وقال حميد، وحدثني يحيى بن سعيد قال: كان الشيب الذي كان بالنبي ﷺ سبع عشرة شعرة (١).
حدثنا الحسين بن إبراهيم قال، حدثنا محمد بن راشد، عن مكحول عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه قال: لم يبلغ النبي ﷺ من الشيب بالخضب، ولكن أبا بكر ﵁ كان يخضب رأسه ولحيته بالحنّاء والكتم حتى يقنو شعره (٢).
حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا محمد بن عيسى، والوليد ابن مسلم، عن الأوزاعي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال:
سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: بعث النبي صلى الله عليه أربعين عاما، وقبض على رأس ستين عاما، وما في رأسه ولحيته عشرون (شعرة (٣) بيضاء، قال ربيعة: إنه لأول من سمعت يقول «عشرون».
حدثنا يزيد بن هارون، ومعاذ بن معاذ قالا، حدثنا حريز (٤)
стр. 632
ابن عثمان قال: قلت لعبد الله بن بسر (١) - أراد معاذ - وكانت له صحبة - أشيخا كان رسول الله ﷺ ؟ قال كان في مقدم لحيته شعرات بيض.
حدثنا أبو داود قال، أنبأنا شعبة، عن سماك بن حرب قال:
سمعت جابر بن سمرة ﵁ سئل عن شيب رسول الله ﷺ فقال: كان إذا دهن رأسه لم يتبين وإذا لم يدهن تبين (٢).
حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا إسرائيل، عن سماك بن حرب قال: سمعت جابر بن سمرة ﵁ يقول: كان النبي ﷺ قد شمط مقدم رأسه ولحيته، فإذا ادّهن وأمشط لم يتبين، وإذا شعث رأسه تبيناه، وكان كثير شعر الرأس واللحية، فقال
стр. 633
رجل: وجهه (مثل السيف (١) قال: بل وجهه مثل الشمس والقمر (وكان (٢) مستديرا، ورأيت خاتمه عند غضروف كتفه مثل بيضة الحمامة (٣) يشبه جسده ﷺ (٤).
حدثنا القعنبي قال، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن القاسم بن محمد قال: سمعت عائشة ﵂ وذكر عندها رجل يخضب بالحناء - فقالت: إن يخضب فقد خضب أبو بكر ﵁ قبله. قال القاسم: قد علمت لو أن النبي ﷺ خضب لبدأت به وذكرته.
حدثنا مسلم بن إبراهيم، والسميدع بن واهب بن سوار بن زهدم قالا، حدثنا هشام بن أبي عبد الله، عن قتادة قال: سألت سعيد ابن المسيّب أخضب رسول الله ﷺ قال لم يبلغ ذاك.
حدثنا سليمان بن أحمد قال، حدثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد ابن بشير، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: كأن شيبة رسول الله ﷺ وضحا على ناصيته وفي عنفقته (٥).
стр. 634
حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عكرمة قال، قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله أراك قد شبت، قال: شيّبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعمّ يتساءلون، وإذا الشمس كوّرت (١).
حدثنا ابن أبي الوزير قال، حدثنا سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال، هل أنّ هذا من رسول الله كان قد شاب - يعني عنفقته.
حدثنا عمرو بن مرزوق قال، حدثنا شعبة عن خليد بن جعفر، عن أبي إياس (٢) قال: سئل أنس بن مالك ﵁ عن شيب رسول الله ﷺ فقال: ما شانه الله ببيضاء (٣).
حدثنا شريح بن النعمان، وداود بن عمرو قالا، حدثنا عبد الرحمن ابن أبي الزياد، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: قالت لي عائشة ﵂: كان شعر رسول الله ﷺ فوق الوفرة (٤) ودون الجمّة (٥).
стр. 635
حدثنا داود بن عمرو قال، حدثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم هانئ قالت: دخل رسول الله ﷺ مكة وله أربع غدائر (١).
حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا يونس، عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ كان يسدل شعره (٢)، وكان المشركون يفرقون (٣) رؤوسهم، وكان النبي ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه فيه. ففرق النبي ﷺ رأسه (٤).
حدثنا القعنبي، عن مالك، عن زياد بن سعد، أنه سمع ابن شهاب (عن أنس (٥) يقول: سدل النبي ﷺ ناصيته ما شاء الله، ثم فرق بعد ذلك.
حدثنا القعنبي قال، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأحوص ابن حكيم، عن راشد بن سعد (وعن أبيه حكيم بن عمير قالا) (٦):
стр. 636
إن النبي ﷺ كان يفرق ويأمر بالفرق وينهى عن السّكينيّة (١).
حدثنا غندر قال، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله ابن عبد الله قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وأهل الكتاب يسدلون شعرهم والمشركون يفرقون، وكان إذا شك في أمر صنع ما يصنع أهل الكتاب، فكان يسدل، فترك ذاك وفرق، فكان الفرق آخر الأمرين.
حدثنا حبان (٢) قال (حدثنا (٣) همام، عن قتادة، عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ كان يضرب شعره منكبيه.
