فقال أبو بكر ﵁: فبرجل وامرأة تستحقينها أو تستحقين بها القضية؟ قال زيد بن علي: وأيم الله لو رجع الأمر إلىّ لقضيت فيها بقضاء أبي بكر ﵁.
حدثنا عبد الله بن رجاء وأبو أحمد قالا، حدثنا إسرائيل، عن ابن إسحاق، عن عمرو بن الحارث - وأبو حذيفة قال، حدثنا سفيان، عن ابن إسحاق، عن عمرو بن الحارث أخي جويرية قال: ما ترك النبي ﷺ إلا سلاحه وبلغته البيضاء - قال أبو أحمد الشهباء - وأرضا جعلها صدقة.
حدثنا القعنبي قال، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن شقيق عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: ما ترك رسول الله ﷺ دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا، ولا أوصى بشيء.
حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا مسعر، عن عاصم، عن زر (١)، عن عائشة ﵂ قالت لإنسان: غيّر ميراث رسول الله ﷺ : سلني، فإن النبي ﷺ لم يدع دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة ولا شاة ولا بعيرا.
حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا مسعر، عن عدي بن ثابت، عن علي بن حسين، وعاصم، عن زر، عن عائشة ﵂ قالت: ما ترك النبي ﷺ دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة - وقال أحدهما: ولا شاة ولا بعيرا.
стр. 212
حدثنا محمد بن الصباح قال، حدثنا يحيى بن المتوكل أبو عقيل، عن كثير النّوى قال؟ قلت لأبي جعفر: جعلني الله فداك، أرأيت أبا بكر وعمر ﵄ هل ظلما كم من حقكم شيئا أو ذهبا به؟ قال: لا، والذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ما ظلمانا من حقّنا مثقال حبّة من خردل. قلت:
جعلت فداك، فأتولاهما؟ قال: نعم، ويحك تولّهما في الدنيا والآخرة، وما أصابك ففي عنقي. ثم قال: فعل الله بالمغيرة وتبيان؛ فإنهما كذبا علينا أهل البيت.
حدثنا عبد الله بن نافع، والقعنبي، عن مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: أراد أزواج النبي ﷺ لما توفي أن يأتين بعثمان ﵁ وقال القعنبي: أن يبعثن بعثمان - إلى أبي بكر ﵄ يسألنه ميراثهن، وقال القعنبي: ثمنهنّ، قالت عائشة ﵂:
أليس قد قال رسول الله ﷺ : «لا نورث، ما تركنا فهو صدقه».
حدثنا عبد الله بن نافع، والقعنبي، وبشر بن عمر، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: لا يقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي، فهو صدقة.
حدثنا الحزامي قال، حدثنا ابن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال، حدثني عبد الرحمن الأعرج، أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول، سمعت النبي ﷺ
стр. 213
يقول: «والذي نفسي بيده، لا يقتسم ورثتي شيئا مما تركت، ما تركته صدقة»، فكانت هذه الصدقة بيد عليّ ﵁ غلب العباس ﵁ عليها، وكانت فيها خصومتهما، فأبى عمر ﵁ أن يقسمها بينهما، حتى أعرض عنها العباس ﵁، وغلبه عليها عليّ ﵁. ثم كانت على يد حسن بن علي، ثم بيد حسين، ثم بيد علي بن حسين وحسن ابن حسن كلاهما يتداولانها، ثم بيد زيد بن حسين، وهي صدقة رسول الله ﷺ .
(خصومة علي والعباس ﵄ إلى عمر ﵁
حدثنا عثمان بن فارس قال، حدثنا يونس، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان (النّصري) (١): أن عمر بن الخطاب ﵁ دعاه يوما بعد ما ارتفع النهار، قال: فدخلت عليه وهو جالس على رمال سرير، ليس بينه وبين الرمال فراش، على وسادة أدم، فقال: يا مالك، إنه قد قدم من قومك أهل أبيات حضروا المدينة، وقد أمرت لهم برضخ (٢) فاقتسمه بينهم. فقلت:
يا أمير المؤمنين، مر بذلك غيري. قال: اقسمه أيها المرء. قال:
وبينهما نحن على ذلك، إذ دخل يرفأ فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن وسعد والزبير يستأذنون؟ قال: نعم. فأذن لهم،
стр. 214
قال: فلبث قليلا ثم قال: هل لك في علي والعباس يستأذنان؟ قال، نعم فأذن لهما، فلما دخلا قال عباس: يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذا - يعني عليّا - وهما يختصمان في الصوافي (١) التي أفاء الله على رسوله من أموال (٢) بني النضير، فاستبّ عليّ والعباس عند عمر، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر. فقال عمر ﵁: أنشدكما الله الذي بإذنه تقوم السماوات والأرض، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة» يعني نفسه؟ قالوا: قد قال ذلك. فأقبل عمر على العباس وعلى عليّ فقال:
أنشدكما الله، هل تعلمان ذلك؟ قالا: نعم. قال عمر: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله اختص رسوله في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره، قال الله : «ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (٣) فكانت هذه خاصة لرسول الله ﷺ ، فما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، لقد أعطاكموها وبثّها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله ﷺ ينفق على أهله (نفقة) (٤) سنتهم، ثم يأخذه
стр. 215
فيجعله مجعل مال الله، فعمل ذلك حياته. ثم توفّي، فقال أبو بكر ﵁: أنا وليّ رسول الله ﷺ ، وقد عمل فيها بما عمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ ، وأنتما حيّين - وأقبل على (عليّ) والعباس ﵄ تزعمان أن أبا بكر فيها ظالم فاجر، والله يعلم أنه فيها لصادق بار راشد تابع للحق. ثم توفّى الله أبا بكر ﵁، فقلت: أنا أولى الناس برسول الله ﷺ وبأبي بكر ﵁، فقبضتها سنتين - أو سنين - من إمارتي، أعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ ، وبمثل ما عمل فيها أبو بكر ﵁، وأقبل على عليّ والعباس ﵄، فتزعمان أني فيهما ظالم فاجر، والله يعلم أني لصادق بارّ راشد تابع للحق، ثم جئتماني وكلمتكما واحدة، وأمركما جميع، فجئتني - يعني العباس - تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا - يعني عليّا - يسألني نصيب امرأته من أبيها، فقلت لكما: إن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة»، فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت: إن شئتما أن أدفعه إليكما على أنّ عليكما عهد الله وميثاقه لتعملانّ فيها على ما عمل رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ وما علمت به وإلا فلا تكلمان، فقلتما:
ادفعها إلينا بذلك، فدفعتها إليكما بذلك، أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك؟، والله الذي باذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها بقضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنها فادفعاها إليّ، فأنا أكفيكماها.
стр. 216
حدثنا إسحاق بن إدريس قال، عبد الله بن المبارك قال، حدثني يونس، عن الزهري قال، حدثنا مالك بن أوس بن الحدثان بنحوه، قال: فذكرته لعروة قال: صدق مالك بن أوس، أنا سمعت عائشة ﵂ تقول: أرسل أزواج النبي ﷺ عثمان بن عفان ﵁ إلى أبي بكر ﵁ يسأل لهن ميراثهنّ مما أفاء الله على رسوله، حتي كنت أنا رددتهن عن ذلك، فقلت: ألا تتقين الله؟ ألم تعلمن أن رسول الله ﷺ كان يقول: «لا نورث، فما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال»؟ فانتهى أزواج رسول الله ﷺ إلى ما أمرتهنّ.
