عامر بن الطفيل وأرينّه الحتوف» فأمّن القوم، فقال رسول الله ﷺ : أيها الناس إنه سيأتيكم الراكب الميمون الذي تحبّون، وأشار من قبل أرض بني عامر بن صبرة بن أنيس بن لقيط بن (عامر) بن المنتفق بن عامر بن عقيل؛ فأتاه، فأعجبه، وقال:
ما فعل قومك؟ قال: قومي على ما يحبّ رسول الله، وقد أتيتك بطواعيتهم إياك وحرصهم عليك، فقال أعجل قومك، ومسح ناصيته وصافحه، وقال: هذا الوافد الميمون. فلما جاءوه قال: أبى الله لبني عامر إلاّ خيرا، فدفع يزيد بن مالك بن خفاجة إلى الضّحّاك بن سفيان البكري (١) الذي جعله النبي ﷺ قائدا على سليم وعامر، ودفع إليه ذات الأذنة ودرعه وحصانه وسيفه، وهو سلب حارثة الكندي. وقال مزاحم بن الحارث بن عقال الخويلدي:
أحارثة الكندي ذا التاج إننا … متى ما نواقع حارة القوم نقتل
وننعم ولا ينعم علينا وإن نعش … بدأنا وأبدا من يظالم يفصل
ونغصب ولا نغصب وتأسر رماحنا … كرام الأسارى بين نعم ومحول
وقال حارثة:
يريك شراها يا طفيل بن مالك … دلاص الحديد عن أشمّ طويل
وهم سلبوا ذات الأذنة عنوة … وهم تركوا بالشّعب ألف قتيل
حدثنا عفان قال، حدثنا محمد بن دينار قال، حدثنا يونس عن عكرمة قال: جاء عامر (٢) إلى النبي ﷺ
стр. 527
فسأله الخلافة من بعده، وسأله المرباع (١) وسأله أشياء، فقال له رجل (٢) من أصحاب النبي ﷺ : زحزح قدميك لا تنزعك الرماح نزعا عنيفا، والله لو سألت رسول الله ﷺ سبيبة (٣) من سبيبات المدينة ما أعطاك، فولّى عامر غضبان، وقال:
لأملأنها عليك خيلا ورجالا (٤)، فقال النبي ﷺ «اللهم إن لم تهد عامرا فاكفنيه، فأخذته غدّة (٥) كغدّة البكر، فجعل ينادي يا آل عامر غدّة كغدّة البكر!! حتى قتلت عدوّ الله.
حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، سمعت ليث بن سعد يحدث: أن أربد بن ربيعة (٦) وعامر
стр. 528
ابن الطفيل أتيا رسول الله ﷺ فقال أحدهما للآخر:
أنا أشغله بالكلام حتى تقتله، فوقف على رسول الله ﷺ يحدثه فلما طال عليه انصرف، قال له صاحبه: لقد رأيت عنده شيئا إن رجليه لفي الأرض وإن رأسه لفي السماء، لو دنوت منه لأهلكني.
فأما أربد فأصابته صاعقة، وأنزل الله «لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ» (١) وأما عامر فإنه قال النبي ﷺ «اللهم اكفنيه» فأخذته غدّة فقتلته.
حدثنا محمد بن الحسن بن زياد قال، حدثني عبد العزيز ابن نمر، عن ابن أخي الزهري، عن الزهري: أن رسول الله ﷺ قال «اللهم اهد بني عامر وأرح المسلمين من عامر بن الطفيل».
حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا ابن وهب، عن الليث ابن سعد قال: جعل عامر يقول: غدّة كغدّة البعير في بيت سلوليّة (٢).
حدثنا أبو عاصم قال، أخبرني رجل من بني تميم: أن رسول الله ﷺ قال «لقد بلغ عامر (٣) ما لا يضرّه أن لا يكون من آل عيينة بن حصن أو زرارة، ولو علم النبي ﷺ بيتين في العرب أشرف منهما لذكره.
حدثنا عفان قال، حدثني مهدي بن ميمون، عن غيلان ابن جرير، عن مطرف بن عبد الله، عن أبيه: أنه قدم على رسول الله
стр. 529
ﷺ في رهط من بني عامر قال: فأتيناه فسلّمنا عليه ثم قلنا: أنت ولدنا، وأنت سيدنا، وأنت أطولنا طولا، وأنت الجفنة الغراء، فقال رسول الله ﷺ «يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا تستسخركم الشياطين - قال وربما قال غيلان -:
لا تستهزئكم الشياطين.
(وفد بني سعد بن بكر) (١)
حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثني سلمة بن كهيل، ومحمد بن الوليد بن نويفع، عن كريب مولى ابن عباس (عن ابن عباس) (٢) قال: بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة (٣) إلى رسول الله ﷺ ، فأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله، ثم دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه، وكان ضمام رجلا جلدا أشعر ذا غديرتين (٤) حتى وقف على رسول الله ﷺ فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله ﷺ : أنا ابن عبد المطلب. فقال:
محمد؟ قال: نعم. قال: يا ابن عبد المطلب، إني سائلك ومغلظ في المسألة فلا تجدنّ في نفسك، قال «لا أجد في نفسي، فسل عما بدا لك». قال: فإني أنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله
стр. 530
من هو كائن بعدك، الله بعثك إلينا رسولا؟ قال «اللهم نعم» قال فأنشدك الله إلهك وإله من قبلك وإله من بعدك: الله أمرك أن نعبده وحده لا شريك له؟، وأن نخلع هذه الأنداد (١) التي كانت تعبد آباؤنا من دونه؟ قال «اللهم نعم» قال: فأنشدك بإلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك: الله أمرك أن نصلّي هذه الصلوات الخمس؟ قال: «اللهم نعم» قال: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة: الزكاة والحج والصيام وشرائع الإسلام كلها، يناشده عند كل فريضة كما ناشده في التي قبلها، حتى إذا فرغ قال فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص، ثم انصرف إلى بعيره، فقال رسول الله ﷺ «إن يصدق ذو العقيصتين (٢) يدخل الجنة» قال: فأتى إلى بعيره فأطلق عقاله حتى قدم على قومه، فاجتمعوا إليه فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزّى. قالوا:
يا ضمام اتّق البرص والجنون واتق الجذام قال: ويلكم، إنهما والله ما يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا فاستنقذكم (٣) مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما
стр. 531
أمركم به ونهاكم عنه، فو الله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره (١) رجل ولا امرأة إلا مسلما. قال يقول عبد الله بن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة (٢).
حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا نافع، عن ابن أبي مليكة قال، أخبرني ابن الزبير قال: قدم الأقرع بن حابس على النبي ﷺ فقال أبو بكر: يا رسول الله استعمله على قومه، وقال عمر، لا تستعملنّه يا رسول الله، فتكلما حتى ارتفعت أصواتهما، فقال أبو بكر لعمر ﵄: ما أردت إلا خلافي؟ قال: ما أردت خلافك، فنزلت «لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ» (٣) الآية. قال: فكان عمر ﵁ بعد ذلك إذا كلم النبي ﷺ (كلمة) (٤) في مسمعه حتى يستفهمه (مما يخفض صوته) (٥) قال: ما ذكر حينه.
(وفد بني تميم) (٦)
حدثنا قيس بن عاصم (٧): أنه قدم على رسول الله ﷺ في وفد من بني سعد، فاستملاه رسول الله صلى الله عليه
стр. 532
وسلم فأعطاه يومئذ أشياء، فلما حضرت الصلاة قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. قال فدعا له النبي ﷺ بسدر وماء فاغتسل، وأقيمت الصلاة ففرّج بين أبي بكر وعمر ﵄ فقام بينهما، فلما قضى الصلاة قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قال (١) فلم يسأله أحد عنهن ولم يخبرهن (٢).
حدثنا محمد بن عباد بن عباد المهلبي قال، حدثني أبي، عن محمد بن الزبير قال: قدم عمرو بن الأهتم (٣) والزّبرقان بن
стр. 533
بدر (١)، وقيس بن عاصم على رسول الله ﷺ ، فسأل رسول الله ﷺ ابن الأهتم عن الزّبرقان: كيف هو فيكم؟ ولم يسأل عنه قيسا لشيء قد علمه بينهما، فقال له ابن الأهتم: مطاع (٢) (في أذنيه) (٣)، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره. قال الزبرقان: والله لقد قال ما قال وهو يعلم أني أفضل مما قال، قال عمرو فإنك لزمر (٤) المروءة، ضيّق العطن، أحمق الأب، لئيم الخال. ثم قال: يا رسول الله، لقد صدقت فيهما جميعا؛ أرضاني فقلت بأحسن ما أعلم فيه، وأسخطني فقلت بأسوإ ما أعلم فيه، فقال رسول الله ﷺ : «إن من البيان لسحرا» وكان يقال للزّبرقان قمر نجد لجماله، وكان ممن يدخل مكة متعمما لحسنه، وولاّه رسول الله ﷺ صدقات قومه بني عوف، فأداها في الرّدّة (٥) إلى أبي بكر، فأقره أبو بكر على الصدقة لمّا رأى من ثباته على الإسلام، وحمله الصدقة إليه
стр. 534
حين ارتد الناس، وكذلك عمر بن الخطاب. قال رجل في الزبرقان من النمر بن قاسط يمدحه، وقيل قالها الحطيئة:
تقول خليلتي لما التقينا … ستدركنا بنو القوم الهجان
سيدركنا بنو القمر بن بدر … سراج الليل للشمس الحصان
فقلت أدعي وأدعو إنّ أندى … لصوت أن ينادي داعيان
فمن يك سائلا عني فإني … أنا النمريّ جار الزبرقان
وكان الزبرقان قد سار إلى عمر بصدقات قومه فلقيه الحطيئة ومعه أهله وأولاده يريد العراق فرارا من السنة (١) وطلبا للعيش، فأمره الزّبرقان أن يقصد أهله وأعطاه إمارة يكون بها ضيفا له، حتى يلحق به، ففعل الحطيئة، ثم هجاه الحطيئة بقوله:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها … واقعد فإنّك أنت الطّاعم الكاسي (٢)
فشكاه الزّبرقان إلى عمر، فسأل عمر حسان بن ثابت عن قوله «أنه هجو» فحكم أنه هجو له وضعة، فحبسه عمر في مطمورة حتى شفع فيه عبد الرحمن بن عوف والزبير، فأطلقه بعد أن أخذ عليه العهد أن لا يهجو أحدا أبدا، وتهدّده إن فعل، والقصة مشهورة، وهي أطول من هذه وللزبرقان شعر، فمنه قوله:
نحن الملوك فلا حيّ يقاربنا … فينا العلاء وفينا تنصب البيع (٣)
стр. 535
ونحن نطعمهم في القحط ما أكلوا … من العبيط (١) إذا لم يؤنس الفزع
وننحر الكوم (٢) عبطا في أرومتنا … للنّازلين إذا ما أنزلوا شبعوا
تلك المكارم حزناها مقارعة … إذا الكرام على أمثالها اقترعوا
أخرجه الثلاثة (٣).
