← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13073

الناسخ والمنسوخ - النحاس

أبو جعفر النحاس

Полный текст (735 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْأَنْبَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَيُّوبَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جَرِيجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٍ﴾ [البقرة: ١٩٤] قَالَ: «هَذَا يَوْمُ الْحُدَيْبِيَةِ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَكَانَ مُعْتَمِرًا فَدَخَلَ فِي السَّنَةِ الَّتِي بَعْدَهَا مُعْتَمِرًا مَكَّةَ فَعُمْرَةٌ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ بِعُمْرَةٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ» وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَخَرَتْ قُرَيْشٌ بِرَدِّهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمًا فِي ذِي الْقَعْدَةِ فَاعْتَمَرَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: التَّقْدِيرُ عَمْرَةُ الشَّهْرِ الْحَرَامِ بِعُمْرَةِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ هَاهُنَا ذُو الْقِعْدَةِ بِلَا اخْتِلَافٍ وَسُمِّيَ ذَا الْقِعْدَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْعُدُونَ فِيهِ عَنِ الْقِتَالِ ⦗١١٥⦘، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ اعْتَمَرَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ فَمَنَعُوهُ مِنْ مَكَّةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " فَرَجَعُهُ اللَّهُ ﵎ فِي السَّنَةِ الْأُخْرَى فَأَقَصَّهُ مِنْهُمْ ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] " وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] «مَنْسُوخَةٌ كَانَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ قَدْ أَطْلَقَ لِلْمُسْلِمِينَ إِذَا اعْتَدَى عَلَيْهِمْ أَحَدٌ أَنْ يَقْتَصُّوا مِنْهُ فَنَسَخَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ذَلِكَ وَصَيَّرَهُ إِلَى السُّلْطَانِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِأَمْرِ السُّلْطَانِ وَلَا أَنْ يَقْطَعَ يَدَ سَارِقٍ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ» وَأَمَّا مُجَاهِدٌ فَذَهَبَ إِلَى أَنَّ «الْمَعْنَى فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فِيهِ أَيْ فِي الْحَرَمِ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ» وَالَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ أَشْبَهُ بِسِيَاقِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ قَبْلَهُ ذِكْرُ الْحَرَمِ وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَوِ الْخَوَارِجَ لَوْ غَلَبُوا عَلَى الْحَرَمِ لَقُوتِلُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهُ فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى الْحَدِيثِ «أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً وَهِيَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ» فَالْجَوَابُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَهَا غَيْرَ مُحْرِمٍ يَوْمَ الْفَتْحِ وَلَا يَحِلُّ هَذَا لِأَحَدٍ بَعْدَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ ⦗١١٦⦘ فَأَمَّا ﴿وَالْحُرُمَاتُ﴾ [البقرة: ١٩٤] فَإِنَّمَا جُمِعَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ؛ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ حُرْمَةُ الْإِحْرَامِ وَحُرْمَةُ الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَحُرْمَةُ الْبَلَدِ الْحَرَامِ وَأَمَّا ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] فَسُمِّيَ الثَّانِي اعْتِدَاءً وَإِنَّمَا الِاعْتِدَاءُ الْأَوَّلُ فَفِيهِ جَوَابَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَجَازٌ عَلَى ازْدِوَاجِ الْكَلَامِ سُمَيَّ الثَّانِي بِاسْمِ الْأَوَّلِ مِثْلَ ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُهَا﴾ وَالْجَوَابُ الْآخَرُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ يَكُونُ مِنَ الشَّدِّ وَالْوُثوُبِ أَيْ: مَنْ شَدِّ عَلَيْكُمْ وَوَثَبَ بِالظُّلْمِ فَشُدُّوا عَلَيْهِ وَثِبُوا بِالْحَقِّ وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ بِأَجْوِبَةٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي الْآيَةِ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ

стр. 72

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ نَاسِخَةٌ لِحَظْرِ الْقِتَالِ عَلَيْهِمْ وَلِمَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الصفحِ وَالْعَفْوِ بِمَكَّةَ وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ وَكَذَا قَالُوا فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] وَالنَّاسِخَةُ ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ عَلَى النَّدْبِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ، وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ وَاجِبَةٌ وَالْجِهَادُ فَرَضٌ وَقَالَ عَطَاءٌ: هِيَ فَرْضٌ إِلَّا أَنَّهَا عَلَى غَيْرِنَا يَعْنِي أَنَّ الَّذِي خُوطِبَ بِهَا الصَّحَابَةُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ، فَأَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنَّهَا نَاسِخَةٌ فَبَيِّنٌ صَحِيحٌ

стр. 73

، وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] نَسْخٌ لِفَرْضِ الْقِتَالِ وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: هِيَ عَلَى النَّدْبِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ إِذَا وَقَعَ بِشَيْءٍ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى غَيْرِ الْوَاجِبِ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ أَوْ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ وَأَمَّا قَوْلُ عَطَاءٍ: إِنَّهَا فَرْضٌ وَلَكِنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الصَّحَابَةِ فَقَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ وَقَدْ رَدَّهُ الْعُلَمَاءُ حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي إِلْزَامِهِ: مَنْ قَالَ: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] إِنَّ هَذَا لِلنَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً وَلَا تُصَلَّى صَلَاةُ الْخَوْفِ بَعْدَهُ فَعَارَضَهُ بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فَقَوْلُ عَطَاءٍ أَسْهَلُ رَدًّا مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: هِيَ عَلَى النَّدْبِ؛ لِأَنَّ الَّذِي قَالَ: هِيَ عَلَى النَّدْبِ قَالَ: هِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الْآيَةَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا لَيْسَ عَلَى النَّدْبِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ، فَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْجِهَادَ فَرْضٌ بِالْآيَةِ فَقَوْلُهُ صَحِيحٌ وَهُوَ قَوْلُ حُذَيْفَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ تَدُورُ عَلَيْهِمُ الْفُتْيَا إِلَّا أَنَّهُ