حدثنا ابن أبي الوزير، قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: بعث إلىّ عمر ﵁، فأتيته فوجدته جالسا على رمال، فقال: يا مالك، إنه قد دفّ على دواف (١) من قومك، فخذ هذا المال فأقسمه بينهم، فقلت: لو أمرت بذلك غيري: فقال: خذه أيها الرجل، فقال: فبينما أنا عنده إذا يرفأ فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد - قال سفيان:
خمسة أو أربعة - فقال: ائذن لهم. فلم يلبث أن أتاه فقال:
هل لك في علي وعباس؟ فقال: ائذن لهما، فدخلا، فقال القوم:
يا أمير المؤمنين افصل بينهما وارحمهما، فقال: إن أموال بني
стр. 217
النضير كانت مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكان ينفق على أهله منه نفقة سنته، وما بقي منه جعله عدة في سبيل الله، في السلاح والكراع (١).
حدثنا ابن أبي شيبة، قال، حدثنا ابن عابد، عن أيوب، عن عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: جاء العباس وعليّ ﵄ إلى عمر ﵁ يختصمان، فقال العباس: اقض بيني وبين هذا، لكذا وكذا، فقال الناس:
افصل بينهما، افصل بينهما، فقال: لا أفصل بينهما؛ قد علما أن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة» (٢).
حدثنا سعيد، عن عمرو بن مرّة، عن أبي البختري قال:
جاء العباس وعليّ ﵄ إلى عمر ﵁ وهما يختصمان فقال عمر ﵁ لطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد: أنشدكم الله، أسمعتم النبي ﷺ يقول: «كل مال (٣) نبيّ فهو صدقة إلا ما أطعمه أهلنا، إنّا لا نورث»؟ قالوا: نعم. قال:
فكان رسول الله ﷺ يتصدق به ويضع فضله في أهله ما كان رسول الله ﷺ يضع، وأنتما تقولان: إنه كان بذلك خاطئا وكان بذلك ظالما! وكان بذلك مصيبا راشدا.
ثم توفّي أبو بكر ﵁ فقلت لكما: إن شئتما قبلتماه على
стр. 218
عمل رسول الله ﷺ وعهده الذي عهد فيه، فأبيتما، ثم جئتماني الآن تختصمان، يقول هذا: أريد نصيبي من ابن أخي، ويقول هذا: أريد نصيبي من امرأتي!! والله لا أقضي بينكما إلا بذاك.
حدثنا عمرو بن مرزوق قال، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال، سمعت أبا الضرير قال: سمعت حديثا من رجل فأعجبني، فاشتهيت أن أكتبه فقلت: اكتبه لي، فأتى به مكتوبا مدثّرا فذكر نحو حديث يحيى بن جبير، قال: لما توفي أبو بكر ﵁:
أرسلت إليكما وأنتما لا تختصمان فقلت لكما.
حدثنا محمد بن يحيى، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂: أن أزواج النّبي ﷺ أرسلن عثمان ﵁ إلى أبي بكر ﵁، فذكر الحديث، قال عروة: وكانت فاطمة ﵂ سألت أبا بكر ﵁ ميراثها مما ترك النّبي ﷺ فقال لها: بأبي أنت وأمي، وبأبي أبوك وأمي ونفسي، إن كنت سمعت من رسول الله ﷺ شيئا أو أمرك بشيء لم أتبع غير ما تقولين وأعطيتك ما تبغين، وإلاّ فإني أتبع ما أمر به، قال:
فأما صدقة رسول الله ﷺ بالمدينة، فدفعها عمر بن الخطاب ﵁ إلى العباس وعليّ ﵄، فغلبه عليّ ﵁ عليها. وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر ﵁، وهما صدقتا النبي ﷺ كانت لحقوقه التي تعروه ونوائبه، فأمرهما إليّ وإليّ الأمر، وهما على ذلك.
стр. 219
حدثنا هشام بن عبد الملك قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن معمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس، عن عمر ﵁ قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، وكان يحبس قوت سنة، ثم يجعل ما فضل بعد ذلك في السلاح والكراع عدّة في سبيل الله (١).
حدثنا محمد بن يحيى قال (٢)، حدثني عبد العزيز بن عمران، عن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله الأنصاري، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: سمعت عمر ﵁ يقول للعباس وعليّ وعبد الرحمن بن عوف والزّبير وطلحة: أنشدكم الله، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث معشر الأنبياء، ما تركنا صدقة»؟ قالوا: اللهم نعم.
قال: أنشدكم الله، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ كان يدّخر قيتة أهله لسنة من صدقاته، ثم يجعل ما بقي في بيت المال؟ قالوا: اللهمّ نعم. قال: فلمّا توفي رسول الله ﷺ قبضها أبو بكر ﵁، فجئت، يا عبّاس، تطلب ميراثك من ابن أخيك، وجئت، يا علي تطلب ميراث زوجتك من أبيها، فزعمتما أن أبا بكر ﵁ كان فيها خائنا فاجرا، والله يعلم
стр. 220
لقد كان برّا مطيعا تابعا للحق، ثم توفي أبو بكر ﵁ فقبضتها، فجئتماني، تطلب ميراثك، يا عباس، من ابن أخيك، وتطلب ميراث زوجتك، يا علي، من أبيها، وزعمتما أني فيها غادر، فاجر، والله يعلم أني فيها برّ مطيع تابع للحق، فأصلحا أمركما، وإلا لم يرجع والله إليكما. فقاما وتركا الخصومة وأمضيت صدقة.
قال أبو غسان، فحدثنا عبد الرزاق الصنعاني، عن معمر، عن ابن شهاب، عن مالك، بنحوه - قال في آخره: فغلبه عليّ ﵁ عليها، فكانت بيد عليّ ﵁، ثم كانت بيد الحسن، ثم الحسين، ثم عليّ بن الحسين، ثم حسن بن حسن، ثم بيد زيد بن حسن، رضوان الله عليهم.
حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا صدقة بن عمرو، عن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي بكر، عن يزيد الرّقاشي، عن أنس بن مالك ﵁:
أن فاطمة ﵂ أتت أبا بكر فقالت: قد علمت الذي طلقنا عنه من الصدقات أهل البيت، وما أفاء الله علينا من الغنائم، ثم في القرآن من حقّ ذي القربى - ثم قرأت عليه: «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ» (١) إلى تمام الآية والآية التي بعدها:
«ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى» إلى قوله: «وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» (٢). فقال لها أبو بكر ﵁: بأبي أنت
стр. 221
وأمّي ووالد ولدك، وعلى السّمع والبصر كتاب الله وحقّ رسول الله ﷺ وحقّ قرابته، وأنا أقرأ من كتاب الله الذي تقرئين ولم يبلغ علمي فيه أن الذي قرأ رسول الله ﷺ هذا هذا السّهم كله من الخمس يجري بجماعته عليهم. قالت: أفلك هو ولأقربائك؟ قال: لا، وأنت عندي أمينة مصدّقة، فإن كان رسول الله ﷺ عهد إليك في ذلك عهدا، أو وعدك موعدا أوجب لك حقّا صدّقتك وسلّمته إليك. قالت: لم يعهد إليّ في ذلك بشيء إلا ما أنزل الله ﵎ فيه القرآن، أن رسول الله ﷺ حين أنزل عليه ذلك فقال: «أبشروا آل محمد، فقد جاءكم الغنى» قال أبو بكر ﵁ صدقت فلكم الغنى، ولم يبلغ علمي فيه ولا هذه الآية إلى أن يسلّم هذا السهم كله كاملا، ولكن الغنى الذي يغنيكم ويفضل عنكم، وهذا عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وغيرهما فاسأليهم عن ذلك، فانظري هل هل يوافق على ذلك أحد منهم؟ فانصرفت إلى عمر ﵁، فذكرت له مثل الذي ذكرت لأبي بكر بقصته وحدوده، فقال لها مثل الذي كان (١) راجعها به أبو بكر ﵁، فعجبت فاطمة، وظنّت أنهما قد تذاكرا ذلك واجتمعا عليه.
حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا إسماعيل - يعني ابن عياش - عن محمد بن السائب، عن أبي صالح مولى أمّ هانئ عن فاطمة ﵂ قالت: دخلت على أبي بكر ﵁ بعد ما استخلف. فقلت: يا أبا بكر، أرأيت
стр. 222
إن متّ اليوم من كان يرثك؟ قال: ولدي وأهلي. قلت: فلم ترث رسول الله ﷺ دون ولده وأهله؟ قال: ما فعلت، بنت رسول الله ﷺ . قلت: بلى، عمدت إلى فدك - وكانت صافية لرسول الله ﷺ فأخذتها، وعمدت إلى ما أنزل من السماء فرفعته هنا. قال: بنت رسول الله لم أفعل؛ حدثني رسول الله ﷺ : أن الله ﵎ يطعم النّبيّ الطّعمة ما كان حيّا، فإذا قبضه الله رفعت، قلت: أنت ورسول الله أعلم، ما أنا بسائلتك بعد مجلسي هذا (١).
حدثنا هارون بن عمر قال، حدثني الوليد قال، حدثني ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: أرادت فاطمة أبا بكر ﵄ على فدك وسهم ذي القربى فأبى عليها، وجعله في مال الله، وأعطى فاطمة ﵂ نخلا يقال له: الأعواف (٢) مما كان لرسول الله ﷺ .
حدثنا أحمد بن إبراهيم قال، حدثنا عباد بن العوام قال، حدثنا هلال بن خبّاب،، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: مات - والله - رسول الله ﷺ ولم يترك دينارا
стр. 223
ولا درهما ولا عبدا ولا أمة، ترك درعه التي كان يقاتل فيها رهنا (١).
حدثنا عبيد الله بن محمد بن عائشة (٢) قال، حدثنا سلام أبو المنذر قال، حدثنا عبد الملك بن أيوب النميري، ودفع إلىّ صحيفة زعم أنها رسالة عمر بن عبد العزيز؛ كتب بها إلى رجل من قريش: «أمّا بعد، فإن الله ﵎ أنزل القرآن على محمد هدى وبصائر لقوم يؤمنون، فشرع الهدى ونهج السبيل، وصرّف القول، وبين ما يؤتى مما ينال به رضوانه وينتهى به عن معصيته، وأحلّ حلاله وحرم حرامه، فجعله ضيّقا مرغوبا عنه مسخوطا على أهله، وجعل ما أحلّ من الغنائم، وبسط لهم منها ولم يحظره عليهم كما ابتلى به أهل النبوّة والكتاب من قبلهم، فكان من ذلك ما نفّل نبي الله ﷺ خاصة مما غنمه من أموال قريظة والنّضير،
стр. 224
إذ يقول حميد: هو: «وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ» حتى بلغ:
«وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (١) فكانت تلك الأموال خالصة لرسول الله ﷺ لم يجب لأحد فيها خمس ولا مغنم، إذ تولّى رسول الله أمرها على ما يلهمه الله من ذلك ويأذن له به، لم يضربها رسول الله ﷺ ، ولم يحزها لنفسه ولا أقربائه، ولكنه آثر بأوسعها وأعمرها وأكثرها نزلا أهل العدم من المهاجرين «الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَ رِضْواناً وَ يَنْصُرُونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ»، وقسم طوائف منها في أهل «الحاجة» (٢) من الأنصار، واحتبس منها فريقا لنوائبه وحقه وما يعروه غير معتقد لشيء من ذلك ولا مستأثر به ولا بموته أن يؤثر به أحدا، ثم جعله صدقة لا تراث لأحد فيه، زهادة في الدنيا ومحقرة لها، وإيثارا لما عند الله، فهذا لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب. وأما الآية التي في تفسيرها اختلاف في قول الفقهاء قول الله: «ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى» إلى قوله: «وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» (٣)، ثم أخبر بعد ذلك لهن ذلك، فوصفهم وسماهم ليكون ذلك فيهم وفيمن بعدهم، لا يكون ذلك إلا لهم وفيهم، فأما قوله: «فَلِلّهِ» (٤) فإن الله ﵎ غني عن الدنيا وأهلها وما فيها
стр. 225
وله ذلك كلّه ولكنه يقول لله في سبله التي أمر بها. وأما قوله:
«وَ لِلرَّسُولِ» فإن رسول الله ﷺ لم يأخذ من المغنم إلا كحظّ الرجل الواحد من المسلمين، ولكنه يقول: لرسول الله قسمه والعمل به والحكم فيه. وأما قوله: «وَ لِذِي الْقُرْبى» فقد ظن ناس أن لذي القربى سهما مفروضا يبينه الله كما بيّن سهام المواريث من النصف والربع والثمن والسدس، ولما خص حظّهم من ذلك غنى ولا فقر ولا صلاح ولا جهل ولا قلة عدد ولا كثرة، ولكن رسول الله ﷺ قد بين لهم شيئا من ذلك مما أفاء الله عليهم من العطاء والسبي والعرض والصامت (١)، ولكن لم يكن في ذلك سهم مفروض حتي قبض الله نبيّه، غير أنه قد قسم لهم ولنسائه يوم خيبر قسما لم يعمهم عامتهم، ولم يخص به قريبا دون من هو أحوج منه، ولقد كان يومئذ ممن أعطى من هو أبعد قرابة لمّا شكوا إليه من الحاجة، لمن كان منهم ومن قومهم في حياته، ولو كان ذلك مفروضا لم يقطعه عنهم أبو بكر ولا عمر ﵄، وبعد ما وسع ركنه - ولا أبو حسن - يعني عليّا - حين ملك ما ملك. ولم يكن عليه فيه قائل، فهلا أعلمتم من ذلك أمرا يعمل به فيهم ويعرف لهم بعد؟ ولو كان ذلك مفروضا لم يقل الله: «كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم» ولكنه يقول: لذي القربى بحقهم، وقرابتهم في الحاجة، والحق النازل اللازم، وكحق المسكين في مسكنه، فإذا استغنى فلا (٢) حق له، وكحق ابن السبيل في سفره وضرورته،
стр. 226
فإذا أصاب غنى فلا حق له ويرد ذلك على (ذوي) (١) الحاجة، لم يكن رسول الله وصالح الذين اتّبعوه ليقطعوا سهما فرضه الله وجنّبه رسول الله ﷺ لقربى نبيّه ﷺ ، لا يؤتونهم إيّاه، ولا يقومون بحق الله لهم فيه، كما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأحكام القرآن، فقد أمضوا عطايا في أفناء الناس وإن بعضهم على غير الإسلام.
وأما الخمس، فإنها بمنزلة المغنم إلاّ أن الله وسّع لنبيّه أن يوسّع على ذوي القرابة في مواضع قد سمّى له بغير سهم مفروض، فقد أفاء الله سبيا فأخدم فيه ناسا وترك ابنته، وكلها إلى ذكر الله والتسبيح، فلا أعظم منها حقا وقرابة، ولو قسم هذا الخمس والمغنم على قول من يقول هذا القول، لكان ذلك حيفا على المسلمين، واغترافا لما في أيديهم، ولا يقبل قسم ذلك فيمن يدّعي فيه الولاية والقرابة والنسب، ولا دخلت فيه سهمان العصبيّة والنساء وأمهات الأولاد، ولدى من تفقّه في الدين أن ذلك غير موافق لكتاب الله، قال الله لنبيه: «قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ» (٢)، وقال:
«قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ» (٣)، ومع قول الأنبياء صلوات الله عليهم لأممهم قبل ذلك، وما كان رسول الله ﷺ ليدع سهما فرضه الله لنفسه ولأقربائه لآخر الناس، ولا لخلوف بعده، فقد سئل نساء بني سعد بن بكر (٤)، فتحلّل
стр. 227
المسلمين من سباياهم، فقد كانوا فيئا، ففكّهم النّبي ﷺ وأطلقهم، لما ولوا من الرّضاعة، بغير سهم مفروض، وقال يومئذ، وهو يسأل من أنعامهم، وتعلق رداؤه بشجرة: ردّوا عليّ ردائي، فلو كان لكم مثل عدد سمرها (١) نعما لقسمته بينكم، وما أنا بأحقّ بهذا الفيء منكم بهذه الوبرة آخذها من كاهل البعير»، ففي هذا بيان عن مواضع الفيء ووصيّة رسول الله.
فأما الصدقات فإنه جعلها زكاة وطهورا لعباده، ليعلم بذلك صبرهم وإيمانهم بما فرض عليهم، فنادي به إلى نبيه فقال: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها» (٢)، ولم يقل: خذها لنفسك ولقرباك، مع أن الصدقة لا تحلّ لنبيّ ولا أهل بيته، ولا حق فيها لغنيّ ولا لقويّ مكتسب. قال: فقال الله: «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها» إلى قوله: «وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (٣) فهذه مواضع الصدقات، حيوانها وثمارها وصامتها. ثم فرض الله وسنّ نبيّه ﷺ ، وكتب فيها إلى الآفاق، وجمع بينها وبين الصلاة فقال أبو بكر بن أبي قحافة ﵁ وقد قال مرتد والعرب: نقيم الصّلاة ولا نؤتي الزكاة -: لا أفرق بين ما جمع الله بينه، ولأقاتلنّ من فرّق بينهما طيّبة بذلك نفسي. وما لأحد أن يتخيّر وأن يتحكّم فيما نطق به كتاب الله. مع أنه قد تألف النّبيّ ﷺ يوم حنين رؤساء من رؤساء العرب، فقال العباس بن مرداس في ذلك ما قال، فرأى رسول الله صلى الله عليه
стр. 228
وسلم أنه قال: «الله يفرغ بعضه في حوض بعض، ويسد بعضه مكان بعض. وما سهمان الصدقة إلاّ في مواضع الحاجة فيمن سمّى الله ووصف، لو لم يكن أهل ذلك يستوجبونه إلا من صنف واحد، لم يكن على ولي الأمر أن يصرفه عنهم إلى غيرهم، ولا يحل له أن أن يعطي أحدا لشرفه ولا لغناء ولا لدلّة، وأولى الناس بها ممن قبضت عنه الصدقة، يعلمه من تفقّه في الدين وقرأ القرآن. والسلام عليك ورحمة الله.
حدثنا ابن أبي شيبة قال، حدثنا مالك بن إسماعيل، قال حدثنا عبد الرحمن بن حميد الرواسي قال، حدثنا سليمان - يعني الأعمش - عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس قال:
اختصم عليّ والعباس ﵄ في ميراث رسول الله ﷺ إلى أبي بكر ﵁ فقال: ما كنت لأحوّله عن موضعه الذي وضعه فيه رسول الله ﷺ .
حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضّحاك، عن الحسن ابن محمد بن علي: أن أبا بكر ﵁ جعل سهم ذي القربى في سبيل الله، في الكراع والسلاح.
حدثنا حبان بن هلال قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي: أرأيت حين ولّي عليّ العراقين وما ولي من أمر الناس، كيف صنع في سهم ذي القربى؟ قال: سلك به طريق أبي بكر وعمر ﵄.
قلت: وكيف؟ ولم؟ وأنتم تقولون؟. قال: أم والله ما كان أهله يصدرون إلاّ عن رأيه. قلت: فما منعه؟ قال: كان والله يكره أن يدّعى عليه خلاف أبي بكر وعمر ﵄.
стр. 229
قال أبو غسان: صدقات النّبي ﷺ اليوم في يد الخليفة يولّي عليها ويعزل عنها، ويقسم ثمرها وغلّتها في أهل الحاجة من أهل المدينة على قدر ما يرى من هي في يده من الوكلاء فيها.
حدثنا هارون بن عمير قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، أخبرني سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: ألم تر حجرا المدري (١) حدثني: أن في صدقة رسول الله ﷺ :
أن ينفق على نسائه بالمعروف غير المنكر.
(ذكر صدقات أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين وغيرهم)
(صدقة العباس بن عبد المطلب ﵁
قال أبو غسان: تصدّق العباس بن عبد المطلب ﵁ بحلّ (٢) له كان بينبع على عين يقال لها «عين جسّاس» على شراب زمزم، فذلك الحق (٣) يقال له «السقاية» لأنه تصدّق به على زمزم، وهو الثّمن من تلك العين، وهو اليوم بيد الخليفة يوكّل به.
стр. 230
(صدقة عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ﵄
وتصدق عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ﵄ بمال بالصّهوة، وهو موضع بين معن وبير حوزة على ليلة من المدينة، وتلك الصدقة بيد الخليفة يوكّل بها.
(صدقات عليّ بن أبي طالب ﵁
حدثنا محمد بن يحيى قال، أخبرني عبد العزيز بن عمران، عن واقد بن عبد الله الجهني، عن عمّه، عن جده كشد بن مالك (الجهني) (١) قال: نزل طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد ﵄ عليّ بالمنحار (٢) - وهو موضع بين حوزة السفلى وبين منحوين، على طريق التجار في الشام - حين بعثهما رسول الله ﷺ يترقّبان له عن عير أبي سفيان، فنزلا على كشد فأجارهما.
فلما أخذ رسول الله ينبع، قطعها لكشد، فقال: يا رسول الله، إني كبير، ولكن اقطعها لابن أخي. فقطعها له، فابتاعها منه عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري بثلاثين ألف درهم، فخرج عبد الرحمن إليها فرمى بها وأصابه سافيها (٣) وريحها، فقدرها، وأقبل راجعا، فلحق عليّ بن أبي طالب ﵁ بمنزل وهي بليّة دون ينبع فقال: من أين جئت؟ فقال من ينبع،
стр. 231
وقد شنفتها (١)، فهل لك أن تبتاعها؟ قال. على: قد أخذتها بالثمن، قال: هي لك. فخرج إليها علي ﵁، فكان أول شيء عمله فيها البغيبغة (٢) وأنفذها.
