ابن فاروق طاوس، عن أبيه، عن صفوان بن أمية. أنه قيل له:
إنّ الجنّة لا يدخلها إلا من هاجر، قال: فقلت لا أدخل منزلي حتى آتي رسول الله ﷺ فأسأله، قال: فأتيت رسول الله ﷺ وقلت: يا رسول الله، إنهم يقولون لا يدخل الجنة إلا من هاجر، فقال رسول الله ﷺ : «لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن جهاد ونيّة وإن استنفرتم فانفروا» (١).
حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا محمد بن إسحاق، عن ابن جعفر: أن صفوان بن أمية أتى رسول الله ﷺ بعد الفتح، فقال: «ما جاء بك أبا أمية»؟ قال: زعم الناس أنه لا خلاق لمن لم يهاجر، فقال «عزمت عليك لترجعنّ حتى تتبطح ببطحاء مكة» (٢) فعلم أنه لا هجرة بعد الفتح.
قال محمد بن حاتم، أخبرنا الحزامي، عن محمد بن طلحة قال، حدثنا إسحاق - رجل من ولد حارثة بن النعمان - عن أبيه، عن جده قال: لما قدم صفوان بن أمية المدينة قال رسول الله ﷺ «على من نزلت»؟ قال: على العباس بن عبد المطلب ﵁، قال ﷺ : «نزلت على أشد قريش لقريش حبّا».
قال أبو زيد بن شبة: كان نعيم بن عبد الله بن النحام (٣) يمون عالة بني عديّ، فأراد الهجرة إلى رسول الله ﷺ ،
стр. 492
فسأله قومه المقام فيهم، وقالوا: إنه لا ينالك أحد بمكروه ومنا نفس حيّة، فأقام. فقال له رسول الله ﷺ : «قومك كانوا لك خيرا من قومي لي؛ أخرجني قومي وحبسك قومك» قال نعيم:
يا رسول الله، إن قومك أخرجوك إلى الهجرة وحبسني قومي عنها.
حدثنا أبو الوليد القرشي قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا أبو مهدي سعيد بن سنان (١)، عن أبي الزاهرية (٢) حدير بن كريب، عن جبير بن نفير: أن رسول الله ﷺ كان إذا صلّى بالناس فسلّم قام فتصفح بوجهه الناس، فإذا رأى رجلا لم يكن رآه قبل ذلك سأل عنه. قال جبير: فرأى يوما رجلا لم يكن رآه قبلها فقال: «من تكون يا عبد الله»؟ فرفع رأسه فقال: أنا واثلة بن الأسقع (٣) الليثي، قال «فما جاء بك»؟ قال مهاجرا إلى
стр. 493
الله ورسوله، قال «هجرة إقامة أم هجرة رجعة»؟ قال: وكان منهم من يسلم ثم يرجع ومنهم من يسلم ويقيم - قال: بل هجرة إقامة، فقال رسول الله ﷺ «أعطني يدك» فبسطها فصافحه على: «شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وتطيع الله ورسوله فيما استطعت»، قال: نعم، فصافح رسول الله ﷺ على يده، وكانت بيعة رسول الله المهاجرين فيما استطعت.
حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثني عاصم بن حكيم، عن يحيى بن أبي عمرو السّيباني (١)، عن ابن الديلمي، عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: خرجت من أهلي أريد الإسلام، فقدمت على رسول الله ﷺ ، وهو في الصلاة، فصففت في آخر الصفوف فصلّيت بصلاتهم، فلما فرغ انتهى إلى واثلة وهو في آخر الصفوف فقال: «ما حاجتك»؟ قلت: الإسلام، قال «هو خير لك» قال: «وتهاجر»؟ قلت: نعم، قال هجرة البادي أو هجرة التأله (٢)؟ قلت أيّها خير»؟ قال «هجرة التأله» - قال: وهجرة التأله أن يثبت مع رسول الله صلى الله عليه
стр. 494
وسلم، وهجرة البادي أن يرجع إلى باديته - قال «وعليك الطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك» قلت: نعم، قال: فقدّم يده وقدّمت يدي، فلما رآني لا أستثني لنفسي شيئا قال: «فيما استطعت» قلت: فيم استطعت، فضرب على صدري.
حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا خالد بن عبد الله، عن داود ابن أبي هند، عن أبي حرب (١) - يعني ابن أبي الأسود الديلي، عن طلحة - قال أبو زيد: هذا طلحة (بن عمرو (٢) النضري) - قال: كان من قدم المدينة، فكان له بها عريف نزل على عريفه، ومن لم يكن له بها عريف نزل الصّفّة، فكنت فيمن نزل الصّفّة، فوافقت رجلين فكان يجرى علينا في كل يوم مدّ من تمر (٣) من رسول الله ﷺ ؛ فانصرف النبي ﷺ فناداه رجل من أهل الصّفّة: يا رسول الله، أحرق التمر بطوننا، وتخرقت علينا الخنف (٤) فقال النبي ﷺ إلى منبره فحمد الله وأثنى عليه، وذكر ما لقي من قومه، حتى أن كان ليأتي عليّ وعلى صاحبيّ
стр. 495
بضعة عشر يوما ما لنا طعام إلا البرير (١) فقدمنا على إخواننا من الأنصار - وجلّ طعامهم التمر - فواسونا، ولو أجد لكم الخبز واللحم لأطعمتكم، ولكن لعلكم ستدركون زمانا - أو من أدركه منكم - تلبسون فيه مثل أستار الكعبة، ويغدى ويراح عليكم بالجفان.
حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن هشام بن الوليد، عن زياد بن مخراق، عن عبد الله بن مغفل المزني (٢) قال: كان النبي ﷺ إذا هاجر أحد من العرب وكّل به رجلا من الأنصار، فقال: «ففقّهه في الدين، وأقرئه القرآن، فهاجرت إلى رسول الله ﷺ فوكّل بي رجلا من الأنصار ففقّهني في الدين، وأقرأني القرآن، وكنت أغدو عليه فأجلس ببابه حتى يخرج متى يخرج، فإذا خرج تردّدت معه في حوائجه فأستقرئه القرآن، وأسأله في الدين حتى يرجع إلى بيته، فإذا دخل بيته انصرفت عنه.
حدثنا عبد الله بن رجاء قال، أنبأنا إسرائيل، عن سماك،
стр. 496
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ في قوله:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ (١) قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله ﷺ إلى المدينة.
حدثنا أيوب بن محمد قال، حدثنا محمد بن مصعب قال، حدثنا قيس، عن سماك بإسناده مثله.
