرعت أحكامها حمايةً لمال الناس من الضياع ولو قلت.
ويجب لمن وجدها تعريفها سنة إن كانت مالا من غير المحقرات.
ويعرفها بما يحفظ حق الغير.
فإن جاء مدع للملك سئل عن بيان أوصاف لا يعلمها إلا من ضاعت منه للنص في ذلك (١).
стр. 953
ولا حد للأوصاف؛ فإذا لم يأت صاحبها بعد سنة؛ فهو بالخيار: إما أن يستهلكها فإذا جاء صاحبها يوماً ضمنها له بالمثل، أو القيمة للنص (١)، وإما أن يحفظها أمانة.
وضالة الإبل لا تؤخذ للنص «معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء والشجر حتى يجدها ربها» (٢).
وضالة الغنم تلتقط، فهي «لك أو لأخيك أو للذئب» (٣)، ويجري فيها ما مر من الأحكام.
ولم ينص على ضالة البقر لأنها لا تضل عادة لقرب مراعيها بخلاف الإبل والغنم، فإن ضلت عُرِّفت.
واللقطة من المحقرات كالسوط ونحوه تعرف ثلاثة أيام، ثم يجري فيها الحفظ أو الاستمتاع والضمان للنص (٤).
ويجوز إنشاء مركز لحفظ اللقطة، والحرم في هذا وغيره سواء، ولا مانع من الإعلان عن الضوال في أي وسيلة إعلامية.
стр. 954
النظام المالي الرابع: نظام الإنفاق وتوزيع الثروة
الإمكانات المسخرة في السماوات والأرض للإنسان موضوعة على السواء (سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) (لقمان: ٢٠)، (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة: ٢٩).
والمعيشة على الأرض مقسومة (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (الزخرف: ٣٢).
والمعيشة معناها مصادر العيش؛ فكل يعمل في مجالٍ؛ فمنهم المعلم ومنهم الصائد ومنهم المزارع (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ)، أي في المعيشة حيث تكون بعض الوسائل أرفع رفاهية واقتصادا من بعض، وهذا هو معنى (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ) (النحل: ٧١).
وعلة القسمة هذه (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا) (الزخرف: ٣٢)، أي ليكون بعضهم مسخرا لخدمة الآخر.
فالعلة لقسمة المعيشة لا لرفع الدرجات فقط أو لكليهما (١).
فالمعيشة مقسومة بين الخلق، وبعضهم أرفع درجة من بعض في ذلك؛ لاختلاف الأسباب، ولتحقيق حكمة إلهية في احتياجهم لبعض، سواء في ذلك الشعوب، والقبيلة، والمجتمع، والأسرة.
ولم تجتمع وسائل المعيشة كلها لأحد على وجه الكمال، ولن تجتمع إلا في الجنة، كما أن موارد الشقاء لا تجتمع إلا في النار (٢).
стр. 955
ولا بد لإقامة الحياة من إقامة الضروريات والحاجيات والتحسينيات، ولا يستطيع أحد توفير هذه الثلاث إلا بغيره، ومن غيره، ومع غيره، وفي غيره، فالأولى التعاون، والثانية التبادل والأخذ والعطاء، والثالثة الشراكة، والرابعة المجتمع والقبيلة والشعب والدولة والأمة.
والأرض فيها الكفاية للبشرية جميعا لقوله تعالى (وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ) (إبراهيم: ٣٤)، وقوله تعالى (وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ) (فصلت: ١٠)، وقوله تعالى (أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا* أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا) (المرسلات: ٢٥ - ٢٦)، والكفت أي الضم، أي ضمتهم أحياء وأمواتا، ويلزم من هذا وجود الكفاية للبشرية فيها؛ لاستحالة عدمها أو نقصها؛ لأدائها -حينئذ- إلى تلف الأنفس وهذا مستحيل، لأنه خلاف مقصود الشرع من الاستخلاف في الأرض.
فدعوى نقص الموارد باطلة تستخدمها قوى الهيمنة للهيمنة.
والكفاية البشرية مشتركة بالتبادل على وجه المعاوضة أو غيرها، فما فاض من الضروريات والحاجيات في موطن كان ضرورة أو حاجة لموطن آخر.
ولهذا فمقاطعة دولة في مواردها الضرورية والحاجية ضرر إنساني، والقرار السياسي بذلك باطل، فإن كان ولا بد فإنما يكون بمقاطعة سياسة الدولة كدولة لا كشعب، فهو ظلم «يا عبادي إن حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا» (١).
والأرض موضوعة على الاشتراك الإنساني (وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ* فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ* وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ) (الرحمن: ١٠ - ١٢).
فهذه الغذائيات والنباتات الأربع ضرورية وحاجية وترفيهية تشترك فيها البشرية جميعا، وكل بلد اختصت بنوع يفيض عنها يحتاجه الآخر.
- وفرة القوت تساوي الطلب:
وكل ما في الأرض موضوع على الكفاية التامة للبشرية بالتقدير الإلهي (وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا
стр. 956
فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ)، فقدر القوت لكل من سأل القوت من بشر أو حيوان أو جن، دليله قوله تعالى (سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ) أي الأقوات مستوية مع الطلب (١)، فكل طالب للقوت واجد له لا كل محتاج، وإلا لقال «سواء للمحتاجين».
وهذا يعلل حصول الفقر بأنه ناتج عن عدم الطلب، إما للعجز والقصور من الطالب، أو لحصول موانع، وقد تكون الموانع نفسية كالعي، أو خارجية كالاضطرابات والحروب والإحصار والجوائح السماوية، وقد قال الله سبحانه (لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٨٣)، فوصف الفقير بأنه من لا يستطيع ضربا ولا تقلبا في الأرض للرزق.
وهذا من تعليل الحكم بمناسب؛ إذ عدم التقلب طلبا للرزق مؤد إلى الفقر.
وقال سبحانه (لإِيلافِ قُرَيْشٍ* إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ* فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) (قريش: ١ - ٤). فجمع بين توفر الأمن والغذاء والتقلب في الحركة التجارية والائتلاف والاستقرار.
والموانع السابقة وجودها وعدمها ناتج عن الكسب البشري.
وكذا جميع الظواهر العامة ناتجة عن الكسب البشري صلاحا وفسادا، قال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف: ٩٦)، وقال سبحانه (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: ٤١).
стр. 957
فما من وفرة أو شح في الموارد إلا وللإنسان فيه يد.
وفرض حال حصول الكوارث الإنسانية -سواء كانت لحروب أو تقلبات مناخية- تعجيل الإنفاق، والإغاثة للمتضررين لورود النص في خصوص ذلك (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ* أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ) (البلد: ١١ - ١٦).
وقلنا «فرض»؛ لأن دفع الضرر العاجل عن الغير واجب كلي كفائي.