قال أبو غسان، وأخبرني عبد العزيز بن عمران، عن سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: بشّر علي ﵁ بالبغيبغة حين ظهرت، فقال: تسر الوارث. ثم قال:
هي صدقة على المساكين وابن السبيل وذي الحاجة الأقرب (٣).
حدثنا القعنبي قال، حدثنا سليمان بن بلال، عن جعفر، عن أبيه: أن عمر ﵁ قطع لعلي ﵁ ينبع، ثم اشترى علي ﵁ إلى قطيعة عمر أشياء فحفر فيها عينا، فبينما هم يعملون فيها إذ انفجر عليهم مثل عنق الجزور من الماء، فأتي علي ﵁ فبشّر بذلك، فقال: يسر الوارث. ثم تصدّق بها على الفقراء والمساكين، وفي سبيل الله، وأبناء السبيل القريب والبعيد، في السلم والحرب، ليوم تبيضّ فيه وجوه وتسودّ وجوه، ليصرف الله بها وجهي عن النار، ويصرف النار عن وجهي.
стр. 232
حدثنا محمد بن بن يحيى قال، حدثنا عبد العزيز بن عمران قال، أخبرني ابن لحفص بن عمر مولى علي، عن أبيه، عن جده قال: لما أشرف عليّ ﵁ على ينبع فنظر إلى جبالها قال: لقد وضعت على نقى من الماء عظيم (١).
قال، وقال ابن أبي أبي يحيى، عن محمد بن كعب القرظي، عن عمار بن ياسر ﵄، في حديث ساقه قال: أقطع النبي ﷺ عليّا ﵁ بذي العشيرة من ينبع، ثم أقطعه عمر ﵁ بعد ما استخلف إليها قطيعة، واشترى عليّ ﵁ إليها قطعة، وحفر بها عينا، ثم تصدق بها على الفقراء والمساكين وابن السبيل؛ القريب والبعيد، وفي الحياة والسلم والحرب، ثم قال: صدقة لا توهب ولا تورث، حتى يرثها الله الذي يرث الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين.
قال: وقد جاء في الحديث الأول أن عليا ﵁ اشتراها فالله أعلم أي ذلك كان.
قال وكانت أموال عليّ ﵁ عيونا متفرقة بينبع، منها عين يقال لها «عين البحير»، وعين يقال لها «عين أبي نيزر» (٢)، وعين يقال لها «عين نولا»، وهي اليوم تدعي العدر وهي التي يقال لها أن عليا ﵁ عمل فيها بيده، وفيها مسجد النبي
стр. 233
ﷺ متوجهة إلى ذي العشيرة يتلقى عير قريش (١).
وفي هذه العيون أشراب بأيدي أقوام، زعم بعض الناس أن ولاة الصدقة أعطوهم إياها، وزعم الذين هي بأيديهم أنها ملك لهم، إلا «عين نولا» فإنها خالصة، إلا نخلات فيها بيد امرأة يقال لها «بنت يعلى»، مولى علي بن أبي طالب ﵁.
وعمل علي ﵁ أيضا بينبع «البغيبغات» وهي عيون منها عين يقال لها «خيف (٢) الأراك» ومنها عين يقال لها «خيف (٣) ليلى» ومنها عين يقال لها «خيف بسطاس» (٤)، فيها خليج من النخل مع العين. وكانت البغيبغات مما عمل عليّ ﵁ وتصدّق به، فلم تزل في صدقاته حتى أعطاها حسين بن علي عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب، يأكل ثمرها، ويستعين بها على دينه ومؤونته على ألا يزوّج ابنته يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فباع عبد الله تلك العيون من معاوية ﵁، ثم قبضت حتى ملك بنو هاشم الصّوافي، فكلم فيها عبد الله بن حسن بن حسن أبا العباس، وهو خليفة، فردّها في صدقة عليّ ﵁، فأقامت في صدقته حتي قبضها أبو جعفر في خلافته، وكلم فيها الحسن بن زيد المهديّ حين استخلف وأخبره خبرها، فكتب إلى زفر بن عاصم الهلالي، وهو والي المدينة، فردّها مع صدقات عليّ ﵁.
стр. 234
ولعلي ﵁ أيضا ساقى على عين يقال لها «عين الحدث» بينبع وأشرك على عين يقال لها «العصيبة» موات بينبع.
وكان له أيضا صدقات بالمدينة: «الفقيرين» (١) بالعالية، و «بئر الملك» بقناة، و «الأدبية» بالإضم (٢)، فسمعت أن حسنا أو حسينا بن علي باع ذلك كله فيما كان من حربهم، فتلك الأموال اليوم متفرقة في أيدي ناس شتى.
ولعلي ﵁ في صدقاته «عين ناقة» بوادي القرى يقال لها «عين حسن» بالبيرة من العلا. كانت حديثا من الدهر بيد عبد الرحمن بن يعقوب بن إبراهيم بن محمد بن طلحة التيمي، فخاصمه فيها حمزة بن حسن بن عبيد الله بن العباس بن علي - بولاية أخيه العباس بن حسن - الصّدقة حتي قضى لحمزة بها، وصارت في الصدقة.
وله بوادي القرى أيضا عين موات خاصم فيها أيضا حمزة ابن حسن بولاية أخيه العباس رجلين من أهل وادي القرى، كانت بأيديهما يقال لهما «مصدر كبير مولى حسن بن حسن»، و «مروان
стр. 235
ابن عبد الملك بن خارست»، حتى قضى حمزة بها، فصارت في الصدقة.
ولعلي رضي الله (عنه) أيضا حق على عين سكر.
وله أيضا ساقيّ على عين بالبيرة وهو في الصدقة.
وله بحرّة الرجلاء (١) من ناحية شعب زيد واد يدعى الأحمر، شطره في الصدقة، وشطره بأيدي آل منّاع من بني عدي، منحة من عليّ، وكان كله بأيديهم حتى خاصمهم فيه حمزة بن حسن، فأخذ منهم نصفه.
وله أيضا بحرّة الرّجلاء واد يقال له «البيضاء» فيه مزارع وعفا (٢) وهو في صدقته.
وله أيضا بحرّة الرجلاء أربع آبر يقال لها «ذات كمات»، و «ذوات العشراء» و «قعين» و «معيد» و «رعوان» فهذه الآبر في صدقته.
وله بناحية فدك واد بين لابتي (٣) حرة يدعى «رعية» فيه
стр. 236
نخل ووشل (١) من ماء يجري على سقا بزرنوق (٢) فذلك في صدقته.
وله أيضا بناحية فدك واد يقال له «الأسحن»، وبنو فزارة تدعي فيه ملكا ومقاما، وهو اليوم في أيدي ولاة الصدقة في الصدقة.
وله أيضا ناحية فدك مال بأعلى حرة الرجلاء يقال له «القصيبة» (٣)، كان عبد الله بن حسن بن حسن عامل عليه بني عمير مولى عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب، على أنه إذا بلغ ثمره ثلاثين صاعا بالصاع الأول فالصدقة على الثلث، فإذا انقرض بنو عمير فمرجعه إلى الصّدقة، فذلك اليوم على هذه الحال بأيدي ولاة الصدقة.
قال أبو غسان: وهذه نسخة كتاب صدقة علي بن أبي طالب ﵁ حرفا بحرف نسختها على نقصان هجائها وصورة كتابها، أخذتها من أبي، أخذها من حسن بن زيد.
