Полный текст (132 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَكَانَ مِنْ أَرْوَى النَّاسِ عَنِ ابْنِ فَرُّوخَ، مَعْمَرُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمَاتَ ابْنُ فَرُّوخَ بِمِصْرَ وَدُفِنَ بِالْمُقَطَّمِ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: «مَاتَ ابْنُ فَرُّوخَ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَقَدْ سَمِعَ عَنْهُ يَحْيَى بْنُ سَلامٍ» .
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي جَبَلَةُ بْنُ حَمُّودٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَنَا، يَعْنِي: سُحْنُونًا، أَنَّهُ نَظَرَ فِي رِسَالَةِ مَالِكٍ إِلَى ابْنِ فَرُّوخَ، وَكَانَ ابْنُ فَرُّوخَ قَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ أَنَّ بَلَدَنَا كَثِيرُ الْبِدَعِ، وَأَنَّهُ أَلَّفَ لَهُمْ كَلامًا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي الرِّسَالَةِ: «إِنَّكَ إِنْ ظَنَنْتَ ذَلِكَ بِنَفْسِكَ خِفْتَ أَنْ تَذِلَّ وَتَهْلِكَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، لا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ إِلا مَنْ كَانَ عَالِمًا ضَابِطًا عَارِفًا بِمَا يَقُولُ لَهُمْ، لَيْسَ يَقْدِرُونَ أَنْ يُعَرِّجُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّ هَذَا لا بَأْسَ بِهِ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ فَيُخْطِئَ، فَيَمْضُوا عَلَى خَطَئِهِ، أَوْ يَظْفَرُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ فَيَطْغَوْا، وَيَزْدَادُوا تَمَادِيًا عَلَى ذَلِكَ» .
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَلَقَدْ حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ نَصْرٍ، صَاحِبُ مَظَالِمِ سُحْنُونٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سُحْنُونَ بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: ذَهَبْتُ مَعَ أَخِي حَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ، وَكَانَ يَسْمَعُ مِنَ ابْنِ فَرُّوخَ، قَالَ: فَرَأَيْتُهُ يُمَازِحُ الطَّلَبَةَ حَوْلَهُ فَمَجَّهُ قَلْبِي، أَوْ كَمَا قَالَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَلَقَدْ حَدَّثَنِي جَبَلَةُ بْنُ حَمُّودٍ، عَنْ سُحْنُونٍ، عَنْ أَخِيهِ حَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ فَرُّوخَ، بِحَدِيثٍ وَاحِدٍ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَسَنٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَعَا ابْنَ فَرُّوخَ رَجُلٌ إِلَى طَعَامٍ يَأْكُلُ مِنْهُ، وَأَتَاهُ بِنَبِيذٍ، فَشَرِبَ، فَاحْمَرَّ وَجْهُهُ، ثُمَّ خَرَجَ ابْنُ فَرُّوخَ، فَأَذَّنَ لِلصَّلاةِ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي دَعَاهُ: أَلَمْ تُحَدِّثْنَا أَنَّ الْحَسَنَاتِ تَتَنَاثَرُ مِنْ وَجْهِ
стр. 37
الرَّجُلِ إِذَا احْمَرَّ وَجْهُهُ مِنَ النَّبِيذِ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ فَرُّوخَ: قَدْ كُنَّا أَغْنِيَاءَ عَنْ طَعَامِكَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ: خَرَجَ ابْنُ فَرُّوخَ الْخَرْجَةَ الَّتِي مَاتَ فِيهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ.
يَحْيَى بْنُ سَلامٍ
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: ويَحْيَى بْنُ سَلامٍ، قَدِمَ إِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَ ثِقَةً ثَبْتًا، وَكَانَ لَهُ إِدْرَاكٌ، لَقِيَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَأَكْثَرَ مِنْ لُقِيِّ الرِّجَالِ وَالْحَمْلِ عَنْهُمْ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي فُنُونِ الْعِلْمِ، وَكَانَ مِنَ الْحُفَّاظِ.
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَلامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ يَحْيَى: أَنَّهُ مَا سَمِعَ شَيْئًا قَطُّ إِلا حَفِظَهُ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ إِذَا مَرَّ بِمَنْ يَتَغَنَّى، يَسُدُّ أُذُنَيْهِ لِئَلا يَسْمَعَهُ فَيَحْفَظَهُ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ خَلْقِ اللَّهِ، وَدَعَا بِثَلاثِ دَعَوَاتٍ اسْتُجِيبَتْ لَهُ: دَعَا اللَّهَ أَنْ يَقْضِيَ عَنْهُ الدَّيْنَ فَقُضِيَ دَيْنُهُ، وَدَعَا أَنْ يُوَرِّثَ وَلَدَهُ الْعِلْمَ فَكَانَ كَمَا دَعَا، وَدَعَا اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَبْرُهُ بِمُقَطَّمِ مِصْرَ فَفَعَلَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَلَقَدْ كُنْتُ عِنْدَ يَحْيَى ابْنِهِ حِينَ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، فَحَدَّثَهُ أَنَّ قَبْرَ جَدِّهِ إِلَى جَنْبِ قَبْرِ ابْنِ فَرُّوخَ بِالْمُقَطَّمِ، وَأَنَّهُ يَرَى عَلَيْهِمَا كُلَّ لَيْلَةٍ قِنْدِيلانِ يُوقَدَانِ، وَرُمِيَ بِالإِرْجَاءِ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو رَبِيعٍ اللِّحْيَانِيُّ، أَنَّ رَجُلا قَالَ لَهُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّاءَ، إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّكَ تَقُولُ بِالإِرْجَاءِ، فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَى جِدَارِ الْقِبْلَةِ، وَقَالَ لَهُ: «وَرَبِّ الْقِبْلَةِ مَا عَبَدْتُ اللَّهَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الإِرْجَاءِ قَطُّ، كَيْفَ وَقَدْ حَدَّثْتُكُمْ أَنَّهُ بِدْعَةٌ» .
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ يُوسُفَ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
стр. 38
وَهْبٍ نَسْمَعُ مِنْهُ حَتَّى مَرَّ فِي كُتُبِه حَدِيثٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَلامٍ، فَقَالَ: اطْرَحُوهُ لأَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ مُرْجِئٌ، قَالَ عَوْنٌ: فَقُمْتُ أَنَا إِلَيْهِ وَمَعِي ثَلاثَةٌ مِنْ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَشَهِدْنَا عَنْهُ أَنَّهُ بَرِئٌ مِنَ الإِرْجَاءِ، قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: قَالَ لِي سُلَيْمَانُ بْنُ سَالِمٍ: وَإِنَّمَا نُسِبَتْ إِلَيْهِ الإِرْجَاءُ، أَنَّ مُوسَى بْنَ مُعَاوِيَةَ الصُّمَادِحِيَّ أَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّاءَ، مَا أَدْرَكْتَ النَّاسَ يَقُولُونَ فِي الإِيمَانِ؟ فَقَالَ لَهُ: أَدْرَكْتُ مَالِكًا، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، يَقُولُونَ: «الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ» ، وَأَدْرَكْتُ مَالِكَ بْنَ مِغْوَلٍ، وَقَطَرَ بْنَ خَلِيفَةَ، وَعُمَرَ بْنَ ذَرٍّ، يَقُولُونَ: «الإِيمَانُ قَوْلٌ» .
قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَالِمٍ: فَأَخْبَرَ مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ، سُحْنَونَ بْنَ سَعِيدٍ بِمَا ذَكَرَ يَحْيَى بْنُ سَلامٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ، وَقُطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ، وَمَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مَا قَالَ عَنْ غَيْرِهِمْ، فَقَالَ سُحْنُونٌ: هَذَا مُرْجِئٌ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ تَمِيمٍ، وَسَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، خَالِيًا عَنْ قَوْلِ جَدِّهِ فِي الإِيمَانِ، فَقَالَ: كَانَ جَدِّي، يَقُولُ: «الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ» ، وَكَانَ يَحْيَى ثِقَةً صَدُوقًا لا يَقُولُ عَنْ جَدِّهِ إِلا الْحَقَّ، قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَنَّ جَدَّهُ مَاتَ بِمِصْرَ سَنَةَ مِائَتَيْنِ، وَلَهُ مَنَاقِبُ كَثِيرَةٌ تَرَكَهَا كَرَاهَةَ التَّطْوِيلِ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَابْنُهُ مُحَمَّدٌ ثِقَةٌ نَبِيلٌ، قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَيَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الَّذِي سَمِعْنَا مِنْهُ كَانَ صَالِحًا ثِقَةً، صَحِبْتُهُ سِنِينَ طَوِيلَةً , مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ ضَحِكَ وَلا غَضِبَ إِلا مَرَّةً وَاحِدَةً؛ صَاحَ عَلَى غُلامٍ لَهُ، وَكَانَ مُحْسِنًا فِي عِلْمِهِ مُتَوَاضِعًا فِيهِ، قَلِيلَ الْخَوْضِ فِيمَا لا يَعْنِيهِ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَكَانَ مَوْلِدُ يَحْيَى بْنِ سَلامٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَمَاتَ مُحَمَّدٌ ابْنُهُ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً، قَالَ
стр. 39
أَبُو الْعَرَبِ: وَكَانَ مَوْلِدُ يَحْيَى ابْنُهُ قَبْلَ الْمِائَتَيْنِ بِسَنَتَيْنِ، وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي بِهَذَا التَّارِيخِ مِنْ مَوْتِ يَحْيَى وَمَوْلِدِهِ، وَمَوْتِ مُحَمَّدٍ، يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَلامٍ، وَصَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ سُلَيْمَانُ بْنُ عِمْرَانَ، وَصَلَّى عَلَى يَحْيَى ابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانٍ.
стр. 40
عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ الْحِمْصِيُّ
وَعَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ الْحِمْصِيُّ، قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: قَدْ حَدَّثَنِي جَبَلَةُ بْنُ حَمُّودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُحْنُونٌ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ وَنَحْنُ صِغَارٌ، يُقَالُ لَهُ: عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ الْحِمْصِيُّ، سَمِعَ مِنْهُ الْبُهْلُولُ كِتَابَ (الزُّهْدِ) ، قَالَ: فَكُنَّا نَسْمَعُهُ مِنَ الْبُهْلُولِ، قَالَ سُحْنُونٌ: فَلَقِيتُ بِمِصْرَ هَذَا الرَّجُلَ، وَكَانَ ابْنُ وَهْبٍ قَدْ نَفَرَهُ حَتَّى أَوْهَنَهُ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَمِمَّنْ هُوَ قَرِيبٌ مِنْ يَحْيَى بْنِ سَلامٍ فِي السِّنِّ وَالإِدْرَاكِ.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ غَانِمٍ الرُّعَيْنِيُّ
وَكَانَ ثَبْتًا ثِقَةً نَبِيلا، وَلِيَ الْقَضَاءَ بَعْدَ مَاتِعِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ عَدْلا فِي قَضَائِهِ، وَلاهُ رَوْحُ بْنُ حَاتِمٍ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، سَمِعَ مِنْ مَالِكٍ، وَكَانَ يَكْتُبُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى بْنِ كِنَانَةَ، فَيَسْأَلُ لَهُ مَالِكًا عَنْ أَحْكَامِهِ، وَسَمِعَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ، وَمِنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ، وَمِنْ غَيْرِهِمْ، قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: لَقَدْ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَفْصٍ، أَنَّ أَبَا عُثْمَانَ حَاتِمَ بْنَ عُثْمَانَ الْمَعَافِرِيَّ، كَانَ صَدِيقًا لابْنِ غَانِمٍ،
стр. 41
وَكَانَ قَدْ رَحَلَ مَعَهُ إِلَى مَالِكٍ، فَجَلَسَ أَبُو عُثْمَانَ مَعَ نَاسٍ، فَتَكَلَّمُوا فِي وِلايَةِ ابْنِ غَانِمٍ، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ وِلايَةَ ابْنِ غَانِمٍ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا كَانَتْ مِنَ الْمُسَوِّدَةِ، يَعْنِي: الْجُنْدَ، فَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ ثَلاثًا، وَمَمَالِيكُهُ أَحْرَارٌ، إِنْ كَانَ وَلاهُ إِلا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ أَتَى أَبُو عُثْمَانَ إِلَى ابْنِ غَانِمٍ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ غَانِمٍ: يَا أَبَا عُثْمَانَ، كَمْ صَدَاقُ زَوْجَتِكَ الَّذِي تَزَوَّجْتَهَا بِهِ؟ قَالَ: مِائَتَا دِينَارٍ، قَالَ: «وَكَمْ شِرَى مَمَالِيكِكَ عَلَيْكَ؟» قَالَ: «مِائَةُ دِينَارٍ» قَالَ: فَدَعَا ابْنُ غَانِمٍ بِكِيسٍ فَعَدَّ لأَبِي عُثْمَانَ ثَلاثَ مِائَةِ دِينَارٍ، وَقَالَ: خُذْهَا يَا أَبَا عُثْمَانَ، فَقَدْ بَانَتْ مِنْكَ زَوْجَتُكَ، وَعُتِقَ عَلَيْكَ مَمَالِيكُكَ ".
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَلَهُ مَنَاقِبُ كَثِيرَةٌ تَرَكْتُهَا كَرَاهَةَ التَّطْوِيلِ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ، وَفُرَاتُ بْنُ مُحَمَّدٍ: مَاتَ ابْنُ غَانِمٍ الْقَاضِي سَنَةَ تِسْعِينَ وَمِائَةٍ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَكَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ غَانِمٍ أَخٌ، يُقَالُ لَهُ: سَعِيدٌ، قَدْ كَتَبَ عَنْهُ، وَقَدْ رَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَانِمٍ أَخِيهِ.
قَالَ لِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اللَّبَّادِ، حَدَّثَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي اللَّيْثِ التُّونُسِيُّ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ التُّونُسِيِّ أَمْشِي بِالْقَيْرَوَانِ فَلَقِيَنَا ابْنُ فَرُّوخَ، فَصَدَّ عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ فَرُّوخَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، لِمَ صَدَدْتَ عَنِّي؟ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الْمُشِيرُ بِابْنِ غَانِمٍ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَشَرْتُ بِهِ، إِنَّمَا سُئِلْتُ عَنْهُ، فَقُلْتُ: مَا أَعْلَمُ إِلا خَيْرًا، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَلَى الإِنْكَارِ: " وَأَيُّ خَيْرٍ مَعَ الْكِبَرِ وَالْكَذِبِ؟ وَاللَّهِ مَا صَدَقَ فِي حَسَبِهِ، ثُمَّ وَلِيَ.