ما مدح به النبي ﷺ من الشعر
كان قيس بن نشبة (السّلمي (٤) بن أبي عامر بن حارثة بن عبد
стр. 637
ابن عبس بن رفاعة بن الحارث (بن (١) بهثنة بن سليم متألها في الجاهلية، قد نظر في الكتب، فلما سمع بالنبي ﷺ قدم عليه فقال: اعرض عليّ ما جئت به وأخبرني باسمك ونسبك، فتسمى له وانتسب، وعرض عليه الإسلام، فقال: والله إن اسمك لاسم النبي المنتظر، وإن نسبك لشريف، وإن ما جئت به لحق، أشهد أنك رسول الله، ثم قال:
تابعت دين محمد ورضيته … كلّ الرّضا لأمانتي ولديني
ذاك امرؤ نازعته قول الهدى (٢) … وعقدت فيه يمينه بيميني
أمن الفلا لما رأين الفعل من … عف الخلائق طاهر ميمون
أعني ابن آمنة الأمين ومن به … أرجو السلامة من عذاب الهون
قد كنت آمله وأنظر دهره … فالله قدّر أنه يهديني
стр. 638
وقدم عليه قدر بن عمار (١) في وفد بني سليم فأسلم، وكان جميلا وسيما، وقال في إسلامه:
عقدت يميني إذ أتيت محمدا … بخير يد شدّت بحجزة مئزر (٢)
وذاك امرؤ قاسمته شطر دينه … ونازعته قول امرئ غير أعسر
وإنّ امرأ فارقته عند يثرب … لخير نصيح من معد وحمير
وكان خرج إلى بلاد قومه في الوفد، ووعدوا النبي ﷺ أن يوافوه لنصره على أهل حنين، فرجع أصحابه وليس فيهم، فقال لهم رسول الله ﷺ : فأين الغلام الحسان الصدوق الإيمان، الطليق اللسان؟ قالوا: مات. وفي موعدهم النبي، قال عباس ابن مرداس:
سرينا وواعدنا قديدا محمدا (٣) … يؤم بنا أمرا من الله محكما
يجوس العدا بالخيل لاحقة الكلى … وتدعو إذا جنّ الظلام مقدما
стр. 639
أسماء النبيّ ﷺ
حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا سفيان بن حسين (١)، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال، قال رسول الله ﷺ : إنّ لي أسماء، أنا محمد وأحمد والعاقب والماحي والحاشر أحشر الناس على قدمي. قال أبو خالد سألت سفيان ابن حسين ما العاقب؟ قال آخر الأنبياء (٢).
حدثنا أبو داود قال، أنبأنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم (٣)، عن أبيه قال، قال لي رسول الله ﷺ : إنّ لي أسماء: أنا محمد وأحمد والعاقب - فقال الزهري: ليس بعده أحد - والماحي الذي محا الله به الكفر (٤).
стр. 640
حدثنا أبو داود قال، حدثنا المسعودي قال، حدثنا عمرو بن مرّة عن أبي عبيدة بن عبد الله عن أبي موسى (الأشعري (١) ﵁ قال: سمّى لنا رسول الله ﷺ نفسه أسماء فمنها ما حفظنا، قال: أنا محمد وأحمد، والحاشر والمتّقي، ونبي (الرحمة (٢) والتوبة ونبيّ الملحمة.
حدثنا زهير بن حرب قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى ﵁ قال:
كان رسول الله ﷺ يسمي لنا نفسه أسماء قال: أنا محمد وأحمد والمقفى والحاشر، ونبيّ الرحمة ونبيّ الملحمة.
حدثنا محمد بن سابق قال، حدثنا مالك بن مغول قال، سمعت أبا حصين (٣) يذكر، عن مجاهد قال، قال: يعني النبي ﷺ : أنا محمد وأحمد ونبيّ التوبة، أنا رسول الرحمة، أنا رسول الملحمة أنا المقفّى والحاشر، بعثت بالجهاد ولم أبعث بالزّراع (٤)(٥).
أسماء النبي ﷺ في الكتب
حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال،
стр. 641
حدثنا العيزار بن خريب (١) عن عائشة ﵂ قالت إنّ محمدا لمكتوب في الإنجيل (٢) ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو أو يغفر.
حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا فليح بن سليمان قال، حدثنا هلال بن علي، عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو (٣) ﵄ فقلت: حدثني عن صفة النبي ﷺ في التوراة قال: إي والله، إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً﴾ (٤)، وحرزا للأمين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكّل، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخوب في الأسواق، ولا يدفع السّيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه حتى يقيم به الملّة المتعوّجة بأن يقولوا
стр. 642
لا إله إلاّ الله، فيفتح به أعينا عميا وآذانا صمّا وقلوبا غلفا قال:
ثم لقيت كعبا فسألته، فما اختلفنا في حرف، إلا أن كعبا قال:
أعين عمي وآذان صمّ وقلوب غلف (١).
حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا إسماعيل بن زكريا، عن العلاء بن المسيب، وإبراهيم بن ميمون، كلاهما عن المسيّب بن رافع، عن كعب قال: قال الله محمد عبدي المتوكّل المختار، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، مولده مكة وهجرته طابة وملكه بالشام، وأمته الحمّادون يحمدون الله على كلّ نجد (٢).
стр. 643
حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إبراهيم بن ميمون قال، حدثنا المسيّب بن رافع، عن كعب قال: قال الله: محمد عبدي المتوكل - بمثله - إلاّ أنه قال: على كل حبل - وزاد - وفي كل منزلة، لهم دوي كدوي النحل في جو السماء، يوضئون أطرافهم، ويتزررون على أنصافهم، صفهم في القتال مثل صف الصفاة - رعاة الشمس، يصلون الصلاة حيث أدركتهم ولو على ظهر كناسة (١).
حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا أبان بن يزيد، عن عاصم بن بهدلة (٢)، عن ابن صالح، عن كعب قال: التوراة مكتوب (فيها (٣) محمد عبدي المختار، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، ومهاجره بطيبة، وملكه بالشام (٤).
стр. 644
حدثنا محمد بن حاتم قال، أنبأنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثني عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح، أنه أخبره عن سعيد بن سويد عن عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن عرباض بن سارية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إني لمكتوب عبد الله خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل (١) في طينته، وسأخبركم بأول ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، وبرؤيا أمي أنها رأت حين وضعتني أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام.
حدثنا شريح قال، حدثنا فليح، عن هلال (٢) بن علي، عن أنس ﵁ قال: لم يكن النبي سبّابا ولا فحّاشا، ولا لعانا، كان يقول لأحدنا عند المعتبة: ما له ترب جبينه (٣).
стр. 645
حدثنا سويد بن سعيد قال، حدثنا يحيى بن زكرياء، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن أبي عبد الله الجدلي قال: سألت عائشة ﵂: كيف كان خلق رسول الله ﷺ في أهله، قالت أحسن الناس خلقا، لم يك فاحشا ولا متفحشا، ولا صخّابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح (١).
حدثنا سويد قال، حدثنا يحيى بن زكريا، عن حارثة ابن محمد (الأنصاري (٢) عن عمرة (٣) قالت: سألت عائشة ﵂: كيف كان النبي ﷺ إذا خلا بنسائه (٤)؟ قالت: كان رجلا من رجالكم، كان أحسن الناس خلقا، وكان ضحاكا بسّاما.
حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا مهدي بن ميمون، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أنها سئلت ما كان رسول الله ﷺ يعمل في بيته، قالت:
كان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما تعمل الرجال في بيوتهم (٥).
стр. 646
حدثنا سعيد بن سليمان قال، حدثنا منصور بن أبي الأسود، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن السائب قال: كنت شريكا لرسول الله ﷺ ، فلما قدمت عليه قال:
أتعرفني؟ قلت: كنت شريكك فنعم الشريك لا تماري ولا تداري (١).
حدثنا هارون بن معروف قال حدثنا سفيان بن عيينة قال:
قال رسول الله ﷺ تعلم أني رحمة مهداة، بعثت برفع قوم ووضع آخرين.
حدثنا سويد بن سعيد قال حدثنا سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد (٢)، عن أبيه في قوله (لقد جاءكم رسول من أنفسكم (٣) يقول: من نكاح لا من سفاح الجاهلية.
حدثنا عبيد الله بن سعد قال، حدثني عمي يعقوب بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمد بن كعب القرظي، عن البراء بن عازب ﵄ قال: كان النبي ﷺ إذا غضب رأيت لوجهه ظلالا (٤).
(ذكر فضل بني هاشم وغيرهم من قريش وقبائل العرب)
حدثنا محمد بن عبد الله الزبيري قال، حدثنا يوسف ابن صهيب، عن أبي الأزهر قال: قال النبي ﷺ :
стр. 647
إن بني هاشم فضلوا على الناس بست خصال: هم أعلم الناس، وأشجع الناس، وهم أسمح الناس، وهم أحلم الناس، وهم أصفح الناس، وأحب الناس إلى نسائهم.
حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن العباس ابن عبد المطلب ﵁ قال، قلت: يا رسول الله، إن قريشا إذا لقي بعضها بعضا لقوا ببشر حسن، وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها، فغضب غضبا شديدا فقال: والذي نفس محمد بيده لا يدخل قلب عبد الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله.
حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا جرير، عن يزيد ابن أبي زياد، عن عبيد الله بن الحارث، عن المطلب بن ربيعة بنحوه.
حدثنا عمرو بن عون قال، أنبأنا خالد بن عبد الله، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن المطلب بن ربيعة قال: كنت جالسا عند رسول الله ﷺ فدخل عليه العباس وهو مغضب فقال: يا نبيّ الله، ما بال قريش، إذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مبشرة، وإذا لقونا لقونا بغير ذلك؟ قال فغضب النبي ﷺ حتى احمرّ وجهه وقال: لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله (ثم قال: أيها الناس من آذى عمي فقد آذاني وإنما) (١): عمّ الرجل صنو أبيه (٢).
стр. 648
حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده قال، قال العباس ﵁:
يا رسول الله، إن قريشا تتلاقى بينها بوجوه لا تلقانا بها، فقال رسول الله ﷺ : أما إن الإيمان لا يدخل أجوافهم حتى يحبوكم لي.
حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى عن ابن عباس ﵄ قال: جاء العباس ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: إنك تركت فينا ضغائن منذ صنعت الذي صنعت. فقال رسول الله ﷺ :
لن تبلغوا الخير - أو قال: الإيمان - حتى يحبوكم لله ولقرابتي، أيرجو سؤلهم شفاعتي عن مراد ولا يرجو بنو عبد المطلب شفاعتي؟ حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد قال، حدثني أبي، عن أبيه عن جده، عن علي ﵁ قال: قدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فدعا به رسول الله ﷺ فجعل في المسجد، وألقى عليه ثوبا، وجعل يعطيه الناس، فأشار إليّ عمّه العباس ﵁ أن قم بنا إليه، فقمنا فقلنا: يا رسول الله، أعطيت من هذا المال ولم تعطنا منه شيئا؟ قال: إنما هي صدقة، والصدقة أوساخ الناس يتطهرون بها من ذنوبهم، إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد. فقمنا فلما ولينا دعانا، فقال:
ما ظنكم بي غدا إذا أحذت بباب الجنة، وهل تروني مناديا سواكم، أو مؤثرا عليكم غيركم (١).