стр. 74

فَرْضٌ يَحْمِلُهُ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ بَعْضٍ فَإِنِ احْتُيِجَ إِلَى الْجَمَاعَةِ نَفَرُوا فَرْضًا وَاجِبًا؛ لِأَنَّ نَظِيرَ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] قَالَ حُذَيْفَةُ: الْإِسْلَامُ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ: الْإِسْلَامُ سَهْمٌ وَالصَّلَاةُ سَهْمٌ وَالزَّكَاةُ سَهْمٌ وَالصِّيَامُ وَالْحَجُّ سَهْمٌ وَالْجِهَادُ سَهْمٌ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ سَهْمٌ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ سَهْمٌ وَنَظِيرُ الْجِهَادِ فِي أَنَّهُ فَرْضٌ يَقُومُ بِهِ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ بَعْضٍ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِذَا مَاتُوا وَمُوَارَاتُهُمْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَرَدُّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْجِهَادُ نَافِلَةٌ، فَيَحْتَجُّ بِأَشْيَاءَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمِنْ حُجَّتِهِمْ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ: " بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: " اسْتَنْبَطْتُ هَذَا وَلَمْ يَرْفَعْهُ وَلَوْ كَانَ رَفْعُهُ صَحِيحًا لَمَا كَانَ فِيهِ أَيْضًا حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ ذِكْرُ الْجِهَادِ هَاهُنَا لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ، أَوْ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَحْمِلُهُ عَنْ بَعْضٍ فَقَدْ صَحَّ فَرْضُ الْجِهَادِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 75

كَمَا رَوَى مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» فَسَّرَهُ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ فِي الْغَزْوِ وَفِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ كَرِهْنَا أَنْ نُطَوِّلَ الْكِتَابَ بِهَا لِأَنَّ فِيمَا تَقَدَّمَ كِفَايَةً، وَالصَّحِيحُ فِي الْآيَةِ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ

стр. 76

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] الْآيَةَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ وَأَنَّ قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ مُبَاحٌ غَيْرَ عَطَاءٍ فَإِنَّهُ قَالَ: «الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ وَلَا يَجُوزُ الْقِتَالُ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ»

стр. 77

وَيَحْتَجُّ لَهُ بِمَا حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ أَبِي ⦗١٢٢⦘ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُقَاتِلُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ إِلَّا أَنْ يُغْزَى أَوْ يَغْزُوَ فَإِذَا حَضَرَ ذَلِكَ أَقَامَ حَتَّى يَنْسَلِخَ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْحَدِيثُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ نَسْخِ الْآيَةِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ فَمِنْ ذَلِكَ:

стр. 78

مَا حَدَّثَنَاهُ عُلَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَقَوْلُهُ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ، قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] أَيْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] " أَيْ عَظِيمٌ، فَكَانَ الْقِتَالُ فِيهِ مَحْظُورًا حَتَّى نَسَخَتْهُ آيَةُ السَّيْفِ فِي بَرَاءَةَ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فَأُبِيحُوا الْقِتَالَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَفِي غَيْرِهَا "

стр. 79

حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُجَاشِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] " فَكَانَ كَذَلِكَ حَتَّى نَسَخَهُ هَاتَانِ الْآيَتَانِ فِي بَرَاءَةَ ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ثُمَّ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وَالْأَشْهُرُ الْحُرُمُ عَهْدٌ كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، انْسِلَاخُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ لِمَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَإِلَى انْسِلَاخِ الْمُحَرَّمِ فَأَمَرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ نَبِيَّهُ ﷺ إِذَا انْسَلَخَتِ الْأَشْهُرُ الْأَرْبَعَةُ أَنْ يُقَاتِلَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْحَرَمِ وَغَيْرِهِ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هَذِهِ الْأَشْهُرُ الَّتِي ذَكَرَهَا قَتَادَةُ وَقَالَ: «هِيَ الْحُرُمُ هِيَ أَشْهُرُ السِّيَاحَةِ فَسَمَّاهَا حُرُمًا؛ لِأَنَّهُ حَظَرَ الْقِتَالَ فِيهَا» فَأَمَّا الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَهِيَ أَرْبَعَةٌ وَالْعُلَمَاءُ يَخْتَلِفُونَ فِي اللَّفْظِ بِهَا فَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَنْ يَقُولُ: أَوَّلُهَا ذُو الْقِعْدَةِ، وَذُو الْحَجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْدَأَ بِرَجَبٍ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ يَقُولُونَ: أَوَّلُهَا الْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ، وَذُو الْقِعْدَةِ، وَذُو الْحَجَّةِ، وَيُنْكِرُونَ مَا قَالَهُ الْمَدَنِيُّونَ وَقَالُوا: قَوْلُنَا أَوْلَى لِتَكُونَ مِنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمَنْ قَالَ مِنَ الْمَدَنِيِّينَ: أَوَّلُهَا رَجَبٌ احْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَهَا رَجَبٌ عَلَى هَذَا ⦗١٢٤⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْأَمْرُ فِي هَذَا كُلِّهِ سَهْلٌ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الثَّانِيَ بَعْدَ الْأَوَّلِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ عَلِمْتُهُ فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا فَالْأَوْلَى أَنْ يُؤْتَى بِالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ عَلَى مَا لَفِظَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأُدِّيَ عَنْهُ بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاحِ وَهُوَ قَوْلُ الْمَدَنِيِّينَ الْأَوَّلُ رَوَى أَبُو بَكْرَةَ، وَغَيْرُهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ فَقَالَ: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَالسَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحَجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرٍ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ قَامَتِ الْحُجَّةُ بِأَنَّ قَوْلَهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] مَنْسُوخٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ نَصِّ الْقُرْآنِ وَقَوْلِ الْعُلَمَاءِ وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّقْلَ يُبَيِّنُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ نُقِلَ إِلَيْنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ أَوْ فِي رَجَبٍ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَدْ قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ وَثَقِيفًا بِالطَّائِفِ فِي شَوَّالٍ ⦗١٢٥⦘ وَذِي الْقِعْدَةِ وَذُو الْقِعْدَةِ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحَرَمِ وَذَلِكَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذَا مَا فِي الْقِتَالِ وَالْجِهَادِ مِنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مَجْمُوعًا بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ ثُمَّ نَرْجِعُ إِلَى مَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ الْحَجِّ فِي الْآيَةِ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ

стр. 80

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَأَتَمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] الْآيَةَ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ فَفَسَخُوهُ وَجَعَلُوهُ عُمْرَةً وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي فَسْخِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحَجَّ بَعْدَ أَنْ أَهَلُّوا بِهِ إِلَى الْعُمْرَةِ فَقَالُوا فِيهِ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ: كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، ﵀ أَنَّهُ قَالَ فِي ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] : «إِتْمَامُهُمَا أَنْ لَا يُفْسَخَا وَقَدْ قِيلَ فِي إِتْمَامِهِمَا غَيْرُ هَذَا»

стр. 81

كَمَا قُرِئَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، عَنْ أَبِي الْأَزْهَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ ⦗١٢٧⦘ عَنْهُ فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قَالَ: «أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيَّرِةِ أَهْلِكَ» وَقَالَ سُفْيَانُ: «إِتْمَامُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَنْ تَخْرُجَ قَاصِدًا لَهُمَا لَا لِتِجَارَةٍ» ، وَقِيلَ: إِتْمَامُهُمَا أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ حَلَالًا وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَإِبْرَاهِيمُ: «إِتْمَامُهُمَا أَنْ يَفْعَلَ فِيهِمَا كُلَّ مَا أُمِرَ بِهِ، وَهَذَا قَوْلٌ جَامِعٌ» وَذَهَبَ أَبُو عُبَيْدٍ إِلَى أَنَّ فَسْخَ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ مَنْسُوخٌ بِمَا فَعَلَهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشُدُونَ الْمَهْدِيُّونَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ ﵃؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَفْسَخُوا حَجَّهُمْ وَلَمْ يَحِلُّوا إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ فَهَذَا قَوْلٌ فِي فَسْخِ الْحَجِّ: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ وَالْقَوْلُ الثَّانِي إِنَّ فَسْخَ الْحَجِّ إِنَّمَا كَانَ لِعِلَّةٍ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ عَظِيمٌ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِفَسْخِ الْحَجِّ وَتَحْوِيلِهِ إِلَى الْعُمْرَةِ لِيَعْلَمُوا أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ جَائِزَةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَجَنَّبُونَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَهِيَ شَوَّالُ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحَجَّةِ فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَفِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «شَوَّالُ وَذُو الْقِعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ» وَالْقَوْلَانِ صَحِيحَانِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: جِئْتُكَ رَجَبًا وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ وَإِنَّمَا جَئتَ فِي بَعْضِهِ فَذُو الْحَجَّةِ شَهْرُ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ فِيهِ

стр. 82

ولِأَنَّ أَحْمَدَ بْنَ شُعَيْبٍ حَدَّثَنَا قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ وَهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ، فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ فُجُورٍ فِي الْأَرْضِ وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ وَعَفَا الْوَبَرْ وَانْسَلَخَ صَفَرْ أَوْ قَالَ: دَخَلَ صَفَرْ حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ ﵃ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَجْعَلُوهَا عَمْرَةً فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْحِلِّ نُحِلُّ؟ قَالَ: «الْحِلُّ كُلُّهُ» فَهَذَانِ قَوْلَانِ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَرَى الْفَسْخَ جَائِزًا وَيَقُولُ: مَنْ حَجَّ فَطَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ لَا اخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ عَنْهُ ⦗١٢٩⦘ قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: قَالَ لَهُ عُرْوَةُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَضْلَلْتَ النَّاسَ قَالَ لَهُ: بِمَ ذَاكَ يَا عُرَيَّةُ؟ قَالَ: تُفْتِي النَّاسَ بِأَنَّهُمْ إِذَا طَافُوا بِالْبَيْتِ حَلُّوا وَقَدْ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ فَلَمْ يَحِلَّا إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] أَأَقُولُ لَكَ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ثُمَّ تَقُولُ لِي قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْفَسْخِ؟ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْقَوْلُ انْفَرَدَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ كَمَا انْفَرَدَ بِأَشْيَاءَ غَيْرِهِ فَأَمَّا قَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّ الضَّمِيرَ لِلْبُدْنِ وَلَيْسَ لِلنَّاسِ وَمَحِلُّ النَّاسِ يَوْمُ النَّحْرِ عَلَى قَوْلِ الْجَمَاعَةِ وَلِهَذَا سُمَيَّ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ وَذَلِكَ صَحِيحٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ⦗١٣٠⦘ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَاتٍ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي فَسْخِ الْحَجِّ وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَصَحُّهَا لِلتَّوْقِيفِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ

стр. 83

كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَسْخُ الْحَجِّ لَنَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةٌ؟ قَالَ: «بَلْ لَنَا خَاصَّةً» وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: كَانَ فَسْخُ الْحَجِّ لَنَا رُخْصَةً فَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ: «ذَلِكَ لِأَبَدِ الْأَبَدِ» فَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ جَوَازَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُتْعَةِ: إِنْ أُتِيتُ بِمَنْ فَعَلَهَا عَاقَبْتُهُ، وَكَذَا الْمُتْعَةُ الْأُخْرَى فَإِحْدَاهُمَا الْمُتْعَةُ الْمُحَرَّمَةُ بِالنِّسَاءِ الَّتِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ الزِّنَا، وَالْأُخْرَى فَسْخُ الْحَجِّ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَأَوَّلَ عَلَيْهِ أَنَّهَا الْمُتْعَةُ ⦗١٣١⦘ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ قَدْ أَبَاحَهَا بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْعُمْرَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ وَاجِبَةٌ بِفَرْضِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ وَاجِبَةٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَتْ وَاجِبَةً وَلَكِنَّهَا سُنَّةٌ فَمِمَّنْ يُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ عُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَمَّا السُّنَّةُ:

стр. 84

فَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ سَالِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي رَزِينٍ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ وَلَا الظَّعْنَ قَالَ: «حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ» ⦗١٣٢⦘ وَاحْتَجَّ قَوْمٌ فِي وجُوبِهَا بِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ [آل عمران: ٩٧] وَالْحَجُّ الْقَصْدُ وَهُوَ يَقَعُ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] وَالْحَجُّ الْأَصْغَرُ الْعُمْرَةُ إِلَّا أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: اشْتِقَاقُ الْعُمْرَةِ مِنْ غَيْرِ اشْتِقَاقِ الْحَجِّ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: اعْتَمَرْتُ فُلَانًا أَيْ زُرْتُهُ فَمَعْنَى الْعُمْرَةِ زِيَارَةُ الْبَيْتِ وَلِهَذَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَرَى الْعُمْرَةَ لِأَهْلِ مَكَّةَ لِأَنَّهُمْ بِهَا فَلَا مَعْنَى لِزِيَارَتِهِمْ إِيَّاهَا، وَالْحَجُّ فِي اللُّغَةِ الْقَصْدُ وَمِمَّنْ قَالَ: الْعُمْرَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبَى حَنِيفَةَ وَقَالَ مَنِ احْتَجَّ لَهُمْ:

стр. 85

رَوَى الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْعُمْرَةُ وَاجِبَةٌ؟ قَالَ: «لَا وَأَنُ تَعْتَمِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ أَرْطَاةَ يُدَلِّسُ عَمَّنْ لَقِيَهُ وَعَمَّنْ لَمْ يَلْقَهُ فَلَا تَقُومُ بِحَدِيثِهِ حُجَّةٌ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا أَوْ سَمِعْتُ وَلَكِنَّ الْحُجَّةَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْفَرَائِضُ لَا تَقَعُ بِاخْتِلَافٍ وَإِنَّمَا تَقَعُ بِاتِّفَاقٍ ⦗١٣٣⦘ وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ الِاشْتِرَاطُ فِي الْحَجِّ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ إِذَا لَبَّى بِالْحَجِّ إِنَّ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسَنِي فَمِمَّنْ قَالَ بِالِاشْتِرَاطِ فِي الْحَجِّ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَمُعَاذٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ سِيرِينَ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ بِالْعِرَاقِ ثُمَّ تَرَكَهُ بِمِصْرَ وَمِمَّنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ بِمِصْرَ وَحُجَّةُ الَّذِينَ قَالُوا بِهِ:

стр. 86

مَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى ضُبَاعَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، وَأَنَا شَاكِيَةٌ فَقَالَ: حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ تَحْبِسُنِي " قَالَ إِسْحَاقُ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ: الزُّهْرِيُّ، وَهِشَامٌ قَالَا: عَنْ ⦗١٣٤⦘ عَائِشَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ كِلَاهُمَا، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ: لَمْ يَصِلْهُ إِلَّا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ فَلَا أَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا ذَلِكَ؟