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أمر به وقضى به في ماله عبد الله عليّ أمير المؤمنين، ابتغاء وجه الله ليولجني الله به الجنة، ويصرفني عن النار ويصرف النار عني يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه. أن ما كان لي بينبع من ماء يعرف لي فيها وما حوله صدقة ورقيقها غير أن رباحا وأبا نيزر
стр. 237
وجبير أعتقناهم (١)، ليس لأحد عليم سبيل، وهم مواليّ يعملون في الماء خمس حجج، وفيه نفقتهم ورزقهم ورزق أهليهم. ومع ذلك ما كان بوادي القرى، ثلثه مال ابني قطيعة (٢)، ورقيقها صدقة، وما كان لي (بواد) (٣) ترعة (٤) وأهلها صدقة، غير أي زريقا له مثل ما كتبت لأصحابه. وما كان لي بإذنية وأهلها صدقة. والفقير لي كما قد علمتم صدقة في سبيل الله. وأن الذي كتبت من أموالي هذه صدقة وجب فعله حيّا أنا أو ميّتا ينفق في كل نفقة ابتغى به وجه الله من سبيل (الله) (٥) ووجهه وذوي الرحم من بني هاشم، وبني المطلب والقريب والبعيد، وأنه يقوم على ذلك حسن بن علي، يأكل منه بالمعروف وينفق حيث يريه الله في حل محلل لا حرج عليه فيه، وإن أراد أن يندمل (٦) من الصدقة مكان ما فاته يفعل إن شاء الله لا حرج عليه فيه، وإن أراد أن يبيع من الماء فيقضي به الدّين فليفعل إن شاء لا حرج عليه فيه، وإن شاء جعله يسير إلى ملك، وإن ولد عليّ وما لهم إلى حسن بن علي، وإن كان دار حسن غير دار الصدقة فبدا له أن يبيعها، فإنه يبيع إن شاء لا حرج
стр. 238
عليه فيه، فإن يبع فإنه يقسم منها ثلاثة أثلاث، فيجعل ثلثه في سبيل الله، ويجعل ثلثه في بني هاشم وبني المطلب، ويجعل ثلثه في آل أبي طالب، وأنه يضعه منهم حيث يريه الله. وإن حدث بحسن حدث وحسين حيّ، فإنه إلى حسين بن عليّ، وأن حسين بن علي يفعل فيه مثل الذي أمرت به حسنا؛ له منها مثل الذي كتبت لحسن منها، وعليه فيها مثل الذي على حسن، وإن لبني فاطمة من صدقة عليّ مثل الذي لبني علي، وإني إنما جعلت الذي جعلت إلى ابني فاطمة ابتغاء وجه الله وتكريم حرمة محمد وتعظيما وتشريفا ورجاء بهما، فإن حدث لحسن أو حسين حدث، فإن الآخر منهما ينظر في بني علي، فإن وجد فيهم من يرضى بهديه وإسلامه وأمانته فإنه يجعله إن شاء، وإن لم ير فيهم بعض الذي يريد، فإنه يجعله إلى رجل من ولد أبي طالب يرضاه، فإن وجد آل أبي طالب يومئذ قد ذهب كبيرهم وذوو رأيهم وذوو أمرهم، فإنه يجعله إلى رجل يرضاه من بني هاشم، وإنه يشترط على الذي يجعله إليه أن ينزل الماء على أصوله، ينفق تمره حيث أمر به من سبيل الله ووجهه، وذوي الرحم من بني هاشم، وبني المطلب، والقريب والبعيد لا يبع منه شيء ولا يوهب ولا يورث، وإن مال محمد على ناحية، ومال ابني فاطمة ومال فاطمة إلى ابني فاطمة.
وإن رقيقي الذين في صحيفة حمزة الذي كتب لي عتقاء:
فهذا ما قضى عبد الله عليّ أمير المؤمنين في أمواله هذه الغد من يوم قدم مكر (١) ابتغي وجه الله والدار الآخرة، والله المستعان على كل
стр. 239
حال، ولا يحل لامرئ مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء قبضته في مال، ولا يخالف فيه عن أمري الذي أمرت به عن قريب ولا بعيد. أما بعدي (فإن) (١) ولائدي اللاتي أطوف عليهن السبع عشرة منهن أمهات أولاد أحياء معهن ومنهن من لا ولد لها، فقضائي فيهن إن حدث لي حدث: أن من كان منهن ليس لها ولد، وليست بحبلى، فهي عتيقة لوجه الله، ليس لأحد عليها سبيل، ومن كان منهن ليس لها ولد وهي حبلى فتمسك على ولدها وهي من حظّه، وأنّ من مات ولدها وهي حيّة فهي عتيقة، ليس لأحد عليها سبيل، فهذا ما قضى به عبد الله عليّ أمير المؤمنين من مال الغد من يوم مكر.
شهد أبو شمر بن أبرهة، وصعصعة بن صوحان، ويزيد بن قيس، وهياج بن أبي هياج.
وكتب عبد الله عليّ أمير المؤمنين بيده لعشرة خلون من جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين هـ.
حدثنا ابن أبي خداش الموصلي قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو قال: لم تكن في صدقة عليّ إلا «شهد أبو هياج، وعبيد الله (٢) بن أبي رافع، وكتب».
حدثنا زهير بن حرب قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن ضمر (٣) مولى العباس قال: كتب علي في وصيته: إن وصيّتي إلى أكبر ولدي غير طاعن عليه في فرج ولا بطن.
стр. 240
حدثنا عارم، وموسى بن إسماعيل قالا، حدثنا حماد ابن سلمة، عن يونس بن عبيد، عن الوليد بن أبي هشام: أن علي بن أبي طالب ﵁ أعتق عبيدا له واشترط عليهم أن يعملوا في أرضه ست سنين.
حدثنا عارم، وموسى قالا، حدثنا حماد، عن سعيد ابن أبي الحكم قال: أتيت المدينة فقرأت في وصية علي مثل هذا.
(صدقات الزبير، ودور بني أسد)
(١) استقطع الزبير النبيّ ﷺ البقيع فقطعه، فهو «بقيع الزبير» (٢)، ففيه من الدور للزبير: دار عروة بن الزبير، وهي التي فيها المجزرة، ثم خلفها في شرقيها دار المنذر بن الزبير إلى زقاق عروة، فيها يسكن بنو محمد بن فليح بن المنذر، وفيه دار مصعب بن الزبير، وهي الدار التي على يسارك إذا أردت بني مازن، إلى جنب دار الحجارة، وهي بأيدي بني مصعب اليوم، وفيه دار آل عكّاشة بن مصعب بن الزبير، وهي الدار التي على باب الزقاق الذي فيه الكتاب الذي يخرجك إلى دور نفيس بن محمد (يعني مولى بني المعلى في بني زريق من الأنصار (٣)، وفيه دار آل عبد الله بن الزبير التي كان فيها صدّيق بن موسى الزبيري،
стр. 241
وأديارها لبني المنذر، فيها بيت أبي عود الزبيري وابنه، ثم دار عبد الله، ممدودة إلى دار أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄. وفيه بيت نافع بن ثابت بن عبد الله بن الزبير الذي يفترق (علوه) (١) الطريقان. كل هذا صدقة من الزبير بن العوام وتجويز منه لولده.
واتخذ الزبير ﵁ أيضا دار عروة ودار عمرو، وهما متلازمتان عند خوخة القوارير، فتصدق بهما متفرقتين على عروة وعمرو وأعقابهما، فهما بأيديهم على ذلك إلى اليوم.