стр. 42
أَبُو يَزِيدَ رَبَاحُ بْنُ يَزِيدَ اللَّخْمِيُّ
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ بْنُ تَمِيمٍ: وَرَبَاحُ بْنُ يَزِيدَ اللَّخْمِيُّ رَجُلٌ صَالِحٌ مُبْرِزٌ، لا يُشَكُّ فِي أَنَّهُ ثِقَةٌ مُسْتَجَابٌ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اللَّبَّادِ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَدَّادِ، قَالَ: حَدَّثَنِي خُصَيْفٌ الْحَافِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ دَحْيُونِ بْنِ رَاشِدٍ، قَالَ: غَيَّرَ الْبُهْلُولُ بْنُ رَاشِدٍ، مُنْكِرًا عَلَى بَعْضِ أَعْوَانِ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ، فَخَرَقُوا فَرْوَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ رَبَاحُ بْنُ يَزِيدَ، فَقَالَ لَهُ الْبُهْلُولُ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ لِنَرْفَعَ إِلَيْهِ أَمْرِي، فَقَالَ لَهُ رَبَاحٌ: اقْعُدْ يَا ضَعِيفُ، يَكْفِيكَ اللَّهُ مَئُونَتَهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ أَقْبَلَ بِالَّذِينَ غَيَّرَ عَلَيْهِمُ الْبُهْلُولُ الْمُنْكَرَ، وَقَدْ ضُرِبَتْ ظُهُورُهُمْ، وَبُطُونُهُمْ، وَالْمُنَادِي يُنَادِي عَلَيْهِمْ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ يَتَعَرَّضُ رَبَاحَ بْنَ يَزِيدَ وَالْبُهْلُولَ بْنَ رَاشِدٍ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَدَّادِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو زَرَجُونَةَ، عَنْ رَبَاحِ بْنِ يَزِيدَ: " أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الشِّتَاءُ أَخَذَ فِي الْبُكَاءِ رَحْمَةً لِلْفُقَرَاءِ.
وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ الْحَدَّادِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ: أَنَّ رَجُلا مِنَ الأَنْدَلُسِيِّينَ أَتَى إِلَى رَبَاحِ بْنِ يَزِيدَ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا يَزِيدَ، إِنَّ سَعِيدَ بْنَ لَبِيدٍ أَخَذَ مِنِّي جَارِيَةً لِي، فَأَخَذَ رَبَاحٌ عَصَاهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ مَعَهُ إِلَى دَارِ سَعِيدِ بْنِ لَبِيدٍ، فَوَجَدَ جَمَاعَةً مِنَ النَّاسِ قَدْ حَفُّوا بِبَابِهِ يَنْتَظِرُونَهُ، فَأَلْقَى عَصَاهُ بَيْنَهُمْ، وَجَلَسَ حَتَّى خَرَجَ سَعِيدُ بْنُ لَبِيدٍ رَاكِبًا مِنْ دَارِهِ، فَلَمَّا رَآهُ مَنْ كَانَ عَلَى بَابِهِ مِنْ تِلْكَ الْجَمَاعَةِ نَهَضُوا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وَلَبِثُ رَبَاحٌ جَالِسًا، فَقَصَدَ سَعِيدُ بْنُ لَبِيدٍ إِلَى رَبَاحٍ، وَرَبَاحٌ جَالِسٌ، وَجَعَلَ سَعِيدُ بْنُ لَبِيدٍ يَقُولُ لِرَبَاحٍ فِي الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ قَامُوا لَهُ عَلَى أَقْدَامِهِمْ: يَا أَبَا يَزِيدَ، هَؤُلاءِ كُلُّهُمْ
стр. 43
أَبْنَاءُ دُنْيَا، فَقَالَ لَهُ رَبَاحٌ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ، فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: يَا أَبَا يَزِيدَ، هَلْ مِنْ حَاجَةٍ؟ فَقَالَ لَهُ رَبَاحٌ: أُرْدُدْ عَلَى هَذَا الأَنْدَلُسِيِّ جَارِيَتَهُ، فَصَاحَ سَعِيدٌ بِجَارِيَةِ الأَنْدَلُسِيِّ، فَأُخْرِجَتْ إِلَيْهِ فَقَبَضَهَا صَاحِبُهَا.
وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ: دَخَلَ سَعِيدُ بْنُ لَبِيدٍ، عَلَى رَبَاحِ بْنِ يَزِيدَ، وَعِنْدَ رَبَاحٍ عُوَّادُهُ، وَهُوَ مَرِيضٌ، فَسَلَّمَ سَعِيدٌ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَبَاحٌ، فَأَقْبَلَ سَعِيدٌ عَلَى الْعُوَّادِ، فَقَالَ: مَا بَالُ أَبِي يَزِيدَ لا يُكَلِّمُنَا، فَقَالُوا: هُوَ نَائِمٌ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ رَبَاحٌ، فَقَالَ: «أَتَكْذِبُونَ عَلَيَّ، وَأَنَا أَسْمَعُكُمْ؟» فَقَامَ سَعِيدٌ مُغْضِبًا حَتَّى دَخَلَ عَلَى يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ، وَقَدْ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ، وَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ: مَا مَرَّ عَلَيَّ قَطُّ مِثْلُ الْيَوْمِ، ثُمَّ قَصَّ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ عَلَى رَبَاحٍ، فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: هَبْنِي عَادَيْتُ لَكَ أَهْلَ الأَرْضِ، أَفَأُعَادِي لَكَ أَهْلَ السَّمَاءِ؟ تَعَالَ حَتَّى أُرِيَكَ كَيْفَ يُعَادُ مِثْلُ رَبَاحٍ، فَرَكِبَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ مَعَ سَعِيدٍ فَدَخَلا عَلَى رَبَاحٍ، فَسَلَّمَ يَزِيدُ عَلَى رَبَاحٍ، فَلَمْ يَرُدَّ رَبَاحٌ، فَأَقْبَلَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ، عَلَى عُوَّادِ رَبَاحٍ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا يَزِيدَ رَجُلٌ عَلِيلٌ، وَالْعَلِيلُ يَشُقُّ عَلَيْهِ الْكَلامُ، وَإِذَا أَجَبْتُمُونَا عَنْهُ فَكَأَنَّهُ هُوَ الْمُجِيبُ، ثُمَّ سَأَلَهُمْ عَنْ مَبِيتِهِ كَيْفَ كَانَ، وَكَيْفَ حَالُهُ، ثُمَّ نَهَضَ، ثُمَّ جَعَلَ يَأْتِيهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَلا يَرُدُّ عَلَيْهِ رَبَاحٌ، ثُمَّ يُقْبِلُ يَزِيدُ عَلَى الْعُوَّادِ الَّذِينَ بِحَضْرَتِهِ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا يَزِيدَ عَلِيلٌ، وَالْعَلِيلُ يَشُقُّ عَلَيْهِ الْكَلامُ، وَإِذَا أَجَبْتُمُونَا عَنْهُ فَكَأَنَّهُ هُوَ الْمُجِيبُ، ثُمَّ يَسْأَلُهُمْ عَنْ مَبِيتِهِ، وَعَنْ حَالِهِ، فَكَانَ هَذَا دَأْبُهُ مَعَهُ كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى تُوُفِّيَ رَبَاحٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ.
وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ الْحَدَّادِ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ مَشَائِخِنَا مِمَّنْ حَمَلَ الْعِلْمَ،
стр. 44
أَنَّ رَبَاحَ بْنَ يَزِيدَ كَتَبَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ لَبِيدٍ: أَخذ الْبَرِئ بِغَيْرِ. . . . . . . . عَلَى النُّطْقِ فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّ، مَنْ أَشَارَ بِهَذَا الرَّأْيِ الضَّعِيفِ، كَمْ تَلْبَثُ الْقُلُوبُ عَلَى هَذَا.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ بْنُ تَمِيمٍ: طَلَبْتُ حَدِيثَهُ، فَمَا وَجَدْتُ مِنْهُ إِلا كِتَابًا وَاحِدًا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ سَمْعَانَ، حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْهَيْثَمِ اللُّؤْلُؤِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَرُّوخَ الْفَارِسِيِّ، عَنْ رَبَاحِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ سَمْعَانَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَلَقَدْ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ سَالِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سُلَيْمَانَ دَاوُدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ الصُّمَادِحِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي، قَالَ: " رَأَيْتُ أَرْبَعَةً مَا رَأَيْتُ فِي الدُّنْيَا مِثْلَهُمْ، رَأَيْتُ ابْنَ عَوْنٍ بِالْبَصْرَةِ فَمَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ، وَرَأَيْتُ الأَوْزَاعِيَّ بِالشَّامِ فَمَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ، وَرَأَيْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ بِالْكُوفَةِ فَمَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ، وَرَأَيْتُ رَبَاحَ بْنَ يَزِيدَ بِإِفْرِيقِيَّةَ، فَمَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ الْحَفَرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ذَهَبْنَا إِلَى رَبَاحِ بْنِ يَزِيدَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَقِيلَ لَنَا: إِنَّهُ فِي الْفَحْصِ، فَخَرَجْنَا إِلَيْهِ فَرَأَيْنَاهُ جَالِسًا، وَبَيْنَ يَدَيْهِ غَدِيرُ مَاءٍ، قَلِيلٌ مُسْتَنْقَعٌ، وَهُوَ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ، فَرَأَيْنَاهُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ وُضُوئِهِ إِلا غَسْلُ رِجْلَيْهِ وَهُمَا فِي الْمَاءِ، فَلَمَّا رَآنَا رَفَعَ رِجْلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ، فَأَتَيْنَا فَلَمْ نَرَ مَاءً وَلا أَثَرَ مَاءٍ.
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ اللَّبَّادِ، حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ بْنُ الْحَدَّادِ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْبُهْلُولَ بْنَ رَاشِدٍ، أَقْبَلَ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّالِحِينَ إِلَى الْبَزَّازِينَ، فَوَقَفَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَكَانَ يَبِيعُ الْبَزَّ فَنَهَضَ إِلَيْهِمْ وَجَعَلَ يُسَلِّمُ عَلَى الْبُهْلُولِ، وَيُكَنِّيهِ، وَعَلَى
стр. 45
مَنْ كَانَ مَعَهُمْ وَيُكَنِّيهِمْ، فَقَالَ لَهُ الْبُهْلُولُ: إِنَّا أَحْبَبْنَا سُكْنَى أَبِي يَزِيدَ رَبَاحٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَأَحْبَبْنَا أَنْ يَقْعُدَ فِي حَانُوتٍ، وَبَلَغَنَا عَنْ غُلامِكَ سَعِيدٍ حُسْنُ حَالٍ، فَأَحْبَبْنَا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِي الْحَانُوتِ وَيَتَوَلَّى أَمْرَهُ، وَكَانُوا يُسَمُّونَ الشَّبَابَ الَّذِينَ يَكُونُونَ عِنْدَ الرَّجُلِ: فُلانًا غُلامَ فُلانٍ، فَأَقْبَلَ صَاحِبُ الْحَانُوتِ عَلَى سَعِيدٍ، فَقَالَ: أَبُنَيَّ، أَسَعِيدُ، هَذَا أَبُو عَمْرٍو الْبُهْلُولُ بْنُ رَاشِدٍ، وَهَذَا فُلانٌ، وَهَذَا فُلانٌ، يُرِيدُونَ مِنْكَ أَنْ تَكُونَ فِي خِدْمَةِ. . . . . . . وَالْبُهْلُول أَصْحَاب سَعِيدٍ، وَكَانَ يُعْرَفُ بِالأَشْبَجِ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْبَجِ، حَتَّى انْتَهَوْا بِهِ إِلَى حَانُوتٍ، وَفِيهِ حُصُرٌ جُدُدٌ، فَقَعَدَ فِيهِ حَتَّى أَتَى رَبَاحٌ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَذَكَرَ اللَّهَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى سَعِيدٍ، فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ، يَا سَعِيدُ، لا أَرَاكَ إِلا وَأَنْتَ تُحِبُّ إِذَا اشْتَرَيْتَ، أَنْ يُسَهَّلَ عَلَيْكَ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، إِذَا أَتَاكَ الْمُشْتَرِي فَسَهِّلْ عَلَيْهِ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُسَهَّلَ عَلَيْكَ، وَمَا كُتِبَ لَكَ أَنْ تَنَالَهُ فَسَوْفَ تَنَالَهُ، فَلا تَفْعَلْ كَذَا، أَوْ لا تَفْعَلْ كَذَا، وَعَرَّفَهُ بِمَا يَدْخُلُ عَلَى مَنِ اشْتَرَى وَبَاعَ، ثُمَّ نَهَضَ عَنْهُ وَخَلَّفَهُ فِي الْحَانُوتِ، ثُمَّ جَعَلَ يَأْتِيهِ كُلَّ يَوْمٍ فَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ، وَيُقْبِلُ إِلَيْهِ فَيَعِظُهُ بِمِثْلِ كَلامِهِ الأَوَّلِ، حَتَّى جَاءَهُ فِي آخِرِ تِلْكَ الأَيَّامِ، فَقَالَ لَهُ: يَا سَعِيدُ، اذْهَبْ بِمَتَاعِي إِلَى دَارِ فُلانٍ التَّاجِرِ، فَادْفَعْهُ إِلَيْهِ، قَالَ لِي أَبُو عُثْمَانَ بْنُ الْحَدَّادِ: وَأَحْسَبُهُ إِسْمَاعِيلَ الْمَعْرُوفَ بِتَاجِرِ اللَّهِ، فَانْطَلَقَ سَعِيدٌ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ التَّاجِرِ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ رَبَاحٍ،
فَقَالَ: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ» ، يُرِيدُ أَبُو يَزِيدَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، ثُمَّ تَوَجَّهَ إِسْمَاعِيلُ إِلَى الْبُهْلُولِ بْنِ رَاشِدٍ فَأَخْبَرَهُ بِقِصَّةِ رَبَاحٍ، فَقَالَ الْبُهْلُولُ: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ» .
