← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13073

الناسخ والمنسوخ - النحاس

أبو جعفر النحاس

Полный текст (735 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وَقَدْ قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ» وَالرِّوَايَاتُ بِمِثْلِ هَذَا كَثِيرَةٌ وَلَمْ نَقْصِدْ جَمْعَهَا وَإِنَّمَا قَصَدْنَا بَعْضَهَا لِأَنَّ فِيهِ كِفَايَةً وَبَيَانًا عَمَّا أَرَدْنَاهُ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ

стр. 457

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحَرَمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] الْآيَةَ لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ وَقَالَ لَا يَحِلُّ قَتْلُ أَسِيرٍ صَبْرًا وَإِنَّمَا يُمَنُّ عَلَيْهِ أَوْ يُفَادَى وَقَالُوا النَّاسِخُ لَهَا قَوْلُهُ ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] فَمِمَّنْ قَالَ هَذَا الْحَسَنُ رَوَاهُ عَنْهُ أَشْعَثَ أَنَّهُ: " كَانَ يَكْرَهُ قَتْلَ الْأَسِيرِ صَبْرًا وَقَالَ ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] " وَهَذَا قَوْلُ الضَّحَّاكِ، وَالسُّدِّيِّ قَالَا: " نَسَخَ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] قَوْلُهُ ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] "

стр. 458

وَهَوَ قَوْلُ عَطَاءٍ كَمَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] قَالَ: «هَذَا فِي الْأُسَارَى إِمَّا الْمَنُّ وَإِمَّا الْفِدَاءُ وَكَانَ يُنْكِرُ الْقَتْلَ صَبْرًا» ⦗٤٩٤⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذَا قَوْلٌ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ فِي الْأُسَارَى مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَّا الْقَتْلُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ فِدَاءً وَلَا يَمُنُّ عَلَيْهِمْ وَجَعَلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] نَاسِخًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ ومَرْوِيٌّ عَنْ مُجَاهِدٍ

стр. 459

كَمَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ سَمِعْتُ لَيْثًا، يُحَدِّثُ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَإِمَّا مِنَّا بَعْدَ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] فَإِمَّا السَّيْفُ وَالْقَتْلُ وَإِمَّا الْإِسْلَامُ " وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّ الْآيَتَيْنِ جَمِيعًا مُحْكَمَتَانِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ وَهُوَ قَوْلٌ صَحِيحٌ بَيِّنٌ لِأَنَّ إِحْدَاهُمَا لَا تَنْفِي الْأُخْرَى، قَالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] أَيْ وَخُذُوهُمْ أَسْرَى لِلْقَتْلِ أَوِ الْمَنِّ أَوِ الْفِدَاءِ، فَيَكُونُ الْإِمَامُ يَنْظُرُ فِي أُمُورِ الْأُسَارَى عَلَى مَا فِيهِ الصَّلَاحُ مِنَ الْقَتْلِ أَوِ الْمَنِّ أَوِ الْفِدَاءِ وَقَدْ فَعَلَ هَذَا كُلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حُرُوبِهِ فَقَتَلَ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ ⦗٤٩٥⦘، وَالنَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ أَسِيرَيْنِ يَوْمَ بَدْرٍ وَمَنَّ عَلَى قَوْمٍ وَفَادَى بِقَوْمٍ قَالَ

стр. 460

وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا فِي عِدَادِ الْأُسَارَى وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِهِ

стр. 461

وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا فَهْدَ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، حَمَلَ أَبَا سُفْيَانَ عَلَى عَجُزِ بَغْلَتِهِ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي كَانَ فِي صَبِيحَتِهَا مَا كَانَ مِنْ دُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ قَالَ الْعَبَّاسُ: " فَكُنْتُ إِذَا مَرَرْتُ بِنَارِ مِنْ نِيرَانِ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا: مَنْ هَذَا؟ فَإِذَا نَظَرُوا قَالُوا: عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى مَرَرْتُ

стр. 462

بِنَارِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ وَقَامَ إِلَيَّ وَرَآهُ فِي عَجُزِ الْبَغْلَةِ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: عَدُوُّ اللَّهِ قَدْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْكَ وَمَرَّ يَشْتَدُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَكَضَتِ الْبَغْلَةُ فَسَبَقْتُ كَمَا تَسْبِقُ الدَّابَّةُ الْبَطِيءُ الرَّجُلَ الْبَطِيءَ ثُمَّ اقْتَحَمْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَدَخَلَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا أَبُو سُفْيَانَ قَدْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُ بِلَا عَهْدٍ وَلَا مِيثَاقٍ فَدَعْنِي فَأَضْرِبُ عُنُقَهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ أَمَّنْتُهُ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَرَادَ قَتْلَ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ أَسِيرٌ فَلَمْ يَقُلْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَجُوزُ قَتْلُ الْأَسِيرِ وَلَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ مَا قَالَهُ مِنْ هَمِّهِ بِقَتْلِهِ فَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ وَقَدْ أُدْخِلَتِ الْآيَةُ الثَّالِثَةُ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ

стр. 463

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ نَاسِخَةً لِمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَالَحَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنَ الْبَيْتِ أَحَدٌ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] وَمَعْنَى فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ امْنَعُوهُمْ مِنْ دُخُولِهِ فَإِنَّهُمْ إِذَا دَخَلُوهُ فَقَدْ قَرَبُوهُ وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ الْحَرَمُ كُلُّهُ

