← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13073

الناسخ والمنسوخ - النحاس

أبو جعفر النحاس

Полный текст (735 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

مَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَسْرُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ⦗١٨٥⦘ إِسْرَائِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَمُعَاذًا، إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ مُعَاذٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تَبْعَثُنَا إِلَى بَلَدٍ كَثِيرٍ شَرَابُ أَهْلِهِ فَمَا نَشْرَبُ؟ قَالَ: «اشْرَبْ وَلَا تَشْرَبْ مُسْكِرًا» وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَحَدُهُمَا مِنْ رِوَايَةِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِي حَدِيثِهِ مِنَ الْعِلَّةِ

стр. 142

وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ لَبِيدِ بْنِ شَمَّاسٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «إِنَّ الْقَوْمَ لَيَجْلِسُونَ عَلَى الشَّرَابِ وَهُوَ حِلٌّ لَهُمْ فَمَا يَزَالُونَ حَتَّى يُحَّرَمُ عَلَيْهِمْ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هَذَا الْحَدِيثُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ؛ لِأَنَّ لَبِيدَ بْنَ شَمَّاسٍ، وَشَرِيكٌ يَقُولُ: شَمَّاسُ بْنُ لَبِيدٍ لَا يُعْرَفُ وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ أَحَدٌ إِلَّا سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ، وَلَا رُوِيَ عَنْهُ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ، وَالْمَجْهُولُ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ فَلَمْ تَقُمْ لَهُمْ حُجَّةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ⦗١٨٦⦘ وَالْحَقُّ فِي هَذَا مَا قَالَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ

стр. 143

قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِي قُدَامَةَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَهُوَ حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ، يَقُولُ: «مَا وَجَدْتُ الرُّخْصَةَ فِي الْمُسْكِرِ عَنْ أَحَدٍ صَحِيحَةً إِلَّا عَنْ إِبْرَاهِيمَ» قَالَ أَبُو أُسَامَةَ: وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَطْلَبَ لِلْعِلْمِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ بِالشَّامِ وَمِصْرَ وَالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَمَّا الْمَيْسِرُ فَهُوَ الْقُمَارُ

стр. 144

كَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] قَالَ: «كَانَ أَحَدُهُمْ يُقَامِرُ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ فَإِذَا قُمِرَ أُخِذَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَكَى أَهْلُ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّ الْمَيْسِرَ كَانَ الْقُمَارَ فِي الْجُزُرِ خَاصَّةً قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: «فَلَمَّا حُرِّمَ حُرِّمَ جَمِيعُ الْقُمَارِ كَمَا أَنَّهُ لَمَّا حُرِّمَتِ الْخَمْرُ حُرِّمَ كُلُّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ» ، وَذَكَرَ الشَّعْبِيُّ «أَنَّ الْقُمَارَ كَانَ حَلَالًا ثُمَّ حُرِّمَ» وَيَدُلُّ عَلَى مَا قَالَ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿ألم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ

стр. 145

تُحِبُّ أَنْ تَغْلِبَ فَارِسُ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ أَوْثَانٍ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أَنْ تَغْلِبَ الرُّومُ فَخَاطَرَهُمْ أَبُو بَكْرٍ إِلَى أَجَلٍ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقِيلَ: لَا يُقَالُ: كَانَ هَذَا حَلَالًا وَلَكِنْ يُقَالُ: مُبَاحًا ثُمَّ نُسِخَ بِتَحْرِيمِهِ، وَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا آخِرُ الْآيَةِ فِي عَدَدِ الْمَدَنِيِّ الْأَوَّلِ، وَالْجَوَابُ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ

стр. 146

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ الزَّكَاةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ شَيْءٌ أَمَرَ بِهِ غَيْرُ الزَّكَاةِ لَمْ يُنْسَخْ

стр. 147

أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ قال: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] قَالَ: «هُوَ مَا لَا يَتَبَيَّنُ وَهَذَا قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّدَقَةُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَالَ الضَّحَّاكُ: «نَسَخَتِ الزَّكَاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ فِي الْقُرْآنِ» فَهَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ

стр. 148

وَحَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] قَالَ: «الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالزَّكَاةُ هِيَ لَعَمْرِي شَيْءٌ يَسِيرٌ مِنْ كَثِيرٍ إِلَّا أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْقَوْلُ الَّذِي قَبْلَهُ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا سَأَلُوا عَنْ شَيْءٍ فَأُجِيبُوا عَنْهُ بِأَنَّهُمْ سَبِيلَهُمْ أَنْ يُنْفِقُوا مَا سَهُلَ عَلَيْهِمْ ⦗١٨٩⦘ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ:

стр. 149

كَمَا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِه جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] قَالَ: «مَا فَضَلَ عَنِ الْعِيَالِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذَا الْقَوْلُ بَيِّنٌ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ عَفَا يَعْفُو إِذَا كَثُرَ وَفَضَلَ وَالْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ: وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ: يُنْفِقُونَ مَا سَهُلَ عَلَيْهِمْ وَفَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِمْ وَأَكْثَرُ التَّابِعِينَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ: قَالَ طَاوُسٌ: «الْعَفْوُ الْيَسِيرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] «أَيْ لَا تُجْهِدْ مَالَكَ حَتَّى تَبْقَى تَسْأَلُ النَّاسَ» وَقَالَ خَالِدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ: سَأَلْتُ الْقَاسِمَ، وَسَالِمًا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] فَقَالَا: «هُوَ فَضْلُ الْمَالِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غَنِيًّ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا مِنْ حُسْنِ الْعِبَارَةِ فِي مَعْنَى الْآيَةِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ :

стр. 150

كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ سَمَاعَةَ ⦗١٩٠⦘ بِالْكُوفَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو يَعْنِي ابْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَىَ بْنَ طَلْحَةَ، يَذْكُرُ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَصَارَ الْمَعْنَى وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ: مَا سَهُلَ عَلَيْكُمْ وَنَظِيرُهُ ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] أَيْ خُذْ مَا سَهُلَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ وَلَا تَتَقَصَّ عَلَيْهِمْ فَهَذَا الْعَفْوُ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ وَذَاكَ الْعَفْوُ مِمَّا يُنْفِقُونَ كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَقَدْ تَلَا ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] قَالَ: «مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ وَايْمِ اللَّهِ لَأَسْتَعْمِلَنَّ ذَاكَ فِيهِمْ» وَقَالَ أَخُوهُ عُرْوَةُ وَتَلَا ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] قَالَ: خُذْ مَا ظَهَرَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَقَوْلِهِمْ ⦗١٩١⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ فِي عَدَدِ الْمَدَنِيِّ الْأَوَّلِ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] فَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] الْآيَةَ وَرَوَوْا هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ فِيهِ نَاسِخٌ وَلَا مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ وَوَعِيدٌ وَنَهْيٌ عَنِ الظُّلْمِ وَالتَّعَدِّي فَمُحَالٌ نَسْخُهُ فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَتَأْوِيلُهُ مِنَ اللُّغَةِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى نُسْخَةِ تِلْكَ الْآيَةِ فَهَذَا جَوَابٌ وَاضِحُّ مِنْهُ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ التَّأْوِيلِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " لَمَّا نَزَلَتْ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] اشْتَدَّتْ عَلَى النَّاسِ وَامْتَنَعُوا مِنْ مُخَالَطَةِ الْيَتَامَى حَتَّى نَزَلَتْ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠] الْآيَةَ فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ بِقُلُوْبِهِمْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَالِطُوا الْيَتَامَى فِي شَيْءٍ لِئَلَّا يُحْرَجُوا بِذَلِكَ، فَنَسَخَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ مَا وَقَعَ بِقُلُوْبِهِمْ مِنْهُ أَيْ أَزَالَهُ بِأَنْ أَبَاحَ لَهُمْ مُخَالَطَةَ الْيَتَامَى وَبَيَّنَ مُجَاهِدٌ مَا هَذِهِ الْمُخَالَطَةُ، فَقَالَ: «فِي الرَّاعْيِ وَالْإِدَامِ» ، وَمَعْنَى هَذَا أَنْ يَكُونَ لِلْيَتِيمِ تَمْرٌ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ وَلِوَلِيِّهِ مِثْلُهُ فَيَخْلِطَهُ مَعَهُ فَيَأْكُلَا جَمِيعًا فَتَوَقَّفُوا عَنْ هَذَا مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ يَأْكُلُ أَكْثَرَ مِمَّا يَأْكُلُ الْيَتِيمُ فَأَبَاحَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ عَلَى جِهَةِ الْإِصْلَاحِ وَلَمْ يُقْصَدْ فِيهِ الْإِفْسَادُ وَدَلَّ عَلَى هَذَا ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] ⦗١٩٢⦘ قَالَ مُجَاهِدٌ: " ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] أَيْ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ مُخَالَطَتَهُمْ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذَا الظَّاهِرُ فِي اللُّغَةِ أَنْ تَكُونَ الْمُخَالَطَةُ فِي الطَّعَامِ لَا فِي الشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ مُشَارَكَةَ الْيَتِيمِ إِنْ وَقَعَ فِيهَا اسْتِبْدَادٌ بِشَيْءٍ فَهِيَ خِيَانَةٌ وَإِنْ كَانَتِ الشَّرِكَةُ قَدْ يُقَالُ لَهَا مُخَالَطَةٌ فَلَيْسَ بِاسْمِهَا الْمَعْرُوفِ فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّهُ لَا نَاسِخٌ فِي هَذَا وَلَا مَنْسُوخٌ إِلَّا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: وَمَا أَعْرِفُ آيَةً فِي الْوَعِيدِ هِيَ أَشَدُّ وَلَا أَوْكَدُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] ⦗١٩٣⦘ وَالَّذِينَ فِي اللُّغَةِ عَامٌ فَأَوْجَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ النَّارَ عَلَى الْعُمُومِ لِكُلِّ مَنْ فَعَلَ هَذَا وَالْآيَةُ الَّتِي هِيَ تَتِمَّةُ الْعِشْرِينَ قَدْ أَدْخَلَهَا الْعُلَمَاءُ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا اخْتِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ

стр. 151

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الَّتِي هِيَ تَتِمَّةُ الْعِشْرِينَ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ هِيَ مَنْسُوخَةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هِيَ نَاسِخَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هِيَ مُحْكَمَةٌ لَا نَاسِخَةٌ وَلَا مَنْسُوخَةٌ فَمِمَّنْ قَالَ إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ ابْنُ عَبَّاسٍ

стр. 152

كَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] قَالَ: " ثُمَّ اسْتَثْنَى نِسَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] حِلٌّ لَكُمْ ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥] يَعْنِي مُهُورَهُنَّ ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النساء: ٢٥] يَقُولُ: عَفَائِفُ غَيْرُ زَوَانٍ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ حِلٌّ لَكُمْ وَلَيْسَ هُوَ فِي التِّلَاوَةِ وَهَكَذَا قَالَ ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النساء: ٢٥] وَفِي التِّلَاوَةِ «مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ» فَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى التَّفْسِيرِ وَهَكَذَا كُلُّ قِرَاءَةٍ خَالَفَتِ الْمُصْحَفَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ ⦗١٩٥⦘، وَمِمَّنْ قَالَ إِنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ أَيْضًا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَسُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو، فَأَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّهَا نَاسِخَةٌ فَقَوْلُهُ شَاذُّ

стр. 153

حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُجَاشِعٍ، قَالَ سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيَّ، يَقُولُ «فِيهِ وَجْهٌ ذَهَبَ إِلَيْهِ قَوْمٌ جَعَلُوا الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ هِيَ النَاسِخَةُ وَالَّتِي فِي الْمَائِدَةِ هِيَ الْمَنْسُوخَةُ يَعْنِي فَحَرَّمُوا نِكَاحَ كُلِّ مُشْرِكَةٍ كِتَابِيَّةٍ أَوْ غَيْرِ كِتَابِيَّةٍ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَمِنَ الْحُجَّةِ لِقَائِلِ هَذَا مِمَّا صَحَّ سَنَدُهُ

стр. 154

مَا حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ زَبَّانَ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ ⦗١٩٦⦘ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، " كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ الرَّجُلِ النَّصْرَانِيَّةَ، أَوِ الْيَهُودِيَّةَ قَالَ: " حَرَّمَ اللَّهُ الْمُشْرِكَاتِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِنَ الْإِشْرَاكِ أَعْظَمَ مِنْ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ: رَبُّهَا عِيسَى أَوْ عَبْدٌ مِنْ عَبَادِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ " وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ

стр. 155

كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] قَالَ «الْمُشْرِكَاتُ مِنْ غَيْرِ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَقَدْ تَزَوَّجَ حُذَيْفَةُ نَصْرَانِيَّةً أَوْ يَهُودِيَّةً»

