← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13073

الناسخ والمنسوخ - النحاس

أبو جعفر النحاس

Полный текст (735 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

مِنَ الْكَبَائِرِ فَهَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لَمَّا اسْتَقَامَتْ أُمُورُهُ وَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ الْفُتُوحَ وَأَسْلَمَ بِبَرَكَتِهِ مَنْ لَا يُحْصَى عَدَدُهُ تَمَنَّى الْمَوْتَ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ كَبِرَتْ سِنِّي وَرَقَّ عَظْمِي وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مُفَرِّطٍ وَلَا مُضَيِّعٍ»

стр. 492

وَعَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ» فَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ السَّلِيمَ مِنَ الذُّنُوبِ مُحِبٌّ لِلِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ وَقَدْ قِيلَ هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ

стр. 493

سُورَةُ الرَّعْدِ

стр. 494

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا يَمُوتٌ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «سُورَةُ الرَّعْدِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ فَهِيَ مَكِّيَّةٌ»

стр. 495

وَرَوَى حُمَيْدٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «سُورَةُ الرَّعْدِ مَكِّيَّةٌ لَيْسَ فِيهَا نَاسِخٌ وَلَا مَنْسُوخٌ»

стр. 496

وَرَوَى سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: " سُورَةُ الرَّعْدِ مَدَنِيَّةٌ إِلَّا آيَةً وَاحِدَةً، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١] الْآيَةَ " وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّهُ الْمُتَعَارَفُ

стр. 497

كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ⦗٥٣٦⦘ أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، قَالَ قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] أَهُو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَّامٍ، قَالَ: " كَيْفَ يَكُونُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَّامٍ وَالسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ؟ قَالَ: وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَقْرَأُ ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: أَنْكَرَ هَذَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ لِأَنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَّامٍ إِنَّمَا أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ

стр. 498

سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ ﷺ

стр. 499

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا يَمُوتٌ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ فَهِيَ مَكِّيَّةٌ سِوَى آيَتَيْنِ مِنْهَا نَزَلَتِا بِالْمَدِينَةِ وَهُمَا قَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ نَزَلَتَا فِي قَتْلَى بَدْرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ " وَرَوَى، سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: " سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ مَكِّيَّةٌ إِلَّا آيَتَيْنِ مِنْهَا نَزَلَتَا بِالْمَدِينَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] إِلَى ﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم: ٢٩] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالَّذِي قَالَهُ قَتَادَةُ لَا يَمْتَنِعُ قَدْ تَكُونُ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ ثُمَّ يَنْزِلُ الشَّيْءُ بِالْمَدِينَةِ فَيَأْمُرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِجَعْلِهِ فِيهَا وَلَا يَكُونُ هَذَا لِأَحَدٍ غَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَا يَأْتِيهِ مِنَ الْوَحْيِ بِذَلِكَ إِذْ كَانَ تَأْلِيفُ الْقُرْآنِ مُعْجِزًا لَا يُؤْخَذُ إِلَّا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ رَسُولِهِ ﷺ وَعَنِ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ لَا يَلْحَقُهُمُ الْغَلَطُ وَلَا يَتَوَاطَئُونَ عَلَى الْبَاطِلِ

стр. 500

سُورَةُ الْحِجْرِ

стр. 501

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا يَمُوتٌ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَزَلَتْ سُورَةُ الْحِجْرِ بِمَكَّةَ فَهِيَ مَكِّيَّةٌ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: لَمْ نَجِدْ فِيهَا مِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْكِتَابِ إِلَّا حَرْفَيْنِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] قَالَ سَعِيدٌ عَنْ، قَتَادَةَ، " نَسَخَتْهُ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمُ﴾ [البقرة: ١٩١] وَالْحَرْفُ الْآخَرُ ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] " رُوِيَ، عَنِ، ابْنِ عَبَّاسٍ: «نَسَخَتْهُ بَرَاءَةٌ، وَالْأَمْرُ بِالْقِتَالِ»