стр. 464

كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: " قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] يُرِيدُ الْحَرَمَ كُلَّهُ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] يَعْنِي سَنَةَ تِسْعٍ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: ٢٨] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " قَالُوا: إِذَا لَمْ يَحُجَّ الْكُفَّارُ خِفْنَا الْفَقْرَ إِذَا قَلَّ مَنْ نُبَايِعُهُ " وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ وَفِي دُخُولِ الْمُشْرِكِينَ الْحَرَمَ وَسَائِرَ الْمَسَاجِدِ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يُمْنَعُ الْمُشْرِكُونَ كُلُّهُمْ ⦗٤٩٨⦘ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ وَمِنْ دُخُولِ كُلِّ الْمَسَاجِدِ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ قَالَ: لِأَنَّهُمْ نَجَسٌ قَالَ: «وَقِيلَ لَهُمْ نَجَسٌ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَحِمُّونَ مِنْ جَنَابَةٍ وَكَذَا لَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ جُنُبٌ» فَهَذَا قَوْلٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: «يُمْنَعُ الْمُشْرِكُونَ جَمِيعًا مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ دُخُولِ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ» وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَيَعْقُوبُ، وَمُحَمَّدٌ، وَزُفَرُ «لَا يَمْنَعُ الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَلَا مِنْ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ هُمْ أَهْلُ الْأَوْثَانِ» فَجَعَلُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] مَخْصُوصًا بِهِ مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ ⦗٤٩٩⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْقَوْلُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى نَصًّا مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ. . .﴾ [التوبة: ٢٩] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] فَهَذَا شَيْءٌ قَاطِعٌ فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوا لِلَّهِ شَرِيكًا فَكَيْفَ يُقَالُ لَهُمُ مُشْرِكُونَ؟ قِيلَ لَهُ لِهَذَا نَظَائِرُ فِي أُصُولِ الدِّينِ يَعْرِفُهَا أَهْلُ اللُّغَةِ وَيَحْتَاجُ النَّاسُ جَمِيعًا إِلَى مَعْرِفَتِهَا وَهِيَ الْأَسْمَاءُ الدِّيَانِيَّةُ وَذَلِكَ أَنَّهُ يُقَالُ آمَنَ بِكَذَا إِذَا صَدَّقَ ثُمَّ قِيلَ مُؤْمِنٌ لِمَنْ صَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ وَهُوَ اسْمٌ دِيَانِيٌّ وَكَذَا مُنَافِقٌ اسْمٌ وَقَعَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَكَذَا لِكُلِّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ خَمْرٌ اسْمٌ إِسْلَامِيٌّ كَمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» وَكَذَا كُلُّ مَنْ كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ مُشْرِكٌ، وَفِي هَذَا قَوْلٌ آخَرُ كَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَاجُ يُخَرِّجُهُ عَلَى أُصُولِ الِاشْتِقَاقِ الْمَعْرُوفَةِ قَالَ: لَمَّا كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ قَدْ جَاءَ مِنَ الْبَرَاهِينَ بِمَا لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَانَ مَنْ كَفَرَ بِهِ قَدْ نَسَبَ مَا لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ مُشْرِكًا، وَقَدْ أُدْخِلَتِ الْآيَةُ الرَّابِعَةُ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ

стр. 465

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] الْآيَةَ فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ هَذِهِ الْآيَةُ نَاسِخَةٌ لِلْعَفْوِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّهُ كَانَ قِتَالُهُمْ مَمْنُوعًا مِنْهُ فَنَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ

стр. 466

كَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] فَنُسِخَ بِهَذَا الْعَفْوُ عَنِ الْمُشْرِكِينَ " وَقِيلَ هَذَا نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وَقِيلَ بَلْ هُوَ تَبْيِينٌ لِمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وَأَمَرَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ، عُلِمَ أَنَّهُ يُرَادُ بِالْمُشْرِكِينَ غَيْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَقِيلَ لَمَّا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وَجَبَ قَتْلُ كُلِّ مُشْرِكٍ إِلَّا مَنْ نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَنْ قَامَتْ بِتَرْكِ قَتْلِهِ الْحُجَّةُ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَمَنْ قَامَتْ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُ الْحُجَّةُ وَهُمُ الْمَجُوسُ وَقَائِلُ هَذَا يَقُولُ يُقْتَلُ الرُّهْبَانُ إِذَا لَمْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وَلَمْ تَقُمِ الْحُجَّةُ بِتَرْكِهِمْ إِلَّا بَعْدَ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ بِالْآيَةِ الْأُخْرَى ⦗٥٠١⦘ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَقُولُ لَا يُقْتَلُ الرُّهْبَانُ إِنْ لَمْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ لِأَنَّ فِي نَصِّ الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللِّسَانِ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ قَالَ اللَّهُ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] وَقَاتِلُوا فِي اللُّغَةِ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنَ اثْنَيْنِ فَخَرَجَ مِنْ هَذَا الرُّهْبَانُ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ لِأَنَّهُمْ لَيْسَتْ سَبِيلُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا وَمَعْنَى لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ لَا يُؤْمِنُونَ بِأَنَّهُ لَا مَعْبُودَ إِلَّا اللَّهُ وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: الْأَصْلُ إِلَهٌ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْأَصْلُ الْإِلَهُ ثُمَّ أُلْقِيَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ عَلَى اللَّامِ ثُمَّ أُدْغِمَ فَالتَّقْدِيرُ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْإِلَهِ الَّذِي لَا تَصْلُحُ الْأُلُوهَةُ إِلَّا لَهُ؛ لِأَنَّهُ ابْتَدَعَ الْأَشْيَاءَ ﴿وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخَرِ﴾ [النساء: ٣٨] لِأَنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ بِنَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَلَا بِالنَّارِ لِمَنْ أَعَدَّهَا اللَّهُ لَهُ ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] وَهِيَ فِعْلَةٌ مِنْ جَزَى فُلَانٌ فُلَانًا يَجْزِيهِ إِذَا قَضَاهُ أَيْ لَا يُؤَدُّونَ مَا عَلَيْهِمْ مِمَّا يَحْفَظُ رِقَابَهُمْ وَيَذِلُّونَ بِهِ عَنْ يَدٍ وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ فَمَا حُفِظَ فِيهِ عَنْ صَحَابِيٍّ أَنَّ مَعْنَى ﴿عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩] أَنْ يُؤَدِّيَهَا وَهُوَ قَائِمٌ وَالْآخْذُ مِنْهُ قَاعِدٌ هَذَا عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ⦗٥٠٢⦘ وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ وَقِيلَ عَنْ يَدٍ عَنْ إنعامٍ عَلَيْهِمْ وَقِيلَ عَنْ يَدٍ أَيْ يُؤَدِّيهَا بِيَدِهِ وَلَا يُوَجَّهُ بِهَا مَعَ رَسُولِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَمَعْنَى عَنْ يَدٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَهُوَ ذَلِيلٌ يُقَالُ أَدَّى ذَلِكَ عَنْ يَدِهِ وَعَنْ يَدٍ وَحَكَى سِيبَوَيْهِ بَايَعْتُهُ يَدًا بِيَدٍ ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] قَالَ عِكْرِمَةُ «إِعْطَاؤُهُ إِيَّاهَا صَغَارٌ لَهُ» ، وَقَالَ غَيْرُهُ وَأَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ جَارِيَةٌ عَلَيْهِمْ وَقَدْ أُدْخِلَتِ الْآيَةُ الْخَامِسَةُ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ

стр. 467

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [ التوبة: ٣٩]

стр. 468

حَدَّثَنَا عَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩] قَالَ: " نَسَخَتْهَا ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] الْآيَةَ " وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَعِكْرِمَةُ وَقَالَ ⦗٥٠٤⦘ غَيْرُهُمُ الْآيَتَانِ مُحْكَمَتَانِ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩] مَعْنَاهُ إِذَا احْتِيجَ إِلَيْكُمْ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَهَذَا مِمَّا لَا يُنْسَخُ لِأَنَّهُ خَبَرٌ وَوَعِيدٌ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] مُحْكَمٌ لِأَنَّهُ لَابُدَّ مِنْ أَنْ يَبْقَى بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ لِئَلَّا تَخْلُو دَارُ الْإِسْلَامِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَتَلْحَقَهُمْ مَكِيدَةٌ وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمِنَ التَّابِعِينَ وَقَدْ أُدْخِلَتِ الْآيَةُ السَّادِسَةُ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ

стр. 469

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ السَّادِسَةِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ

стр. 470

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا عَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ جُوَيبِْرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ : " نَسَخَ هَذِهِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢] «قَالَ الْحَسَنُ، وَعِكْرِمَةُ» ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٤٤] نَسَخَتِ الْآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ النُّورِ ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢] "

стр. 471

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَحَدَّثَنِي جَعْفَرُ بنُ مُجَاشِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [التوبة: ٤٤] " ثُمَّ نَزَلَ فِي النُّورِ ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢] ⦗٥٠٦⦘ " وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ: هَذِهِ الْآيَاتُ كُلُّهَا مُحْكَمَاتٌ قَالَ

стр. 472

كَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٤٥] " فَهَذَا تَعْيِيرٌ لِلْمُنَافِقِينَ حِينَ اسْتَأْذَنُوا فِي الْقُعُودِ عَنِ الْجِهَادِ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَعَذَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢] " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي الْآيَاتِ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَسْتأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٤٥] صِفَاتُ الْمُنَافِقِينَ لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَلَا بِعِقَابِهِ أَهْلُ مَعْصِيَتِهِ وَلَا بِثَوَابِهِ أَهْلُ طَاعَتِهِ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٤٥] أَيْ شَكَّكُوا لِأَنَّهُمْ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ مِنْ دِينِهِمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ مُتَحَيِّرِينَ لَا يَعْمَلُونَ عَلَى حَقِيقَةٍ وَقَدْ أُدْخِلَتِ الْآيَةُ السَّابِعَةُ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ

стр. 473

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ السَّابِعَةِ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] أُدْخِلَتْ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ لِأَنَّهَا نَسَخَتْ كُلَّ صَدَقَةٍ فِي الْقُرْآنِ

стр. 474

كَمَا حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُجَاشِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ،: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] قَالَ: «نَسَخَتْ هَذِهِ كُلَّ صَدَقَةٍ فِي الْقُرْآنِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ النَاسِخَةِ مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَمَا هُوَ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ فَمِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْهَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ وَالْفُقَهَاءُ وَأَهْلُ اللُّغَةِ وَأَهْلُ النَّظَرِ فَقَالُوا فِي ذَلِكَ أَحَدَ عَشَرَ قَوْلًا

