الله لغفر لهم ﴿وَ مَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً» قولهم للبيد «فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً * وَ لَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ يعني أسيدا وأصحابه ﴿وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَ أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ (١) قال: فلما نزل القرآن أتى رسول الله ﷺ بالسلاح فردّه إلى رفاعة، قال قتادة: فلما أتيت عمّي بالسلاح - وكان شيخا قد عسا (٢) في الجاهلية، وكنت أرى أن إسلامه مدخولا - قال: يا ابن أخي هو في سبيل الله، فعرفت أن إسلامه كان صحيحا، قال: فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين فنزل على سلافة بنت سعد بن شهيد (٣)، فأنزل الله فيه «وَ مَنْ يُشاقِقِ﴾
стр. 422
﴿الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً * إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً» (١) فلما نزل على سلافة رماها حسان بأبيات شعر، فأخذت رحله فوضعته على رأسها ثم خرجت فرمت به في الأبطح، ثم قالت:
أهديت إليّ شعر حسان، قالت: والله لا يثبت في صدري، قد علمت أنك لم تأتني بخير (أو قالت) (٢) أهديت إليّ هجاء حسان فأخذت رحّله فألقته في البطحاء، فخرج يسير إلى الطائف فذهب ينقب بيتا (٣) فانهدم عليه فمات، فقال أهل مكة: ما كان ليفارق محمدا رجل من أصحابه فيه خير.
стр. 423
حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا علي بن ثابت قال، حدثنا الوازع (١)، عن سالم، عن ابن عمر، وأم الوليد قالا:
خرج رسول الله ﷺ في غزاة فسرقت درع لرجل من الأنصار، سرقها رجل منهم يقال له ثعلبة بن أبيرق، فظهروا على صاحب الدرع، فجاء أهله فقالوا: اعذر صاحبنا يا رسول الله وتجاوز عنه فإنه (إن) (٢) لم يدركه الله بك هلك، فأراد النبي ﷺ أن يدفع عنه ويتجاوز عنه فأبى الله إلا أن يبدي (٣) عليه فأنزل الله ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً﴾ إلى قوله «إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوّاناً أَثِيماً» إلى قوله ﴿وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ (٤).
حدثنا معاذ بن سعد، عن عبيد بن زيد قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن الحسن: أن رجلا من الأنصار كانت له درع حديد فسرقها ابن أخ له، فاتّهمه فيها وطلبها منه، فجحدها
стр. 424
وزعم أنه بريء، فأبى إلا أن يطلبها منه، ورفع ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فأرسل إليه، واستعان الفتى ناسا ليعذروه ويتكلموا دونه، فلما أتوا رسول الله ﷺ أمره بردّ الدرع على عمّه، فجحده وأبى أن يقرّ بها فعذره القوم وتكلّموا دونه حتى كاد رسول الله ﷺ (أن) (١) يأخذ فيه بعض ما سمع منهم، فأنزل الله على رسوله ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً * وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً * وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوّاناً أَثِيماً * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَ هُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً * ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَ َا فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً * وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٢) قال الحسن: فأقال الله عثرثه - فأبى أن يقبل وذهب بالدرع إلى رجل من اليهود صائغ فدفعها إليه، ثم رجع فقال لم ترمونني بالدرع وهي تلك عند فلان اليهودي، فأتوا اليهودي فقال: هو أتاني بها فدفعها إليّ: فأنزل الله: ﴿وَ مَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً﴾ (٣) * ﴿وَ لَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾
стр. 425
﴿أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَ أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً * لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً». فلما رأى الفتي أنه قد افتضح ذهب مراغما حتى لحق بقوم كفار، فنقب على قوم بيتا ليسرقهم فسقط عليه الحائط فقتله، فأنزل الله : ﴿وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى﴾ إلى قوله ﴿وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ (١) وقرأ الآية.
حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا يونس بن محمد، عن شيبان (٢) بن عبد الرحمن، عن قتادة في قوله ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً﴾ (٣) قال: قد ذكر لنا أن هؤلاء الآيات نزلت في طعمة ابن أبيرق وفي ما همّ به نبي الله من عذره، فقصّ الله شأن طعمة ووعظ نبيّه، وكان طعمة رجلا من الأنصار ثم أحد بني ظفر، سرق درعا لعمّه كانت له وديعة عنده، ثم قدمها على يهودي كان
стр. 426
يغشاهم (١) بالمدينة يقال له، زيد بن السمير (٢)، فجاء اليهودي إلى رسول الله ﷺ فهتف به، فلما رأى ذلك قومه بنو ظفر جاءوا إلى النبيّ ﷺ ليعذروا صاحبهم، وكان رسول الله ﷺ ردّهم بعذره حتى أنزل الله في شأنه ما أنزل، فقال ﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوّاناً أَثِيماً﴾ (٣) ثم قال لقومه وعشيرته «ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً * وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً * وَ مَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً» فكان طعمة قدف بها بريئا فلما بيّن الله شأنه عنده شاقّ ولحق بالمشركين بمكة، فأنزل الله ﴿وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ (٤).
حدثنا محمد بن منصور قال، حدثنا جعفر بن سليمان قال، حدثنا حميد بن قيس الأعرج، عن مجاهد قال: كان
стр. 427
جماع بطون الأنصار هذين البطنين؛ الأوس والخزرج، وكان بينهما في الجاهلية حرب وقتال وبلاء شديد، حتى جاء الله بالإسلام والنبي ﷺ فاصطلحوا وسكتوا، فكان يوما رجل من الأوس ورجل من الخزرج جالسين معهما (يهودي) (١) فجعل يذكرهما أيامهما في الجاهلية في الحرب التي كانت بينهم حتى استبّا واقتتلا، ودعا هذا قومه وهذا قومه، فخرجت الأوس والخزرج في السلاح، وصفّ بعضهم لبعض، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فجاء حتى وقف بينهم، فجعل يعظ (٢) بعض هؤلاء وبعض هؤلاء حتى رجعوا ووضعوا السلاح، وأنزل الله القرآن:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ» فقرأ حتى بلغ ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣) قال فأنزلت هذي الآيات في الأنصاريين واليهودي.