стр. 502

سُورَةُ النَّحْلِ

стр. 503

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا يَمُوتٌ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " وَسُورَةُ النَّحْلِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ فَهِيَ مَكِّيَّةٌ سِوَى ثَلَاثِ آيَاتٍ مِنْ آخِرِهَا فَإِنَّهُنَّ نَزَلْنَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فِي مُنْصَرَفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أُحُدٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ قُتِلَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَئِنْ أَظْفَرَنِيَ اللَّهُ بِهِمْ لَأُمَثِّلَنَّ بِثَلَاثِينَ مِنْهُمْ» فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَئِنْ أَظْفَرَنَا اللَّهُ بِهِمْ لَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ تَمْثِيلًا لَمْ يُمَثِّلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثَ آيَاتٍ وَهُنَّ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] وَمَا نَزَلَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَهُوَ مَدَنِيٌّ " ⦗٥٤٢⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فِي هَذِهِ السُّورَةِ مَوْضِعَانِ يَصْلُحَانِ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]

стр. 504

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] قَالَ: «السَّكَرُ مَا حُرِّمَ مِنْ ثَمَرَاتِهَا وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ مَا حُلَّ مِنْ ثَمَرَاتِهَا»

стр. 505

قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ [النحل: ٦٧] قَالَ: «خُمُورُ الْأَعَاجِمِ وَنُسِخَتْ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ» قَالَ: «وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ مَا يَنْتَبِذُونَ وَيُخَلِّلُونَ وَيَأْكُلُونَ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْقَوْلُ فِي أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ يُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ⦗٥٤٣⦘، وَمُجَاهِدٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَأَبِي رَزِينٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: الْحَقُّ فِي هَذَا أَنَّهُ خَبَرٌ لَا يَجُوزُ فِيهِ نَسْخٌ وَلَكِنْ يَتَكَلَّمُ الْعُلَمَاءُ بِشَيْءٍ فَيَتَأَوَّلُ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ غَلَطٌ لِأَنَّ قَوْلَ قَتَادَةَ: «وَنُسِخَتْ يَعْنِي الْخَمْرَ أَيْ نُسِخَتْ إِبَاحَتُهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا» أَنَّ سَعِيدًا رَوَى عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] وَالْخَمْرُ يَوْمَئِذٍ حَلَالٌ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ تَحْرِيمَهَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ هَذَا وَنَزَلَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالنَّظَرِ قَالُوا غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ السَّكَرُ الطَّعْمُ وَقَالَ غَيْرُهُ السَّكَرُ مَا سَدَّ الْجُوعَ مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ سَكَرْتُ النَّهْرَ أَيْ سَدَدْتُهُ فَتَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا عَلَى هَذَا مَا كَانَ مِنَ الْعَجْوَةِ وَالرُّطَبِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ إِذَا شُرِحَ وَالْمَوْضِعُ الْآخَرُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] مَنْ قَالَ هُوَ مَنْسُوخٌ قَالَ نَسْخَهُ الْأَمْرُ بِالْقِتَالِ فِي ⦗٥٤٤⦘ سُورَةِ بَرَاءَةَ وَمَنْ قَالَ لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ قَالَ الْمُجَادَلَةُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ هِيَ الِانْتِهَاءُ إِلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَهَذَا لَا يَنْسَخُ

стр. 506

سُورَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ

стр. 507

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا يَمُوتٌ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَزَلَتْ سُورَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَكَّةَ فَهِيَ مَكِّيَّةٌ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ مِمَّا يَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ فِي هَذَا الْكِتَابِ الْأُولَى مِنْهُنَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] فِي هَذَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] هُوَ مَنْسُوخٌ بِأَنَّ هَذَا مُجْمَلٌ وَلَا يَجُوزُ إِنْ كَانَ أَبَوَاهُ مُشْرِكَيْنِ أَنْ يَتَرَحَّمَ عَلَيْهِمَا