стр. 475

فَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ،: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] ⦗٥٠٨⦘ قَالَ: «الْفُقَرَاءُ الَّذِينَ بِهِمْ زَمَانَةٌ وَالْمَسَاكِينُ الْأَصِحَّاءُ الْمُحْتَاجُونَ» فَهَذَا قَوْلٌ فِي الْفَرَقِ بَيْنَ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ وَقَالَ الضَّحَّاكُ: «الْفُقَرَاءُ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْمَسَاكِينُ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ» وَقَالَ عِكْرِمَةُ: «الْفُقَرَاءُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَسَاكِينُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ: «الْمَسَاكِينُ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْخُضُوعُ وَالْفُقَرَاءُ الَّذِينَ يَتَجَمَّلُونَ وَيَأْخُذُونَ فِي السِّرِّ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: «الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ وَالْفَقِيرُ الَّذِي لَهُ الْمَسْكَنُ وَالْخَادِمُ» فَهَذِهِ ⦗٥٠٩⦘ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ قَالُوا: الْمِسْكِينُ الَّذِي لَهُ شَيْءَ وَالْفَقِيرُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ: «الْفَقِرُاء وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَنْ لَا مَالٌ لَهُمْ وَلَا حِرْفَةَ تَقَعُ مِنْهُ مَوْقِعًا زَمِنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ زَمِنٍ سَائِلًا كَانَ أَوْ مُتَعَفِّفًا، وَالْمِسَاْكِينُ مَنْ لَهُ مَالٌ أَوْ حِرْفَةٌ لَا تَقَعُ مِنْهُ مَوْقِعًا وَلَا تُغْنِيهِ سَائِلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ سَائِلٍ» فَهَذِهِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ، وَقَالَ: أَبُو ثَوْرٍ الْفَقِيرُ الَّذِي لَهُ شَيْءٌ وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يُصِيبُ مِنْ كَسْبِهِ مَا يَقُوتُهُ وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ مِنْهُمْ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي جَمَاعَةٍ مَعَهُ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ وَالْفَقِيرُ الَّذِي لَهُ شَيْءٌ لَا يَكْفِيهُ، قَالَ يُونُسُ: قُلْتُ لِأَعْرَابِيٍّ أَفَقِيرٌ أَنْتَ؟ فَقَالَ: لَا بَلْ مِسْكِينٌ وَأَنْشَدَ أَهْلُ اللُّغَةِ: [البحر البسيط] أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ ... وِفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ ⦗٥١٠⦘ وَمِنْ أَجْلِ مَا رُوِيَ فِيهِ، مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ، ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «الْمَسَاكِينُ الطَّوَّافُونَ وَالْفُقَرَاءُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ» وَأَكْثَرُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ فِي اخْتِلَافٍ عَنْهُمَا: الْمِسْكِينُ السَّائِلُ وَالْفَقِيرُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ فَهَذِهِ تِسْعَةُ أَقْوَالٍ، وَمِنْ أَهْلِ النَّظَرِ مَنْ يَقُولُ الْفَقِيرُ هُوَ الْفَقِيرُ إِلَى الشَّيْءِ وَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ مَالًا فَقَدْ يَكُونُ غَائِبًا عَنْهُ وَيَكُونُ فَقِيرًا إِلَى أَخْذِ الصَّدَقَةِ وَالْمِسْكِينُ الَّذِي عَلَيْهِ الْخُضُوعُ وَالذِّلَّةُ وَالْقَوْلُ الْحَادِي عَشَرَ: أَنَّ الْفَقِيرَ هُوَ الَّذِي يُعْطَى لِفَقْرِهِ فَقَطْ وَالْمِسْكِينُ الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ مَعَ فَقْرِهِ خُضُوعُ وَذِلَّةُ السُّؤَالِ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَذْكُرْ كَثِيرًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ وَهُوَ مُسْتَخْرَجٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْجَمَاعَةِ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ مَعَهُ لِأَنَّ الْمِسْكِينَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَسْكَنَةِ وَهِيَ الْخُضُوعُ وَالذِّلَّةُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١] ⦗٥١١⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هَذِهِ الْأَقْوَالُ وَإِنْ كَثُرَتْ فَإِذَا جَمَعْتَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ وَنَظَرْتَ فِيهَا قَرُبَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ الْمِسْكِينُ كَذَا وَالْفَقِيرُ كَذَا لَمْ يَقُلْ إِنَّهُ لَا يُقَالُ لِغَيْرِهِ مِسْكِينٌ وَلَا فَقِيرٌ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ «إِذَا أَوْصَى رَجُلٌ بِشَيْءٍ لِلْفُقَرَاءِ جَازَ أَنْ يُدْفَعَ إِلَى الْمَسَاكِينِ وَإِذَا أَوْصَى بِشَيْءٍ إِلَى الْمَسَاكِينِ جَازَ أَنْ يُدْفَعَ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَإِذَا أَوْصَى لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُدْفَعَ إِلَى أَحَدِهِمَا» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ وَقَدْ قُلْنَا إِنَّ بَعْضَهَا يَقْرَبُ مِنْ بَعْضٍ وَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَا هُوَ أجْمَعَهَا وَهُوَ أَنَّ الْمِسْكِينَ هُوَ الَّذِي يَسْأَلُ النَّاسَ وَالْفَقِيرُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ وَلَا سِيَّمَا وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيهِ ثُمَّ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ الَّذِينَ يُرْجَعُ إِلَى قَوْلِهِمْ فِي تَفْسِيرِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَسْمَاءَ إِنَّمَا يُرْجَعُ فِيهَا إِلَى التَّعَارُفِ، وَالتَّعَارُفُ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا قِيلَ ادْفَعْ هَذَا إِلَى الْمَسَاكِينِ أَنَّهُمُ الَّذِينَ يَسْأَلُونَ وَإِذَا قِيلَ ادْفَعْ هَذَا إِلَى الْفُقَرَاءِ فَهُمُ الَّذِينَ لَا يَسْأَلُونَ وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا كِتَابُ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَسَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ يَقُولُ مُحْتَجًّا لِأَهْلِ اللُّغَةِ ⦗٥١٢⦘ لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِالْأَسْمَاءِ وَبِمَوْضُوعَاتِهَا، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ قَالَ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّكُونِ وَالسُّكُونِ ذَهَابُ الْحَرَكَةِ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهَا شَيْءٌ وَهَذِهِ صِفَةُ مَنْ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ شَيْئًا أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ فَقَرْتُهُ أَيْ كَسَرْتُ فِقَارَهُ فَهَذَا قَدْ بَقِيَ لَهُ شَيْءٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ فَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩] فَإِذَا صَحَّ أَنَّ الْمِسْكِينَ هُوَ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ فَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا سَهْلٌ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْمَلُونَ فِيهَا كَمَا يُقَالُ قَصَدْتُ فُلَانًا فِي دَارِهِ وَإِنْ كَانَ مُكْتَرِيًا لَهَا وَكَمَا يُقَالُ سَرْجُ الدَّابَّةِ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نُسِبُوا إِلَى الْمَسْكَنَةِ وَهِيَ الْخُضُوعُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا مِسْكِينَةُ عَلَيْكِ السَّكِينَةُ» وَقَالَ ﵇: «مِسْكِينٌ مِسْكِينٌ مَنْ لَا امْرَأَةَ لَهُ وَمِسْكِينَةٌ مِسْكِينَةٌ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا» ⦗٥١٣⦘ فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ

стр. 476

كَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنِ الْمِسْكِينُ؟ قَالَ: «الَّذِيُ لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُعْطَى وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ» فَقِيلَ: مَعْنَى هَذَا أَنَّ الَّذِيَ يَسْأَلُ يَجِيئُهُ الشَّيْءُ بَعْدَ الشَّيْءِ وَقِيلَ الْمَعْنَى لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي فِي نِهَايَةِ الْمَسْكَنَةِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمِسْكِينَ السَّائِلَ وَيَكُونُ الْمَعْنَى لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَعُدُّونَهُ فِيكُمْ مِسْكِينًا هَذَا كَمَا قَالَ ﵇: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» وَلِهَذَا نَظَائِرُ مِنْهَا: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «إِنَّمَا الْمَحْرُوبُ مَنْ حُرِبَ ⦗٥١٤⦘ دِينَهُ» أَيِ الْمَحْرُوبُ عَلَى الْحَقِيقَةِ هُوَ هَذَا وَقَالَ ﵇: «مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟» قَالُوا: الَّذِي لَا يَعِيشُ لَهُ وَلَدٌ، قَالَ: «بَلِ الرَّقُوبُ الَّذِي لَمْ يَمُتْ لَهُ وَلَدٌ» أَيْ هَذَا الَّذِي لَمْ يَمُتْ لَهُ وَلَدٌ هُوَ أَوْلَى بِهَذَا الِاسْمِ أَيْ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ قَدْ لَحِقْتُهُ الْمُصِيبَةُ وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ فِي قَسْمِ الزَّكَوَاتِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِي أَيِّ صِنْفٍ قَسَّمَتْهَا مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ جَزَى عَنْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ يُقْسَمُ فِي الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ كَمَا سَمَّاهَا اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يُقْسَمُ عَلَى سِتَّةٍ يَسْقُطُ مِنْهَا سَهْمُ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا كَانُوا فِي وَقْتِ النَّبِيِّ ﵇ وَسَهْمُ الْعَامِلِينَ إِذَا فَرَّقَ الْإِنْسَانُ زَكَاتَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ يُرْوَى عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عُمَرَ وحُذَيْفَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ الصَّدَقَاتِ جَائِزٌ أَنْ تُدْفَعَ إِلَى بَعْضِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ دُونَ بَعْضٍ ⦗٥١٥⦘ وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافٌ لِهَذَا وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا تُقْسَمُ فِيمَنْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَحُجَّتُهُ ظَاهِرُ الْآيَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ إِذَا أَوْصَى رَجُلٌ لِجَمَاعَةٍ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَحُجَّةُ مَنْ ذَكَرْنَا غَيْرَهُ أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِلْوَصِيَّةِ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا يَجُوزُ أَنْ تُقْسَمَ إِلَّا فِيمَنْ سُمِّيَتْ لَهُ فَإِنْ فُقِدَ بَعْضُهُمْ لَمْ يَرْجِعْ سَهْمُهُ إِلَى مَنْ بَقِيَ، وَقَدْ ⦗٥١٦⦘ أَجْمَعَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا فُقِدَ مَنْ ذُكِرَ فِي الْآيَةِ رَجَعَ سَهْمُهُ إِلَى مَنْ بَقِيَ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَلَا يُوصَلُ إِلَى أَنْ يَعُمَّ كُلَّ مَنْ ذُكِرَ فِي الْآيَةِ لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ لَا يُحَاطُ بِهِمْ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﵇ حِينَ قَالَ لِسَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ حِينَ وَطِئَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَهَارًا: «أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَقَالَ مَا بِتْنَا لَيْلَتَنَا إِلَّا وَحْشًا لَا نَصِلُ إِلَى شَيْءٍ، فَقَالَ امْضِ إِلَى بَنِي زُرَيْقٍ فَخُذْ صَدَقَتَهُمْ فَتَصَدَّقْ بِوَسْقٍ عَلَى سِتِّينَ مِسْكِينًا وَكُلْ أَنْتَ وَعِيَالُكَ مَا بَقِيَ» فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ صَدَقَةَ هَذِهِ الْقَبِيلَةِ وَلَمْ يَقْسِمْهَا عَلَى ثَمَانِيَةٍ "، فَلَمَّا احْتَمَلَ قَوْلُهُ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] الْآيَةَ أَنْ يُقْسَمَ عَلَى هَذَا وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى يُقْسَمُ فِي هَذَا الْجِنْسِ وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ ثُمَّ جَاءَ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَحَدُ الْمَعْنِيِّينَ كَانَ أَوْلَى مَعَ حُجَّةِ مَنْ ذَكَرْنَاهُ وَأَمَّا ﴿الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] قَالَ الزُّهْرِيُّ: «هُمُ السُّعَاةُ» قَالَ الْحَسَنُ «يُعْطَوْنَ بِمِقْدَارِ عَمَلِهِمْ» وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ «لَهُمُ الثَّمَنُ» ⦗٥١٧⦘ فَأَمَّا وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ قَوْمٌ أَسْلَمُوا وَلَمْ يَكُنْ إِسْلَامُهُمْ قَوِيًّا فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَمِيلَهُمْ وَيُعْطِيَهُمْ مِنَ الصَّدَقَاتِ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ وَالضِّرْبُ الْآخَرُ قَوْمٌ فِي نَاحِيَتِهِمْ عَدُوٌّ قَدْ كَفُوا الْمُسْلِمِينَ مَؤُونَتَهُ فَيُعَانُونَ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ وَأَمَّا ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُمُ الْمُكَاتَبُونَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ زَيْدٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ يَجُوزُ أَنْ يُعْتِقَ مِنَ الزَّكَاةِ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَمَّا ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠] فَهُمْ عَلَى ضَرْبَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَحَدُهُمَا أَنْ يُدَانَ الرَّجُلُ فِي مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ فَيُقْضَى دَيْنُهُ وَالْآخَرُ أَنْ يُدَانَ الرَّجُلُ فِي حَمَّالَاتٍ وَفِي مَعْرُوفٍ وَفِيمَا فِيهِ صَلَاحٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَيُقْضَى دَيْنُهُ ⦗٥١٨⦘، وَأَمَّا وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ يَقُولُ لِلْغُزَاةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُجِيزُ أَنْ يُعْطَى فِي الْحَجِّ وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ وَأَمَّا ﴿وَابْنُ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٧٧] فَهُوَ الْمُنْقَطِعُ بِهِ الَّذِي لَيْسَ بِبَلَدِهِ يُعْطَى مَا يَتَحَمَّلُ بِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي بَلَدِهِ مَالٌ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَفِي هَذِهِ، الْآيَةُ أَيْضًا مَا قَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُوَ مِنْ سَبِيلِهِ أَنْ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ

стр. 477

فَمِنْ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ غُلَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَبِي الزَّرْقَاءِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، قَالَ: «إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ خَمْسُونَ دِرْهَمًا فَلَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ مِنَ الزَّكَاةِ شَيْءٌ وَلَا يُدْفَعُ إِلَى أَحَدٍ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسِينَ دِرْهَمًا» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذَا الْقَوْلُ يُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، وَأَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، وإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ لِأَنَّ فِيهِ حَدِيثًا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ

стр. 478

كَمَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَتْ يَعْنِي مَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُمُوشًا، أَوْ كُدُوحًا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَاذَا يُغْنِيهِ أَوْ مَاذَا غِنَاهُ؟ قَالَ: «خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ حِسَابُهَا مِنَ الذَّهَبِ» قَالَ يَحْيَى بْنُ أَدَمَ قَالَ سُفْيَانُ وَحَدَّثَنَا زُبَيْدٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَكِيمُ بْنُ جُبَيْرٍ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ لِقَوْلِ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ هَذَا قَوْلٌ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَحِلُّ لِمَنْ يَمْلِكُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ شَيْئًا وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ سَمِعَ ⦗٥٢٠⦘ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا قَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا» وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ «لَا يَحِلُّ لِمَنْ مَعَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ شَيْئًا» وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ قَالَ: «وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ أَصْلَانِ فِيمَنْ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ» وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الْقَوْلَ بِهَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ أَنَّ الصَّحِيحَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَحِدَّ فِي ذَلِكَ حَدًّا وَقَالَ عَلَى مِقْدَارِ الْحَاجَةِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلرَّجُلِ الْجُمْلَةُ مِنَ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَعَلَيْهِ عِيَالٌ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى أَكْثَرَ مِنْهَا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ ⦗٥٢١⦘ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَقُولُ مَنْ كَانَتْ مَعَهُ عِشْرُونَ دِينَارًا أَوْ مِائَتَا دِرْهَمٍ لَمْ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ شَيْئًا وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمُعَاذٍ: «عَرِّفْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُجْعَلُ فِي فُقَرَائِهِمْ» فَقَدْ صَارَ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ غَنِيًّا مِنَ الْمَالِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِيهِ الْخُمُوشَ تَفْسِيرُ مَا فِيهِ مِنَ الْغَرِيبِ وَغَيْرِهِ، الْخُمُوشُ الْخُدُوشُ وَاحِدُهَا خُمْشٌ وَقَدْ خَمَشَ وَجْهُهُ يَخْمِشُهُ وَيَخْمُشُهُ خَمْشًا وَخُمُوشًا، وَالْكُدُوحُ الْآثَارُ مِنَ الْخَدْشِ وَالْعَضِّ وَمِنْهُ حِمَارٌ مُكَدَّحٌ أَيْ مُعَضَّضٌ، وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: «لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ إِلَّا يَحْيَى بْنُ آدَمَ» وَقَالَ غَيْرُهُ لَمَّا قَالَ سُفْيَانُ حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَمْ يَصِلِ الْحَدِيثَ فَقَالَ مَنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَصِلَهُ لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَهُ بَدْءًا وَقَدْ غَمَزَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَلَى يَحْيَى بْنِ آدَمَ فَقَالَ: قَرَأْتُ عَلَى وَكِيعٍ حَدِيثَ يَحْيَى بْنَ آدَمَ عَنْ سُفْيَانَ فَقَالَ لَيْسَ هَذَا ثَوْرِيُّنَا الَّذِي نَعْرِفُهُ ⦗٥٢٢⦘ فَأَمَّا غَيْرُ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ فَمُقَدِّمٌ لِيَحْيَى بْنِ آدَمَ حَتَّى قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: «بَلَغَنِي أَنَّهُ يَخْرُجُ فِي كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ يُقَوِّي اللَّهُ بِهِ الدِّينَ وَإِنَّ يَحْيَى بْنِ آدَمَ عِنْدِي مِنْهُمْ» وَاخْتَلَفُوا فِي الْآيَةِ الثَّامِنَةِ فَقَالُوا فِيهَا قَوْلَيْنِ

