← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13073

الناسخ والمنسوخ - النحاس

أبو جعفر النحاس

Полный текст (735 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قُرِئَ عَلَى بَكْرِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: «هُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ»

стр. 177

قَالَ سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا قَالَا: «هُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ»

стр. 178

قَالَ سُفْيَانُ: وَحَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنِ الْحَسَنِ عَنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ،: مِثْلَ ذَلِكَ وَمِنَ التَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَطَاوُوسٌ، وَعَطَاءٌ وَالضَّحَّاكُ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَحَكَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ: وَكَانَ الْأَكَابِرُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَقُولُونَ غَيْرَ هَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذَا مَا جَاءَ عَنِ الْعُلَمَاءِ بِالرِّوَايَاتِ وَنَذْكُرُ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ النَّظَرِ وَاللُّغَةِ مِنَ احْتِجَاجَاتِهِمْ إِذْ كَانَ الْخِلَافُ قَدْ وَقَعَ، فَمِنْ أَحْسَنِ مَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ قَولُهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فَأَخْبَرَ جَلَّ وَعَزَّ أَنَّ الْقُرُوءَ هِيَ الْعِدَدُ، وَالْعِدَدُ عَقِيبَةُ الطَّلَاقِ وَإِنَّمَا يَكُونُ الطَّلَاقُ فِي الطُّهْرِ فَلَوْ كَانَتِ الْأَقْرَاءُ هِيَ الْحُيَّضُ كَانَ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعِدَّةِ فَصْلٌ وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ

стр. 179

حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهَيَ حَائِضٌ فَسَأَلَ عُمَرُ بْنِ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» قَالَ الْمُحْتَجُّ فَتِلْكَ إِشَارَةٌ إِلَى الطُّهْرِ

стр. 180

وَفِي حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَتَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ قَالَ: «فَقُبُلُ عِدَّتِهِنَّ هُوَ الطُّهْرُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَمُخَالِفُهُ يُحْتَجُّ عَلَيْهِ بِالْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ مِنْ قَرَيْتُ الْمَاءَ أَيْ حَبَسْتُهُ فَكَذَا الْقُرْءُ: احْتِبَاسُ الْحَيْضِ وَهَذَا غَلَطٌ بَيِّنٌ لِأَنَّ قَرَيْتُ الْمَاءَ غَيْرُ مَهْمُوزٍ وَهَذَا مَهْمُوزٌ فَاللُّغَةُ تَمْنَعُ أَخْذَ هَذَا مِنْ هَذَا وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْآيَةَ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ بِالهَاءِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ لِلطُّهْرِ لِأَنَّ الطُّهْرَ مُذَكَّرٌ وَعَدَدُ الْمُذَكَّرِ يَدْخُلُ فِيهِ الهَاءُ وَلَوْ كَانَ لِلْحَيْضَةِ لَقِيلَ ثَلَاثٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا غَلَطٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّ الشَّيْءَ يَكُونُ لَهُ اسْمَانِ مُذَكَّرٌ وَمُؤَنَّثٌ فَإِذَا جِئْتَ بِالْمُؤَنَّثِ أَنَّثْتَهُ وَإِذَا جِئْتَ بِالْمُذَكَّرِ ذَكَّرْتَهُ كَمَا تَقُولُ ⦗٢١٨⦘ رَأَيْتُ ثَلَاثَ أَدْؤُرٍ وَرَأَيْتُ ثَلَاثَةَ مَنَازِلَ لِأَنَّ الدَّارَ مُؤَنَّثَةٌ وَالْمُنْزِلُ مُذَكَّرٌ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَأَمَّا احْتِجَاجُ الَّذِينَ قَالُوا الْأَقْرَاءُ الْحَيْضُ فَبِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَمِنَ الْإِجْمَاعِ وَمِنَ السُّنَّةِ وَمِنَ الْقِيَاسِ قَالُوا قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] فَجَعَلَ الْمَيْئُوسَ مِنْهُ الْحَيْضَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْعِدَّةُ وَجَعَلَ الْعِوَضَ مِنْهُ الْأَشْهُرَ إِذَا كَانَ مَعْدُومًا وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ مَعْنَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أَنْ يُطَلَّقَ فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامَعْ فِيهِ وَلَا تَخْلُو لِعِدَّتِهِنَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ لَيَعْتَدِدْنَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَوْ يَكُونُ لِلْحَالِ أَوِ لِلْمَاضِي، وَمُحَالٌ أَنْ تَكُونَ الْعِدَّةُ قَبْلَ الطَّلَاقِ أَوْ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي حَالِ عِدَّتِهَا فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ لِلْمُسْتَقْبَلِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالطُّهْرُ كُلُّهُ جَائِزٌ أَنْ يُطَلَّقَ فِيهِ وَلَيْسَ بَعْدَ الطُّهْرِ إِلَّا الْحَيْضُ وَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قَالُوا: فَإِذَا طَلَّقَهَا فِي الطُّهْرِ ثُمَّ احْتَسَبَتْ بِهِ قُرْءًا فَلَمْ تَعْتَدَّ إِلَّا قُرْئَيْنِ وَشَيْئًا وَلَيْسَ هَكَذَا نَصُّ الْقُرْآنِ وَقَدِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ فِي هَذَا فَقَالَ: التَّثْنِيَةُ جَمْعٌ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] وَإِنَّمَا ذَلِكَ شَهْرَانِ وَأَيَّامٌ ⦗٢١٩⦘ فَهَذَا الِاحْتِجَاجُ غَلَطٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ جَلَّ وَعَزَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ فَيَكُونُ مِثْلَ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ وَإِنَّمَا هَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنْهَا وَكَذَا فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ

стр. 181

فَأَمَّا مِنَ السُّنَّةِ فَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ غُلَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ أَخْبَرنِي اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةِ أَبِي حُبَيْشٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا، أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَشَكَتْ إِلَيْهِ الدَّمَ فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ فَانْظُرِي إِذَا أَتَاكِ قُرْؤُكِ فَلَا تُصَلِّي وَإِذَا مَرَّ الْقُرْءُ فَتَطَهَّرِي ثُمَّ صَلِّي مِنَ الْقُرْءِ إِلَى الْقُرْءِ» ⦗٢٢٠⦘ وَهَذَا لَفْظُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمَّى الْحَيْضَ قُرْءًا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ: فَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ بِحَيْضَةٍ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ بِحَضْرَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ نِصْفُ عِدَّةِ الْحُرَّةِ وَلَوْ قَدَرْتُ عَلَى أَنْ أَجْعَلَهَا حَيْضَةً وَنِصْفًا لَفَعَلْتُ وَهَذَا يَدْخُلُ فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَقَالُوا قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا إِذَا وَلَدَتْ فَقَدْ خَرَجَتْ مِنَ الْعِدَّةِ لَا اخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا قَالُوا فَالْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ الْحَيْضُ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا يَخْرُجَانِ مِنَ الْجَوْفِ وَفِي سِيَاقِ الْآيَةِ أَيْضًا دَلِيلٌ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فَلِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا قَوْلَانِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «الْحَبَلُ» وَقَالَ الزُّهْرِيُّ «الْحَيْضُ» ، وَلَيْسَ ثَمَّ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ أَحَدِهُمَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا جَمِيعًا، وَإِنَّمَا حُظِرَ عَلَيْهَا كِتْمَانُ الْحَيْضِ وَالْحَبَلِ لِأَنَّ زَوْجَهَا إِذَا طَلَّقَهَا طَلَاقًا يَمْلِكُ مَعَهُ الرَّجْعَةَ كَانَ لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا مِنْ غَيْرِ أَمْرِهَا مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا ⦗٢٢١⦘ فَإِذَا كَرِهَتْهُ قَالَتْ قَدْ حِضْتُ الْحَيْضَةَ الثَّالِثَةَ أَوْ قَدْ وَلَدْتُ لِئَلَّا يُرَاجِعَهَا فَنَهَيْتُ عَنْ ذَلِكَ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]

стр. 182

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قَالَ: «هُوَ أَحَقُّ بِرَدِّهَا فِي الْعِدَّةِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: التَّقْدِيرُ فِي الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ الْأَجَلِ وَأَمَّا ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فَقَالَ فِيهِ ابْنُ زَيْدٍ «عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ فِيهَا» وَأَمَّا ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فَفِيهِ أَقْوَالٌ: فَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: «عَلَيْهَا أَنْ تُطِيعَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُطِيعَهَا» قَالَ الشَّعْبِيُّ: «إِذَا قَذَفَهَا لَاعَنَ وَلَمْ يُحَدَّ وَإِذَا قَذَفْتُهُ حُدَّتْ» وَمِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِيهِ مَا رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَا أُرِيدُ أَنْ أَسْتَنْظِفَ حُقُوقِي عَلَى زَوْجَتِي» ⦗٢٢٢⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ اللَّهَ ﵎ نَدَبَ الرِّجَالَ إِلَى أَنْ يَتَفَضَّلُوا عَلَى نِسَائِهِمْ وَأَنْ تَكُونَ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ فِي الْعَفْوِ وَالتَّفَضْلِ وَالِاحْتِمَالِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى: دَرَجَةٌ فِي اللُّغَةِ زِيَادَةٌ وَارْتِفَاعٌ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: «وَاللَّهُ عَزِيزٌ فِي انْتِقَامِهِ حَكِيمٌ فِي تَدَبِيرِهِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ أَيْ عَزِيزٌ فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنْ خَالَفَ أَمْرَهُ وَحُدُودَهُ فِي أَمْرِ الطَّلَاقِ وَالْعِدَّةِ حَكِيمٌ فِيمَا دَبَّرَ لِخَلْقِهِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا نَاسِخَةً وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا مَنْسُوخَةً وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا مُحْكَمَةً وَهِيَ الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ

стр. 183

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] الْآيَةَ فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ هِيَ نَاسِخَةٌ لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مُدَّةٍ، وَفِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ بُرْهَةً يُطَلِّقُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مَا شَاءَ مِنَ الطَّلَاقِ فَإِذَا كَادَتْ تَحِلُّ مِنْ طَلَاقِهَا رَاجَعَهَا مَا شَاءَ فَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ إِذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَإِذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ مُرَاجَعَتُهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، فَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أَيِ الطَّلَاقُ الَّذِي تَمْلِكُ مَعَهُ الرَّجْعَةَ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ عُرْوَةَ