стр. 87

وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، وَهُوَ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا، وَعِكْرِمَةَ، يُخْبِرَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ جَاءَتْ ضُبَاعَةُ بِنْتُ الزُّبَيْرِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ ثَقِيلَةٌ وَأَنَا أُرِيدُ الْحَجَّ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ؟ قَالَ: «أَهِلِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: أَهِلِّي مَعْنَاهُ لَبِّي، وَأَصْلُهُ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ، وَمِنْهُ اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ وَمِنْهُ ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] فَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الِاشْتِرَاطُ فِي الْحَجِّ فَقَالَ بِهَذَا مَنْ ذَكَرْنَاهُ وَاتَّبَعُوا مَا جَاءَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَكَرِهَهُ قَوْمٌ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَرِهَ الِاشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ، وَقَالَ «أَمَا حَسْبُكُمْ سَنَةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ» ، وَاحْتَجَّ بَعْضُ مَنْ كَرِهَهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا قَالَ لَهَا: «وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» وَلَمْ يَقُلْ لَهَا: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ حَجٌّ إِنْ أُحْصِرْتِ ⦗١٣٥⦘ وَفِي الْآيَةِ ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَكَانَ هَذَا نَاسِخًا لِمَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَجُوزُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَجَازَتْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَجَازَ الْقُرْآنُ وَلَمْ يَكُونُوا يَسْتَعْمِلُونَهُ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجَّ فِيهَا، وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ قَرَنَ وَجَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَكُلُّ هَذَا مَرْوِيٌّ بِأَسَانِيدَ صِحَاحٍ حَتَّى طَعَنَ بَعْضُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَبَعْضُ الْمُلْحِدِينَ فِي هَذَا وَقَالُوا: هَذِهِ الْحَجَّةُ الَّتِي حَجَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْمَعُ مَا كَانَ أَصْحَابُهُ فَقَدِ اخْتَلَفْتُمْ فِيهَا وَهِيَ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، فَكَيْفَ يُقْبَلُ مِنْكُمْ مَا رَوَيْتُمُوهُ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ، وَهَذَا الطَّعْنُ مِنْ أَحَدِ اثْنَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الطَّاعِنُ بِهِ جَاهِلًا بِاللُّغَةِ الَّتِي خُوطِبَ بِهَا الْقَوْمُ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ جَائِرًا عَنِ الْحَقِّ، وَسَنَذْكُرُ أَصَحَّ مَا رُوِيَ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي هَذَا وَنُبَيِّنُ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَضَادٍّ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: «هَذَا مِنْ أَيْسَرِ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا» وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِفْرَادُ وَالتَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ قَدِ اخْتَارَ بَعْضَ هَذَا

стр. 88

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: كَمَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْبَرَاثِيِّ، عَنْ خَلَفِ بْنِ ⦗١٣٦⦘ هِشَامٍ الْمُقْرِئِ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، فِي " الْإِفْرَادِ بِالْحَجِّ: إِنَّهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ لَا التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ قَالَ: وَلَيْسَ عَلَى الْمُفْرِدِ هَدْيٌ "

стр. 89

قَالَ الْبَرَاثِيُّ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجَّ» وَهَذَا إِسْنَادٌ مُسْتَقِيمٌ لَا مَطْعَنَ فِيهِ وَالْحُجَّةُ لِمَنِ اخْتَارَ الْإِفْرَادَ أَنَّ الْمُفْرِدَ أَكْثَرُ تَعَبًا مِنَ الْمُتَمَتِّعِ لِإِقَامَتِهِ عَلَى الْإِحْرَامِ فَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ أَعْظَمُ لِثَوَابِهِ وَالْحُجَّةُ فِي اتِّفَاقِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَمَرَ بِالتَّمَتُّعِ وَالْقُرْآنِ جَازَ أَنْ يُقَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَرَنَ كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ [الزخرف: ٥١] وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: «رَجَمْنَا وَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنَّمَا أَمَرَنَا بِالرَّجْمِ»

стр. 90

وَحَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» وَإِنَّمَا أَمَرَ مَنْ قَطَعَ فَلَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ جَازَ هَذَا وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَمْرِهِ بِذَلِكَ:

стр. 91

أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ شُعَيْبٍ حَدَّثَنَا قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحَجَّةِ، فَقَالَ:: «مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةٍ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هَذَا احْتِجَاجٌ لِمَنْ رَأَى إِفْرَادَ الْحَجِّ، وَسَنَذْكُرُ غَيْرَهُ، فَأَمَّا التَّمَتُّعُ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَهَذَا مَوْضِعُ ذِكْرِهِ

стр. 92

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ⦗١٣٨⦘ بَكِيرٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَقِيلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ وَأَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَبَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ،، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي تَمَتُّعِهِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هَذَا مُتَنَاقِضٌ رَوَيْتُمْ عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجَّ، وَرَوْيَتُمْ هَاهُنَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ التَّمَتُّعَ، قِيلَ لَهُ: الْحَدِيثَانِ مُتَّفِقَانِ وَذَلِكَ بَيِّنٌ أَلَا تَرَى أَنَّ فِيَ هَذَا الْحَدِيثِ نَصًّا، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَفَلَا تَرَى الْحَجَّ مُفْرَدًا مِنَ الْعُمْرَةِ فَهَذَا بَيِّنٌ جِدًّا

