الله - ثلاثا؛ هي طابة، هي طابة، هي طابة (١).
حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي قال، حدثنا صالح بن عمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء ابن عازب ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ :
من قال للمدينة يثرب، فليستغفر الله، هي طابة - ثلاث مرات (٢).
وابن أبي يحيى، عن عبد الله بن أبي سفيان، عن أبيه، عن أفلح مولى أبي أيوب، عن أبي أيوب: أن رسول الله ﷺ نهى أن يقال للمدينة يثرب.
وابن أبي يحيى، عن عبد الحميد، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: من قال للمدينة يثرب فليستغفر الله.
حدثنا يحيى بن بسطام قال، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب قال، سمعت النّعمان بن بشير ﵁ يقول:
سمعت رسول الله ﷺ يسمّي المدينة طابة (٣).
(ذكر أودية المدينة وما حولها وحدودها ومجتمع مياهها ومغايضها)
حدثنا محمد بن يحيى قال، أخبرني عبد العزيز بن عمران، وعثمان بن عبد الرحمن، الجهني، قالا: سيل وادي العقيق يأتي
стр. 177
من موضع يقال له «بطاويح» وهو حرس من الحرة (١) وغربي شطاي، حتى يصبّا جميعا في النقيع، وهو قاع كبير الدر، وهو من المدينة على أربعة برد في يمانيها. ثم يصب في غدير يلبن وبرام، ويدفع فيه وادي البقاع، ويصب فيه نقعا، فيلتقين جمع بأسفل موضع يقال له بقع، ثم يذهب السيل مشرّقا فيصب على روايتين (٢) يعترضهما يسارا، ويدفع عليه واد يقال له هلوان، ثم يستجمعن فيلقاهن بوادي ربر بأسفل الحليفة العليا. ثم يصب على الأتمة وعلى الجام، ثم يفضي إلى وادي الحمراء، فيتبطّن واديها، ويدفع عليه الحرتان شرقا وغربا حتى ينتهي إلى ثنيّة الشريد (٣)، ثم يفضي إلى الوادي، فيأخذ في ذي الحليفة حتى يصب بين أرض أبي هريرة صاحب النبي ﷺ ، وبين أرض عاصم بن عدي بن العجلان، ثم يستبطن الوادي فيصب عليه شعاب الجماء ونمير، حتى يفضي إلى أرض عروة بن الزبير وبئره، ثم يستبطن بطن الوادي، فياخذ منه شطيب إلى خليج عثمان بن عفان الذي حفر إلى أسفل العرصة الذي يقال له خليج بنات نائلة - وهن بنات لعثمان من نائلة بنت الفراقصة الكلبية - وكان عثمان بن عفان عمل ذلك
стр. 178
الخليج، ساقه إلى أرض اعتملها بالعرصة، ثم يفترش سيل العقيق إذا خرج من قراقر عبد الله بن عنبسة بن سعيد يمنة ويسرة، ويقطعه نهر الوادي، ثم يستجمع حتى يصب في زغابة (١).
قال أبو غسان أخبرني غير واحد من ثقات أهل المدينة:
أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا انتهى إليه أن وادي العقيق قد سال قال: اذهبوا بنا إلى هذا الوادي المبارك، وإلى الماء الذي لو جاءنا جاء من حيث جاء لتمسحنا به.
قال: وأما سيل بطحان، وهو الوادي المتوسط بيوت المدينة، فإنه يأخذ من ذي الجدر - و «الجدر» قرارة في الحرّة يمانية، من حلبات الحرّة العليا حرّة معصم، وهو جبل يفترش في الحرّة حتى يصب على شرقي ابن الزبير، وعلى جفاف ومرقبة وبني حجر، وبني كلب، والحساة حتى يفضي إلى فضاء بني خطمة والأغرس، ثم يستنّ حتى يرد الجسر، ثم يستبطن وادي بطحان حتى يصير في زعابة (٢).
(بطحان) (٣)
حدثنا محمد قال، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن رجل من آل أبي العلاء، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂
стр. 179
قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن بطحان على ترعة من ترع الجنة (١).
قال: وأما سيل رانون (٢)، فإنه يأتي من مقمة في جبل في يماني عير، ومن حرس شرقي الحرّة، ثم يصب على قرين صريحة، ثم على سدّ عبد الله بن عمرو بن عثمان، ثم يتفرق في الصفاصف، فيصب في أرض إسماعيل ومحمد ابني الوليد التي بالقصبة، ثم يستبطن القصبة حتى يعترض قباء يمينا، ثم يدخل غوسا، ثم بطن ذي خصب، ثم يجتمع ما جاء من الحرّة وما جاء من ذي خصب، ثم يقرن بذي صلب، ثم يستبطن السّرارة حتي يمر على قعر البركة، ثم يفترق فرقتين، فتمرّ فرقة على بئر جشم تصب في سكة الخليج حتى يفرغ في وادي بطحان، وتصب الأخرى في وادي بطحان (٣).
وأما بطن وادي مهزوز (٤)، فهو الذي يتخوّف منه الغرق على أهل المدينة فيما حدثنا بعض أهل العلم.
стр. 180
(ذكر آبار المدينة)
قال أبو غسان: ومن آبار المدينة بئر بالحرانية يقال لها الحفير يصب فيها سيل مذينب، وربما صرف إليها سيل مهزوز إذا طغا وخيف على المدينة فيصب فيها هو ومذينب.
وبئر يقال لها البويرمة لبني الحارث بن الخزرج.
وبئر يقال لها الهجير بالحرّة فوق قصر ابن ماه.
وقد كان مهزور سال في ولاية عثمان ﵁ سيلا عظيما خيف على المدينة منه الغرق، فعمل عثمان ﵁ الرّدم الذي عند بئر مدرى ليردّ به السيل عن المسجد وعن المدينة، ثم سال وعبد الصمد بن علي وال على المدينة في خلافة أبي جعفر المنصور سنة ست وخمسين ومائة، فخيف منه أيضا على المسجد، فبعث إليه عبد الصمد عبيد الله بن أبي سلمة بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو على قضائه، وندب الناس إليه، فخرجوا إليه بعد العصر وقد طغى وملأ صدقات النبي ﷺ ، فدلّوا على مصرفه، فحفروا في برقة صدقة النبي ﷺ ، فأبدوا عن حجارة منقوشة ففتحوها، فانصرف الماء فيها وغاض إلى بطحان. وكان الذي دلّهم على ذلك عجوز مسنّة من أهل العالية، قالت: «إني كنت أسمع الناس يقولون: إذا خيف على القبر من
стр. 181
سيل مهزور، فاهدموا من هذه الناحية، وأشارت إلى القبلة فهدمها الناس، فأبدوا عن تلك الحجارة.