стр. 156

قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ، جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] قَالَ: «هُمْ أَهْلُ الْأَوْثَانِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ عَامَّةً يُرَادُ بِهَا الْخَاصُّ فَتَكُونُ الْمُشْرِكَاتُ هَاهُنَا أَهْلُ الْأَوْثَانِ ⦗١٩٧⦘ وَالْمَجُوسِ فَأَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّهَا نَاسِخَةٌ لِلَّتِي فِي الْمَائِدَةِ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَوْلُهُ خَارِجٌ عَنْ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ تَقُومُ بِهِمُ الْحُجَّةُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ بِتَحْلِيلِ نِكَاحِ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَطَلْحَةُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٌ، وَحُذَيْفَةُ وَمِنَ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَطَاوُوسٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَيْهِ وَأَيْضًا فَيَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ نَاسِخَةٌ لِلْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ لِأَنَّ الْبَقَرَةَ مِنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ وَالْمَائِدَةَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ وَإِنَّمَا الْآخِرُ يَنْسَخُ الْأَوَّلَ وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵀ كَانَ رَجُلًا مُتَوَقِّفًا فَلَمَّا سَمِعَ الْآيَتَيْنِ، فِي وَاحِدَةٍ التَّحْلِيلُ وَفِي الْأُخْرَى التَّحْرِيمُ وَلَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ تَوَقَّفَ وَلَمْ يُؤْخَذْ عَنْهُ ذِكْرٌ لِلنَّسْخِ وَإِنَّمَا تُؤُوِّلَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ يُؤْخَذُ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ بِالتَّأْوِيلِ وَأَبْيَنُ مَا فِي الْآيَةِ أَنْ تَكُونَ مَنْسُوخَةً عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ أَيْضًا أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ وَذَلِكَ أَنَّ الْآيَةَ إِذَا كَانَتْ عَامَّةً لَمْ تُحْمَلْ عَلَى الْخُصُوصِ إِلَّا بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِنَّهُ لَا يُقَالُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ مُشْرِكُونَ وَإِنَّمَا الْمُشْرِكُ مَنْ عَبَدَ وَثَنًا مَعَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ فَأَشْرَكَ بِهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَمِمَّنْ يُرْوَى عَنْهُ هَذَا الْقَوْلُ أَبُو حَنِيفَةَ وَزَعَمَ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] ⦗١٩٨⦘ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ أَهْلُ الْأَوْثَانِ وَأَنَّ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَنْ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: " وَهَذَا قَوْلٌ خَارِجٌ عَنْ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاللُّغَةِ وَأَكْثَرُ مِنْ هَذَا أَنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ نَصًّا تُسَمِّيهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِالْمُشْرِكِينَ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] فَهَذَا نَصُّ الْقُرْآنِ فَمَنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ أَنْ قِيلَ لَهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى لَمْ يُشْرِكُوا أُجِيبَ عَنْ هَذَا بِجَوَابَيْنِ ⦗١٩٩⦘ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ هَذَا اسْمًا إِسْلَامِيًّا وَلِهَذَا نَظَائِرُ قَدْ بَيَّنَهَا مَنْ يُحْسِنُ الْفِقْهَ وَاللُّغَةَ مِنْ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ أَصْلُهُ مِنْ آمَنَ إِذَا صَدَّقَ ثُمَّ صَارَ لَا يُقَالُ مُؤْمِنٌ إِلَّا لِمَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ تَبِعَ ذَلِكَ الْعَمَلَ وَمِنَ الْأَسْمَاءِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْمُنَافِقُ وَمِنْهَا عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الْخَمْرُ سُمِّيَ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ خَمْرًا عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْجَوَابُ الْآخَرُ وَهُوَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ السُّرِّيِّ قَالَ: كُلُّ مَنْ كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَهُوَ مُشْرِكٌ، قَالَ وَهَذَا مِنَ اللُّغَةِ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ جَاءَ مِنَ الْبَرَاهِينِ بِمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ بِشْرٌ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ فَإِذَا كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ مَا لَا يَأْتِي بِهِ إِلَّا اللَّهُ قَدْ جَاءَ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ فَجَعَلَ لِلَّهِ جَلَّ وَعَزَّ شَرِيكًا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا مِنْ لَطِيفِ الْعِلْمِ وَحُسْنِهِ فَأَمَّا نِكَاحُ إِمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَحَرَامٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ، فَإِنَّهُمْ أَجَازُوهُ وَاحْتَجَّ لَهُمْ مُحْتَجٌّ بِشَيْءٍ قَاسَهُ قَالَ: لَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] يَدْخُلُ فِيهِ الْأَحْرَارُ وَالْإِمَاءُ وَجَبَ فِي الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] دَاخِلًا فِيهِ الْحَرَائِرُ وَالْإِمَاءُ لِتَكُونَ النَاسِخَةُ مِثْلَ الْمَنْسُوخَةِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الِاحْتِجَاجُ خَطَأٌ مِنْ غَيْرِ جِهَةٍ ⦗٢٠٠⦘، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُجْمِعْ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ مَنْسُوخَةٌ وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقِيَاسَاتِ وَالتَّمْثِيلَاتِ لَا يُؤْخَذُ بِهَا فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخِ بِالتَّيَقُّنِ وَالتَّوْقِيفِ وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ نَصًّا ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] فَكَيْفَ يُقْبَلُ مِمَّنْ قَالَ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْكَافِرَاتِ؟ وَأَمَّا نِكَاحُ الْحَرْبِيَّاتِ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُمَا مَنَعَا مِنْ ذَلِكَ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْعُلَمَاءِ يُجِيزُ ذَلِكَ، وَنَصُّ الْآيَةِ يُوجِبُ جَوَازَهُ ⦗٢٠١⦘، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ إِلَّا أَنَّهُمَا كَرِهَا ذَلِكَ مَخَافَةَ تَنْصِيرِ الْوَلَدِ أَوِ الْفِتْنَةِ وَأَمَّا نِكَاحُ الْإِمَاءِ الْمَجُوسِيَّاتِ وَالْوَثَنِيَّاتِ فَالْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِهِ

стр. 157

إِلَّا مَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، " أَنَّهُمَا سُئِلَا عَنْ نِكَاحِ الْإِمَاءِ الْمَجُوسِيَّاتِ، فَقَالَا لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَتَأَوَّلَا قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] فَهَذَا عِنْدَهُمَا عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ لَا عَلَى الْأَمَةِ الْمُشْتَرَاةِ، وَاحْتَجَّا بِسَبْي أَوْطَاسٍ وَأَنَّ الصَّحَابَةَ نَكَحُوا الْإِمَاءَ مِنْهُنَّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ، أَمَا سَبْيُ أَوْطَاسٍ فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَاءُ أَسْلَمْنَ فَجَازَ نِكَاحُهُنَّ وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] فَغَلَطٌ لِأَنَّهُمْ حَمَلُوا النِّكَاحَ عَلَى الْعَقْدِ وَالنِّكَاحُ فِي اللُّغَةِ يَقَعُ عَلَى الْعَقْدِ وَعَلَى الْوَطْءِ، فَلَمَّا قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] حَرَّمَ كُلَّ نِكَاحٍ يَقَعُ عَلَى الْمُشْرِكَاتِ مِنْ نِكَاحٍ وَوَطْءٍ، وَفِي هَذَا مِنَ اللُّغَةِ شَيْءٌ بَيِّنٌ حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ يَحْيَى يَقُولُ: " أَصْلُ النِّكَاحِ فِي اللُّغَةِ الْوَطْءُ وَإِنَّمَا يَقَعُ لِلْعَقْدِ مَجَازًا قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ أَنْكَحْتُ الْأَرْضَ الْبُرَّ إِذَا أَدْخَلْتَ الْبُرَّ فِي الْأَرْضِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا مِنْ حَسَنِ اللُّغَةِ وَالِاسْتِخْرَاجِ اللَّطِيفِ وَوَجَبَ مِنْ

