Полный текст (735 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
رَوَى الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لَيْسَ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَلَا عَلَى الْمَبْتُوتَةِ إِقَامَةٌ فِي بَيْتِهَا إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فَإِنَّمَا عَلَيْهَا الْعِدَّةَ وَلَيْسَ عَلَيْهَا مُقَامٌ وَلَا نَفَقَةَ لَهَا «وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إِقَامَةٌ عَائِشَةُ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَؤُلَاءِ أَرْبَعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ لَمْ يُوجِبُوا الْإِقَامَةَ وَمِنْهُمْ مَنِ احْتَجَّ بِالْآيَةِ وَالْحُجَّةِ لِمُخَالِفِهِمْ قَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ فَعَلَيْهِنَّ أَنْ يَحْبِسْنَ أَنْفُسَهُنَّ عَنْ كُلِّ الْأَشْيَاءِ إِلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ وَمِنَ الْحُجَّةِ أَيْضًا تَوْقِيفُ الرَّسُولِ ﷺ وَقَوْلُهُ لِلْفَرِيعَةِ حِينَ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا» أَقِيمِي فِي مَنْزِلِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ " وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إِنَّ قَوْلَهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] مَنْسُوخٌ بِالْحَدِيثِ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وَأَكْثَرُ
стр. 212
الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي النَّفَقَةِ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى فَمِنَ الصَّحَابَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَجَابِرٌ وَمِنَ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنُ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمِمَّنْ دُونَهُمْ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وزُفَرُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ. وَمِمَّنْ قَالَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ النَّفَقَةُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ وَخِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ وأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ: «لَوْ كُنْتُ فَاعِلًا لَجَعَلْتُهَا مِنْ مَالِ ذِي بَطْنِهَا»
стр. 213
وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ لَا نَفَقَةَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لِمَنْ كَانَتْ تَجِبُ لَهُ النَّفَقَةُ عَلَى الرَّجُلِ قَبْلَ مَوْتِهِ مِنْ أَطْفَالِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَآبَائِهِ الَّذِينَ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ بِإِجْمَاعٍ إِذَا كَانُوا زَمْنَى فُقَرَاءَ فَكَذَا تَجِبُ أَيْضًا فِي الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْآيَةِ السَّادِسَةِ وَالْعِشْرِينَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هِيَ مُحْكَمَةٌ وَاجِبَةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هِيَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ قَدْ أُخْرِجَ مِنْهَا شَيْءٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هِيَ مَنْسُوخَةٌ
стр. 214
بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ السَّادِسَةِ وَالْعِشْرِينَ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] فَمِمَّنْ قَالَ بِظَاهِرِ الْآيَةِ وَأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُطَلِّقٌ الْمُتْعَةُ لِلْمُطَلَّقَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] مِنَ الصَّحَابَةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَمِنَ التَّابِعِينَ الْحَسَنُ قَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ مَدْخُولٍ بِهَا أَوْ غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا مَفْرُوضٍ لَهَا أَوْ غَيْرِ مَفْرُوضٍ لَهَا، وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ
стр. 215
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَحَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ» وَأَمَّا مَنْ قَالَ قَدْ أُخْرِجَ مِنْهَا شَيْءٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ
стр. 216
كَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «لِكُلِّ مُطْلَقَةٍ مَتَاعٌ إِلَّا الَّتِي لَمْ يُسَمَّ لَهَا صَدَاقٌ وَلَمْ تُمَسَّ فَحَسْبُهَا نِصْفُ مَا فُرِضَ لَهَا» ⦗٢٥٥⦘ وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى النَّدْبِ لَا عَلَى الْحَتْمِ وَالْإِيجَابِ فَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ قَالَ: «مَتِّعْ إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ أَلَا تُحِبُّ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ» فَهَذَا قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ لَا يُجْبِرُ عَلَى الْمُتْعَةِ لِامْرَأَةٍ مِنَ الْمُطَلَّقَاتِ كُلِّهِنَّ، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَهُوَ يَرْوَى عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يُجْبِرُ عَلَى الْمُتْعَةِ إِلَّا أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَا يُسَمِّي لَهَا صَدَاقًا فَيُطَلِّقُهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فَإِنَّهُ يُجْبَرَ عَلَى تَمْتِيعِهَا وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ بِالنَّسْخِ فِيهَا فَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ
стр. 217
كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِي، قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْكُوفِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: «كَانَتِ الْمُتْعَةُ وَاجِبَةً لِمَنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا مِنَ النِّسَاءِ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ ثُمَّ نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ» ⦗٢٥٦⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] فَهَذَا إِيجَابُ الْمُتْعَةِ، وَالنَّاسِخَةُ لَهَا عِنْدَهُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الْآيَةَ وَهَذَا لَا يَجِبُ فِيهِ نَاسِخٌ وَلَا مَنْسُوخٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ لَا تُمَتِّعُوهُنَّ وَلَكِنَّ الْقَوْلَ الصَّحِيحَ الْبَيِّنَ أَنَّهُ اجْتَزِئَ بِذِكْرِ الْمُتْعَةِ ثَمَّ فَلَمْ تَذْكُرْهَا هُنَا وَلَا سِيَّمَا وَبَعْدَهُ ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]