حدثنا خالد بن عبد العزيز الثقفي قال، حدثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن مجاهد قال: مرّت بابن عمر ﵄ رفقة فقال: من القوم؟» فقال: حادي بن عمر: قريش. فقال ابن عمر:
قريش قريش!! نحن المهاجرون.
حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا مالك بن أنس قال: لما قدم المهاجرون على الأنصار المدينة قال لهم رسول الله ﷺ «قاسموا الذين قدموا عليكم» قالوا (٢): نعم يا رسول الله نقاسمهم التمر، قال «أو غير ذلك» قالوا: ما هو؟ قال: يكفونكم المؤنة وتقاسمونهم التّمر، قالوا: سمعنا وأطعنا، فكانوا يكفونهم المؤنة ويقاسمونهم التمر، حتى إن كان أحدهم ليكون له المرأتان فيخيّر أخاه المهاجر في إحداهما.
(قسم أموال بني النضير)
(٣) حدثنا حبّان بن بشر قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن أبي بكر، عن الكلبي قال: لما ظهر النبي ﷺ على
стр. 497
أموال بني النضير قال للأنصار «إن إخوانكم من المهاجرين ليست لهم أموال، فإن شئتم قسمت هذه الأموال بينهم وبينكم جميعا، وإن شئتم أمسكتم أموالكم فقسمت هذه فيهم خاصة؟» قالوا:
لا، بل أقسم هذه فيهم، وأقسم لهم من أموالنا ما شئت. فنزلت ﴿وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ (١) قال، وقال أبو بكر: يا معشر الأنصار جزاكم الله خيرا، فو الله ما مثلنا ومثلكم إلا ما قال طفيل الغنوي (٢) لبني جعفر (٣):
جزى الله عنّا جعفرا حين أزلقت … بنا نعلنا في الواطئين فزلّت
أبوا أن يملّونا ولو أنّ أمّنا … تلاقي الذي يلقون منّا لملّت
فذو المال موفور وكلّ معصّب … إلى حجرات أدفأت وأظلّت (٤)
قال يحيى: وحدثنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق
стр. 498
قال: قسمها رسول الله ﷺ في المهاجرين إلا سهل ابن حنيف (١) وأبو دجانة (٢) وكذا نفرا فأعطاهما منها.
حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال، حدثنا حميد، عن أنس ﵁ قال: قال المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أكثر بذلا من كثير، ولا أكثر مواساة من قليل، كفونا المؤنة وأشركونا في المهنأ، فقد خشينا أن يكونوا قد ذهبوا بالأجر كله، فقال رسول الله ﷺ : «كلا، ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم».
حدثنا هارون بن عبد الله قال، سمعت عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم يقول في قول الله ﴿إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَ أَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (٣) ليست عامة إلا في المهاجرين
стр. 499
الأولين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، بكى عليهم أزواجهم وأولادهم فنزلت فيهم.
حدثنا عفان، وموسى (١). قال، حدثنا أبو هلال (٢)، عن قتادة قال قلت لسعيد بن المسيّب: ما فرّق بين المهاجرين الأولين والمهاجرين الآخرين؟ قال: فرّق بينهم القبلتان، فمن صلى القبلتين مع النبي ﷺ فهو من المهاجرين الأولين.
حدثنا محمد بن الصباح قال، حدثنا هشيم قال، أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: المهاجرون الأولون الذين شهدوا بيعة الرضوان.
قال محمد وحدثنا هشيم، قال أنبأنا داود قال، سمعت الشعبي يقول: فضل ما بين الهجرتين بيعة الرضوان يوم الحديبية.
قال وحدثنا هشيم قال: إمّا منصورا وإما غيره من أصحابنا حدثنا، عن الحسن قال: فتح مكة.
حدثنا عبد الأعلى بن حماد قال، حدثنا معتمر بن سليمان قال، سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: ما بقي أحد صلى القبلتين غيري.
حدثنا الحجاج بن نصير قال، حدثنا قرّة قال، سألت
стр. 500
محمدا عن المهاجرين الأولين فقال: من صلى القبلتين جميعا مع النبي ﷺ ، قال وكان النبي ﷺ وأصحابه: صلوا قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا.
حدثنا محمد بن يحيى أبو غسان قال، حدثني عبد العزيز ابن عمران عن مجمع بن يعقوب الأنصاري، عن الحسن بن السائب ابن أبي لبابة، عن عبد الله بن أبي أحمر قال: قالت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أنزل فيّ آيات من القرآن، كنت أوّل من هاجر في الهدنة حين صالح رسول الله ﷺ قريشا على أنه من جاء رسول الله ﷺ بغير إذن وليّه ردّه إليه، ومن جاء قريشا ممن مع رسول الله ﷺ لم يردوه إليه. قالت: فلما قدمت المدينة قدم عليّ أخي الوليد بن عقبة.
قالت: ففسخ الله العقد الذي بينه وبين المشركين في شأني، فأنزل الله «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ إلى قوله ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» (١) قالت: ثم أنكحني رسول الله ﷺ زيد بن حارثة، وكان أول من نكحني فقلت: يا رسول الله زوّجت (بنت) (٢)
стр. 501
عمك مولاك؟ فأنزل الله ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١) قالت: فسلّمت لقضاء رسول الله ﷺ ، ثم قتل عني فأرسل إليّ الزبير بن العوام أبيّ بن خالد فأحبسني على نفسه (٢). فقلت:
نعم، فأنزل الله «وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ» (٣) قالت: ثم حللت فتزوجت الزّبير، وكان ضرّابا للنساء فوقع بيني وبينه بعض ما يقع بين المرء وزوجه فضربني وخرج عني وأنا حامل في سبعة أشهر، فقلت: اللهم فرّق بيني وبينه، ففارقني فضربني المخاض فولدت زينب بنت الزبير، فرجع وقد حللت فتزوجت عبد الرحمن بن عوف ﵁، فولدت عنده إبراهيم ومحمدا وحميدا بني عبد الرحمن بن عوف.
حدثنا يزيد قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا عمرو بن ميمون بن مهران، عن أبيه: أن أم كلثوم بنت عقبة كانت تحت الزبير بن العوام، وكانت له كارهة، وكان شديدا
стр. 502
على النساء، فكانت تسأله الطلاق فيأبي، فضربها المخاض وهو لا يعلم، فألحّت عليه يوما وهو يتوضأ للصلاة فطلقها تطليقة، ثم خرج إلى الصلاة فوضعت، فاتبعه إنسان من أهله وقال: إنها وضعت، قال: خدعتني خدعها الله، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال «سبق فيها كتاب الله، اخطبها» قال: لا لا ترجع إليّ.