стр. 184

وَحَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ: قُرِئَ عَلَى عَبْد اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، عَنْ أَبِي الْأَزْهَرِ، قَالَ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] قَالَ: «فَنَسَخَ هَذَا مَا كَانَ قَبْلَهُ فَجَعَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ حَدَّ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا وَجَعَلَ لَهُ الرَّجْعَةَ مَا لَمْ يُطَلِّقْ ثَلَاثًا» فَهَذَا قَوْلٌ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ⦗٢٢٤⦘ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّهَا مُحْكَمَةٌ وَافْتَرَقَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّهَا مُحْكَمَةٌ عَلَى ثَلَاثِ جِهَاتٍ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يَنْبَغِي لِلرِّجَالِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا إِلَّا اثْنَتَيْنِ لِقَوْلِ اللَّهِ ﵎ ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ الثَّالِثَةَ بَعْدُ وَهَذَا قَوْلُ عِكْرِمَةَ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُطَلِّقُهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ إِنْ شَاءَ وَاحِدَةً وَإِنْ شَاءَ اثْنَتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ ثَلَاثًا وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي كُلِّ طُهْرٍ طَلْقَةً ⦗٢٢٥⦘ وَاحِدَةً وَيُحْتَجُّ لِصَاحِبِ هَذَا الْقَوْلِ: بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ وَكَانَتِ السُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ كُلِّ طَلْقَتَيْنِ حَيْضَةٌ فَلَوْ طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ثُمَّ رَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي الْحَيْضَةَ وَقَعَتْ تَطْلِيقَتَانِ بَيْنَهُمَا حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ فَلِهَذَا أَمَرَ أَنْ يُرَاجِعَهَا ثُمَّ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ وَمِنَ الْحُجَّةِ أَيْضًا ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] لِأَنَّ مَرَّتَيْنِ يَدُلُّ عَلَى التَّفْرِيقِ كَذَا هُوَ فِي اللُّغَةِ قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَقَدْ تَقُولُ سِيرَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ تَجْعَلُهُ لِلدَّهْرِ أَيْ ظَرْفًا فَسِيبَوَيْهِ يَجْعَلُ مَرَّتَيْنِ ظَرْفًا فَالتَّقْدِيرُ أَوْقَاتُ الطَّلَاقِ مَرَّتَانِ

стр. 185

وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، قَالَ أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ ⦗٢٢٦⦘ سُمَيْعٍ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، أَنَّ رَجُلًا، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْمَعُ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فَأَيْنَ الثَّالِثَةُ؟ قَالَ: «التَّسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ فِي الْمَنْسُوخُ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ فِي مُخَالَفَةِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ سَأَلْتُ بَكْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيَّ عَنِ ⦗٢٢٧⦘ الرَّجُلِ تُرِيدُ امْرَأَتَهُ أَنْ تُخَالِعَهُ، فَقَالَ: " لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا قُلْتُ فَأَيْنَ قَوْلُ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ قَالَ نُسِخَتْ، قُلْتُ: فَأَيْنَ جُعِلَتْ؟ قَالَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠] وَالْآيَةُ الْأُخْرَى " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ خَارِجٌ عَنِ الْإِجْمَاعِ وَلَيْسَ إِحْدَى الْآيَتَيْنِ رَافِعَةً لِلْأُخْرَى فَيَقَعُ النَّسْخُ لِأَنَّ قَوْلَهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ لَيْسَ بِمُزَالٍ بِتِلْكَ لِأَنَّهُمَا إِذَا خَافَا هَذَا لَمْ يَدْخُلِ الزَّوْجُ فِي ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: ٢٠] لِأَنَّ هَذَا لِلرِّجَالِ خَاصَّةً وَمِنَ الشُّذُوذِ فِي هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَالْحَسَنِ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَجُوزُ الْخُلْعُ إِلَّا بِأَمْرِ السُّلْطَانِ قَالَ شُعْبَةُ قُلْتُ لِقَتَادَةَ عَمَّنْ أَخَذَ الْحَسَنُ الْخُلْعَ إِلَى السُّلْطَانِ قَالَ عَنْ زِيَادٍ ⦗٢٢٨⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهُوَ صَحِيحٌ مَعْرُوفٌ عَنْ زِيَادٍ وَلَا مَعْنَى لِهَذَا الْقَوْلِ لِأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا خَالَعَ امْرَأَتَهُ فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَا يَتَرَاضَيَانِ بِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْبِرَهُ السُّلْطَانُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: هُوَ إِلَى السُّلْطَانِ وَمَعَ هَذَا فَقَوْلُ الصَّحَابَةِ وَأَكْثَرِ التَّابِعِينَ إِنَّ الْخُلْعَ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ السُّلْطَانِ فَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَابْنُ عُمَرَ

стр. 186

كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَيَّانَ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَ أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّهُ سَمِعَ الرُّبَيِّعَ ابْنَةَ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ، تُخْبِرُ عَبْد اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا فِي عَهْدِ عُثْمَانَ فَجَاءَ عَمُّهَا مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ إِلَى عُثْمَانَ فَقَالَ إِنَّ ابْنَةَ مُعَوِّذٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا أَفَتَنْتَقِلُ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: «لِتَنْتَقِلْ وَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَلَكِنْ لَا تُنْكَحُ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ بِهَا حَمْلٌ» فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: عُثْمَانُ خَيْرُنَا وَأَعْلَمُنَا

стр. 187

وَفِي حَدِيثِ أَيُّوبَ، وعُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُثْمَانَ، «وَلَا نَفَقَةَ لَهَا» وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَحْكَامٌ وَعُلُومٌ فَمِنْهَا أَنَّ عُثْمَانَ ﵀ أَجَازَ الْخُلْعَ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَجَازَهُ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ السُّلْطَانِ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ زِيَادٌ وَجَعَلَهُ طَلَاقًا عَلَى خِلَافِ مَا يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَجَازَهُ بِالْمَالِ وَلَمْ يُسْأَلْ أَهُوَ

стр. 188

أَكْثَرُ مِنْ صَدَاقِهَا أَمْ أَقَلُّ عَلَى خِلَافِ مَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: إِنَّ الْخُلْعَ لَا يَجُوزُ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَاقَ إِلَيْهَا مِنَ الصَّدَاقِ وَأَجَازَ لِلْمُخْتَلِعَةِ أَنْ تَنْتَقِلَ وَجَعَلَهَا خِلَافَ الْمُطَلَّقَةِ وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهَا عِدَّةً كَالْمُطَلَّقَةِ وَقَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ قَالَ: وَلَيْسَ عَلَى الْمُخْتَلِعَةِ عِدَّةٌ وَإِنَّمَا عَلَيْهَا الِاسْتِبْرَاءُ بِحَيْضَةٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَا اخْتِلَافٍ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ اخْتِلَافٌ فَلَمَّا جَاءَ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ لَمْ يَقُلْ بِغَيْرِهِ وَلَا سِيَّمَا وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُهُ فَأَمَّا عَنْ غَيْرِهِمْ فَكَثِيرٌ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْد اللَّهِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالزُّهْرِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، ومَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ أَنَّهُ أَوْجَبَ أَنَّ الْمُخْتَلِعَةَ أَمْلَكُ بِنَفْسِهَا لَا تَتَزَوَّجُ إِلَّا بِرِضَاهَا وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُطَلَّقْ إِلَّا وَاحِدَةً، وَفِيهِ أَنَّهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى وَأَنَّهُمَا لَا يَتَوَارَثَانِ، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةٍ وَفِيهِ أَنَّهَا لَا تُنْكَحُ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً

стр. 189

وَفِيهِ أَنَّ عَبْد اللَّهِ بْنَ عُمَرَ خَبَّرَ أَنَّ عُثْمَانَ خَيْرٌ وَأَعْلَمُ مِنْ كُلِّ مَنْ وُلِّيَ عَلَيْهِ

стр. 190

وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَحَدَّثْنَاهُ، أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِي، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُسٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، «جَمَعَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ بَعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَتَيْنِ وَخَالَعَهَا» وَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ خَارِجٌ عَنِ الْإِجْمَاعِ وَالْمَعْقُولِ وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِذَا كَانَ كَذَا فَوَقَعَتِ الصِّفَةُ طُلِّقَتْ بِإِجْمَاعٍ فَكَيْفَ يَكُونُ إِذَا أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا وَطَلَّقَ بِصِفَةٍ لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ فَهَذَا مُحَالٌ فِي الْمَعْقُولِ، وَطَاوُسٌ وَإِنْ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا فَعِنْدَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنَاكِيرُ يُخَالَفُ عَلَيْهَا وَلَا يَقْبَلُهَا أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْهَا أَنَّهُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِنَّمَا يَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ وَلَا يُعْرَفُ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا مِنْ رِوَايَتِهِ وَالصَّحِيحُ عَنْهُ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵄ أَنَّهَا ثَلَاثٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] أَيِ الثَّالِثَةُ فَأَمَّا الْعِلَّةُ الَّتِي رُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُخْتَلِعَةِ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: وَقَعَ الْخُلْعُ بَيْنَ طَلَاقَيْنِ، قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ثُمَّ ذَكَرَ الْمُخْتَلِعَةَ فَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] ⦗٢٣١⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ قَوْلَهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] كَلَامٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ ثُمَّ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا فَكَانَ هَذَا حُكْمًا مُسْتَأْنَفًا ثُمَّ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] فَرَجَعَ إِلَى الْأَوَّلِ وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمْ تَكُنِ الْمُخْتَلِعَةُ إِلَّا مَنْ طُلِّقَتْ تَطْلِيقَتَيْنِ فَهَذَا مَا لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ وَمَثَلُ هَذَا فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ﴾ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا بَيِّنٌ فِي النَّحْوِ وَفِي الْآيَةِ مِنَ اللُّغَةِ وَقَدْ ذَكَرَهُ مَالِكٌ ﵀ نَصًّا فَقَالَ الْمُخْتَلِعَةُ الَّتِي اخْتَلَعَتْ مِنْ كُلِّ مَالِهَا وَالْمُفْتَدِيَةُ الَّتِي افْتَدَتْ بِبَعْضِ مَالِهَا وَالْمُبَارِئَةُ الَّتِي بَارَأَتْ زَوْجَهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَقَالَتْ: قَدْ أَبْرَأْتُكَ فَبَارِئْنِي قَالَ: وَكُلُّ هَذَا سَوَاءٌ وَهَذَا صَحِيحٌ فِي اللُّغَةِ وَقَدْ يَدْخُلُ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ فَيُقَالُ مُخْتَلِعَةٌ وَإِنْ دَفَعَتْ بَعْضَ مَالِهَا فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ نَفْسَهَا مِنْ زَوْجِهَا وَكَذَا الْمُفْتَدِيَةُ وَإِنِ افْتَدَتْ بِكُلِّ مَالِهَا ⦗٢٣٢⦘ فَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَخْتَلِعَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَاقَ إِلَيْهَا مِنَ الصَّدَاقِ فَشَيْءٌ لَا تُوجِبُهُ الْآيَةُ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَلَيْسَ فِي التِّلَاوَةِ ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] مِنْ ذَلِكَ وَلَا مِنْهُ فَيَصِحُّ مَا قَالُوا عَلَى أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ «لَا يَجُوزُ الْخُلْعُ إِلَّا بِأَقَلَّ مِنَ الصَّدَاقِ» وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ «مَنْ أَخَذَ الصَّدَاقَ كُلَّهُ فَلَمْ يُسَرِّحْ بِإِحْسَانٍ» وَقَدْ أُدْخِلَتِ الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ قَالَ ذَلِكَ مَالِكُ بْنَ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ

стр. 191

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِلْعُلَمَاءِ أَقْوَالٌ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هِيَ مَنْسُوخَةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهَا مُحْكَمَةٌ وَالَّذِينَ قَالُوا إِنَّهَا مُحْكَمَةٌ لَهُمْ فِيهَا سِتَّةُ أَجْوِبَةٍ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أَلَّا يُضَارَّ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْوَارِثُ عَصَبَةُ الْأَبِ عَلَيْهِمُ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَلَى وَارِثِ الْمُرْضِعِ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ وَعَلَى الْوَارِثِ أَيِ الصَّبِيِّ نَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْوَارِثُ الْبَاقِي مِنَ الْأَبَوَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْوَارِثُ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَنَحْنُ نَنْسُبُ هَذِهِ الْأَقْوَالَ إِلَى قَائِلِيهَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَنَشْرَحُهَا لِتَكْمُلَ الْفَائِدَةُ فِي ذَلِكَ حَكَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ فِي الْأَسَدِيَّةِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ نَفَقَةُ أَخٍ وَلَا ذِي قَرَابَةٍ وَلَا ذِي رَحِمٍ مِنْهُ قَالَ: وَقَوْلُ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] هُوَ مَنْسُوخٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هَذَا لَفْظُ مَالِكٍ ﵀ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا النَّاسِخُ لَهَا وَلَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ

стр. 192

وَمَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالشَّعْبِيِّ أَنَّ الْمَعْنَى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أَنْ لَا يُضَارُّ والَّذِينَ قَالُوا عَلَى وَارِثِ الْأَبِ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَالْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ

стр. 193

كَمَا قُرِئَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ يوسُفَ بْنِ مُوسَى، قَالَ حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ عُمَرَ، «أَجْبَرَ بَنِي عَمٍّ عَلَى مَنْفُوسٍ» وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ وَقَالَ الْحَسَنُ «إِذَا خَلَّفَ أُمَّهُ وَعَمَّهُ الْأُمُّ مُوسِرَةٌ وَالْعَمُّ مُعْسِرٌ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْعَمِّ» ⦗٢٣٥⦘ وَالَّذِينَ قَالُوا: وَعَلَى وَارِثِ الْمَوْلُودِ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: إِذَا خَلَّفَ أُمًّا وَعَمًّا فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمَا وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَقَالَ قَتَادَةُ «عَلَى وَارِثِ الصَّبِيِّ عَلَى قَدْرَ مِيرَاثِهِمْ» وَقَالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ الْوَارِثُ الصَّبِيُّ

стр. 194

كَمَا قُرِئَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ يوسُفَ بْنِ مُوسَى، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ، قَالَ أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ، قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] قَالَ: «الْوَارِثُ الصَّبِيُّ» وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: «إِذَا كَانَ لِلصَّبِيِّ أُمٌّ وَعَمٌّ أَجْبَرْتُ الْأُمَّ عَلَى رَضَاعَةٍ وَلَمْ يُطَالِبِ الْعَمَّ بِشَيْءٍ» وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا عَلَى كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ

стр. 195

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذِهِ جَمِيعُ الْأَقْوَالِ الَّتِي وَصَفْنَاهَا مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ، فَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ فَلَمْ يُبَيِّنُهُ وَلَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ بَيَّنَ ذَلِكَ وَالَّذِي يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ لَهَا عِنْدَهُ وَاللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: أَعْلَمُ أَنَّهُ لَمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ ﵎ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا مِنْ مَالِ الْمُتَوَفَّى نَفَقَةَ حَوْلٍ وَالسُّكْنَى ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ وَرَفَعَهُ نُسِخَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنِ الْوَارِثِ، وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أَنْ لَا يُضَارَّ فَقَوْلٌ حَسَنٌ لِأَنَّ أَمْوَالَ النَّاسِ مَحْظُورَةٌ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ، وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ عَلَى وَرَثَةِ الْأَبِ فَالْحُجَّةُ لَهُ أَنَّ النَّفَقَةَ كَانَتْ عَلَى الْأَبِ فَوَرَثَتُهُ أَوْلَى مِنْ وَرَثَةِ الِابْنِ

стр. 196

وَأَمَّا حُجَّةُ مَنْ قَالَ عَلَى وَرَثَةِ الِابْنِ فَيَقُولُ: كَمَا يَرِثُونَهُ يَقُومُونَ بِهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ يَخْتَارُ قَوْلَ مَنْ قَالَ الْوَارِثُ هَاهُنَا الِابْنُ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ قَوْلًا غَرِيبًا فَالْإِسْنَادُ بِهِ صَحِيحٌ وَالْحُجَّةُ بِهِ ظَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّ مَالَهُ أَوْلَى بِهِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ إِلَّا مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ أَنَّ رَجُلًا لَوْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ طِفْلٌ وَلِلْوَلَدِ مَالٌ وَالْأَبُّ مُوسِرٌ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْأَبِ نَفَقَةٌ وَلَا رَضَاعٌ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ فَإِنْ قِيلَ قَدْ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] قِيلَ هَذَا الضَّمِيرُ لِلْمُؤَنَّثِ وَمَعَ هَذَا فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ حِذًا لِلْآيَةِ مُبَيِّنٌ لَهَا لَا يَسَعُ مُسْلِمًا الْخُرُوجُ عَنْهُ وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنَ الْأَبَوَيْنِ فَحُجَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْأُمِّ تَضْيِيعُ وَلَدِهَا وَقَدْ مَاتَ مَنْ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهَا وَعَلَيْهِ وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ عَلَى كُلِّ ذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ فَحُجَّتُهُ أَنَّ عَلَىَ الرَّجُلِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى كُلِّ ذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ إِذَا كَانَ فَقِيرًا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ عُورِضَ هَذَا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ وَلَا مِنْ إِجْمَاعٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ بَلْ لَا يُعْرَفُ مِنْ قَوْلٍ سِوَى مَنْ ذَكَرْنَاهُ، فَأَمَّا الْقُرْآنُ فَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَتَكَلَّمَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ فِيهِ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَإِنْ كَانَ عَلَى الْوَارِثِ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ فَقَدْ خَالَفُوا ذَلِكَ، فَقَالُوا: إِذَا تَرَكَ خَالَهُ وَابْنَ عَمِّهِ فَالنَّفَقَةُ عَلَى خَالِهِ وَلَيْسَ عَلَى ابْنِ عَمِّهِ شَيْءٌ فَهَذَا مُخَالَفَةُ نَصِّ الْقُرْآنِ لِأَنَّ الْخَالَ لَا يَرِثُ مَعَ ابْنِ

стр. 197

الْعَمِّ فِي قَوْلِ أَحَدٍ وَلَا يَرِثُ وَحْدَهُ فِي قَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَالَّذِي احْتَجُّوا بِهِ مِنَ النَّفَقَةِ عَلَى كُلِّ ذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِهِ وَأَمَّا الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ فَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِيهَا فَقَالَ أَكْثَرَهُمْ: هِيَ نَاسِخَةٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهَا مَا نُسِخَ