стр. 479

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الثَّامِنَةِ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] الْآيَةَ

стр. 480

وَفِي رِوَايَةِ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] فَقَالَ: " لَأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ فَنَسَخَتْهَا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦] " فَهَذَا قَوْلٌ. وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ وَإِنَّمَا هَذَا عَلَى التَّهْدِيدِ لَهُمْ أَيْ لَوِ اسْتَغْفَرَ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا غُفِرَ لَكُمْ فَقَالَ قَائِلٌ: هَذَا الْقَوْلُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُنَافِقٍ لِأَنَّ الْمُنَافِقَ كَافِرٌ بِنَصِّ كِتَابِ اللَّهِ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] إِلَى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا "﴾ [المنافقون: ٣] ، وَقَالَ مَنِ احْتَجَّ بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ الْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ

стр. 481

كَمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] قَالَ: " لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ أَتَى ابْنُهُ وَقَوْمُهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمُوهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ وَيَقُومَ عَلَى قَبْرِهِ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّي عَلَيْهِ قَالَ عُمَرُ ﵁ فَقُمْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَازَةِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُصَلِّي عَلَيْهِ وَهُوَ الْفَاعِلُ كَذَا وَكَذَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا وَهُوَ الرَّاجِعُ بِثُلُثِ النَّاسِ ⦗٥٢٤⦘ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ الْقَائِلُ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا؟ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ وَجَعَلَ عُمَرُ يُرَدِّدُ قَوْلَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي لَوِ اسْتَغْفَرْتُ لَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً غُفِرَ لَهُمْ لَاسْتَغْفَرْتُ لَهُمْ» فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَوَقَفَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى دُفِنَ فَمَا لَبِثْنَا إِلَّا لَيَالِيَ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمُ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٨٥] قَالَ فَكَانَ عُمَرُ يَعْجَبُ مِنْ جُرْأَتِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَقَالُوا فِي هَذَا الْحَدِيثَ إِنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِ بَعْدَ كَلَامِ عُمَرَ إِيَّاهُ وَإِنْ كَانَ كَلَامُ عُمَرَ قَدْ أُحْمِدَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا بَعَثَ اللَّهُ قَطُّ نَبِيًّا إِلَّا وَفِي أُمَّتِهِ مُحَدَّثٌ فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي فَهوُ عُمَرُ ﵁» ، فَقِيلَ مَعْنَى مُحَدَّثٍ يُنْطَقُ عَلَى لِسَانِهِ بِالْحَقِّ

стр. 482

وَفِي حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعُمَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَنْهَنِي عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ وَإِنَّمَا خَيَّرَنِي " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّوْقِيفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ أَوْ هَاهُنَا لِلتَّخْيِيرِ أَعْنِي مِنْ قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ ﵇ لَمُنَافِقٍ؟ فَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ عَلَى أَنَّهُ مُسْلِمٌ، وَبَاطِنُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ قِيلَ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا نَاسِخٌ لِفِعْلِهِ ﵇ لَا لِلْآيَةِ الْأُخْرَى وَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٤] نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا غَلَطٌ عَظِيمٌ وَلِهَذَا كَرِهَ الْعُلَمَاءُ أَنْ يَجْتَرِئَ أَحَدٌ عَلَى تَفْسِيرِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَكُونَ عَالِمًا بِأَشْيَاءَ مِنْهَا الْآثَارُ وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْآثَارِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] لَيْسَ هُمُ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] ⦗٥٢٦⦘ وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ بَعْدَ ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤] فَكَيْفَ لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ تَابَ؟ وَأَهْلُ التَّأْوِيلِ يَقُولُونَ نَزَلَتْ ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] فِي أَبِي لُبَابَةَ وَجَمَاعَةٍ مَعَهُ رَبَطُوا أَنْفُسَهُمْ فِي السَّوَارِي لِأَنَّهُمْ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ إِلَى أَنْ تَابَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ عَلَيْهِمْ وَقَدْ ذُكِرَتِ الْآيَةُ التَّاسِعَةُ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ

стр. 483

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ التَّاسِعَةِ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] مَذْهَبُ ابْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ نَسَخَهَا وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً وَمَذْهَبُ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَيْسَ هَاهُنَا نَاسِخٌ وَلَا مَنْسُوخٌ وَأَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى تُوجِبُ إِذَا نَفَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَوِ احْتِيجَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَنْفَرُوا لَمْ يَسَعْ أَحَدًا التَّخَلُّفُ وَإِذَا بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً تَخَلَّفَتْ طَائِفَةٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ ⦗٥٢٨⦘، وَالضَّحَّاكِ، وَقَتَادَةَ

стр. 484

سُورَةُ يُونُسَ ﷺ

стр. 485

حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَمُوتُ بْنُ الْمُزَرَّعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَزَلَتْ سُورَةُ يُونُسَ بِمَكَّةَ فَهِيَ مَكِّيَّةٌ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: لَمْ نَجِدْ فِيهَا مِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْكِتَابِ إِلَّا مَوْضِعًا وَاحِدًا قَالَ اللَّهُ ﴿وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٩] أَيِ اصْبِرْ عَلَى أَذَاهُمْ وَمَكْرُوهِهِمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ وَهُوَ خَيْرُ الْقَاضِينَ وَأَعْدَلُ الْفَاصِلِينَ، فَمَذْهَبُ ابْنِ زَيْدٍ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ وَإِنَّمَا نُسِخَ مِنْهَا الصَّبْرُ عَلَيْهِمْ قَالَ: أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا الْأَمْرَ بِالْجِهَادِ وَالْغِلْظَةَ عَلَيْهِمْ

стр. 486

سُورَةُ هُودٍ

стр. 487

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا يَمُوتُ بْنُ الْمُزَرَّعِ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَزَلَتْ سُورَةُ هُودٍ بِمَكَّةَ فَهِيَ مَكِّيَّةٌ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: لَمْ نَجِدْ فِيهَا مِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْكِتَابِ إِلَّا آيَّةً وَاحِدَةً

стр. 488

مِنْ رِوَايَةِ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [هود: ١٥] " قَالَ: أَيْ ثَوَابَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا قَالَ: ﴿وَزِينَتَهَا﴾ [هود: ١٥] مَا لَهَا ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود: ١٥] قَالَ: نُوفِّرْ لَهُمْ ثَوَابَ أَعْمَالِهِمْ بِالصِّحَّةِ وَالسُّرُورِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ، قَالَ لَا يُنْقَصُونَ قَالَ: ثُمَّ نَسَخَتْهَا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ هَاهُنَا نَسْخٌ لِأَنَّهُ خَبَرٌ وَالنَّسْخُ فِي الْأَخْبَارِ مُحَالٌ لَوْ جَازَ النَّسْخُ فِيهَا مَا عُرِفَ حَقٌّ مِنْ بَاطِلٍ وَلَا صِدْقٌ مِنْ كَذِبٍ، وَلَبَطَلَتِ الْمَعَانِي وَلَجَازَ لِرَجُلٍ أَنْ يَقُولَ لَقِيتُ فُلَانًا ثُمَّ يَقُولُ نَسَخَتْهُ مَا لَقِيتُهُ

стр. 489

سُورَةُ يُوسُفَ ﷺ

стр. 490

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا يَمُوتُ بْنُ الْمُزَرَّعِ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَزَلَتْ سُورَةُ يُوسُفَ بِمَكَّةَ فَهِيَ مَكِّيَّةٌ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: رَأَيْتُ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ قَدْ ذَكَرَ أَنَّ فِيهَا آيَةٌ مَنْسُوخَةٌ وَهِيَ قَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ إِخْبَارًا عَنْ يوسُفَ ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] قَالَ نَسْخَهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا قَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ وَلَوْلَا أَنَّا أَرَدْنَا أَنْ يَكُونَ كِتَابُنَا مُتَقَصًّا لَمَا ذَكَرْنَاهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١] تَوَفَّنِي السَّاعَةَ وَهَذَا بَيِّنٌ جِدًّا لَا إِشْكَالَ فِيهِ وَلَوْ صَحَّ أَنَّ قَوْلَ يُوسُفَ ﷺ ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١] أَنَّهُ يُرِيدُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِمَا كَانَ مَنْسُوخًا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا قَالَ: " لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فَإِذَا تَمَنَّاهُ إِنْسَانٌ لِغَيْرِ ضُرٍّ فَلَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِلنَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَتَمَنَّى الْمَوْتَ مَنْ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ مُتَخَلِّصًا

стр. 491

مِنَ الْكَبَائِرِ فَهَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لَمَّا اسْتَقَامَتْ أُمُورُهُ وَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ الْفُتُوحَ وَأَسْلَمَ بِبَرَكَتِهِ مَنْ لَا يُحْصَى عَدَدُهُ تَمَنَّى الْمَوْتَ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ كَبِرَتْ سِنِّي وَرَقَّ عَظْمِي وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مُفَرِّطٍ وَلَا مُضَيِّعٍ»

стр. 492

وَعَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ» فَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ السَّلِيمَ مِنَ الذُّنُوبِ مُحِبٌّ لِلِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ وَقَدْ قِيلَ هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ

стр. 493

سُورَةُ الرَّعْدِ

стр. 494

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا يَمُوتٌ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «سُورَةُ الرَّعْدِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ فَهِيَ مَكِّيَّةٌ»

стр. 495

وَرَوَى حُمَيْدٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «سُورَةُ الرَّعْدِ مَكِّيَّةٌ لَيْسَ فِيهَا نَاسِخٌ وَلَا مَنْسُوخٌ»
следующие страницы →