حدثنا عثمان بن موسى قال، حدثنا جعفر، عن حميد،
стр. 428
عن مجاهد مثله، قال فقرأ إلى قوله «إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ» (١) قال: فذكرهم ما كانوا فيه من البلاء والحرب، ثم قال «أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢).
حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا عبد الله ابن المثنى (٣)، عن ثمامة (٤)، عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ «إذا سلم على قوم سلّم ثلاثا، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا».
(خبر خالد بن سنان) (٥)
حدثنا يوسف بن عطية الصفار قال، حدثنا ثابت، عن
стр. 429
أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يبايع النساء فجاءته مرأة تبايعه فسألها: «بنت من أنت؟» فقالت:
أنا بنت خالد بن سنان، فقال رسول الله ﷺ «هذه بنت نبيّ ضيعه قومه، أمرهم إذا هم دفنوه أن ينبشوا عنه فإنه سيخرج حيّا، فلم يفعلوا، فهذه ابنة نبيّ ضيّعه قومه».
حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير قال، حدثنا سفيان، عن سالم الأفطس قال، سمعت سعيد بن جبير يقول: جاءت بنت خالد بن سنان العبسي (إلى النبي ﷺ (١) فقال «مرحبا يا ابنة أخي وابنة نبيّ ضيّعه قومه».
حدثنا سليمان بن أيوب صاحب البصري (٢) قال، حدثنا أبو عوانة، عن أبي يونس (٣)، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: أن رجلا من بني عبس يقال له: خالد بن سنان قال لقومه:
أنا أطفئ عنكم نار الحدثان، فقال له عمارة بن زياد - رجل من قومه -: والله ما قلت لنا يا خالد قط إلا حقّا، فما شأنك وشأن نار الحدثان تزعم أنك تطفئها؟. قال: فانطلق وانطلق معه عمارة ابن زياد مع ناس من قومه حتى أتوها وهي تخرج من شق جبل
стр. 430
من حرّة يقال لها حرّة (١) أشجع، قال: فخط لهم خطة فأجلسهم فيها وقال لهم: إن أبطأت عنكم فلا تدعوني باسمي. قال، فخرجت كأنها خيل (٢) شقر يتبع بعضها بعضا، فاستقبلها خالد فجعل يضربها بعصاه ويقول بدّا بدّا، كل هدى مؤدى (٣)، زعم ابن راعية المعزي أني لا أخرج منها وثيابي تندى، حتى دخل معها الشعب قال - فأبطأ عليهم، فقال عمارة بن زياد: والله لو كان صاحبكم حيّا لخرج إليكم (بعد) (٤) فقالوا له: إنه قد نهانا أن ندعوه باسمه، قال: ادعوه باسمه، فو الله لو كان (صاحبكم) (٥) حيا لقد خرج إليكم بعد، قال: فدعوه باسمه، قال: فخرج وهو آخذ برأسه، فقال: ألم أنهكم أن تدعوني باسمي؟ قد والله قتلتموني، احملوني وادفنوني، فإن مرّت بكم الحمر (٦) فيها حمار أبتر فانبشوني، فإنكم ستجدوني حيّا (فأخبركم بما يكون) (٧)، قال فدفنوه فمرت بهم الحمر فيها حمار أبتر، فقالوا: ننبشه
стр. 431
فإنه قد أمرنا أن ننبشه، فقال عمارة: لا تحدّث (١) مضر: أنّا ننبش موتانا، والله لا تنبشونه أبدا، قال: وقد كان خالد أخبرهم أن في عكم (٢) امرأته لوحين فإذا أشكل عليكم أمر فانظروا فيهما فإنكم سترون ما تسألون عنه، قال: ولا تمسّهما (٣) حائض. فلما رجعوا إلى امرأته سألوها عنهما فأخرجتهما وهي حائض، فذهب ما كان فيهما من علم، قال أبو يونس: فقال سماك بن حرب:
سئل عنه رسول الله ﷺ فقال «نبيّ أضاعه قومه» قال: وقال سماك بن حرب: إن ابن خالد بن سنان، أو بنت خالد أتى، أو أتيت النبي ﷺ فقال: مرحبا بابن أخي أو ابنة أخي».
حدثنا علي بن الصباح، قال هشام بن محمد، عن أبيه، عن ابن صالح، عن ابن عباس ﵄: قال قدمت المحياة (٤) بنت خالد بن سنان على النبي ﷺ فقال «مرحبا بابنة أخي؛ نبيّ ضيّعه قومه».
стр. 432
حدثنا الحكم بن موسى قال، حدثنا ابن أبي الرجال، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه يقول «نبيّ فرّط فيه قومه».
(سالت عليهم نار من حرّة النار في ناحية خيبر والناس في وسطها) (١)، وهي تأتي من ناحيتين جميعا، فخافها الناس خوفا شديدا، فقال لهم العبسي: ابعثوا معي إنسانا حتى أطفئها من أصلها. قال:
فخرج معه راعي غنم؛ هو ابن راعية، حتى جاء غارا تخرج منه النار، ثم قال العبسي للراعي: أمسك ثوبي، ثم دخل في الغار فقال: هديا هديا، كل يهن مؤدى (٢)، زعم ابن راعية الغنم أني سأخرج وثيابي لا تندى، قال وهو يمسح العرق عن جبينه.