حدثنا الحزامي قال، حدثنا ابن وهب قال، أنبأنا ابن لهيعة: أن أم كلثوم ابنة عقبة بن معيط كانت أخت عثمان ابن عفان لأمه، وأنها أول بكر من قريش هاجرت إلى الله ورسوله، فتزوّجها زيد بن حارثة، ثم تزوّجها الزبير بن العوام، ثم تزوجها عبد الرحمن بن عوف فمات عنها، ثم تزوجها عمرو بن العاص ﵁.
حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عكرمة: أن أميمة بنت بشر الأنصاري ثم من بني عمرو بن عوف كانت تحت يدي الدحداح (١) - وهو يومئذ مشرك - ففرّت من زوجها بمكة حتى أتت النبي ﷺ تريد الإسلام، فهمّ النبي ﷺ بردّها حتى أنزل الله «فامتحنوهن» (٢) فكان النبي صلى الله
стр. 503
عليه وسلم يقول للمرأة حين تأتيه «بالله» ما أخرجك «بغض» زوجك؟ بالله ما أخرجك، شدة أصابتك؟ بالله ما تريدين «إلا» (١) الإسلام والهجرة إلى الله ورسوله؟ ففعلت (٢)، وأن النبي ﷺ زوّجها سهل بن حنيف فولدت عبد الله بن سهل.
حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا ابن وهب، عن حنيف بن شريح، عن يزيد بن أبي حبيب: أن امرأة ابن الدحداح أميمة بنت بشر فرّت من زوجها - وكان مشركا - فلما جاءت رسول الله ﷺ همّ بردها، فأنزل الله «فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّارِ» (٣) فنكحها سهل بن حنيف، فبعث إلى المشرك بما أنفق وهو من الصداق.
حدثنا ابن حذيفة قال، سفيان، عن مجاهد في قوله «إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ» قال: كانت المرأة (٤) من المشركين تفر إلى المسلمين فيعطي المشركين المسلمون مهرها، فأنزل الله «وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ» (٥) يقول إن أصبتم منهم غنيمة.
حدثنا أبو أيوب الهاشمي قال، حدثنا ابن أبي الزناد،
стр. 504
عن أبيه عن عروة: أن أسماء بنت أبي بكر قالت: قدمت عليّ أمي في عهد قريش - وهي مشركة - إذ عاهدوا رسول الله ﷺ في مدتهم، فاستفتيت رسول الله ﷺ فقلت: إن أمي قدمت عليّ وهي راغبة أفأصلها؟ قال «نعم فصلي أمّك».
حدثنا ابن عتمة قال، حدثنا ابن عائشة قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن أسماء ابنة أبي بكر ﵂ قالت: قدمت عليّ أمي؛ تعني لميرها - وهي راغبة، وهي في عهد قريش ومدتهم التي كانت بينهم وبين رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت عليّ وهي مشركة، أفأصلها؟ قال «نعم فصليها».
حدثنا عتاب بن زياد قال، حدثنا ابن المبارك، عن مصعب ابن ثابت، عن عبد الله بن الزبير قال، أخبرني عامر بن عبد الله ابن الزبير عن أبيه قال: قدمت قتيلة بنت عبد العزّى بن عبد أسد (ابن نصر (١) من بني مالك بن حسل على ابنتها أسماء بنت أبي بكر ﵂، وكان أبو بكر ﵁ طلقها في الجاهلية، فقدمت على ابنتها بهدايا ضباب وسمن وقرظ (٢)، فأبت أسماء ﵂ أن تقبل منها أو تدخلها منزلها حتى
стр. 505
أرسلت إلى عائشة ﵂: أن سلي عن هذا رسول الله ﷺ فأخبرته، فأمرها رسول الله ﷺ أن تقبل هداياها، وتدخلها منزلها وأنزل الله «لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ» (١) إلى آخر الآيتين.
حدثنا الحزامي وحدثنا ابن وهب، عن جرير قال، حدثني رجل من أهل مكة يقال له عثمان بن القاسم قال: لما خرجت أمّها (٢) من مكة مهاجرة إلى المدينة أمست بالمنصرف (٣) قريبا من الرّوحاء (٤) فلم تجد ما تفطر عليه، وعطشت فاشتد عطشها، فدلي لها من السماء دلو ثم شيء أبيض فشربت. وكانت تقول: ما عطشت منذ شربت تلك الشربة، قد صمت في الهواجر وتعرضت للعطش فما أصابني عطش بعد».
حدثنا عبد الله بن رجاء قال، أنبأنا المسعودي قال حدثنا
стр. 506
عديّ بن ثابت، عن أبي بردة (١)، عن أبي موسى الأشعري (٢) قال:
لقي عمر ﵁ أسماء بنت عميس (٣) ﵂ فقال:
نعم القوم أنتم، لولا أنكم سبقتم بالهجرة، فنحن أفضل منكم.
فقالت: كنتم مع رسول الله ﷺ يعلّم جاهلكم ويحمل راجلكم، وفررنا بديننا، ولست براجعة حتى أدخل على رسول الله ﷺ ، فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله إني لقيت عمر فقال كذا وكذا. فقال رسول الله ﷺ «لكم هجرتكم مرّتين؛ هجرتكم إلى الحبشة وهجرتكم إلى المدينة (٤)».
حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا سفيان، عن ابن إسحاق: أن عكرمة بن أبي جهل لما قدم على رسول الله صلى الله
стр. 507
عليه وسلم قال رسول الله ﷺ «مرحبا بالراكب المهاجر، مرحبا بالراكب المهاجر» فقال عكرمة: والله يا رسول الله لا أدع موقفا وقفته لأحدّ (١) به عن سبيل الله، ولا أدع نفقة أنفقتها لأحد بها عن سبيل الله إلا أنفقت مثلها في سبيل الله.
الوفود
(وفد ثقيف) (٢)
حدثنا رجاء بن سلمة قال، حدثنا أبي قال، حدثنا روح بن غطيف، عن أبيه (غطيف (٣) بن أبي سفيان قال:
أتت الأنصار رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، ادع الله على ثقيف، فقال ﷺ «اللهم اهد ثقيفا» قالوا: يا رسول الله، ادع عليهم، فقال «اللهم اهد ثقيفا (٤)» فعادوا فعاد، فأسلموا، فوجدوا من صالحي الناس إسلاما، ووجد منهم أئمة وقادة.