стр. 93

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ⦗١٣٩⦘: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ فَقَالَ: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟» فَقُلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «هَلْ سُقْتَ مِنْ هَدْيٍ؟» قُلْتُ: لَا قَالَ: «فَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَحُلَّ» فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي فَمَشَّطَتْنِي وَغَسَلَتْ رَأْسِي فَلَمْ أَزَلْ أُفْتِي النَّاسَ بِذَلِكَ فِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ وَإِمَارَةِ عُمَرَ فَإِنِّي لَقَائِمٌ بِالْمَوْسِمِ إِذْ أَتَانِي رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي النُّسُكِ، فَقُلْتُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ أَفْتَيْنَاهُ بِشَيْءٍ فَلْيَتَّئِدْ فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَادِمٌ فَأْتَمُّوا بِهِ فَلَمَّا قَدِمَ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَحْدَثْتَ فِي النُّسُكِ؟ قَالَ: أَنْ نَأْخُذَ بِكِتَابِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ ⦗١٤٠⦘ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَأَنْ نَأْخُذَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَوْلُهُ: فَلْيَتَّئِدْ مَعْنَاهُ فَلْيَتَثَبَّثْ، مُشْتَقٌّ مِنَ التُّؤَدَةِ، وَقَوْلُهُ: لَمْ يَحِلَّ أَيْ: لَمْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ، أَيْ: لَمْ يَسْتَحِلَّ لُبْسَ الثِّيَابِ وَالطِّيبَ وَمَا أَشْبَهَهُمَا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمْرُ أَبِي مُوسَى بِالتَّمَتُّعِ وَفِيهِ أَنَّ أَبَا مُوسَى تَوَقَّفَ عَنِ الْفُتْيَا بِالتَّمَتُّعِ وَقَدْ أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَنْ وَافَىَ عُمَرَ فَلَمَّا وَافَى عُمَرَ مَنَعَ مِنَ التَّمَتُّعِ فَلَمْ يَرُادَّهُ أَبُو مُوسَى، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَجَازَ غَيْرَهُ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ إِمَامَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا اخْتَارَ قَوْلًا يَجُوزُ وَيَجُوزُ غَيْرُهُ وَجَبَ أَنْ لَا يُخَالَفَ عَلَيْهِ وَنَظِيرُ هَذَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» فَرَأَى عُثْمَانُ ﵁ أَنْ يُزِيلَ مِنْهَا سِتَّةً وَأَنْ يَجْمَعَ النَّاسَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ فَلَمْ يُخَالِفْهُ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ حَتَّى قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ ⦗١٤١⦘ عَنْهُ: «لَوْ كُنْتُ مَوْضِعَهُ لَفَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ» وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَبِي مُوسَى: «طُفْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَحُلَّ» وَلَمْ يَقُلْ لَهُ: احْلَقْ وَلَا قَصِّرْ فَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ وَالتَّقْصِيرَ غَيْرُ وَاجِبَيْنِ وَفِيهِ أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ هَذَا جَائِزٌ لِمَنْ فَعَلَهُ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يُلَبِّيَ الرَّجُلُ وَلَا يُرِيدُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً ثُمَّ يُوجِبُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا شَاءَ وَاسْتَدَلَ قَائِلَ هَذَا عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبَّى مَرَّةً بِالْإِفْرَادِ وَمَرَّةً بِالتَّمَتُّعِ وَمَرَّةً بِالْقِرَانِ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَرَنَ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَارِنًا وَإِذَا كَانَ قَارِنًا فَقَدْ حَجَّ وَاعْتَمَرَ، وَاتَّفَقَتِ الْأَحَادِيثُ وَمِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي هَذَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَقَالَ مَنْ رَآهُ تَمَتَّعَ ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ فَقَالَ مَنْ رَآهُ أَفْرَدَ ثُمَّ قَالَ: «لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ» فَقَالَ مَنْ سَمِعَهُ: قَرَنَ فَاتَّفَقَتِ الْأَحَادِيثُ وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ أَحَدٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ أَفْرَدْتُ وَلَا تَمَتَّعْتُ وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ «قَرَنْتُ»

стр. 94

كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ⦗١٤٢⦘، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ حِينَ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْيَمَنِ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ عَلِيٌّ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَاذَا صَنَعْتُ؟ قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِكَ قَالَ: «فَإِنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ وَقْرَنْتُ» ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي كَمَا اسْتَدْبَرْتُ لَفَعَلْتُ كَمَا فَعَلْتُمْ وَلَكِنْ سُقْتُ الْهَدْيَ وَقْرَنْتُ»

стр. 95

وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ⦗١٤٣⦘ هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُلَبِّي بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ جَمِيعًا فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ، فَلَقِيتُ أَنَسًا فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَنَا إِلَّا صِبْيَانًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجَّةً مَعًا» فَهَذِهِ أَحَادِيثُ بَيِّنَةٌ وَيَزِيدُكَ فِي ذَلِكَ بَيَانًا

стр. 96

أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَهْلٍ حَدَّثَنَا، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ النَّاسِ قَدْ حَلُّوا مِنْ عُمْرَتِهِمْ وَلَمْ تُحِلَّ؟ قَالَ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَسُقْتُ هَدْيِي فَلَا أُحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ⦗١٤٤⦘ مُتَمَتِّعًا أَوْ مُفْرَدًا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ نَحْرِ الْهَدْيِ فَهَذَا مَا فِي الْحَجِّ مِنْ نَاسِخٍ وَمَنْسُوخٍ وَاحْتِجَاجٍ، وَنَذْكُرُ بَعْدَهُ مَا فِي الْخَمْرِ مِنَ النَّسْخِ وَنَذْكُرُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ نَاسِخَهٌ لِمَا كَانَ مُبَاحًا مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَقَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّهَا ⦗١٤٥⦘ مَنْسُوخَةٌ وَنَذْكُرُ مَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْخَمْرِ مِنَ الشَّرَابِ وَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَا يَدُلُّ مِنَ الْمَعْقُولِ وَمِنَ الِاشْتِقَاقِ وَاللُّغَةِ عَلَى أَنَّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ وَأَنَّهُ خَمْرٌ وَنَذْكُرُ الشُّبْهَةَ الَّتِي أَدْخَلَهَا قَوْمٌ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْآيَةِ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ

стр. 97

بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: هَذِهِ الْآيَةُ نَاسِخَةٌ لِمَا كَانَ مُبَاحًا مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَسَنَذْكُرُ حُجَجَ الْجَمِيعِ فَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ احْتَجَّ بِأَنَّ الْمَنَافِعَ الَّتِي فِيهَا إِنَّمَا كَانَتْ قَبْلَ التَّحْرِيمِ ثُمَّ نُسِخَتْ وَأُزِيلَتْ

стр. 98

كَمَا حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُجَاشِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] ، قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ قَالَ: «الْمَنَافِعُ قَبْلَ التَّحْرِيمِ»

стр. 99

وَحَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُجَاشِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْسِرِ، قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] قَالَ: " نَسَخَتْهَا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] يَعْنِي الْمَسَاجِدَ ثُمَّ أَنْزَلَ ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا﴾ [النحل: ٦٧] ⦗١٤٨⦘ ، ثُمَّ أَنْزَلَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] " الْآيَتَيْنِ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا نَاسِخَةٌ بِالْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ الَّتِي فِيهَا بَيَانُ عِلَّةِ نُزُولِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَمِنَ الْحُجَجِ:

стр. 100

مَا قُرِئَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عِمْرَانَ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ مِقْلَاصٍ حَدَّثَهُمْ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ ⦗١٤٩⦘: " اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ، فَنَزَلَتْ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الْآيَةُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا فَإِنَّهَا تُذْهِبُ الْعَقْلَ وَالْمَالَ فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُنَادِي وَقْتَ الصَّلَاةِ لَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ فَدَعَى عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا فَإِنَّهَا تُذْهِبُ الْعَقْلَ وَالْمَالَ فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠] إِلَى ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] فَقَالَ عُمَرُ ﵁: انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا "

стр. 101

قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ: وَحَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ خَالِدٍ، سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سِمَاكٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: " مَرَرْتُ بِنَفَرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ⦗١٥٠⦘ وَالْأَنْصَارِ فَقَالُوا لِي: تَعَالَ نُطْعِمْكَ وَنَسْقِيكَ خَمْرًا وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الْخَمْرُ: فَأَتَيْتُهُمْ فِي حَشٍّ قَالَ وَالْحَشُّ الْبُسْتَانُ فَإِذَا عِنْدَهُمْ رَأْسُ جَزُورٍ مَشْوِيٌّ وَزِقُّ خَمْرٍ فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا فُذِكَرَتِ الْأَنْصَارُ فَقُلْتُ: الْمُهَاجِرُونَ خَيْرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَحَدَ لَحْيَيِ الرَّأْسِ فَجَرَحَ بِهِ أَنْفِي فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَفِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فِي حَيَّيْنِ مِنْ قَبَائِلِ الْأَنْصَارِ لَمَّا ثَمِلُوا شَجَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَوَقَعَتْ بَيْنَهُمُ الضَّغَائِنُ فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] إِلَى ﴿مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْآيَةَ نَاسِخَةٌ وَمِنَ الْحُجَّةِ لِذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْفُقَهَاءِ يَقُولُونَ: تَحْرِيمُ الْخَمْرِ بِآيَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] وَبِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] فَلَمَّا حَرَّمَ الْإِثْمَ وَأَخْبَرَ أَنَّ فِيَ الْخَمْرَ إِثْمًا وَجَبَ أَنْ تَكُونَ مُحَرَّمَةً فَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْخَمْرَ يُقَالُ لَهَا الْإِثْمُ فَغَيْرُ مَعْرُوفٍ مِنْ حَدِيثٍ وَلَا لُغَةٍ ⦗١٥١⦘ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ جَائِزٌ وَأَبَيْنُ مِنْهُ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] وَإِذَا نَهَى اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ شَيْءٍ فَهُوَ مُحَرَّمٌ وَفِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ فَمِنْ ذَلِكَ ثَمِلُوا مَعْنَاهُ: سَكِرُوا، وَبَعْضُهُمْ يَرْوِي فِي حَدِيثِ سَعْدٍ: فَفَزَرَ بِهِ أَنْفِي، أَيْ فَلَقَهُ وَشَقَّهُ وَمِنْهُ فَزَرْتُ الثَّوْبَ، وَالْفِزْرُ الْقِطْعَةُ مِنَ الْغَنَمِ وَفِي الْأَحَادِيثِ فِي سَبَبِ نُزُولِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ أَسْبَابٌ يَقُولُ الْقَائِلُ: كَيْفَ يَتَّفِقُ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ وَعُمَرُ ﵁ يَقُولُ شَيْئًا وَسَعْدٌ يَقُولُ غَيْرَهُ وَابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ أَتَى بِسِوَاهُمَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَحَادِيثَ مُتَّفِقَةٌ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ سَأَلَ بَيَانًا شَافِيًا فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَلَمْ يَقُلْ: نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ لَا فِي غَيْرِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُ عُمَرَ وَافَقَ مَا كَانَ مِنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَمِنَ الْحَيَّيْنِ اللَّذَيْنِ مِنْ قَبَائِلِ الْأَنْصَارِ، فَتَتَّفِقُ الْأَحَادِيثُ وَلَا تَتَضَادُّ وَفِيهَا مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُنَادِي وَقْتَ الصَّلَاةِ لَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ فَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ لَيْسَ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِنَّ السَّكْرَانَ الَّذِي لَا يَعْرِفُ السَّمَاءَ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا الذَّكَرَ مِنَ الْأُنْثَى وَإِنَّ رَجُلًا لَوْ قَالَ لَهُ وَأَشَارَ إِلَى السَّمَاءِ مَا هَذِهِ؟ فَقَالَ: الْأَرْضُ لَمْ يَكُنْ سَكْرَانَ لِأَنَّهُ قَدْ فَهِمَ عَنْهُ كَلَامَهُ ⦗١٥٢⦘ وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا لَمَا جَازَ أَنْ يُخَاطَبَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الذَّكَرَ مِنَ الْأُنْثَى وَلَا يَفْهَمُ الْكَلَامَ فَيُقَالُ لَهُ: لَا تَقْرَبِ الصَّلَاةَ وَأَنْتَ سَكْرَانَ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ السَّكْرَانَ هُوَ الَّذِي أَكْثَرُ أَمْرِهِ التَّخْلِيطُ