عودي بدا كل شيء مودى … لأخرجن منها وجسدي يندى (٣)
حتى إذا حضرته الوفاة قال لقومه الأدنين منه: إذا دفنتموني فمرت ثلاثة أيام فإنكم ستنظرون إلى حمار يأتي قبري فيبحث بحافره وجحفلته (٤) عني، فإذا رأيتم ذلك فانبشوني فإني سأخبركم بما هو هو كائن إلى يوم القيامة، قال: سمعته يقول: اسمه خالد ابن سنان.
стр. 433
حدثنا أحمد بن معاوية قال. حدثنا إسماعيل (١) بن مجالد قال، حدثنا مجالد، عن الشعبي: أن رجلا من عبس في الجاهلية يقال له خالد بن سنان دعا قومه إلى الإسلام، وأن يقرّوا له بالنبوة فأبوا، وكانت نار تستوقد في أرض قريب من أرض بني عبس.
فقال لهم: إن أطفأت لكم هذه النار أتشهدون أني نبيّ؟ قالوا:
نعم، قال: فأخذ عسيبا من نخل رطب فدخل النار وهو يضربها بالقضيب (٢) وهو يقول: باسم رب الأعلى، كل هدى مودّى، زعم ابن راعية المعزى، أن لا أخرج منها وثيابي تندّى (٣). فما من شيء كان أصابه ذلك العسيب إلا انطفأ، فأطفأها، ودعاهم فأبوا، فكذبوه ثانية، فقال لهم: إني لبثت أي كذا وكذا يوما، فإذا دفنتموني وأتى عليّ ثلاثة أيام فأتوا قبري، فإذا عرضت لكم عانة من حمر وحش وبين يديها عير (٤) تتبعه فانبشوني فإني أقوم فأخبركم ما هو كائن إلى يوم القيامة، فأتوا القبر بعد ثلاث، وسنحت لهم الحمر وبين يديها عير تتبعه، فقام قومه من أهل
стр. 434
بيته وبني عمه فقالوا: لا ندعكم تنبشون صاحبنا فنعيّر، فقال الشعبي: إن رجلا من ولده سأل النبي ﷺ فقال:
«نبيّ ضيعه قومه».
حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثني عبد العزيز بن عمران، عن هلال، والحارث، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي قال:
قدمت بنت خالد بن سنان بن جابر بن مريطة بن قطيعة بن عبس، فسمعت رسول الله ﷺ يقرأ (قل هو الله أحد) فقالت: يا رسول الله، إني لأسمع كلاما كنت أسمعه من أبي، قال: «إن أباك كان نبيّا أضاعه قومه، فما أوصاكم به عند موته؟» قالت قال لنا: إنكم إذا دفنتموني أقبل عير أشهب يقود عانة (١) من الحمر حتى يتمعك (٢) عند قبري، فإذا رأيتم ذلك انحتوني (٣) أخبركم بما مضى من أمر الدنيا وما بقي إلى يوم القيامة، فلما دفناه جاء ذلك العير في تلك الحمير فتمعّك عند قبره، فهمّ بعضنا بنحته، فقال قيس بن زهير: إذا تكون سبّة علينا فاتركوه، فتركناه.
قال عبد العزيز، عن عبد الرزاق بن الفرات بن سالم قال، حدثني ابن القعقاع بن خليد العبسي، عن أبيه، عن جده قال: بعث الله خالد بن سنان نبيّا إلى بني عبس، فدعاهم فكذبوه، فقال له قيس بن زهير: إن دعوت فأسلت هذه الحرة علينا نارا
стр. 435
- فإنك إنما تخوفنا بالنار - اتبعناك، وإن لم تسل نارا كذّبناك، قال: فذلك بيني وبينكم، قالوا نعم، قال: فتوضأ ثم قال:
اللهم إن قومي كذبوني ولم يؤمنوا برسالتي إلا بأن تسيل عليهم هذه الحرّة نارا فأسلها عليهم نارا، قال فطلع مثل رأس الحريش (١) ثم عظمت حتى عرصت أكثر من ميل فسالت عليهم. فقالوا:
يا خالد ارددها فإنا مؤمنون بك، فتناول عصا ثم استقبلها بعد ثلاث ليال فدخل فيها فضربها بالعصا ويقول: هدّا هدّا كل خرج مؤدى، زعم ابن راعية المعزى أن لا أخرج منها وجبيني يندى.
فلم يزل يضربها حتى رجعت. قال فرأيتنا نعشى (٢) الإبل على ضوء نارها ضلعا الرّبذة (٣)، وبين ذلك ثلاث ليال.