فيجب القيام به على المجموع، ولا يسقط الطلب والإثم إلا بذلك؛ لأن الشريعة جاءت لدفع المضار وجلب المصالح، وهذا منها.
وتقدم بسط هذا وغيره مما يتعلق به (١).
- إمكانية الرفاهية للكل:
وتحقيق المعيشة الحسنة والطيبة ممكن للكافة بل إلى الرفاهية بدليل (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى) (الأعراف: ٩٦)، وبدليل (لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم) (المائدة: ٦٦).
أما تحقيق الرفاهية الباذخة؛ فمتعذر للكافة؛ لأدائه إلى تعطيل العالم وسيره (٢)؛ بدلالة قوله تعالى (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) (الشورى: ٢٧).
وقوله تعالى (وَيَقْدِرُ لَهُ) في آية أخرى، ولم يقل «يقدر عليه» لبيان أن الحالتين لأجل الإنسانية والإنسان لا عليه (٣).
- معوقات الرفاهية البشرية وحصول البركات الإلهية:
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف: ٩٦).
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ*
стр. 958
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ) (المائدة: ٦٥ - ٦٦).
والبركات السماوية والأرضية هي أعم من مجرد الوفرة، بل هي في اجتهادنا تحقيقُ مقصودات الحياة بنسبة عالية مضاعفة مقابل نسبة الكسب والجهد القليلة. وتفسير ذلك أن الوفرة المالية تعوقها أفكار وتصرفات الخلق وهي أمور: الشح، والمنع، والحسد، والبغي، والتكاثر، والكنز، والإسراف والتبذير.
فأما الشح والمنع فهما مؤديان لمنع الحقوق المتعلقة بالمال وقد قال الله تعالى (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: ٩).
وأما المنع فحرمه الله بالنص (مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ) (القلم: ١٢)، والخير هو المال وغيره، وقد دمر الله ثروة أصحاب الجنة لما منعوا الخير منها عن الناس وشحوا عن إعطاء الحقوق إلى أهلها، وقصتهم معروفة منصوصة في القرآن.
وأما الحسد ففيه نصوص كثيرة تحرمه، وتأثيره على التجارات والوفرة وتداول الخير ظاهرٌ؛ لأدائه إلى التقاطع والتدابر والكيد والمكر، وهذا مؤثر على الحياة عموما وعلى التجارات خصوصا عند حصوله بين التجار والمستثمرين.
وأما البغي المتعلق بالمال فهو أن يتخذ المال وسيلة للفساد في الأرض وللطغيان والعدوان وارتكاب المآثم والجرائم والفخر والخيلاء على الخلق (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) (القصص: ٧٦).
والبغي هو العدوان والطغيان (كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى* أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) (العلق: ٦ - ٧).
وقد بين الله في سورة الليل أن البخيل المستغني مآله إلى التعسير والتردي، ومآل المعطي المُصَدّق بالجزاء من الله إلى التيسير في الدارين (١)، (فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) (الليل: ٥ - ١٠).
стр. 959
وأما التكاثر فهو: نهم الجمع، وهو يؤدي إلى كنز المال لأنه إن تكاثر إما أن ينفقه أو يكنزه، وذم الله التكاثر؛ لأنه يلهي عن مقاصد الحياة الاستخلافية (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ* حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ* كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ* ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ* كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ* لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ* ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ* ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) (التكاثر: ١ - ٨).
وأما الكنز فهو: جمع المال، وتعداده بلا إخراج ولا تدوير ولا إنفاق في حقه، وهو محرم في نصوص كثيرة (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (التوبة: ٣٤)، (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ* الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ* يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ* كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ* نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ* الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ* إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ* فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ) (الهمزة: ١ - ٩).
ويزاد على هذه الأمور الإسراف والتبذير وترك الاقتصاد والتوسط وقد حرمه الله في مواضع من كتابه لما يؤدي إليه من الضرر الكلي العام على الاقتصاد وعلى الدولة والشعب والمجتمع والضرر الجزئي على الاقتصاد الجزئي والفردي (وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف: ٣١)، (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) (الإسراء: ٢٦)، (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) (الإسراء: ٢٩)، (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) (الفرقان: ٦٧).
فإذا زالت هذه التصرفات كان الصلاح في الأرض؛ فيأمن الناس، وتكثر الأنشطة والعمالة، والإنفاقات على الخلق، ويكثر البيع والشراء، والتجارات، وينزل الله إضافة إلى هذا ما شاء من بركات في الأنفس والأموال والزروع والثمار لا يعلمها إلا هو.
- قانون الكسب والحياة الحسنة
وقانون الكسب مرتب على بذل الأسباب التي جعلها الله في الأرض، وإمكان الحياة الحسنة بالقول المرتبط بالكسب لسائر البشرية متوفرٌ (فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ* وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ* أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢).
стр. 960
فأعطى الله كل من سأله الحياة الحسنة بشرط الكسب مع القول (أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (البقرة: ٢٠٢).
واقتران الحياة الحسنة بالقول والكسب فوري؛ لذلك ختمت الآية بدلالة الإشارة على سرعة حصول ذلك من الله (وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ).
بخلاف مجرد الأقوال والإرادات بلا كسب وعمل بالأسباب، فلا يعم (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا) (الإسراء: ١٨).
فقيد الإجابة بقوله (لِمَن نُّرِيدُ)؛ لأنه ارتبط بالإرادة لا بالأقوال والأفعال والكسب.
وأما اقتران الحياة الحسنة بالكسب فلأن الإيتاء بمشيئة الله لكل من فعل الكسب وبذل السبب كقانون لا يتخلف وسنة ماضية (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ) (هود: ١٥).
فذكر الإرادة وقرن الإيفاء لها بحسب الكسب والعمل؛ فأعمالهم في ذلك تظهر نتائجها بلا بخس، فدل على ارتباط إيتاء زينة الحياة الدنيا، إنما هو بالعمل لأجل ذلك، وبقدر العمل لا بمجرد الإرادة والأقوال (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا).
ومن جمع بين طلب الدنيا والآخرة والعمل لهما آتاه الله ذلك (وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ* أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (البقرة: ٢٠١ - ٢٠٢).
نظام توزيع الثروة ونسقاته في الإسلام:
النسق الأول: الفيء وهو: كل دخل للدولة بلا قتال ولا فرض، ولا معاوضة من المواطن، فشمل سائر الخيرات التي أفاء الله بها على الدولة من الثروات.
فقولنا «بلا قتال» لاقتضاء النص ذلك (وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الحشر: ٦).
وقولنا «ولا فرض» خرج بها الزكاة المفروضة التي تأخذها الدولة من المسلمين ورسوم المواطنة «الجزية» من غير المسلمين.
стр. 961
وكذا كل دخل فرضته الدولة لطارئ نحو الضرائب.