يُرِيدُ أَبُو يَزِيدَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، وَمَكَثَ حَتَّى أَقْبَلَ النَّاسُ مِنْ جَنَازَةٍ
стр. 46
شَهِدُوهَا فِي بَابِ سَلَمٍ، فَقَالُوا: يَا أَبَا عَمْرٍو، مَا بَلَغَكَ خَبَرُ رَبَاحٍ؟ شَهِدْنَا الْيَوْمَ مَعَهُ جَنَازَةً فِي بَابِ سَلَمٍ فَلَمَّا دُفِنَ الْمَيِّتُ، وَأُذِنَ لِلنَّاسِ فِي النُّهُوضِ، نَهَضَ رَبَاحٌ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ يَنْهَضُ إِذَا أُذِنَ لِلنَّاسِ بَعْدَ دَفْنِ الْمَيِّتِ، وَمَضَى حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ بَابِ سَلَمٍ أَبْصَرَ قَوْمًا مِنْ أَعْوَانِ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ، وَقَدْ مَدُّوا أَيْدِيَهُمْ إِلَى حَطَبٍ أَقْبَلَ بِهِ حَطَّابٌ، وَالْحَطَّابُ يَقُولُ لَهُمْ: مَالِي وَلَكُمْ؟ وَيَتَظَلَّمُ مِنْهُمْ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ رَبَاحٌ فَغَيَّرَ عَلَيْهِمْ، فَمَدُّوا أَيْدِيَهُمْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُمُ النَّاسُ بَسَطُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ الْبُهْلُولُ فِي هَذَا الْخَبَرِ: إِنَّمَا كَرِهَ أَبُو يَزِيدَ، أَنْ يَرَى الْمُنْكَرَ جَهَارًا، ثُمَّ نَهَض إِلَى رَبَاحٍ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا عَنْكَ سَعِيدٌ بِمَا أَرْسَلْتَهُ بِهِ، فَقَالَ لَهُ رَبَاحٌ: مَا كَانَ اللَّهُ يَا أَبَا عَمْرٍو لِيَرَانِي أُقِيمُ بِبَلَدٍ يُعْصَى اللَّهُ فِيهَا جَهَارًا، وَلا أَرَى مُغَيِّرًا.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَذَكَرَ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَدَّادِ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنِ الْبُهْلُولِ، أَنَّ إِسْمَاعِيلَ الْمَعْرُوفَ بِتَاجِرِ اللَّهِ، أَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَمْرٍو، إِنَّ عِنْدِي ابْنَةً تَنَافَسَ فِيهَا أَهْلُ الدُّنْيَا، وَأَبْنَاءُ أَهْلِ الآخِرَةِ، وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ أُزَوِّجَهَا رَجُلا يُعِينُهَا عَلَى الآخِرَةِ، وَتُعِينُهُ عَلَى الدُّنْيَا، قَالَ لَهُ الْبُهْلُولُ: مَا أَحَقَّكَ بِذَلِكَ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ: وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ يَكُونَ رَبَاحًا، فَقَالَ لَهُ الْبُهْلُولُ: هُوَ مَوْضِعٌ لِذَلِكَ، ثُمَّ تَوَجَّهَ الْبُهْلُولُ إِلَى رَبَاحٍ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ لَهُ رَبَاحٌ: أَظَنَنْتَ يَا بُهْلُولُ، أَنَّ الدُّنْيَا لَعِبَتْ بِي كَمَا لَعِبَتْ بِكَ وَبِنُظَرَائِكَ؟ وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِنِّي لأَفِرُّ مِنَ الْغِنَاءِ، كَمَا تَفِرُّ أَنْتَ وَذَوُوكَ مِنَ الْفَقْرِ، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ مَا خِفْتُ مَعَ اللَّهِ غَيْرَ اللَّهِ مُنْذُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: وَإِنَّمَا مَاتَ ابْنَ ثَمَانٍ وَثَلاثِينَ سَنَةً، وَيُقَالُ لَهُ: ابْنُ أَرْبَعِينَ.
قَالَ أَبُو عُثْمَانَ بْنُ الْحَدَّادِ: وَكَانَ رَبَاحٌ إِذَا سَمِعَ الْخَادِمَ مِنْ جِيرَانِهِ بِاللَّيْلِ تَطْحَنُ،
стр. 47
تَسَوَّرَ الْجِدَارَ عَلَيْهَا لِيَكْفِيَهَا مَئُونَةَ الطَّحِينِ، فَكَانَ قَدْ فَهِمَ ذَلِكَ خَدَمُ جِيرَانِهِ، فَكَانَتِ الْخَادِمُ مِنْهُنَّ إِذَا رَأَتْهُ فِي اللَّيْلِ فِي دَارِهَا فَهِمَتْ أَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ لِيَحْمِلَ عَنْهَا مَئُونَةَ الطَّحِينِ، قَامَتْ تَرْقُدُ، وَخَلَّتِ الْمَطْحَنَةَ إِلَيْهِ يَتَوَلاهَا لَهَا، وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا، أَنَّ رَبَاحَ بْنَ يَزِيدَ، قَالَ: رُضْتُ نَفْسِي عَلَى تَرْكِ الْمَآثِمِ حَوْلا، فَبَعْدَ حَوْلٍ ضَبَطْتُهَا، وَرُضْتُ لِسَانِي عَلَى تَرْكِ مَا لا يَعْنِينِي فَبَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ضَبَطْتُهُ.
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ اللَّبَّادِ: قَالَ لِي أَبُو عُثْمَانَ بْنُ الْحَدَّادِ: إِنَّهُ لَيَغْلُبُ عَلَى ظَنِّي، أَنَّ هَذِهِ الرِّيَاضَةَ، إِنَّمَا كَانَتْ مِنْ لَدُنْ بَلَغَ، لأَنَّهُ مَاتَ ابْنَ ثَمَانٍ وَثَلاثِينَ سَنَةً، وَكَانَ قَدْ حَمَلَ نَفْسَهُ عَلَى الاجْتِهَادِ، حَتَّى لَقَدْ بَلَغَنِي، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: كُنْتُ أُحِبُّ الصِّحَّةَ فَلَمَّا ضَعُفْتُ عَنِ الْعَمَلِ أَحْبَبْتُ الْمَرَضَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَمَاتَ رَبَاحٌ قَبْلَ الْبُهْلُولِ، وَمَاتَ الْبُهْلُولُ سَنَةَ ثَلاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، فِيمَا قَالَ لِي سَعِيدُ بْنُ إِسْحَاقَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا بَعْضُ مَشَائِخِنَا، قَالَ: جَازَ رَبَاحُ بْنُ يَزِيدَ بِابْنِ غَانِمٍ وَبِيَدِ رَبَاحٍ قِسْطُ زَيْتٍ، فَقَالَ ابْنُ غَانِمٍ لَهُ: أَحْمِلُهُ لَكَ يَا أَبَا يَزِيدَ؟ قَالَ: شَأْنُكَ، وَابْنُ غَانِمٍ إِذْ ذَاكَ عَلَى الْقَضَاءِ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ رَبَاحُ بْنُ يَزِيدَ يَشُقُّ بِهِ مَجَامِعَ النَّاسِ، فَسَلَكَ بِهِ عَلَى حَوَانِيتِ الْبَزَّازِينَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى دَارِهِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهَا قَالَ لَهُ رَبَاحٌ: أَتَعْلَمُ لِمَ فَعَلْتُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ غَانِمٍ: لا، فَقَالَ لَهُ رَبَاحٌ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَجِدُ فِي نَفْسِكَ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَضَعَ مِنْكَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ غَانِمٍ: جَزَاكَ اللَّهُ يَا أَبَا يَزِيدَ عَنِّي خَيْرًا.
قَالَ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ اللَّبَّادِ: كَانَ
стр. 48
ابْنُ غَانِمٍ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ هِمَّةً فِي نَفْسِهِ، يُجِيدُ اللِّبَاسَ، لَقَدْ مَاتَ فَأَصَابُوا لَهُ كِسًى قُوِّمَتْ بِأَلْفِ دِينَارٍ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَمَنَاقِبُ رَبَاحِ بْنِ يَزِيدَ كَثِيرَةٌ جِدًّا يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْكِتَابُ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ حَمَلَةِ الْعِلْمِ، قَالَ: كَانَ رَبَاحُ بْنُ يَزِيدَ، يَأْتِي كُلَّ جُمُعَةٍ إِلَى ابْنِ غَانِمٍ، وَهُوَ إِذْ ذَاكَ قَاضٍ فَيَدْعُو، وَكَانَ رَبَاحٌ رَقِيقَ الْعُرُوقِ، فَجَعَلَ يَوْمًا يَدْعُو فَانْثَنَتْ عُنُقُهُ، فَاسْتَضْحَكَ ابْنُ غَانِمٍ، وَتَمَادَى رَبَاحٌ فِي الدُّعَاءِ، وَتَمَادَى ابْنُ غَانِمٍ فِي الضَّحِكِ، حَتَّى نَهَضَ رَبَاحٌ، فَظَلَّ جُلاسُ ابْنِ غَانِمٍ عِنْدَهُ، يَعْذِلُونَهُ لِمَا كَانَ مِنْهُ، فَقَالُوا لَهُ: هَلْ رَبَاحٌ يُضْحَكُ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: أَمْسِكُوا، إِنَّمَا غَمِّي أَنَّ الْعَدُوَّ لَمَّا عَلِمَ مَا عَرَفْتُهُ مِنَ الْخَيْرِ أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَهُ، قَالَ الشَّيْخُ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ الَّذِي بَعْدَ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ أَقْبَلَ رَبَاحٌ، كَمَا كَانَ قَبْلُ، فَأَخَذَ فِي الدُّعَاءِ، فَظَهَرَ عَلَى ابْنِ غَانِمٍ مِنَ الرِّقَّةِ وَالْخُشُوعِ، أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ الضَّحِكِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ، أَوْ قَالَ: ظَهَرَ عَلَى قَدْرِ مَا كَانَ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا انْقَضَى دُعَاؤُهُ أَقْبَلَ ابْنُ غَانِمٍ عَلَى رَبَاحٍ، فَقَالَ لَهُ: جَزَاكَ اللَّهُ يَا أَبَا يَزِيدَ خَيْرًا، فَقَالَ لَهُ رَبَاحٌ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الَّذِي كَانَ مِنْكَ إِنَّمَا حَرَّكَكَ عَلَيْهِ الْعَدُوُّ لِيَقْطَعَ مَا عَرَفْتَهُ مِنَ الْخَيْرِ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَدْ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُعَيْبُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ، عَنْ رَبَاحِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَكَانَ لِرَبَاحِ بْنِ يَزِيدَ أَخٌ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْعِبَادَةِ تَنَحَّى
стр. 49
مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ، وَلَزِمَ الإِسْكَنْدَرِيَّةَ، وَكَرِهَ أَنْ يُقِيمَ بِبَلَدٍ يُعْرَفُ بِهِ.
الْبُهْلُولُ بْنُ رَاشِدٍ
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: أَبُو عَمْرٍو الْبُهْلُولُ بْنُ رَاشِدٍ كَانَ ثِقَةً، مُجْتَهِدًا، وَرِعًا، لا يُشَكُّ فِي أَنَّهُ مُسْتَجَابُ الدَّعْوَةِ، وَكَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ كَثِيرٌ، سَمِعَ مِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَمِنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ، وَمِنْ مُوسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، وَمِنَ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَمِنَ الْحَارِثِ بْنِ نَبْهَانَ، أَحْسَبُهُ سَمِعَ مِنْهُ لَمَّا دَخَلَ الْحَارِثُ إِفْرِيقِيَّةَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَإِنَّمَا رَوَى (جَامِعَ سُفْيَانَ الْكَبِيرَ) الْبُهْلُولُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ سُفْيَانَ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ لَنَا الْبُهْلُولُ بْنُ رَاشِدٍ: قُومُوا بِنَا نَذْهَبُ إِلَى ابْنِ خَارِجَةَ، عَنْبَسَةَ بْنِ خَارِجَةَ، نَسْمَعُ مِنْهُ جَامِعَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، يَعْنِي: جَامِعَهُ فِي الرَّأْيِ، وَقَدْ سَمِعَ الْبُهْلُولُ مِنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بِمَكَّةَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَلَقَدْ ذَكَرَ حَمْدِيسٌ الْقَطَّانُ، أَنَّهُ سَمِعَ سُحْنُونَ بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: كَانَ الْبُهْلُولُ بْنُ رَاشِدٍ، وَرَبَاحُ بْنُ يَزِيدَ، فَكَانَ الذِّكْرُ لِرَبَاحٍ، فَلَمَّا مَاتَ عَادَ الذِّكْرُ لِلْبُهْلُولِ، فَمَا ذَاكَ إِلا مِنْ خَبِيئَةٍ، كَانَتْ لِلْبُهْلُولِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ اللَّبَّادُ، حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: بَلَغَنِي عَنِ الْبُهْلُولِ، أَنَّهُ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسًا وَعِنْدَهُ رَبَاحُ بْنُ يَزِيدَ، فَبَيْنَمَا هُمَا فِي مَكَانِهِمَا إِذْ أَقْبَلَ بَقِيَّةُ أَخُو الْبُهْلُولِ بْنِ رَاشِدٍ مِنَ الْبَادِيَةِ، فَجَعَلَ يَلْهَجُ بِخَبَرِ الْمَطَرِ وَالزَّرْعِ، وَالْبُهْلُولُ يَتَقَلَّى، وَيَتْلَوَّنُ اغْتِمَامًا لِرَبَاحٍ لِعِلْمِهِ
стр. 50
بِأَنَّهُ لا يَحْتَمِلُ ذِكْرَ الدُّنْيَا، وَأَسْبَابِهَا، فَلَمَّا أَكْثَرَ بَقِيَّةُ مِنْ ذِكْرِ الْمَطَرِ وَالزَّرْعِ نَهَضَ رَبَاحٌ وَجَعَلَ يَقُولُ لِلْبُهْلُولِ: سَقَطْتَ مِنْ عَيْنِي، تَذْكُرُ الدُّنْيَا فِي مَجْلِسِكَ وَلا تُنْكِرُ وَلا تُغَيِّرُ؟ فَقَالَ لَهُ الْبُهْلُولُ: مَا أُبَالِي إِذَا لَمْ أَسْقُطْ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ، مِنْ عَيْنِ مَنْ سَقَطْتُ، فَخَرَّ رَبَاحٌ عَلَى رَأْسِ الْبُهْلُولِ يُقَبِّلُهُ وَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ: نَعَمْ، أَحَبِيبِي، أَبُهْلُولٌ، فَلا تُبَالِ مِنْ عَيْنِ مَنْ سَقَطْتَ إِذَا لَمْ تَسْقُطْ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ.
وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ حَاتِمُ بْنُ عُثْمَانَ الْمَعَافِرِيُّ، قَالَ: " خَرَجَ الْبُهْلُولُ بْنُ رَاشِدٍ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى أَصْحَابِهِ وَقَدْ غَطَّى خِنْصَرَهُ بِكَفِّهِ، فَأَقْبَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَسَرَّ إِلَيْهِ كَلامًا دُونَ سَائِرِ أَهْلِ الْمَجْلِسِ، ثُمَّ انْصَرَفَ الرَّجُلُ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ فَكَلَّمَهُ، فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ بِكَلامٍ، فَنَحَّى الْبُهْلُولُ كَفَّهُ، عَنْ خِنْصَرِهِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْنِي أَبْتَدِعُ فِي الإِسْلامِ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى الرَّجُلِ، فَقَالَ: حَدِّثِ الْقَوْمَ بِمَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَقَالَ: أَرْسَلَنِي إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَرُّوخَ أَسْأَلُهُ، هَلْ كَانَ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ إِذَا أَوْصَى بِحَاجَةٍ رَبَطَ فِي خِنْصَرِهِ خَيْطًا؟ فَتَوَجَّهْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَرُّوخَ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: نَعَمْ، قَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ، فَلَمَّا أَخْبَرَ الْقَوْمَ، قَالَ الْبُهْلُولُ: إِنَّ أَهْلِي سَأَلُونِي فِي حَاجَةٍ فَرَبَطْتُ فِي خِنْصَرِي خَيْطًا لأَذْكُرَهَا، ثُمَّ خِفْتُ أَنْ أَكُونَ ابْتَدَعْتُ، فَلَمَّا أَخْبَرَنِي أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَفْعَلُهُ حَمِدْتُ اللَّهَ إِذْ لَمْ أَكُنِ ابْتَدَعْتُ بِدْعَةً.