стр. 508

وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَجُوزُ هَذَا إِذَا كَانَا حَيَّيْنِ فَإِذَا مَاتَا لَمْ يَجُزْ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَرَحَّمَ عَلَى كَافِرٍ وَلَا يُسْتَغْفَرَ لَهُ حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا، وَالْآيَةُ مُحْكَمَةٌ مُسْتَثْنًى مِنْهَا الْكُفَّارُ

стр. 509

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُجَاشِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] : " نُسِخَ مِنْهُ حَرْفٌ وَاحِدٌ لَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِأَبَوَيْهِ إِذَا كَانَا مُشْرِكَيْنِ، لَا يَقُولُ: رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا وَلَكِنْ لِيَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَلْيَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا مَعْرُوفًا " قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] ، فَنَسَخَ هَذَا: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] " وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمْ يَزَلْ إِبْرَاهِيمُ ﵇ يَسْتَغْفِرُ لِأَبِيهِ حَتَّى مَاتَ فَلَمَّا مَاتَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ فَتَبَرَّأَ مِنْهُ» ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ ⦗٥٤٧⦘ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» ⦗٥٤٨⦘ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ، ظَاهِرُ الْقُرْآنِ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزَلْ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهِ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيُخْبِرُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَغْفِرُ الشِّرْكَ وَمَعَ هَذَا فَيَقُولُ ﷺ فِي النَّصَارَى وَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ «لَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ» فَكَيْفَ يُسْتَغْفَرُ لِمَنْ هَذِهِ حَالُهُ أَوْ يُبَجَّلُ أَوْ يُعَظَّمُ بِالدُّعَاءِ لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَأَيْضًا فَإِنَّ الشِّرْكَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ وَأَشَدُّهَا فَكَيْفَ يُدْعَى لِأَهْلِهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَلَمْ يَصِحَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ الِاسْتِغْفَارَ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَا فَرَضَهُ وَلَا يَنْسَخُ إِلَّا مَا أُبِيحَ أَوْ فُرِضَ فَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فَقَدْ قِيلَ إِنَّ أَبَاهُ وَعَدَهُ أَنَّهُ يُظْهِرَ إِسْلَامَهُ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ فَلَمَّا لَمْ يُظْهِرْ إِسْلَامَهُ تَرَكَ الِاسْتِغْفَارَ لَهُ فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] فَهَلْ يَكُونُ هَذَا فِي الْعَرَبِيَّةِ إِلَّا بَعْدَ الِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ؟ فَقَدْ أَجَابَ عَنْ هَذَا بَعْضُ أَهْلِ النَّظَرِ فَقَالَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ ظَنَّ أَنَّ هَذَا جَائِزٌ فَاسْتَغْفَرَ لِأَبَوَيْهِ وَهُمَا مُشْرِكَانِ فَنَزَلَ هَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هَذَا لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ يَجُوزُ لِأَنَّ فِيهِ حَدِيثًا قَدْ غَابَ عَنْ هَذَا الْمُجِيبِ

стр. 510

حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ ⦗٥٤٩⦘ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا، يَسْتَغْفِرُ لِأَبَوَيْهِ وَهُمَا مُشْرِكَانِ فَقُلْتُ لَهُ: " أَتَسْتَغْفِرُ لِأَبَوَيْكَ وَهُمَا مُشْرِكَانِ؟ فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدِ اسْتَغْفَرَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ لِأَبِيهِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا رُوِيَ فِي الْآيَةِ، مَعَ اسْتِقَامَةِ طَرِيقِهِ وَصِحَّةِ إِسْنَادِهِ