(وقال (٤) محمد بن إسحاق: ولما قدمت على رسول الله ﷺ وفود العرب قدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة ابن عدس التميمي في أشراف بني تميم منهم الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر التميمي - أحد بني سعد - وعمرو بن الأهتم، والحتحات بن (٥) يزيد، ونعيم بن يزيد، وقيس بن الحارث، وقيس بن عاصم أخو بني سعد في وفد عظيم من بني تميم. قال ابن إسحاق: ومعهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وقد كان الأقرع بن حابس وعيينة شهدا مع رسول الله ﷺ فتح مكة وحنين والطائف، فلما قدم وفد بني تميم كانا معهم، ولما دخلوا المسجد نادوا رسول الله ﷺ من وراء حجراته:
أن اخرج إلينا يا محمد، فآذى ذلك رسول الله ﷺ
стр. 536
من صياحهم، فخرج إليهم فقالوا: يا محمد جئناك نفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا. قال: «قد أذنت لخطيبكم فليقل» فقام عطارد بن حاجب فقال: الحمد لله الذي له علينا الفضل والمنّ وهو أهله، الذي جعلنا ملوكا ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزة أهل المشرق وأكثره عددا وأيسره عدة.
فمن مثلنا في الناس، ألسنا برءوس الناس وأولي فضلهم، فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام ولكن نخشى من الإكثار فيما أعطانا، وأنا نعرف بذلك، أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا، ثم جلس. فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس بن شماس أخي بني الحارث ابن الخزرج: «قم فأجب الرجل في خطبته» فقام ثابت فقال) (١) أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. (وفي راوية) (٢) فقال ثابت: وأيضا والذي بعث محمدا بالحق - وأشار إلى رسول الله ﷺ
стр. 537
لتسمعن أنت وصاحبك في هذا المجلس ما لم ينفذ بمسامعكما مثله قط، ثم تكلم ثابت وذكر من عظمة الله وسلطانه وقدرته ما الله أهله، ثم ذكّر به وألحق، فساق الأمر حتى انتهى إلى مبعث النبي ﷺ ، ثم قال: والذي بعث محمدا بالحق لئن لم تدخل أنت وصاحبك وقومكما في دين الله الذي أكرم به رسول الله وهدانا له ليطأنّ بلادكم بالخيل والرجال نصرا لله ولرسوله ولدينه، ثم ليقتلن الرجال وليسبين النساء والذرية، وليأخذن المال حتى يكون فيئا لرسول الله ﷺ وأصحابه، فقال الأقرع:
أنت تقول ذاك يا ثابت؟ قال: نعم، والذي بعث محمدا بالحق، ثم سكت - (ثم قالوا: يا محمد ايذن لشاعرنا، فأذن له، فقام الزبرقان بن بدر فأنشد) (١) فقال رسول الله ﷺ لحسان: أنشدهم، فأنشدهم حسان ثم سكت، فقال رسول الله ﷺ للأقرع وعيينة: قد سمعنا ما قلتما وسمعتما ما قلنا، فخرجا، فلما خلوا أخذ أحدهما بيد صاحبه، قال الأقرع لعيينه: أسمعت ما سمعت، ما سكت حتى ظننت أن سقف البيوت سوف يقع علينا، فقال عيينة أوجدت ذلك؟ والله لقد تكلم شاعرهم فما سكت حتى أظلم عليّ البيت وحيل بيني وبين النظر إليك، وقال الأقرع: إن لهذا الرجل لشأنا، ثم دخلا بعد ذلك في الإسلام وكانا من المؤلفة قلوبهم. فأعطى رسول الله ﷺ الأقرع مائة ناقة. وأعطى عيينة مائة ناقة، فقال العباس بن مرداس (٢) ﵁ فيما أعطاهما رسول الله ﷺ .
стр. 538
فأصبح نهبى ونهب العبي … د عيينة والأقرع
وقد كنت في القوم ذا تدرا … فلم أعط شيئا ولم أمنع
وما كان بدر ولا حابس … يفوقان مرداس في المجمع
وما كنت دون امرئ منهما … ومن تضع اليوم لا يرفع
قال: العبيد فرس عباس بن مرداس.
حدثنا علي بن الجعد قال، حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن زياد الجصاص، عن الحسن قال، حدثني قيس بن عاصم المنقري قال: قدمت على رسول الله ﷺ فلما رآني سمعته يقول: هذا سيد (أهل) (١) الوبر. قال: فلما نزلت جعلت أحدثه: قال قلت: يا نبي الله المال الذي لا يكون عليّ فيه تبعة من ضيف ضافنى أو عيال إن كثروا. قال: نعم المال الأربعون، وإن كثر فستون، ويل لأصحاب المئين إلا من أعطى في رسلها (٢)
стр. 539
ونجدتها وأفقر ظهرها (١) ونحر سمينتها، فأعطم القانع والمعترّ.
قال: قلت يا نبي الله ما أكرم هذه الأخلاق وأحسنها، يا نبي الله إنه لا يحل الوادي الذي أنا به لكثرة إبلي، قال: فما تصنع في المنحة (٢) قال أمنح كل سنة مائة ناقة، قال فما تصنع في المطروقة؟ قال: تغدو الإبل وتغدو الناس فمن شاء أخذ برأس بعير فذهب به، قال فما تصنع في أفقار الظهر؟ قال: إني لا أفقر الصدع (٣) الصغير ولا النّاب المدبرة (٤). فقال: أفمالك أحبّ أم مال مواليك؟ قال.
قلت: بل مالي أحب إليّ من مال مواليّ، قال: فإن لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت،
стр. 540
وإلا فلمواليك، وإلاّ فلموالي الله (قال قلت يا رسول الله) (١) لئن بقيت لأدعن عددها قليلا. قال الحسن: ففعل ﵀ (٢).
حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا يونس بن محمد قال، حدثنا شيبان عن قتادة: أن قيس بن عاصم قال: يا نبي الله إني وأدت ثماني بنات في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : أعتق عن كل واحدة رقبة، قال: يا نبي الله، إني ذو إبل.
قال فأهد لكل واحدة منهن إن شئت هديا (٣).