وقولنا «ولا معاوضة من المواطن» خرج بها رسوم الخدمات التي تأخذها الدولة عن المواطنين مقابل الخدمات.
وغير هذا من دخول الدولة يعتبر فيئاً؛ لأن الله علل إجراء الحكم عليه بعدم الإيجاف بالخيل ولا الركاب، أي القتال.
وإنما زدنا في التعريف قولنا «ولا فرض» لاعتبار نصوص أخرى، وهي الزكاة، فإن مصرف الزكاة آخر (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة: ٦٠).
ويشتركان في أربعة مصارف: في سبيل الله، والفقراء، والمساكين، وابن السبيل.
وتختص الزكاة بزيادة مصرف العاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين.
ويختص الفيء بمصرف رسول الله وذوي القربى.
وينوب عن رسول الله خدمةُ سنته، وأما ذو القربى فهم من تحرم عليهم الزكاة من قرابة رسول الله ﷺ .
وخمس الغنائم مصرفها مصرف الفيء، وهي ما كانت عن قتال (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الأنفال: ٤١).
فكل خيرات وثروات الدولة من غير الزكاة بلا إيجاف قتال هي من الفيء ولها حكمه، ولا يقال إن لفظ (مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) قيد؛ لأنه وصف طردي لا قيدي.
والنفط والغاز والذهب والثروات الخمس عشرة للدولة التي ذكرناها آنفا هي فيء ولها حكم الفيء.
وهي الثروة الجغرافية، والجوية، والبحرية، والمائية، والنابتة، والحيوانية، والمعدنية، والذهب، والفضة، والنفط، والغاز، وثروة الأحياء البحرية، والصخرية، والبرية، والزراعية.
ومصارف هذه الثروات الدولية هي كما في النص.
стр. 962
أ- (فَلِلَّهِ) أي في سبيل الله لخدمة كتابه وإقامة دينه، وكل طريق يرضيه، وكل جلب للمصالح العامة، ودفع المفاسد؛ لاستحالة كونه لله بغير هذا المعنى بدليل (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) (الحج: ٣٧).
ب- (وَلِلرَّسُولِ) له في حياته، ولخدمة سنته، وكل ما أمر به بعد وفاته. وكل ما يجلب المصالح العامة للأمة، ويدفع المفاسد عنها، فهو داخل في هذا؛ لأنه من سنته، وأمره التي توفي وهو عليها.
ت- (وَلِذِي الْقُرْبَى) وهم قرابة رسول الله ﷺ ممن تحرم عليهم الزكاة.
ث- (وَالْيَتَامَى) كل من مات أبوه قبل البلوغ.
ج- (وَالْمَسَاكِينِ) كل محتاج في الأمة، ومنهم الفقراء، والمسكنة والفقر وصفان ظاهران يعلمهما أهل العرف وضبطهما راجع إليهم، وقد بين الله بعض أوصاف ذلك فمنها:
١) عدم استطاعة الضرب في الأرض (لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٧٣).
٢) كل نازح عن أرضه وماله نتيجة لحرب أو تهجير أو احتلال من قبل الكفار أو كارثة طبيعية، وإنما ألحقنا هذه الأمور لوجود المعنى فيها الذي نبه عليه النص (لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحشر: ٨).
٣) المتربة الذي لا يجد إلا التراب ليفترشه (أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ) (البلد: ١٦).
٤) كل من كانت له وظيفة أو آلة إنتاجية يعمل عليها لكنها لا توفر له الكفاية (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) (الكهف: ٧٩).
ح- (وَابْنِ السَّبِيلِ) كل مار ببلادٍ، وسواء كان مسلما، أو كافرا، ولو كان غنيا في بلده.
وبهذا الإجراء الإلهي المفروض فرضا على الدولة في توزيع الثروة والدخل يترتب عدم
стр. 963
وجود طبقة تحتكر تداول المال بينها وطبقة فقيرة هم الغالب (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ) (الحشر: ٧).
ثم خصص من هذا الدخل جزاءً لكل فقراء المهاجرين (لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحشر: ٨)، ثم كامل الأنصار (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: ٩)، ثم كل من جاء بعدهم من الأمة يدعو لهم ويستغفر لهم، ولا يحمل حقدا عليهم (وَالَّذِينَ جَاؤُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (الحشر: ١٠).
فأما من جاء بعدهم يحمل حقدا عليهم أو يسبهم أو يلعنهم فلا حظ له من ثروات الدولة وخيراتها، وقد استنبط مالك أنه ليس لهم من الفيء، ونحن نزيد عليها في تكييف الفيء بأنه كل ثروات الدولة وخيراتها من غير قتال.
النسق الثاني: هو خصم مفروض معلوم من المال الشخصي لشرائح المجتمع الثمان.
وفَرْضٌ على كل من كان عنده مال يبلغ النصاب أن يخرج منه جزءا معلوما في وقت معلوم للشرائح الثمان (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة: ٦٠).
وتأخذها الدولة وتوزعها على مصارفها (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (التوبة: ١٠٣).
فإن لم تؤخذ حكوميا ففرض على الشخص أن يخرجها ويوزعها على مصارفها وإلا أثم.
ويُقَاتل من امتنع من أدائها إلا بقتال (فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التوبة: ٥).
والزكاة تعم كل مال مكسوب وكل نابت من الأرض (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ
стр. 964
مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (البقرة: ٢٦٧).
وهي من أموال التجارات كل عام اثنان ونصف بالمئة (٢.٥%) أي: ربع العشر، بشرط بلوغ النصاب، وهو ما عادل قيمة ثمانين جراما من الذهب فما فوق، ولا تجب في أدنى من ذلك.
أما في الأموال غير التجارية: فإن كانت مما تنبت الأرض؛ فيخرج منها العشر إن كانت تسقى بالمطر، وإن كانت بالمجهود الشخصي فربع العشر من المحصول للنص (١).
ولا نصاب فيها إلا فيما له أوسق فليس فيما دون خمسة أوسق صدقة بالنص (٢).
وفي كل النقد من الذهب كلما حال عليه الحول وهو عام وبلغ ٨٠ جراما ففيه ربع العشر ٢.٥%، ومن الفضة كذلك (٣).
وكذا في معدن الذهب والفضة أو حليهما، للعموم.
والنقود الورقية الآن كالذهب.
وأما الأنعام فهي واردة في النص الثابت في صحيح البخاري «عن ثمامة بن عبدالله بن أنس أن أنسا حدثه أن أبا بكر، ﵁، كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم من كل خمس شاة إذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل فإذا بلغت واحدة
стр. 965
وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة فإذا بلغت، يعني -ستا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومئة ففيها حقتان طروقتا الجمل فإذا زادت على عشرين ومئة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها فإذا بلغت خمسا من الإبل ففيها شاة وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة شاة فإذا زادت على عشرين ومئة إلى مئتين شاتان فإذا زادت على مئتين إلى ثلاثمئة ففيها ثلاث فإذا زادت على ثلاثمئة ففي كل مئة شاة فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها وفي الرقة ربع العشر فإن لم تكن إلا تسعين ومئة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها» (١).