стр. 158

هَذَا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] حَتَّى يَطَأَهَا وَبِذَلِكَ جَاءَتِ السُّنَّةُ أَيْضًا وَقَدْ أُدْخِلَتِ الْآيَةُ الَّتِي تَلِي هَذِهِ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَهِيَ الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ

стр. 159

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الْحَادِيَةِ وَالْعِشْرِينَ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: أُدْخِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ مِنْ شَرِيعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ لَا يَجْتَمِعُوا مَعَ الْحَائِضِ فِي بَيْتٍ وَلَا يَأْكُلُوا مَعَهَا وَلَا يَشْرَبُوا، فَنَسَخَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ذَلِكَ مِنْ شَرِيعَتِهِمْ

стр. 160

كَمَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْجُنَيْدِ الْبَغْدَادِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، وَعَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ " كَانَتِ الْيَهُودُ يَعْتَزِلُونَ النِّسَاءَ فِي الْحَيْضِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] الْآيَةَ فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُؤَاكِلُهُنَّ وَنُشَارِبُهُنَّ وَنَصْنَعُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ فَقَالَتِ الْيَهُودُ: مَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ أَنْ يَدَعَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِنَا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: " فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ مِنَ الْحَائِضِ إِلَّا النِّكَاحُ فِي الْفَرْجِ، وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الرَّجُلَ لَهُ أَنْ يُبَاشِرَ الْحَائِضَ وَيَنَالَ مِنْهَا مَا دُونَ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ ⦗٢٠٤⦘ عَنْهَا وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَسْرُوقٍ، وَالْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْحَدِيثُ الْمُسْنَدُ دَالٌّ عَلَيْهِ

стр. 161

قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ مَا يَحِلُّ لِي مِنَ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَتْ: «كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْفَرْجَ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذَا إِسْنَادٌ مُتَّصِلٌ وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ أَنَّهَا قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبَاشِرُنِي فَوْقَ الْإِزَارِ» لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى حَظْرِ غَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فَوْقَ الْإِزَارِ وَهُوَ مَفْرُوشٌ فَهَذَا قَوْلٌ قَالَ عُبَيْدَةُ: «اللِّحَافُ وَاحِدٌ وَالْفَرَاشُ مُخْتَلِفٌ وَهَذَا قَوْلٌ شَاذُّ يَمْنَعُ مِنْهُ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مُبَاشَرَتِهِ نِسَاءَهُ وَهُنَّ حُيَّضٌ» وَقَوْلٌ ثَالِثٌ أَنْ يَعْتَزِلَ الْحَائِضَ فِيمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ مَيْمُونَةُ وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ ⦗٢٠٥⦘ وَالْحُجَّةُ لَهُمْ

стр. 162

مَا حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، قَالَ حَدَّثَنَا لَيْثٌ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَبِيبٍ، مَوْلَى عُرْوَةَ، عَنْ نَدْبَةَ، مَوْلَاةِ مَيْمُونَةَ عَنْ مَيْمُونَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُبَاشِرُ الْمَرْأَةَ مِنْ نِسَائِهِ وَهِيَ حَائِضٌ إِذَا كَانَ إِزَارُهَا إِلَى نِصْفِ فَخِذَيْهَا أَوْ إِلَى رُكْبَتَيْهَا مُحْتَجِزَةً بِهِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اللَّيْثُ يَقُولُ نَدْبَةَ وَغَيْرُهُ يَقُولُ بُدَيَّةَ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى حَظْرِ مَا تَقَدَّمَتْ إِبَاحَتُهُ وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ الَّذِي بَدَأْنَا بِهِ مَنْسُوخٌ لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ مَا نَزَلَتِ الْآيَةُ وَأَنَّ النَّاسِخَ لَهُ

стр. 163

حَدِيثُ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عُمَيْرٍ، مَوْلَى عُمَرَ عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَائِضِ «لَكَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ وَلَيْسَ لَكَ مَا تَحْتَهُ» ⦗٢٠٦⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا ادِّعَاءٌ فِي النَّسْخِ وَلَا يُعْجِزُ أَحَدًا ذَلِكَ، وَالْإِسْنَادُ الْأَوَّلُ أَحْسَنُ اسْتِقَامَةً مِنْ هَذَا، وَهَذَا الْقَوْلُ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ قَدْ ذَكَرْنَاهُمْ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِيهِ بِنَسْخٍ وَالَّذِي قَالَ هَذَا بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ وَالتَّقْدِيرُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَاعْتَزِلُوا جِمَاعَ النِّسَاءِ فِي مَوْضِعِ الْمَحِيضِ أَيْ فِي الْفَرْجِ فَيَكُونُ الْمَحِيضُ اسْمًا لِلْمَوْضِعِ كَمَا أَنَّ الْمَجْلِسَ اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ وَكَذَا ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]