حدثنا حكيم بن سيف قال، حدثنا عيسى بن يونس، عن حماد بن شعيب، عن زياد البصري، عن الحسن، عن قيس ابن عاصم قال: أتيت رسول الله ﷺ فلما دنوت سمعته يقول: «هذا سيد أهل الوبر» فلما سلمت وجلست قلت:
يا رسول الله، المال الذي لا يكون عليّ فيه تبعة من ضيف ضافني أو عيال وإن كثروا، قال: المال الأربعون والكثير ستون، وويل لأصحاب المئين - يقولها ثلاثا - إلا من أعطى في رسلها وبجدتها، وأفقر ظهرها وأطرق فحلها، ومنع غزيرتها ونحر سمينتها، وأطعم القانع والمعتر، قلت: ما أكرم هذه الأخلاق وأحسنها، وما يحل بالوادي الذي أنا فيه. قال: فكيف تصنع بالأفقار؟ فقلت: إنا لا نعير البكر الضرع والنّاب المدبرة قال: فيكف تصنع بالمنيحة؟ قال: أنتج في كل سنة مائة. قال: فكيف تصنع في الطروق؟
стр. 541
قال تغدو الإبل وتأتي الناس فمن شاء أخذ برأس بعير فذهب به، قال: فمالك أحب إليك أو مال مواليك؟ قال قلت: بل مالي، قال: إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت، وما بقي فلمولاك. قلت: أما والله لئن بقيت لأدعنّها قليلا، قال الحسن: ففعل والله. فلما حضرته الوفاة قال:
يا بنيّ خذوا عني، فإنه ليس أحد أنصح لكم مني، إذا أنا مت فسوّدوا كباركم لا تسودوا صغاركم فتستسفه الناس كباركم وتهونوا عليهم وعليكم بإصلاح المال فإنه منبهة الكريم، ويستغنى به عن اللئيم، وإياكم والمسألة؛ فإنها آخر كسب المرء، ادفنوني في ثيابي التي كنت أصلي فيها، وإياكم والنياحة؛ فإنّ النبي ﷺ ينهى عنها، وادفنوني في مكان لا يعلم بي أحد؛ فإنه قد كان كون (١) مني ومن هذا الحي ابن بكر بن وائل كما نشأت في الجاهلية.
حدثنا خلف بن الوليد، وأحمد بن معاوية قالا، حدثنا هشيم، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: دخل عيينة بن حصن (٢) على رسول الله ﷺ
стр. 542
وهو يقبل الحسن (١) أو الحسين فقال: أتقبله وقد ولد لي عشرة ما قبّلت أحدا منهم فقال رسول الله ﷺ «إنه لا يرحم من لا يرحم».
حدثنا سلمان بن أحمد الحرشي قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن ربيعة بن يزيد الحرشي، عن أبي كبشة السلولي: أنه قدم على ابن الوليد بن عبد الملك فقال: ما أقدمك!! أردت مسألة أمير المؤمنين؟ فقال: أنا أسأله شيئا بعد ما حدثني سهل بن الحنظليّة الأنصاري أن عيينة بن بدر والأقرع بن حابس سألا رسول الله ﷺ ، فأمر معاوية فكتب لهما كتابا فرمى به إليهما، فربط عيينة كتابه في عمامته - وكان أحلم الرجلين - فقال الأقرع: ما فيها؟ فقال معاوية ﵁: فيها ما أمرت به. فقال الأقرع: أنا أحمل صحيفة لا أدري ما فيها كصحيفة المتلمّس (٢)؟ فأخبر معاوية ﵁
стр. 543
رسول الله ﷺ فغضب وذكره، وقال كالمتشخط آنفا «إنه من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنّم» قالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال «ما يغدّيه أو يعشّيه».
حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عقال الحراني قال، حدثنا مسكين بن بكير الحرّاني (١). قال، حدثنا محمد بن المهاجر، عن ربيعة بن يزيد قال: أقبل أبو كبشة السلولي إلى الوليد بن عبد الملك وهو نازل بدير مروان فدخل إليه فسلّم، ثم خرج إلى المسجد فإذا خلفه عبد الله بن عامر فجلسا (٢) فيه له عبد الله: يا أبا كبشة، هل دخلت على أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال فهل سألته من حاجة؟ فقال: ما كنت لأسأله بعد حديث سهل بن الحنظلية. قال: وما حديث سهل؟ قال: حدثنا سهل: أن عيينة بن حصن بن بدر والأقرع ابن حابس دخلا على رسول الله ﷺ فسألاه، فأمر لهما بما سألاه، وأمر معاوية أن يكتب لهما بذلك، فكتب ودفع إلى كل واحد منهما صحيفة، فأما الأقرع فكان رجلا رحيما فأخذ صحيفته فلفها في عمامته، وأما عيينة فإنه أرسل إلى رسول الله ﷺ : أتراني ذاهب إلى قومي بصحيفة كصحيفة
стр. 544
المتلمس لا يدري ما فيها؟ فأخذ النبي ﷺ صحيفته فنظر فقال «قد كتبت إليك بما أمر لك فيها» - قال محمد بن المهاجر عن يونس عن ميسرة: فيرى أن النبي ﷺ كتب بعد ما أنزل إليه - ثم قام النبي ﷺ إلى منزله فمر ببعير قد لحق ظهره ببطنه فقال «اتّقوا الله في هذه الدواب العجمة، كلوها صالحة واركبوها صالحة» ثم قال بعد أن دخل منزله كهيئة المتشخط: آنفا يقول أذهب إلى قومي بصحيفة كصحيفة المتلمس لا يدري ما فيها، ألا ومن سأل مسألة وعنده ما يغنيه فإنه يستكثر من النار» فقال قائل: يا رسول الله، ما هذا الغنى الذي لا تبتغى المسألة معه؟ فقال «قوت يوم وليلة».
قال أبو زيد بن شبة: يقال إن عيينة كان أهوج مجدودا، وإن عامر بن الطفيل كان عاقلا محدودا، فكان يقال: رأي عامر وحظ عيينة.