ولا يستثنى من الزكاة شيء من الأموال المكسوبة والنابتة والحيوان إلا ما كان للاستعمال الشخصي الذي لا يخرج عن تغطية الضرورة والحاجيات للمالك كالمسكن والمأكل والمشرب والأثاث ووسيلة النقل ونحو هذه «ليس في فرس المسلم صدقة» (٢).
وكذا السلاح الشخصي بدليل «أما خالد فاحتبس أدراعه في سبيل الله» (٣)، أي فلا زكاة عليه.
ولم يشرع الإنفاق فرضا ولا طوعا إلا ما فضل عن هذه الحاجيات والضروريات (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) (البقرة: ٢١٩).
وعند الكوارث أو المجاعات أو حاجة الغير وجب إنفاق الفاضل عن الضرورات والحاجيات، وحرم الادخار «نهى رسول الله ﷺ عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث لأجل الدافة التي
стр. 966
دفَّت» (١). والدافة هم مجموعة من النازحين من أهل البادية إلى الحضر وكان فيهم حاجة وفاقة. والمعنى العام هو حصول طارئ من مجاعة ونحوها تصيب قوما، فهذا النص خاص أريد به العام (٢).
ويدل عليه أصول النصوص من محكمات القرآن والسنة، فمنه (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) (البلد: ١١)، وهذا محكم فدل على وجوب الإطعام حال المسغبة والمتربة وما في معناهما من طوارئ الكوارث، ودليل الوجوب ظاهر السياق في جعل المنع في هذه الطوارئ من صفات الكافرين ويؤيده قوله تعالى (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ* فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ* وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) (الماعون: ١ - ٣)، فجعل من صفات المكذب بالدين تركه الحث والحض على الإطعام وهي خصلة محرمة سواء كانت في مسلم أو كافر ولكن جعلها في الذين كفروا المكذبين بيوم الدين يفيد شدة التحريم، ولأن المجاعة ضرر يلحق بالضروريات الكبرى ومنها النفس والعرض والمال، ودفع الضرر واجب ولحديث «من كان له فضل فليعد به على من لا فضل له فلا يزال يعدد حتى ظننا أنه ليس لأحد حق في فضل يدخره» (٣).
стр. 967
ولا زكاة في الدين على صاحبه وهو الباذل للدين «الدائن» أو المقرض، لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ) (البقرة: ٢٦٧).
وهذا ليس مما كسب الشخص، بل مما أخرج من كسبه ورزقه.
وكل أمر بالإنفاق من الأموال فلا يخرج عن هذا النص؛ لأنه إما مال داخل بالكسب، أو مما أخرج الله لنا من الأرض.
ومن قال بزكاة الديون قال إنه مال، فشمله عموم (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) (التوبة: ١٠٣). فجوابه: أي خذ من جميع أموالهم المكسوبة والخارجة من الأرض، لأن هذا قطعي تفصيلي، وذلك قطعي عام؛ فيحمل على هذا، وكذا يقال في (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (البقرة: ٣) أي من النوعين.
والرزق والكسب ما دخل لا ما خرج.
فأمر بالإخراج مما دخل لا بالإخراج مما خرج.
فإذا عاد الدين إلى مالكه شمله (أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ) (البقرة: ٢٦٧)؛ لأنه رجع إلى كسبه المدخل، فيدخله في ماله ويزكيه معه.
أما زكاة الدين على المستدين فهو مال مكتسب طيب فإن بلغ نصابا وحال عليه حول عنده زكّاهُ.
وإن أنفقه فجعله تجارة فكذلك بشرط النصاب والحول.
وإن أنفقه على نفسه في حاجياته كمسكن أو مركب أو أثاث أو لبس أو زينة فليس فيه زكاة؛ لعموم (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) (البقرة: ٢١٩)، أي الفاضل عن الضرورات والحاجيات.
وأما زكاة المستغلات وهي العمارات والعقارات والسيارات والآلات المنتجة فقاعدتها كذلك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ) (البقرة: ٢٦٧).
وهذا كسب داخل فشمله النص، وشرطه النصاب والحول.
стр. 968
ويكون في الربح إن بلغ نصابا وحولا.
فمن بنى مدينة سكنية لإيجارها استثمارا؛ فهذه تجب الزكاة في إيجاراتها؛ لأنها من الكسب.
وتدفع بحسب أخذ الإيجار، فإن كان كل شهر وهي نصاب أخرج كل شهر؛ لأنه كسب وإن كان ربع السنة أو آخرها فكذلك. وما زُكِّي بالشهر أو ربع العام فلا يعاد تزكيته مرة أخرى مع الشهر الآخر بل يكون مالاً مكنوزاً يشترط له الحول والنصاب لإخراج الزكاة عنه.
وهذا بخلاف مكاسب التبادل التجاري؛ لأنها لا تنضبط بالشهر عادةً بل أقل عادات التجارة هو ربع كل عام، وغالبها كل رأس عام فتحمل على الغالب؛ ولأنها لو حسبت كل ربع سنة أو كل شهر تضرر المالك؛ لأن أصولها وأرباحها تحسب كل مرة بخلاف إيجار المستغلات فلا يحسب إلا الربح الشهري.
وما سبق في الشهر الماضي فهو مال مكنوز وزكاته كل عام.
ويجوز حساب التجارات كل ربع عام بشرط عدم تكرار زكاة ما زكى في الربع الأول من الأصول والأرباح حتى يحول عليها الحول، ولكن لما كان هذا لا ينضبط لكثرة تقليب التجارات أصولا وأرباحا فلا يميز ما زكى مما لم يزك فنبقى على ما ينضبط معينا، وهو الحول التام.
وكان ﷺ يأخذ زكاة الحيوانات الأنعام والثمار كل عام لأنها لا تنتج إلا كذلك، ولو أنتجت الغنم كل ستة أشهر والأبقار تسعة؛ لكن طلب زكاتها مرتين يؤدي إلى حساب أصولها وفروعها مرتين فيضر المالك، وقد لا تبلغ الأولاد نصابات في النصف الثاني إن أفردناها، فيتضرر الفقراء فيبقى الحساب بالعام هو المنضبط للمالك وللفقير، وكذا هي قاعدة كل أموال الزكاة إلا المستغلات؛ فلسهولة تمييز إيجاراتها الحادثة عن السابقة؛ ولأن السابقة أصبحت مكنوزة إن حفظت فلا زكاة حتى تحول عاماً.