وسيل عن مهزور يأخذ من الحرّة من شرقيها، ومن هكر، وحرّة صفة، حتى يأتي أعلى حلاة (١) بني قريظة، ثم يسلك فيه شعيب فيأخذ على بني أمية بن زيد بين البيوت في واد يقال له مذينب، ثم يلتقي هو وسيل بني قريظة بالمشارف - فضاء بني خطمة - ثم يجتمع الواديان جميعا، مهزور ومذينب فيفترقان في الأموال ويدخلان صدقات رسول الله ﷺ كلها إلا مشربة أمّ إبراهيم، ثم يفضي إلى السورين على قصر مروان بن الحكم، ثم يأخذ بطن الوادي على قصر بني يوسف، ثم يأخذ في البقيع حتى يخرج على بني جديلة، والمسجد ببطن مهزور، وآخره كومة أبي الحمراء، ثم يفضي فيصب في وادي قناة (٢).
قال أبو غسان، حدثنا إسماعيل بن عبد الله، عن أبيه، عن عبد الله بن السائب المخزومي، ويزيد بن بكير قالا: يأتي سيل مهزور من بني قريظة وبطحان من صدور جفاف. قال: ومعجب هو الذي يمرّ سيله في مسجد النبي ﷺ ، قال: وقالت الأنصار: إنما السّيل الذي هو في مسجد النبي ﷺ مهزور.
حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا مالك بن أنس،
стр. 182
عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه: أن النبيّ ﷺ قضى في وادي مهزور ومذينب أن يمسك (١) الماء إلى الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل.
حدثنا حيان بن بشر قال، حدثنا يحيى بن آدم قال، حدثنا أبو معاوية عن محمد بن إسحاق، عن أبي مالك بن ثعلبة (٢) ابن أبي مالك، عن أبيه قال: قضى رسول الله ﷺ في مهزور ووادي بني قريظة: أن الماء إلى العقبين، لا يحبس الأعلى على الأسفل ويحبس الأسفل على الأعلى.
قال وحدثنا يحيى قال، حدثنا حفص، عن جعفر، عن أبيه قال: قضى رسول الله ﷺ في سيل مهزور، أن لأهل النخل إلى العقبين، ولأهل الزرع إلى الشراكين، ثم يرسلون الماء إلى من هو أسفل منهم.
حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا محمد بن عمارة قال، حدثني أبو بكر بن محمد: أن النبي ﷺ قضى في سيل مهزور، أن يمسك الأعلى على الأسفل حتي يبلغ الكعبين والجدر (٣)، ثم يرسل الأعلى على الأسفل وكان يسقي الحوائط.
стр. 183
وسيل وادي قناة، يأتي من وجّ. وبلغنا عن شريح بن هانئ الشيباني - هكذا قال أبو غسان - أنه قدم على عمر بن الخطاب ﵁ ومعه امرأته أمّ الغمر، فأسلمت ففرّق بينهما عمر ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين، اردد عليّ زوجتي. فقال:
إنها قد أسلمت، ولا تحلّ لك إلا أن تسلم فأردّها عليك. فنزل شريح بقناة، فأقام بها وقال:
ألا يا صاحبيّ ببطن وجّ … رواحا، لا أرى لكما مقاما
ألا تريان أمّ الغمر أمست … قريبا لا أطيق لها كلاما
فجعل «بطن قناة» بطن وجّ، لأن السيل يأتي منه.
وأما ملتقى سيول هذه الأدية ومجتمعها، فإنها تجتمع بزغابة، وهو طرف وادي إضم - وإنما سمي «إضم»، لانضمام السّيول به واجتماعها فيه - ثم تجتمع فتنحدر على عين أبي زياد، ثم تنحدر فيلقاها شعاب يمنة ويسرة، ثم يلقاها وادي مالك بذي خشب وظلم والجنينة، ثم يلقاها وادي أوان (١) ودوافعه من الشرق، ويلقاها من الغرب واد يقال له بواط والحزار، ويلقاها من الشرق وادي الأئمة، ثم تمضي في وادي إضم وعيونه حتى يلقاه وادي برمة الذي يقال له ذو البيضة من الشام، ويلقاها وادي ترعة من القبلة، ثم يلتقي هو ووادي العيص من القبلة، ثم يلقاه دوافع واد يقال له حجر، ووادي الجزل (٢) الذي به السّقيا والرحبة في
стр. 184
نخيل ذي المروة مغرّبا، ثم يلقاه وادي عمودان في أسفل ذي في المروة، ثم يلقاه واد يقال له سفيان، حتى يفضي إلى البحر عند جبل يقال له أراك، ثم يدفع في الغمر من ثلاثة أمكنة من البحر يقال لها اليعبوب والنتيجة وحقيب.
(ما جاء في أموال النبي ﷺ وصدقاته ونفقاته بالمدينة وأعراضها)
حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن عبد الله بن جعفر بن المسور، عن أبي عون، عن ابن شهاب قال: كانت صدقات رسول الله ﷺ أموالا لمخيريق اليهودي - قال عبد العزيز: بلغني أنه كان من بقايا بني قينقاع - ثم رجع حديث ابن شهاب قال: وأوصى مخيريق بأمواله للنبي ﷺ ، وشهد أحدا فقتل به، فقال رسول الله ﷺ «مخيريق سابق يهود، وسلمان سابق فارس، وبلال سابق الحبشة» قال: وأسماء أموال مخيريق التي صارت للنبي ﷺ : الدلال، وبرقة، والأعواف، والصافية، والميثب، وحسنى، ومشربة أم إبراهيم.
فأما الصافية والبرقة والدّلال والميثب، فمجاورات بأعلى السورين من خلف قصر مروان بن الحكم، فيسقيها مهزور.
وأما مشربة أم إبراهيم فيسقيها مهزور، فإذا خلفت بيت مدارس اليهود، فحيث مال أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة الأسدي، فمشربة أمّ إبراهيم إلى جنبه، وإنما سمّيت «مشربة أم إبراهيم» لأن أم إبراهيم من رسول الله ﷺ ولدته فيها،
стр. 185
وتعلقت حين ضربها المخاض بخشبة من خشب تلك المشربة، فتلك الخشبة اليوم معروفة في المشربة.
وأما حسنى فيسقيها مهزور وهي من ناحية القفّ.
وأما الأعواف فيسقيها أيضا مهزور، وهي في أموال بني محمّم.
قال أبو غسان: وقد اختلف في الصّدقات، فقال: بعض الناس هي أموال قريظة والنّضير.