⦗٢٥٧⦘ فَهَذَا أَوْكَدُ مِنْ مَتِّعُوهُنَّ؛ لِأَنَّ مَتِّعُوهُنَّ قَدْ يَقَعُ عَلَى النَّدْبِ وَذِكْرُهُ التَّمْتِيعَ فِي الْقُرْآنِ مُؤَكِّدٌ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وَكَذَا ظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَمَنْ ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ: إِنَّ عَلَىَ كُلِّ مُطَلِّقٍ مُتْعَةً إِذَا كَانَ الطَّلَاقُ مِنْ قِبَلِهِ فَأَمَّا تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً فَفِيهِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «الْفَرِيضَةُ الصَّدَاقُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: الْفَرْضُ فِي اللُّغَةِ الْإِيجَابُ وَمِنْهُ فَرَضَ الْحَاكِمُ عَلَى فُلَانٍ كَذَا كَمَا قَالَ:
[البحر الكامل]
كَانَتْ فَرِيضَةً مَا تَقُولُ كَمَا ... كَانَ الزِّنَاءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ
وَقَدِ احْتَجَّ قَوْمٌ فِي أَنَّ التَّمْتِيعَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِقَوْلِ اللَّهِ ﵎ ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وَكَذَا ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] وَهَذَا لَا يَلْزَمُ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْمُحْسِنِينَ فَهُوَ عَلَى غَيْرِهِمْ أَوْجَبُ وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّاسَ جَمِيعًا مَأْمُورُونَ بِأَنْ يَكُونُوا مُحْسِنِينَ مُتَّقِينَ لِأَنَّ مَعْنَى يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُحْسِنًا يَجِبُ أَنْ تُحْسِنَ إِلَى نَفْسِكَ بِأَنْ تُؤَدِّيَ فَرَائِضَ اللَّهِ جَلّ وَعَزَّ وَتَجْتَنِبَ مَعَاصِيَهُ فَتَكُونُ مُحْسِنًا إِلَى نَفْسِكَ حَتَّى لَا تَدْخُلَ النَّارَ وَيَجِبُ أَنْ تَتَّقِيَ اللَّهَ بِتَرْكِ مَعَاصِيهِ وَالِانْتِهَاءِ إِلَى مَا كَلَّفَكَهُ مِنْ فَرَائِضِهِ فَوَجَبَ عَلَى الْخَلْقِ أَنْ يَكُونُوا مُحْسِنِينَ مُتَّقِينَ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْآيَةِ السَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ مَنْسُوخَةٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ مَخْصُوصَةٌ
стр. 218
بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ السَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ قَالَ جَلّ وَعَزَّ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَكْرَهَ الْعَرَبَ عَلَى دَيْنِ الْإِسْلَامِ وَقَاتَلَهُمْ وَلَمْ يَرْضَ مِنْهُمْ إِلَّا بِالْإِسْلَامِ فَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى قَالَ: نَسَخَهَا ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَلَا يُقَاتِلُ أَحَدًا فَأَبَى الْمُشْرِكُونَ إِلَّا قِتَالَهُ فَاسْتَأْذَنَ اللَّهَ فِي قِتَالِهِمْ فَأَذِنَ لَهُ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً وَلَكِنْ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يُكْرَهُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ إِذَا أَدَّوْا الْجِزْيَةَ وَالَّذِينَ يُكْرَهُونَ أَهْلُ الْأَوْثَانِ فَهُمُ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة
стр. 219
: ٧٣] وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ لِهَذَا الْقَوْلِ
стр. 220
مَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، ﵁ يَقُولُ لِعَجُوزٍ نَصْرَانِيَّةٍ: " أَسْلِمِي أَيَّتُهَا الْعَجُوزُ تَسْلَمِي، إِنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَزَّ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ، فَقَالَتِ: أَنَا عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ وَأَمُوتُ إِلَى قَرِيبٍ، فَقَالَ عُمَرُ اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثُمَّ تَلَا ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] " وَمِمَّنْ قَالَ إِنَّهَا مَخْصُوصَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ
стр. 221
كَمَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، فِي حَدِيثِهِ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا إِنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ أَنْ تُهَوِّدَهُ فَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ كَانَ فِيهِمْ مِنْ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: لَا نَدَعُ أَبْنَاءَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلّ وَعَزَّ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] " قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَوْلَى الْأَقْوَالِ لِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ وَأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُؤْخَذُ بِالرَّأْيِ فَلَمَّا خَبَّرَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي هَذَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَوْلَى الْأَقْوَالُ وَأَنْ تَكُونَ الْآيَةُ مَخْصُوصَةً نَزَلَتْ فِي هَذَا، وَحُكْمُ أَهْلِ الْكِتَابِ كَحُكْمِهِمْ ⦗٢٦٠⦘ فَأَمَّا دُخُولُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي الدِّينِ فَلِلتَّعْرِيفِ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا إِكْرَاهَ فِي الْإِسْلَامِ وَفِي ذَلِكَ قَوْلُ آخِرَ يَكُونُ التَّقْدِيرُ لَا إِكْرَاهَ فِي دَيْنِ الْإِسْلَامِ وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ عِوَضٌ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مِثْلَ ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج: ٢٠] أَيْ وَجُلُودُهُمْ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِي الْآيَةِ الثَّامِنَةِ وَالْعِشْرِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ نَاسِخَةٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ نَزَلَتْ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ غَيْرَ نَاسِخَةٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ عَامَّةٌ
стр. 222
بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الثَّامِنَةِ وَالْعِشْرِينَ قَالَ جَلّ وَعَزَّ ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فَمَنْ قَالَ إِنَّهَا نَاسِخَةٌ احْتَجَّ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ كَانَ إِذَا أَعْسَرَ مِنْ دَيْنٍ عَلَيْهِ بِيعَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْمَدِينُ دَيْنَهُ مِنْهُ فَنَسَخَ اللَّهُ جَلّ وَعَزَّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وَيَدُلُّكَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ
стр. 223
أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِي حَدَّثَنَا، قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوِحَاظِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ، قَالَ: " كُنْتُ بِمِصْرَ فَقَالَ لِي رَجُلٌ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ بَلَى فَأَشَارَ إِلَى رَجُلٍ فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ مَنْ ⦗٢٦٢⦘ أَنْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: أَنَا سُرَّقٌ فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ وَأَنْتَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمَّانِي سُرَّقًا فَلَنْ أَدَعْ ذَلِكَ أَبَدًا قُلْتُ: وَلِمَ سَمَّاكَ سُرَّقًا؟ قَالَ لَقِيتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ بِبَعِيرَيْنِ لَهُ يَبِيعُهُمَا فَابْتَعْتُهُمَا مِنْهُ وَقُلْتُ انْطَلِقْ مَعِي حَتَّى أُعْطِيَكَ فَدَخَلْتُ بَيْتِي ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ خَلْفٍ خَرَجَ لِي وَقَضَيْتُ بِثَمَنِ الْبَعِيرَيْنِ حَاجَتِي وَتَغَيَّبْتُ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ الْأَعْرَابِيَّ قَدْ خَرَجَ فَخَرَجْتُ وَالْأَعْرَابِيُّ مُقِيمٌ فَأَخَذَنِي فَقَدَّمَنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ قُلْتُ قَضَيْتُ بِثَمَنِهَا حَاجَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «فَاقْضِهِ» قَالَ: قُلْتُ لَيْسَ عِنْدِي قَالَ: «أَنْتَ سُرَّقٌ، اذْهَبْ بِهِ يَا أَعْرَابِيُّ فَبِعْهُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ حَقَّكَ» قَالَ فَجَعَلَ النَّاسُ يَسُومُونَهُ بِي وَيَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ فَيَقُولُ مَا تُرِيدُونَ؟ فَيَقُولُونَ نُرِيدُ أَنْ نَبْتَاعَهُ مِنْكَ قَالَ، فَوَاللَّهِ إِنَّ مِنْكُمْ أَحَدًا أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنِّي اذْهَبْ فَقَدْ أَعْتَقْتُكَ " قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيْعُ الْحُرِّ فِي الدَّيْنِ وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ يُبَاعُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فِيمَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يَقْضِيهِ عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى نَسَخَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ذَلِكَ فَقَالَ ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا أنْزِلَتْ فِي الرِّبَا وَأَنَّهُ إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَقْضِيهِ إِيَّاهُ حُبِسَ أَبَدًا حَتَّى يُوَفِّيَهُ ⦗٢٦٣⦘ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ جَلّ وَعَزَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] هَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ
стр. 224
كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] قَالَ: " خَاصَمَ رَجُلٌ إِلَى شُرَيْحٍ فِي دَيْنٍ لَهُ فَقَالَ آخَرُ يُعَذِّرُ صَاحِبَهُ إِنَّهُ مُعْسِرٌ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فَقَالَ شُرَيْحٌ كَانَ هَذَا فِي الرِّبَا وَإِنَّمَا كَانَ فِي الْأَنْصَارِ وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] وَلَا يَأْمُرُنَا اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ بِشَيْءٍ ثُمَّ نُخَالِفُهُ احْبِسُوهُ إِلَى جَنْبِ السَّارِيَةِ حَتَّى يُوَفِّيَهُ" وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ عَامَّةٍ فِي جَمِيعِ النَّاسِ وَكُلُّ مَنْ أَعْسَرَ أُنْظِرَ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَسَنِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ ⦗٢٦٤⦘ وَعَارَضَ فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَشْيَاءَ مِنَ النَّظَرِ وَالنَّحْوِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي الرِّبَا قَالَ لِأَنَّ الرِّبَا قَدْ أُبْطِلَ فَكَيْفَ يُقَالُ فِيهِ ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وَاحْتَجَّ مِنَ النَّحْوِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الرِّبَا لَكَانَ وَإِنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَلَمَّا كَانَ فِي السَّوَادِ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ عُلِمَ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ مِنَ الْأَوَّلِ عَامٌّ لِكُلِّ مَنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ وَكَانَتْ كَانَ بِمَعْنَى وَقَعَ وَحَدَثٌ كَمَا قَالَ
[البحر الطويل]
فِدًى لِبَنِي ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ نَاقَتِي ... إِذَا كَانَ يَوْمٌ ذُو كَوَاكِبَ أَشْهَبُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الِاحْتِجَاجُ ظَاهِرُهُ حَسَنٌ فَإِذَا فَتَّشْتَ عَنْهُ لَمْ يَلْزَمْ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ الرِّبَا قَدْ أَبْطَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ قَدْ أَبْطَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى صَحِيحٌ إِنْ كَانَ يُرِيدُ أَلَّا يَعْمَلَ بِهِ وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالَكُمْ﴾ فَمَا الَّذِي يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْإِعْسَارُ فِي مِثْلِ هَذَا وَأَمَّا احْتِجَاجُهُ بِالنَّحْوِ فَلَا يَلْزَمُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ ذُو عُسْرَةٍ وَقَدْ حَكَى النَّحْوِيُّونَ الْمَرْءُ مَقْتُولٌ بِمَا قُتِلَ بِهِ إِنْ خِنْجَرٌ فَخِنْجَرٌ وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ فِيهِ غَيْرُ هَذَا وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي الْآيَةِ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالضَّحَّاكِ قَالَا: «هِيَ فِي ⦗٢٦٥⦘ الرِّبَا وَالدَّيْنِ فِي كُلِّهِ» فَهَذَا قَوْلٌ يَجْمَعُ الْأَقْوَالَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نَاسِخَةً عَامَّةً نَزَلَتْ فِي الرِّبَا ثُمَّ صَارَ حُكْمُ غَيْرِهِ كَحُكْمِهِ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ رَوَى يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ فِي الرِّبَا وَهَذَا تَوْقِيفٌ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ مِمَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ بِقِيَاسٍ وَلَا رَأْيٍ لِأَنَّهُ خَبَّرَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ فَأَمَّا ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فَجَعَلَهُ قَتَادَةُ عَلَى الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ، وَقَالَ السُّدِّي عَلَى الْمُعْسِرِ وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّهُ يَلِيهِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْآيَةِ التَّاسِعَةِ وَالْعِشْرِينَ فَجَاءَ الِاخْتِلَافُ فِيهَا عَنِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي
стр. 225
بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ التَّاسِعَةِ وَالْعِشْرِينَ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجْلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الْآيَةَ فَافْتَرَقَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَسَعُ مُؤْمِنًا إِذَا بَاعَ بَيْعًا إِلَى أَجَلٍ أَوِ اشْتَرَى إِلَّا أَنْ يَكْتُبَ كِتَابًا وَيُشْهِدَ إِذَا وَجَدَ كَاتِبًا وَلَا يَسَعُ مُؤْمِنًا إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا أَوْ بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يُشْهِدَ وَلَا يَكْتُبُ إِذَا لَمْ يَكُنْ إِلَى أَجَلٍ وَاحْتَجُّوا بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا عَلَى النَّدْبِ وَالْإِرْشَادِ لَا عَلَى الْحَتْمِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ مَنْسُوخٌ فَمِمَّنْ قَالَ هُوَ وَاجِبٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَمِنَ التَّابِعِينَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَأَبُو قِلَابَةَ، وَالضَّحَّاكُ، وجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَمُجَاهِدٌ وَمِنْ أَشَدِّهِمْ فِي ذَلِكَ عَطَاءٌ قَالَ: " أَشْهِدْ إِذَا بِعْتَ وَإِذَا اشْتَرَيْتَ بِدِرْهَمٍ أَوْ نِصْفِ دِرْهَمٍ أَوْ ثُلُثِ دِرْهَمٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] "
стр. 226
وَحَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُجَاشِعٍ، قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ حَدَّثَنَا شُجَاعٌ، قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «أَشْهِدْ إِذَا بِعْتَ وَإِذَا اشْتَرَيْتَ وَلَوْ دَسْتَجَةَ بَقْلٍ» وَمِمَّنْ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ إِذَا بَاعَ أَوِ اشْتَرَى إِلَّا أَنْ يُشْهِدْ وَإِلَّا كَانَ مُخَالِفًا كِتَابَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ وَكَذَا إِنْ كَانَ إِلَى أَجَلٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَ وَيُشْهِدَ إِنْ وَجَدَ كَاتِبًا وَاحْتَجَّ بِحُجَجٍ سَنَذْكُرُهَا فِي آخِرِ الْأَقْوَالِ فِي الْآيَةِ فَمِمَّنْ قَالَ إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ
стр. 227
كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِالْأَنْبَارِ، قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ دَيْسَمٍ الْخُرَاسَانِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ⦗٢٦٨⦘ سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، " أَنَّهُ تَلَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إِلَى ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، قَالَ: «نَسَخَتْ هَذِهِ مَا قَبْلَهَا» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالْحَكَمِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ وَمِمَّنْ قَالَ إِنَّهَا عَلَى النَّدْبِ وَالْإِرْشَادِ لَا عَلَى الْحَتْمِ الشَّعْبِيِّ وَيُحْكَى أَنَّ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وأَصْحَابِ الرَّأْي وَاحْتَجَّ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ فِي أَنَّهَا أَمْرٌ لَازِمٌ وَأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا إِلَى أَجَلٍ أَنْ يَكْتُبَ وَيُشْهِدَ وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ أَجَلٍ أَنْ يُشْهِدَ بِظَاهِرِ الْآيَةِ وَأَنَّهُ فَرْضٌ لَا يَسَعُ تَضْيِيعُهُ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ أَمَرَ بِهِ وَأَمْرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَازِمٌ لَا يُحْمَلُ عَلَى النَّدْبِ وَالْإِرْشَادِ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَا دَلِيلَ يَدُلُّ ⦗٢٦٩⦘ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا نَسْخًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى النَّاسِخِ أَنْ يَنْفِيَ حُكْمَ الْمَنْسُوخِ وَلَمْ تَأْتِ آيَةٌ فِيهَا لَا تَكْتُبُوا وَلَا تُشْهِدُوا فَيَكُونُ هَذَا نَاسِخًا وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ، لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ غَيْرَ ذَاكَ وَإِنَّمَا هَذَا حُكْمُ مَنْ لَمْ يَجِدْ كَاتِبًا أَوْ كِتَابًا قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] أَيْ فَلَمْ يُطَالِبْهُ بِرَهْنٍ فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ، قَالَ: وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ هَذَا نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] الْآيَةَ نَاسِخًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] الْآيَةَ وَلَجَازَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] نَاسِخًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذَا كَلَامٌ بَيِّنٌ غَيْرَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ الَّذِينَ تَدُورُ عَلَيْهِمُ الْفُتْيَا وَأَكْثَرَ النَّاسِ عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَمِمَّا يَحْتَجُّونَ فِيهِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ خَاصَمَ رَجُلًا إِلَى الْحَاكِمِ فَقَالَ بَاعَنِي كَذَا فَقَالَ مَا بِعْتُهُ وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ أَنَّ الْحَاكِمَ يَسْتَحْلِفُهُ وَيَحْتَجُّوُنَ أَيْضًا
стр. 228
بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ ⦗٢٧٠⦘ عَمِّهِ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ابْتَاعَ فَرَسًا مِنْ أَعْرَابِيٍّ ثُمَّ اسْتَتْبَعَهُ لِيَدْفَعَ إِلَيْهِ ثَمَنَهُ فَأَسْرَعَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَشْيَ فَسَاوَمَ قَوْمَ الْأَعْرَابِيِّ بِالْفَرَسِ وَلَمْ يَعْلَمُوا فَصَاحَ الْأَعْرَابِيُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَتَبْتَاعُهُ مِنِّي أَمْ أَبِيعُهُ فَقَالَ: «أَلَيْسَ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ؟» قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا ابْتَعْتُهُ مِنِّي فَأَقْبَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ لَهُ وَيْحَكَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا، فَقَالَ: هَلْ مِنْ شَاهِدٍ فَقَالَ: خُزَيْمَةُ أَنَا أَشْهَدُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بِمَ تَشْهَدُ؟» قَالَ: أَشْهَدُ بِتَصْدِيقِكَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ " فَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ابْتَاعَ بِغَيْرِ إِشْهَادٍ، فَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ فَصَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّ ثَمَّ وَجْهًا يُخَرَّجُ مِنْهُ لَمْ يَذْكُرْهُ وَهُوَ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ رَوَى عَنِ، ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] قَالَ نُنْسِهَا نَتْرُكُهَا، هَكَذَا يَقُولُ الْمُحْدِثُونَ وَالصَّوَابُ نَتْرُكُهَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَفِي هَذَا مَعْنًى لَطِيفٌ شَرَحَهُ سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيَّنَ مَعْنَى ذَلِكَ قَالَ نَنْسَخُهَا نُزِيلُ حُكْمَهَا بِآيَةٍ غَيْرِهَا وَ ﴿نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] نُزِيلُ حُكْمَهَا بِأَنْ نُطْلِقَ لَكُمْ تَرْكَهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة: ١٢] الْآيَةَ ثُمَّ أَطْلَقَ لِلْمُسْلِمِينَ تَرْكَ ذَلِكَ مِنْ ⦗٢٧١⦘ غَيْرِ آيَةٍ نَسَخَتْهَا، فَكَذَا ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَكَذَا ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَأَمَّا النَّسْخُ فَكَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، وَأَمَّا النَّدْبُ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ إِلَّا بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ وَأَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ: لَا يَجُوزُ الرَّهْنُ إِلَّا فِي السَّفَرِ لِأَنَّهُ فِي الْآيَةِ كَذَلِكَ، فَقَوْلٌ شَاذٌّ، الْجَمَاعَةُ عَلَى خِلَافِهِ
стр. 229
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَقُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ يوسُفَ بْنِ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ لِأَهْلِهِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلَيْسَ كَوْنُ الرَّهْنِ فِي الْآيَةِ فِي السَّفَرِ مِمَّا يُحْظَرُ غَيْرُهُ وَأَمَّا ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَالْفَائِدَةُ فِي ﴿بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَقَدْ تَقَدَّمَ ⦗٢٧٢⦘ ﴿تَدَايَنْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ تَدَايَنَّا أَيْ تَجَازَيْنَا وَتَعَاطَيْنَا الْأَخْذَ بَيْنَنَا فَأَبَانَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ بِقَوْلِهِ ﴿بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَ لَهُ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْآيَةِ الَّتِي هِيَ تَتِمَّةُ ثَلَاثِينَ آيَةً مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ عَامَّةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ خَاصَّةٌ
стр. 230
بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الَّتِي هِيَ تَتِمَّةُ ثَلَاثِينَ آيَةً قَالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] الْآيَةَ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: إِحْدَاهُنَّ: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَسَنَذْكُرُهُ بِإِسْنَادِهِ وَالثَّانِي: أَنَّهَا غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ وَأَنَّهَا عَامَّةٌ يُحَاسَبُ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ بِمَا أَبْدَى وَأَخْفَى فَيُغْفَرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَيُعَاقَبُ الْكَافِرُونَ وَالْمُنَافِقُونَ وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ وَأَنَّهَا فِي كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ وَإِظْهَارِهَا كَذَا رَوَى يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ، عَائِشَةَ، فَإِنَّهَا قَالَتْ «مَا هَمَّ بِهِ الْعَبْدُ مِنْ خَطِيئَةٍ عُوقِبَ عَلَى ذَلِكَ بِمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ فِي الدُّنْيَا» فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ
стр. 231
وَقُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسَكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] فَقَالَ: «هَذَا فِي الشَّكِّ وَالْيَقِينِ» وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الْخَمْسَةُ يَقْرَبُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ فَقَوْلُ مُجَاهِدٍ فِي الشَّكِّ وَالْيَقِينِ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّهَا لَمْ تُنْسَخْ وَإِنَّهَا عَامَّةٌ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ مِقْسَمٌ إِنَّهَا فِي الشَّهَادَةِ يَصِحُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الشَّهَادَةِ بِمَنْزِلَتِهَا وَقَوْلُ عَائِشَةَ إِنَّهَا مَا يَلْحَقُ الْإِنْسَانَ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَنْ تَكُونَ عَامَّةً أَيْضًا فَأَمَّا أَنْ تَكُونَ مَنْسُوخَةً فَيَصِحُّ مِنْ جِهَةٍ وَيَبْطُلُ مِنْ جِهَةٍ فَأَمَّا الْجِهَةُ الَّتِي تَبْطُلُ مِنْهَا فَإِنَّ الْأَخْبَارَ لَا يَكُونُ فِيهَا نَاسِخٌ وَلَا مَنْسُوخٌ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ فِيَ الْأَخْبَارِ نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا فَقَدْ أَلْحَدَ أَوْ جَهِلَ فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُحَاسِبُ مَنْ أَبْدَى شَيْئًا أَوْ أَخْفَاهُ فَمُحَالٌ أَنْ يُخْبِرَ بِضِدِّهِ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحُكْمَ ⦗٢٧٥⦘ إِذَا كَانَ مَنْسُوخًا فَإِنَّمَا يُنْسَخُ بِنَفْيِهِ وَبِآخَرَ نَاسِخٌ لَهُ نَافٍ لَهُ مِنْ كُلِّ جِهَاتِهِ فَلَوْ كَانَ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] نَاسِخًا لَنَسَخَ تَكْلِيفَ مَا لَا طَاقَةَ بِهِ وَهَذَا مَنْفِيٌّ عَنِ اللَّهِ أَنْ يَتَعَبَّدَ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] وَصَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ كَانَ يُلَقِّنُ أَصْحَابَهُ إِذَا بَايَعُوا «فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ» فَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي يَصِحُّ مِنْهُ وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُتَبَيَّنَ وَيُوقَفَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمُعَانِدَ رُبَّمَا عَارَضَ بِقَوْلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي أَشْيَاءَ مِنَ الْأَخْبَارِ نَاسِخَةٌ وَمَنْسُوخَةٌ فَالْجَاهِلُ بِاللُّغَةِ إِمَّا أَنْ يُحَيَّرَ فِيهَا وَإِمَّا أَنْ يُلْحِدَ فَيَقُولُ فِي الْأَخْبَارِ نَاسِخٌ وَمَنْسُوخٌ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا قَالَ قَامَ فُلَانٌ ثُمَّ نُسِخَ هَذَا فَقَالَ لَمْ يَقُمْ فَقَدْ كَذَبَ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَبْيِينُ مَا أَرَادَ
стр. 232
كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْأَنْبَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ زِيَادٍ الرَّقِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ ⦗٢٧٦⦘: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، تَلَا ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسَكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ فَبَلَغَ صَنِيعُهُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: " يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَنَعَ كَمَا صَنَعَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ أُنْزِلَتْ وَنَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] مَعْنَى نَسَخَتْهَا نَزَلَتْ بِنُسْخَتِهَا سَوَاءً وَلَيْسَ هَذَا مِنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فِي شَيْءٍ "
стр. 233
قُرِئَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّقْرِ بْنِ نَصْرٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شَيْبَانُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] لَحِقَتْهُمْ مِنْهَا شِدَّةٌ حَتَّى نَسَخَهَا مَا بَعْدَهَا " وَفِي هَذَا مَعْنًى لَطِيفٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى نَسَخَتْهَا نَسَخَتِ الشِّدَّةَ الَّتِي لَحِقَتْهُمْ أَيْ أَزَالَتْهَا كَمَا يُقَالُ نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ أَيْ أَزَالَتْهُ وَمِنْ حُسْنِ مَا قِيلَ فِي الْآيَةِ وَأَشْبَهَهُ بِالظَّاهِرِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّهَا عَامَّةٌ يَدُلُّكُ عَلَى ذَلِكَ
стр. 234
مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ⦗٢٧٧⦘ زُهَيْرٌ وَهُوَ ابْنُ حَرْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ وَهو ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ هِشَامٍ وَهوَ الدَّسْتُوَائِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عُمَرَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " يُدْنِي الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ تَعَالَى حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ أَعْرِفُ، قَالَ: فَإِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ، فَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ " فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ حَقِيقَةُ مَعْنَى الْآيَةِ وَأَنَّهُ لَا نَسْخَ فِيهَا وَإِسْنَادُهُ إِسْنَادٌ لَا يَدْخُلُ الْقَلْبَ مِنْهُ لَبْسٌ وَهُوَ مِنْ أَحَادِيثِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
стр. 235
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: لَمْ نَجِدْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدُ تَقَصٍّ شَدِيدٍ مِمَّا ذُكِرَ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ إِلَّا ثَلَاثَ آيَاتٍ وَلَوْلَا مَحَبَّتُنَا أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ مُشْتَمِلًا عَلَى كُلِّ مَا ذُكِرَ مِنْهَا لَكَانَ الْقَوْلُ فِيهَا: إِنَّهَا لَيْسَتْ بنَاسِخَةٍ وَلَا مَنْسُوخَةٍ وَنَحْنُ نُبَيِّنُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
стр. 236
بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] فَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ شَرِيعَةٌ قَدْ ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَكَانَ لَنَا أَنْ نَسْتَعْمِلَهَا مَا لَمْ تُنْسَخْ ثُمَّ إِنَّهَا نُسِخَتْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 237
كَمَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَرَامُ بْنُ ⦗٢٨٠⦘ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُحَمَّدِ ابْنَيْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا صَمْتَ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ» قَالَ فَنَسَخَ إِبَاحَةَ الصَّمْتِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ مَرْيَمَ ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] لَيْسَ فِي هَذَا نَاسِخٌ وَلَا مَنْسُوخٌ لِأَنَّ الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ " لَا صَمْتَ يَوْمًا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَصْمُتَ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ فَلَا يَذْكُرُ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ وَلَا يُسَبِّحُ وَهَذَا مَحْظُورٌ فِي كُلِّ شَرِيعَةٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ بَعْدَ قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] الْأَمْرُ بِالتَّسْبِيحِ عَشِيًّا وَبِكْرًا وَزَعَمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْآيَةَ الثَّانِيَةَ مَنْسُوخَةٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ مُحْكَمَةٌ
стр. 238
بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] فَمِنْ أَجْلِ مَا رُوِيَ فِي تَفْسِيرِهَا وَأَصَحُّهُ
стр. 239
مَا حَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْهَيْثَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] قَالَ: «أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى وَأَنْ يُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرَ»
стр. 240
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَنْبَارِيُّ، قَالَ ⦗٢٨٢⦘: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ الطُّوسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] قَالَ: «أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى ثُمَّ أَنْزَلَ جَلَّ وَعَزَّ التَّخْفِيفَ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَنَسَخَتْ هَذِهِ الَّتِي فِي آلِ عِمْرَانَ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: مُحَالٌ أَنْ يَقَعَ فِي هَذَا نَاسِخٌ وَلَا مَنْسُوخٌ إِلَّا عَلَى حِيلَةٍ وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى نَسْخِ الشَّيْءِ إِزَالَتُهُ وَالْمَجِيءُ بِضِدِّهِ، فَمُحَالٌ أَنْ يُقَالَ اتَّقُوا اللَّهَ مَنْسُوخٌ وَلَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ مِمَّا فِيهِ بَيَانُ الْآيَةِ
стр. 241
كَمَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ⦗٢٨٣⦘ مَيْمُونٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ عَلَى الْعِبَادِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: «أَنْ يَعْبُدُوهُ فَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» أَفَلَا تَرَى أَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَقَعَ فِي هَذَا نَسْخٌ؟ وَالَّذِي قُلْنَاهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ
стр. 242
كَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَقَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] قَالَ: «لَمْ تُنْسَخْ وَلَكِنْ حَقُّ تُقَاتِهِ أَنْ تُجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ وَلَا تَأْخُذْكُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ وَتَقُومُوا بِالْقِسْطِ وَلَوْ عَلَى آبَائِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَكُلُّ مَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَسْتَعْمِلُوهُ وَلَا يَقَعُ فِيهِ نَسْخٌ وَهُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَكَذَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ «أَنْ يُطِيعُوا اللَّهَ فَلَا يُعْصُوهُ وَيَذْكُرُوهُ فَلَا يَنْسَوْهُ وَأَنْ يَشْكُرُوهُ فَلَا يُكْفَرُوهُ وَأَنْ يُجَاهِدُوا فِيهِ حَقَّ جِهَادِهِ» ⦗٢٨٤⦘ فَأَمَّا قَوْلُ قَتَادَةَ مَعَ مَحِلِّهِ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّهَا نُسِخَتْ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ نَزَلَتْ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ بِنَسْخَةِ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وَأَنَّهَا مِثْلُهَا لِأَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ أَحَدًا إِلَّا طَاقَتَهُ وَزَعَمَ قَوْمٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ الْآيَةَ الثَّالِثَةَ نَاسِخَةٌ وَقَالَ غَيْرُهُمْ هِيَ مُحْكَمَةٌ وَلَيْسَتْ بنَاسِخَةٍ
стр. 243
بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] فَزَعَمَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَاسِخَةٌ لِلْقُنُوتِ الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُهُ بَعْدَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الصُّبْحِ وَاحْتُجَّ بِحَدِيثٍ
стр. 244
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ بَعْدَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا «نَاسًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨] الْآيَةَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذَا إِسْنَادٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى نَاسِخٍ وَلَا مَنْسُوخٍ وَإِنَّمَا نَبَّهَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ إِلَيْهِ وَلَوْ كَانَ هَذَا نَاسِخًا لَمَا جَازَ أَنْ يُلْعَنَ الْمُنَافِقُونَ
стр. 245
وَاحْتُجَّ أَيْضًا بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَرُبَّمَا قَالَ إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهَ لِمَنْ ⦗٢٨٦⦘ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ وَاجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» حَتَّى أُنْزِلَتْ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]