أما لو أضيفت إلى تجارة فهي تجارة لها حكمها؛ ولو بنى بها مستغلات أخذ من ريعها.
وكذا المزروعات يؤخذ منها كل عام؛ لأنها موسمية إلا ما أمكن في السنة مرتين أو مرات مما تخرج الأرض فيزكي يوم حصاده (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأنعام: ١٤١).
стр. 969
فلم يعلقها بالحول بل بيوم الحصاد، وسواء كان مرة في العام أو مرات.
وإنما قلنا بأنه لا يجب في المستغلات إلا في إيجاراتها وريعها لا في أصولها فلأن أصولها غير مقصودة في التجارة بل أرباحها كالأرض الزراعية؛ فإن الله لم يفرض في أصولها زكاة ولو بلغت ما بلغت؛ بل في ريعها الزراعي وهذا مثله، ولا فرق مؤثرٌ في فرق الحكم.
وأما زكاة الأسهم فتزكى بقيمتها يوم وجوب الزكاة لا يوم الشراء.
وهذه -أي الأسهم- أصبحت عروض تجارة؛ لأن التجارة هي المقصود منها، ولو كنزها فلها حكم الكنز كذلك؛ لأن الكنز يزكى كل حول بالنصاب فكان كالتجارة.
ولا تزكى كالمستغلات لعدم تمييز ريعها عنها؛ لأن نموها إنما هو زيادة سعرها ولا يستفاد منه إلا في حال بيع الأصل؛ فهو نماء متصل كسِمَن الأنعام.
وإن زكيت أرباح المستغلات كما مر فلا زكاة في أسهمها.
وإن كانت أسهما للثروة الحيوانية فإنها تزكى زكاة التجارة؛ لأن الحيوان أصبح عروض تجارة.
ولا يمكن جعل زكاة الأسهم زكاة الحيوان؛ لأنها تُخْرج من جنس الأنعام، وهذا في الأسهم متعذر، فتبين أنها تجارات.
وإن زكيت الأنعام من جنسها فلا زكاة في أسهمها؛ لعدم اجتماع زكاتين في عين واحدة.
وكذا لو كانت أسهما لشركات الحبوب والثمار ففيها زكاة التجارة؛ لأن التجارة أعظم مقصودها.
وكل شركة أو جهة لها أسهم؛ فإن زكت الأسهم سقط عن أصول الأسهم، وإن زكت الأصول سقط عن الأسهم.
وأما التفصيل فنقول إن الأسهم إن كانت مستوعبة لكل الأصول ١٠٠% فإن قِيَمَ الأسهم هي المعتبرة.
فإن كانت غير مستوعبة للأصول بل تمثل بعضها كـ ٢٠%، فتزكى هذه النسبة من الأسهم وتزكى نسبة ٨٠% من الأصول.
стр. 970
وأسهم المستغلات إن عبرت عن الأصول والريع فهي عروض تجارة، ولم تَعُدْ مستغلات.
وإن كانت معبرة عن الأصول فكذلك وأضيفت الأرباح لتزكى جميعا.
وإن كانت الأسهم تمثل الأرباح فقط فزكاتها على الريع فحسب؛ لأنها مستغلات.
وتضم التجارات بعضها إلى بعض لمالك واحد أو مشتركين في الزكاة؛ لأن إطلاق النصوص يدل على الإيجاب بدون تفصيل.
وتضم النقود بعضها إلى بعض؛ لأنه لا معنى للفصل سوى الخروج من الإيجاب العام لإسقاط التكليف، ولا يسقط إلا بقاطع.
وكذا تضم الذهب والفضة معا لإتمام النصاب إن كانا عروض تجارة أو نقوداً لا إن كانا حليا أو معدنا؛ لأن الذهب والفضة إن كانا نقوداً أو عروضاً فهما في معنى واحد ولا فرق بينهما بخلاف كونهما حليا أو معدنا.
والأنعام الثلاثة أجناس لا تضم بعضها إلى بعض إلا في عروض التجارة؛ لأن علتها صارت واحدة بذلك وهي كونها عروض تجارة.
والحبوب والثمار كذلك لا يضم شيء إلى آخر لأجل إكمال النصاب إلا في عروض التجارة.
النسق الثالث: الوصية والفرائض.
١ - الوصية:
أما الوصية فيجب على المسلم وصية في ماله إن كان له خير للنص (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ* فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (البقرة: ١٨٠ - ١٨٢).
وفي الحديث «لا يبت أحدكم إلا ووصيته مكتوبة تحت رأسه» (١).
стр. 971
ومقدارها راجع إلى تقدير الموصي، وشَرْطٌ ألا يزيد على الثلث؛ لأن الشرع منع ما فوقه بالنص «النصف. قال: لا. قال: فالثلث. قال: الثلث والثلث كثير» (١).
وتخرج الوصية قبل الفرائض بالنص (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ) (النساء: ١٢).
والوصية هي: فرض شرعي مالي يبينه المالك في ماله يؤخذ بعد موته.
فقولنا «فرض» لأن النص قضى بذلك بقوله سبحانه (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (البقرة: ١٨٠).
وقولنا «يؤخذ بعد موته» هو بيان لزمن انتقال ملك المال الموصى به إلى جهة الإيصاء.
«ولا وصية لوارث» (٢) إلا الوالدين جمعا بين الآية والحديث.
ويحمل «الأقربين» في الآية على غير الورثة منهم.
ويكون الإيصاء للوالدين بما هو إحسان لهما زيادة على الفرض.
ولا وصية إلا على من ترك مالا كثيرا لا أي مال؛ لأن لفظ النص يدل عليه (إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ).
والخير في لسان العرب لا يطلق على قليل المال.
وهي بالعرف غير خارجة عنه (بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا)؛ فلا تجب الوصية في المال الحقير التافه؛ لأنه في العرف غير معتبر، ولا تجوز أكثر من الثلث للنص الشرعي.
وإذا لم يوص جاز إخراج قدر الوصية من ماله تبرعا، وقد يكون وجوبا لأنه فرض في الذمة كتبه الله تعالى.
ويحرم تغيير الوصية وتبديلها للنص على ذلك (فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: ١٨١).
وإذا تسبب عن الوصية إثم أو جنف عن الحق فيجوز الانتقال إلى الصلح ولا إثم حينئذ في تغيير الوصية؛ لأنه دفع لمفسدة أكبر وإصلاح بالتراضي فجاز بالنص (فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ
стр. 972
جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (البقرة: ١٨٢).
٢ - الفرائض (المواريث):
الفروض المقدرة في كتاب الله ستة: الثُمُن، وضعفه، وضعف ضعفه، والسدس، وضعفه، وضعف ضعفه.