فحدثني عبد العزيز بن عمران، عن أبان بن محمد البجلي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: كانت «الدلال» لامرأة من بني النضير، وكان لها سلمان الفارسيّ، فكاتبته على أن يحييها لها ثم هو حرّ، فأعلم ذلك النبي ﷺ ، فخرج إليها فجلس على فقير (١)، ثم جعل يحمل إليه الودي فيضعه بيده، فما عدت منها ودية أن أطلعت. قال: ثم أفاءها الله على رسوله ﷺ .
قال: والذي تظاهر عندنا أنها من أموال النضير، ومما يدل على ذلك أن مهزورا يسقيها، ولم يزل يسمع أنه لا يسقي إلا أموال بني النّضير.
قال: وقد سمعنا بعض أهل العلم يقول: إن برقة والميثب للزبير بن باطا، وهما اللتان غرس سلمان، وهما مما أفاء الله من أموال بني قريظة ويقال: كانت «الدّلال» من أموال بني ثعلبة من اليهود، و «حسنى» من أموالهم، و «مشربة أم إبراهيم» من
стр. 186
أموال بني قريظة، و «الأعواف» كانت لخنافة اليهودي من بني قريظة، والله أعلم أي ذلك الحق، وقد كتبناه على وجهه كما سمعنا.
قال الواقدي: وقف النبي ﷺ «الأعواف» و «برقة» و «ميثب» و «الدّلال» و «حسنى» و «الصّافية» و «مشربة أم إبراهيم» سنة سبع من الهجرة.
قال، وقال الواقدي، عن الضحاك بن عثمان، عن الزهري قال: هذه الحوائط (١) السبعة من أموال بني النضير.
قال، وقال الواقدي، عن عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، قال، حدثني عبد الله بن كعب ابن مالك قال: قال مخيريق يوم أحد: إن أصبت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراه (٢) الله، فهي عامة صدقات رسول الله ﷺ .
قال، وقال الواقدي، عن أيوب بن أبي أيوب، عن عثمان ابن وثاب قال: ما هي إلا من أموال بني النضير، لقد رجع رسول الله ﷺ من أحد ففرّق أموال مخيريق (٣).
حدثنا حيان بن بشر قال، حدثنا يحيى بن آدم قال، حدثنا إبراهيم بن حميد الرواسي، عن أسامة بن زيد قال، أخبرني
стр. 187
ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر ﵁ قال: كانت لرسول الله ﷺ صفايا خيبر وفدك وبنو (١) النضير. فأما «بنو النضير» فكانت حبسا لنوائبه، وأما «فدك» فكانت لأبناء السبيل، وأما «خيبر» فجزّأها ثلاثة أجزاء، جزئين بين المسلمين، وجزءا لنفقة أهله، فما فضل عن نفقة أهله ردّ على فقراء المهاجرين.
(أمر خيبر)
حدثنا أبو عاصم قال: ابن جريج أخبرنا، قال أخبرنا عامر بن عبد الله بن نسطاس، عن خيبر قال: فتحها النبي ﷺ وكانت له جمعاء.
حدثنا الحزامي قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثني مالك، عن ابن شهاب قال: خيبر كان بعضها عنوة وبقيتها صلحا، والكثيبة (٢) أكثرها عنوة، وفيها صلح.
قال مالك أول من جلّى أهل خيبر عمر ﵁، فقال له رئيس من رؤسائهم: أتجلينا وقد أقرنا محمد؟ فقال عمر ﵁: أتراني نسيت قوله: كيف بك لو قد رقصت بك قلوصك (نحو الشام) (٣) ليلة بعد ليلة»؟ فقال: إنما كانت هزيلة من أبي القاسم. فقال له عمر ﵁: كذبت، كلاّ والذي نفسي بيده، إنه لفصل وما هو بالهزل.
стр. 188
حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك قال: لما فتح الله على نبيّه ﷺ خيبر، قال له أهل خيبر: يا أبا القاسم، نحن عبيدك، فاستبقنا، وادفع إلينا أرضك نعطك ما شئت، ونأخذ ما شئت. قال: فدفعها ﷺ إليهم على النصف.
حدثنا عبد الله بن نافع، والقعنبي، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب قال (قال النبي ﷺ (١) ليهود يوم فتح خيبر: أقرّكم ما أقرّكم الله، على أن التمر بيننا وبينكم. فكان يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص بينه وبينهم، ثم يقول: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلي، فكانوا يأخذونه.
حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج قال، أخبرني عبد الله ابن عبيد بن عمير، عن مقارضة النّبي ﷺ يهود أهل خيبر، على أن لنا النصف ولكم نصف. قال: يكفونا العمل.
فلما طاب ثمرهم، أتوا النّبي ﷺ فقالوا: ابعث خارصا يخرص بيننا وبينك. فبعث عبد الله بن رواحة، فطاف في نخلهم فنظر إليه، ثم قال: والله ما أعلم.
ما يخرج عنكم، وإن شئتم أعطيناكم أربعين ألف وسق وتخرجون عنا. قال: فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض، وبهذا يغلبونكم.
قال ابن جريج، وأخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابرا ﵁ يقول: خرصها ابن رواحة أربعين ألف وسق، فلما خيّرهم،
стр. 189
اختارت اليهود التّمر، وعليهم عشرون ألف وسق.
قال ابن جريج، وأخبرني عامر بن عبد الله بن نسطاس قال:
بعث النّبي ﷺ عبد الله بن رواحة ﵁ فخرص بينهم، فلما خيّروا أخذت اليهود التّمر، فلم يزل بيد يهود حتى أخرجهم عمر ﵁ منها، فقالت اليهود: ألم يصالحنا النبي ﷺ على كذا وكذا؟ فقال: إن غدركم ما بدا لله ولرسوله، فهذا حين بدا لي إخراجكم منها. ثم قسمها بين المسلمين ولم يعط منها أحدا لم يحضر فتحها، فأهلها الآن المسلمون ليس فيها اليهود.
حدثنا هارون بن معروف قال: حدثنا ابن وهب قال، أخبرني أسامة بن زيد، عن نافع، عن عبد الله قال: لما افتتحت خيبر، سألت اليهود النّبي ﷺ أن يقرّها في أيديهم على أن يعملوا على النصف مما خرج منها؛ التمر والزرع، فقال النّبي ﷺ : أقرّكم على ذلك ما شئنا. فكانوا فيها كذلك على عهد النّبي ﷺ ، وأبي بكر ﵁، وطائفة من إمارة عمر ﵁، وكان التمر يقسم على السّهمان من نصف خيبر، ويأخذ رسول الله ﷺ الخمس، وكان النّبي ﷺ أطعم كل امرأة من أزواجه (من (١) الخمس: مائة وسق تمرا، وعشرون وسقا شعيرا.
حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا هشيم، عن داود بن
стр. 190
أبي هند، عن الشعبي: أن النّبي ﷺ دفع خيبر إلى أهلها على النصف، وعلى أن يكفوا المسلمين المؤونة حتى يبلغ التمر، ولهم الحطب وسواقط النخل، فلما بلغت التمرة، بعث إليهم عبد الله ابن رواحة - وكان مسترضعا فيهم - ففرحوا به وقالوا: مرحبا بك وبمن جئت من عنده، كيف أنت وكيف صاحبك الذي تركت وراءك؟ فقال: أمّا أنا فصالح، وأما صاحبي فو الله لهو أحبّ إليّ من نفسي التي بين جنبيّ، ولأنتم أبغض إليّ من عددكم من القردة والخنازير. قالوا: فكيف تعدل علينا؟ قال: لن يحملني حبّ صاحبي على أن أجور له عليكم، ولا يحملني بغضي إيّاكم أن لا أعدل عليكم.
قالوا: بهذا قامت السماوات والأرض. قال: فطاف في النخل ونظر، فقال: إن شئتم أن أكيل لكم كذا وكذا، ولنا الحطب وسواقط (النخل (١) قال: ففرحوا بذلك وقبلوه، ثم كالوا التّمرة فلم يجدوها نقصت شيئا مما خرص ولا زادت.
قال وحدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك: أن النّبي ﷺ يبعث (إلى أهل خيبر عبد الله بن رواحة خارصا بين المسلمين ويهود فيخرص عليهم، فإذا قالوا تعدّيت علينا قال:
إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلنا، فتقول يهود: بهذا قامت السماوات والأرض (٢).
ثم قال لهم: إن شئتم أن تخرصوا أو تختاروا فقبلوا ذلك، فمن هناك جاءت سنة الخرص.
حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال،
стр. 191
أخبرني ابن لهيعة، أن بكير بن عبد الله حدّثه، عن سليمان بن يسار:
أن النّبي ﷺ بعث عبد الله بن رواحة ﵁ إلى أهل خيبر خارصا عليهم، فلما جاءهم تلقّوه بالهدايا، فقال:
لا أرب لي بهداياكم، تعلمون معشر اليهود ما خلق الله قوما أبغض إليّ منكم، وما خلق الله قوما أحبّ إليّ من قوم خرجت منهم، وإني والله لا يحملني حبّهم ولا بغضي إياكم أن لا تكونوا في الحق عندي سواء.
وكان النبي ﷺ قد أعطاهم النخل يساقونها (١) على النصف، فخرصها ابن رواحة، فلما خرصها قال: اختاروا، فإن شيتم أخذتموه بما خرصت، وإلا أخذناه. فقالوا: هذا (هو (٢) العدل، بهذا قامت السماوات والأرض.
حدثنا سويد بن سعيد قال، حدثنا عليّ بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: أعطى رسول الله ﷺ خيبر بشطر ما يخرج من ثمرها وزرع.
وكان يعطي أزواجه في كل عام لكل امرأة منهن مائة وسق: ثمانين وسقا من طعام، وعشرين وسقا من شعير.
حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا داود بن أبي هند، عن الشعبي: أن النّبي ﷺ دفع خيبر إلى أهلها بالشطر، فلما كانت المقاسمة، بعث إليهم عبد الله بن رواحة ﵁ فخيّرهم.
стр. 192
حدثنا محمد بن بكار قال، حدثنا أبيض بن يمان الكوفي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ قال:
أعطى النّبي ﷺ أهل خيبر خيبر بالنصف، ثم بعث إليهم عبد الله بن رواحة ﵁ ليقاسمهم، وأتاهم فقال:
إن شئتم فأقسموا ثم خبّروني، وإن شئتم قسمت ثم خيّرتكم. فقالوا قضيت بما في ناموس موسى.
حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا الخزامي قال، حدثنا عبد الله بن نافع، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: أن النّبي ﷺ أطعم أزواجه من خمس خيبر، كل واحدة منهن مائة وسق: ثمانين وسقا تمرا وعشرين وسقا شعيرا، من الخمس (١).
قال الخزامي، حدثني عبد الله بن نافع، عن عاصم بن عمر، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: لما افتتح النّبي ﷺ خيبر كانت سهمانها ثمانية عشر سهما، جمع كل رجل من المهاجرين معه مائة رجل يضم إليه، فكانوا ألفا وثمانمائة.
حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعد، عن بشير بن يسار: أن النّبي ﷺ قسم خيبر على ستة وثلاثين سهما (٢).
стр. 193
حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لولا آخر المسلمين ما فتحت عليهم قرية إلا قسمتها، كما قسم رسول الله ﷺ خيبر (١).
حدثنا عبد الله بن رجاء قال، حدثنا إسرائيل، عن حكيم ابن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال:
أعطانا النّبي ﷺ نصيبنا من خيبر، وأبو بكر وعمر ﵄، غير أن الناس كثروا على عمر ﵁، فأرسل إلينا فجمعنا فقال: إنّ الناس قد كثروا، فإن شئتم أعطيتكم مكان نصيبكم من خيبر مالا. فنظر بعضنا إلى بعض، فقتل عمر ﵁ ولم يعطنا شيئا، فقبضها عثمان ﵁، وذكرنا له ذلك فقال: إن عمر ﵁ قبضها ولم يعطكم.
فأبى أن يعطينا (٢).
стр. 194
حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا موسى، عن الزهري قال:
بلغني أن الخمس كان إلى رسول الله ﷺ من كل مغنم غنمه المسلمون، شهده رسول الله ﷺ . وكان لا يقسم لغائب من مغنم إلا يوم خيبر، قسم لغيّب الحديبية، من أجل أنه كان أعطى خيبر المسلمين من أهل الحديبية، (١) قال الله :
«وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ» (٢)، فكانت لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب (٣)، ولم يشهدها من الناس معهم غيرهم.
حدثنا أبو داود قال، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري عن سعيد بن المسيّب: أن رسول الله ﷺ أعطى أهل خيبر خيبر على أن يعملوها، ولهم شطر التمرة، فكانوا على ذلك حياة رسول الله ﷺ ، وخلافة أبي بكر ﵁، وصدرا من خلافة عمر ﵁.