حدثنا أحمد بن جناب قال، حدثنا عيسى بن يونس، عن إسماعيل عن قيس: أن عيينة بن حصن كان عند النبي ﷺ ورجل آخر وعنده عائشة ﵂، فأتى النبي ﷺ بشراب فسقى الرجل فسبروه (١)، فقال عيينة:
يا رسول الله ما هذا؟ قال هذه خلة أتاها الله قوما ومنعكموها هذا الحياء. قال: فمن هذه إلى جنبك؟ قال هذه عائشة بنت أبي بكر،
стр. 545
قال: أفلا أنزل لك عن خير منها؟ قال: من؟ قال: حمرة (١)، قال: لا، قم فاخرج فاستأذن، قال: إن عليّ يمينا أن لا أستأذن في بيت رجل من مضر. فقالت عائشة ﵂: يا رسول الله من هذا؟ قال: «هذا أحمق متبع» (٢).
حدثنا علي بن الصباح، عن هشام بن محمد قال، حدثني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ قال: دخل عيينة على رسول الله ﷺ ومعه أم سلمة فقال:
يا محمد من هذه؟ قال: هذه أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة، قال: ألا أنزل لك عن سيدة نساء مضر: حمرة؟ قال ﷺ : أنت أحق بالحمرة، قال أبو زيد بن شبة وروى الهيثم بن عدي، عن ابن عياش، عن الشعبي: أن وفد غطفان قدموا على رسول الله ﷺ فأراد أن يستعمل عليهم رجلا منهم فتنافسوا في الإمرة فولى عيينة على بني فزارة، والحارث بن عوف على بني مرّة، ونعيم بن مسعود على أشجع، وعبد الله بن عمرو بن سبيع الثعلبي على بني ثعلبة ونمير وبني عبد الله بن غطفان.
قال أبو زيد بن شبة: ويقال إن عيينة ربّع في الجاهلية وخمّس في الإسلام، وإن هذا لم يجتمع لعربي غيره.
стр. 546
حدثنا المدائني: أن رسول الله ﷺ وجد عيينة ربّع في الجاهلية وخمّس في الإسلام، وأن هذا لم يجتمع لعربي غيره.
حدثنا المدائني أن رسول الله ﷺ وجّه عيينة ابن حصن إلى ذات الشقوق سريّة. فأغار على حي من بني العنبر ابن عمرو بن تميم فقدم بهم المدينة وعلى عائشة (١) عتق محرّر من ولد إسماعيل، فأمرها النبي ﷺ فأعتقت رجلا من سبي بني المغيرة، ثم أخذ بني المنذر بن الحارث بن جهنمة ابن عدي بن جندب، فقال سلمة بن عتاب:
لعمري لقد لاقت عديّ بن جندب … من الشّرّ مهواة شديدا كؤودها
تكنّفها الأعداء من كلّ جانب … وغيّب عنها جدّها وعديدها
ويقال إنه كانت له إتاوة على أهل يثرب يأخذها في كل عام، وإنه كان في ذبيان حيث أوقع بينهم ذرو (٢) فلقيه ذبان بن سار منطلقا ليأخذ إتاوته، فقال له: أتدع قومك على هذه الدائرة ولا تصلح بينهم لإتاوة تأخذها من أهل يثرب؟ فلم يعرّج عليه ومضى لوجهه، فقال ذبان:
تركت بني ذبيان لم تأس بينهم … فأصعدت في ركب إلى أهل يثربا
وما جئتهم إلا لتأكل تمرهم … وتسرق في أهل الحجاز وتكذبا
стр. 547
يسوقون لحاظا إذا ما رأيته … بسلع رأيت الهجرس (١) المتزيبا (٢)
حدثنا أيوب بن محمد الرّقي قال، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن مالك بن أبي الحسين، عن عيينة شيخ من بني فزارة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: دخل عيينة بن حصن على رسول الله ﷺ وعنده أبو بكر وعمر ﵄ وهم جلوس على الأرض جميعا فأمر لعيينة بنمرقة (٣) فأجلسه عليها وقال: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه (٤).
حدثنا محمد بن مصعب قال، حدثنا الأوزاعي، عن داود بن علي: أن رسول الله ﷺ احتجم بموضع يقال له القارة فشرط بكسرة شفرة. فمرّ به عيينة بن بدر فقال له:
يا محمد علام تعطي هذا الأعرابي يبطط (٥) جلدك؟ فقال: إن هذا الحجم هو خير ما يداوى به (٦).
стр. 548
حدثنا الحسين بن إبراهيم قال، حدثنا المبارك بن سعيد، عن أبيه، عن ابن أبي نعيم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بعث عليّ ﵁ إلى النبي ﷺ من اليمن بذهبية في أديم مقروط لم تحصل من ترابها (١) فقسمها بين أربعة: الأقرع بن حابس الحنظلي ثم أحد بني مجاشع، وعيينة ابن حصن الفزاري، وعلقمة بن علاثة الجعفري (٢)، وزيد الخير الطائي (٣)، ثم أحد بني نبهان. فقالت قريش والأنصار: أتقسم
стр. 549
بين صناديد أهل نجد وتتركنا؟ فقال رسول الله ﷺ إنما أنا فيهم، إذ أقبل رجل غائر العينين مشرف الوجنتين، ناتئ (١) الجبين، كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار (٢) فقال: يا محمد، اتّق الله. فقال: «من يطيع الله إذا عصيته، أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟ قال فسأله رجل من القوم قتله - حسبته خالد بن الوليد - وولى الرجل، فقال رسول الله ﷺ : إنه يخرج من ضئضئى (٣) هذا قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية (٤).
стр. 550
(وفد كندة) (١)
حدثنا هارون بن هارون قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا عمرو بن الحارث، أن بكر بن سوادة الجذامي (٢) حدثه، أن زياد بن مغنم الحضرمي حدثه: أن وفد كندة قدموا على رسول الله ﷺ وفيهم جمد (٣). فبيناهم عنده أقبل رجل فقال: كلمت يا رسول الله. قال: أفلح المكلومون، فخرجوا فقالوا وقالوا، فأخذت جمدا اللقوة (٤)، فأتوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سيد الناس يا رسول الله ادع الله له.