فأما الثمن فهو ميراث الزوجة بعد زوجها إن كان له ولد، ولها الربع إن لم يكن له ولد، وله النصف بعدها إن لم يكن لها ولد، فإن كان لها ولد فله الربع (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) (النساء: ١٢).
والنصف فرض البنت بشرط الانفراد عن معصب، وهو أخوها الذكر.
وفرض بنت الابن بشرط الانفراد عن معصب ذكر في منزلتها، وهو أخوها أو ابن عمها أو أنزل منها أو ابن أخيها.
وفرض الأخت الشقيقة النصف بشرط الانفراد عن معصب ذكر، وهو أخوها.
وفرض الأخت لأب النصف بشرط الانفراد عن معصب ذكرٍ، وهو أخوها.
والدليل على أن للبنت النصف (وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ)، وهذا الدليل شامل للبنت الصلبية وبنت الابن وإن نزل.
والدليل على ميراث الأخت (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ) وهذا شامل للأخت الشقيقة ولأب.
وأما ميراث الثلثين:
فهو لنفس هذه الأصناف الأربعة من النساء بشرط كونهن اثنتين فما فوق، وانفرادهن عن المعصبين الذكور المذكورين (فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ)، (فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ)، فذكر الله ما فوق الاثنتين والاثنتين.
والأب يأخذ الثلثين والأم الثلث بشرط عدم الولد للميت بالنص (فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ).
стр. 973
وأما ميراث الثلث:
فهو للأم بالنص في حال موت ابنها عنها ولم يكن له ولد، أو جمع من الإخوة اثنين فما فوق، فالشرط الأول مأخوذ عن النص (فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ).
والشرط الثاني مأخوذ من النص كذلك (فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ).
والثلث كذلك فرض للإخوة من الأم بالسوية ذكورا وإناثا إن كانوا فوق الواحد (وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَا أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ) (النساء: ١٢).
وأما السدس فهو فرض للأب والأم في حالة وجود فرع وارث للميت وهو الولد.
(وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ) وهو كذلك للجد والجدة من قبل الأم والأب.
وميراث الجدة والجد مأخوذ من دلالة النص، وعليه الإجماع؛ فدلالة النص إطلاق الأبوين في الآية السابقة.
وهو يشمل كل والد وهم الأب المباشر فما فوق، والأم المباشرة فما فوقها من أمهاتها.
وأما الإجماع فنقل قضاء الصحابة بالسدس للجد والجدة (١).
стр. 974
والسدس كذلك لبنت الابن مع البنت المباشرة التي تأخذ النصف فيتم بالنصف والسدس الثلثان، وهو فرض النساء (فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ).
وتأخذه كذلك الأخت مع البنت، فالبنت تأخذ النصف والأخت السدس تكملة الثلثين للنص العام (فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ).
وتأخذه في حالة عدم الفرع الوارث، ولا الأصل الوارث المباشر، وهو الأب.
وتأخذه الأخت لأب مع الأخت الشقيقة، فالشقيقة لها النصف والأخت لأب السدس تكملة الثلثين.
ويحتمل أنهما هنا بالسوية في الثلثين لإطلاق النص (فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ).
ولا يحضرني الآن مانع عن هذا الاجتهاد من نص عن النبي ﷺ أو إجماع مقطوع.
وللأخت لأم والأخ لأم عند الانفراد وعدم أصل وارث ذكر ولا فرع وارث (وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ).
- الحجب:
والأبوان المباشران والولدان والزوجات لا يُحجبون إسقاطاً أبدا.
стр. 975
ومن يسقط هُمْ: الجد «أبو الأب» يسقط بالأب، والجدات تسقط من كل جهة بالأم.
وابن الابن يسقط بذكر فوقه، وهو الابن.
أما الإخوة فيسقطون بالفرع الوارث الذكر، وبالأصل الذكر المباشر وهو الأب، وفي الجد خلاف (١).
أما الإخوة لأم فيسقطون بهؤلاء جميعا بمن فيهم الجد وبالبنات وبنات الابن.
النسق الرابع: الإنفاق على من تجب عليهم النفقة فعلى الشخص نفقة والديه المحتاجين وولده الصغار وزوجته وذوي القربى. وقد سبق تفصيل ذلك.
النسق الخامس: إيتاء حق ذي القربى، والقربى هي الصلة الواجبة وهي بحسب العرف والحاجة، فإن كان محتاجا زاد في إيتائه بقدر حاجته إن كان قادرا (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ) (الطلاق: ٧).
- واليتامى: ولهم حق الكفالة وجوبا على المجتمع على وجه الكفاية؛ فإن قام به البعض سقط عن الآخرين.
وقلنا من الفروض؛ لأنه مأمور في النصوص بإيتائه حقه، وعدم قهره، وبإطعامه، وهو أمر عام للمجتمع والدولة، فمن قام به أسقطه عن البقية.
- والجار ذو القربى والجار الجنب وحقهما الإحسان إليهما؛ بأن يدخل تحت هذا المسمى؛ وليس من الإحسان تركه جائعا فقيرا مع قدرة جاره.
ولورود الأمر بإشراكه في الطعام «إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك» (٢).
стр. 976
وهذا يدل على الوجوب، وتعاهد معناه النظر لمدى حاجتهم؛ فإن ظَهَرتْ أعطاهم وجوبا، وإلا فإهداء وتبرر.
والنص «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جوعان إلى جنبه وهو يعلم» (١). وهذا أبلغ إيجاب.
وفي النص عن النبي ﷺ «لا يزال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (٢).
وكان أكبر الكبائر الزنى بحليلة الجار (٣).
وملعون «من لا يأمن جاره بوائقه» (٤) أي: مصائبه.
- والصاحب بالجنب: وهو كل مصاحب للشخص، فله حق عليه ألا يحتاج وهو قادر على قضاء حاجته، والحاجة هنا هي النفقة، وما يقيم أمره وأسرته.
فإن لم يكن قادرا فيواسيه بقدر استطاعته (وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) (الطلاق: ٧).
- وابن السبيل: وهو كل مار ببلد وأصابته حاجة.
وهؤلاء مذكورون في نص واحد (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) (النساء: ٣٦). وقد ذكروا في نصوص كثيرة.
ومن الإنفاق الواجب الإنفاق على الحيوان الخاص بالمكلف، أو الطواف الذي لا يجد من يعطيه، أو الحيوان المضطر لحديث «أن امرأة من بني إسرائيل بغيا سقت كلبا كاد يموت عطشا فغفر الله لها» (٥).
стр. 977
أما الخاص بالمكلف فوجوب الإنفاق عليه معلوم ودليله حديث المرأة التي دخلت النار في هرة؛ فإن كان خاصا أطعم وإلا وجب تركه بدلالة الحديث، والطواف والمضطر إن لم يطعمهما أحد قريب من هذا المعنى من حيث ارتكابه لعمل أدى إلى قتلهما مع استطاعته دفع ذلك.