стр. 649
حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري، عن محمد بن عبد الله بن المطلب، ابن ربيعة، عن أبيه، أن أباه والعباس بن عبد المطلب اجتمعا مع كل واحد منهما ابنه، مع العباس الفضل ومع ربيعة (١) بن الحارث ابنه عبد المطلب فقالا: ما يمنعنا أن نبعث هذين الفتيين إلى رسول الله ﷺ فيستعملهما على بعض ما يستعمل عليه هؤلاء الناس، فأما ما يؤدي إليه الناس فيؤديان، وأما ما يصيب الناس من منفعة ذلك فيصيبنا، قال: فبينما هما كذلك إذ أتى عليهما علي بن أبي طالب ﵁ فقال: ما يقول الشيخان؟ فقالا:
نقول لو بعثنا هذين الفتيين إلى رسول الله ﷺ فاستعملهما على بعض ما يستعمل عليه هؤلاء الناس؟ فقال: لا عليكما أن لا تفعلا، فإنه ليس بفاعل. فقالا: يا أبا علي أو يا أبا حسن:
ما نفسنا عليك قرابتك من رسول الله ﷺ وصهرك إياه فتنفس علينا أن يستعمل هذين الفتيين؟ قال: فأي نفاسة عليكما! ولكني أعلم أنه غير فاعل، ثم جمع رداءه فجلس عليه ثم قال حزنا: أنا أبو حسين أو أنا أبو حسن القرم (٢). قال فانطلقنا
стр. 650
إلى رسول الله ﷺ فصلينا معه الظهر ثم انصرفنا حتى انتهينا معه إلى الباب، وهو يومئذ يوم زينب بنت جحش، فدخل وأذن لنا فقال: أخرجا ما تصرّران (١)، فقلنا: يا رسول الله، بعثنا أبوانا لتستعملنا على بعض ما تستعمل عليه الناس، فأما ما يؤدي الناس فنؤدي، وأما ما يصيب الناس من منفعة فنصيب، فاستلقى مليا ورفع بصره إلى السماء، فذهبنا نكلمه فأومت إلينا زينب أن امضيا فإنه في شأنكما، فأقبل علينا فقال: إن هذه الصدقات أوساخ أيدي الناس، وإنها لا تحلّ لمحمد ولا آل محمد، ثم قال: ادع لي أبا سفيان بن الحارث ومحمية بن جزء الزبيدي (٢)،
стр. 651
وكان النبي ﷺ يجمع إليه الشيء إذا كان عنده، فقال: يا محمية زوّج أحد هذين، وقال، لأبي سفيان: زوج ابنتك من الآخر، وقال لمحمية: سق عنها ما عندك.
حدثنا علي بن أبي هاشم قال، حدثنا إسماعيل بن علية، عن محمد بن إسحاق، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الله ابن نوفل، عن المطلب بن ربيعة بن الحارث بنحوه، وقال فيه:
فقالا لعلي والله ما نفسنا عليك ما هو أعظم من ذلك من صهره وصحبته، وقال فيه: وكان محمية على خمس المسلمين. وقال فيه: وقال لأبي سفيان: زوّج ابنتك عبد المطلب. قال: قد فعلت، وقال لمحمية: يا محمية زوج الفضل ابنتك، قال: قد فعلت يا نبيّ الله (١).
حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي رافع (٢) عن أبيه (٣): أن رسول الله ﷺ بعث
стр. 652
رجلا من بني مخزوم (١) على الصدقة. فقال لابي رافع: أتتبعني فتصيب منها. فقال: لا حتى آتي رسول الله ﷺ فأسأله، فأتى رسول الله ﷺ وذكر ذلك له، فقال:
إن مولى القوم من أنفسهم وإنه لا يحل لنا الصدقة.
حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب، عن جبير بن مطعم قال:
لما قسم رسول الله ﷺ سهم ذي القربى من (خيبربين) (٢) بني هاشم وبني المطلب، أتيته أنا وعثمان بن عفّان فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء بنو هاشم لا ينكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله به منهم أرأيت (إخواننا من (٣) بني المطلب؟ أعطيتهم ومنعتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة (واحدة (٤)؟ فقال النبي ﷺ :
إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، وشبّك النبي ﷺ بين أصابعه - وأشار أبو خالد فشبك بين أصابعه (٥).
стр. 653
حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا يونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب قال، أخبرني جبير بن مطعم ﵁ قال: لم يقسم النبي ﷺ لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل من الخمس كما قسم لبني هاشم وبني المطلب، وكان أبو بكر ﵁ يقسم الخمس نحو قسم رسول الله ﷺ (غير أنه لم يكن يعطي قربى رسول الله ﷺ كما كان رسول الله ﷺ يعطيهم، وكان عمر ﵁ يعطيهم وعثمان من بعده منه (١).
حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي ﵁ قال:
كان رسول الله ﷺ يقسم الخمس بين بني عبد المطلب وبني عبد يغوث، ثم قسمه أبو بكر ﵁ عليهم، وهو يسير، ثم قسمه عمر ﵁ سنتين، ثم كلّم فيه عليا ﵁ عام اشتدت فيه حال المسلمين فقال: أرفقونا به فأرفقه، فلما صار علي ﵁ إلى منزله أرسل إليه العباس ﵁: أعطيتموه الخمس؟ قال: نعم، قال: أم والله لا يعطيكموه أحد حتى يعطيكموه رجل نبي.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال، حدثنا عبد الله بن نمير قال، حدثنا هاشم بن البريد (٢) قال، حدثنا حسين بن ميمون،
стр. 654
عن عبد الله بن عبد الله (١)، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال:
سمعت عليا ﵁ يقول: اجتمعت أنا والعباس وفاطمة بنت رسول الله ﷺ وزيد بن حارثة:
عند رسول الله ﷺ ، فسأل العباس فقال: يا رسول الله كبرت سنّي ورقّ عظمي، وقد ركبني مؤونة فإن رأيت أن تأمر لي بكذا وكذا وسقا من طعام فافعل قال: فعل ذاك: ثم قالت فاطمة: يا رسول الله أنا منك بالمنزل الذي قد علمت، فإن رأيت أن تأمر لي كما أمرت لعمك فافعل قال: قد فعل ذاك، ثم قال زيد بن حارثة: يا رسول الله كنت أعطيتني أرضا أعيش فيها، ثم منعتها مني، فإن رأيت أن تردّها عليّ، قال: فعل ذاك. قال فقلت أنا: يا رسول الله، إن رأيت أن توليني حقّنا من الخمس في كتاب الله فاقسمه في حياتك لئلا ينازعنيه أحد بعدك فافعل، قال: قد فعل ذاك، ثم إن رسول الله ﷺ التفت إلى العباس فقال: يا أبا الفضل ألا سألتني الذي سألني ابن أخيك؟ فقال: يا رسول الله انتهت مسألتي إلى الذي سألتك، قال: فولاّنيه رسول الله ﷺ بقسمته حياة رسول الله ﷺ ، ثم ولاية أبي بكر ﵁، فقسمته حياة أبي بكر، ثم ولاية عمر ﵁، فقسمته حياة عمر ﵁.
حتى كانت آخر سنة من سنيّ عمر ﵁ فإنه أتاه مال كثير
стр. 655
فعزل حقّنا، ثم أرسل إليّ فقال: هذا حقّكم فخذه فاقسمه حيث كنت تقسمه، فقلت: يا أمير المؤمنين بنا عنه العام غناء وبالمسلمين إليه حاجة، فردّه عليهم تلك السنة، ثم لم يدعني إليه أحد بعد عمر ﵁ حتى قمت مقامي هذا، فلقيت العباس بعد ما خرجت من عند عمر فقال: يا علي لقد حرمتنا الغداة شيئا لا يردّ علينا أبدا إلى يوم القيامة، وكان رجلا ذاهبا.
حدثنا عبد الله بن رجاء قال، حدثنا إسرائيل، عن حكيم ابن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: أعطانا رسول الله ﷺ نصيبا من خيبر، وأبو بكر وعمر ﵄، ثم قال: إن الناس قد كثروا وإن شئتم أعطيتكم ما كان نصيبكم من خيبر مالا، فنظر بعضنا إلى بعض، فقتل عمر ولم يعطنا شيئا، فقسمها عثمان. فذكرنا ذلك له، فقال: إن عمر قبضها ولم يعطكم شيئا فأبى أن يعطينا.
حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري ومحمد بن علي عن يزيد بن هرمز (١) قال (كتب نجدة ابن عامر (٢) إلى ابن عباس ﵄ يسأله عن سهم ذي القربى لمن هو؟ وعن النساء هل كنّ يحضرن الحرب مع رسول الله ﷺ ؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ وعن قتل الولدان؟ ويخبره
стр. 656
في كتابه: أن العالم صاحب موسى قد قتل الغلام. قال يزيد (١):
فأنا كتبت كتاب ابن عباس ﵄ إلى نجدة. كتب إليه:
كتبت تسألني عن سهم ذوي القربى لمن هو؟ فهو لنا أهل البيت، وقد كان عمر ﵁ دعانا إلى ننكح منه نساءنا، ونخدم منه عائلنا، ونقضي منه عن غارمنا فأبينا إلا أن يسلمه إلينا، فأبى ذلك فتركناه عليه (٢)، وكتبت تسألني عن النساء (٣) هل كن يحضرن مع رسول الله ﷺ ؟ فقد كن يحضرن الحرب معه، فأما أن يضرب لهم بسهم فلا، وقد كان يرضخ (٤) لهن، وكتبت تسألني عن قتل الولدان، وتقول في كتابك: إن العالم صاحب موسى قتل الغلام، ولو كنت تعلم منهم ما علم ذلك العالم (٥)
стр. 657
ولكنك لا تعلم فاجتنبهم، فإن رسول الله ﷺ قد نهى عن قتلهم.