стр. 511

وَعَلَى أَنَّ الزُّهْرِيَّ، قَدْ رَوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي طَالِبٍ عِنْدَ مَوْتِهِ وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَقَالَ: «يَا عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ وَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْرِضُ عَلَيْهِ وَهُمَا يُعَارِضَانِهِ فَكَانَ آخِرُ كَلِمَةٍ قَالَهَا عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] وَأَنْزَلَ فِي أَبِي طَالِبٍ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ⦗٥٥٠⦘ " وَحَدِيثُ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ هَذَا فِي نُزُولِ الْآيَةِ قَالَ: " كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَلَسَ عَلَى قَبْرٍ بَيْنَ الْقُبُورِ فَبَكَى حَتَّى ارْتَفَعَ نَحِيبُهُ فَفَزِعْنَا لِذَلِكَ فَلَمَّا قَامَ قَالَ لَهُ عُمَرُ مِمَّا بَكَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «عَلَى قَبْرِ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي جَلَّ وَعَزَّ فِي الِاسْتِغْفَارِ لَهَا فَأَنْزَلَ عَلَيَّ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ» ﴾ [التوبة: ١١٣] الْآيَةَ فَدَخَلَنِي مَا يَدْخُلُ الْوَلَدَ لِوَالِدَيْهِ فَبَكَيْتُ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ بِمُتَنَاقِضَةً لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَغْفَرَ لِمُشْرِكٍ

стр. 512

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشَدُّهُ﴾ [ الأنعام: ١٥٢]

стр. 513

حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُجَاشِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] : " فَكَانُوا مِنْ هَذَا فِي جَهْدٍ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمُ﴾ [البقرة: ٢٢٠] " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ مُجَاهِدٌ أَيْ: «لَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ فَتَسْتَقْرِضُوا مِنْهُ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ التِّجَارَةُ لَهُمْ» وَقَالَ رَبِيعَةُ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَمَالِكٌ: «الْأَشُدُّ الْحُلُمُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَبَلَغَ أَشَدَّهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَلَيْسَ هَذَا بِمُتَنَاقِضٍ يَكُونُ أَوَّلُ الْأَشُدِّ بُلُوغَ الْحُلُمِ فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ الْقَوْلَانِ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَمْرَ الْيَتَامَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا

стр. 514

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] ، فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " نَسَخَتْهَا الْآيَةُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] ، قَالَ دُونَ الْعَلَانِيَةِ مِنَ الْقِرَاءَةِ ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] ، قَالَ: بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] ، قَالَ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ " وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ، ابْنِ عَبَّاسٍ: " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ فَإِذَا جَهَرَ بِهِ سَبَّ الْمُشْرِكُونَ الْقُرْآنَ وَمَنْ جَاءَ بِهِ فَخَفَّضَ صَوْتَهُ حَتَّى لَا يَسْمَعَهُ أَحَدٌ فَنَزَلَتْ ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] أَيْ أَسْمِعْهُمُ الْقُرْآنَ حَتَّى يَأْخُذُوهُ عَنْكَ "

стр. 515

وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّ الْمَعْنَى فِي الدُّعَاءِ وَأَنَّ الصَّلَاةَ هَاهُنَا الدُّعَاءُ هَذَا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي مُوسَى وَعَائِشَةَ

стр. 516

كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَتْ لِي خَالَتِي عَائِشَةُ يَا ابْنَ أُخْتِي هَلْ تَدْرِي فِيمَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] قُلْتُ: لَا: قَالَتُ: «أُنْزِلَتْ فِي الدُّعَاءِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي الْآيَةِ لِأَنَّ فِيهِ هَذَا التَّوْقِيفَ عَنْ عَائِشَةَ، وَالْمَعْرُوفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّ الصَّلَاةَ الدُّعَاءُ وَلَا يُقَالُ لِلْقِرَاءَةِ صَلَاةٌ إِلَّا عَلَى مَجَازٍ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى كَرَاهَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالدُّعَاءِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] وَأَمَّا أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ مَنْسُوخَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥] فَبَعِيدٌ لِأَنَّ هَذَا عُقَيْبُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] فَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا أَنْصَتَ أَنْ يَذْكُرَ رَبَّهُ فِي نَفْسِهِ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً مِنْ عِقَابِهِ وَلِهَذَا كَانَ هَاهُنَا ⦗٥٥٤⦘ وَخِيفَةً وَثَمَّ وَخُفْيَةً وَمَعَ هَذَا فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي كَرَاهَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالدُّعَاءِ مَا يُقَوِّي هَذَا وَقَدْ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] قَالَ: «مِنَ الِاعْتِدَاءِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالدُّعَاءِ وَالنِّدَاءُ وَالصِّيَاحُ بِهِ»

стр. 517

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَنَزَلْنَا فِي وَهْدَةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَرَفَعَ النَّاسُ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا» ثُمَّ دَعَانِي وَكُنْتُ قَرِيبًا مِنْهُ فَقَالَ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ؟» فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ»

стр. 518

سُورَةُ الْكَهْفِ، وَمَرْيَمَ، وَطهَ، وَالْأَنْبِيَاءِ ﵈

стр. 519

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا يَمُوتٌ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّهُنَّ نَزَلْنَ بِمَكَّةَ لَمْ نَجِدْ فِيهِنَّ مِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْكِتَابِ إِلَّا مَوْضِعًا وَاحِدًا مُخْتَلَفًا فِيهِ»

стр. 520

قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَنْسُوخٌ وَأَنَّ الْبَهَائِمَ إِذَا أَفْسَدَتْ زَرْعًا فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ صَاحِبَهَا شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ حَكَمَ بِغَيْرِ هَذَا فَخَالَفُوا حُكْمَهُ وَزَعَمُوا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ ﷺ الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ " وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ فِي الْحَدِيثِ الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ وَالْعَجْمَاءُ

стр. 521

الْبَهِيمَةُ وَأَصْلُهُ أَنَّهُ يُقَالُ رَجُلٌ أَعْجَمُ وَامْرَأَةٌ عَجْمَاءُ إِذَا كَانَا لَا يُفْصِحَانِ بِالْكَلَامِ وَيُقَالُ إِنَّهُ مَا تَقَدَّمَ أَبَا حَنِيفَةَ أَحَدٌ بِهَذَا الْقَوْلِ حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هَذَا الْحُكْمُ أَصْلُهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَقَدْ حَكَمَ بِهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ بِتَأْوِيلٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَةِ وَمِنْ حُكْمِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ أَيْ وَاذْكُرْ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] قَالَ قَتَادَةُ: «كَانَ نَبْتًا» وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، «كَانَ الْحَرْثُ كَرْمًا قَدْ أَنْبَتَتْ عَنَا قِيدُهُ» ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] وَالنَّفْشُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاللَّيْلِ أَيْ دَخَلَتِ الْغَنَمُ بِاللَّيْلِ فِي حَرْثِ الْقَوْمِ الَّذِينَ لَيْسُوا أَصْحَابَهَا فَأَفْسَدَتِ الْعِنَبَ وَأَكَلَتْهُ " ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] أَيْ لَمْ يَغِبْ عَنَّا ذَلِكَ ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] أَيِ الْقَضِيَّةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ دَخَلَتِ الْغَنَمُ فَأَفْسَدَتِ الْكَرْمَ فَاخْتَصَمُوا إِلَى دَاوُدَ فَقَضَى بِالْغَنَمِ لِصَاحِبِ الْكَرْمِ لِأَنَّ ثَمَنَهَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ فَمَرُّوا عَلَى سُلَيْمَانَ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ كَانَ غَيْرُ هَذَا الْحُكْمِ أَرْفَقُ بِالْجَمِيعِ فَدَخَلَ صَاحِبُ الْغَنَمِ فَأَخْبَرَ دَاوُدَ فَقَالَ لِسُلَيْمَانَ كَيْفَ الْحُكْمُ عِنْدَكَ قَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ تَدْفَعُ الْغَنَمَ إِلَى صَاحِبِ الْحَرْثِ فَيُصِيبُ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَصْوَافِهَا وَأَوْلَادِهَا وَتَدْفَعُ الْكَرْمَ إِلَى صَاحِبِ الْغَنَمِ فَيَقُومُ بِهِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى حَالِهِ فَإِذَا رَجَعَ إِلَى حَالِهِ