النسق السادس: وهو الكفارات والنذور
أما الكفارات الواجبة عن اليمين فمن أقسم أن يفعل، أو لا يفعل ثم أراد الرجوع عن اليمين، فعليه كفارة إطعام عشرة مساكين من الأوسط، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة للنص (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة: ٨٩).
ولا يوجد في الدنيا قانون كهذا القانون الإلهي في ذلك.
إذ الأيمان تكثر من الخلق، ولكثرتها جعلها الله خادمة لمقصد إنفاق المال؛ ففرض الكفارة على الحالف، وجعلها طعاما أو كسوة أو تحريراً.
ويحرم عليه أن ينتقل عن إحدى هذه الثلاث إلى الصيام إلا عند العجز (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ) (المائدة: ٨٩).
ومن الكفارات الإطعام في الحج، والصدقة كما هو مفصل في النص للمتمع وللقارن ولمن كان به أذى فأزاله وارتكب لذلك محظورا في الإحرام (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (البقرة: ١٩٦).
وكفارة من ظاهر من زوجته فيها إطعام ستين مسكينا إن عجز عن الأوليين (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ* فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) (المجادلة: ٣ - ٤).
стр. 978
والنذور في الجملة تدخل في هذا النسق، فمن الواجبات هنا الإيفاء بالنذور في الطاعات فمن نذر أن يطعم أو يتصدق وجب عليه.
النسق السابع: هو الإغاثات في النوازل (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ* أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ) (البلد: ١١ - ١٦).
ودليل وجوبه أنه دفع ضرر فاحش عن آدمي؛ فوجب؛ لأن الشريعة فرضت دفعَ الضرر والمفاسد وجلب المصالح؛ ولأن حفظ الأنفس واجب ومن مقاصد الشريعة، وهذا خادم لها فوجب؛ لأنه وسيلة إلى فرض.
وَفُرِضَ الجهاد في سبيل الله بالمال في نصوص كثيرة، وهو من هذا الباب.
النسق الثامن: بذل الانتفاع بمنافعه، وهو في الماعون وجوباً.
والماعون كل ما يمكن إعارته بلا ضرر عليه.
ومنع الماعون محرم بالنص (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ* فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ* وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ* فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ* الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ* وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) (الماعون: ١ - ٧).
والعواري مضمونة عند تلفها ولا يلتفت إلى التفريط وعدمه؛ لأن الأصل الضمان.
ولا أعلم ما ينقل عنه، أو يفصل الحكم بالتفريط وعدمه.
النسق التاسع: الطعام.
ما لا بد منه للحياة الإنسانية بحيث لا يقوم الوجود الإنساني إلا به أقسام:
الأول: ما يتلف الإنسان بانعدامه فورا وهو الهواء.
الثاني: ما يتلف الإنسان بانعدامه سريعا وهو الماء.
الثالث: ما يتلف الإنسان بانعدامه على مهل وهو الطعام.
الرابع: ما لا بد منه للحياة الإنسانية كإنسان وهو الملبس والمسكن.
الخامس: ما لا بد منه لدفع الأضرار وهو قسمان: وقائي ودوائي.
السادس: ما لا بد منه للإنسان لإقامة التكليف الاستخلافي وهو الأمن.
стр. 979
أما الأول فلخطورته القصوى جعله الله موفرا في كل زمان ومكان بلا احتياج لبشر أو مخلوق ونزع الله إمكان احتكاره من أي مخلوق كائنا من كان.
أما الثاني فجعله الله من الوفرة الهائلة في الأنهار والأمطار وباطن الأرض وظاهرها ما لا يمكن معه لبشر أن يحتكره.
أما الثالث وهو الطعام فلإمكان احتكاره والتحكم فيه من طرف على الآخر شدد الله فيه أعظم تشديد وكثرت فيه النصوص الآمرة ببذله سواء في السراء والضراء في الأحوال الطارئة والاعتيادية، وكثر الترغيب في جزائه عند الله.
فمن ذلك:
١ - إيجاب الزكاة في الطعام والنصوص فيه كثيرة، وهو العشر أو نصف العشر إن كان بمؤونة، وقد تقدم. ويجب إعطاء ذلك حال الحصاد لورود النص (كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأنعام: ١٤١).
٢ - وفي التفكه رخص في شراء الرطب باليابس ولو على شجره خرصا رعاية لحق المحتاج في التفكه مع أن الأصول الشرعية تنهى عن هذا البيع لما فيه من الجهالات والغرر خاصة إذا كان في الربويات.
٣ - شرع الإطعام لكل محتاج للطعام من مسكين ويتيم وأسير (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا* إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا) (الإنسان: ٨ - ٩).
٤ - أوجب الحض على إطعام المساكين (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ* فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ* وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) (الماعون: ١ - ٣).
٥ - أوجب الإطعام حال الطوارئ والكوارث والمجاعات وجعلها من أعظم الواجبات والقربات وقد أسقط عمر ﵁ حد السرقة في أيام المجاعة (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ* أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ) (البلد: ١١ - ١٦).
стр. 980
٦ - أباح طعام الحاجة من الثمر على الشجر بلا اتخاذ خبيئة (١).
٧ - أباح شرب اللبن عند الحاجة من ضروع الأنعام المملوكة للغير ولو بلا إذن.
٨ - أباح تعليق القنو في المسجد من التمر.
٩ - شرع الهدي في الحج وجعل رأس الكفارات الإطعام وعلى رأسها لحوم الهدي ثم إطعام مساكين (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (الحج: ٣٦)، (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) (الحج: ٢٨).
١٠ - جعل الفدية لمن لم يطق صوم رمضان لكبر أو مرض مزمن لا يبرأ منه ولا يستطيع معه الصوم الإطعام (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: ١٨٤).
١١ - جعل جزاء الصيد في الحرم هو الإطعام ابتداء بالمثل لما أتلف من الصيد (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) (المائدة: ٩٥).
١٢ - جعل كفارة اليمين الإطعام أو الكسوة أو تحرير رقبة بالاختيار (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة: ٨٩).
١٣ - جعل كفارة النذر لمن لم يستطع القيام به أو كان نذرا في معصية كفارة يمين وعلى
стр. 981
رأسها الإطعام كما تقدم، وقد ثبت في الصحيح أن كفارة النذر كفارة يمين (١).
١٤ - جعل كفارة الظهار إطعام ستين مسكينا عند عجز الصيام لشهرين متتابعين (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ* فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (المجادلة: ٣ - ٤).
١٥ - جعل إطعام الجار المحتاج حقا واجبا «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع» (٢).
١٦ - جعل الإطعام من المسئوليات التي يسأل عنها العبد أمام الله (٣).
١٧ - جعل أفضل الغرفات في الجنة لمن أطعم الطعام «وأطعم الطعام وألان الكلام» (٤).