قال: لم أكن لأفعل، ولكن حدّوا فسلة (٥)، فاقلبوا ما في عينيه أو بشفرة فاكووه بها فهي شفاؤه وإليها مصيره، الله أعلم ما قلتم
стр. 551
حين أدبرتم (فصنعوه به فبرئ) (١) قالوا: أرأيت أكلتنا في الجاهلية؟ قال: وهي لكم حتى ينزعها الله منكم قالوا: فديتنا، قال: ليأتين عليكم زمان ترضون بالكفاف، قالوا: فنجيتنا. قال: قد جاء الله بخير منها الإسلام، وارتد جمد بعد ذلك، فقتل كافرا بعد وفاة رسول الله ﷺ قال عمرو: فحدثني كعب ابن علقمة: أنهم قالوا أتينا هذا الغلام المضري فما سألناه شيئا إلا أعطانا، حتى لو أردنا أن نأخذ بأذنه لفعلنا، وأن رسول الله ﷺ كان يقول «لعن الله جمدا وأبضعة وأخته العمردة».
حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا زهير بن معاوية قال، حدثنا يزيد بن يزيد بن جابر، عن رجل، عن عمرو بن عنبسة:
أن النبي ﷺ قال «ما أبالي أن يهلك الحيّان جميعا فلا قيل ولا ملك، ألا فلعن الله الملوك الأربعة. جمدا ومسرحا ومخوسا وأبضعة وأختهم العمردة.
قال أبو زيد بن شبة: وكان مخوس ومسرح وجمد وأبضعة بنو معدي كرب بن وليعة بن شرحبيل بن معاوية بن حجر القرد، وفدوا على رسول الله ﷺ مع الأشعث بن قيس
стр. 552
فأسلموا، ثم ارتدوا فقتلوا يوم النجير (١)، وكان لكل رجل منهم واد يملكه، فسموا بذلك الملوك الأربعة وقيل فيهم.
يا عين بكي للملوك الأربعة … جمد ومخوس مسرح وأبضعة
قال أبو زيد بن شبة: قال أبو عبيدة: لم يكن من كندة ملك قط، إلا أن نزارا لما كثرت وخاف بعضها بعضها أجمعت قبائل من ربيعة أن يأتوا تبّعا فيسألونه أن يبعث رجلا يكفّ قويّهم عن ضعيفهم، على أن يعطوه من أموالهم خرجا، فوجّه معهم الحارث بن عمرو بن حجر بن معاوية الكندي وهو جدّ امرئ القيس بن حجر بن الحارث الكندي الشاعر، فصار إلى بطن عامر فنزلها وفرّق بنيه؛ فجعل ابنه يزيد على كنانة، وابنه حجرا على بني أسد، وابنه شرحبيل على بني تميم وعبد مناة، وابنه سلمة على بني ثعلب، وغزا ملوك غسّان بالشام، وملوك لخم بالحيرة حتى أحجه المنذر بن ماء السماء إلى تكريت (٢)، فأشار سفيان ابن مجاشع على المنذر أن يخطب إليه ابنته ففعل، فزوجه ابنته هندا فقيل فيها يا ليت هندا ولدت ثلاثة، فولدت عمرا وقابوسا والمنذر أبا النعمان بن المنذر، ولم ينشب أن مات الحارث فقتلت
стр. 553
بنو أسد ابنه حجرا، واختلف ابناه سلمة وشرحبيل وتحاربا، فقتلت بنو ثعلب شرحبيل بن الحارث، وبعث المنذر بن ماء السماء إلى من بقي منهم فقتلهم بجفر الأملاك (١) بالحيرة، فقال رجل من أهل الحيرة وهي تحمل على امرئ القيس بن حجر:
ألا يا عين بكّي لي شنينا … وبكّي للملوك الذّاهبينا (٢)
ملوكا من بني حجر بن عمرو … يساقون العشيّة يقتلونا
فلو في يوم معركة أصيبوا … ولكن في ديار بني مرينا (٣)
ولم تغسل جماجمهم بغسل … ولكن بالدّماء مرمّلينا (٤)
تظلّ الطّير عاكفة عليهم … وتنتزع الحواجب والعيونا (٥)
قال أبو عبيدة: ثم انقطع الأمر منهم فلم يكن فيهم ملك قطّ ولكنهم كانوا ذوي أموال، فكانوا يدعون ريحانة اليمن، وإنما ملوك اليمن التتابعة من حمير.
وروى الكلبي أن وفد كندة قدموا على رسول الله صلى الله عليه
стр. 554
وسلم وفيهم الجفشيش أو الخفشيش (١) وعمرو بن أبي الكيشم وابن أبي سهر بن جبلة والأشعث بن قيس وامرؤ القيس بن عابس (٢).
فقال الجفشيش: يا رسول الله، إنّا نزعم أنكم من العمور عمور كندة، فيقال إنّ النّبي ﷺ قال: ذاك شيء كان يقوله العباس وأبو سفيان إذا قدما عليكم. نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أمّنا ولا ندع أبانا.