قال أبو غسان: وسمعت بعض من يذكر أن النبي ﷺ أقطعها صفيّة بنت عبد المطلب، قال: وكانتا واحدة.
قال أبو غسان: فأخبرني ابن وهب، عن معبد بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة بن الزبير: أن الزبير بن العوام ﵁ جعل دوره صدقة على بنيه، لا تباع ولا تورث، وأن للمرء دوره من بناته أن تسكن غير مضرّة ولا مضرّ بها، وإن استغنت بزوج فليس لها حقّ.
واتخذ ذؤيب بن حبيب بن تويت بن أسد بن عبد العزى - وكانت له صحبة بالنبي ﷺ بعد الفتح - دارا بالمصلى مما يلي السوق، بين دار عبد الملك بن مروان، وبين الزقاق الذي يقال له زقاق القفاصين، فهي بأيديهم.
واتخذ حكيم بن حزام داره الشارعة على البلاط، إلى جنب دار مطيع بن الأسود، بينها وبين دار معاوية بن أبي سفيان، يحجز بينهما وبين دار معاوية الطريق، فوقفها، فهي بأيديهم اليوم.
стр. 242
قال أبو غسان، حدثنا الواقدي، عن عيسى بن محمد مولى لفاطمة بنت عبيد، عن حكيم بن حزام: أنه حبس داره لا تباع ولا توهب ولا تورث.
واتخذ هبّار بن الأسود الأسدي دارا بين خطة بني نصر وبين بني زريق، فلم تزل بأيدي ولده حتى باعوها من عبد الله بن زياد بن سمعان فهي بأيدي ولده اليوم.
واتخذ نوفل بن عدي بن أبي حبيس دارين: إحداهما التي بالبلاط عند أصحاب الرّباع، بين دار آل المنكدر التّيميّين، وبين دار أبي جهم العدويين، فهي بأيدي آل نوفل بن عدي، والدار الأخرى في زريق. وجاه الكتّاب الذي يقال له «كتاب أبي ذبان»، بين منزل أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام الذي صار لبني عباد بن عبد الله بن الزبير، ومن حد الزّقاق التي عند الخمارين دبرها دار هانئ التي بأيدي آل جبير.
واتخذ عبد الرحمن بن العوام داره التي يقال لها «دار الريان»، ولدار عبد الرحمن ثلاثة أبواب، منها باب يخرجك إلى دار المطلب ابن عبد الله المخزومي، ومنها باب على الخط العظيم الذي إلى بقيع الزبير، ومنها باب يخرجك إلى دار آل سراقة العدوي، وعلى دار أيوب بن سلمة المخزومي وهي بأيدي ولده إلى اليوم.
(دور عبد بن قصيّ)
اتخذ طليب بن كثير بن عبد بن قصي دارا في زقاق الصفّارين، فورثها أبو كثير بن زيد بن كثير بن عبد بن قصي، ثم خرجت من أيديهم.
стр. 243
(دور بني زهرة)
اتخذ عبد الرحمن بن عوف دورا، فدخل منها في المسجد ثلاث آدر كنّ يدعين «القرائن» وسمعت من يذكر أن «القرائن» ثلاث جنابذ (١) لعبد الرحمن بن عوف، وللقرائن يقول أبو قطيفة (٢).
ألا ليت شعري هل تغيّر بعدنا … جنوب المصلّى أم كعهدي القرائن
ودخل في المسجد أيضا دار عبد الرحمن بن عوف ﵁ وكان يقال لها دار مليكة، كان عمر ومصعب - يقول -:
باعوها من عبد الله بن جعفر، فباعها عبد الله بن معاوية، فصارت في الصوافي فأدخلها المهديّ في المسجد. وإنما سميت دار مليكة لأن عبد الرحمن بن عوف أنزلها مليكة بنت سنان بن أبي حارثة المرية حين قدمت المدينة في خلافة أبي بكر الصديق، وكانت تحت زبان بن منظور فهلك عنها، فخلف عليها ابنه منظور بن زبان،
стр. 244
فأقدمها أبو بكر ﵁ المدينة، وفرّق بينها وبين منظور، وقال: من ينزل هذه المرأة؟ فأنزلها عبد الرحمن داره.
قال عبد العزيز بن مروان (١): ومنهن دار القضاء التي هي اليوم رحبة لمسجد رسول الله ﷺ في غربيّه مما يلي دار مروان.
قال أبو غسان، وأخبرني عبد العزيز، عن راشد بن حفص، عن أم الحكم بنت عبد الله بن ثابت عن عمتها سهلة بنت عاصم قالت: كان دار القضاء لعبد الرحمن بن عوف - وإنما سميت «دار القضاء»، لأن عبد الرحمن اعتزل فيها ليالي الشورى حتى قضي الأمر - فباعها بنو عبد الرحمن من معاوية بن أبي سفيان ﵁. قال عبد العزيز فصارت بعد في الصّوافي، وكانت الدواوين فيها، وبيت المال، فهدمها أبو العباس أمير المؤمنين، فصيّرها رحبة للمسجد، فهي اليوم كذلك.
قال وسمعت من يقول فيها غير ذلك من غير واحد، منهم محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، أخبرني عن عمه قال: كانت رحبة القضاء لعمر بن الخطاب ﵁، وأمر حفصة وعبد الله ابنيه ﵄ أن يبيعاها عند وفاته في دين كان عليه، فإن بلغ ثمنها دينه وإلا فاسألوا فيه بني عدي بن كعب حتى يقضوه،
стр. 245
فباعوها من معاوية بن أبي سفيان ﵄، وكانت تسمّى دار القضاء، قال ابن أبي فديك: فسمعت عمر يقول: أن كانت لتسمى دار القضاء (١). قال: وكان معاوية ﵁ اشتراها عند ولايته، فلم يزل حتى قدم زياد بن عبد الله المدينة سنة ثمان وثلاثين ومائة، فهدمها وجعلها رحبة للمسجد، وفتح فيها الباب الذي إلى جنب الخوخة الصغيرة، وجعل هدمها على أهل السوق. قال محمد ابن إسماعيل بن أبي فديك: فأخذ مني في هدمها أربعة دوانيق (٢).
قال ابن أبي فديك: وأخبرني أيضا - كما أخبرني عمي - عبيد الله ابن عمر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال، وأشار لي عبيد الله إلى صندوق في بيته وقال: إن في هذا الصندوق إبراءات من ذلك الدين، فالله أعلم بأمرها.
ومنهن دار عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵁، وهي الدار التي صارت لمنيرة مولاة أمير المؤمنين، ثم صارت بعد ليحيى ابن خالد بن برمك، ثم صارت صافية، وكان سهيل ابن عبد الرحمن ابن عوف باعها من عبد الله بن جعفر ﵁.
ومنهن دار عبد الله بن مكمّل بن عوف بن عبد الحارث ابن زهرة، الشارعة في غربي دار القضاء، كان عبد الرحمن (بن عوف (٣) وهبها له، فباعها آل مكمل من المهدي، فهي بأيدي
стр. 246
ولده اليوم خراب - قال أبو زيد بن شبة: وكان ينام بها وهي خراب إلى جنب المسجد، وهي التي يقولون إن أهلها قالوا: يا رسول الله، اشتريناها ونحن جميع فتفرقنا، وأغنياء فافتقرنا، فقال ﷺ : «اتركوها وهي ذميمة».
- قال أبو زيد بن شبة: وأراد قثم (١) شراءها فحمّ.