стр. 198

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ وَالْعِشْرِينَ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] الْآيَةَ، أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] لَأَنَّ النَّاسَ أَقَامُوا بُرْهَةً مِنَ الْإِسْلَامِ إِذَا تُوُفِّيَ الرَّجُلُ، وَخَلَّفَ امْرَأَتَهُ حَامِلًا أَوْصَى لَهَا زَوْجُهَا بِنَفَقَةِ سَنَةٍ وَبِالسُّكْنَى مَا لَمْ تَخْرُجْ فَتَتَزَوَّجُ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ وَبِالْمِيرَاثِ وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ قَالُوا هَذَا الْقَوْلَ قَالَ بَعْضُهُمْ نُسِخَ مِنَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَالْعَشْرِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ، فَانْقِضَاءُ عِدَّتِهَا إِذَا وَلَدَتْ وَقَالَ قَوْمٌ: آخِرَ الْأَجَلَيْنِ وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ عَامٌّ بِمَعْنَى الْخَاصِّ أَيْ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] لَسْنَ حَوَامِلَ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَقَالَ قَوْمٌ لَيْسَ فِي هَذَا نَسْخٌ وَإِنَّمَا هُوَ نُقْصَانٌ مِنَ الْحَوْلِ وَقَالَ قَوْمٌ هُمَا مُحْكَمَتَانِ وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهَا مَنْهِيَّةٌ عَنِ الْمَبِيتِ فِي غَيْرِ مَنْزِلِ زَوْجِهَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَنَحْنُ نَشْرَحُ هَذِهِ الْأَقْوَالَ وَنَذْكُرُ قَائِلِي مَنْ نَعْرِفُ مِنْهُمْ

стр. 199

فَمِمَّنْ قَالَ: إِنَّ الْآيَةَ نَاسِخَةٌ وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ حَتَى قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ: لَمْ أُثْبِتْ فِي الْمُصْحَفِ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] وَقَدْ نَسَخَتْهَا ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي إِنِّي لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا عَنْ مَكَانِهِ فَبَيَّنَ عُثْمَانُ ﵁ أَنَّهُ إِنَّمَا أَثْبَتَ فِي الْمُصْحَفِ مَا أَخَذَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﵇ عَنْ جِبْرِيلَ عَلَى ذَلِكَ التَّأْلِيفِ لَمْ يُغَيِّرْ مِنْهُ شَيْئًا

стр. 200

وَأَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] قَالَ: " نَسَخَهَا ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] قَالَ ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠] غَيْرَ إِخْرَاجٍ نَسَخَتْهَا الرُّبُعُ أَوِ الثُّمُنُ وَنَسَخَ الْحَوْلُ الْعِدَّةَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ "

стр. 201

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَحَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَقَوْلُهُ : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمُ﴾ [البقرة: ٢٤٠] الْآيَةَ " كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا مَاتَ زَوْجُهَا وَتَرَكَهَا اعْتَدَّتْ مِنْهُ سَنَةً وَيُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] ⦗٢٤١⦘ إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا فَانْقِضَاءُ عِدَّتِهَا أَنْ تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا، وَنَزَلَ ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢] فَبَيَّنَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ الْمِيرَاثَ وَتَرَكَ النَّفَقَةَ وَالْوَصِيَّةَ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ عَامٌّ بِمَعْنَى الْخَاصِّ فَقَوْلٌ حَسَنٌ لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ بِالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَسَنَذْكُرُ ذَيْنِكَ وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ نُسِخَ مِنْهَا الْحَوَامِلُ فَيُحْتَجُّ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ شَاءَ لَاعَنْتُهُ أَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الْقُصْرَى نَزَلَتْ بَعْدَ الطُّولَى يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] نَزَلَتْ بَعْدَ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَعِنِّي أَنَّ ﴿وَأُولَاتِ الْأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤] نَاسِخَةٌ لِلَّتِي فِي الْبَقَرَةِ أَوْ مُبَيِّنَةٌ لَهَا قَوْلَ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ فَمِنْهُمْ عُمَرُ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ وأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ ⦗٢٤٢⦘ وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ آخِرَ الْأَجَلَيْنِ فَحُجَّتُهُ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ بِلَا اخْتِلَافٍ عَنْهُُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّحَابَةِ فِيهِ مُنَازَعَةٌ شَدِيدَةٌ مِنْ أَجْلِ الْخِلَافِ فِيهِ

стр. 202

كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِي، قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقِ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ مَعْقِلٍ، قَالَ: " شَهِدْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، ﵁ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تُوُفِّيَ وَامْرَأَتُهُ حَامِلٌ فَقَالَ: تَعْتَدُّ آخِرَ الْأَجَلَيْنِ فَقِيلَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ أَبَا مَسْعُودٍ الْبَدْرِيَّ يَقُولُ لِتَبْتَغِ لِنَفْسِهَا فَقَالَ: إِنَّ فَرُّوخًا لَا يَعْلَمُ شَيْئًا فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا مَسْعُودٍ فَقَالَ: بَلَى وَأَنَا أَعْلَمُ " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَمِمَّنْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ تَعْتَدُّ آخِرَ الْأَجَلَيْنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ قَالَ بِغَيْرِ هَذَا مِنَ الصَّحَابَةِ حَتَّى قَالَ عُمَرُ ⦗٢٤٣⦘: إِنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا وَزَوْجُهَا عَلَى السَّرِيرِ حَلَّتْ وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ لَا تَحِلُّ حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ثُمَّ جَاءَ التَّوْقِيفُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّهَا تَحِلُّ إِذَا تُوُفِّيَ زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ ثُمَّ وَلَدَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْهُ

стр. 203

كَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يوسُفَ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، وأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سُئِلَا عَنِ الْمَرْأَةِ يُتُوُفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «آخِرَ الْأَجَلَيْنِ» وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: «إِذَا وَلَدَتْ فَقَدْ حَلَّتْ» فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ " أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي. يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ فَأَرْسَلُوا كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ وَلَدَتْ سُبَيْعَةُ الْأَسْلَمِيَّةُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ ⦗٢٤٤⦘ لِرَسُولِ ﷺ اللَّهِ فَقَالَ: «قَدْ حَلَلْتِ» . وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ: «لَا تَتَزَوَّجُ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ دَمِ النِّفَاسِ» وَكَذَا قَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِذَا قَالَ الرَّسُولُ ﷺ شَيْئًا لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلٍ غَيْرِهِ وَلَا سِيَّمَا وَنَصُّ الْقُرْآنِ ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وَقَدْ أَجْمَعَ الْجَمِيعُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَهُمْ أَنَّ رَجُلًا لَوْ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ امْرَأَتَهُ حَامِلًا فَانْقَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ حَتَّى تَلِدَ فَعُلِمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْوِلَادَةُ وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: لَيْسَ فِي هَذَا نَسْخٌ وَإِنَّمَا هُوَ نُقْصَانٌ مِنَ الْحَوْلِ فَحُجَّتُهُ أَنَّ هَذَا مِثْلُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ لِمَا نَقَصَتْ مِنَ الْأَرْبَعِ إِلَى اثْنَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ هَذَا نَسْخًا وَهَذَا غَلَطٌ بَيِّنٌ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ حُكْمُهَا أَنْ تَعْتَدَّ سَنَةً إِذَا لَمْ تَخْرُجْ فَإِنْ خَرَجَتْ لَمْ تَمْنَعْ ثُمَّ أُزِيلَ هَذَا وَلَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ فَهَذَا هُوَ النَّسْخُ وَلَيْسَ صَلَاةُ الْمُسَافِرِ مِنْ هَذَا فِي شَيْءٍ ⦗٢٤٥⦘ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ الْمُسَافِرِ بِحَالِهَا، وَهَكَذَا يَقُولُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِنَّ فَرْضَ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ عُورِضُوا فِي هَذَا بِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ تَتِمُّ فِي السَّفَرِ فَكَيْفَ تَتِمُّ فِي السَّفَرِ وَهِيَ تَقُولُ فَرْضُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ فَهَذَا مُتَنَاقِضٌ فَأَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُتَنَاقِضٍ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْهَا مَا ذَكَرْنَاهُ وَهِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَحَيْثُ حَلَّتْ فَهِيَ مَعَ أَوْلَادِهَا فَلَيْسَتْ بِمُسَافِرَةٍ وَحُكْمُهَا حُكْمُ مَنْ كَانَ حَاضِرًا فَلِذَلِكَ كَانَتْ تَتِمُّ الصَّلَاةُ إِنْ صَحَّ عَنْهَا الْإِتْمَامُ، وَمِمَّا يَدُلُّكُ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ

стр. 204

إِنَّ بَكْرَ بْنَ سَهْلٍ حَدَّثَنَا، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يوسُفَ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ قَالَتْ زَيْنَبُ: «دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا ⦗٢٤٦⦘ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ، بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا ثُمَّ قَالَتْ وَاللَّهِ مَالِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ» لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا "

стр. 205

قَالَتْ زَيْنَبُ: " وَدَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ ثُمَّ قَالَتْ: أَمَا وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»

стр. 206

قَالَتْ زَيْنَبُ وَسَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ، تَقُولُ: " جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا قَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا أَفَأَكْحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا» مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: «لَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ» قَالَ حُمَيْدٌ: فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ قَالَ ⦗٢٤٧⦘ حُمَيْدٌ: فَقَالَتْ زَيْنَبُ: «كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا وَلَمْ تَمَسَّ طَيِّبًا وَلَا شَيْئًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَائِرٍ فَتَفْتَضُّ بِهِ فَقَلَّ مَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلَّا مَاتَ ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً فَتَرْمِي بِهَا ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ» وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ وَالْمَعَانِي وَاللُّغَةِ شَيْءٌ كَثِيرٌ فَمِنْ ذَلِكَ إِيجَابُ الْإِحْدَادِ وَالِامْتِنَاعِ مِنَ الزِّينَةِ وَالْكُحْلِ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا عَلَى خِلَافِ مَا رَوَى إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالزِّينَةِ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَلَا يَرَى الْإِحْدَادَ شَيْئًا وَفِيهِ قَوْلُهُ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ» فَأَوْجَبَ هَذَا عَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ بَالِغَةٍ كَانَتْ أَوْ غَيْرَ بَالِغَةٍ مَدْخُولًا بِهَا أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا أَمَةً كَانَتْ تَحْتَ حُرٍّ أَوْ حُرَّةٍ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ أَوْ مُطْلَقَةٍ وَاحِدَةٍ أَوِ اثْنَتَيْنِ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يُطَلَّقْ ⦗٢٤٨⦘ وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لَا إِحْدَادَ عَلَى الْمَبْتُوتَةِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَدَلَّ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ لَا إِحْدَادَ عَلَى كَافِرَةٍ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» وَدَلَّ أَيْضًا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا إِحْدَادَ عَلَى الْحَامِلِ لِذِكْرِهِ ﵇ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَأَمَّا مَعْنَى تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ فَقَالَ فِيهِ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْعُلَمَاءُ بِمَعَانِي الْعَرَبِ: إِنَّهُنَّ كُنَّ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ لِيُرِيَنَّ أَنَّ مُقَامُهُنَّ حَوْلًا أَهْوَنُ عَلَيْهِنَّ مِنْ تِلْكِ الْبَعْرَةِ الْمَرْمِيَّةِ وَفِيهِ مِنَ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ قَوْلُهُ تَفْتَضُّ وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْجُلَّةُ تَقْبِصُ وَقَالَ مَعْنَاهُ تَجْعَلُ أَصَابِعَهَا عَلَى الطَّائِرِ كَمَا قُرِئَ: فَقَبَصْتُ قَبْصَةً، فَخَالَفَهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ أَجْمَعُونَ فَقَالُوا: تَفْتَضُّ وَهُوَ عَلَى تَفْسِيرِ مَالِكٍ كَذَا يَجِبُ