قال الزهري، فأخبرني عبد الله بن عبيد الله: أن عمر ﵁ بلغه أن النّبي ﷺ قال في مرضه الذي مات فيه:
«لا يجتمع في جزيرة العرب دينان»، ففحص عمر ﵁
стр. 195
عن الخبر في ذلك حتى وجد عليه الثبت عن رسول الله ﷺ ، فقال عمر ﵁: من كان من أهل الحجاز - يعني من أهل الكتاب - عنده عهد من رسول الله ﷺ فليأت به أنفذ له عهده وأقره، ومن لا فإن الله تعالى قد أذن في إجلائكم - أو بجلائكم (١) - فأجلى عمر ﵁ يهود الحجاز إلى الشام.
حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا الحجاج، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: أن النّبي ﷺ دفع خيبر إلى أهلها بالشطر، فلم تزل معهم حياة رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، حتى بعثني عمر ﵁ لأقاسمهم، فسحروني، فتكوّعت (٢) يدي، فانتزعها عمر ﵁ منهم.
حدثنا سويد قال، حدثنا علي بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: لما ولي عمر ﵁ قسمة خيبر، فخيّر أزواج رسول الله ﷺ أن يقطع لهن الأرض والمال، أو يضمن لهن الأوساق كل عام، فاختلفن عليه، فمنهنّ من اختار الأرض والأموال، ومنهنّ من اختار الأوساق كل عام، فكانت عائشة وحفصة ﵄ ممن اختار الأرض والمال (٣).
стр. 196
حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني أسامة بن زيد، عن نافع، عن عبد الله ﵁ قال: لمّا أراد عمر ﵁ إخراج اليهود من خيبر، أمر الناس أن يركبوا، فيقسم خيبر على السهمان، فأرسل إلى أزواج النّبي ﷺ فقال لهن: من أحبّ منكن أن أقسم لها نخلا تخرصها بمائة وسق، فيكون لها أصلها وأرضها وماؤها، ومن الزرع مزرعة خرص عشرين وسقا، فعلنا، ومن أحب أن يقرّ لها الذي هو لها في الخمس كما هو، فعلنا.
حدثنا حبّان بن بشر قال، حدثنا يحيى بن آدم قال، حدثنا زياد بن عبد الله بن طفيل، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن مكنف أخي بني حارثة قال:
لما أخرج عمر ﵁ يهود من خيبر، ركب في المهاجرين والأنصار، وخرج معه جبار بن صخر بن خنساء أخو بني سلمة، وكان خارص أهل المدينة وحاسبهم، ويزيد بن ثابت، فهما قسما خيبر بين أهلها على أصل جماعة السّهمان التي كانت عليها، فكانت مما قسّم عمر ﵁ من وادي القرى لعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وعمر بن أبي سلمة، وعامر بن ربيعة، وعمرو بن سراقة، والأشيم (١)، وبني جعفر، ولابن عبد الله بن جحش، وعبد الله بن الأرقم وغيرهم، لكل إنسان حظر - قال يحيى والحظر القطعة من النخيل أو الإبل أو غيره.
стр. 197
قال يحيى، وحدثني عبد السلام بن حرب، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: عامل رسول الله ﷺ خيبر بشطر ما يخرج من زرع أو تمر، فكان يعطي أزواجه كلّ عام مائة وسق: ثمانين وسقا تمرا، وعشرين وسقا شعيرا.
فلمّا قام عمر ﵁، قسّم خيبر، فخيّر أزواج النّبي ﷺ أن يعطيهن (١) الأرض أو يضمن لهن الوسوق كل عام، فاختلفن، فمنهن من اختار الوسوق، ومنهن من اختار أن يقطع لها الأرض، وكانت عائشة وحفصة ﵄ ممن اختار الوسوق.
قال يحيى، وحدثنا أبو بكر، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ قال: قسّمت خيبر على ألف سهم وخمسمائة وثمانين سهما، الذين شهدوا الحديبية ألف وخمسماية وأربعين رجلا، والذين كانوا مع جعفر بأرض الحبشة أربعون رجلا، وكان معهم يومئذ مائتا فرس أو نحوها، فأسهم للفرس سهمين ولصاحبه سهما.
حدثنا محمد بن يحيى قال، قال ابن إسحاق: بلغني ممن أثق به أن المقاسم كانت على أموال خيبر على الشقّ والنطاة في أموال المسلمين، وكانت الكتيبة خمس الله وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين، وطعم أزواج النّبي ﷺ . وطعم رجال مشوا بين أهل فدك بالصّلح، منهم: محيّصة (٢) بن مسعود، أعطاه
стр. 198
النّبي ﷺ منها ثلاثين وسقا شعيرا وثلاثين وسقا تمرا، فكانت الكتيبة مما ترك رسول الله ﷺ فصارت في صدقاته.
قال أبو غسان: وقد سمعت من يقول: كانت بئر غاضر والنورس من طعمة أزواج النّبي ﷺ ، وهما من أموال بني قريظة بعالية المدينة. وقد قيل في ذلك: إن بئر غاضر مما دخلت في صدقة عثمان ﵁ في بئر أريس.
حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن أبي لهيعة، عن عقيل بن خالد، عن عثمان بن محمد الأخنسي، قال: غزا النّبي ﷺ خيبر ففتحها الله له، فقال للمسلمين: «إن خيبر كانت لمن شهد الحديبية خاصّة، وإن إخوانكم هؤلاء شهدوا معكم، فألا تشركونهم؟ وكان قد أدركه بها ركب من شنوءة، فيهم الطّفيل بن عمرو، وأبو هريرة - فقال المسلمون:
«نعم، افعل يا رسول الله، فأسهمهم معهم. وكانت قسّمت نصفين، فكانت الشق ونطاة نصفا، وكانت الوطيح وسلالم ووحيدة (١) نصفا فهذا النصف لرسول الله ﷺ ، وكان للمسلمين الشّقّ ونطاة.
стр. 199
حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار قال: لمّا أفاء الله على رسوله ﷺ خيبر، قسمها على ستة وثلاثين سهما، جمع كل سهم مائة سهم، وعزل نصفها لنوائبه وما ينزل به، وقسّم النّصف الباقي بين المسلمين، فما قسم بين المسلمين الشّق ونطاة وما حيز معهما، وكان فيما وقف الوطيح (١) والكتيبة وسلالم وما حيز معهن، فلما صارت الأموال بيد النّبي ﷺ والمسلمين، لم يكن لهم من العمّال ما يكفون عمل الأرض، فدفعها النّبيّ ﷺ إلى اليهود، ويعملونها على نصف ما خرج منها، فلم يزل كذلك على عهد النّبي ﷺ وأبي بكر ﵁، حتى كان عمر ﵁، وكثر العمّال في أيدي المسلمين وقووا على عمل الأرض، فأجلى عمر ﵁ اليهود إلى الشّام، وقسّم المال بين المسلمين إلى اليوم.