حدثني أبو غسان قال، حدثني عبد العزيز، عن طلحة ابن منظور بن قتادة بن منظور بن زبان بن سيار الفزاري قال، أخبرني مشيخة من قومي فيهم أبي قالوا، قال خالد بن سنان:
يا بني عبس، إن كنتم تحبون أن تغلبوا العرب ولا تغلبنكم فخذوا
стр. 436
هذه الصخرة فاحملوها، فإذا لقيتم عدوّا فاطرحوها بينكم، فإنكم لا تزالون غالبين ما كانت الصخرة معكم، واسم الصخرة «رماس» فحملتها بنو عبس يتعاقبونها، فإذا كانت الحرب سعى بها الغلام الشاب، فإذا لم يكن حرب كان جهدها أن يقلها أربعون رجلا، قال: فدار حملها يوما على بني بجاد من بني عبس، فقال لهم قيس بن زهير: يا بني عبس أما تعرفنا (١) العرب إلا بصخرة ورّثناها خالد بن سنان؟ ألقوها فلا تحملوها، فحفروا لها حفيرا من الأرض فدفنوها، فلقيتهم بنو فزارة فقتلوهم، فكروا يطلعون الصخرة فلما حفروا عنها صارت عليهم نارا فتركوها فلم يقدروا عليها، فقال الحطيئة يهجوهم:
لعن الإله بني بجاد إنّهم … لا يصلحون وما استطاعوا أفسدوا
برد الحميّة واحد مولاهم … جمد على من ليس فيه مجمد (٢)
قال أبو غسان، وحدثني عبد العزيز قال، حدثني سليمان ابن أسيد عن معمر (٣)، عن ابن شهاب، وعن شعيب (٤) الجبائي
стр. 437
قال: قدم على رسول الله ﷺ وافد من عبس - قال عبد العزيز: وأخبرني منظور بن طلحة: أنه الحارث بن جزى العبسي - ثم رفع الحديث قال: حدثنا مسلم: فقال له النبي ﷺ «كيف لي بقومك» قال: أنا لك بهم، وهذه فرسي رهن حتى آتي بهم، قال: فخرج حتى نزل على قومه:
فنزل بضليع فدعاهم فأبوا عليه، فناشدهم فأبوا. فقال:
خذوا ما قال صاحبكم فإني … لما فعلت بنو عبس بصير
فهم دفنوا الرّماس فأعقبتهم … مخازي ما تعبّ ولا تطير
فلمّا غاب غيّهم تناهوا … وقد بانت لمبصرها الأمور
فكرّوا نادمين ينحتوها (١) … ففاجأهم لها لهب سعير
حدثني زريق بن حسين بن مخارق رئيس بني عبس سنة عشر ومائتين قال، سمعت (أن) (٢) أصحابنا من بني عبس انتجعوا عينا حتى نظروا إلى مواقف وضعوها في جدرها وقالوا:
امضوا فتمكنوا في الرتع (٣)، قال: ثم رجعوا فلم يجدوها، فأتاهم رجل من بني عبس يقال له نيار بن ربيعة بن مخزوم فأذاع أنه تنبأ كذلك وقال: أنا أخرجها لكم، وقال: هي رماس. وأن
стр. 438
لا يزاغ (١) إلا بأطراف القياس، فلم يظفروا بها. فأخبر النبي ﷺ ، وسئل عنها. فقال: «أما خالد بن سنان فنبيّ ضيّعه قومه، وأما نيار فكاذب لعنه الله» فقال في ذلك منجاب أحد بني ربيعة بن مخزوم في الإسلام، وكان يلقب منقارا:
أما نيار فإن الله يلعنه … وكلّ من يلعن الرحمن في النار
قال زريق بن حسين: وسمعت أصحابنا منهم أبي يحدثني عن أبيه: أن نار الحدثان خرجت بالحرّة التي يقال لها حرّة النار، حتى كانت الإبل تغشاه (٢)، بعدها بقدر مسيرة إحدى عشرة ليلة، وأن خالد بن سنان خرج إليها يضربها بسوطه حتى رجعت من الشّق الذي خرجت منه، وثيابه تندى، لم يصبه ولا ثيابه منها شيء، وهو يقول لرجل زجره عنها: كذبت ابن راعية المعزى، لأخرجن منها وثيابي تندى.
حدثني من أصدّق، عن هشام بن محمد، عن أبيه، عن أبيّ بن عمارة بن مالك بن جزء بن شيطان بن حديم بن جزيمة ابن رواحل (بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس العبسي) (٣) قال: كانت بأرض الحجاز نار يقال لها نار الحدثان
стр. 439
حرّة بأرض بني عبس - تعشى الإبل بضوئها من مسيرة ثمان ليال، وربما خرج منها العنق (١) فذهب في الأرض فلا يبقي شيئا إلا أكله، ثم يرجع حتى يعود إلى مكانه، وأن الله أرسل إليها خالد بن سنان ابن غيث بن مريطة بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة ابن عبس (٢)، فقال لقومه يا قوم إن الله أمرني أن أطفئ هذه النار التي قد أضرت بكم، فليقم معي من كلّ بطن رجل، قال أبيّ:
فكان ابن عمارة الذي قام معه من جزيمة قال: فخرج بنا حتى انتهى إلى النار فخطّ خطّا على من معه ثم قال: إياكم أن يخرج (أحد) (٣) منكم من هذا الخط فيحترق، ولا ينوّهن باسمي فأهلك قال:
فخرج عنق من النار فأحدق بنا حتى جعلنا في مثل كفة الميزان، وجعل يدنو منا حتى كاد يأخذ بأفواهنا، فقلت: يا خالد أهلكتنا آخر الدهر. فقال: كلا، وجعل يضربها ويقول: بدّا بدّا (٤)، كل هدى لله مؤدّى، حتى عادت من حيث جاءت، وخرج يتبعها حتى ألجأها في بئر في وسط الحرّة منها تخرج النار، فانحدر فيها خالد وفي يده درّة فإذا هو بكلاب تحتها فرضّهنّ (٥) بالحجارة، وضرب النار حتى أطفأها الله على يده. ومعهم ابن عم له يقال له
стр. 440
عروة بن سنان بن غيث وأمه رقاش بنت صباح من بني ضبّة، فجعل يقول: هلك خالد، فخرج وعليه بردان ينطفان (١) ماء من العرق، وهو يقول بدّا بدّا كل هدى لله مؤدى أنا عبد الله أنا خالد بن سنان: كذب ابن راعية المعزى لأخرجنّ منها وجلدي (٢) يندى. فسمّي بنو عروة ببني راعية المعزى، فهو اسمهم إلى اليوم، ثم إن خالدا جمع عبسا فقال: يا عشيرتاه احفروا بهذا القاع فحفروا فاستخرجوا حجرا فيه خط دقيق (قل هو الله أحد الله الصمد .. ) السورة كلها، فقال: احفظوا هذا الحجر فإن أصابتكم سنة أو قحطتم فأخمروه بثوب ثم أخرجوه فإنكم تسقون ما دام مخمّرا. فكانوا إذا قحطوا أخرجوه فخمّروه بثوب، فلم يزالوا يمطرون ما دام مخمّرا، فإذا كشفوه أقلعت السماء، ثم قال: إن صاحبتي هذه حبلى في كذا وكذا، تلد في كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، وقد سميت من نعم المولود فاستوصوا به خيرا، فإنه سيشهد مشاهد أولدت مجاهدا، وهو أحيمر كالدرة، نفع مولاه من المضرة، نعم فارس الكرّة، ولا تصيبنكم جائحة من عدوّ ولا سنة ما كان بين أظهركم. فلما حضره الموت قال: احفروا لي على هذه الأكمة، ثم ادفنوني ثم ارقبوني ثلاثا، فإذا مرّت بكم عانة فيها حمار أبتر فاستاف القبر فأطاف به فانبشوني تجدوني حيّا، أخبركم بما يكون إلى آخر الدهر، فمات فدفنوه حيث قال لهم، ثم مكثوا أياما ثلاثة فإذا
стр. 441
الحمار كما وصف، فارادوا نبشه فقال بنو عبس (١): والله لا ننبش موتانا فتسبنا به العرب، فلما أسرع بعضهم إلى بعض قام رجل منهم يقال له سليط بن مالك بن زهير بن جزيمة فقال: دعوا نبش هذا الرجل يصلح لكم حالكم وتسلم لكم دماؤكم فأجابوه.