وقدم وفدهم على رسول الله ﷺ فضرب عليهم
стр. 508
القبة في المسجد (فقال عمر ﵁: يا رسول الله إنهم (١) لا يصلون. فقال النبي ﷺ «دعهم يا عمر فإنهم سيستحيون ألاّ يصلّوا، فمكثوا يومهم لا يصلون والغد، حتى إذا كان عند العصر صلّوا بغير وضوء فقال عمر ﵁: يا رسول الله صلّوا بلا وضوء. فقال ﷺ «دعهم فإنهم سيتوضأون» حتي إذا كان اليوم الثالث غسلوا وجوههم ورؤوسهم وأعناقهم وأيديهم إلى المناكب، وتركوا الأرجل، فقال عمر: إنهم فعلوا كذا وكذا، فقال «دعهم فإنهم سيتوضأون، وغدوا اليوم الخامس فغسلوا البطون والظهور، فأتى عمر ﵁ النبي ﷺ فأخبره فقال «دعهم عنك» فلم يذكر شيئا من أمرهم بعد حتى قدمت عليهم هديّة من الطائف؛ عسل وزبيب ورمّان وشنان (٢) فرسك (٣) مربّب، فأهدوا إلى رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ «صدقة أم هدية؟» فقالوا: بل هدية يا رسول الله، ففتح رسول الله ﷺ سقاء من العسل قال «ما هذا؟» قالوا: ضريب (٤) فأكل منه، ثم فتح الثاني فقال «ما هذا؟» فقالوا: ضريب يا رسول الله، قال «ما أطيب ريحه وأطيب طعمه»، وأكل منه، ثم قاموا عنه، وأهدى له رجل من بني ليث شاة مطبوخة بلبن، فالتمس العوض فأعطاه رسول الله ﷺ
стр. 509
وقال «هل رضيت؟» قال: لا، فدخل فأعطاه وقال «هل رضيت؟» قال: لا، قال «ويحك لا تبخلني فإني لم أخلق بخيلا ولا جبانا» فالتمس فجاءه بقبضة (١) من شعير وسلت (٢) وتمر فأعطاه إياه، ثم قال «هل رضيت؟» قال: نعم. فقال «لا أتّهب إلا من قريشي أو ثقفي، فإنهما حيّان لا يتعجلان الثائبة.
حدثنا الحزامي قال، حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: أقبل وفد ثقيف - بعد قتل عروة بن مسعود؛ بضعة عشر رجلا هم أشراف ثقيف - فيهم كنانة بن عبد يا ليل، وهو رأسهم يومئذ، وفيهم عثمان بن أبي العاص بن بشر، وهو أصغر الوفد، حتى قدموا على رسول الله ﷺ يريدون الصّلح والقضيّة وهو بالمدينة حين رأوا أن قد فتحت مكة وأسلم عامّة العرب. فقال المغيرة بن شعبة: يا رسول الله. أنزل عليّ قومي فأكرمهم فإني حديث الجرم فيهم، فقال رسول الله ﷺ «لا أمنعك أن تكرم قومك، ولكن تنزلهم حيث يسمعون القرآن» قال: وكان من جرم المغيرة في قومه أنه كان أجيرا لثقيف فإنهم أقبلوا من مضر حتى إذا كانوا ببساق (٣) عدا عليهم - وهم نيام - فقتلهم، ثم أقبل بأموالهم حتى أتى رسول الله صلى
стр. 510
الله عليه وسلم، فقال: أخمّس مالي هذا؟ قال «وما نبأه؟» قال:
كنت أجيرا لثقيف، فلمّا سمعت بك قتلتهم، وهذه أموالهم.
فقال رسول الله ﷺ «إنا لسنا بغدر» وأبى أن يخمّس ما معه، وأنزل النبي ﷺ وفد ثقيف في المسجد، وبنى لهم خياما لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلّوا، وكان النبي ﷺ إذا خطب لم يذكر نفسه، فلما سمعه وفد ثقيف قالوا: يأمرنا أن نشهد أنه رسول الله ولا يشهد هو به في خطبتهم. فلما بلغه قولهم قال «فأنا أوّل من شهد أني رسول الله» وكانوا يغدون عليه كل يوم ويخلفون عثمان بن أبي العاص في رحالهم لأنه أصغرهم، فكان عثمان كلما رجع إليه الوفد وقالوا بالهاجرة عمد لرسول الله ﷺ فسأله عن الدين واستقرأه القرآن، فاختلف إليه عثمان مرارا حتى فقه وعلم، وكان إذا وجد النبي ﷺ نائما عمد لأبي بكر ﵁، وكان يكتم ذلك من أصحابه، فأعجب رسول الله ﷺ بعثمان وأحبّه، فمكث الوفد يختلفون إلى رسول الله ﷺ وهو يدعوهم إلى الإسلام، فأسلموا، فقال له كنانة بن عبد يا ليل: هل أنت مقاضينا (١) حتى نرجع إليك؟ قال: «نعم إن أنتم أقررتم بالإسلام قاضيتكم وإلا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم» قالوا: أرأيت الزّنا
стр. 511
فإنّا قوم نغترب» قال «هو عليكم حرام، إنّ الله قال: «لا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً» (١) قالوا أرأيت الرّبا؟ قال:
«والرّبا حرام (٢)» قالوا: فإنها أموالنا كلّها؟ قال «لكم رؤوس أموالكم؛ فإن الله قال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» (٣) قالوا: أفرأيت الخمر، فإنها عصير أعنابنا (٤) ولا بد لنا منه؟ قال «فإنّ الله قد حرّمها، فقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (٥) فارتفع القوم وخلا بعضهم ببعض فقال سفيان بن عبد الله (٦): ويحكم إنا نخاف إن خالفناه يوما كيوم مكّة، انطلقوا فيه فلنكافئه على ما سألنا، فأتوه ﷺ فقالوا: نعم لك ما سألت، وقالوا: أرأيت الرّبّة، ماذا نصنع فيها؟ قال: «اهدموها» قالوا: هيهات، لو تعلم الرّبة أنك تريد هدمها قتلت أهلينا، قال عمر ﵁: ويحك يا ابن
стр. 512
عبد يا ليل ما أحمقك، إنما الرّبّة حجر (لا يدري من عبده ممّن لا يعبده) (١) قال: إنا لم نأتك يا ابن الخطاب، قالوا: يا رسول الله أرسل أنت فاهدمها فإنا لن نهدمها أبدا، قال «فسأبعث إليكم من يكفيكم هدمها» فكاتبوه، فقال كنانة بن عبد يا ليل: ائذن لنا قبل رسولك، ثم ابعث في آثارنا، فإني أعلم بقومي. فأذن لهم وأكرمهم وحملهم، قالوا: يا رسول الله، أمّر علينا رجلا منّا، فأمّر عليهم عثمان بن أبي العاص، لما رأى من حرصه على الإسلام، وقد كان علّم سورا من القرآن قبل أن يخرج، فقال كنانة بن عبد يا ليل: أنا أعلم الناس بثقيف، فاكتموهم القضية وخوّفوهم بالحرب والفناء، وأخبروهم أن محمدا سألنا أمورا أبيناها عليه، وسألنا أن نهدم اللاّت، ونبطل أموالنا في الرّبا، ونحرّم الخمر والزّنا.