стр. 555
حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن عقيل بن طلحة السلمي، عن مسلم بن هيصم، عن الأشعث بن قيس ﵁ قال: أتيت النبيّ ﷺ في نفر كندة لا يروني أفضلهم، فقلت: يا رسول الله، إنا نزعم أنكم منا، فقال ﷺ : «نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا، ولا ننتفي من أبينا (١) - قال الكلبي: فصالحهم رسول الله ﷺ على أن لهم ريع ما أخرجت حضرموت، وقال: ارجعوا إلى بلادكم مصاحبين» واستعمل عليهم وعلى الصدقات المهاجر بن أميّة بن المغيرة، فلما توفي رسول الله ﷺ ارتدوا إلا طائفة من بني عمرو بن معاوية معهم امرؤ القيس بن عابس، فلما قتل من كندة من قتل وأسر من أسر قال امرؤ القيس بن عابس:
ألا أبلغ أبا بكر رسولا … وفتيان المدينة أجمعينا
فلست مبدّلا بالله ربّا … ولا متبدّلا بالسلم دينا
شأمتم قومكم وشأمتمونا … وغابركم كأشأم غابرينا
فلما قتل ابن الأشعث قدم على عبد الملك وفد الأذذ فيهم ابن امرئ القيس، قال: أنت ابن الرجل الصالح الذي يقول:
شأمتم قومكم وشأمتمونا … وغابركم كأشأم غابرينا
صدق والله، لقد شأم أولكم وآخركم أمركم، وقال الخفشيش لما ارتد:
стр. 556
أطعنا رسول الله ما كان بيننا … فيا لعباد الله ما لأبي بكر (١)
أيملكنا بكر إذا كان بعده … فذاك وبيت الله قاصمة الظهر
فإن التي أعطيتم أو منعتم … لكالتمر أو أحلى مذاقا من التمر
أقوم ولا أعطي القيام معادة … أبيت وإن كان القيام على الجمر
فأخذ أسيرا وقتل صبرا.
حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال، حدثنا يحيى بن حمزة العبسي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن عمرو بن عبسة (السلمي (٢) قال، قال رسول الله ﷺ : «لا قايل (٣) ولا كاهن
стр. 557
ولا ملك إلا الله، ولعن الله الملوك الأربعة جمدا ومخوسا ومسرحا وأبضعة وأختهم العمردة» قال وكانت تأتي المؤمنين إذا سجدوا فتركلهم برجلها.
حدثنا محمد بن زياد الحارثي قال، حدثنا محمد بن عبد الرحمن ابن السلماني، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لفروة بن مسيك المرادي (١) «اذهب فقاتل بقومك من أدبر بمن أقبل» فلما أدبر قال «ردّوه عليّ» فلما أتاه قال «إنه قد نزل القرآن بعدك» قال ما هو يا رسول الله؟ قال «لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ كُلُوا مِنْ﴾
стр. 558
﴿رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ» (١) فقال ناس من حول رسول الله ﷺ : يا رسول الله، ما سبأ، أرض أو امرأة؟ قال «لا أرض ولا امرأة ولكن رجل من العرب، وله عشرة أبطن فتيامنت ستة وتشاءمت أربعة» قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال «أما الذين تيامنوا فكندة ومذحج والأشعريون وحمير وأنمار والأزد (٢)، وأما الذين تشاموا فجذام ولخم وعاملة وغسّان» فقال قائل من القوم: يا رسول الله فما خثعم وبجيلة؟ قال: «بطنان من أنمار» (٣) حدثنا ابن أبي شيبة قال، حدثنا أبو أسامة قال، حدثنا الحسن ابن الحكم قال، حدثنا أبو سبرة النخعي، عن فروة بن مسيكة العطيفي ثم المرادي (٤) قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم؟ قال بلى، ثم بدا لي فقلت: يا رسول الله، بل أهل سبأ هم أعزّ وأشدّ قوة، قال، فأمرني وأذن لي قتال سبأ، فلما خرجت من عنده أنزل الله في سبأ ما أنزل. فقال رسول الله ﷺ «ما فعل العطيفي؟ فأرسل إلى منزلي فوجدني قد سرت فردّني، فلما أتيت وجدته قاعدا وأصحابه، وقال «ادع القوم فمن أجابك منهم فاقبل منه ومن أبى
стр. 559
فلا تعجل عليهم حتى أحدث إليك (١)»، فقال رجل من القوم:
يا رسول الله، ما سبأ أرض أو امرأة؟ قال «ليست بأرض ولا امرأة، ولكن رجل ولد عشرة من العرب، فأما ستة فتيامنوا، وأما أربعة فتشاءموا؟ فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وعاملة وغسّان، وأما الذين تيامنوا فالأزد وكندة وحمير والأشعريون وأنمار ومذحج» فقال رجل: يا رسول الله، ما أنمار، قال «هم الذين منهم خثعم وبجيلة» (٢).
حدثنا أحمد بن عيسى، وهارون بن معروف قالا، حدثنا عبد الله ابن وهب قال، أخبرني موسى بن علي، عن أبيه، عن يزيد بن حصين بن نمير: أن رجلا قال: يا رسول الله أرأيت سبأ، رجل أو امرأة؟ قال «بل رجل» قال: فما ولد من العرب؟ قال «عشرة:
(ستة) (٣) يمانون وأربعة شآمون، فأما اليمانون فكندة ومذحج والأزد والأشعرون وأنمار، وأمسك في يده واحدا لم يسمه (٤)، وأما الشآمون فلخم وجذام وغسّان وعاملة» قال: يا رسول الله فحمير؟ قال «هم وما كلّهم».
стр. 560
ويروى عن الشعبي: أن مرادا لما قدمت على رسول الله ﷺ قال لعروة بن ميسرة: أيسرك ما لقي قومك من الروم يوم الروضة؟ قال: لا، أما إن ذلك برفضهم للإسلام، قال: وقالت مليكة بنت أبي حية: والله إن كنا لنترابا العطيفي بيننا في الجاهلية كما ترابون أنتم بني أمية اليوم».