وقدم (ابنه) (٢) مرة على رسول الله ﷺ فأقعده معه وقال «إليّ يا ابن أخي؛ ابن نبي أضاعه قومه - ويقال: إن ابنته محياة هي التي أتته، فبسط لها رداءه وقال «إليّ يا ابنة أخي، ابنة نبي أضاعه قومه».
(ذكر سرايا رسول الله ﷺ
(سرية القرطاء) (٣)
حدثنا عاصم بن علي بن عاصم قال، حدثنا ليث بن سعد، عن سعيد - يعني المقبري، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول ﷺ بعث خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة
стр. 442
يقال له ثمامة بن أثال (١) سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال:
«ما عندك يا ثمامة؟» قال عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا ذنب (٢)، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه حتى كان الغد، ثم قال «ما عندك يا ثمامة؟» قال: ما قلت: إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل
стр. 443
ذا ذنب، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه حتى كان بعد الغد، ثم قال «ما عندك يا ثمامة؟» قال: عندي ما قلت؛ إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا ذنب، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فقال رسول الله ﷺ «أطلقوا ثمامة» فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه كلها إليّ، والله ما كان من دين أبغض إليّ من دينك فأصبح دينك أحب الدين إليّ، والله ما كان بلد أبغض إليّ من بلدك فأصبح بدلك أحب البلاد إليّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فأمره أن يعتمر (١)، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت (٢) قال: لا، ولكني أسلمت مع محمد، ولا والله لا تأتيكم من اليمامة حبّة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ .
حدثنا فليح بن محمد اليمامي قال، حدثنا سعيد بن سعيد ابن أبي سعيد المقبري قال، حدثني أخي، عن جدّه، عن أبي هريرة ﵁ قال: خرجت خيل لرسول الله ﷺ
стр. 444
فأخذت رجلا من بني حنيفة (١) لا يشعرون من هو حتى أتوا به رسول الله ﷺ ، فقال: «أتدرون من أخذتم؟ قالوا:
لا والله يا رسول الله، قال «هذا ثمامة بن أثال، هذا سيد حنيفة وفارسها - وكان رجلا عليلا - أحسنوا إساره» ورجع إلى أهله، فقال: اجمعوا ما قدرتم عليه من طعامكم فابعثوا به إليه وأمر (٢) بلقحة (٣) له يغدى بها عليه ويراح، فلا يقع من ثمامة موقعا، (وإساره) (٤) ويأتيه النبي ﷺ ببعض ذلك فيقول «ايها يا ثمامة» فيقول: ايها يا محمد، إن تقتل تقتل ذا دم وإن ترد الفداء فسل مالا ما شئت. فلبث ما شاء الله أن يلبث، وقال النبي ﷺ ذات يوم «أطلقوا ثمامة» فلما أطلقوه خرج حتى أتى الصورين فتطهّر بأحسن طهوره، ثم أقبل فبايع النبي ﷺ على الإسلام، فلما أمسى جاءوا بما كانوا يأتونه من طعام فلم ينل منه إلا قليلا، وجاءوا باللقحة فلم يصب من حلابها إلا يسيرا، فتعجب من ذلك المسلمون فقال رسول الله ﷺ حين بلغه «ما يعجبون من رجل أكل في أول النهار في معاء كافر وأكل من آخر النهار في معاء مسلم،
стр. 445
الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معاء واحد» (١).
حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا علي بن ثابت قال، أخبرنا عكرمة بن عمار قال، حدثني عبد الله بن عبيد بن عمير وأبو زميل (٢):
أن أصحاب النبي ﷺ أخذوا ثمامة وهو طليق، وأخذوه وهو يريد أن يغزو بني قشير، فجاءوا به أسيرا إلى النبي ﷺ وهو موثق، فأمر به فسجن؛ فحبسه ثلاثة أيام في السجن ثم أخرجه فقال «يا ثمامة إني فاعل بك إحدى ثلاث، إني قاتلك، أو تفدي نفسك، أو نعتقك» قال إن تقتلني تقتل سيّد قومه، وإن تفادي فلك ما شئت، وإن تعتقني (تعتق) (٣) شاكرا. قال «فإني قد أعتقتك» قال: فأنا على أيّ دين شئت؟ قال «نعم» قال: فأتيت المرأة التي كنت موثقا عندها فقلت:
كيف الإسلام؟ فأمرت لي بصحفه ماء فاغتسلت، ثم علمتني ما أقول، فأتيت النبي ﷺ فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم قدمت مكة فقلت: يا أهل مكة إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ولا تأتيكم من اليمامة تمرة ولا برّة أبدا أو تؤمنوا بالله ورسوله، فكتب المشركون
стр. 446
من مكة إلى النبي ﷺ يسألونه بالله وبالرّحم أن لا يحبس الطعام عن مكة حرم الله وأمنه، فقدمت على النبي ﷺ فقال «يا ثمامة لا يثأر المسلم بالكافر، ولكن ارجع إلى قومك فادعهم إلى الإسلام فمن أقر منهم بالإسلام واتّبعك فانطلق إلى بني قشير ولا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن بايعوك حرمت عليك دماؤهم، وإن لم يبايعوك فقاتلهم. فدعا قومه فأسلموا معه، ثم غزا بني قشير فثأر بابنه.
حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثني عبد العزيز بن عمران، عن ابن غزيّة (١) الأنصاري، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ إلى ثمامة ابن أثال الحنفي يؤتى به، قال عبد العزيز: فأخبرني جعفر عن أبيه قال: الذي جاء به محمد بن مسلمة الأنصاري، أصابه بنخلة فأسره وجاء به، ثم رجع حديث ابن غزية قال: فربط إلى سارية في المسجد. وقال إبراهيم بن جعفر في حديثه: إلى السارية التي ارتبط إليها أبو لبابة - قال أبو هريرة ﵁: فخرج رسول الله ﷺ فوجده فقال «يا ثمام، ما تظنّ أني فاعل بك؟» قال: إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم (٢)، وإن
стр. 447
تسل مالا تعطه - قال أبو هريرة ﵁: فقلت في نفسي اللهم ألق في نفسه أن يأخذ منه الفداء، فو الله لأكلة من لحم جزور أحب إليّ من دم ثمامة (١) - ثم مرّ النبي ﷺ رائحا فأعاد عليه قوله الأول، فردّ عليه مثل ما قال له، ثم أعاد ذلك الثالثة فرد عليه جوابه الأول، فجاءه رسول الله ﷺ (فأطلقه) (٢) فخرج ثمامة إلى المناصع فاغتسل ورحض (٣) ثوبيه، ثم أقبل حتى وقف على النبي ﷺ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ثم كتب أبو ثمامة إلى أهل مكة - وهم يومئذ حرب للنبي ﷺ ، وكان مادة أهل مكة من قبل اليمامة - أم والله الذي لا إله إلا هو لا يأتينكم طعام ولا حبّة من قبل اليمامة حتى تؤمنوا بالله ورسوله، فأضر (٤) ذلك بأهل مكة حتى كتبوا إلى رسول الله ﷺ وهم حرب - فشكوا ذلك إليه، فكتب إلى أبي ثمامة: أن لا تقطع عنهم موادّهم التي كانت تأتيهم. ففعل.
стр. 448
(غزوة ذى قرد) (١)
حدثنا عفان قال، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب (٢)، عن أبي قلابة (٣)، عن أبي المهلب (٤)، عن عمران بن حصين قال:
كانت العضباء لرجل من عقيل، وكانت من سوابق الحاج فأسر الرجل وأخذت العضباء منه فمرّ به رسول الله ﷺ وهو في وثاق - ورسول الله ﷺ على حمار عليه قطيفة - فقال: «يا محمد، علام تأخدونني وتأخذون سابقة الحاجّ؟ فقال رسول الله ﷺ «نأخذك بجريرة قومك وحلفائك ثقيف» - قال: وكانت ثقيف قد أسروا رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ ، وقال فيما قال: إني مسلم، فقال رسول الله ﷺ «ولو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كلّ الفلاح» قال: ومضى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إني
стр. 449
جائع فأطعمني، وإني ظمآن فاسقني، فقال رسول الله ﷺ «هذه حاجتك» ففدي بالرجلين، وحبس رسول الله ﷺ العضباء (لرحله، قال ثم إن المشركين أغاروا على سرح المدينة فذهبوا به، وكانت العضباء فيه) (١) وأسروا امرأة (٢) من المسلمين، فكانوا إذا نزلوا أراحو إبلهم بأفنيتهم، فقامت المرأة ليلا بعد ما نوّموا، فجعلت كلما أتت على بعير رغا حتى أتت على العضباء فأتت على ناقة ذلول مجربة فركبتها، ثم وجّهتها قبل المدينة، ونذرت إن الله أنجاها عليها لتنحرنها» (٣)، فلما قدمت المدينة عرفت الناقة وقيل: ناقة رسول الله ﷺ ، وأخبر النبي ﷺ بنذرها، وأتته فأخبرته، فقال «بئس ما جزتها - أو بئس ما جزيتيها - نذرت إن الله أنجاها عليها لتنحرنها، ثم قال «لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم» قال عفان: وقال لي: وهيب: كانت ثقيف حلفاء بني عقيل، وقال عفان وزاد حماد بن سلمة قال: وكانت العضباء إذا جاءت لا تمنع من حوض ولا نبت.
حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن عمران بن حصين: بنحوه، وزاد: ففداه رسول الله ﷺ بالرجلين.
стр. 450
حدثنا عتاب بن زياد قال، حدثنا ابن المبارك، عن معمر عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين ﵁ قال: فأمر له رسول الله ﷺ بطعام، ثم فداه بالرجلين.
