← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13073

الناسخ والمنسوخ - النحاس

أبو جعفر النحاس

Полный текст (735 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: قَالَ الْحَسَنُ: نَسَخَ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] قَوْلُهُ ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٤] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: النَّسْخُ هَاهُنَا مُحَالٌ لِأَنَّهُ خَبَرٌ خَبَّرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رُوِيَ عَنْهُ هَذَا إِلَّا الْحَسَنَ وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ وَقَالُوا فِيهَا أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ فَمِنْ ذَلِكَ

стр. 422

مَا حَدَّثَنَاهُ بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] قَالَ: " يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ قَوْمًا وَأَنْبِيَاؤُهُمْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ حَتَّى يُخْرِجَهُمْ، وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ قَالَ: يَقُولُ وَفِيهِمْ مَنْ قَدْ سَبَقَ لَهُ مِنْهُ الدُّخُولُ فِي الْإِيمَانِ وَهُوَ الِاسْتِغْفَارُ ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٤] يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ " ⦗٤٦٥⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: شَرْحُ هَذَا ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] يَعْنِي الْكُفَّارَ جَمِيعًا وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ يُسْلِمُ فَيَكُونُ وَهُمْ يُرَادُ بِهِمُ الْبَعْضُ مِثْلَ قَوْلِ الْعَرَبِ قَتَلْنَا بَنِي فُلَانٍ وَإِنَّمَا قَتَلُوا بَعْضَهُمْ ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٤] إِذَا أَسْلَمَ مِنْهُمْ مَنْ قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ يُسْلِمُ فَهَذَا الْقَوْلُ يَجُوزُ إِلَّا أَنَّ فِيهِ هَذَا التَّعَسُّفَ وَقَالَ مُجَاهِدٌ «وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ أَيْ يُسْلِمُونَ وَهَذَا كَالْأَوَّلِ»

стр. 423

وَرَوِيَ أَبُو زُمَيْلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] أَيْ: «وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ كَانُوا يَقُولُونَ غُفْرَانَكَ غُفْرَانَكَ، وَمَا لَهُمْ ألَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْقَوْلُ ظَاهِرُهُ حَسَنٌ إِلَّا أَنَّ فِيهِ أَنَّهُمْ إِنَّمَا اسْتَعْجَلُوا بِعَذَابِ الدُّنْيَا لَا بِعَذَابِ الْآخِرَةِ وَأَيْضًا فَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ فِي الْآخِرَةِ إِنْ مَاتُوا عَلَى الْكُفْرِ، فَهَذَانِ قَوْلَانِ لِمَنْ قَالَ إِنَّهَا مُحْكَمَةٌ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ قَوْلُ الضَّحَّاكِ

стр. 424

كَمَا قُرِئَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى الْجَوْزِيِّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ نُبَيْطٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال

стр. 425

: ٣٣] قَالَ: " الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٤] قَالَ الْكُفَّارُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: جُعِلَ الضَّمِيرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ وَإِنْ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ قَدْ أَنْكَرَهُ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلْمُؤْمِنِينَ ذِكْرٌ فَيُكَنَّى عَنْهُمْ فَهَذَا غَلَطٌ بَيِّنٌ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ السُّورَةِ فَإِنْ قِيلَ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَالْجَوَابُ أَنَّ فِيَ الْمَعْنَى دَلِيلًا عَلَى ذِكْرِهِمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ قَالَ مِنَ الْكُفَّارِ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ إِنَّمَا قَالَ هَذَا مُسْتَهْزِئًا وَمُتَعَنِّتًا وَلَوْ قَصَدَ الْحَقَّ لَقَالَ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدَكَ فَاهْدِنَا لَهُ وَلَكِنَّهُ كَفَرَ وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى يَبْعَثُ رَسُولًا يُوحَى إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ أَيِ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدَكِ فَأَهْلِكِ الْجَمَاعَةَ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُسْلِمِينَ فَهَذَا مَعْنَى ذِكْرِ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ الْمَعْنَى كَيْفَ يُهْلِكُ اللَّهُ تَعَالَى الْمُسْلِمِينَ فَهَذَا مَعْنَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٤] يَعْنِي الْكَافِرِينَ وَقَوْلُ ابْنِ أَبْزَى كَقَوْلِ الضَّحَّاكِ قَالَ " ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال

стр. 426

: ٣٣] يَعْنِي الْفِئَةَ الْمُسْلِمَةَ الَّتِي كَانَتْ بِمَكَّةَ فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٤] يَعْنِي الْكُفَّارَ " وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ: قَوْلُ قَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ، وَابْنِ زَيْدٍ قَالُوا: " ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] أَيْ لَوِ اسْتَغْفَرُوا " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذَا أَبْيَنُ مَا قِيلَ فِي الْآيَةِ وَلَا تَعَسُّفَ فِيهِ كَمَا تَقُولُ لَا أُسِيءُ إِلَيْكَ وَأَنْتَ تُحْسِنُ إِلَيَّ أَيْ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَيَّ مَا أَسَأْتُ إِلَيْكَ فَيَكُونُ الْمَعْنَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] وَهَذِهِ حَالُهُمْ أَيْ لَوِ اسْتَغْفَرُوا مِنَ الْكُفْرِ وَتَابُوا ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٤] أَيْ وَمَا شَأْنُهُمْ وَمَا يَمْنَعُهُمْ أَنْ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ مُصِرُّونَ عَلَى الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي فَقَدِ اسْتَحَقُّوا الْعَذَابَ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْآيَةِ الرَّابِعَةِ

стр. 427

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [ الأنفال: ٦١]

стр. 428

حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ [الأنفال: ٦١] قَالَ: " لِلصُّلْحِ ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] قَالَ: نَسَخَهَا ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] «وَرُوِيَ عَنِ، ابْنِ عَبَّاسٍ،» أَنَّ النَّاسِخَ لَهَا فَلَا تَهِنُوا وَتَدَعُوا إِلَى السَّلْمِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: الْقَوْلُ فِي أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ لَا يَمْتَنِعُ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِالْإِجَابَةِ إِلَى الصُّلْحِ وَالْهُدْنَةِ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَلَمَّا قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: ٣٥] حَظَرَ الصُّلْحَ وَالْهُدْنَةَ مَعَ قُوَّةِ الْيَدِ وَالِاسْتِعْلَاءِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ⦗٤٦٩⦘ وَالْبَيِّنُ فِي بَابِ النَّظَرِ أَنْ لَا تَكُونُ مَنْسُوخَةً وَأَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ مُبَيِّنَةٌ لِلْأُولَى وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ فِي الْآيَةِ الْخَامِسَةِ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ

стр. 429

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾

стр. 430

فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " نَسَخَهَا ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] الْآيَةَ "

стр. 431

وقُرِئَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ يوسُفَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ خِرِّيتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ فَرْضٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلَ الرَّجُلُ مِنْهُمُ الْعَشَرَةَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ » فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى التَّخْفِيفَ فَجَعَلَ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُقَاتِلَ الرَّجُلَيْنِ فَخَفَّفَ عَنْهُمْ وَنَقَصُوا مِنَ النَّصْرِ بِقَدْرِ ذَلِكَ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا شَرْحٌ بَيِّنٌ حَسَنٌ أَنْ يَكُونَ ذَا تَخْفِيفًا لَا نَسَخًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى النَّسْخِ رَفَعَ حُكْمَ الْمَنْسُوخِ وَلَمْ يَرْفَعْ حُكْمَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ⦗٤٧١⦘ فِيهِ لَا يُقَاتِلُ الرَّجُلُ عَشْرَةً بَلْ إِنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ الِاخْتِيَارُ لَهُ وَنَظِيرُ هَذَا إِفْطَارُ الصَّائِمِ فِي السَّفَرِ لَا يُقَالُ إِنَّهُ نَسَخَ الصَّوْمَ وَإِنَّمَا هُوَ تَخْفِيفٌ وَرُخْصَةٌ وَالصِّيَامُ لَهُ أَفْضَلُ قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ «وَكَذَا النَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَفِرَّ، مِنَ اثْنَيْنِ إِذَا كَانَ عَلَى مُنْكَرٍ وَلَهُ أَنْ يَفِرَّ مِنْ أَكْثَرَ مِنْهُمَا» وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَدْخَلَ الْآيَةَ السَّادِسَةَ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ

стр. 432

بَابُ ⦗٤٧٢⦘ ذِكْرِ الْآيَةِ السَّادِسَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]

стр. 433

حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] قَالَ: " وَذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ قَلِيلٌ يَوْمَئِذٍ فَلَمَّا كَثُرُوا وَاشْتَدَّتْ سُلْطَانُهُمْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا فِي الْأَسْرَى ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى النَّبِيَّ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي أَمْرِ الْأَسْرَى بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءُوا قَتَلُوهُمْ وَإِنْ شَاءُوا اسْتَعْبَدُوهُمْ وَإِنْ شَاءُوا فَادَوْهُمْ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا كُلُّهُ مِنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ بِمَعْزِلٍ لِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] فَأَخْبَرَ بِهَذَا فَلَمَّا أَثْخَنَ فِي الْأَرْضِ كَانَ لَهُ أَسْرَى وَاخْتُلِفَ فِي الْحُكْمِ فِيهِمْ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَدْ أُدْخِلَتِ الْآيَةُ السَّابِعَةُ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ

стр. 434

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ السَّابِعَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] فَكَانَ هَذَا نَاسِخًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ فِي حَظْرِ الْغَنَائِمِ لِأَنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﵇ وَإِنَّمَا كَانَتْ تَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتَأْكُلُهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِأَحَدٍ قَبْلَنَا» وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ لَمَّا أَسْرَعُوا إِلَيْهَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] قِيلَ الْمَعْنَى لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَبَقَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا إِلَّا بَعْدَ التَّقَدُّمِ إِلَيْهِ لَعَاقَبَكُمْ قَبْلُ، وَقِيلَ لَوْلَا أَنَّهُ سَبَقَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا عَلَى صَغِيرَةٍ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ لَعَاقَبَكُمْ وَفِيهِ غَيْرُ هَذَا قَدْ ذَكَرْتُهُ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ تَقُولُ فِي الْآيَةِ الثَّامِنَةِ إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ

стр. 435

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الثَّامِنَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [ الأنفال: ٧٢]

стр. 436

حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] قَالَ: " كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتَوَارَثُونَ بِالْهِجْرَةِ كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَمَ فَلَمْ يُهَاجِرْ لَمْ يَرِثْ أَخَاهُ فَنَسَخَ ذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦] "

стр. 437

وقُرِئَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ آخَى بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ ⦗٤٧٥⦘ بِذَلِكَ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦] فَتَوَارَثَوْا بِالنَّسَبِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَتَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَاسِخَةٌ لِلَّتِي قَبْلَهَا وَأَنَّ التَّوَارُثَ كَانَ بِالْهِجْرَةِ وَالْمُؤَاخَاةِ فَنَسَخَ ذَلِكَ قَالَ عِكْرِمَةُ: «فَأَقَامَ النَّاسُ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ لَا يَرِثُ الْأَعْرَابِيُّ الْمُهَاجِرَ وَلَا الْمُهَاجِرُ الْأَعْرَابِيَّ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ » قَالَ قَتَادَةُ «أَيْ بِالْوَصِيَّةِ»

стр. 438

سُورَةُ بَرَاءَةَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّهَا مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ وَلِذَلِكَ قَلَّ الْمَنْسُوخُ فِيهَا وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ

стр. 439

مَا حَدَّثَنَا بِهِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعَمْرٌو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ، عَنْ يَزِيدَ الْفَارِسِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: قُلْنَا لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى الْأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي وَإِلَى بَرَاءَةَ وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ⦗٤٧٨⦘، وَوَضَعْتُهُمَا فِي السَّبْعِ الطُّوَالِ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى هَذَا؟ فَقَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَنْزِلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَوَاتُ الْعَدَدِ فَإِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ قَالَ اجْعَلُوهَا فِي سُورَةِ كَذَا وَكَذَا وَكَانَتِ الْأَنْفَالُ مِنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ وَكَانَتْ بَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ وَكَانَتْ قِصَّتُهَا تُشْبِهُ قِصَّتَهَا وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ شَيْئًا فَلِذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»

стр. 440

قَالَ وقُرِئَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ يوسُفَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، وَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ فِيهِ قَالَ عُثْمَانُ فَظَنَنْتُ أَنَّهَا مِنْهَا قَالَ: وكَانَتَا تُدْعَيَانِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقرِينَتَيْنِ فَلِذَلِكَ جَعَلْتُهُمَا فِي السَّبْعِ الطُّوَالِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ظَنَّ عُثْمَانُ أَنَّ الْأَنْفَالَ مِنْ بَرَاءَةَ وَتَحْقِيقُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهَا وَفِيهِ الْبَيَانُ أَنَّ تَأْلِيفَ الْقُرْآنِ عَنِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ وَرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا مَدْخَلَ لِأَحَدٍ فِيهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إِلَّا الْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ وَسَائِرَ السُّوَرِ وَأَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ كَذَا بِكَذَا وَأَنَّهُ قَرَأَ فِي رَكْعَةٍ بِالْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ وَأَنَّهُ

стр. 441

قَالَ ﷺ «تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ غَيَايَتَانِ» وَصَحَّ أَنَّ أَرْبَعَةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَحْفَظُونَ الْقُرْآنَ فِي وَقْتِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْفَظُوا مَا لَيْسَ مُؤَلَّفًا

стр. 442

كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَنْبَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَةٌ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» ⦗٤٨٠⦘ قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لِأَنَسٍ مَنْ أَبُو زَيْدٍ؟ قَالَ: أَحَدُ عُمُومَتِي قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ مِنَ الْأَنْصَارِ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَقْرَءُونَ وَأَبُو زَيْدٍ سَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ: «حُفِظَ الْقُرْآنُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ بَقِيَتْ عَلَيْهِ سُورَتَانِ أَوْ ثَلَاثٌ قَالَ وَلَمْ يَحْفَظِ الْقُرْآنَ أَحَدٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ إِلَّا عُثْمَانُ، وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ» ⦗٤٨١⦘ فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَخْذِ الْقُرْآنِ عَنْهُ قِيلَ لَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى حِفْظِهِ إِيَّاهُ كُلَّهُ وَلَكِنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَمَانَتِهِ وَمِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَانَ مُؤَلَّفًا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 443

مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُعْطِيتُ السَّبْعَ مَكَانَ التَّوْرَاةِ وَأُعْطِيتُ الْمِئِينَ مَكَانَ الزَّبُورِ وَأُعْطِيتُ الْمَثَانِيَ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ وَفُضِّلْتُ بِالْمُفَصَّلِ»