حدثنا أحمد بن معاوية بن بكر قال، حدثني أخي العباس بن معاوية، عن معد بن النحاس، عن أبيه، عن الشعبي قال: قدم ظبيان بن كدادة (١) على رسول الله ﷺ وهو في مسجده بالمدينة، ثم سلّم، ثم قال: إن الملك لله والجهادين إلى الخير، آمنا به وشهدنا أن لا إله غيره، ونحن (قوم) (٢) من سرارة مذحج بن يحابر بن مالك، لنا مآثر ومآكل ومشارب، أبرقت لنا مخائل السماء، وجادت علينا شآبيب الأنواء فتوقلت (٣) بنا القلاص من أعالي
стр. 561
الجوف (١) وروؤس الهضاب، ورفعتها عرار (٢) الثرى، وألحقتها دآدئ الرحى وخفضتها بطنان الرّقاق (٣) وقطرات الأعناق، حتى حلّت بأرضك وسمائك، نوالي من والاك، ونعادي من عاداك، والله مولانا ومولاك، إن وجّا (٤) وسروات الطائف كانت لبني مهلائيل ابن قينان، غرسوا ودانه (٥) وذنبوا خشانه (٦) ورعوا قربانه (٧)، فلما عصوا الرحمن هبّ عليهم الطوفان فلم يبق على ظهر الأرض منهم أحدا إلا من كان في سفينة نوح، فلما أقلعت السماء وغاض الماء أهبط الله نوحا ومن معه في حزن الأرض وسهلها، ووعرها وجبلها،
стр. 562
فكان أكثر بنيه ثباتا من بعده عادا وثمودا (١)، وكانا من البغي كفرسي رهان، فأما عاد فأهلكهم الله بالريح العقيم والعذاب الأليم، وأما ثمود فرماها الله بالدّمالق (٢) وأهلكها بالصواعق، وكانت بنو هانئ بن هدلول بن هرولة بن ثمود تسكنها (٣) وهم الذين خطّوا مشايرها (٤)، وأتّوا جداولها (٥)، وأحيوا غراسها، ورفعوا عريشها، ثم إن ملوك حمير (٦) ملكوا معاقل الأرض وقرارها ورؤوس الملوك وغرارها (٧) وكهول الناس وأغمارها (٨) حتى بلغ أدناها أقصاها، وملك أولاها أخراها، فكان لهم البيضاء والسّوداء وفارس الحمراء، والجزية الصفراء (٩)، فبطروا النّعم واستحقوا النّقم، فضرب الله
стр. 563
بعضهم ببعض وأهلكهم في الدنيا بالغدر، فكانوا كما قال شاعرنا:
الغدر أهلك عادا في منازلها … والبغي أفنى قرونا ساكني البلد
من حمير حين كان البغي مجهرة … منهم على حادث الأيام والنضد (١)
ثم إن قبائل من الأزد نزلوها على عهد عمرو بن عامر، نتّجوا فيها النّزائع (٢) وبنوا فيها المصانع (٣)، واتخذوا فيها الدسائع (٤)، فكان لهم ساكنها وعامرها وقاربها وسائرها حتى نقلتها مذحج بسلاحها ونحّتهم عن بواديها فأجلوا عنها مهانا وتركوها عيانا وحاولوها أزمانا، ثم ترامت مذحج بأسنتها وتشزّنت (٥) بأعنتها فغلب العزيز أذلها، وأكل الكثير أقلها وكنا معشر يحابر (٦) أوتاد مرساها، ونظاهر أولاها، وصفاء مجراها، فأصابنا بها القحوط، وأخرجنا منها القنوط، بعد ما غرسنا بها الأشجار وأكلنا بها الثمار، وكان بنو
стр. 564
عمرو بن خالد بن جذيمة يخبطون (١) عضيدها ويأكلون حصيدها (٢)، ويرشحون خضيدها (٣) حتى ظعنّا منها، ثم إن قيس بن معاوية وإياد بن نزار نزلوها، فلم يصلوا بها حبلا، ولم يجعلوا لها أكلا، ولم يرضوا بها آخرا، ولا أولا، فلما أثرى ولدهم، وكثر عددهم، وتناسوا بينهم حسن البلاء، وقطعوا منهم عقد الولاء، فصارت الحرب بينهم حتى أفنى بعضهم بعضا، قال: ردّ علينا بلدنا يا رسول الله، قال فوافق عند رسول الله الأخنس بن شريق (٤) والأسود بن مسعود الثقفيين، فقال الأسود مجيبا له: يا رسول الله، إن بني هلال بن هدلول بن هوذاء بن ثمود كانوا ساكنين بطن وجّ بعدها آل مهلائيل بن قينان، فعطلت منازلها، وتركت مساكنها خرابا، وبناءها يبابا (٥)، فتحامتها العرب تحاميا، وتجافت عنها تجافيا،
стр. 565
مخافة أن يصيبها ما أصاب عادا وثمودا من معاريض البلاء ودواعي الشقاء، فلما كثرت قحطان وضاق فجاجها ساق بعضهم بعضا، وانتجعوا أرضا أرضا، وأقامت بنو عمرو بن خالد بن جذيمة، ثم إن قيس بن معاوية وإياد بن نزار ساروا إليهم فساقوهم السمام، وأوردوهم الحمام، فأجلوهم عناء، فتوجهوا منها إلى ضواحي اليمن.
والتمست إياد الناصف لما أصابوا من المغنم فأبت قيس عليهم، وكانت قيس أكثر من إياد عددا، وأوسع منهم بلدا، فرحلت إياد إلى العراق، وأقامت قيس ببطن وجّ ليست لهم سائبة يأكلون ملاّحها (١) ويرعون سراحها، ويحتطبون طلاحها، ويأبرون نخلها، ويأرون (٢) نجلها، سهلها وجبلها، حتى أوقدت الحرب في هبواتها، وخاضوا الأصابي (٣) في غمراتها، وأخرجوهم من سرواتها، وأناخوا على إياد بالكلكل، وسقوهم بصبير النّيطل (٤)، حتى خلا لهم خيارها وحزونها، وظهورها وبطونها، وقطورها وعيونها، فقال رسول الله ﷺ «إن نعيم الدنيا أقل وأصغر عند الله من خرء بعيضة، ولو عدلت عند الله جناح ذباب لم يكن لمسلم بها لحاق