حدّثنا الحزامي قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو ابن الحارث، أن سعيد بن أبي هلال حدثه، أن يزيد بن عياض حدّثه، أنّه بلغه من شأن خيبر: أن النّبي ﷺ نزل في وادي السّرير؛ الوادي الأدنى، وبه الشّق والنّطاة، فبرز إليه أهلها لقتاله، ثم إنّ الله هزمهم، ثم نزلوا على حصن بني نزار، ففتحه الله بغير صلح، وأنّ النّبي ﷺ جعله لأهل الحديبية، ولخيل كانت معه عشرين ومائة فرس، ولامرأتين حضرتا القتال:
امرأة من بني حارثة يقال لها أم الضّحاك (٢) بنت مسعود أخت
стр. 200
حويّصة ومحيّصة، والأخرى أخت حذيفة بن اليمان (١)، أعطى كل واحدة مثل سهم رجل. وقدم عليه هناك وفد الطّفيل بن عمرو الدّوسيّ (٢)، وفيهم أبو هريرة، وذلك حين هاجروا، فزعموا أنّ
стр. 201
رسول الله ﷺ قال: «إن خيبر لم تكن إلاّ لمن شهد الحديبية، وإن إخوانكم قد جاؤوكم، فإن رأيتم أن تشركوهم معكم فأشركوهم، فقالوا: «افعل يا رسول الله». فأشركهم، فجعل الشّقّ ونطاة ثمانية عشر سهما - جمع - وسهم الجمع يكون لمائة إنسان - فتلك على ألف وثمانمائة معدودة، منها أربعون ومائة ومائة سهم للخيل لكل فرس سهمان. فلما بلغ أهل وادي خاص (١) الأموال القصوى (٢) وفيه من الأموال وحيدة وسلالم والكتيبة والوطيح - الذي صنع بأهل الشّق ونطاة، أرسلوا إليه فصالحوه على أنّ له كلّ شيء لهم إلا أنفسهم، وأن رسول الله ﷺ يخرجهم إذا أراد، فجعل على مثل ما جعل عليه أموال السّرير على ثمانية عشر سهما، وأعطى عليّا من ذلك سهما، وأعطى عباسا وعقيلا سهما سهما، وأطعم أزواجه سهمين، وسألت يهود رسول الله ﷺ أن يقرّهم بخيبر ويقاسمهم أموالهم على نصف ما يخرج منها، ففعل، على أنهم يكونون على ذلك ما بدا له، فإذا أراد أن يخرجهم أخرجهم فكانوا على عهد رسول الله ﷺ سهما لهم. وأعطى رسول الله ﷺ أزواجه الخمس، فكانوا على ذلك زمان النّبي ﷺ ، وأبي بكر ﵁، وبعض زمان عمر ﵁، ثم بدا له أن يخرجوهم (٣)، فأذن في الناس
стр. 202
أن تخرج اليهود من خيبر، وقاسم أموالهم، فخرج الناس معهم، وخرج يزيد بن ثابت (١) وجبّار بن صخر (٢) من بني سلمة، فقسّماها على الناس، وأجلى يهود إلى الشام، وزعم: أنه خيّر أزواج النّبي ﷺ فيما كان أجري عليهنّ، فقال: «من أحبّ منكن أن نعطيه من النخل ما يخرص (٣) مثل الذي أعطاه رسول الله ﷺ من التمر، ومن الزرع ما يكون فيه مثل ما أعطاه من الشعير، فيكون له أصولها وماؤها وأرضها». فأخذت عائشة ﵂ النخل. فلما ضرب السّهمان، ضرب في نطاة، فكان أوّل سهم خرج منها سهم الزّبير ﵁، وهو الخوع (٤) وتابعه السّرير (٥)، ثم كان سهم بني بياضة الثاني، ثم كان الثالث سهم أسيد (٦)، ثم كان الرابع سهم بني الحارث بن الخزرج،
стр. 203
ثم كان الخامس سهم ناعم لبني عوف (١) ومزينة وشركائهم.
ثم هبطوا إلى الشّقّ، فكان أوّل سهم خرج سهم عاصم بن عدي، ويزعمون أن سهم رسول الله ﷺ (٢) كان معه، ثم كان الذي يليه سهم عبد الرحمن بن عوف ثم كان الذي يليه سهم بني ساعدة، ثم كان الذي يليه سهم بني النجار، ثم كان الذي يليه سهم علي بن أبي طالب ﵁ مع كل رجل من هؤلاء الذين تخرج سهامهم مائة رجل - ثم كان الذي يليه سهم طلحة بن عبيد الله، ثم كان الذي يليه سهم بني سلمة عبيد وحرام (٣)، ثم كان الذي الذي يليه سهم ابني حارثة، وسهم لعبيد السهام (٤)، كان اشترى
стр. 204
من الناس، ثم كان الذي يليه آخر سهم فيها سهم اللّفيف، وجمعت إليه جهينة، فكان عدد أصحاب الحديبية ألفا وأربعمائة.
(خبر فدك)
حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا يحيى بن آدم، قال، حدثنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، وعبد الله ابن أبي بكر، عن بعض ولد محمد بن أبي سلمة قال: بقيت بقيّة من أهل خيبر تحصّنوا فسألوا رسول الله ﷺ أن يحقن دماءهم ويسيّرهم، ففعل، فسمع بذلك أهل فدك، فنزلوا على مثل ذلك، فكانت للنّبي ﷺ خالصة، لأنه لم يوجف (١) عليها بخيل ولا ركاب.
حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عبد العزيز عمران، عن إبراهيم بن حويّصة الحارثي، عن خاله معن بن جويّة، عن حسيل بن خارجة قال: بعث يهود فدك إلى رسول الله ﷺ حين افتتح خيبر: «اعطنا الأمان منك وهي لك» فبعث الهيم محيّصة بن حرام، فقبضها للنبي ﷺ ، فكانت له خاصة. وصالحه أهل الوطيح وسلالم من أهل خيبر على الوطيح وسلالم، وهي من أموال خيبر، فكانت له خاصة، وخرجت الكثيبة في الخمس، وهي مما يلي الوطيح وسلالم، فجمعت شيئا واحدا فكانت مما ترك رسول الله ﷺ من صدقاته، وفيما أطعم أزواجه.
стр. 205
قال محمد، وقال ابن إسحاق: لما فرغ رسول الله ﷺ من خيبر، قذف الله في قلوب أهل فدك حين بلغهم ما أوقع الله بأهل خيبر، فبعثوا إلى رسول الله ﷺ يصالحونه على النصف من فدك، فقدمت عليه (١) رسلهم بخيبر، أو بالطريق (٢)، أو بعدما قدم المدينة، فقبل ذلك منهم. فكانت فدك لرسول الله ﷺ خالصة؛ لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، فهي من صدقة رسول الله ﷺ ، فالله أعلم على النصف صالح أهلها أم عليها كلها، فكل ذلك قد جاءت به الأحاديث.
قال محمد بن يحيى، وكان مالك بن أنس، يحدث عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم: أن النبي ﷺ صالح أهل فدك على النصف له والنصف لهم، فلم يزالوا على ذلك حتى أخرجهم عمر بن الخطاب ﵁ وأجلاهم، فعرض لهم بالنصف الذي كان عوضا من إبل ورجال ونقد حتى أوفاهم قيمة نصف فدك عوضا ونقدا، ثم أجلاهم منها.
قال أبو غسان، وقال غير مالك: لما استخلف عمر ﵁ أجلى يهود خيبر، فبعث إليهم من يقوّم الأموال، فبعث أبا الهيثم بن التّيّهان (٣)، ..
стр. 206
وفروة بن عمرو (١)، وجبّار بن صخر، وزيد بن ثابت، فقوموا أرض فدك ونخلها، فأخذها عمر ﵁ ودفع إليهم قيمة النصف الذي لهم، وكان مبلغ ذلك خمسين ألف درهم. وقال بعض العلماء:
كان يزيد على ذلك شيئا، وكان ذلك من مال أتى عمر ﵁ من مال العراق، فأجلى عمر ﵁ أهل فدك إلى الشام.
حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن رجل، عن يحيى بن سعيد قال: كان أهل فدك أرسلوا إلى رسول الله ﷺ فبايعوه - على أن لهم رقابهم ونصف أرضهم، ولرسول الله ﷺ شطر أرضهم ونخلهم.
стр. 207
فلما أجلاهم عمر ﵁ بعث من أقام لهم حظّهم من النخل والأرض، ثم أدّاه إليهم، ثم أخرجهم.
(ذكر فاطمة والعباس وعلي ﵃، وطلب ميراثهم من تركة النبي ﷺ
حدثنا سويد بن سعيد، والحسن بن عثمان قالا، حدثنا الوليد بن محمد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂: أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ أرسلت إلى أبي بكر ﵁ تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ مما أفاء الله على رسوله، وفاطمة حينئذ تطلب صدقة النبي ﷺ التي بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر ﵁: إن رسول الله ﷺ قال:
«لا نورث، ما تركنا صدقة» إنما يأكل آل محمد في هذا المال (١)، وإني لا أغير شيئا من صدقة (٢) رسول الله ﷺ عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله ﷺ ، ولأعملن فيها بما عمل رسول الله ﷺ ؛ فأبى أبو بكر ﵁ أن يدفع إلى فاطمة ﵂ منها شيئا. فوجدت (٣)
стр. 208
فاطمة على أبي بكر ﵁ في ذلك، فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله ﷺ ستة أشهر.
فلما توفيت، دفنها (زوجها) (١) عليّ ليلا، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلى عليها علي ﵁.
حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂:
أن فاطمة والعباس ﵄ أتيا أبا بكر ﵁، يلتمسان ميراثهما من رسول الله ﷺ ، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك (وسهمه (٢) من خيبر فقال لهما أبو بكر ﵁: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال»، وإني والله لا أغيّر (٣) أمرا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه إلا صنعته.
قال: فهجرته فاطمة ﵂، فلم تكلمه في ذلك المال حتى ماتت.
حدثنا عمرو بن عاصم، وموسى بن إسماعيل قالا، حدثنا حماد بن سلمة، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن أم هانئ: أن
стр. 209
فاطمة ﵂ قالت لأبي بكر ﵁: من يرثك إذا متّ؟ قال: ولدي وأهلي. قالت: فما لك ترث رسول الله ﷺ دوننا؟ قال: يا بنت رسول الله، ما ورثت أباك دارا ولا مالا ولا ذهبا ولا فضّة. قالت: بلى، سهم الله الذي جعله لنا، وصافيتنا التي بفدك. فقال أبو بكر ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: «إنما هي طعمة أطعمنا الله، فإذا متّ كانت بين المسلمين».
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال، حدثنا محمد بن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل قال: أرسلت فاطمة ﵂ إلى أبي بكر ﵁ قالت: يا خليفة رسول الله، أنت ورثت رسول الله ﷺ أم أهله؟ قال: لا، بل أهله، قالت: فما بال سهم (١) رسول الله ﷺ ؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله إذا أطعم نبيا طعمة ثم قبضه جعله للذي يقوم (من (٢) بعده»، فرأيت أنا بعد أن أرده على المسلمين. قالت: أنت وما سمعت من رسول الله ﷺ أعلم.
حدثنا القعنبيّ قال، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عمر، وعن أبي سلمة: أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ أتت أبا بكر ﵁، فذكرت له ما أفاء الله على رسوله بفدك، فقال أبو بكر ﵁: إني سمعت النبي صلى الله
стр. 210
عليه وسلم يقول: «إن النبي لا يورث» (١)، من كان النبي يعوله فأنا أعوله، ومن كان ينفق عليه فأنا أنفق عليه. قالت يا أبا بكر:
أترثك بناتك ولا ترث رسول الله ﷺ بناته؟.
قال: هو ذاك.
حدثنا ابن أبي شيبة قال، حدثنا مالك بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن حميد الرواسي قال، حدثنا سليمان - يعني الأعمش - عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى بن عباس قال:
اختصم عليّ والعباس ﵄ إلى أبي بكر في ميراث رسول الله ﷺ ، فقال: ما كنت لأحوّله عن موضعه الذي وضعه فيه رسول الله ﷺ .
حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير قال، حدثنا فضيل ابن مرزوق قال، حدثني النميري بن حسان قال: قلت لزيد بن علي رحمة الله عليه وأنا أريد أن أهجّن أمر أبي بكر: إن أبا بكر ﵁ انتزع من فاطمة ﵂ فدك. فقال: إن أبا بكر ﵁ كان رجلا رحيما، وكان يكره أن يغيّر شيئا تركه رسول الله ﷺ ، فأتته فاطمة ﵂ فقالت: إن رسول الله ﷺ أعطاني فدك. فقال لها:
هل لك على هذا بيّنة؟ فجاءت بعليّ ﵁ فشهد لها، ثم جاءت بأم أيمن فقالت: أليس تشهد أني من أهل الجنة؟ قال:
بلى. - قال أبو أحمد: يعني أنها قالت ذاك لأبي بكر وعمر ﵄ قالت: فأشهد أنّ النبي ﷺ أعطاها فدك.