فخرجت ثقيف حين دنا الوفد منهم يتلقونهم، فلما رأوهم قد ساروا العنق (٢)، وقطروا (٣) الإبل، وتغشوا ثيابهم كهيئة القوم قد حزنوا وكربوا ولم يرجعوا بخير، فلما رأت ثقيف ما في وجوه القوم قال بعضهم لبعض: ما جاء وفد كم بخير، ولا رجعوا به.
فدخل الوفد فعمدوا إلى اللات فنزلوا عندها، واللات بيت كان بين ظهري الطائف بستر ويهدى لها الهدي، ضاهوا به بيت الله، وكانوا يعبدونها، فيقول ناس من ثقيف حين نزل الوفد إليها كأنهم (٤)
стр. 513
لا عهد لهم برؤيتها (١)، ورجع كل رجل منهم إلى أهله، وأتى كل رجل منهم جانبه من ثقيف فسألوه: ماذا جئتم به، وما رجعتم به؟ قالوا: أتينا رجلا غليظا يأخذ من أمره ما شاء، قد ظهر بالسيف وأداخ (٢) العرب، وأدان له الناس، فعرض علينا أمورا شدادا:
هدم اللات وترك الأموال في الرّبا إلا رؤوس أموالنا، وتحريم الخمر.
قالت ثقيف: فو الله لا نقبل هذا أبدا، فقال الوفد فأصلحوا السلاح وتيسروا للقتال (٣)، ورمّوا حصنكم. فمكثت بذلك ثقيف يومين أو ثلاثة يريدون - زعموا - القتال، ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب، فقالوا: والله ما لنا طاقة به، أداخ العرب كلّها، فارجعوا إليه وأعطوه ما سأل وصالحوه عليه، فلما رأى الوفد أنهم قد رعبوا وخافوا واختاروا الأمن على الخوف والحرب قال الوفد: فإنا قد قاضيناه، وأعطانا ما أحببنا وشرط لنا ما أردنا، ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم، وأرحمهم وأصدقهم، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه، وفيما قاضيناه عليه. فانهوا القضية واقبلوا عاقبة الله، قالت ثقيف: فلم كتمتمونا هذا الحديث وغممتمونا به أشد الغم؟ قالوا: أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان (٤). فأسلموا مكانهم واستسلموا، ومكثوا أياما، ثم قدمت عليهم رسل رسول الله ﷺ أميرهم خالد بن الوليد، وفيهم المغيرة بن شعبة،
стр. 514
فلما قدموا عمدوا إلى اللات فهدموها، وقد استكفت (١) ثقيف الرجال منهم والنساء والصبيان حتى خرج العواتق (٢) من الحجال، لا ترى عامة ثقيف أنها مهدومة، ويظنون أنها ممتنعة، فقام المغيرة ابن شعبة ﵁ فأخذ الكرزن (٣) وقال: لأضحكنّكم من ثقيف، فضرب بالكرزن ثم سقط يرتكض، فارتجّ أهل المدينة بصيحة واحدة قالوا: أبعد الله المغيرة، قد قتلته الرّبّة - حين رأوه ساقطا - وقالوا: من شاء منكم فليتقرب (٤) وليجتهد على هدمها، فو الله لا يستطاع أبدا، فوثب المغيرة فقال: قبّحكم الله يا معشر ثقيف، إنما هي لكاع حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه، ثم ضرب الباب فكسره ثم علا على سورها وعلا الرجال معه فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى سوّوها بالأرض، وجعل صاحب المفاتيح يقول: ليغضبن الأساس وليخسفنّ بهم، فلما سمع ذلك المغيرة قال:
يا خالد، دعني أحفر أساسها، فحفروه حتى أخرجوا ترابها، وانتزعوا حليها، وأخذوا ثيابها، فبهتت ثقيف، وقالت عجوز منهم:
стр. 515
أسلمها الرّضاع (١) وتركوا المصاع (٢) وأقبل الوفد حتى دخلوا على رسول الله ﷺ بحليها وكسوتها، وقسمها من يومه، وحمد الله على نصره وإعزاز دينه، فهذا حديث ثقيف.
حدثنا الحزامي قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة: أنه كتب إلى الوليد بن عبد الملك يخبره أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ بعد فتح مكة وحنين، وانصرافه إلى المدينة، فقاضوه على القضية الذي ذكرت لك (٣)، وبايعوه، وهو الكتاب الذي عندهم الذي بايعوه عليه.
حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الحكم ابن هشام الثقفي قال، أخبرني محمد بن عبد الرحمن بن عازب:
أنه كان في كتاب رسول الله ﷺ لثقيف حين أسلموا أنهم حيّ من المسلمين يكونون معهم حيث شاءوا وحيث أحبوا، قال:
فجعلوا دعوتهم مع قريش وقالوا، ولدتنا قريش وولدناهم.
حدثنا خالد بن عبد العزيز الثقفي قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى، عن عثمان بن عبد الله عن عمه عمرو بن أوس، عن عثمان بن أبي العاص قال: استعملني
стр. 516
رسول الله ﷺ وأنا أصغر الستة الوفد الذين قدموا عليه من ثقيف، لأني كنت قرأت السورة، فقلت: يا رسول الله، إن القرآن يتفلت مني، فوضع يده على صدري وقال: «يا شيطان اخرج من صدر عثمان» قال: فما نسيت بعد شيئا أريد حفظه.