قال محمد بن إسحاق، وحدثني من لا أتهم، عن يزيد ابن هرمز: أنه كان في كتاب نجدة إلى ابن عباس ﵄:
يسأله عن العبيد هل كانوا يحضرون الحرب مع رسول الله ﷺ ؟ وهل كان يضرب لهم بسهم؟ فكتب إليه ابن عباس ﵁: إن العبيد قد كانوا يحضرون الحرب مع رسول الله ﷺ ، فأما أن يضرب لهم بسهم فلا، وقد كان يرضخ لهم، وعن اليتيم (١) ومتى يخرج من اليتم ويجب سهمه في الفيء؟ فكتب إليه: وأما اليتيم فإذا (بلغ النكاح وأونس منه رشدا دفع إليه ماله (٢) و) خرج من اليتم ووجب سهمه في الفيء.
حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا يونس، عن الزهري، عن يزيد بن هرمز: أن نجدة (الحروري (٣) حين خرج في فتنة ابن الزبير أرسل إلى ابن عباس ﵄: يسأله عن سهم ذي القربى، لمن تراه؟ فقال ابن عباس: هو (لنا (٤) لقربى رسول الله ﷺ ، قسمه لهم، وقد كان عمر ﵁ عرض علينا من ذلك عرضا رأيناه دون حقنا فرددناه (عليه (٥)
стр. 658
وأبينا أن نقبله، وكان الذي عرض عليهم أن يعين ناكحهم، وأن يقضي عن غارمهم، وأن يعطي فقيرهم، وأبى أن يزيدهم على ذلك (١).
حدثنا القعنبي، عن سليمان بن بلال، عن بلال، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن يزيد بن هرمز: أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن الخمس لمن هو؟ فكتب إليه ابن عباس:
كتبت تسألني عن الخمس لمن هو؟ وإنّا نقول هو لنا، فأبى قومنا ذلك علينا (٢).
حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا أبو معشر، عن سعيد ابن أبي سعيد قال: كتب نجدة إلى ابن عباس: اكتب إليّ: من ذوو القربى؟ فكتب إليه: كنا نزعم نحن بني هاشم فأبى علينا قومنا ذلك، وقالوا: قريش كلّهم.
حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عتاب بن بشير، عن خصيف (٣)، عن مجاهد في قوله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى﴾ (٤) قال: فكان النبي صلى الله
стр. 659
عليه وسلم وذو قرابته لا يأكلون من الصدقة شيئا لا تحل لهم (١)، فللنبي خمس الخمس، ولذي قرابته خمس الخمس، ولليتامي مثل ذلك، وللمساكين مثل ذلك، ولابن السبيل مثل ذلك.
حدثنا محمد بن الصباح قال، حدثنا الحكم بن ظهير، عن السدي قال، حدثنا أبو مالك (٢) عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يقسم الفيء على خمسة يضربها لمن أصاب الفيء، للفارس ثلاثة أسهم، والراجل سهم، ويقسم الباقي على ستة؛ فسهم لله، وسهم لرسوله، وسهم لذي القربى؛ قرابة رسول الله مع سهمهم في المسلمين ومع سهم النبي ﷺ مع المسلمين، وسهم لليتامى، يتامى الناس ليس ليتامى بني هاشم.
стр. 660
أخبار عمر بن الخطّاب ﵁
стр. 661
(عمر بن الخطاب ﵁ (١)
نسبه ونشأته (٢)
هو عمر بن نفيل بن عبد العزى بن رياح (٣) بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب. ويكنى أبا حفص. وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم (٤).
أولاده (٥)
وكان لعمر من الولد عبد الله، وعبد الرحمن، وحفصة. وأمهم زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح.
وزيد الأكبر - لا بقية له - ورقيّة وأمها أم كلثوم بنت علي ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم وأمها فاطمة بنت رسول الله ﷺ .
وزيد الأصغر، وعبيد الله - قتلا يوم صفين مع معاوية - وأمهما أم كلثوم بنت جرول بن مالك بن المسيّب بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس بن حرام بن حبشيّة بن سلول بن كعب بن عمرو بن خزاعة.
وكان الإسلام فرق بين عمر وأم كلثوم بنت جرول.
وعاصم، وأمه جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح، واسمه قيس ابن عصمة بن مالك بن أمة بن ضبيعة بن زيد، من الأوس من الأنصار.
وعبد الرحمن الأوسط - وهو أبو المجبّر - وأمه لهية - أم ولد - وعبد الرحمن الأصغر، وأمه أم ولد.
стр. 662
وفاطمة، وأمها أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
وزينب - وهي أصغر ولد عمر - وأمها فكيهة - أم ولد - وعياض بن عمر، وأمه عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل.
قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس المدني قال، أخبرنا سليمان بن بلال، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع قال:
غيّر النبي ﷺ اسم أمّ عاصم ابن عمر، وكان اسمها عاصية قال: «لا، بل أنت جميلة» (١).
منزل عمر في الجاهلية
(٢) قال محمد بن سعد، سألت أبا بكر بن محمد بن أبي مرّة المكي - وكان عالما بأمور مكة - عن منزل عمر بن الخطاب الذي كان في الجاهلية بمكة فقال: كان ينزل في أصل الجبل الذي يقال له اليوم جبل عمر، وكان اسم الجبل في الجاهلية «العاقر» فنسب إلى عمر بعد ذلك، وبه كانت منازل بني عديّ بن كعب (٣).
قال، أخبرنا يزيد بن هارون، وعفّان بن مسلم، وعارم ابن الفضل قالوا:، أخبرنا حماد بن زيد قال، أخبرنا يزيد بن حازم، عن سليمان بن يسار قال: مرّ عمر بن الخطاب بضجنان (٤) فقال: لقد رأيتني وإني لأرعى على الخطاب في هذا المكان، وكان
стр. 663
- والله ما علمت - فظّا غليظا، ثم أصبح إليّ أمر أمة محمد ﷺ ، ثم قال متمثلا:
لا شيء فيما نرى إلا بشاشته … يبقى الإله ويؤدي المال والولد (١)
ثم قال لبعيره: حوب (٢).
قال، أخبرنا سعيد بن عامر، وعبد الوهاب بن عطاء قالا، أخبرنا محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه قال: أقبلنا مع عمر بن الخطاب قافلين من مكّة، حتى إذا كنّا بشعاب ضجنان وقف الناس - فكان محمد يقول: مكانا كثير الشجر والأشب (٣) - قال فقال: لقد رأيتني في هذا المكان وأنا في إبل للخطاب - وكان فظا غليظا. أحتطب عليها مرّة وأختبط عليها أخرى، ثم أصبحت اليوم يضرب الناس بجنباتي، ليس فوقي أحد. قال ثم تمثل بهذا البيت:
لا شيء فيما ترى إلا بشاشته … يبقى الإله ويودي المال والولد (٤)
إسلام عمر
(٥) قال، أخبرنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر العقديّ قال،
стр. 664
أخبرنا خارجة بن عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أنّ النبي ﷺ قال: «اللهم أعزّ الإسلام بأحبّ الرجلين إليك؛ بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام» قال فكان أحبهما إليه عمر بن الخطاب (١).
قال، أخبرنا عفّان بن مسلم قال، أخبرنا خالد بن الحارث، قال، أخبرنا عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيّب قال:
كان رسول الله ﷺ إذا رأى عمر بن الخطاب أو أبا جهل ابن هشام قال «اللهم اشدد دينك بأحبهما إليك» فشدّد دينه بعمر ابن الخطاب (٢).
قال، أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال، أخبرنا أشعث بن سوار، عن الحسن، عن النبيّ ﷺ قال:
«اللهم أعزّ الدين بعمر بن الخطاب» (٣).
قال، أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق قال، أخبرنا القاسم ابن عثمان البصري، عن أنس بن مالك قال: خرج عمر متقلدا السيف فلقيه رجل (٤) من بني زهرة قال: أين تعمد يا عمر؟ فقال:
أريد أن أقتل محمدا. قال: وكيف تأمن في بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمدا؟ قال فقال عمر: ما أراك إلاّ قد صبوت وتركت
стр. 665
دينك الذي أنت عليه! قال: أفلا أدلّك على العجب يا عمر؟ إن ختنك (١) وأختك قد صبوا وتركا دينك الذي أنت عليه، قال:
فمشى عمر ذامرا حتى أتاهما. وعندهما رجل من المهاجرين يقال له خبّاب. قال: فلمّا سمع خبّاب (٢) حسّ عمر توارى في البيت، فدخل عليهما فقال: ما هذه الهينمة (٣) التي سمعتها عندكم؟ قال:
وكانوا يقرءون «طه» فقالا: ما عدا حديثا تحدثناه بيننا. قال:
فلعلكما قد صبوتما، قال فقال له ختنه: أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك؟ قال فوثب عمر على ختنه فوطئه وطئا شديدا، فجاءت أخته فدفعته عن زوجها، فنفحها بيده نفحة فدمّى وجهها، فقالت وهي غضبي: يا عمر، أن كان الحقّ في غير دينك!! أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. فلما يئس عمر قال:
أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرأه - قال، وكان عمر يقرأ الكتب - فقالت أخته: إنك رجس، و «لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ».
فقم فاغتسل أو توضّأ، قال: فقام عمر فتوضّأ ثم أخذ الكتاب،
стр. 666
فقرأ «طه» حتى انتهى إلى قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (١) قال، فقال عمر: دلّوني على محمد.
فلما سمع خبّاب قول عمر خرج من البيت فقال: أبشر يا عمر؛ فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله ﷺ لك ليلة الخميس «اللهم أعزّ الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام» قال: ورسول الله ﷺ في الدار التي في أصل الصّفا، فانطلق عمر حتّى أتى الدار. قال: وعلى باب الدار حمزة، وطلحة، وأناس من أصحاب رسول الله ﷺ . فلما رأى حمزة وجل القوم من عمر قال حمزة: نعم فهذا عمر، فإن يرد الله بعمر خيرا يسلم، ويتبع النبيّ ﷺ ، وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هيّنا. قال: والنبيّ ﵇ داخل يوحى إليه، قال: فخرج رسول الله ﷺ حين أتى عمر فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف فقال «أما أنت فتهيا يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة. اللهم هذا عمر ابن الخطاب، اللهم أعزّ الدين بعمر بن الخطاب (٢)» قال فقال عمر:
أشهد أنك رسول الله، فأسلم وقال: اخرج يا رسول الله.