стр. 211
فقال أبو بكر ﵁: فبرجل وامرأة تستحقينها أو تستحقين بها القضية؟ قال زيد بن علي: وأيم الله لو رجع الأمر إلىّ لقضيت فيها بقضاء أبي بكر ﵁.
حدثنا عبد الله بن رجاء وأبو أحمد قالا، حدثنا إسرائيل، عن ابن إسحاق، عن عمرو بن الحارث - وأبو حذيفة قال، حدثنا سفيان، عن ابن إسحاق، عن عمرو بن الحارث أخي جويرية قال: ما ترك النبي ﷺ إلا سلاحه وبلغته البيضاء - قال أبو أحمد الشهباء - وأرضا جعلها صدقة.
حدثنا القعنبي قال، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن شقيق عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: ما ترك رسول الله ﷺ دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا، ولا أوصى بشيء.
حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا مسعر، عن عاصم، عن زر (١)، عن عائشة ﵂ قالت لإنسان: غيّر ميراث رسول الله ﷺ : سلني، فإن النبي ﷺ لم يدع دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة ولا شاة ولا بعيرا.
حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا مسعر، عن عدي بن ثابت، عن علي بن حسين، وعاصم، عن زر، عن عائشة ﵂ قالت: ما ترك النبي ﷺ دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة - وقال أحدهما: ولا شاة ولا بعيرا.
стр. 212
حدثنا محمد بن الصباح قال، حدثنا يحيى بن المتوكل أبو عقيل، عن كثير النّوى قال؟ قلت لأبي جعفر: جعلني الله فداك، أرأيت أبا بكر وعمر ﵄ هل ظلما كم من حقكم شيئا أو ذهبا به؟ قال: لا، والذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ما ظلمانا من حقّنا مثقال حبّة من خردل. قلت:
جعلت فداك، فأتولاهما؟ قال: نعم، ويحك تولّهما في الدنيا والآخرة، وما أصابك ففي عنقي. ثم قال: فعل الله بالمغيرة وتبيان؛ فإنهما كذبا علينا أهل البيت.
حدثنا عبد الله بن نافع، والقعنبي، عن مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: أراد أزواج النبي ﷺ لما توفي أن يأتين بعثمان ﵁ وقال القعنبي: أن يبعثن بعثمان - إلى أبي بكر ﵄ يسألنه ميراثهن، وقال القعنبي: ثمنهنّ، قالت عائشة ﵂:
أليس قد قال رسول الله ﷺ : «لا نورث، ما تركنا فهو صدقه».
حدثنا عبد الله بن نافع، والقعنبي، وبشر بن عمر، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: لا يقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي، فهو صدقة.
حدثنا الحزامي قال، حدثنا ابن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال، حدثني عبد الرحمن الأعرج، أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول، سمعت النبي ﷺ
стр. 213
يقول: «والذي نفسي بيده، لا يقتسم ورثتي شيئا مما تركت، ما تركته صدقة»، فكانت هذه الصدقة بيد عليّ ﵁ غلب العباس ﵁ عليها، وكانت فيها خصومتهما، فأبى عمر ﵁ أن يقسمها بينهما، حتى أعرض عنها العباس ﵁، وغلبه عليها عليّ ﵁. ثم كانت على يد حسن بن علي، ثم بيد حسين، ثم بيد علي بن حسين وحسن ابن حسن كلاهما يتداولانها، ثم بيد زيد بن حسين، وهي صدقة رسول الله ﷺ .
(خصومة علي والعباس ﵄ إلى عمر ﵁
حدثنا عثمان بن فارس قال، حدثنا يونس، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان (النّصري) (١): أن عمر بن الخطاب ﵁ دعاه يوما بعد ما ارتفع النهار، قال: فدخلت عليه وهو جالس على رمال سرير، ليس بينه وبين الرمال فراش، على وسادة أدم، فقال: يا مالك، إنه قد قدم من قومك أهل أبيات حضروا المدينة، وقد أمرت لهم برضخ (٢) فاقتسمه بينهم. فقلت:
يا أمير المؤمنين، مر بذلك غيري. قال: اقسمه أيها المرء. قال:
وبينهما نحن على ذلك، إذ دخل يرفأ فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن وسعد والزبير يستأذنون؟ قال: نعم. فأذن لهم،
стр. 214
قال: فلبث قليلا ثم قال: هل لك في علي والعباس يستأذنان؟ قال، نعم فأذن لهما، فلما دخلا قال عباس: يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذا - يعني عليّا - وهما يختصمان في الصوافي (١) التي أفاء الله على رسوله من أموال (٢) بني النضير، فاستبّ عليّ والعباس عند عمر، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر. فقال عمر ﵁: أنشدكما الله الذي بإذنه تقوم السماوات والأرض، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة» يعني نفسه؟ قالوا: قد قال ذلك. فأقبل عمر على العباس وعلى عليّ فقال:
أنشدكما الله، هل تعلمان ذلك؟ قالا: نعم. قال عمر: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله اختص رسوله في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره، قال الله : «ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (٣) فكانت هذه خاصة لرسول الله ﷺ ، فما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، لقد أعطاكموها وبثّها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله ﷺ ينفق على أهله (نفقة) (٤) سنتهم، ثم يأخذه
стр. 215
فيجعله مجعل مال الله، فعمل ذلك حياته. ثم توفّي، فقال أبو بكر ﵁: أنا وليّ رسول الله ﷺ ، وقد عمل فيها بما عمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ ، وأنتما حيّين - وأقبل على (عليّ) والعباس ﵄ تزعمان أن أبا بكر فيها ظالم فاجر، والله يعلم أنه فيها لصادق بار راشد تابع للحق. ثم توفّى الله أبا بكر ﵁، فقلت: أنا أولى الناس برسول الله ﷺ وبأبي بكر ﵁، فقبضتها سنتين - أو سنين - من إمارتي، أعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ ، وبمثل ما عمل فيها أبو بكر ﵁، وأقبل على عليّ والعباس ﵄، فتزعمان أني فيهما ظالم فاجر، والله يعلم أني لصادق بارّ راشد تابع للحق، ثم جئتماني وكلمتكما واحدة، وأمركما جميع، فجئتني - يعني العباس - تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا - يعني عليّا - يسألني نصيب امرأته من أبيها، فقلت لكما: إن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة»، فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت: إن شئتما أن أدفعه إليكما على أنّ عليكما عهد الله وميثاقه لتعملانّ فيها على ما عمل رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ وما علمت به وإلا فلا تكلمان، فقلتما:
ادفعها إلينا بذلك، فدفعتها إليكما بذلك، أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك؟، والله الذي باذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها بقضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنها فادفعاها إليّ، فأنا أكفيكماها.