стр. 207

كَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يوسُفَ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا، وَسُئِلَ مَا تَفْتَضُّ بِهِ قَالَ: «تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا»

стр. 208

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هَذَا مُشْتَقٌّ مِنَ انْفَضَّ الْقَوْمُ إِذَا تَفَرَّقُوا وَزَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] فَمَعْنَى تَفْتَضُّ بِهِ تَزُولُ بِهِ لِأَنَّهَا لَا تَزُولُ مِنْ مَكَانِهَا إِلَّا بِهَذَا فَقَدْ صَارَتْ تَفْتَضُّ بِهِ وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ الْآيَتَانِ مُحْكَمَتَانِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا

стр. 209

زَوْجُهَا أَلَّا تَبِيتَ إِلَّا فِي مَنْزِلِهَا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تُقِيمَ سَنَةً كَمَا فِي الْآيَةِ الْمَنْسُوخَةِ وَأَيْضًا فَلَيْسَ مُقَامُهَا فِي مَنْزِلِهَا إِجْمَاعًا بَلْ قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فَمَنْ قَالَ إِنَّ عَلَيْهَا الْمُقَامَ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وأُمُّ سَلَمَةَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ وَتَابَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فَقَالَ مَالِكٌ: «تَزُورُ وَتُقِيمُ بَعْدَ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَهْدَأَ النَّاسُ وَلَا تَبِيتُ إِلَّا فِي مَنْزِلِهَا» وَهَذَا قَوْلُ اللَّيْثِ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ «لَا تَخْرُجُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَلَا الْمَبْتُوتَةُ مِنْ مَنْزِلِهَا الْبَتَّةَ»

стр. 210

وَمِمَّنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا وَقَالَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ وَتَحُجَّ إِنْ شَاءَتْ وَلَا تُقِيمُ فِي مَنْزِلِهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَعَلَى هَذَا صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ أَخْرَجَ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ زَوْجَةَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَمَّا قُتِلَ عُمَرُ فَضَمَّهَا إِلَى مَنْزِلِهِ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ هَذَا

стр. 211

رَوَى الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لَيْسَ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَلَا عَلَى الْمَبْتُوتَةِ إِقَامَةٌ فِي بَيْتِهَا إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فَإِنَّمَا عَلَيْهَا الْعِدَّةَ وَلَيْسَ عَلَيْهَا مُقَامٌ وَلَا نَفَقَةَ لَهَا «وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إِقَامَةٌ عَائِشَةُ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَؤُلَاءِ أَرْبَعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ لَمْ يُوجِبُوا الْإِقَامَةَ وَمِنْهُمْ مَنِ احْتَجَّ بِالْآيَةِ وَالْحُجَّةِ لِمُخَالِفِهِمْ قَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ فَعَلَيْهِنَّ أَنْ يَحْبِسْنَ أَنْفُسَهُنَّ عَنْ كُلِّ الْأَشْيَاءِ إِلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ وَمِنَ الْحُجَّةِ أَيْضًا تَوْقِيفُ الرَّسُولِ ﷺ وَقَوْلُهُ لِلْفَرِيعَةِ حِينَ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا» أَقِيمِي فِي مَنْزِلِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ " وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إِنَّ قَوْلَهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] مَنْسُوخٌ بِالْحَدِيثِ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وَأَكْثَرُ

стр. 212

الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي النَّفَقَةِ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى فَمِنَ الصَّحَابَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَجَابِرٌ وَمِنَ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنُ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمِمَّنْ دُونَهُمْ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وزُفَرُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ. وَمِمَّنْ قَالَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ النَّفَقَةُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ وَخِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ وأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ: «لَوْ كُنْتُ فَاعِلًا لَجَعَلْتُهَا مِنْ مَالِ ذِي بَطْنِهَا»

стр. 213

وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ لَا نَفَقَةَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لِمَنْ كَانَتْ تَجِبُ لَهُ النَّفَقَةُ عَلَى الرَّجُلِ قَبْلَ مَوْتِهِ مِنْ أَطْفَالِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَآبَائِهِ الَّذِينَ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ بِإِجْمَاعٍ إِذَا كَانُوا زَمْنَى فُقَرَاءَ فَكَذَا تَجِبُ أَيْضًا فِي الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْآيَةِ السَّادِسَةِ وَالْعِشْرِينَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هِيَ مُحْكَمَةٌ وَاجِبَةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هِيَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ قَدْ أُخْرِجَ مِنْهَا شَيْءٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هِيَ مَنْسُوخَةٌ

стр. 214

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ السَّادِسَةِ وَالْعِشْرِينَ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] فَمِمَّنْ قَالَ بِظَاهِرِ الْآيَةِ وَأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُطَلِّقٌ الْمُتْعَةُ لِلْمُطَلَّقَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] مِنَ الصَّحَابَةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَمِنَ التَّابِعِينَ الْحَسَنُ قَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ مَدْخُولٍ بِهَا أَوْ غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا مَفْرُوضٍ لَهَا أَوْ غَيْرِ مَفْرُوضٍ لَهَا، وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ

стр. 215

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَحَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ» وَأَمَّا مَنْ قَالَ قَدْ أُخْرِجَ مِنْهَا شَيْءٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ
следующие страницы →