حدثنا أبو عاصم قال، أنبأنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى، عن عثمان بن عبد الله، عن عمه عمرو بن أوس، عن أبيه أوس (١) قال: كنت في الوفد (حين (٢) قدمت ثقيف على رسول الله ﷺ فأنزلهم في قبة في المسجد قال: وكان يأتينا إذا صلّى العشاء فيقوم قائما يتحدّث، فأكثر ذاك تشكّيه قريشا، فقال:
كنا العشر التي كنا بمكة فكنا مقهورين مظلومين، فلما خرجنا في العشر الأواخر كانت الحرب سجالا، علينا ولنا. قال: فاحتبس عنا ليلة فقلنا: ما حبسك؟ فقال «إنه طرأ عليّ حزب من القرآن فكرهت أن أخرج حتى أقضيه».
حدثنا عبيد بن عقيل قال، سمعت عبد الله بن عبد الرحمن ابن يعلى يحدث، عن عثمان بن عبد الله بن أوس بن حذيفة، عن جده أوس بن حذيفة قال: قدمنا في وفد ثقيف فأنزلهم في قبته
стр. 517
بين مصلاّه ومسكن أهله، فكان يمرّ بهم إذا صلّى العشاء يحدثهم، وكان أكثر ما يحدثنا تشكيه قريشا وما صنعوا به بمكة فيقول:
وكنا بمكة مستضعفين مستذلين، فلما خرجنا إلى المدينة انتصفنا من القوم: فكانت سجال الحرب، علينا ولنا، فمكث عنا ليلة فقلنا: يا رسول الله أبطأت عنا المكث الليلة، فقال: «إنه طرأ عليّ حزب من القرآن الليلة فأحببت أن لا أخرج حتى أقضيه، فلما قضيته خرجت إليكم» فلما أصبح بكرة سألنا أصحابه: كيف تحزّبون القرآن؟ فقالوا: نحزّبه سبعة أحزاب: ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وترا وترا. وحزب المفصل أوله «قاف».
حدثنا سهل بن يوسف قال، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، عن عثمان بن عبد الله قال: لما خرج وفد ثقيف إلى رسول الله ﷺ نزل الأحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل المالكين (١) - وفيهم عثمان بن أبي العاص - في قبّة بينه وبين المسجد، قال عثمان ابن أبي العاص: فكان يأتينا إذا انصرف من العشاء فيقوم على باب قبتنا فيحدثنا، فمنا النائم ومنا المستيقظ - نحو حديث عبيد ابن عقيل (٢).
حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا مروان بن معاوية قال، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، عن عثمان بن عبد الله، عن جده قال:
لما وفدت بنو مالك إلى رسول الله ﷺ ضرب عليها
стр. 518
قبة وأنزلهم فيها، فكان يأتينا بعد العشاء، فيحدثنا وإنه لقائم يراوح بين قدميه من طول القيام نحو حديث أبي عاصم (١).
حدثنا عفان قال، حدثنا أبو عقيل الدورقي، عن الحسن:
أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ فضرب لهم قبة في المسجد، فقالوا: يا رسول الله قوم مشركون، فقال «إن الأرض ليس عليها من أنجاس الناس شيء، إنما أنجاسهم على أنفسهم.
حدثنا عفان قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص: أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ فأنزلهم المسجد ليكون أرقّ لقلوبهم فاشترطوا عليه (٢) أن لا يحشروا (٣) ولا يعشروا (٤) ولا يجبّوا ولا يستعمل عليهم غيرهم فقال: «لكم أن لا تعشروا وأن لا تحشروا ولا يستعمل عليكم غيركم، وقال رسول الله ﷺ : «لا خير في دين لا ركوع فيه» قال عثمان، قلت (٥): يا رسول الله، علمني القرآن، واجعلني إمام قومي (٦).
حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد، عن الكلبي:
أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد
стр. 519
إنا أخوالك وأصهارك وجيرانك، وإنا أشد أهل نجد عليك حربا وخيرهم لك سلما، إن حاربناك حاربك من بعدنا، وإن سالمناك سالمك من بعدنا، فاجعل لنا أن لا نعشّر ولا نحشّر ولا نجبّى ولا تكسّر أصنامنا بأيدينا، فقال رسول الله ﷺ : «لكم ألا تعشروا ولا تحشروا ولا تكسّروا أصنامكم بأيديكم ولا خير في دين ليس فيه ركوع، قالوا: تمتّعنا باللات سنة، فإن خشيت لائمة العرب فقل: الله ربي أمرني بذلك (١). فقال عمر ﵁:
لا والله ولا نعمة عين، أحرقتم رسول الله ﷺ ، أحرق الله أكبادكم، لا والله حتى تدخلوا فيما دخلت فيه العرب. وأنزل الله: «وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ». (٢)
حدثنا أبو داود قال، حدثنا فليج بن سليمان قال، أخبرني سعيد بن جبير، عن أبي هريرة ﵁ قال: لما قدم وفد ثقيف على رسول الله ﷺ أخّر صلاة العشاء الآخرة حتى مضى ساعة من الليل، فجاء عمر ﵁ فقال: يا رسول الله نام الولدان وتعشى النسوان وذهب الليل. فقال: يا أيها الناس، احمدوا الله، فما أعلم أحدا ينتظر هذه الصلاة غيركم، ولولا أن أشقّ على أمتي لأخّرت هذه الصلاة إلى نصف الليل».
حدثنا أبو مطرف بن أبي الوزير قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن يحيى بن هانئ قال، حدثني أبو علقمة، عن عبد الملك بن محمد بن البشير، عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي: أن وفد
стр. 520
ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ فأتوه بهدية فقال:
صدقة أم هدية، إن الهدية يبتغى بها وجه الرسول وقضاء الحاجة، وإن الصدقة يبتغى بها ما عند الله» قالوا: بل هدية، فقبلها ثم لم يزل في مقعده ذلك يحدثونه حتى صلّى الظهر مع العصر.
حدثنا عمر بن عثمان بن عاصم الواسطي ابن أخي علي بن عاصم قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن يحيى بن هانئ (١) وعروة قال، حدثني أبو حذيفة، عن عبد الملك بن محمد، عن عبد الرحمن ابن علقمة بمثله - إلا أنه قال: ثم شغلوه يسألهم ويسألونه حتى لم يصلّ الظهر إلا مع العصر.
حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال، حدثنا زهير قال، أنبأنا أبو خالد يزيد الأسدي قال، حدثنا عون (٢) بن أبي جحيفة السوائي، عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي، عن عبد الرحمن ابن أبي عقيل قال: انطلقت في وفد إلى رسول الله ﷺ فأتيناه فأنخنا بالباب، وما في الناس أبغض إلينا من رجل نلج عليه، فما خرجنا حتى ما في الناس أحبّ إلينا من رجل دخلنا عليه، فقال قائل منا: يا رسول الله (٣)، ألا سألت الله ملكا كملك سليمان؟ فضحك، ثم قال: فلعل لصاحبك أفضل من ملك سليمان؛
стр. 521
إن الله لم يبعث نبيّا إلا أعطاه دعوة، فمنهم من اتخذ بها دنيا فأعطيها، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فهلكوا بها، وإن الله أعطاني دعوة فاختبأتها عندي شفاعة لأمتي يوم القيامة.
حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني عاصم بن عبد الله بن نعيم، عن أبيه، عن عروة بن محمد، عن أبيه، عن جده: أنه قدم إلى رسول الله ﷺ في وفد بني قومه ثقيف، فلما دخلوا عليه كان فيما ذكروا أنهم سألوه (فقضى حوائجهم (١) وقال لهم: هل قدم معكم أحد غيركم؟ قالوا:
نعم، معنا فتى منّا خلّفناه في رحالنا، قال: فأرسلوا إليه» وقال:
فلما دخلت عليه وهم عنده استقبلني فقال: إن اليد المنطية (٢) هي العليا، وإن السائلة هي السفلى، فما استغنيت فلا تسأل، وإنّ مال الله مسئول ومنطى».
حدثنا عمرو بن قسط قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا ابن جابر قال، حدثني عروة بن محمد، عن أبيه، عن جده عطية السعدي قال: وفدت إلى رسول الله ﷺ في نفر من بني سعد (بن بكر (٣) وكنت أصغرهم فخلفوني في رحالهم، وأتوا النبي ﷺ فقضوا حوائجهم، فقال: هل بقي من أحد؟ قالوا (٤): نعم، غلام خلّفناه في رحالنا، فأمرهم أن يدعوني فقالوا:
стр. 522
أجب رسول الله ﷺ ، فأتيته فقال: ما أنطاك (١) الله فلا تسأل النّاس شيئا، فإن اليد العليا هي اليد المنطية، وإن اليد السفلى المنطاة، وإنّ مال الله لمسئول ومنطى، قال فكلمني بلغتنا.
حدثنا ضرار بن صرد (٢) قال، حدثنا سعيد بن عبد الجبار الزبيري، عن منصور بن رجاء، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، عن عطية بن عمرو السعدي، عن أبيه قال: قال لي رسول الله ﷺ : «لا تسأل الناس شيئا، ومال الله مسئول ومنطى» قال فكلمني بلغة قومي وهم (بنو سعد) (٣).
حدثنا عن أبي مصعب قال، حدثنا عبد الحميد بن (حبيب (٤)
стр. 523
عن الأوزاعي (١): أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ وقد وفروا أشعارهم وشواربهم وأظفارهم فأمرهم أن يقيموا وأن يتعلموا القرآن، فأقاموا قريبا من سنة، ثم إن رسول الله ﷺ استعرضهم ففضلهم أحدهم بسورة البقرة وسورة معها، فأمّره عليهم وقال: إنك لأحدثهم، ولكني أمّرتك عليهم لما فضلتهم من القرآن، فإذا صلّيت فصلّ بصلاة أصغرهم، فإن فيهم الضعيف والمملوك وذا الحاجة، وإذا خرجت ساعيا فلا تأخذن من الغنم الشافع (٢) ولا الرّبّى (٣) ولا حرزة (٤) الرجل فإنه أحق بها، وخير منهم الجزعة والثّنيّة، فإنها وسط من الغنم».
(وفد بني المنتفق) (٥)
حدثنا أبو عاصم قال، أنبأنا ابن جريح قال، أخبرني إسماعيل ابن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة؛ يخبر عاصم، عن أبيه
стр. 524
وافد بني المنتفق (١) قال: أتيت نبي الله ﷺ أنا وصاحب لي فلم نجده، فأتتنا عائشة ﵂ بعصيدة فأكلنا، فبينا ذاك إذ جاء رسول الله ﷺ يتكفى (٢) فقال: هل طعمتم شيئا؟ فقلنا: نعم، أتتنا عائشة ﵂ بعصيدة، قال:
قلت: يا رسول الله، الصلاة، فقال: إذا توضأت فأسبغ وضوء الأصابع، فإذا استنشقت فأبلغ إلا أن تكون صائما» فقال صاحبي:
يا رسول الله، إن لي امرأة، فذكر من بذائها وطول لسانها، فقال:
طلّقها، فقال: إنها ذات صحبة وولد، قال: مرها - أو قل لها - (٣) فإن يك فيها خير فستقبل (٤)، ولا تضربنّ ظعينتك ضربك أمتك» قال: فبينا ذاك إذ دفع الراعي الغنم في المراح، فقال له رسول الله ﷺ : هل ولدت شيئا؟ قال: نعم، (قال: ماذا؟ (٥) قال): سخلة، قال: فاذبح لنا شاة» ثم التفت إليّ فقال: لا تحسبن - ولم يقل لا تحسبن - أنّا إنما ذبحناها من أجلك؛ لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد فإذا ولد (للراعي) (٦) سخلة أمرناه أن يذبح شاة.
حدثنا عثمان بن عمر، عن ابن جريج بنحوه - إلا أنه قال:
أتتنا عائشة ﵂ بعصيدة وتمر.