стр. 164

كَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ حَدَّثَنِي ⦗٢٠٧⦘ مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] قَالَ «اعْتَزَلُوا نِكَاحَ فُرُوجِهِنَّ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَمَنْ قَرَأَ ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فَمَعْنَاهُ حَتَّى يَحِلَّ لَهُنَّ أَنْ يَطْهُرْنَ كَمَا تَقُولُ قَدْ حَلَّتِ الْمَرْأَةُ لِلْأَزْوَاجِ أَيْ حَلَّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ وَمَنْ قَرَأَ ﴿حَتَّى يَطَّهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] جَعَلَهُ بِمَعْنَى يَغْتَسِلْنَ وَقَدْ قَرَأَ الْجَمَاعَةُ بِالْقِرَاءَتَيْنِ وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ آيَتَيْنِ لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَطْهُرَ وَتَطَّهَّرَ فَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّهَا تَحِلُّ لَهُ إِذَا غَسَلَتْ فَرْجَهَا مِنَ الْأَذَى بَعْدَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْحَيْضِ فَقَوْلٌ خَارِجٌ عَنِ الْإِجْمَاعِ، وَعَنْ ظَاهَرُ الْقُرْآنِ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] فَجَاءَ الْقُرْآنُ يَتَطَهَّرُوا وَيَغْتَسِلُوا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَكَذَا حَتَّى يَطْهُرْنَ أَيِ الطُّهُورَ الَّذِي يُصَلِّينَ بِهِ ⦗٢٠٨⦘ وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِذَا طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ حَلَّتْ وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى فَخَارِجٌ أَيْضًا عَنِ الْإِجْمَاعِ وَلَيْسَ يُعْرَفُ مِنْ قَوْلٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا قَيْسَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا يَمْلِكُ مَعَهُ الرَّجْعَةَ كَانَ لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا مِنْ غَيْرِ إِذْنِهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ إِلَّا أَنْ تَطْهُرَ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَيَدْخُلُ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى وَلَمْ تَغْتَسِلْ، فَقَاسُوا عَلَى هَذَا ⦗٢٠٩⦘ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ

стр. 165

مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِي، قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] قَالَ «مِنَ الدَّمِ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ قَالَ اغْتَسَلْنَ» قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا اخْتِلَافًا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَأَمَّا ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فَفِي مَعْنَاهُ اخْتِلَافٌ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، قَالَا «فِي الْفَرْجِ» وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ⦗٢١٠⦘ عَلِيِّ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، قَالَ: «مِنْ قِبَلِ الْحَلَالِ مِنْ قِبَلِ التَّزْوِيجِ» وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ، قَالَ: «مِنْ قِبَلِ الطُّهْرِ لَا مِنْ قِبَلِ الْحَيْضِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِسِيَاقِ الْكَلَامِ وَأَصَحُّ فِي اللُّغَةِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْفَرْجَ كَانَتْ فِي هَاهُنَا أَوْلَى فَإِن قِيلَ لِمَ لَا يَكُونُ مَعْنَاهُ مِنْ قِبَلِ الْفَرْجِ، قِيلَ لَوْ كَانَ كَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَطَأَهَا مِنْ دُبُرِهَا فِي فَرْجِهَا، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] قَالَ عَطَاءٌ: «أَيْ مِنَ الذُّنُوبِ» وَهَذَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فَمِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ مَنْ قَالَ: الْمُتَطَهِّرِينَ مِنْ أَدْبَارِ النِّسَاءِ، وَقِيلَ مِنَ الذُّنُوبِ وَقَالَ عَطَاءٌ: «الْمُتَطَهِّرِينَ بِالْمَاءِ» وَهَذَا أَوْلَى بِسِيَاقِ الْآيَةِ وَاللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ أَعْلَمُ وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ فَقَدْ أَدْخَلَهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَهُوَ قَتَادَةُ فَذَكَرْنَاهَا لِيَكُونَ الْكِتَابُ مُشْتَمِلًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ

стр. 166

بَابَ

стр. 167

ذِكْرِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الْآيَةَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَمِمَّنْ جَعَلَهَا فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةَ إِلَّا أَنَّ لَفْظَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنْ قَالَ: اسْتَثْنَى، وَلَفْظُ قَتَادَةَ نَسَخَ قَالَ: قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ثُمَّ نَسَخَ مِنَ الثَّلَاثِ الْحُيَّضِ الْمُطَلَّقَاتِ اللَّوَاتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهِنَّ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] ، وَنَسَخَ الْحَيْضَ عَنْ أُولَاتِ الْحَمْلِ فَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَالَ غَيْرُهُمَا مِنَ الْعُلَمَاءِ لَيْسَ هَذَا بِنَسْخٍ وَلَكِنَّهُ تَبْيِينٌ بَيَّنَ جَلَّ وَعَزَّ بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْأَقْرَاءِ الْحَوَامِلَ وَلَا اللَّوَاتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهِنَّ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَقْرَاءِ فَقَالُوا فِيهَا ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ

стр. 168

كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِي، قَالَ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ حَسَّانَ، قَالَ حَدَّثَنَا ⦗٢١٢⦘ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرِو بْنَ الْعَلَاءِ، يَقُولُ: «الْعَرَبُ تُسَمِّي الطُّهْرَ قُرْءًا، وَتُسَمِّي الْحَيْضَ قُرْءًا، وَتُسَمِّي الطُّهْرَ مَعَ الْحَيْضِ جَمِيعًا قُرْءًا» وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: «أَصْلُ الْقُرْءِ الْوَقْتُ يُقَالُ أَقْرَأَتِ النُّجُومُ إِذَا طَلَعَتْ لِوَقْتِهَا» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَلَمَّا صَحَّ فِي اللُّغَةِ أَنَّ الْقُرْءَ الطُّهْرُ، وَالْقُرْءَ الْحَيْضُ وَأَنَّهُ لَهُمَا جَمِيعًا وَجَبَ أَنْ يَطْلُبَ الدَّلِيلَ عَلَى الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] مِنْ غَيْرِ اللُّغَةِ إِلَّا أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: هِيَ الْأَطْهَارُ وَيَرُدُّهُ إِلَى اللُّغَةِ مِنْ جِهَةِ الِاشْتِقَاقِ وَسَنَذْكُرُ قَوْلَهُ بَعْدَ ذِكْرِ مَا فِي ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، فَمِمَّنْ قَالَ الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ عَائِشَةُ بِلَا اخْتِلَافٍ عَنْهَا

стр. 169

كَمَا قُرِئَ عَلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ ⦗٢١٣⦘ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «إِنَّمَا الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ بِاخْتِلَافٍ ابْنُ عُمَرَ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ

стр. 170

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ كَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يوسُفَ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَرَأَتِ الدَّمَ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ وَبَرِئَ مِنْهَا وَلَا تَرِثُهُ وَلَا يَرِثُهَا» وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ

стр. 171

لِأَنَّ بَكْرَ بْنَ سَهْلٍ حَدَّثَنَا، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «إِذَا طَلَّقَ الْعَبْدُ امْرَأَتَهُ اثْنَتَيْنِ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً، وَعِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ ثَلَاثُ حِيَضٍ» ⦗٢١٤⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْحَدِيثَانِ جَمِيعًا فِي الْمُوَطَّأِ، فَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدٍ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ

стр. 172

إِحْدَاهُمَا مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ «عِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ، وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ ثَلَاثُ حِيَضٍ» وَالْمُخَالِفُ لَهُ

стр. 173

مَا حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، قَالَ حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، حَدَّثَهُ " أَنَّ الْأَحْوَصَ وَهُوَ ابْنُ حَكِيمٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ بِالشَّامِ فَهَلَكَ وَهِيَ فِي آخِرِ حَيْضَتِهَا يَعْنِي الثَّالِثَةَ فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ يَسْأَلُهُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ لَا تَرِثُهُ وَلَا يَرِثُهَا وَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ وَبَرِئَ مِنْهَا، قَالَ نَافِعٌ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِثْلَ ذَلِكَ "

стр. 174

وَقُرِئَ عَلَى بَكْرِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَا «يُبِينُهَا مِنْ زَوْجِهَا إِذَا طَعَنَتْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ» ⦗٢١٥⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ رُوِيَ عَنْهُمْ أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ وَهُمْ ثَلَاثَةٌ فَأَمَّا التَّابِعُونَ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فَفِيهُمُ الْقَاسِمُ، وَسَالِمُ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا الْأَقْرَاءُ الْحَيْضُ فَأَحَدَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِلَا اخْتِلَافٍ عَنْهُمْ وَزِيَادَةُ اثْنَيْنِ بِاخْتِلَافٍ

стр. 175

كَمَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَوَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَا: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ أَحَدَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوِ اثْنَا عَشَرَ الْخَيْرُ فَالْخَيْرُ مِنْهُمْ عُمَرُ وَزَادَ وَكِيعٌ وَأَبُو بَكْرٍ قَالَا وَعَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: «إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيَقَةً أَوْ تَطْلِيْقَتَيْنِ فَلَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ مَا لَمْ تَغْتَسِلْ مِنَ الْقُرْءِ الثَّالِثِ وَقَالَ وَكِيعٌ فِي حَدِيثِهِ مَا لَمْ تَغْتَسِلْ مِنْ حَيْضَتِهَا الثَّالِثَةِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: «الْأَحَدَ عَشَرَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَمُعَاذٌ وَعُبَادَةُ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَأَبُو مُوسَى وَأَنَسٌ وَالِاثْنَانِ بِالِاخْتِلَافِ ابْنُ عُمَرَ، وَزَيْدٌ»

стр. 176

قُرِئَ عَلَى بَكْرِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: «هُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ»

стр. 177

قَالَ سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا قَالَا: «هُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ»