قال، أخبرنا محمد بن عمر قال، حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين قال، وحدثني معمر عن الزهري قال: أسلم عمر بن الخطاب بعد أن دخل رسول الله ﷺ دار الأرقم، وبعد أربعين أو نيّف وأربعين بين رجال
стр. 667
ونساء قد أسلموا قبله، وقد كان رسول الله ﷺ قال بالأمس «اللهم أيّد الإسلام بأحبّ الرجلين إليك؛ عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام» فلما أسلم عمر نزل جبريل فقال: يا محمد لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر (١).
قال، أخبرنا محمد بن عمر قال، أخبرنا محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: أسلم عمر بعد أربعين رجلا وعشر نسوة، فما هو إلا أن أسلم عمر فظهر الإسلام بمكة (٢).
قال أخبرنا محمد بن عمر قال، حدثني علي بن محمد، عن عبيد الله بن سلمان الأغر، عن أبيه، عن صهيب بن سنان، قال: لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به (٣).
قال، أخبرنا محمد بن عمر قال، حدثني محمد بن عبد الله، عن أبيه قال، ذكرت له حديث عمر فقال، أخبرني عبد الله بن ثعلبة ابن صعير قال: أسلم عمر بعد خمسة وأربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة (٤).
قال أخبرنا محمد بن عمر قال، حدثني أسامة بن زيد
стр. 668
ابن أسلم، عن أبيه، عن جده قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول:
«ولدت قبل الفجار الأعظم الآخر بأربع سنين».
وأسلم في ذي الحجة السنة السادسة من النبوّة وهو ابن ست وعشرين سنة. قال: وكان عبد الله بن عمر يقول: أسلم عمر وأنا ابن ست سنين (١).
قال أخبرنا عبد الله بن نمير، ويعلى، ومحمد ابنا عبيد قالوا، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال:
سمعت عبد الله بن مسعود يقول: فما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر (٢).
قال محمد بن عبيد في حديثه: لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي في البيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا نصلي (٣).
قال، أخبرنا يعلى، ومحمد ابنا عبيد، وعبيد الله بن موسى، والفضل بن دكين، ومحمد بن عبد الله الأسدي قالوا، أخبرنا مسعر، عن القاسم بن عبد الرحمن قال، قال عبد الله بن مسعود: كان إسلام عمر فتحا، وكانت هجرته نصرا، وكانت إمارته رحمة، لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا (٤).
стр. 669
(تسميته بالفاروق)
قال أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان قال، قال ابن شهاب: بلغنا أن أهل الكتاب كانوا أول من قال لعمر: الفاروق، وكان المسلمون يؤثرون ذلك من قولهم، ولم يبلغنا أن رسول الله ﷺ ذكر من ذلك شيئا، ولم يبلغنا أن ابن عمر (١) قال ذلك إلا لعمر، كان فيما يذكر من مناقب عمر الصالحة ويثني عليه، قال: وقد بلغنا أن عبد الله بن عمر كان يقول قال رسول الله ﷺ : «اللهم أيد دينك بعمر بن الخطاب».
قال أخبرنا أحمد بن محمد الأزرقي المكي قال، أخبرنا عبد الرحمن بن حسن، عن أيوب بن موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، وهو الفاروق؛ فرق الله بين الحق والباطل» (٢).
قال أخبرنا محمد بن عمر قال، أخبرنا أبو حزرة يعقوب ابن مجاهد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي عمرو بن ذكوان قال، قلت لعائشة: من سمّى عمر الفاروق؟ قالت: النبيّ ﵇ (٣).
стр. 670
(ذكر هجرة عمر بن الخطاب وإخائه ﵀
قال أخبرنا محمد بن عمر قال، أخبرنا محمد بن عبد الله ابن مسلم، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، وأخبرنا محمد ابن عمر قال، حدثني عمر بن أبي عاتكة، وعبد الله بن نافع، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما أذن رسول الله ﷺ للناس في الخروج إلى المدينة، جعل المسلمون يخرجون أرسالا، يصطحب الرجال فيخرجون. قال عمر، وعبد الله قلنا لنافع: مشاة أو ركبانا؟ قال: كل ذلك؛ أما أهل القوّة فركبان ويعتقبون، وأما من لم يجدوا ظهرا فيمشون.
قال عمر بن الخطاب فكنت قد اتّعدت أنا وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل التناضب من إضاءة بني غفار. وكنا إنما نخرج سرّا، فقلنا: أيكم ما تخلف عن الموعد فلينطلق من أصبح عند الإضاءة. قال عمر فخرجت أنا وعياش بن أبي ربيعة، واحتبس هشام بن العاص ففتن فيمن فتن، وقدمت أنا وعياش، فلما كنا بالعتيق عدلنا إلى العصبة حتى أتينا قباء، فنزلنا على رفاعة بن المنذر، فقدم على عيّاش بن أبي ربيعة أخواه لأمه؛ أبو جهل والحارث ابنا هشام بن المغيرة. وأمهم أسماء ابنة مخربة من بني تميم، والنبي ﷺ بمكة لم يخرج، فأسرعا السير فنزلا معنا بقباء، فقالا لعيّاش: إن أمّك قد نذرت ألا يظلها ظل ولا يمسّ رأسها دهن حتى تراك. قال عمر فقلت لعياش: والله إن يردّاك إلا عن دينك، قال عيّاش: فإنّ لي بمكة مالا لعلّي آخذه فيكون لنا قوّة، وأبرّ قسم أمي. فخرج معهما فلما كانوا بضجنان نزل عن راحلته فنزلا معه