стр. 444

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذَا التَّأْلِيفُ مِنْ لَفْظِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَذَا أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَسَعُهُمْ جَهْلُهُ لِأَنَّ تَأْلِيفَ الْقُرْآنِ مِنْ إِعْجَازِهِ وَلَوْ كَانَ التَّأْلِيفُ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ وَرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَسُوعِدَ بَعْضُ الْمُلْحِدِينِ عَلَى طَعْنِهِمْ وَقَدْ أَشْكَلَ عَلَى بَعْضِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ مَا طَعَنَ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ بِالْحَدِيثِ أَنَّ عُثْمَانَ أَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَنْ يَجْمَعَ الْقُرْآنَ وَضَمَّ إِلَيْهِ جَمَاعَةً فَتُوُهِّمَ أَنَّ هَذَا هُوَ التَّأْلِيفُ وَهَذَا غَلَطٌ عَظِيمٌ وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى هَذَا بِأَجْوِبَةٍ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّمَا أُمِرَ بِجَمْعِهِ وَإِنْ كَانَ مَجْمُوعًا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَوَقَعَ بَيْنَهُمُ الشَّرُّ وَالْخِلَافُ فَأَرَادَ عُثْمَانُ ﵀ أَنْ يَخْتَارَ مِنَ السَّبْعَةِ حَرْفًا وَاحِدًا هُوَ أَفْصَحُهَا وَيُزِيلُ السِّتَّةَ وَهَذَا مِنْ أَصَحِّ مَا قِيلَ فِيهِ لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ هَذَا وَيَدُلُّكَ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ فَلَا مَعْنَى لِجَمْعِهِ إِيَّاهُ إِلَّا عَلَى هَذَا أَوْ مَا أَشْبَهَهُ وَقَدْ قِيلَ إِنَّمَا جَمَعَهُ وَإِنْ كَانَ يَحْفَظُهُ لِتَقُومَ حُجَّتُهُ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَبِدَّ بِرَأْيِهِ

стр. 445

وَقَدْ عَارَضَ بَعْضَ النَّاسِ فِي هَذَا فَقَالَ: لِمَ خُصَّ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِهَذَا وَفِي الصَّحَابَةِ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَاحْتَجَّ

стр. 446

بِمَا حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زَرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، ﵄ بَشَّرَاهُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ بِقِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَدَّمَ لِأَشْيَاءَ لَمْ تَجْتَمِعْ لِغَيْرِهِ مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ ⦗٤٨٤⦘ الْقُرْآنَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمِنْهَا أَنَّ قِرَاءَتَهُ كَانَتْ عَلَى آخِرِ عَرْضَةٍ عَرَضَهَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى جِبْرِيلَ ﵇ وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَا قَالَ قَدْ تَأَوَّلَهُ هَذَا الْمُعَارِضُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ وَلَيْسَ التَّأْوِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَا وَسِعَ أَحَدًا أَنْ يَقْرَأَ إِلَّا بِحَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالتَّأْوِيلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمُ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يُرَتِّلُ الْقُرْآنَ فَحَضَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى تَرْتِيلٍ مِثْلِ تَرْتِيلِهِ لَا غَيْرُ وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثِ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ طسم، فَقَالَ: لَا أَحْفَظُهَا سَلْ خَبَّابًا عَنْهَا فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ حَضَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ الْعَرْضَةَ الْآخِرَةَ قِيلَ قَدْ ذَكَرْنَا مَا لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ سِوَى هَذَا عَلَى أَنَّ حَرْفَ عَبْدِ اللَّهِ الصَّحِيحَ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِمُصْحَفِنَا يَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَاصِمٍ وَقَرَأَ عَاصِمٌ عَلَى زَرٍّ وَقَرَأَ زَرٌّ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ

стр. 447

وقُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ ⦗٤٨٥⦘: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، يَقُولُ: «آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ آيَةُ الْكَلَالَةِ وَآخَرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَكَادُ يُوجَدُ فِيهَا مَنْسُوخٌ لِهَذَا فَأَمَّا النَّاسِخُ فِيهَا فَكَثِيرٌ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى مِنْهَا

стр. 448

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الْأُولَى مِنهَا قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ

стр. 449

مِنْهَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " كَانَ لِقَوْمٍ عُهُودٌ فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى النَّبِيَّ ﵇ بِأَنْ يُؤَجِّلَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يَسِيحُونَ فِيهَا فَلَا عَهْدَ لَهُمْ بَعْدَهَا وَأَبْطَلَ مَا بَعْدَهَا وَكَانَ قَوْمٌ لَا عُهُودَ لَهُمْ فَأَجَّلَهُمْ خَمْسِينَ يَوْمًا عِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ كُلَّهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] " فَهَذَا قَوْلٌ وَالْقَوْلُ الثَّانِي رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،: «أَجَلُ مَنْ لَهُ عَهْدٌ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ» ، وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ أَكْثَرَ وَبِهَذِهِ الرِّوَايَةِ فِيمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ كَالْأُولَى وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّهُمْ صِنْفَانِ صِنْفٌ عَاهَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَصِنْفٌ عَاهَدَهُ إِلَى غَيْرِ أَجَلٍ فَرَدَّ الْجَمِيعَ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ⦗٤٨٧⦘ وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: إِنَّهُمَا صِنْفَانِ أَيْضًا صِنْفٌ عُوهِدَ إِلَى أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَأَتَمَّتْ لَهُ أَرْبَعَةً وَصِنْفٌ عُوهِدَ إِلَى أَكْثَرِمِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَأَمَرَ بِالْوَفَاءِ لَهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤] وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ: إِنَّهُ رَدَّ الْجَمِيعَ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مَنْ عُوهِدَ إِلَى أَقَلَّ مِنْهَا أَوْ أَكْثَرَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَالسُّدِّيِّ قَالَا: «وَأَوَّلُ هَذِهِ الْأَشْهُرِ الَّتِي هِيَ أَشْهُرُ السِّيَاحَةِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ إِلَى عَشْرٍ يَخْلُوَنَّ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ» وَسُمِّيَتِ الْحُرُمَ لِأَنَّ الْقِتَالَ كَانَ فِيهَا مُحَرَّمًا

стр. 450

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] قَالَ: «شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ هَذَا إِلَّا الزُّهْرِيَّ وَالدَّلِيلُ عَلَى غَيْرِ قَوْلِهِ صِحَّةُ الرِّوَايَةِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ إِنَّمَا قَرَأَ عَلَيْهِمْ هَذَا وَنَبَذَ الْعَهْدَ إِلَيْهِمْ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذِي الْحِجَّةِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَوَّلَ الشُّهُورِ ⦗٤٨٨⦘ وَقَالَ مَنِ احْتَجَّ لِلزُّهْرِيِّ إِنَّمَا حُمِلَ هَذَا عَلَى نُزُولِ بَرَاءَةَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا غَلَطٌ كَيْفَ يُنْبَذُ الْعَهْدُ إِلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَجَّهَ أَبَا بَكْرٍ ﵁ يَحُجُّ بِالنَّاسِ سَنَةَ تِسْعٍ ثُمَّ اتَّبَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بِهَذِهِ الْآيَاتِ لِيَقْرَأَهَا فِي الْمَوْسِمِ وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ قَدْ نُسِخَ بِهَا مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَقَرَّ الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهِ مِنْ حَجِّهِمُ الْبَيْتَ وَطَوَافِهِمْ بِهِ عُرَاةً وَسَنَذْكُرُ الْحَدِيثَ بِهَذَا وَالْقَوْلُ السَّابِعُ إِنَّ الَّذِينَ نُبِذَ إِلَيْهِمُ الْعَهْدُ وَأُجِّلُّوا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ هُمُ الَّذِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِنَبْذِ الْعَهْدِ إِلَيْهِمْ وَتَأْجِيلِهِمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَنْقُضِ الْعَهْدَ فَكَانَ مُقِيمًا عَلَى عَهْدِهِ وَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ أَجْلُ خَمْسِينَ يَوْمًا كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي الْآيَةِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ قَتَادَةَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ

стр. 451

مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁ قَالَ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَرْبَعٍ لَا يَحُجُّ الْبَيْتَ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، وَأَنْ يَتِمَّ لِكُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ " ⦗٤٨٩⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ فِي الرَّابِعَةِ: «وَأَنْ يُنْبَذَ إِلَى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدُهُ» فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا لِمَنْ نَقَضَ الْعَهْدَ، عَلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى أَوْلَى وَأَكْثَرُ وَأَشْبَهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ

стр. 452

وَقَدْ حَدَّثَنَا عَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَمْ يُعَاهِدْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةَ أَحَدًا» وَقَالَ السُّدِّيُّ: «لَمْ يُعَاهِدِ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ هَذَا إِلَّا مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ قَبْلُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هَذَا وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ فَالصَّحِيحُ غَيْرُهُ قَدْ عَاهَدَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ الْآيَةِ جَمَاعَةً مِنْهُمْ أَهْلُ نَجْرَانَ قَالَ الْوَاقِدِيُّ «عَاهَدَهُمْ وَكَتَبَ لَهُمْ سِتَّةَ عَشَرَ قَبْلَ وَفَاتِهِ ﷺ بِيَسِيرٍ» وَقَدِ اعْتَرَضَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فَقَالُوا قَدْ أَجْلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَهْلَ نَجْرَانَ إِلَى الشَّامِ بَعْدَ أَنْ أَمَّنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا أَلَّا يُحْشَرُوا فَأَرَادُوا بِهَذَا الطَّعْنِ عَلَى عُمَرَ ﵁ وَهَذَا جَهْلٌ مِمَّنْ قَالَهُ أَوْ عِنَادٌ لِأَنَّ الْأَعْمَشَ رَوَى عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ نَجْرَانَ وَكَتَبَ لَهُمْ أَنْ لَا يُحْشَرُوا ثُمَّ كَتَبَ

стр. 453

لَهُمْ بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ كَتَبَ لَهُمْ بِذَلِكَ عُمَرُ ﵁ فَكَثُرُوا حَتَّى صَارُوا أَرْبَعِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ فَكَرِهَ عُمَرُ أَنْ يَمِيلُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيُفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ وَقَالُوا لِعُمَرَ نُرِيدُ أَنْ نَتَفَرَّقَ وَنَخْرُجَ إِلَى الشَّامِ فَاغْتَنَمَ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَقَالَ نَعَمْ ثُمَّ نَدِمُوا فَلَمْ يُقِلْهُمْ فَلَمَّا وُلِّيَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَتَوْهُ فَقَالُوا كِتَابُكَ بِيَمِينِكَ وَشَفَاعَتُكَ بِلِسَانِكَ فَقَالَ: إِنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ رَشِيدًا وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ سَالِمٍ فَقَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ إِنِّي مَا قَعَدْتُ هَذَا الْمَقْعَدَ لِأَحُلَّ عَقْدًا عَقَدَهُ عُمَرُ إِنَّ عُمَرَ كَانَ رَجُلًا مُوَفَّقًا

стр. 454

وقُرِئَ عَلَى عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى يُعْرَفُ بِابْنِ الطَّبِيبِ، عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ، إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، «لَوْ وُضِعَ عِلْمُ عُمَرَ فِي كِفَّةٍ وَوُضِعَ عِلْمُ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فِي كِفَّةٍ لَرَجَحَ عِلْمُ عُمَرَ، وَلَقَدْ كُنَّا نَقُولُ ذَهَبَ عُمَرُ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الْعِلْمِ»

стр. 455

وقُرِئَ عَلَى عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بنُ يُونُسَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كُنْتُ فِيمَنْ يَزْدَحِمُ عَلَى عُمَرَ ﵀ حِينَ وُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ فَجَاءَ ⦗٤٩٢⦘ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَنْكِبِي فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ مَا مِنْ أَحَدٍ أَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى بِعَمَلِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ هَذَا إِنْ كُنْتُ أَظُنُّ لَيَجْمَعَنَّهُ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْهِ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ كُنْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ وَقُلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ وَكُنْتُ أَظُنُّ لَيَجْمَعَنَّكَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ مَعَهُمَا فَالْتَفَتَ فَإِذَا هُوعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁» فَهَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ فِيهِ بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاحِ فَلَا مَطْعَنَ لِمَنْ طَعَنَ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يُغَيِّرْهِ مَنْ يَنْتَحِلُ مَحَبَّتَهُ

стр. 456

وَقَدْ قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ» وَالرِّوَايَاتُ بِمِثْلِ هَذَا كَثِيرَةٌ وَلَمْ نَقْصِدْ جَمْعَهَا وَإِنَّمَا قَصَدْنَا بَعْضَهَا لِأَنَّ فِيهِ كِفَايَةً وَبَيَانًا عَمَّا أَرَدْنَاهُ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ

стр. 457

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحَرَمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] الْآيَةَ لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ وَقَالَ لَا يَحِلُّ قَتْلُ أَسِيرٍ صَبْرًا وَإِنَّمَا يُمَنُّ عَلَيْهِ أَوْ يُفَادَى وَقَالُوا النَّاسِخُ لَهَا قَوْلُهُ ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] فَمِمَّنْ قَالَ هَذَا الْحَسَنُ رَوَاهُ عَنْهُ أَشْعَثَ أَنَّهُ: " كَانَ يَكْرَهُ قَتْلَ الْأَسِيرِ صَبْرًا وَقَالَ ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] " وَهَذَا قَوْلُ الضَّحَّاكِ، وَالسُّدِّيِّ قَالَا: " نَسَخَ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] قَوْلُهُ ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] "

стр. 458

وَهَوَ قَوْلُ عَطَاءٍ كَمَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] قَالَ: «هَذَا فِي الْأُسَارَى إِمَّا الْمَنُّ وَإِمَّا الْفِدَاءُ وَكَانَ يُنْكِرُ الْقَتْلَ صَبْرًا» ⦗٤٩٤⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذَا قَوْلٌ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ فِي الْأُسَارَى مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَّا الْقَتْلُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ فِدَاءً وَلَا يَمُنُّ عَلَيْهِمْ وَجَعَلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] نَاسِخًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ ومَرْوِيٌّ عَنْ مُجَاهِدٍ

стр. 459

كَمَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ سَمِعْتُ لَيْثًا، يُحَدِّثُ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَإِمَّا مِنَّا بَعْدَ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] فَإِمَّا السَّيْفُ وَالْقَتْلُ وَإِمَّا الْإِسْلَامُ " وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّ الْآيَتَيْنِ جَمِيعًا مُحْكَمَتَانِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ وَهُوَ قَوْلٌ صَحِيحٌ بَيِّنٌ لِأَنَّ إِحْدَاهُمَا لَا تَنْفِي الْأُخْرَى، قَالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] أَيْ وَخُذُوهُمْ أَسْرَى لِلْقَتْلِ أَوِ الْمَنِّ أَوِ الْفِدَاءِ، فَيَكُونُ الْإِمَامُ يَنْظُرُ فِي أُمُورِ الْأُسَارَى عَلَى مَا فِيهِ الصَّلَاحُ مِنَ الْقَتْلِ أَوِ الْمَنِّ أَوِ الْفِدَاءِ وَقَدْ فَعَلَ هَذَا كُلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حُرُوبِهِ فَقَتَلَ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ ⦗٤٩٥⦘، وَالنَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ أَسِيرَيْنِ يَوْمَ بَدْرٍ وَمَنَّ عَلَى قَوْمٍ وَفَادَى بِقَوْمٍ قَالَ

стр. 460

وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا فِي عِدَادِ الْأُسَارَى وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِهِ
следующие страницы →