стр. 102

وَقَدْ حَكَى أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ سُئِلَ عَنِ السَّكْرَانِ فَقَالَ: أَنَا آخُذُ فِيهِ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ عَنْ حَدِّ السَّكْرَانِ، فَقَالَ: «هُوَ الَّذِي إِذَا اسْتَقْرَأْتَهُ سُورَةً لَمْ يَقْرَأْهَا وَإِذَا خَلَطْتَ ثَوْبَهُ مَعَ ثِيَابٍ لَمْ يُخْرِجْهُ»

стр. 103

وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ قَوْلَهُ: «لَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ» قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] لَيْسَ مِنَ النَّوْمِ وَأَنَّهُ مِنَ الشُّرْبِ حِينَ كَانَ مُبَاحًا وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْآيَةَ نَاسِخَةٌ لِمَا ذَكَرْنَا وَبَقِيَ الْبَيَانُ عَنِ الْخَمْرِ الْمُحَرَّمَةِ وَمَا هِيَ؟ لِأَنَّ قَوْمًا قَدْ أَوْقَعُوا فِي هَذَا شُبْهَةً فَقَالُوا: الْخَمْرُ هِيَ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا وَلَا يَدْخُلُ فِيهَا مَا اخْتُلِفَ فِيهِ فَهَذَا ظُلْمٌ مِنَ الْقَوْلِ يَجِبُ عَلَى قَائِلِهِ أَنْ لَا يُحَرِّمَ شَيْئًا اخْتُلِفَ فِيهِ وَهَذَا عَظِيمٌ مِنَ الْقَوْلِ وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِأَنَّ مَنْ قَالَ: الْخَمْرُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا مُحِلُّهَا كَافِرٌ وَلَيْسَ كَذَا غَيْرُهَا وَهَذَانِ الِاحْتِجَاجَانِ أَشَدُّ مَا لَهُمْ فَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءُوا بِهَا فَلَا حُجَّةَ فِيهَا لِضَعْفِ أَسَانِيدِهَا وَلِتَأْوِيلِهِمْ إِيَّاهَا عَلَى غَيْرِ الْحَقٍّ وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: مَا صَحَّ تَحْلِيلُ النَّبِيذِ الَّذِي يُسْكِرُ كَثِيرُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةَ وَلَا التَّابِعِينَ إِلَّا عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ

стр. 104

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَأَمَّا الِاحْتِجَاجَانِ الْأَوَّلَانِ اللَّذَانِ يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِمَا فَقَدْ بَيَّنَّا الرَّدَّ فِي أَحَدِهِمَا وَسَنَذْكُرُ الْآخَرَ فَالْخَمْرُ الْمُحَرَّمَةُ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا الْمَجْمَعِ عَلَيْهَا وَهِيَ عَصِيرُ الْعِنَبِ إِذَا رَغَا وَأَزْبَدَ فَهَذِهِ الْخَمْرُ الَّتِي مَنْ أَحَلَّهَا كَافِرٌ وَالْخَمْرُ الْأُخْرَى الَّتِي مَنْ أَحَلَّهَا لَيْسَ بِكَافِرٍ وَهِيَ الَّتِي جَاءَ بِهَا التَّوْقِيفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهَا الْخَمْرُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ ﵃ بِالْأَسَانِيدِ الَّتِي لَا يَدْفَعُهَا إِلَّا صَادٌّ عَنِ الْحَقِّ أَوْ جَاهِلٌ إِذْ قَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ تَسْمِيَتُهَا خَمْرًا وَتَحْرِيمُهَا، فَمِنْ ذَلِكَ:

стр. 105

مَا حَدَّثَنَاهُ بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِتْعِ فَقَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ حَرَامٌ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ لَكَفَى لِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ وَاسْتِقَامَةِ طَرِيقِهِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْجَمِيعُ أَنَّ الْآخَرَ لَا يُسْكِرُ إِلَّا بِالْأَوَّلِ فَقَدْ حَرَّمَ الْجَمِيعُ بِتَوْقِيفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ⦗١٥٥⦘ وَفِي هَذَا الْبَابِ مِمَّا لَا يُدْفَعُ

стр. 106

مَا قُرِئَ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ

стр. 107

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَحَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جَرِيحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ»

стр. 108

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»

стр. 109

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ وَجَّهَ أَبَا مُوسَى، وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضٍ يُصْنَعُ بِهَا شَرَابٌ مِنَ الْعَسَلِ يُقَالُ لَهُ الْبِتْعُ، وَشَرَابٌ مِنْ شَعِيرٍ يُقَالُ لَهُ الْمِزْرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»

стр. 110

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» ⦗١٥٧⦘ فَهَذِهِ الْأَسَانِيدُ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهَا
следующие страницы →