١٨ - جعل الإطعام مهما قل حجابا من النار (٥).
стр. 982
١٩ - فتح باب الإطعام بلا احتقار لنوعه أو مقداره (١).
٢٠ - جعل الساعي على الأرملة والمسكين واليتيم كالمجاهد في سبيل الله أو كالصائم الذي لا يفطر والقائم الذي لا يفتر (٢).
٢١ - جعل المتصدق في ظل صدقته يوم القيامة (٣).
٢٢ - وسع باب الإطعام إلى الحيوان وإلى كل كبد رطب (٤).
٢٣ - بلغ تأكيده على الإطعام وفضله إلى من يجب على الإنسان نفقتهم فضلا عن غيرهم (٥).
٢٤ - أحرق الجنة التي منع أصحابها الإطعام لمجرد تبييت النية (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ* وَلا يَسْتَثْنُونَ* فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ* فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ* فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ* أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ* فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ* أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ* وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ) (القلم: ١٧ - ٢٥).
стр. 983
٢٥ - أوجب في زكاة الحيوان الإخراج من الجنس لا من القيمة وأن تكون أنثى في الغالب لما في ذلك من الدر والنسل ولا يخفى ما فيه من تحقيق نوع هام من الأمن الغذائي للأسرة بذلك.
٢٦ - شرع الأضاحي وشرع إطعام ثلثيها صدقة وهدية.
٢٧ - شرع العقيقة عن كل مولود ولا يخفى مع كثرة المواليد ما في هذا من الحكمة.
٢٨ - شرع في العرس الوليمة وهي الإطعام، ونهى عن اختصاص الدعوة بالأغنياء دون الفقراء (١).
٢٩ - شرع إطعام الضيف وإكرامه بل جعله من الإيمان (٢).
٣٠ - جعل من أسباب دخول جهنم عدم الإطعام (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ* وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) (المدثر: ٤٢ - ٤٤).
٣١ - جعل من صفات الكافرين وأعمالهم القبيحة ترك الإطعام (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) (يس: ٤٧).
٣٢ - جعل من أكبر وأهم وأبرز أسباب أشد العذاب عدم الحض على طعام المسكين (ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ* ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ* إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ* وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ* فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ* وَلا طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ* لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِؤُونَ) (الحاقة: ٣١ - ٣٧).
٣٣ - شرع المزارعة والمساقاة (٣).
стр. 984
٣٤ - حرم الربا في الطعام أشد التحريم (١).
النسق العاشر: التطوعات والقرب والتبرعات، ورأسها الوقف.
تعريف الوقف:
والوقف هو حبس أصل إنتاجي، وجعل منافعه لأوجه الخيرات ابتغاء وجه الله.
وقولنا «حبس»؛ لأن الوقف من إيقاف تداول تملكه، فلا يباع، ولا يوهب، ولا يورث.
وهو لفظ النص «حَبِّسْ أصلها» (٢).
وقولنا «أصل إنتاجي» خرج به الاستهلاكيات مما المنفعة فيه باستهلاك عينه كالفواكه والأطعمة والأشربة فلا توقف هي بل يتصدق بها، إنما يوقف أصولها من شجر وأرض، كليهما أو الشجر فقط، وإذا وقف الأرض فالشجر تبع له.
فقولنا «أصل إنتاجي» أعم من ضبطه بغير المنقول؛ لأن من المنقول ما يتحقق مقصود الوقف، وهو الانتفاع بريعه وإبقاء أصله مثل طائرة نقل، أو سفينة، أو قطار، أو سيارة، وصيانة هذه من ريعها.
وإذا قاربت الاستهلاك جاز بيعها. وشراء أخرى وتكون وقفا؛ لأن الثمن وقف.
وإنما جاز بيعها هنا مع منع بيع الوقف لأن المقصود من المنهي عن بيعه هو حفظه، إذ بيعه يعود على مقصود الوقف بالإبطال؛ فحرم.
وأما في هذه الصورة فهو بيع للحفظ، ومثله بيع أرض موقوفة يوشك السيل على إزالتها.
فتباع لعارف بذلك، ويشترى غيرها مثلها، وتكون وقفا على الأصل ولا تحتاج إلى إنشاء جديد بوقفها (٣)، وقد باع عمر ﵁ وقفا واشترى غيره دفعا لمفسدة ضياعه (٤).
стр. 985
ومن المنقولات المنتجة المصانع فيجوز وقفها.
ولا حجة لمن قال بعدم وقف المنقول؛ إذ الأصل الصحة.
وإنما منعنا وقف المواد الاستهلاكية كالطعام؛ لأنه لا منفعة فيه إلا استهلاك عينه.
وهذا لا يوافق مقصود الوقف، وهو الانتفاع بريعه، ومنافعه وإبقاء أصله.
فيكون وقف المستهلك صدقة تملك للمدفوعة إليه، إلا إن كانت كمية كبيرة فتباع ويوقف ثمنها.
و وقف الأسهم جائز؛ لأنها مال ينتفع بريعه؛ ولأن أصول الأسهم من شركات ومؤسسات ونحوها في حكم الثابت؛ لأن الغالب أو اليقين كذلك، والحكم الشرعي مبني على الغالب.
وإنما قلنا «غالب أو يقين»؛ لأنها ولو كان بعضها أصوله من المنقولات كشركات النفط والأنعام إلا أن لها أصولا ثابتة غير منقولة، ولها منقولات في حكم الثابت؛ لأنه يحقق مقصوده، وهذا يقين وغالب.
وأما المستهلكات كشركات الأطعمة والمشروبات فأصولها وريعها محلُّ الوقف ومقصوده، فجاز.
فتبين أن النظر الفقهي الجديد للوقف يكون بحسب الأصول الإنتاجية أو المنفعة حالا ومآلا أو مآلا فقط لا إلى الضابط القديم الذي وضعه بعض الفقهاء ﵏ مناسبا لزمنهم.
فمن أبطل اليوم لأجل هذا القيد الوقف في هذه الأمور سيبطل أكبر إمكانات العصر عن الوقف كوقف شركات الثروة الحيوانية، وشركات النفط، ومصانع الاستهلاكيات، وصار تفقهه حينئذ ضرراً على أصل من الأصول المالية في الإسلام وهو الوقف، وعاد عليه وعلى مقصوده بالإبطال.
فيجيز وقف أرض أو عمارة، ويُحَرِّم وقف طائرة، أو مصنع إنتاجي يعطي أضعافا مضاعفة من الريع، ويمكن بريعه شراء مئات العقارات والمزارع.
وما خدم مقاصد الشرع بأكثرية، أو أولوية، فهو المقصود شرعا، فبطل القول بغير هذا؛ لأنه مصادم لما يعود على الأصول في الوقف والمقاصد منه بالإبطال والإخلال.