حدثنا عتاب بن زياد قال، حدثنا ابن المبارك، عن معمر عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران ابن حصين ﵁ قال: فأمر له رسول الله ﷺ بطعام - قال أبو زيد: كان مروان بن قيس الدوسي خرج يريد الهجرة إلى رسول الله ﷺ فمرّ بإبل لثقيف فاطردها، فأغارت ثقيف فأخذت ابنه وامرأتين له وإبلا، فلما طفر (١) رسول الله ﷺ عن حنين يريد الطائف شكا إليه مروان ما فعلت به ثقيف، فقال له رسول الله ﷺ إن كان (٢) قاله - خذ أول غلامين تلقاهما من هوازن، فأخذ أبيّ بن مالك (٣)، ويقال ابن سلمة بن معاوية بن قشير والآخر
стр. 451
حيدة (١) أحد بني الجريش، فأتى بها رسول الله ﷺ فنسبهما، فقال لأبي: «إما هذا فإن أخاه يزعم ويزعم له أنه فتى أهل المشرق. كيف قال القائل يا أبا بكر (٢)؟ قال فقال:
إن نهيكا (٣) أبى إلا خليقته … حتى تزول جبال الحرّة السود
قال أبو زيد بن شبة: والشعر لنهيك، وقيل هذا البيت منه:
يا خال دعني ومالي ما فعلت به … وخذ نصيبك منّي إنّني مودي
وأما هذا - لابن حيدة - فإنه من قوم صليب نسبهم (٤)، شديد بأسهم، أشدد يديك بهما حتى تؤدّي إليك ثقيف أهلك
стр. 452
ومالك، قال أبي: يا محمد، ألست تزعم أنك خرجت تضرب رقاب الناس على الحقّ؟ قال: «بلى». قال: فأنت والله أولى بثقيف منّي، شاركتهم في الدار المسكونة، والأموال المعمورة، والمرأة المنكوحة، قال: بل أنت أولى بهم مني، أنت أخوهم في العصب، وحليفهم بالله ما دام الصالف (١) مكانه، ولن يزول ما دامت السماوات والأرض، وقال لمروان «اجلس إليهما»، فكأنه لم يفعل، فأجاز بهما رسول الله ﷺ ، فشكوا ذلك إليه، فأمر بلالا بألا يغلق عليهما. فجاءه الضحاك بن سفيان الكلابي أحد بني بكر ابن كلاب (٢) فاستأذنه في الدخول على ثقيف، فأذن له، فكلّمهم في أهل مروان وماله، فوهبوه له، فدفعه إلى مروان فأطلق الغلامين، فعتب الضحاك بعد ذلك على أبيّ بن مالك في بعض الأمر، فقال يذكر بلاءه عنده:
أتنسى بلائي يا أبيّ بن مالك … غداة الرسول معرض عنك أشوس
يقودك مروان بن قيس بحبله … ذليلا كما قيد الذلول المخيّس (٣)
فعادت عليك (من) (٤) ثقيف عصابة … متى يأتهم مستقبس الشر يقبسوا
стр. 453
ويقال: إن نهيكا ركب إلى ثقيف فكلّمهم، وإنه قال هذه الأبيات لأخيه أبيّ بن مالك ومن معهما.
وكانوا (١) هم المولى فنادوا بحلمهم … عليك وقد كادت بك النفس تيأس
لعمرو أبيك يا أبيّ بن مالك … لغير الذي تأتي من الأمر أكيس
(سرية أبي قتادة ﵁ إلى بطن إضم) (٢)
حدثنا عفان قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد ابن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن (القعقاع بن عبد الله (٣) بن أبي حدرة الأسلمي، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ بعثه، وأبا قتادة، ومحلّم بن جثّامة (٤) سرية إلى إضم (٥)،
стр. 454
قال: فلقينا عامر بن الأضبط الأشجعي (١)، فحيّاهم بتحية الإسلام فكفّ أبو قتادة وأبو حدرة، وحمل عليه محلّم بن جثامة فقتله، فسلبه بعيرا له ومتيعا ووطبا من لبن، فلما قدموا أخبروا رسول الله ﷺ ، فقال: «قتلته بعد ما قال آمنت بالله؟» ونزل القرآن ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ (٢)!.
قال محمد بن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر قال، سمعت زياد بن ضميرة بن سعد الضمري (٣) يحدث (عن (٤)
стр. 455
عروة، عن أبيه وجده - وقد كانا شهدا مع رسول الله ﷺ حنينا - قال: فصلى رسول الله ﷺ صلاة الظهر، فقام إلى ظل شجرة فقعد فيه، فقام إليه عيينة بن (حصن بن حذيفة بن (١) بدر يطلب بدم عامر بن الأضبط الأشجعي - وهو سيد قيس - وجاء الأقرع بن حابس (٢) يردّ عن (٣) دم محلّم بن جثّامة وهو سيد خندف، فقال رسول الله ﷺ لقوم عامر ابن الأضبط «هل لكم أن تأخذوا منا الآن خمسين بعيرا وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة؟» فقال عيينة (بن حصن بن حذيفة) ابن بدر: «لا والله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحزن مثل ما أذاق نسائي، فقام رجل من بني ليث يقال له مكيتل (وهو) (٤)
стр. 456
القصير من الرجال (١) - فقال: يا رسول الله، ما أجد لهذا القتيل مثلا في غرّة (٢) الإسلام إلا كغنم وردت فرميت (٣) أولاها ونفرت أخراها، اسنن اليوم وغيّر غدا، فقال رسول الله ﷺ : هل لكم أن تأخذوا خمسين (بعيرا (٤) الآن وخمسين إذا رجعت إلى المدينة؟» فلم يزل بهم حتى رضوا بالدّية، فقال قوم محلّم: ايتوا به حتى يستغفر له رسول الله ﷺ قال: فجاء رجل طوال (٥) ضرب اللحم في حلة قد تهيأ للقتل فيها، فقعد بين يدي رسول الله ﷺ فقال: اللهم لا تغفر لمحلّم، اللهم لا تغفر لمحلّم، قال فقام وإنه ليتلقى دمعه بطرف ثوبه، قال محمد: زعم قومه أنه استغفر له بعد ذلك.
حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد، عن عبد الله بن أبي حدرة الأسلمي، عن أبيه بنحوه، وقال زياد بن ضميرة: وقال في غرّة الإسلام.
стр. 457
حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حمّاد بن سلمة، عن خالد الحذاء عن أبي قلابة: أن جيشا لرسول الله ﷺ غزوا قوما من بني تميم، فحمل (على (١) رجل منهم فقال:
إني مسلم، فقتله، قال خالد: فحدثني نصر بن عاصم الليثي (٢):
أنه كان محلّم بن جثّامة الذي حمل على الرجل الذي قال إني مسلم فقتله، فجاء قومه - وأسلموا - فقالوا: يا رسول الله، إن محلّم ابن جثّامة. قتل صاحبنا بعد ما قال إني مسلم، فقال: «أقتلته بعد ما قال إني مسلم؟» فقال: يا رسول الله، إنما قالها متعوذا، فقال «فلولا شققت عن قلبه لتعلم ذاك» قال فكنت أعلمه، قال «فلم قتلته؟» ثم قال «أنا آخذ من أخذ بكتاب الله، فاقعد للقصاص».
فلما أرادوا أن يقتلوه اشتدّ ذلك على رسول الله ﷺ ، وكان من فرسان النبي ﷺ فكلّم قومه فأعطاهم الدّيّة، وأعطاهم محلّم دية أخرى، فأخذوا ديتين.
حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن بكار قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا عبد الله بن زياد بن سمعان، وغيره، عن ابن شهاب الزّهري، عن عبد الله بن موهب (٣)، عن قبيصة
стр. 458
ابن ذويب الكعبي قال: أرسل النبي ﷺ سرية فلقوا المشركين بإضم أو قريب منه، فهزم الله المشركين، وغشي محلّم ابن جثّامة الليثي عامر بن الأضبط الأشجعي، فلما لحقه قال:
أشهد أن لا إله إلا الله. فلم ينته بكلمته حتى قتله، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فأرسل إلى محلّم فقال: أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟» فقال: يا رسول الله، إن كان قالها: فإنما يعوذ بها، وهو كافر. فقال رسول الله ﷺ : ألا ثقبت عن قلبه؟ قال: يريد - والله أعلم - إنما كان يعرب عن القلب واللسان - قال ابن سمعان: وإنه قتله محلّم رغبة في سلاحه، وفيه أنزلت هذه الآية: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ (١)» قال الوليد وأنبأنا أبو سعيد فكان يحدثنا أنه سمع الحسن يقول: إنما نزلت هذه في قتل (٢) مرداس الفدكيّ.
قال وحدثني ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر. قال:
نزلت هذه الآية في قاتل مرداس الفدكي.
حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا يونس بن محمد قال، حدثنا شيبان (٣)، عن قتادة في قوله ﴿فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ قال: كنتم كفارا حتى منّ الله عليكم بالإسلام
стр. 459
﴿فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (١) قال نزلت هذه الآية - فيما حدثنا - في مرداس، رجل من غطفان، ذكر لنا: أن النبي ﷺ بعث جيشا عليهم غالب (بن فضالة (٢) الليثي إلى أهل فدك، فبرز أهل مرداس في الجبل وصبحته الخيل غدوة، وقال لأهله: إني مسلم، وإني غير متّبعكم. ففر أهله في الجبل، فلقيته الخيل غدوة، فلما لقي أصحاب النبي ﷺ فقتلوه وأخذوا كل ما معه من شيء، فأنزل الله في شأنه ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ (٣) قال: لأن تحية المسلمين السلام، بها يتعارفون، ويلقى بعضهم بعضا.
حدثنا سعيد بن أوس قال، حدثنا الأشعث، عن محمد، عن رجل من قريش: الذي قتل رجلا من المشركين من بني تميم بعد قال إنّي مسلم، فطلب بدمه الأقرع بن حابس ووكيع، فقال النبي ﷺ «قتلته بعد ما قال إني مسلم؟» فقال:
إنه يا رسول الله إنما قال متعوذا. قال «أفلا شرحت عن (٤) صدره» قال: فدفعه إليهم (٥)، فعرفوا في وجه رسول الله ﷺ الكراهة، فلم يزالوا بهما حتى رضيا بالدّية، فقالوا: يا رسول الله، إنهما قد رضيا بالدّية، قال: فاستعمل رسول الله ﷺ أحدهما أو كلاهما على السّقاية وقال: دناه منها.
стр. 460
(غزوة الخندق) (١)
حدثنا ابن أبي الوزير قال، حدثنا سفيان عن عمرو، عن عكرمة قال: قدم كعب بن الأشرف وحييّ بن أخطب مكة، فقالت لهم قريش: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم فأخبرونا عنا وعن محمد، قالوا: ما أنتم وما محمد؟ قالوا: نحن ننحر الكوماء (٢)، ونفكّ العناء، ونسقي اللبن على الماء، ونسقي الحجيج، ونصل الأرحام. قالوا: فما محمد؟ قالوا صنبور (٣)، قطع أرحامنا.
واتّبعه سرّاق الحجيج بنو غفار، فنحن أهدى سبيلا أم محمد؟ قالوا: أنتم، فأنزل الله: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً» (٤).