стр. 178

قَالَ سُفْيَانُ: وَحَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنِ الْحَسَنِ عَنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ،: مِثْلَ ذَلِكَ وَمِنَ التَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَطَاوُوسٌ، وَعَطَاءٌ وَالضَّحَّاكُ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَحَكَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ: وَكَانَ الْأَكَابِرُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَقُولُونَ غَيْرَ هَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذَا مَا جَاءَ عَنِ الْعُلَمَاءِ بِالرِّوَايَاتِ وَنَذْكُرُ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ النَّظَرِ وَاللُّغَةِ مِنَ احْتِجَاجَاتِهِمْ إِذْ كَانَ الْخِلَافُ قَدْ وَقَعَ، فَمِنْ أَحْسَنِ مَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ قَولُهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فَأَخْبَرَ جَلَّ وَعَزَّ أَنَّ الْقُرُوءَ هِيَ الْعِدَدُ، وَالْعِدَدُ عَقِيبَةُ الطَّلَاقِ وَإِنَّمَا يَكُونُ الطَّلَاقُ فِي الطُّهْرِ فَلَوْ كَانَتِ الْأَقْرَاءُ هِيَ الْحُيَّضُ كَانَ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعِدَّةِ فَصْلٌ وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ

стр. 179

حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهَيَ حَائِضٌ فَسَأَلَ عُمَرُ بْنِ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» قَالَ الْمُحْتَجُّ فَتِلْكَ إِشَارَةٌ إِلَى الطُّهْرِ

стр. 180

وَفِي حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَتَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ قَالَ: «فَقُبُلُ عِدَّتِهِنَّ هُوَ الطُّهْرُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَمُخَالِفُهُ يُحْتَجُّ عَلَيْهِ بِالْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ مِنْ قَرَيْتُ الْمَاءَ أَيْ حَبَسْتُهُ فَكَذَا الْقُرْءُ: احْتِبَاسُ الْحَيْضِ وَهَذَا غَلَطٌ بَيِّنٌ لِأَنَّ قَرَيْتُ الْمَاءَ غَيْرُ مَهْمُوزٍ وَهَذَا مَهْمُوزٌ فَاللُّغَةُ تَمْنَعُ أَخْذَ هَذَا مِنْ هَذَا وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْآيَةَ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ بِالهَاءِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ لِلطُّهْرِ لِأَنَّ الطُّهْرَ مُذَكَّرٌ وَعَدَدُ الْمُذَكَّرِ يَدْخُلُ فِيهِ الهَاءُ وَلَوْ كَانَ لِلْحَيْضَةِ لَقِيلَ ثَلَاثٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا غَلَطٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّ الشَّيْءَ يَكُونُ لَهُ اسْمَانِ مُذَكَّرٌ وَمُؤَنَّثٌ فَإِذَا جِئْتَ بِالْمُؤَنَّثِ أَنَّثْتَهُ وَإِذَا جِئْتَ بِالْمُذَكَّرِ ذَكَّرْتَهُ كَمَا تَقُولُ ⦗٢١٨⦘ رَأَيْتُ ثَلَاثَ أَدْؤُرٍ وَرَأَيْتُ ثَلَاثَةَ مَنَازِلَ لِأَنَّ الدَّارَ مُؤَنَّثَةٌ وَالْمُنْزِلُ مُذَكَّرٌ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَأَمَّا احْتِجَاجُ الَّذِينَ قَالُوا الْأَقْرَاءُ الْحَيْضُ فَبِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَمِنَ الْإِجْمَاعِ وَمِنَ السُّنَّةِ وَمِنَ الْقِيَاسِ قَالُوا قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] فَجَعَلَ الْمَيْئُوسَ مِنْهُ الْحَيْضَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْعِدَّةُ وَجَعَلَ الْعِوَضَ مِنْهُ الْأَشْهُرَ إِذَا كَانَ مَعْدُومًا وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ مَعْنَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أَنْ يُطَلَّقَ فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامَعْ فِيهِ وَلَا تَخْلُو لِعِدَّتِهِنَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ لَيَعْتَدِدْنَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَوْ يَكُونُ لِلْحَالِ أَوِ لِلْمَاضِي، وَمُحَالٌ أَنْ تَكُونَ الْعِدَّةُ قَبْلَ الطَّلَاقِ أَوْ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي حَالِ عِدَّتِهَا فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ لِلْمُسْتَقْبَلِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالطُّهْرُ كُلُّهُ جَائِزٌ أَنْ يُطَلَّقَ فِيهِ وَلَيْسَ بَعْدَ الطُّهْرِ إِلَّا الْحَيْضُ وَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قَالُوا: فَإِذَا طَلَّقَهَا فِي الطُّهْرِ ثُمَّ احْتَسَبَتْ بِهِ قُرْءًا فَلَمْ تَعْتَدَّ إِلَّا قُرْئَيْنِ وَشَيْئًا وَلَيْسَ هَكَذَا نَصُّ الْقُرْآنِ وَقَدِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ فِي هَذَا فَقَالَ: التَّثْنِيَةُ جَمْعٌ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] وَإِنَّمَا ذَلِكَ شَهْرَانِ وَأَيَّامٌ ⦗٢١٩⦘ فَهَذَا الِاحْتِجَاجُ غَلَطٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ جَلَّ وَعَزَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ فَيَكُونُ مِثْلَ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ وَإِنَّمَا هَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنْهَا وَكَذَا فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ
следующие страницы →