стр. 522

سَلَّمْتَ الْكَرْمَ إِلَى صَاحِبِهِ وَالْغَنَمَ إِلَى صَاحِبِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى مَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 523

كَمَا قُرِئَ عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بنُ هِشَامٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ،: «أَنَّ نَاقَةً، لِآلِ الْبَرَاءِ أَفْسَدَتْ نَبْتًا فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ عَلَى أَهْلِ الثِّمَارِ حَفِظَهَا بِالنَّهَارِ وَضَمَّنَ أَصْحَابَ الْمَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ»

стр. 524

قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ،: أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ⦗٥٥٩⦘ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ نَاقَةٌ ضَارِيَةٌ فَدَخَلَتْ حَائِطًا فَأَفْسَدَتْ فِيهِ فَكُلِّمَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ وَعَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي حِفْظَهَا بِاللَّيْلِ وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ بِاللَّيْلِ " فَهَذَا حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ حُكْمِ نَبِيَّيْنِ قَبْلَهُ بِالتَّضْمِينِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: «لَا ضَمَانَ» وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ كَانَ مَالِكٌ قَدْ رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ، أَنَّ نَاقَةً، لِآلِ الْبَرَاءِ فَصَارَ مَقْطُوعًا فَقَدْ رَوَاهُ مَنْ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ مُتَّصِلًا لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أُمَيَّةَ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِيسَى نَبِيلَانِ جَلِيلَا الْمِقْدَارِ وَقَدْ تَابَعَهُمَا الْأَوْزَاعِيُّ فَلَا مَعْنَى لِمُعَارَضَةِ الْأَئِمَّةِ فِيمَا رَوَوْا بِغَيْرِهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] وَعَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ لَا حُكْمَ فِيهِ وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ» لَيْسَ مِنْ هَذَا فِي شَيْءٍ لِأَنَّهُ قَدْ أَجْمَعَ مَنْ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ عَلَى رَاكِبِ الدَّابَّةِ مَا أَصَابَتْ بِيَدَيْهَا فَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْمَعْنَىَ الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى صَاحِبِهَا حِفْظُهَا فَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ حِفْظُهَا فَلَيْسَتْ بِجَبَّارٍ وَقَدْ حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ حِفْظَهَا بِاللَّيْلِ فَلَيْسَ مَا أَفْسَدَتْهُ بِاللَّيْلِ إِذَنْ جُبَارًا وَالْجُبَارُ الْهَدَرُ الَّذِي لَا شَيْءَ فِيهِ وَقَدْ حَكَمَ دَاوُدُ وسُلَيْمَانُ بِمَا ذَكَرْنَا فَمَدَحَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]

стр. 525

كَمَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ ⦗٥٦٠⦘، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: «الْحُكْمُ أَوِ الْحِكْمَةُ الْعَقْلُ» قَالَ مَالِكٌ: «وَإِنَّهُ لَيَقَعُ بِقَلْبِي أَنَّ الْحِكْمَةَ هُوَ الْفِقْهُ فِي دَيْنِ اللَّهِ » قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَضْمِينِ أَصْحَابِ الْمَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ بِاللَّيْلِ مَعَ مَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ

стр. 526

سُورَةُ الْحَجِّ

стр. 527

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا يَمُوتٌ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " وَسُورَةُ الْحَجِّ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سِوَى ثَلَاثِ آيَاتٍ مِنْهَا فَإِنَّهُنَّ نَزَلْنَ بِالْمَدِينَةِ فِي سِتَّةِ نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ مُؤْمِنُونَ وَثَلَاثَةٌ كَافِرُونَ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَهُمْ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵃ دَعَاهُمْ لِلْبَرَازِ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ثَلَاثَ آيَاتٍ مَدَنِيَّاتٍ وَهُنَّ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] إِلَى تَمَامِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَجَدْنَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ أَرْبَعَةَ مَوَاضِعَ تَصْلُحُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْهُنَّ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ⦗٥٦٢⦘[الحج: ٢٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ ذَبْحُ الضَّحَايَا نَاسِخٌ لِكُلِّ ذَبْحٍ كَانَ قَبْلَهُ حَتَّى قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي إِمْلَائِهِ كَانَتِ الْعَقِيقَةُ تُفْعَلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ فُعِلَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِذِبْحِ الضَّحِيَّةِ فَمَنْ شَاءَ فَعَلَهَا وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهَا وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ بِقَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ نَسَخَ ذَبْحُ الضَّحِيَّةِ كُلَّ مَا قَبْلَهُ ⦗٥٦٣⦘، وَقَدْ خُولِفَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي هَذَا وَاحْتُجَّ عَلَيْهِ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَوْلِهِ فِي الْعَقِيقَةِ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨] نَاسِخٌ لِفِعْلِهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُحَرِّمُونَ لَحُومَ الضَّحِيَّةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَا يَأْكُلُونَ مِنْهَا شَيْئًا فَنُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨] وَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ ضَحَّى فَلْيَأْكُلْ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ» إِلَّا أَنَّ الْعُلَمَاءَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ نَدْبٌ لَا إِيجَابٌ وَإِنْ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ الْأَكْلَ مِنْهَا كَمَا قَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ أُضْحِيَّتِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨] وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَأْكُلَ أَوَّلُ مِنَ الْكَبِدِ» ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالثُّلُثِ وَيُطْعِمُ الثُّلُثَ وَيَأْكُلُ هُوَ وَأَهْلُهُ الثُّلُثَ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الِادِّخَارِ مِنْهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَدَّخِرُ مِنْهَا بَعْدَ ثَلَاثٍ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَدَّخِرُ إِلَى أَيِّ وَقْتٍ أَحَبَّ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنْ كَانَتْ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ إِلَيْهَا فَلَا يَدَّخِرُ ⦗٥٦٤⦘ فَمِمَّنْ قَالَ لَا يَدَّخِرُ بَعْدَ ثَلَاثٍ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عُمَرَ

стр. 528

كَمَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ حَدَّثَنِي عَقِيلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ صَلَّى بِنَا الْعِيدَ وعُثْمَانُ ﵁ مَحْصُورٌ ثُمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ: «لَا تَدَّخِرُوا شَيْئًا مِنْ لَحْمِ أَضَاحِيِّكُمْ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِذَلِكَ»

стр. 529

حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَأْكُلْ أَحَدُكُمْ مِنْ لَحْمِ أُضْحِيَّتِهِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ تُؤُوِّلَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ

стр. 530

كَمَا حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «نَهَى أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ ⦗٥٦٥⦘ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَادَّخِرُوا» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا نَسْخٌ بَيِّنٌ وَبِهِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَبُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ أَلَا فَكُلُوا وَتَزَوَّدُوا» وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّ نَهْيَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا إِنَّمَا كَانَ لِعِلَّةٍ بَيَّنَتْهَا عَائِشَةُ قَالَتْ: " دَفَّتْ دَافَّةٌ مِنَ الْبَادِيَةِ بِحَضْرَةِ الْأَضْحَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَلَا تَدَّخِرُوا بَعْدَ ثَلَاثٍ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي هَذَا حَتَّى تَتَّفِقَ الْأَحَادِيثُ وَلَا تَتَضَادُّ وَيَكُونُ قَوْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعُثْمَانَ ﵁ مَحْصُورٌ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا فِي شِدَّةٍ مُحْتَاجِينَ فَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَتِ الدَّافَّةُ وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا
следующие страницы →