⦗٢٨٧⦘ وَهَذَا أَيْضًا نَظِيرُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى الْكُوفِيِّينَ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُدْعَى فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِمَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ هَذَا شَيْءٌ؛ وَلِذَلِكَ عَارَضَ هَذَا الْمُحْتَجُّ بِأَنْ جَعَلَهُ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ بِلَا حُجَّةٍ قَاطِعَةٍ وَلَا دَلِيلٍ وَاضِحٍ لِمَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الدُّعَاءُ فِي الصَّلَاةِ بِغَيْرِ مَا فِي الْقُرْآنِ وَعَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَرَبَ إِنَّمَا كَانَتْ تَعْرِفُ الصَّلَاةَ فِي كَلَامِهَا الدُّعَاءَ كَمَا قَالَ
[البحر البسيط]
تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرَّبْتُ مُرْتَحِلًا ... يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا
عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي ... نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا
فَسُمِّيَتِ الصَّلَاةُ صَلَاةً لِأَنَّ الدُّعَاءَ فِيهَا وَهَذَا قَوْلُ الْمَدَنِيِّينَ إِنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْعُوَ فِي صَلَاتِهِ بِمَا شَاءَ مِنَ الطَّاعَةِ وَعَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِمَّا صَحَّ سَنَدُهُ فِي نُزُولِ الْآيَةِ غَيْرُ هَذَا مِنْ ذَلِكَ
стр. 246
مَا حَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: " شُجَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي وَجْهِهِ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَرُمِيَ رَمْيَةً عَلَى كَتِفِهِ فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: كَيْفَ تُفْلِحُ أُمَّةٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]
⦗٢٨٨⦘ " وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِنَاقِضٍ لِمَا تَقَدَّمَ يِكَوْنُ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا كَانَا فَنَزَلَتِ الْآيَةُ
стр. 247
قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: " جَاءَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّكَ تَنْهَى عَنِ السَّبْيِ تَقُولُ قَدْ سُبِيَ الْعَرَبُ ثُمَّ تَحَوَّلُ فَحَوَّلَ قَفَاهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَكَشَفَ اسْتَهُ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَعَنَهُ وَدَعَا عَلَيْهِ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] ثُمَّ أَسْلَمَ الرَّجُلُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ
стр. 248
وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا فَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ لِأَنَّ سَالِمًا هُوَ الَّذِي وَصَلَهُ عَنْ أَبِيهِ وَفِي هَذَا زِيَادَةٌ أَنَّ الرَّجُلَ أَسْلَمَ فَعَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مِنَ الْغَيْبِ شَيْئًا وَأَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ جَلَّ وَعَزَّ يَتُوبُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَيُعَجِّلُ الْعُقُوبَةَ لِمَنْ يَشَاءُ وَالتَّقْدِيرُ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ دُونَكَ وَدُونَهُمْ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَتُوبُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا كُلِّهِ أَنْ لَا نَاسِخَ وَلَا مَنْسُوخَ فِي هَذَا
стр. 249
أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَعَنْ عُثْمَانَ الْجَزَرِيِّ، عَنْ مِقْسَمٍ، قَالَ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَاصٍ حِينَ كُسِرَ رَبَاعِيَتُهُ وَدَمِيَ وَجْهُهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ لَا يَبْلُغُ الْحَوْلَ حَتَّى يَمُوتَ كَافِرًا» قَالَ فَمَا بَلَغَ الْحَوْلَ حَتَّى مَاتَ كَافِرًا إِلَى النَّارِ
стр. 250
سُورَةُ النِّسَاءِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِشْكَالٌ وَتَفْسِيرٌ وَنَحْوٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِيهَا إِلَّا مَا كَانَ مِنَ النَّسْخِ فَإِنَّهَا عَلَى مَذْهَبِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ نَاسِخَةٌ وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَبُرْهَةٍ مِنَ الْإِسْلَامِ يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ مَا شَاءَ مِنَ الْحَرَائِرِ فَنَسَخَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ذَلِكَ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْعَمَلِ وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ فَوْقَ أَرْبَعٍ وَنَسَخَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَالَ الْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ كَانَ الرَّجُلُ يُسْلِمُ وَعِنْدَهُ عَشْرَةُ نِسْوَةٍ مِنْهُنَّ مَنْ قَدْ تَزَوَّجَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمِنْهُنَّ مَنْ قَدْ تَزَوَّجَهُ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ أَكْثَرُ أَوْ أَقَلُّ حَتَّى سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْيَتَامَى فَنَزَلَتْ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] أَيْ تَعْدِلُوا ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] أَيْ فَكَمَا خِفْتُمْ فِي الْيَتَامَى فَخَافُوا فِي نِكَاحِ النِّسَاءِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي رَجُلٍ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ قَالَ: يُخَلِّي مِنْهُنَّ سِتًّا وَيُمْسِكُ أَرْبَعًا مِنَ اللَّوَاتِيِ تَزَوَّجَ بَدْءًا فَبَدْءًا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا فَإِنِ احْتُجَّ بِالْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ خَيَّرَ غَيْلَانَ فَقَالَ: «اخْتَرْ أَرْبَعًا» قِيلَ لِلْمُحْتَجِّ بِهَذَا إِنَّ غَيْلَانَ تَزَوَّجَ عَشْرًا وَذَلِكَ مُبَاحٌ فَكَانَ
следующие страницы →