ومنهن الدار التي يقال لها «الدار الكبرى» دار حميد ابن عبد الرحمن بن عوف، بحشّ طلحة، وإنما سميت الدار الكبرى لأنها أول دار بناها أحد من المهاجرين بالمدينة، وكان عبد الرحمن ينزل فيها ضيفان رسول الله ﷺ ، فكانت أيضا تسمى: «دار الضيفان»، فسرق فيها بعض الضيفان، فشكا ذلك عبد الرحمن إلى رسول الله ﷺ . وقد بنى فيها النبي ﷺ بيده، فيما زعم الأعرج، وهي اليوم بيد بعض عبد الرحمن بن عوف.
واتخذ سعد بن أبي وقاص ﵁ دارين بالبلاط متقابلتين بينهما عشرة أذرع، أما اليمنى منهما وأنت تريد المسجد، فكانت لأبي رافع مولى رسول الله ﷺ ، فناقله أبو رافع إلى داريه بالبقّال وكانت دار أبي رافع ملكا لسعد.
стр. 247
حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني ابن جريج، عن إبراهيم بن ميسرة: أن عمرو بن الشريد أخبره قال: وقفت على سعد بن أبي وقاص ﵁، فجاء المسور بن مخرمة ﵁ فوضع يده على أحد منكبيّ، ثم جاء أبو رافع مولى رسول الله ﷺ فقال: يا سعد ابتع منّي بيتين لي في ذلك. فقال سعد: والله لا أبتاعهما. فقال المسور: والله لتبتاعنّهما. فقال سعد: لا والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجّمة وقطيعة. فقال أبو رافع: لقد أعطيت بها خمسمائة دينار، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«المرء أحقّ بسقبه (١)» ما أعطيتكها بأربعة آلاف، وأنا أعطى بها خمسمائة دينار - وقال: وأما الأخرى، فوجاه داره هذه. هما جميعا صدقة على ولده.
قال الواقدي، عن بكير بن مسمار، عن عائشة بنت سعد:
أن سعدا ﵁ أخرج الثياب وجعل للمجهودة أن تسكن.
стр. 248
والواقدي، عن محمد بن نجاد بن موسى - أو عن موسى - عن عائشة بنت سعد قالت: صدقة أبي حبس لا تباع ولا توهب ولا تورث، وأن للمردودة - أي أحق - أن تسكن غير مضرّة ولا مضرّ بها، حتى تستغني. فتكلم فيها بعض ورثته يجعلونها ميراثا، فاختصموا إلى مروان بن الحكم فجمع أبناء أصحاب رسول الله ﷺ ، فأنفذها على ما صنع سعد.
واتخذ سعد ﵁ أيضا درا في قبلة دار إبراهيم ابن هشام المخزومي بالبلاط في غربيها، وهي دبر دار جبّى (١) ولها في دار جبّى طريق مسلمة، وهي بأيدي ولد سعد اليوم.
وقد سمعت بعض من يقول: كانت دار جبّى لسعد، وهي هذه الدار التي ذكرناها في قبلة دار إبراهيم بن هشام: وأن عمر بن الخطاب ﵁ كان قاسمه إياها، فكانت دار جبّى قسيمة هذه الدار، حين قاسمه ماله مقدم سعد من العراق، وأن عمر ﵁ لما قاسمه إياها، باعها من عثمان بن عفان باثني عشر ألف درهم، ثم صارت لعمرو بن عثمان، وكانت جبّى أرضعت عمر، فوهب لها الدار، فكانت بيدها حتى سمعت نقيضا في سقف بيتها الذي كانت تسكن، فقالت لجاريتها: ما هذا؟ فقالت: السقف يسبّح. قالت: ما سبّح شيء قط إلا سجد، لا، والله لا سكنت هذا البيت. فخرجت منه فاضطربت خباء بالمصلى، ثم باعت الدار من بعض ولد عمر بن الخطاب ﵁، فهي
стр. 249
بأيديهم إلى اليوم. قال: وسمعت من يقول إن عثمان نفسه ﵁ أقطعها جبّى. فالله أعلم (١).
واتخذ سعد ﵁ دارا بالمصلى بين دار عبد الحميد ابن عبيد الكناني، وبين الزقاق الذي يسلك في بني كعب عند الحمارين، وفتح في طائفة من أدنى داره بابا في الزقاق حتى صارت كأنها داران متفرقتان وكانت واحدة، فهما جميعا بأيدي ولده اليوم على حوز الصدقة.
قال، وأخبرني عبد العزيز بن عمران، عن سعيد بن يحيى ابن حسن بن عثمان الزهري، عن جدّه حسن بن عثمان، في حديث قد كتبته في صدقات بني زهرة في آخره «فثبتت الدّور صدقة».
وهذه نسخة كتاب صدقة سعد في دوره حرفا بحرف على هجائها وصورة كتابها، أخذته من كتابه بعينه، ودفعه إليّ هشام بن عبد الله المخزومي وهو قاض، واختصموا في شيء منها فجاءوا به، فثبتت عنده.
بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب سعد بن أبي وقاص لابنته حفص وبنتيها، مسكنها الذي هي فيه علوه وسفله سكنة غير مبيع ولا ميراث ولا موهوب، ولكن إنما هي دار صدقة، فلهن مسكنه غير مسكنتها الرجل إلا بإذن بنتيها، وإن لزبراء بنتها مسكنها الذي هي فيه، وبيت دميّة الذي هي فيه إن خرجت دميّة أو توفّيت، والبيت الذي معه، وبيت البير يسكن ذلك غير مبيع ولا متوارث ولا موهوب إنما
стр. 250
هي دار صدقة لأن لابنته حجير مسكن بيت أمها، وإنما كتب هذا لمن ظلم منهن أو هجر، وليس لامرأة منهن تحت زوج في دار مسكن: إلا كما كتبت به. وإن لبجير مسكن أمه والمشربة التي فوق سكنه، كالذي كتبت به في مسكن الدار. وأن لجثيم مسكن بيت الخربة ومسكنه فيه كالذي كتبت به للآخرين، وإن لعثمان ابن سعد مسكن البقعة التي فيها مسجد ابن أبي القعدة التي فيها القعدة التي تلي سرّة الدار من شق الدار؛ ذلك كالذي كتبت به للآخرين، وإنّ بيت رفع وبيت ابن خالد والماء وبيت نيروز، فإن نصفه كله لعمر بن سعد، كالذي كتبت (به) (١) للآخرين، وإن لجهمان مسكنه الذي هو فيه، كما كتبت به للآخرين.
شهد عثمان بن حنيف، وعبد الرحمن بن عامر، وهشيم، وعبيد الله بن هاشم، ومسلم بن أبي عبد الله، وكتب.
واتخذ المغيرة بن الأخنس الثقفي، حليف بني زهرة، دار بجير بن وهب الجمحي التي بالمصلى، يقال لها «دار ابن صفوان».
واتخذ عمير بن وهب دار المغيرة بن الأخنس التي عند الصفارين، فدار المغيرة بأيدي ولده، ودار أسيد بن الأخنس صدقة، وفيها قبر المغيرة بن الأخنس، وقتل مع عثمان بن عفان يوم الدار، وقبره فيها في بيت المغيرة بن الأخنس، وهو البيت الذي في زاوية الدار الشرقية اليمانية.
واتخذ المغيرة أيضا داره التي ببطحان، على عدوة الوادي الغربية يمانيها الدار التي يقال لها «دار وليد السمان»، وشاميّها