стр. 51
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ بْنُ تَمِيمٍ: وَقَدْ سَمِعَ مِنَ الْبُهْلُولِ بْنِ رَاشِدٍ وُجُوهُ مَشَائِخِ إِفْرِيقِيَّةَ: سُحْنُونٌ، وَعَوْنُ بْنُ يُوسُفَ الْخُزَاعِيُّ، وَأَبُو زَكَرِيَّاءَ يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الْحَفَرِيُّ، وَلَقَدْ سَمِعَ يَحْيَى بْنُ سَلامٍ مِنْ بُهْلُولٍ حَدِيثًا وَاحِدًا.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَلامٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ الْبُهْلُولِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ اللَّبَّادِ، حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سُحْنُونَ بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْبُهْلُولَ بْنَ رَاشِدٍ، يَقُولُ: " مَا أَعْمَالُ الْبِرِّ عِنْدَ الْجِهَادِ إِلا كَبَصْقَةٍ فِي بَحْرٍ، وَمَا أَعْمَالُ الْبِرِّ كُلُّهَا وَالْجِهَادُ، عِنْدَ طَلَبِ الْعِلْمِ، إِلا كَبَصْقَةٍ فِي بَحْرٍ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سِنَانٍ زَيْدَ بْنَ سِنَانٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْبُهْلُولَ، يَقُولُ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللَّهُ ﵎ الْعُلَمَاءَ، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَيْهِمْ بِسُورٍ مِنْ نُورٍ، ثُمَّ يَقُولُ: «إِنِّي لَمْ أَضَعْ حِكْمَتِي فِيكُمْ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُعَذِّبَكُمْ، تَعَافَوْا وَادْخُلُوا الْجَنَّةَ» ، قَالَ أَبُو عُثْمَانَ، قَالَ أَبُو سِنَانٍ، فَقِيلَ لِلْبُهْلُولِ: وَمَا مَعْنَى: تَعَافَوْا؟ فَقَالَ الْبُهْلُولُ: قَوْلُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ، فُلانٌ لَيْسَ يَعْرِفُ شَيْئًا.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سِنَانٍ، يَقُولُ: كُنْتُ رُبَّمَا سَمِعْتُ بُهْلُولَ مِنْ دَارِكُمْ وَهُوَ يَهْذِرُ، يَقُولُ: «السُّنَّةُ السُّنَّةُ، وَيُلِحُّ عَلَيْهَا» .
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: جُزْتُ بِسَقِيفَةِ الْعِرَاقِيِّ، وَهُمْ يَتَنَاظَرُونَ فِي الاعْتِزَالِ، فَوَقَفْتُ أَسْمَعُ مِنْهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ بُهْلُولا، فَلَمَّا جِئْتُهُ أَقْبَلَ عَلَيَّ وَجَعَلَ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، بَلَغَنِي أَنَّكَ مَرَرْتَ بِسَقِيفَةِ الْعِرَاقِيِّ وَهُمْ يَتَنَاظَرُونَ فِي الْقَدَرِ، فَوَقَفْتَ إِلَيْهِمْ تَسْتَمِعُ مِنْهُمْ، وَأَغْلَظَ عَلَيَّ.
وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ بَنِي كَامِلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ كَامِلٍ، قَالَ: صَحِبْتُ الْبُهْلُولَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ غَانِمٍ الْقَاضِي، فَدَخَلْنَا إِلَيْهِ وَقْتَ الْمَغِيبِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَقَرَّبَ إِلَيْنَا الْمَاءَ لِغَسْلِ أَيْدِي مَنْ
стр. 52
كَانَ حَاضِرًا عِنْدَهُ، فَغَسَلُوا وَغَسَلَ الْبُهْلُولُ يَدَيْهِ ثُمَّ وَضَعَهُمَا الْبُهْلُولُ عَلَى الْمَائِدَةِ وَلَمْ يَأْكُلْ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ غَانِمٍ: مَا لَكَ لا تَأْكُلُ أَمَا كُنْتَ صَائِمًا؟ فَقَالَ لَهُ الْبُهْلُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ لا أَصُومُ رَمَضَانَ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ غَانِمٍ: أفسطان أَنَا طَعَامِي حَرَامٌ؟ فَجَعَلَ الْبُهْلُولُ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ: طَعَامُكَ لا أَجِدُ فِي بَيْتِي مِثْلَهُ، وَإِنْ تَكَلَّفْتُهُ شَقَّ عَلَيَّ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَتَكَلَّفَ مَا يَشُقُّ عَلَيَّ، وَابْنُ غَانِمٍ يَهْذِرُ وَيُعِيدُ عَلَيْنَا كَلامَهُ الأَوَّلَ وَالْبُهْلُولُ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ وَلا يَزِيدُ عَلَى كَلامِهِ الأَوَّلِ أَبَدًا حَتَّى فَرَغَ الْقَوْمُ مِنَ الأَكْلِ، ثُمَّ خَرَجَ بُهْلُولٌ، وَخَرَجْتُ مَعَهُ فَجَعَلَ يَتَأَمَّلُ مَا كَانَ مِنَ ابْنِ غَانِمٍ إِلَيْهِ، وَيُكَرِّرُهُ حَتَّى بَلَغْنَا سُوقَ الْيَهُودِ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَصِيبٌ الْحَيَّانِيُّ، عَنْ سَعْدُونِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ دَحْيُونِ بْنِ رَاشِدٍ، قَالَ: كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ فَإِذَا بِرَجُلٍ يَسْأَلُ وَيَقُولُ: هَلْ هَهُنَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ؟ فَقُلْتُ: أَنَا، فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْقَيْرَوَانِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَتَعْرِفُ الْبُهْلُولَ بْنَ رَاشِدٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا، وَقَالَ: أَوْصِلْهُ إِلَيْهِ , قَالَ: فَرَفَعْتُ إِلَيْهِ الْكِتَابَ فَفَضَّهُ فَإِذَا فِيهِ: مِنَ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ مَجَنَتْ مُجُونًا لَمْ تَمْجُنْهُ إِلا هِيَ، قَالَتْ: ثُمَّ إِنِّي تُبْتُ إِلَى اللَّهِ، ، وَسَأَلْتُ عَنِ الْعِبَادِ مِنْ أَقْطَارِ الأَرْضِ، فَوُصِفَ لِي أَرْبَعَةٌ: بُهْلُولٌ بِإِفْرِيقِيَّةَ رَابِعُ الثَّلاثَةِ، فَسَأَلْتُكَ بِاللَّهِ يَا بُهْلُولُ أَلا دَعَوْتَ اللَّهَ أَنْ يُدِيمَ مَا فَتَحَ لِي فِيهِ؟ قَالَ دَحْيُونٌ: فَسَقَطَ الْكِتَابُ مِنْ يَدِهِ، وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، فَمَا زَالَ يَبْكِي حَتَّى لَصِقَ الْكِتَابُ بِطِينِ دُمُوعِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا بُهْلُولُ، ذَكَرْتَ بِسَمَرْقَنْدَ خُرَاسَانَ، الْوَيْلُ لَكَ يَا بُهْلُولُ مِنَ اللَّهِ، إِنْ لَمْ يَسْتُرْ عَلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اللَّبَّادِ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ
стр. 53
مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، ﵀، يَقُولُ: كَانَ لِقَوْمٍ مِنَ النَّخَّاسِينَ عَلَى بُهْلُولٍ، ﵀، عِشْرُونَ دِينَارًا، وَكَانَتْ لِبُهْلُولٍ مَعَ دَحْيُونٍ عِشْرُونَ دِينَارًا مِثْلُهَا، فَوَقَفَ بِبُهْلُولٍ سَائِلٌ، فَقَالَ لِدَحْيُونٍ: ادْفَعْ إِلَيْهِ مِنْهَا دِينَارًا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الْعِشْرِينَ، فَقَالَ لَهُمْ بُهْلُولٌ: حَضَرَ مِنْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ، ثُمَّ قَالَ لِدَحْيُونٍ: عُدَّهَا عَلَيْهِمْ، فَعَدَّهَا دَحْيُونٌ، فَأَصَابَهَا عِشْرِينَ، فَقَالَ دَحْيُونٌ لِبُهْلُولٍ: «أَرَاهَا عِشْرِينَ» فَقَالَ لَهُ بُهْلُولٌ: " لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ أَرَاكَ لا تُحْسِنُ الْعَدَّ، كَالْكَارِهِ لأَنْ يَتَبَيَّنَ مِثْلَ هَذَا مِنْ أَمْرِهِ، فَأَخَذَهَا مِنْ دَحْيُونٍ، وَعَدَّهَا فَإِذَا هِيَ عِشْرُونَ، فَجَعَلَ بُهْلُولٌ، يَقُولُ لَهُ: «فَإِنَّهَا فَإِنَّهَا عِشْرُونَ» .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: دَفَعَ الْبُهْلُولُ دِينَارَيْنِ لِرَجُلٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِمَا مِنَ السَّاحِلِ زَيْتًا، وَيَسْتَعْذِبَهُ لَهُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ لَمَّا انْتَهَى إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي سَافَرَ إِلَيْهِ يَسْأَلُ عَنِ الزَّيْتِ حَتَّى ذُكِرَ لَهُ أَنَّهُ عِنْدَ رَجُلٍ نَصْرَانِيٍّ وَلَيْسَ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ زَيْتٌ أَعْذَبُ مِنْهُ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَسَأَلَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ بِالدِّينَارَيْنِ، فَقَالَ لَهُ النَّصْرَانِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَسْأَلُ عَنِ الزَّيْتِ الْعَذْبِ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَرَدْتُهُ لِبُهْلُولِ بْنِ رَاشِدٍ، فَقَالَ لَهُ النَّصْرَانِيُّ: فَنَحْنُ نَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِبُهْلُولٍ، كَمَا تَتَقَرَّبُونَ أَنْتُمْ إِلَى اللَّهِ بِهِ، فَأَعْطَاهُ بِدِينَارَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الزَّيْتِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ زَيْتٌ أَعْذَبُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يُبَاعُ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ مِنَ الزَّيْتِ الدُّونِ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى بُهْلُولٍ فَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ اشْتَرَى زَيْتًا، لَمْ يُخَلِّفْ فِي الْبَلَدِ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ زَيْتًا أَعْذَبَ مِنْهُ، وَأَنَّهُ أَخَذَ بِالدِّينَارَيْنِ مِقْدَارَ مَا يَشْتَرِي بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ مِنَ الزَّيْتِ الدُّونِ، فَسَأَلَهُ بُهْلُولٌ: كَيْفَ تَهَيَّأَ لَهُ ذَلِكَ؟ فَأَخْبَرَهُ بِخَبَرِهِ مَعَ
стр. 54
النَّصْرَانِيِّ، وَبِقَوْلِ النَّصْرَانِيِّ، فَقَالَ لَهُ الْبُهْلُولُ: قَدْ قَضَيْتَ حَاجَةً فَأَقْضِ لِي أُخْرَى، رُدَّ عَلَيَّ دِينَارَيَّ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: وَلِمَ، أَصْلَحَكَ اللَّهُ؟ قَالَ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ، : ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] ، فَخَشِيتُ أَنْ آكُلَ مِنْ زَيْتِ النَّصْرَانِيِّ، فَتَحْدُثَ لَهُ مَوَدَّةٌ فِي قَلْبِي، فَأَكُونَ مِمَّنْ وَادَّ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، عَلَى عَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا يَسِيرٍ.
وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمِّي، عَنْ غُزَيْلِ سَرِيَّةِ الْبُهْلُولِ، قَالَتْ: أَقَمْتُ مَعَ الْبُهْلُولِ ثَلاثِينَ سَنَةً فَمَا رَأَيْتُهُ نَزَعَ ثَوْبَهُ عَنْ جَسَدِهِ قَطُّ، وَلا رَأَيْتُهُ مُصَلِّيًا نَافِلَةً قَطُّ، كَانَ يَأْتِي إِلَيَّ فَيُرْقِدُنِي كَمَا تُرْقِدُ الأُمُّ ابْنَهَا ثُمَّ يَدْخُلُ الْمُسْتَرَاحَ فَيَتَهَيَّأَ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ يَصْعَدُ إِلَى غُرْفَتِهِ فَيُغْلِقُهَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَمَا كُنْتُ أَدْرِي أَحَيٌّ هُوَ أَمْ مَيِّتٌ غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ رُبَّمَا أَسْمَعُ سَقْطَتَهُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، فَأَظُنُّ أَنَّهُ اسْتَثْقَلَ نَوْمًا فَسَقَطَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ بَنِي كَامِلٍ، عَنْ [. . . . . . . . . .] فَاضِلا، وَهُوَ مِنْ بَنِي كَامِلٍ، قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ بُهْلُولٍ، جَنَازَةً فَأُغْلِقَ بَابُ أَبِي الرَّبِيعِ دُونَنَا، فَقَرَعْنَا، فَقَالَ الْبَوَّابُ: مَنْ هَؤُلاءِ؟ فَقُلْنَا: بُهْلُولٌ وَأَصْحَابُهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: بُهْلُولٌ، بُهْلُولٌ الْكَذِرُ، يَعْنِي: الْقَذِرَ , وَرَدَّدَهَا.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ، قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو زَكَرِيَّاءَ الْحَفَرِيُّ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ بُهْلُولِ بْنِ رَاشِدٍ وَهُوَ يَتَفَلَّى، إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَتَانِ، فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا لِلأُخْرَى: أَتُرِيدِينَ أَنْ أُرِيَكِ بُهْلُولا؟ فَقَالَتْ لَهَا صَاحِبَتُهَا: نَعَمْ، قَالَتْ لَهَا: هَذَا الَّذِي يَتَفَلَّى، فَقَالَتْ لَهَا: تَسْمَعُ بِالْمُعِيدِيِّ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ.
قَالَ أَبُو زَكَرِيَّاءَ: فَأَقْبَلَ عَلَيَّ بُهْلُولٌ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا زَكَرِيَّاءَ، أَتُرِيدُ أَنْ أُرِيَكَ مَنْ عَرَفَنِي.
هَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي عَرَفَتْنِي.
стр. 55
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ بُهْلُولٍ طَعَامٌ، فَغَلا السِّعْرُ، فَأَمَرَ بِهِ فَبِيعَ، ثُمَّ أَمَرَ مَنْ يَشْتَرِي لَهُ نِصْفَ رُبْعِ الْقَفِيزِ، فَقِيلَ لَهُ: تَبِيعُ وَتَشْتَرِي، فَقَالَ: نَفْرَحُ إِذَا فَرِحَ النَّاسُ وَنَحْزَنُ إِذَا حَزِنُوا.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَدْرِ بْنِ يَحْيَى الْجُذَامِيُّ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، عَنْ بُهْلُولِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَخْشَى لِلَّهِ مِنَ الْبُهْلُولِ بْنِ رَاشِدٍ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْقَيْسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ يُوسُفَ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: صَنَعَ الْبُهْلُولُ طَعَامًا وَأَحْضَرَ لَهُ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا عَمْرٍو، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا الطَّعَامَ، وَلَيْسَ عِنْدَكَ شَيْءٌ يُصْنَعُ لَهُ الطَّعَامُ؟ فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي كُنْتُ خَائِفًا أَنْ أَكُونَ مِنَ الْبَرْبَرِ لِمَا جَاءَ فِيهِمْ مِنَ الْحَدِيثِ، فَسَأَلْتُ عَنْ أَصْلِي مَنْ يَعْلَمُهُ، فَأُخْبِرْتُ أَنِّي لَسْتُ مِنَ الْبَرْبَرِ، فَأَحْدَثْتُ لِذَلِكَ هَذَا الطَّعَامَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَذَكَرَ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو زَرْجُونَةَ، قَالَ: اسْتَقْفَيْتُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وَضُرِبْتُ بِمَقْرَعَةٍ، فَأَخْبَرْتُ الْبُهْلُولَ بْنَ رَاشِدٍ مِنَ الْغَدِ، وَقُلْتُ: إِنِّي اسْتُقْفِيتُ وَنُزِعَ عَنِّي أَسْمَالِي، قَالَ: فَأَكَبَّ عَلَيَّ يَسْأَلُنِي أَنْ أَجْعَلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِي فِي حِلٍّ , فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍو، فَعَلُوا بِي وَفَعَلُوا، وَأَجْعَلُهُمْ فِي حِلٍّ؟ فَقَالَ لِي: أَيَسُرُّكَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ بِسَبَبِكَ؟ قَالَ أَبُو زَرْجُونَةَ: فَلَمْ يَزَلْ يَلْطِفُ بِي وَيَسْأَلُنِي حَتَّى جَعَلْتُهُمْ فِي حِلٍّ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سِنَانٍ يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مُقَاتِلٍ الْعَكِّيَّ، بَعْدَ أَنْ ضَرَبَ حَاجِبُهُ بُهْلُولا، وَأَوْهَمَ الْعَكِّيَّ أَنَّهُ لَيْسَ كَبِيرَ بَالٍ، وَأَنَّهُ يَقَعُ فِي سُلْطَانِكَ، فَبَعْدَ أَنْ ضَرَبَهُ عَرَفَ بِفَضْلِهِ فَاغْتَمَّ، وَقَالَ لابْنِ غَانِمٍ: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي بُهْلُولا؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ غَانِمٍ: أَمَّا عَلَيَّ أَنْ يَأْتِيَكَ فَلا، وَلَكِنِّي
стр. 56
أَسْتَدْعِيهِ إِلَيَّ، وَاسْتَشْرِقْ أَنْتَ حَتَّى تَرَاهُ، فَفَعَلَ وَقَعَدَ فِي قُبَّةٍ لَهُ حَيْثُ يَرَى بُهْلُولا إِذَا أَقْبَلَ إِلَى ابْنِ غَانِمٍ، وَكَانَ طَرِيقُهُ فِي سُوقِ دَارِ الإِمَارَةِ، فَلَمَّا أَقْبَلَ بُهْلُولٌ بَصُرَ بِهِ الْعَكِّيُّ، فَجَعَلَ يَقُولُ فِي بُهْلُولٍ: تَبَارَكَ اللَّهُ، كَأَنَّهُ وَاللَّهِ، سُفْيَانُ فِي ثِيَابِهِ، يَعْنِي: سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ اللَّبَّادِ، حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، ﵀، يَقُولُ: لَمَّا انْطُلِقَ بِبُهْلُولٍ إِلَى الْعَكِّيِّ أَدْرَكْتُهُ عِنْدَ السِّيُورِيِّينَ، فَلَقِيَهُ قَوْمٌ مُتَلَثِّمُونَ يُعْرَفُ الشَّرُّ فِي وُجُوهِهِمْ، فَأَسَرُّوا إِلَيْهِ كَلامًا لَمْ أَسْمَعْهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ لَهُمْ بِنَفَرٍ: لا، لا وَيُكَرِّرُهَا، قَالَ أَبِي: فَخِلْتُ بِهِمْ أَنَّهُمُ اسْتَاذَنُوهُ فِي الْخُرُوجِ فَنَهَاهُمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، اذْهَبْ بِكُتُبِي إِلَى دَحْيُونِ بْنِ رَاشِدٍ، أَوْ قَالَ: قُلْ لِدَحْيُونٍ يَضُمُّ كُتُبِي إِلَيْهِ، قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: الشَّكُّ مِنِّي.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ اللَّبَّادِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ بُهْلُولٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَحْمَدَ الْكُوفِيِّ السَّاكِنِ بِالْمُنَسْتِيرِ، قَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ مَعَ بَعْضِ الْخُلَفَاءِ، وَكُنَّا مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الثُّغُورِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفِ فَارِسٍ، تُقْضَى لَنَا كُلَّ يَوْمٍ حَاجَتَانِ نَرْفَعُ فِيهِمَا رُقْعَةً، وَنَبْعَثُ بِهَا إِلَى الْحَاجِبِ، حَتَّى بَلَغَنَا أَنَّ بُهْلُولَ بْنَ رَاشِدٍ ضُرِبَ بِإِفْرِيقِيَّةَ، فَأَتَيْنَا بِأَسْرِنَا إِلَى بَابِ الْخَلِيفَةِ، فَلَمَّا أَبْصَرْنَا حَاجِبَ الْخَلِيفَةِ، وَأَخْبَرَنَا، قَالَ: مَا بَالُكُمْ؟ فَقُلْنَا لَهُ: كَانَتْ لَنَا حَاجَتَانِ كُلَّ يَوْمٍ، وَقَدْ جَعَلْنَا حَوَائِجَنَا كُلَّهَا مَا دُمْنَا فِي نُصْرَةِ بُهْلُولِ بْنِ رَاشِدٍ، إِنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ الْعَكِّيَّ ضَرَبَهُ بِالسِّيَاطِ، فَقَالَ لَنَا الْحَاجِبُ: اتَّقُوا اللَّهَ فِي دَمِ الْعَكِّيِّ، لَيْسَ يَبْلُغُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ الْعَكِّيَّ ضَرَبَ بُهْلُولا إِلا أَمَرَ بِسَفْكِ دَمِهِ، وَكَيْفَ يُضْرَبُ بُهْلُولٌ بِإِفْرِيقِيَّةَ إِلا أَنْ يَكُونَ أَهْلُ إِفْرِيقِيَّةَ ارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلامِ؟ وَلَكِنِ امْكُثُوا فَإِنْ صَحَّ خَبَرُ الْعَكِّيِّ وَضَرْبُهُ إِيَّاهُ أَمْكَنَكُمْ أَنْ تَرْفَعُوا
стр. 57
خَبَرَهُ، وَإِنْ بَطُلَ هَذَا الْخَبَرُ عُوفِيتُمْ أَنْ تَشِيطُوا بِدَمِ الْعَكِّيِّ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْكُوفِيُّ: فَفَهِمْنَا أَنَّ [. . . . . . .] قَالَ: فَانْصَرَفْنَا.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ اللَّبَّادِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ هَرْثَمَةَ بْنَ أَعْيَنَ أَقْبَلَ فِي مَوْكِبِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَسْجِدِ الْبُهْلُولِ بْنِ رَاشِدٍ، وَبُهْلُولٌ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى عَمُودٍ بِإِزَاءِ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا قَابَلَهُ هَرْثَمَةُ، وَهُوَ أَمِيرُ إِفْرِيقِيَّةَ إِذْ ذَاكَ انْحَنَى لِلنُّزُولِ إِلَى بُهْلُولٍ فَلَمْ يُزِحْ بُهْلُولٌ ظَهْرَهُ عَنِ الْعَمُودِ، فَلَمَّا رَآهُ هَرْثَمَةُ لَمْ يَتَحَرَّكْ لِلنُّهُوضِ إِلَيْهِ اسْتَوَى فِي السَّرْجِ، وَأَقْبَلَ عَلَى بَعْضِ مَنْ كَانَ يَلِيهِ، فَقَالَ لَهُ: ادْفَعْ إِلَيْهِ هَذَا الْمِزْوَدَ بِالدَّرَاهِمِ، وَقُلْ لَهُ: قَالَ لَكَ الأَمِيرُ: فَرِّقْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ.
فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُهُ وَأَمَرَهُ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ، فَقَالَ لَهُ بُهْلُولٌ: الأَمِيرُ أَقْوَى عَلَى تَفْرِيقِهَا مِنِّي.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ اللَّبَّادِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، ﵁، يَقُولُ: كَانَ بُهْلُولٌ مِنْ أَغْيَرِ النَّاسِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ دَارَهُ رَجُلٌ غَيْرِي.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ اللَّبَّادِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أُمِّي، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهَا، تَقُولُ: وُجِّهْتُ إِلَى بُهْلُولٍ وَأَنَا طِفْلَةٌ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: تَبَارَكَ اللَّهُ نَزَعَ بِهَا الشَّبَهُ، ثُمَّ وَهَبَ لِي مِائَةَ دِرْهَمٍ، قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: وَبَلَغَنِي مِنْ غَيْرِ خَبَرِ أُمِّي، أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَحْبِسُ مَا فَوْقَ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ اللَّبَّادِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ بَنِي كَامِلٍ عَنْ [. . . . . . . .] قَالَ: جِئْتُ إِلَى بُهْلُولٍ وَكَانَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ ابْنَتُهُ عَلَيْهَا ثِيَابٌ مَصْبُوغَةٌ، وَهِيَ طِفْلَةٌ، فَقَالَ لِي: مَا أَحْبَبْتُ شَيْئًا مِثْلَ حُبِّي لَهَا، وَإِنِّي لأُحِبُّ لَوْ قَدَّمْتُهَا لِرَبِّي، فَانْصَرَفْتُ عَنْهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَيْهِ فَأَصَبْتُ النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى بَابِهِ، فَقُلْتُ:
стр. 58
مَا لِلنَّاسِ مُجْتَمِعُونَ؟ فَقَالُوا: تُوُفِّيَتِ ابْنَةُ بُهْلُولٍ، فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا عَزَّيْتُهُ وَوَلَّيْتُ عَنْهُ لَحِقَنِي، فَقَالَ لِي: بِاللَّهِ لا تَذْكُرْ مَا كَانَ مِنِّي مَا دُمْتَ حَيًّا، يَعْنِي: مِنْ تَمَنِّيهِ فِي صَدْرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ مَوْتِ ابْنَتِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: وَاللَّهِ لا ذَكَرْتُهُ مَا دُمْتُ حَيًّا.
وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ، قَالَ: كَانَ الْبُهْلُولُ مَعَ عَبْدِ الْمُتَعَالِ الْقَصْطَلانِيِّ بِبَابِ ابْنِ غَانِمٍ، فَقَالَ الْبُهْلُولُ لِعَبْدِ الْمُتَعَالِ: ادْخُلْ بِنَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُتَعَالِ: إِنَّمَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مَنْ يَعْرِفُهُ، وَأَنَا لا أَعْرِفُهُ، فَدَخَلَ الْبُهْلُولُ، وَثَبُتَ لَهُ عَبْدُ الْمُتَعَالِ حَتَّى خَرَجَ الْبُهْلُولُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: أَتَظُنُّ أَنَّكَ يَتَهَيَّأُ لَكَ شُدَّاخُ تَوْزَرَ وَقَدْ بَلَغَهُ أَنَّكَ جُزْتَ بِبَابِهِ، وَلَمْ تَدْخُلْ تُسَلِّمْ عَلَيْهِ؟ كَذَا قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: مَنَاقِبُ بُهْلُولٍ كَثِيرَةٌ وَلَكِنَّا نَكْرَهُ التَّطْوِيلَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَالَ لِي سَعِيدُ بْنُ إِسْحَاقَ: مَاتَ الْبُهْلُولُ سَنَةَ ثَلاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وَقَبْرُهُ بِبَابِ سَلَمٍ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَالَ لِي فُرَاتُ بْنُ مُحَمَّدٍ: إِنَّهُ مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ.
شُقْرَانُ بْنُ عَلِيٍّ
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: شُقْرَانُ بْنُ عَلِيٍّ، كَانَ رَجُلا صَالِحًا ضَرِيرَ الْبَدَنِ وَالْبَصَرِ، وَكَانَ يُقَالُ: بِأَنَّهُ مُسْتَجَابُ الدَّعْوَةِ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالدِّينِ وَالاجْتِهَادِ، وَكَانَ مُؤَاخِيًا لِلْبُهْلُولِ بْنِ رَاشِدٍ، وَكَانَ عَالِمًا بِالْفَرَائِضِ، وَلَهُ فِيهَا كِتَابٌ لَمْ نَجِدْ عِنْدَ عُلَمَائِنَا غَيْرَهُ عَنْ شُقْرَانَ، هُوَ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ، رَوَى عَنْهُ سُحْنُونُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَوْنُ بْنُ يُوسُفَ الْخُزَاعِيُّ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَكَانَ مَوْتُهُ، فِيمَا أَحْسَبُ، قَرِيبًا مِنْ مَوْتِ الْبُهْلُولِ.
стр. 59
صِقْلابُ بْنُ زِيَادٍ الْهَمْدَانِيُّ
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: صِقْلابُ بْنُ زِيَادٍ الْهَمْدَانِيُّ، سَمِعَ مِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَمِنْ غَيْرِهِ، كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْعِبَادَةِ وَالاجْتِهَادِ، وَهُوَ مِنْ طَبَقَةِ الْبُهْلُولِ بْنِ رَاشِدٍ، ثِقَةٌ مَأْمُونٌ.
سَمِعَ مِنْهُ أَبُو سِنَانٍ زَيْدُ بْنُ سِنَانٍ وَغَيْرُهُ.
أَبُو زِيَادِ بْنُ زُرْعَةَ الرُّعَيْنِيُّ
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: أَبُو زِيَادِ بْنُ زُرْعَةَ الرُّعَيْنِيُّ، مِنْ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ وَلَهُ سَمَاعٌ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ، رَوَى عَنْهُ سُحْنُونٌ، وَهُوَ مَعْدُودٌ مِنْ رِجَالِ سُحْنُونٍ الَّذِينَ سَمِعَ مِنْهُمْ.
حَفْصُ بْنُ عُمَارَةَ
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: حَفْصُ بْنُ عُمَارَةَ، سَمِعَ مِنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَكَانَ مُؤَاخِيًا لِلْبُهْلُولِ بْنِ رَاشِدٍ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَّ حَفْصَ بْنَ عُمَارَةَ كَانَ مَعَ الْبُهْلُولِ بْنِ رَاشِدٍ فِي الْحَبْسِ لَمَّا حَبَسَهُ الْعَكِّيُّ، فَقَالَ حَفْصٌ لِلْبُهْلُولِ بْنِ رَاشِدٍ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، يَقُولُ: إِذَا كَمُلَ صِدْقُ الصَّادِقِ لَمْ يَمْلِكْ مَا فِي يَدِهِ.
فَخَرَّ بُهْلُولٌ عَلَى يَدِهِ يُقَبِّلُهَا، وَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ: سَأَلْتُكَ
стр. 60
بِاللَّهِ أَنْتَ سَمِعْتَهُ يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ لَهُ وَحَلَفَ بِاللَّهِ: لَقَدْ سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُهُ، وَكَأَنَّ الْبُهْلُولَ سَهَا.
أَبُو خَالِدٍ عَبْدُ الْخَالِقِ
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَمِنْ طَبَقَةِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْعِبَادَةِ أَبُو خَالِدٍ عَبْدُ الْخَالِقِ، كَانَ قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الْخَوْفُ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْبُهْلُولِ، مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ، عُلِمَ، غَيْرَ مَنَاقِبِهِ وَفَضَائِلِهِ، قَدْ ذَكَرَ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ،
стр. 61
قَالَ: حَدَّثَنِي حَمْدُونُ بْنُ الْعَسَّالِ، قَالَ: سَأَلَنِي سَهْلُ بْنُ يُونُسَ بِمِصْرَ عَنْ عَبْدِ الْخَالِقِ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: قَطَعَهُ الْخَوْفُ عَنِ الْعَمَلِ، فَقَالَ لِي: مَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ، لَوْ كَانَ عَبْدُ الْخَالِقِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ لَصَوَّرُوهُ فِي كَنَائِسِهِمْ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اللَّبَّادِ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ بُهْلُولٍ، عَنْ حَسْنُونٍ الدَّبَّاغِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ زَبِيبَةَ، وَكَانَ مِنَ الْمُخْبِتِينَ، وَكَانَ مِنْ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ اللَّحْنُ الْحَسْنُونِيُّ، قَالَ: أَتَانِي أَبُو خَالِدٍ عَبْدُ الْخَالِقِ فِي اللَّيْلِ، وَذَكَرَ كَلامًا يَقَعُ بِقَلْبِي، أَنَّهُ بَعْدَمَا هَدَأَتِ الرِّجْلُ قَرَعَ عَلَيَّ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ لِي: أَبُو خَالِدٍ، فَقُلْتُ: مَنْ أَبُو خَالِدٍ؟ فَقَالَ لِي: عَبْدُ الْخَالِقِ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، وَأَنَا أَقُولُ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِي: أَعِنْدَكَ مِصْبَاحٌ؟ فَقُلْتُ: لا، قَالَ: فَاطْلُبْهُ لِي، فَذَهَبْتُ إِلَى طَحَّانٍ كَانَ عِنْدَنَا فِي الْجِوَارِ فَأَوْقَدْتُ مِنْ عِنْدِهِ الْمِصْبَاحَ، فَقَالَ لِي: اذْهَبْ بِنَا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَانْطَلَقْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَأَمَرَنِي بِأَنْ نُوقِدَ الْقِنْدِيلَ، فَأَوْقَدْتُهُ، ثُمَّ قَالَ لِي: اقْرَأْ، فَلَمْ أَزَلْ أَقْرَأُ وَهُوَ يَتَمَرَّغُ، حَتَّى إِذَا كَانَ السَّحَرُ خَرَجْنَا مِنَ الْمَسْجِدِ [. . . . . . .] انْتِظَار النَّاسِ، قَالَ لِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ بُهْلُولٍ، عَنْ حَسْنُونٍ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْنَا الْعَسَسُ قَاصِدِينَ، فَلَمَّا رَأَوْنَا انْصَرَفُوا عَنَّا، قَالَ عَبْدُ الْخَالِقِ: يَا حَسْنُونُ، مَا كَانَ أَحْسَنَ لَوْ أَصْبَحْنَا فِي الْحَبْسِ، يَعْنِي: أَنَّهُ إِنَّمَا تُرِكَا لأَنَّهُمَا عُرِفَا.
وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ جِيرَانِ عَبْدِ الْخَالِقِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، يُقَالُ لَهُ: حَمْدُونٌ الْخِرْنِقُ، قَالَ حَمْدُونٌ: أَقْبَلَ إِلَيَّ عَبْدُ الْخَالِقِ عَلَى بَغْلٍ، وَعَلَيْهِ قُفَّتَانِ مِنْ قِفَافِ الْبَقْلِ، وَمَعَهُ لَحْمٌ بَقَرِيٌّ وَلَحْمٌ غَنَمِيٌّ،
стр. 62
قَالَ: لا أَدْرِي هَلْ قَالَ: مِنْ كُلِّ صِنْفٍ رَطْلٌ، أَوْ قَالَ فِيهِمَا جَمِيعًا: رَطْلٌ، وَمَعَهُ خُبْزٌ نَقِيٌّ، قَالَ حَمْدُونٌ: فَقَالَ لِي: يَا حَمْدُونُ، إِنَّ أُمَّ حَمْدُونٍ مَرِيضَةٌ، يَعْنِي: زَوْجَتَهُ، وَقَدِ اشْتَهَتْ هَذَا اللَّحْمَ فَسِرْ مَعِي حَتَّى تَنَالَ مَعَنَا مِنْ هَذَا، وَكَانَ سُكْنَاهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي الْقَرْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: لَمْ أُعْلِمْ أَهْلِي، فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَجَبْتُهُ وَتَوَجَّهْتُ مَعَهُ إِلَى الْقَرْنِ، قَالَ حَمْدُونٌ: فَدَفَعَ ذَلِكَ الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ إِلَى أَهْلِهِ، وَدَخَلْتُ مَعَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَبَصُرَ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَأَثَرُ الْبُؤْسِ عَلَيْهِ وَمَعَهُ أَطْفَالٌ وَهُوَ يَقْضِمُ الشَّعِيرَ كَمَا تَقْضِمُ الدَّوَابُّ، فَسَارَ إِلَى أَهْلِهِ وَجَعَلَ يَقُولُ لَهَا: يَا أُمَّ حَمْدُونٍ، يُضَعَّفُ لَكِ وَاللَّهِ غَدًا، يَا أُمَّ حَمْدُونٍ يُضَعَّفُ لَكَ وَاللَّهِ غَدًا، وَقَدْ كَانَتْ عَالَجَتْ ذَلِكَ الطَّعَامَ، فَأَقْبَلَ بِهِ بِأَسْرِهِ إِلَى الشَّيْخِ الْبَدَوِيِّ، وَقَالَ لَهُ: شَأْنُكَ مَعَ صِبْيَانِكَ فَهَذَا الطَّعَامُ، قَالَ حَمْدُونٌ: ثُمَّ نَهَضَ فَأَتَى بِقُرْصٍ مِنْ شَعِيرٍ وَلَبَنٍ، فَقَالَ لِي: أَحَمْدُونُ كُلْ أَنْتَ هَذَا.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ جِيرَانِ عَبْدِ الْخَالِقِ: أَنَّ جَارًا لَهُ كَانَ ذَمِيمَ النَّظَرِ، وَكَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ حَسْنَاءُ، وَكَانَ يُصِيبُهَا، فَشَكَتْ إِلَيْهِ ابْنًا لِعَبْدِ الْخَالِقِ كَانَ يَتَعَرَّضُهَا، وَكَانَتْ صَلاتُهُ مَعَ عَبْدِ الْخَالِقِ فِي الْمَسْجِدِ، فَانْتَظَرَ عَبْدَ الْخَالِقِ بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَتْهُ جَارِيَتُهُ بِمَا أَخْبَرَتْهُ بِهِ، حَتَّى صَلَّى عَبْدُ الْخَالِقِ الْعِشَاءَ الآخِرَةَ ثُمَّ انْصَرَفَ يُرِيدُ دَارَهُ، فَصَحِبَهُ الرَّجُلُ، وَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ: يَا أَبَا خَالِدٍ، أَنْتَ تَرَى مَنْظَرِي، وَعِنْدِي جَارِيَةٌ، وَأَنَا أُصِيبُهَا، وَقَدْ شَكَتْ إِلَيَّ ابْنَكَ، وَأَنَا أَخَافُ أَنْ تَأْتِيَ بِوَلَدٍ فَيَخْبُثُ عَلَيْهِ قَلْبِي، أَوْ نَحْوَ هَذَا فَجَعَلَ عَبْدُ الْخَالِقِ يَقُولُ لَهُ: لا تَتَكَلَّمْ بِهَذَا الْكَلامِ فَإِنَّ عَلَيْكَ فِيهِ شَيْئًا، وَلا يَسْمَعْ مِنْكَ هَذَا الْكَلامَ أَحَدٌ، ثُمَّ دَخَلَ عَبْدُ الْخَالِقِ دَارَهُ وَانْصَرَفَ الرَّجُلُ عَنْهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ صَلَّى الرَّجُلُ الصُّبْحَ،
стр. 63
فِي جَمَاعَةٍ وَلَمْ يَرَ عَبْدَ الْخَالِقِ، فَتَوَجَّهَ جِهَةَ دَارِهِ فَإِذَا أَبْوَابُهَا مُفَتَّحَةٌ، وَلَيْسَ فِي الدَّارِ أَحَدٌ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقِيلَ لَهُ: تَحَوَّلَ الْبَارِحَةَ بِعِيَالِهِ وَبِوَلِدِهِ وَبِجَمِيعِ مَنْ فِي دَارِهِ إِلَى الْفُنْدُقِ الَّذِي عِنْدَ الْجَامِعِ، قَالَ لِي أَبُو عُثْمَانَ: كَأَنَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، لَمْ يُمْكِنْهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَنْ يَكْتَرِيَ دَارًا، لأَنَّ النَّاسَ قَدْ صَارُوا إِلَى فُرُشِهِمْ، فَانْتَقَلَ إِلَى الْفُنْدُقِ حَتَّى تَهَيَّأَ لَهُ كِرَاءُ مَسْكَنٍ وَبَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ بَعْدُ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الأَغْلَبِ أَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ الْخَالِقِ فَجَاءَهُ، وَكَانَ عَبْدُ الْخَالِقِ رَجُلا طُوَالا آدَمَ غَلِيظًا كَثِيرَ الشَّعْرِ، يَلْبَسُ عِمَامَةً كَأَنَّهَا شُقَّةٌ، فَقَالَ لَهُ الأَمِيرُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الأَغْلَبِ: بَلَغَنِي أَنَّكَ مِنَ الْعَرَبِ وَأَنَّ لَكَ عِيَالا، فَخُذْ هَذِهِ الْمِائَةَ دِينَارٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْخَالِقِ: أَنَا عَنْهَا غَنِيٌّ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: زِيدُوهُ مِائَةً أُخْرَى، فَقَالَ عَبْدُ الْخَالِقِ: لَوْ كَانَ لِي حَاجَةٌ لَكَانَ فِي الْمِائَةِ كِفَايَةٌ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ زِيدُوهُ وَعَبْدُ الْخَالِقِ يُكَلِّمُهُ بِالكْلَامِ الأَوَّلِ حَتَّى بَلَغَ خَمْسَ مِائَةٍ، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الأَغْلَبِ: أَفْسَدَكُمُ الْبَرْبَرِيُّ، وَاللَّهِ لَوْ أَدْرَكْتُهُ لَجَعَلُتُهُ يَرْقُصُ خَلْفِي، يَعْنِي: إِبْرَاهِيمَ بْنَ الأَغْلَبِ بُهْلُولُ بْنُ رَاشِدٍ، قَالَ عَبْدُ الْخَالِقِ: فَأَحْسَسْتُ شَعْرِي خَرَجَ مِنْ عِمَامَتِي، ثُمَّ أَقْبَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ، لَوْ أَدْرَكْتُهُ لَكُنْتُ أَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الطِّينِ الَّذِي يُعْجَنُ بَيْنَ يَدِكَ، وَكَانَ بَيْنَ يَدَيَّ إِبْرَاهِيُم طِينٌ يُعْجَنُ لِمَرَمَّةٍ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ عَنَّ حَمْدُونٍ المْعَرْوفِ بِالْخِرْنِقِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ الْخَالِقِ ذَاتَ يَوْمٍ، وَالْخَيْلُ تَسْتَبِقُ، فَقَالَ لِي: مَحْضَرٌ صَالِحٌ، بَلَغَنِي أَنَّ الْمَلائِكَةَ تَشْهَدُهُ، قَالَ: فَحَضَرْنَاهُ، قَالَ
стр. 64
حَمْدُونٌ: فَسَبَقَ وَاحِدٌ مِنَ الْخَيْلِ وَأَخَذَ فَارِسُهُ قَصَبَةَ السَّبْقِ، قَالَ حَمْدُونٌ: فَجَعَلَ عَبْدُ الخْالِقِ يَتَخَلَّلُ النَّاسَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْفَرَسِ السَّابِقِ، فَجَعَلَ يُقَبِّلُ جَحْفَلَتَهُ، وَيَقُولُ: بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ، صَبَرْتَ فَظَفِرْتَ، ثُمَّ انْجَدَلَ عَبْدُ الْخَالِقِ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَذَكَرْتُ لَهُ مَا نَالَهُ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْفَرَسَ الَّذِي مِنْ خَلْفٍ، صَارَ أَمَامَ الَّذِي كَان أَمَامَهُ، وَأَخَذ قَصَبَةَ السَّبْقِ، ذَكَرْتُ تَقَدُّمَ قَوْمٍ كَانَ مِنْ خَلْفِهِمْ فَصَارَ هُوَ الْمُقَدَّمُ، وَيَصِيرُونَ خَلْفَهُ كَذَا.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ بْنُ تَمِيمٍ: وَمَنَاقِبُ عَبْدِ الْخَالِقِ كَثِيرَةٌ يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْكِتَابُ، وَكَانَ مَوْتُ عَبْدِ الْخَالِقِ بَعْدَ مَوْتِ الْبُهلُولِ بِسِنِينَ كثَيِرَةٍ، قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَكَانَ مَسْكِنُ عَبِد الْخَالِقِ بِالْقَرْنِ ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى مَدِينَةِ القْيَرْوَانِ.
إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَبَاحٍ الْجَزَرِيُّ
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَبَاحٍ الْجَزَرِيُّ، كَانَ دُونَ هَؤُلاءِ فِي السِّنِّ وَكَانَ مِنَ الْمُخْبِتِينَ، وَكَانَ يُقَالُ: إِنَّهُ مُسْتَجَابُ الدَّعْوَةِ، مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ، عَلِمَ، غَيْرَ عِبَادَتِهِ وَمَنَاقِبِهِ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَ مِنْ سُحْنُونٍ، وَمِنْ يَحْيَى بْنِ سَلامٍ، وَكَانَ مَوْتُهُ غَرَقًا.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: مَاتَ إِسْمَاعِيلُ الْجَزَرِيُّ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ.
стр. 65
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَبَلَغَنِي أَنَّهُ خَرَجَ فِي الْبَحْرِ حَاجًّا، وَأَنَّ مَرْكِبَهُمْ غَرِقَتْ فَتَقَلَّدَ إِسْمَاعِيلُ مُصْحَفَهُ، ثُمَّ غَرِقَ، ﵀.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سُلَيْمَانَ رَبِيعَةُ الْجَزَرِيُّ، قَالَ: كُنَّا فِي الْجَزِيرَةِ عَلَى طَعَامٍ إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا يَهُودِيٌّ، فَدَعَوْنَاهُ فَجَلَسَ يَأْكُلُ إِلَى أَنْ أَقْبَلَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَبَاحٍ، فَرَفَعْنَا الْيَهُودِيَّ فِي غُرْفَةٍ، فَلَمَّا دَخَلَ إِسْمَاعِيلُ دَعَوْنَاهُ إِلَى طَعَامِنَا، فَمَدَّ يَدَهُ لِيَأْكُلَ ثُمَّ قَبَضَهَا، فَقَالَ: طَعَامُكُمْ نَجِسٌ، أَوْ أَكَلَ مِنْهُ نَجِسٌ، فَقُلْنَا لَهُ: يَهُودِيٌّ طَوَّافٌ دَعَوْنَاهُ فَأَكَلَ مَعَنَا، فَقَالَ: أَمَا تَسْتَحْيُونَ، تَأْكُلُونَ مَعَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ؟ فَنَزَلَ الْيَهُودُيُّ مِنَ الْغُرْفَةِ وَهُوَ يُرْعِدُ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، سَمِعْتُ سُحْنُونَ بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: كَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَبَاحٍ يَسْمَعُ عِنْدِي فِي الْمَسْجِدِ، فَنَظَرَ إِلَى خَيَّاطٍ يَخِيطُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ لِي: أَيَسَعُ هَذَا مَا يَفْعَلُ؟ فَقُلْتُ: لا، فَقَامَ إِلَيْهِ فَأَخَذَ أَدَاتَهُ فَأَخْرَجَهَا مِنَ الْمَسْجِدِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنْتُ أَخِيطُ، وَأَنَا غُلامٌ حَدِيثُ السِّنِّ مَعَ شَبَابٍ عِنْدَ مُعَلِّمِنَا فِي الْمَسْجِدِ الْمَعْرُوفِ فِي هَذَا الْوَقْتِ بِمَسْجِدِ ابْنِ أَبِي نَصْرٍ، إِذْ أَقْبَلَ إِلَيْنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَبَاحٍ الْجَزَرِيُّ، فَقَالَ لِمُعَلِّمِنَا: يَا شَيْخُ، بِكَمْ أَكْرَيْتَ هَذَا الْحَانُوتَ؟ فَقَالَ لَهُ مُعَلِّمُنَا: لَيْسَ هُوَ حَانُوتًا إِنَّمَا هُوَ مَسْجِدٌ، فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ: فَالْمَسَاجِدُ لَمْ تُبْنَ لِلصَّنَّاعِينَ إِنَّمَا بُنِيَتْ لِلْمُصَلِّينَ، فَنَهَرَهَ مُعَلِّمُنَا، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا إِسْمَاعِيلُ، فَقَالَ: يَا شَبَابُ، اقْبَلُوا مِنِّي أَنْتُمْ إِذْ لَمْ يَقْبَلْ مِنِّي
стр. 66
مُعَلِّمُكُمْ، لا تَخِيطُوا فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ وَلَّى، وَأَقْبَلَ رَجُلٌ فَقَالَ لِمُعَلِّمِنَا: مَا كَانَ يَقُولُ لَكَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَبَاحٍ؟ فَقَالَ لَهُ: هَذَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَبَاحٍ؟ فَقَالَ لَهُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَانَ يَتَرَدَّدُ إِلَيْنَا كَالْغَرِيمِ يَسْأَلُنَا فِي أَنْ نَنْتَقِلَ عَنِ الْمَسْجِدِ لا نَخِيطُ فِيهِ، فَمَا زَالَ بِنَا حَتَّى تَنَحَّيْنَا مِنْهُ.
وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، شَيْخٌ كَانَ مِنَ الْمُخْبِتِينَ خَامِلُ الذِّكْرِ وَكَانَ مِنَ الْمُجْذُوبِينَ، قَالَ: بَيْنَمَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَبَاحٍ فِي سَفَرٍ إِذْ أَبْصَرَ رَجُلا مِنْ أَهْلِ السَّاحِلِ وَمَعَهُ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ وَهُمْ بِحَالٍ رَثَّةٍ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِمْ كَالنَّاظِرِ إِلَى فُرْصَةٍ، ثُمَّ سَارَ إِلَى السَّاحِلِيِّ، فَقَالَ لَهُ: كَمْ تَزِيدُنِي عَلَى كِسَائِكَ هَذَا وَأُعْطِيكَ كِسَائِي هَذَا؟ وَكَانَ كِسَاءُ السَّاحِلِيِّ خَلِقًا، وَكِسَاءُ إِسْمَاعِيلَ جَدِيدًا، فَقَالَ لَهُ السَّاحِلِيُّ: مَا عِنْدِي مَا أَزِيدُكَ، مَا عِنْدِي إِلا ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ، فَبَادَرَ إِسْمَاعِيلُ فَأَلْقَى كِسَاءَهُ وَبَادَرَ السَّاحِلِيُّ إِلَى كِسَائِهِ فَأَلْقَاهُ إِلَى إِسْمَاعِيلَ وَأَعْطَاهُ الدَّرَاهِمَ الثَّلاثَةَ، فَاشْتَمَلَ إِسْمَاعِيلُ بِذَلِكَ الْكِسَاءِ الْخَلِقِ، ثُمَّ انْطَلَقَ فَاشْتَرَى فِي ذَلِكَ الْمَنْزِلِ الَّذِي كَانَ بِهِ بِدِرْهَمٍ، مِنْ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ الثَّلاثَةِ شَعِيرًا، وَبِدِرْهَمٍ زَيْتًا، وَبِدِرْهَمٍ تِينًا، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ ذَلِكَ بَسِيسَةً، وَجَعَلَهَا فِي جَفْنَةٍ، أَوْ قَالَ: فِي صَحْفَةٍ، ثُمَّ وَضَعَهَا عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهَا إِلَى السَّاحِلِيِّ، فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ: تَقَرَّبْ أَنْتَ وَأَهْلُكَ وَأَطْفَالُكَ، وَدَفَعَ ذَلِكَ الطَّعَامَ إِلَيْهِمْ فَأَكَلُوهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: بَقِيَتْ لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ أُخْرَى، إِلَى أَيِّ مَوْضِعٍ تُرِيدُ؟ فَقَالَ لَهُ السَّاحِلِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّ بِصَطْفُورَةَ زَرْعًا فِي مَنْزِلِ فُلانٍ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَبْلُغَ إِلَيْهَا لَعَلَّي أَعِيشُ أَنَا وَأَهْلِي وَصِبْيَانِي فِيهَا، فَتَرَكَ إِسْمَاعِيلُ الْجِهَةَ الَّتِي كَانَ يَمْضِي
стр. 67
إِلَيْهَا، وَتَوَجَّهَ مَعَ السَّاحِلِيِّ حَتَّى أَتَى ذَلِكَ الْمَنْزِلَ، فَبَلَغَ صَاحِبَ ذَلِكَ الْمَنْزِلِ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ رَبَاحٍ أَتَى إِلَى مَنْزِلِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَجَعَلَ يَسْأَلُهُ: مَا الَّذِي جَاءَ بِهِ إِلَى مَوْضِعِهِمْ؟ فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ: هَذَا السَّاحِلِيُّ وَوَلَدُهُ وَأَهْلُهُ وَدِيعَتِي عِنْدَكَ، ثُمَّ وَلَّى مُنْصَرِفًا.
قَالَ: مَرَّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَبَاحٍ عَلَى دَارِ أَبِي مُحْرِزٍ الْقَاضِي، فَإِذَا عَلَى الْقَنَاةِ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ يَدَيْ دَارِهِ قِرْطَاسٌ فِيهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، قَدْ هَمَّ أَنْ يَغْرِقَ فِي الْحَمَأَةِ، فَخَافَ إِسْمَاعِيلُ إِنْ حَاوَلَ إِخْرَاجَهُ بِقَصَبَةٍ أَنْ يُغْرِقَهُ فَيَتَلَطَّخَ ذَلِكَ الْقِرْطَاسُ بِالنَّجَاسَةِ، فَأَلْقَى كِسَاءَهُ عَلَى الطَّرِيقِ وَرَمَى بِنَفْسِهِ فِي الْقَنَاةِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلا مِئْزَرُهُ، قَالَ: فَسَاخَ فِيهَا إِلَى الْوَرِكِ وَأَخَذَ الْقِرْطَاسَ بِيَدِهِ، وَجَعَلَ يَتَخَلَّلُ فِي الْقَنَاةِ يَلْتَمِسُ مَوْضِعًا يَسْهُلُ عَلَيْهِ مِنْهُ الْخُرُوجُ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْضِعٍ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، فَخَرَجَ وَقَدِ اجْتَمَعَ الرِّجَالُ، وَالصِّبْيَانُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ.
فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ تِلْكَ الْقَنَاةِ حَمَلَ كِسَاءَهُ بِيَدِهِ، وَقَدِ اسْوَدَّ بِذَلِكَ الْقَذَرِ مِئْزَرُهُ وَجَسَدُهُ، ثُمَّ مَضَى قِدْمًا نَحْوَ بَابِ أَبِي الرَّبِيعِ وَالنَّاسُ حَوَالَيْهِ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَانْتَهَى إِلَى وَادِي الْقَنْطَرَةِ، فَغَسَلَ مِئْزَرَهُ وَجَسَدَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَبِي أَحْمَدُ بْنُ تَمِيمٍ، ﵀، عَنْ فَضْلِ بْنِ أَبِي الْعَنْبَرِ، أَنَّهُ كَانَ وَالِيًا عَلَى الْجَزِيرَةِ، قَالَ: قَدِمْتُ بِزَوَامِلِي، وَأَعْوَانِي، فَنَزَلُوا بَعْضَ حُصُونِ الْجَزِيرَةِ الَّتِي عَلَى الْبَحْرِ، فَأَخَذُوا الثُّقْلَ فِي مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِ الْحِصْنِ، وَأَدْخَلُوا كِلابًا وَطُيُورًا، كَانَتْ مَعَهُمْ، قَالَ فَضْلٌ: فَجِئْتُ، فَلَمَّا رَآنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَبَاحٍ، جَاءَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا هَذَا، أَمَا تَرَى مَا صَنَعَ أَعْوَانُكَ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ؟ فَصِحْتُ عَلَيْهِمْ وَأَخْرَجْتُهُمْ
стр. 68
بِالزَّجْرِ، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيَّ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ لِي: حَقَنَ اللَّهُ دَمَكَ، قَالَ: فَشَهِدَ فَضْلٌ مَشَاهِدَ كَثِيرَةً، فَكَانَ يَقُولُ: وَاللَّهِ، لَوْ حَمَلْتُمُونِي عَلَى الأَسِنَّةِ مَا أَهْرَقْتُ لِي مِحْجَمَةَ دَمٍ، لأَنَّ دَعْوَةَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ بَرَّدَتْ عَلَى قَلْبِي، قَالَ أَبِي: فَمَاتَ سَوِيًّا عَلَى فِرَاشِهِ لَمْ يُجْرَحْ جُرْحًا حَتَّى مَاتَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَبَاحٍ الْجَزَرِيُّ، فَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ كِسَرَ شَعِيرٍ يَابِسَةً وَزَيْتًا مُرًّا، فَلَمَّا أَكَلَ مِنْهُ قَالَ لِي: هَذَا طَعَامُكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: نَعَمْ، قَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا طَعَامُكَ مَا كَانَ نُزُولِي إِلا عَلَيْكَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ رَبَاحٍ أَقْبَلَ مِنَ الْجَزِيرَةِ إِلَى الْمُنَسْتِيرِ، فَقَالَ لَهُ بِشْرٌ الْمُنَسْتِيرِيُّ: مَا الَّذِي جَاءَ بِكَ إِلَى هَهُنَا؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَهْلَ قَابِسَ، أَوْ أَهْلَ صَفَاقِسَ فِي ضِيقٍ مِنْ مَعِيشَتِهِمْ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَرَانِي اللَّهُ مَعَهُمْ يُصِيبُنِي مَا أَصَابَهُمْ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ قَالَ: كَانَ إِسْمَاعِيلُ فِي طُفُولَتِهِ يَحْضُرُ الْمَكْتَبَ، فَإِذَا حَفِظَ مَا فِي لَوْحِهِ غَسَلَ مَا فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ بِالْمَاءِ فِي إِنَاءٍ، ثُمَّ شَرِبَهُ، فَكَانَ هَذَا دَأْبُهُ حَتَّى خَتَمَهُ.
أَبُو عُثْمَانَ حَاتِمُ بْنُ عُثْمَانَ الْمَعَافِرِيُّ وَأَخُوهُ أَبُو طَالِبٍ
كَانَا تَقِيَّيْنِ لَهُمَا سَمَاعٌ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ، وَمِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَأَحْسَبُ أَنَّ رِحْلَتَهُمَا كَانَتْ مَعَ ابْنِ غَانِمٍ الْقَاضِي، رَوَى عَنْهُمَا دَاوُدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ وَغَيْرُهُ.
стр. 69
أَبُو خَارِجَةَ عَنْسَبَةُ بْنُ خَارِجَةَ الْغَافِقِيُّ قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَمِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ
أَبُو خَارِجَةَ عَنْبَسَةُ بْنُ خَارِجَةَ الْغَافِقِيُّ
كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا، كَانَ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَمِنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: لَقَدْ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ لَنَا الْبُهْلُولُ بْنُ رَاشِدٍ: اذْهَبُوا بِنَا إِلَى أَبِي خَارِجَةَ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ جَاءَ مَعَ سُفْيَانَ، لِنَسْمَعَ مِنْهُ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لأَبِي خَارِجَةَ: سَمِعْتَ مِنْ سُفْيَانَ؟ فَغَضِبَ وَكَانَ وَجْهُهُ مُوجَنًا كَوَجْهِ بَرْبَرِيٍّ، فَقَالَ: نَعَمْ، أَنَا سَمِعْتُ مِنْ سُفْيَانَ، أَنَا سَمِعْتُ مِنْ سُفْيَانَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو سُلَيْمَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَيْشُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُمَيْدَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ الصُّمَادِحِيِّ، عَنْ ذَبِيحٍ، قَالَ: رَحَلْتُ أَنَا وَأَبُو خَارِجَةَ إِلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، فَأَصَبْنَاهُ قَدْ مَاتَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: أَبُو خَارِجَةَ ثِقَةً وَلا يُشَكُّ فِي سَمَاعِهِ مِنْ سُفْيَانَ، وَلَكِنِّي أَحْسَبُ أَنَّهُ رَحَلَ إِلَيْهِ مَعَ ذَبِيحٍ، فَوَجَدَاهُ قَدْ مَاتَ، وَقَدْ كَانَ سَمِعَ مِنْهُ أَبُو خَارِجَةَ قَبْلَ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَدْ رَوَى عَنْ أَبِي خَارِجَةَ عَوْنُ بْنُ يُوسُفَ الْخُزَاعِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَسَمِعَ مِنْهُ أَبُو دَاوُدَ الْعَطَّارُ مَعَ أَبِيهِ.
قَالَ: وَرَأَيْتُ لأَبِي خَارِجَةَ سَمَاعًا مِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ مُدَوَّنًا، كَسَمَاعِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، وَأَشْهَبَ.
стр. 70
أَبُو زَكَرِيَّاءَ الْهِرَقْلِيُّ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ سَعْدُونًا الصَّوَّافَ كَانَ شَرِيكًا لأَبِي زَكَرِيَّاءَ الْهِرَقْلِيِّ فِي الزَّرْعِ، فَلَمَّا حُصِدَ الزَّرْعُ وَحُصِّلَ فِي الأَنْدَرِ، أَقْبَلَ سَعْدُونٌ، فَرَأَى حِمَارَهُ مُقَيَّدًا عَلَى الأَنْدَرِ، وَحِمَارَ أَبِي زَكَرِيَّاءَ مُبْعَدًا مِنْهُ، فَعَاتَبَ أَبَا زَكَرِيَّاءَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي اخْتَبَرْتُ حِمَارِي وَحِمَارَكَ فَوَجَدْتُ حِمَارِي آكَلَ مِنْ حِمَارِكَ، فَقَالَ لَهُ: أَوَ مَا حَلَّلَ بَعْضُنَا بَعْضًا؟ قَالَ: ثُمَّ قَسَّمَا مَا حَصَدَاهُ بَيْنَهُمَا، وَأَخَذَ سَعْدُونٌ حِصَّتَهُ وَأَقْبَلَ بِهَا إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى أَبْصَرَ أَبَا زَكَرِيَّاءَ، فَقَالَ لَهُ: مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ يَا أَبَا زَكَرِيَّاءَ؟ قَالَ لَهُ: بِتُّ بِلَيْلَةٍ طَوِيلَةٍ عَرَضَ الْعَدُوُّ لِقَلْبِي، بِأَنْ سَيَحُولَ السِّعْرُ وَأُصِيبُ فِيهِ، فَأَتَيْتُ لأَبِيعَهُ، وَأَخْرُجَ حَاجًّا، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِمَّنْ يَخْرُجُ إِلَى الْحَجِّ إِلا رِفْقَةً تَخْرُجُ بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّاءَ لِسَعْدُونٍ: بِعْ طَعَامِي بِقَرْضِ طَعَامِكَ، فَفَعَلَ، وَانْطَلَقَ مَعَهُ إِلَى مَوْقِفِ الدَّوَابِّ، فَلَمْ يُوَفَّقْ لَهُ شِرَاءُ دَابَّةٍ، ثُمَّ غَدَا إِلَى الْمَوْقِفِ الْيَوْمَ الثَّانِي، فَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ أَيْضًا، فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ تَوَجَّهَ مَعَ سَعْدُونٍ وَالْحَاجُّ يُضْرَبُ لَهُمُ الطَّبْلُ وَالنَّاسُ خَارِجُونَ، فَجَعَلَ أَبُو زَكَرِيَّاءَ كُلَّمَا ضُرِبَ الطَّبْلُ يَقُولُ: يَا لَطِيفُ أَلْطِفْ بِي، يُرَدِّدُهَا كُلَّ مَا سَمِعَ ضَرْبَ الطَّبْلِ، قَالَ سَعْدُونٌ: فَإِذَا جَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي أَبِي حَسَّانٍ الْيَحْصِبِيِّ، فَمِلْتُ إِلَيْهِمْ وَسَأَلْتُهُمْ: مَا الَّذِي جَاءَ بِكُمْ إِلَى الْمَوْقِفِ؟ فَقَالُوا لِي: مَوْلًى لَنَا تَجَهَّزَ يُرِيدُ الْحَجَّ فَمَاتَ، فَجِئْنَا نَبِيعُ جِهَازَهُ وَدَابَّتَهُ، فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُمْ لأَبِي زَكَرِيَّاءَ حِمَارَهُ وَجَمِيعَ حَوَائِجِهِ حَتَّى الْمِخْلاةَ وَالسَّوْطَ، فَوَضَعَ أَبُو زَكَرِيَّاءَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ وَانْطَلَقَ مَعَ الْحَاجِّ.
стр. 71
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ أَبِي زَكَرِيَّاءَ، أَنَّهُ غَابَ عَنِ الْحِصْنِ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ عَادَ إِلَى الْحِصْنِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّاءَ، غِبْتَ الْيَوْمَ عَنِ الْحِصْنِ وَفَاتَتْكَ الصَّلاةُ فِي جَمَاعَةٍ، فَقَالَ لَهُ: سَمِعْتُ الْيَوْمَ مَنْ يَذْكُرُ بَعْضَ كَلامِ الْمُعْتَزَلَةِ، فَخَرَجْتُ إِلَى الشُّعَرَاءِ أَبْكِي عَلَى الإِسْلامِ.
مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ، رَجُلٌ صَالِحٌ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ، وَمِنْ مَالِكٍ، وَابْنِ لَهِيعَةَ، وَحَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ الصُّمَادِحِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ، وَقَدْ سَمِعَ أَيْضًا مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ.
مُحَمَّدٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنَا يَسُوتَا
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: يُقَالُ: إِنَّ أَصْلَهُمَا مِنَ الْبَرْبَرِ، فَعَبْدُ الرَّحْمَنِ رَوَى عَنْهُ عَوْنُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ، وَرَوَى عَنْ مُحَمَّدٍ مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ، سَمِعَ مُحَمَّدٌ مِنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، وَهُمَا ثِقَتَانِ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ مُؤْمِنٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ عِمْرَانَ، يَقُولُ:
стр. 72
مَاتَ مُعَاوِيَةُ الصُّمَادِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَسُوتَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَقُدِّمَتْ جَنَازَةُ ابْنِ يَسُوتَا فِي الصَّلاةِ عَلَى جَنَازَةِ مُعَاوِيَةَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ: مَاتَ ابْنُ يَسُوتَا سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، يَعْنِي: مُحَمَّدَ بْنَ يَسُوتَا، وَفِيهَا مَاتَ مُعَاوِيَةُ الصُّمَادِحِيُّ، وَصَلَّى عَلَيْهِمَا أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الأَغْلَبِ.
أَبُو عِيسَى مَرْوَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْيَحْصِبِيُّ الَّذِي رَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: قَدْ رَأَيْتُ فِي كِتَابِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَالِمٍ بِخَطِّ يَدِهِ، وَأَنَا أَعْرِفُ خَطَّهُ، قَالَ سُحْنُونٌ: مَرْوَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الَّذِي رَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ كَانَ يَحْصِبِيًّا، وَكَانَ نَاسِكًا، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ إِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَ قَدْ أَحْرَزَ هَهُنَا غَيْرَ مَا. . فَاسدة، إِذَا بَلَغَهُ عَنِ الْمَرْأَةِ أَنَّهَا فَاسِدَةٌ تَزَوَّجَهَا، فَأَحْصَنَهَا الْتِمَاسًا لِلثَّوَابِ، فَإِذَا رَأَى أَنَّهَا قَدْ نَزَعَتْ وَصَلُحَتْ فَارَقَهَا فَأَصْلَحَ غَيْرَ وَاحِدَةٍ، قَالَ سُحْنُونٌ: وَإِذَا دَخَلَ مَرْوَانُ فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ، يَعْنِي: مَسْجِدَ بَيْتِهِ، فَهِيَ صَلاةٌ إِلَى الصُّبْحِ، فَإِنْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ عِنْدَ الْقُبَّةِ فَهِيَ لَيْلَةٌ وَهِيَ الَّتِي إِلَى الصُّبْحِ.
أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَسَّانٍ الْيَحْصِبِيُّ
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَمِمَّنْ سَمِعَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ، وَمَالِكٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَسَّانٍ الْيَحْصِبِيُّ، وَاسْمُ أَبِي حَسَّانٍ: يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ ثِقَةٌ فِي حَدِيثِهِ، قَدْ أَكْثَرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
стр. 73
زِيَادٍ، وَسَمِعَ مِنْ مَالِكٍ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَكَانَ قَدِيمًا مَا طَعَنَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، إِلا أَنَّهُ ذُكِرَتْ عَنْهُ زَلَّةٌ عِنْدَ زِيَادَةِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الأَغْلَبِ، فِي حَرْبِ مَنْصُورٍ الطُّنْبُدِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ مَا قِيلَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَالَ لِي فُرَاتٌ: مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَسَّانٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً.
أَبُو الْحَجَّاجِ رَبَاحُ بْنُ ثَابِتٍ الأَزْدِيُّ
سَمِعَ مِنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ أَنَسٍ، وَسَمِعَ مِنْ مَالِكٍ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَقَالَ لِي فُرَاتٌ: حَدَّثَنَا رَبَاحٌ، قَالَ: لَقِيتُ ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ بِمَكَّةَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ، وَسَمِعَ رَبَاحٌ مِنَ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، وَبَكْرِ بْنِ خُنَيْسٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَكَانَ ثِقَةً.
خَلَفُ بْنُ جَرِيرٍ
كَانَ ثِقَةً.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سُحْنُونًا، يَقُولُ: إِنَّ خَلَفَ بْنَ جَرِيرٍ قَدْ سَمِعَ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ رِجَالِ ابْنِ وَهْبٍ، الَّذِينَ سَمِعَ مِنْهُمُ ابْنُ وَهْبٍ.
أَبُو الْهَيْثَمِ اللُّؤْلُؤِيُّ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْفَارِسِيُّ
سَمِعَ مِنْ مَالِكٍ شَيْئًا يَسِيرًا وَمِنَ الْبُهْلُولِ، وَمِنْ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: حَدَّثَنَا عَنْهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ، وَفُرَاتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ ثِقَةً.
стр. 74
عَبْدُ اللَّهِ بْن أَبِي غَسَّانَ
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ بْنُ تَمِيمٍ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي غَسَّانَ، سَمِعَ مِنْ مَالِكٍ، وَرَوَى عَنْهُ حَدِيثًا قَلَّ مَنْ رَوَاهُ غَيْرُهُ.
حَدَّثَنِي بِهِ فُرَاتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي غَسَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : «طُولُ مَقَامِ أُمَّتِي فِي قُبُورِهِمْ، تَمْحِيصٌ لِذُنُوبِهِمْ» .
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَكَانَ ثِقَةً
وَمِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ
الأَقْرَعُ بْنُ بَكَّارٍ النُّصَيْرِيُّ
كَانَ قَدْ لَقِيَ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، وَسَمِعَ مِنْهُ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: قَدْ حَدَّثَنِي فُرَاتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الأَقْرَعُ بْنُ بَكَّارٍ النُّصَيْرِيُّ مِنْ مَوَالِي مُوسَى بْنِ النُّصَيْرِ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ بْنُ تَمِيمٍ: مَا عَلِمْتُ أَحَدًا ذَكَرَهُ بِسُوءٍ.
أَبُو الْمُسْلِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْجَهْمِ الْخَوْلانِيُّ
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَأَبُو الْمُسْلِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْجَهْمِ الْخَوْلانِيُّ، سَمِعَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ، وَمِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، مَا عَلِمْتُ أَحَدًا ذَكَرَهُ بِسُوءٍ، سَمِعَ مِنْهُ فُرَاتُ بْنُ مُحَمَّدٍ.
стр. 75
زُرَارَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
وَزُرَارَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، لَقِيَ مَالِكًا، وَابْنَ فَرُّوخَ وَغَيْرَهُمَا.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: قَدْ حَدَّثَنِي عَنْهُ بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ بَسِيلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زُرَارَةَ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: فَسَأَلْتُ عَنْ زُرَارَةَ مَيْمُونَ بْنَ عَمْرٍو، فَعَرَفَهُ، وَقَالَ: هُوَ ثِقَةٌ، وَقَدْ لَقِيَ زُرَارَةُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَكَانَ مَسْكَنُ زُرَارَةَ الزَّجَّاجِينَ.
أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْمَدَنِيُّ الْهَاشِمِيُّ
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَمِنَ الْقَادِمِينَ إِلَيْنَا مِنْ نَحْوِ هَذِهِ الطَّبَقَةِ، أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْمَدَنِيُّ الْهَاشِمِيُّ، وَكَانَ ثِقَةً، قَدِمَ إِلَيْنَا سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَخَرَجَ أَوَّلَ سَنَةِ سِتٍّ وَعِشْرِينَ.
سَمِعَ مِنْ مَالِكٍ مُوَطَّأَهُ وَغَيْرَهُ، وَسَمِعَ مِنَ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَابْنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، وَمِنْ جَمَاعَةٍ مِنْ مُحَدِّثِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَكُتُبُهُ إِنَّمَا أَمْلاهَا مِنْ حِفْظِهِ.
كَانَ مِنَ الْحُفَّاظِ، سَمِعَ مِنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ، وَبَشَرٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ مَعْرُوفًا بِمَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ .
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: لَقَدْ حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَنْهُ بِالْمَدِينَةِ فَعَرَفُوهُ، وَكَانَ لَقَبُهُ رَقَبَةً.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَمَّادٍ الْمُعَلِّمُ، وَسَهْلٌ الْقُبْرِيَانِيُّ: أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ قَدِمَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ وَمَعَهُ مِسْكٌ يَبِيعُهُ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ الْمِسْكَ هَهُنَا إِنَّمَا يَشْتَرِيهِ السُّلْطَانُ، فَرَدَّهُ وَلَمْ يَبِعْهُ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: وَحَدَّثَنِي فُرَاتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي الْمُصْعَبَ الزُّهْرِيَّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: كَانَ مَوْلًى مِنْ مَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ، وَكَانَ ابْنَ خَالَةِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ الْخَلِيفَةِ.
следующие страницы →