стр. 525
حدثنا أيوب بن محمد الرقي قال، حدثنا يعلى بن الأشدق (بن جراد بن معاوية بن فرج بن (١) خفاجة بن عمرو بن عقيل قال، حدثنا عبد الله بن جراد بن معاوية بن أبي الفرج بن خفاجة الوافد الميمون الذي دعا له رسول الله ﷺ ، هو عامر (بن لقيط العامري (٢) - وعما فعل إليه الرسول - دعاه الرسول ليسلم فغلبه، فلما غلبه قال: فأنا أعطيك وادي القرى خراجه فأبى قال: ما نعطيك إلا الأعنة فتكون بيدك. قال: لا، قال: فما تريد؟ قال: أروني إسلامكم حتى أنظر ما هو، فقاموا فصلّوا، فقال: هذا الذي تدعونني إليه؟ باللات والعزّى لا نظرت إلى عامرية محبّبة أبدا أبدا (٣)، وركب راحلته وخرج وقال: والله لأملأنها عليك خيلا شقرا ورجالا حمرا .. قال: كذبت، ثم قال: تطهّروا فإذا دعوت فأمّنوا»، فزعم عبد الله بن جراد: أن الرسول ﵇ قال: اللهم اشغل
стр. 526
عامر بن الطفيل وأرينّه الحتوف» فأمّن القوم، فقال رسول الله ﷺ : أيها الناس إنه سيأتيكم الراكب الميمون الذي تحبّون، وأشار من قبل أرض بني عامر بن صبرة بن أنيس بن لقيط بن (عامر) بن المنتفق بن عامر بن عقيل؛ فأتاه، فأعجبه، وقال:
ما فعل قومك؟ قال: قومي على ما يحبّ رسول الله، وقد أتيتك بطواعيتهم إياك وحرصهم عليك، فقال أعجل قومك، ومسح ناصيته وصافحه، وقال: هذا الوافد الميمون. فلما جاءوه قال: أبى الله لبني عامر إلاّ خيرا، فدفع يزيد بن مالك بن خفاجة إلى الضّحّاك بن سفيان البكري (١) الذي جعله النبي ﷺ قائدا على سليم وعامر، ودفع إليه ذات الأذنة ودرعه وحصانه وسيفه، وهو سلب حارثة الكندي. وقال مزاحم بن الحارث بن عقال الخويلدي:
أحارثة الكندي ذا التاج إننا … متى ما نواقع حارة القوم نقتل
وننعم ولا ينعم علينا وإن نعش … بدأنا وأبدا من يظالم يفصل
ونغصب ولا نغصب وتأسر رماحنا … كرام الأسارى بين نعم ومحول
وقال حارثة:
يريك شراها يا طفيل بن مالك … دلاص الحديد عن أشمّ طويل
وهم سلبوا ذات الأذنة عنوة … وهم تركوا بالشّعب ألف قتيل
حدثنا عفان قال، حدثنا محمد بن دينار قال، حدثنا يونس عن عكرمة قال: جاء عامر (٢) إلى النبي ﷺ
стр. 527
فسأله الخلافة من بعده، وسأله المرباع (١) وسأله أشياء، فقال له رجل (٢) من أصحاب النبي ﷺ : زحزح قدميك لا تنزعك الرماح نزعا عنيفا، والله لو سألت رسول الله ﷺ سبيبة (٣) من سبيبات المدينة ما أعطاك، فولّى عامر غضبان، وقال:
لأملأنها عليك خيلا ورجالا (٤)، فقال النبي ﷺ «اللهم إن لم تهد عامرا فاكفنيه، فأخذته غدّة (٥) كغدّة البكر، فجعل ينادي يا آل عامر غدّة كغدّة البكر!! حتى قتلت عدوّ الله.
حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، سمعت ليث بن سعد يحدث: أن أربد بن ربيعة (٦) وعامر
стр. 528
ابن الطفيل أتيا رسول الله ﷺ فقال أحدهما للآخر:
أنا أشغله بالكلام حتى تقتله، فوقف على رسول الله ﷺ يحدثه فلما طال عليه انصرف، قال له صاحبه: لقد رأيت عنده شيئا إن رجليه لفي الأرض وإن رأسه لفي السماء، لو دنوت منه لأهلكني.
فأما أربد فأصابته صاعقة، وأنزل الله «لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ» (١) وأما عامر فإنه قال النبي ﷺ «اللهم اكفنيه» فأخذته غدّة فقتلته.
حدثنا محمد بن الحسن بن زياد قال، حدثني عبد العزيز ابن نمر، عن ابن أخي الزهري، عن الزهري: أن رسول الله ﷺ قال «اللهم اهد بني عامر وأرح المسلمين من عامر بن الطفيل».
حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا ابن وهب، عن الليث ابن سعد قال: جعل عامر يقول: غدّة كغدّة البعير في بيت سلوليّة (٢).
حدثنا أبو عاصم قال، أخبرني رجل من بني تميم: أن رسول الله ﷺ قال «لقد بلغ عامر (٣) ما لا يضرّه أن لا يكون من آل عيينة بن حصن أو زرارة، ولو علم النبي ﷺ بيتين في العرب أشرف منهما لذكره.
حدثنا عفان قال، حدثني مهدي بن ميمون، عن غيلان ابن جرير، عن مطرف بن عبد الله، عن أبيه: أنه قدم على رسول الله
стр. 529
ﷺ في رهط من بني عامر قال: فأتيناه فسلّمنا عليه ثم قلنا: أنت ولدنا، وأنت سيدنا، وأنت أطولنا طولا، وأنت الجفنة الغراء، فقال رسول الله ﷺ «يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا تستسخركم الشياطين - قال وربما قال غيلان -:
لا تستهزئكم الشياطين.
(وفد بني سعد بن بكر) (١)
حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثني سلمة بن كهيل، ومحمد بن الوليد بن نويفع، عن كريب مولى ابن عباس (عن ابن عباس) (٢) قال: بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة (٣) إلى رسول الله ﷺ ، فأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله، ثم دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه، وكان ضمام رجلا جلدا أشعر ذا غديرتين (٤) حتى وقف على رسول الله ﷺ فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله ﷺ : أنا ابن عبد المطلب. فقال:
محمد؟ قال: نعم. قال: يا ابن عبد المطلب، إني سائلك ومغلظ في المسألة فلا تجدنّ في نفسك، قال «لا أجد في نفسي، فسل عما بدا لك». قال: فإني أنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله
стр. 530
من هو كائن بعدك، الله بعثك إلينا رسولا؟ قال «اللهم نعم» قال فأنشدك الله إلهك وإله من قبلك وإله من بعدك: الله أمرك أن نعبده وحده لا شريك له؟، وأن نخلع هذه الأنداد (١) التي كانت تعبد آباؤنا من دونه؟ قال «اللهم نعم» قال: فأنشدك بإلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك: الله أمرك أن نصلّي هذه الصلوات الخمس؟ قال: «اللهم نعم» قال: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة: الزكاة والحج والصيام وشرائع الإسلام كلها، يناشده عند كل فريضة كما ناشده في التي قبلها، حتى إذا فرغ قال فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص، ثم انصرف إلى بعيره، فقال رسول الله ﷺ «إن يصدق ذو العقيصتين (٢) يدخل الجنة» قال: فأتى إلى بعيره فأطلق عقاله حتى قدم على قومه، فاجتمعوا إليه فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزّى. قالوا:
يا ضمام اتّق البرص والجنون واتق الجذام قال: ويلكم، إنهما والله ما يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا فاستنقذكم (٣) مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما