فقرأ «طه» حتى انتهى إلى قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (١) قال، فقال عمر: دلّوني على محمد.
فلما سمع خبّاب قول عمر خرج من البيت فقال: أبشر يا عمر؛ فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله ﷺ لك ليلة الخميس «اللهم أعزّ الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام» قال: ورسول الله ﷺ في الدار التي في أصل الصّفا، فانطلق عمر حتّى أتى الدار. قال: وعلى باب الدار حمزة، وطلحة، وأناس من أصحاب رسول الله ﷺ . فلما رأى حمزة وجل القوم من عمر قال حمزة: نعم فهذا عمر، فإن يرد الله بعمر خيرا يسلم، ويتبع النبيّ ﷺ ، وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هيّنا. قال: والنبيّ ﵇ داخل يوحى إليه، قال: فخرج رسول الله ﷺ حين أتى عمر فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف فقال «أما أنت فتهيا يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة. اللهم هذا عمر ابن الخطاب، اللهم أعزّ الدين بعمر بن الخطاب (٢)» قال فقال عمر:
أشهد أنك رسول الله، فأسلم وقال: اخرج يا رسول الله.
قال، أخبرنا محمد بن عمر قال، حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين قال، وحدثني معمر عن الزهري قال: أسلم عمر بن الخطاب بعد أن دخل رسول الله ﷺ دار الأرقم، وبعد أربعين أو نيّف وأربعين بين رجال
стр. 667
ونساء قد أسلموا قبله، وقد كان رسول الله ﷺ قال بالأمس «اللهم أيّد الإسلام بأحبّ الرجلين إليك؛ عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام» فلما أسلم عمر نزل جبريل فقال: يا محمد لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر (١).
قال، أخبرنا محمد بن عمر قال، أخبرنا محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: أسلم عمر بعد أربعين رجلا وعشر نسوة، فما هو إلا أن أسلم عمر فظهر الإسلام بمكة (٢).
قال أخبرنا محمد بن عمر قال، حدثني علي بن محمد، عن عبيد الله بن سلمان الأغر، عن أبيه، عن صهيب بن سنان، قال: لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به (٣).
قال، أخبرنا محمد بن عمر قال، حدثني محمد بن عبد الله، عن أبيه قال، ذكرت له حديث عمر فقال، أخبرني عبد الله بن ثعلبة ابن صعير قال: أسلم عمر بعد خمسة وأربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة (٤).
قال أخبرنا محمد بن عمر قال، حدثني أسامة بن زيد
стр. 668
ابن أسلم، عن أبيه، عن جده قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول:
«ولدت قبل الفجار الأعظم الآخر بأربع سنين».
وأسلم في ذي الحجة السنة السادسة من النبوّة وهو ابن ست وعشرين سنة. قال: وكان عبد الله بن عمر يقول: أسلم عمر وأنا ابن ست سنين (١).
قال أخبرنا عبد الله بن نمير، ويعلى، ومحمد ابنا عبيد قالوا، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال:
سمعت عبد الله بن مسعود يقول: فما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر (٢).
قال محمد بن عبيد في حديثه: لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي في البيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا نصلي (٣).
قال، أخبرنا يعلى، ومحمد ابنا عبيد، وعبيد الله بن موسى، والفضل بن دكين، ومحمد بن عبد الله الأسدي قالوا، أخبرنا مسعر، عن القاسم بن عبد الرحمن قال، قال عبد الله بن مسعود: كان إسلام عمر فتحا، وكانت هجرته نصرا، وكانت إمارته رحمة، لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا (٤).
стр. 669
(تسميته بالفاروق)
قال أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان قال، قال ابن شهاب: بلغنا أن أهل الكتاب كانوا أول من قال لعمر: الفاروق، وكان المسلمون يؤثرون ذلك من قولهم، ولم يبلغنا أن رسول الله ﷺ ذكر من ذلك شيئا، ولم يبلغنا أن ابن عمر (١) قال ذلك إلا لعمر، كان فيما يذكر من مناقب عمر الصالحة ويثني عليه، قال: وقد بلغنا أن عبد الله بن عمر كان يقول قال رسول الله ﷺ : «اللهم أيد دينك بعمر بن الخطاب».
قال أخبرنا أحمد بن محمد الأزرقي المكي قال، أخبرنا عبد الرحمن بن حسن، عن أيوب بن موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، وهو الفاروق؛ فرق الله بين الحق والباطل» (٢).
قال أخبرنا محمد بن عمر قال، أخبرنا أبو حزرة يعقوب ابن مجاهد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي عمرو بن ذكوان قال، قلت لعائشة: من سمّى عمر الفاروق؟ قالت: النبيّ ﵇ (٣).
стр. 670
(ذكر هجرة عمر بن الخطاب وإخائه ﵀
قال أخبرنا محمد بن عمر قال، أخبرنا محمد بن عبد الله ابن مسلم، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، وأخبرنا محمد ابن عمر قال، حدثني عمر بن أبي عاتكة، وعبد الله بن نافع، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما أذن رسول الله ﷺ للناس في الخروج إلى المدينة، جعل المسلمون يخرجون أرسالا، يصطحب الرجال فيخرجون. قال عمر، وعبد الله قلنا لنافع: مشاة أو ركبانا؟ قال: كل ذلك؛ أما أهل القوّة فركبان ويعتقبون، وأما من لم يجدوا ظهرا فيمشون.
قال عمر بن الخطاب فكنت قد اتّعدت أنا وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل التناضب من إضاءة بني غفار. وكنا إنما نخرج سرّا، فقلنا: أيكم ما تخلف عن الموعد فلينطلق من أصبح عند الإضاءة. قال عمر فخرجت أنا وعياش بن أبي ربيعة، واحتبس هشام بن العاص ففتن فيمن فتن، وقدمت أنا وعياش، فلما كنا بالعتيق عدلنا إلى العصبة حتى أتينا قباء، فنزلنا على رفاعة بن المنذر، فقدم على عيّاش بن أبي ربيعة أخواه لأمه؛ أبو جهل والحارث ابنا هشام بن المغيرة. وأمهم أسماء ابنة مخربة من بني تميم، والنبي ﷺ بمكة لم يخرج، فأسرعا السير فنزلا معنا بقباء، فقالا لعيّاش: إن أمّك قد نذرت ألا يظلها ظل ولا يمسّ رأسها دهن حتى تراك. قال عمر فقلت لعياش: والله إن يردّاك إلا عن دينك، قال عيّاش: فإنّ لي بمكة مالا لعلّي آخذه فيكون لنا قوّة، وأبرّ قسم أمي. فخرج معهما فلما كانوا بضجنان نزل عن راحلته فنزلا معه
стр. 671
فأوثقاه رباطا حتى دخلا به مكّة فقالا: كذا يا أهل مكة فافعلوا بسفهائكم. ثم حبسوه (١).
قال أخبرنا محمد بن عمر قال، أخبرنا محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال محمد بن عمر، أخبرنا عبد الله ابن جعفر عن سعد بن إبراهيم قالا: آخى رسول الله ﷺ بين عمر بن الخطاب وعويم بن ساعدة (٢).
قال أخبرنا محمد بن عمر قال، حدثني عبد الله بن جعفر، عن عبد الواحد بن أبي عون قال: آخى رسول الله ﷺ بين عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك. قال محمد بن عمر: ويقال بين عمر ومعاذ بن عفراء (٣).
قال أخبرنا محمد بن عمر قال، أخبرنا محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: نزل عمر بن الخطاب بالمدينة خطة من رسول الله ﷺ (٤).
(قيادة عمر لبعض السرايا)
(٥) قال أخبرنا محمد بن عمر قال، أخبرنا أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: بعث رسول الله صلى الله
стр. 672
عليه وسلم عمر بن الخطاب سرية في ثلاثين رجلا إلى عجز هوازن بتربة، في شعبان سنة سبع من الهجرة (١).
قال أخبرنا روح بن عبادة قال، أخبرنا عوف، عن ميمون أبي عبد الله، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة الأسلمي قال:
لما كان حيث نزل رسول الله ﷺ بحضرة أهل خيبر أعطى رسول الله ﷺ اللواء عمر بن الخطاب (٢).
(ذكر عهد أبي بكر «إلى عمر» واستخلافه إياه ووصيته إياه)
عن إبراهيم النخعي، قال: أول من ولّى أبو بكر شيئا من أمور المسلمين عمر بن الخطاب ولاه القضاء. وكان أول قاض في الإسلام (٣).
عن الحسن بن أبي الحسن، قال: لما ثقل أبو بكر واستبان له من نفسه. جمع الناس إليه فقال: إنه قد نزل بي ما قد ترون ولا أظني إلا ميت لما بي. وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم. فأمّروا عليكم من أحببتم فإنكم إن أمرتم في حياة منّي كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي. فقاموا في ذلك وخلوا عليه فلم تستقم لهم، فرجعوا إليه فقالوا: رأينا يا خليفة رسول الله رأيك. قال: فلعلكم تختلفون. قالوا: لا. قال: فعليكم عهد الله على الرّضى، قالوا: نعم. قال: فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده. فأرسل أبو بكر إلى عثمان بن عفان فقال: أشر عليّ برجل،
стр. 673
ووالله إنك عندي لها لأهل وموضع. فقال: عمر. فقال: اكتب. فكتب حتى انتهى إلى الاسم فغشي عليه. ثم أفاق. فقال: اكتب عمر (١).
عن الشعبي. قال: بينا طلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد جلوسا عند أبي بكر في مرضه عوّادا. فقال أبو بكر: ابعثوا إلى عمر. فأتاه فدخل عليه، فلما دخل أحسّت أنفسهم أنّه خيرته.
فتفرقوا عنه وخرجوا وتركوهما. فجلسوا في المسجد وأرسلوا إني علي ونفر معه، فوجدوا عليّا في حائط فتوافوا إليه واجتمعوا. وقالوا:
يا عليّ يا فلان ويا فلان؛ إن خليفة رسول الله مستخلف عمر. وقد علم وعلم الناس أن إسلامنا كان قبل إسلام عمر، وفي عمر من التسلط على الناس ما فيه ولا سلطان له. فادخلوا بنا عليه نسأله فإن استعمل عمر، كلّمناه فيه فأخبرناه عنه. ففعلوا. فقال أبو بكر:
اجمعوا لي الناس أخبركم من اخترت لكم، فخرجوا فجمعوا الناس إلى المسجد. فأمر من يحمله إليهم حتى وضعه على المنبر، فقام فيهم باختيار عمر لهم. ثم دخل. فاستأذنوا عليه فأذن لهم، فقالوا له:
ماذا تقول لربّك وقد استخلفت علينا عمر. فقال: أقول استخلفت عليهم خير أهلك (٢).
عن عاصم بن عدي، قال: جمع أبو بكر الناس وهو مريض فأمر من يحمله إلى المنبر. فكانت آخر خطبة خطبها؛ فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أيها الناس احذروا الدنيا ولا تثقوا بها، فإنها غدّارة. وآثروا الآخرة على الدنيا وأحبّوها فبحب كل واحدة منهما
стр. 674
تبغض الأخرى. وإن هذا الأمر الذي هو أملك بنا لا يصلح آخره إلا بما صلح أوله. ولا يتحمله إلا أفضلكم مقدرة، وأملككم لنفسه أشدكم في حال الشدة، وأسلسكم في حال اللين، وأعملكم برأي ذوي الرأي، لا يتشاغل بما لا يعنيه، ولا يحزن لما ينزل به، ولا يستحي من التّعلّم، ولا يتحيّر عند البديهة. قويّ على الأمور، لا يخور لشيء منها ضدّه بعدوان ولا تقصير. يرصد لما هو آت عتاده من الحذر والظلم (١)، وهو عمر بن الخطاب - ثم نزل فدخل.
فحمل السّاخط أمارته الراضي بها على الدخول معهم توصلا (٢).
عن عائشة ﵂ قالت: كان عثمان يكتب وصية أبي بكر فأغمي على أبي بكر فجعل عثمان يكتب فكتب عمر، فلما أفاق قال: ما كتبت؟ قال: كتبت عمر. قال كتبت الذي أردت أن آمرك به ولو كتبت نفسك لكنت لها أهلا (٣).
عن زيد بن أسلم عن أبيه، قال: كتب عثمان عهد الخليفة بعد أبي بكر، وأمره أن لا يسمي أحدا. وترك اسم الرجل - فأغمي على أبي بكر إغماءة. فأخذ عثمان العهد فكتب فيه اسم عمر. قال:
فأفاق أبو بكر فقال: أرني العهد، فإذا فيه اسم عمر. قال: من كتب هذا؟ فقال عثمان: أنا. فقال: رحمك الله وجزاك خيرا، فو الله لو كتبت نفسك لكنت لذلك أهلا (٤).
عن الواقدي، عن أشياخه: أن أبا بكر لما استعز به دعا
стр. 675
عبد الرحمن بن عوف فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب فقال:
ما سألتني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني. فقال أبو بكر: وإن.
فقال عبد الرحمن: هو والله أفضل من رأيك فيه. ثم دعا عثمان ابن عفان. فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب. فقال: أنت أخبرنا به. فقال: على ذلك يا أبا عبد الله. فقال عثمان: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله. فقال أبو بكر:
يرحمك الله والله لو تركته ما عدتك. وشاور بعده سعيد بن زيد وأسيد بن الحضير وغيرهما من المهاجرين والأنصار.
وسمع بعض أصحاب النبي ﷺ فدخلوا على أبي بكر فقال له قائل منهم: ما أنت قائل لربّك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني، أبالله تخوفوني؟! خاب من تزوّد من أمركم بظلم. أقول اللهم استخلفت عليهم خير أهلك. أبلغ عني ما قلت من وراءك. ثم اضطجع - ودعا عثمان بن عفان فقال: اكتب.
«بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا منها، وعند أوّل عهده بالآخرة داخلا فيها. حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب؛ إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب. فاسمعوا له وأطيعوا.
وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم إلا خيرا؛ فإن عدل فذلك ظني به، وعلمي فيه. وإن بدّل فلكل امرئ ما اكتسب.
والخير أردت، ولا أعلم الغيب، «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (١). والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».
стр. 676
ثم أمر بالكتاب فختمه، وخرج به مختوما. فقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ قالوا: نعم. فبايعوا. ثم دعا أبو بكر عمر خاليا فأوصاه، ثم خرج. فرفع أبو بكر يديه وقال: اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، واجتهدت لهم رأيي، فولّيت عليهم خيرهم، وأحرصهم على ما أرشدهم، وقد حضرني من أمرك ما حضر؛ فاخلفني فيهم فهم عبادك (١).
عن قيس بن أبي حازم. قال: خرج علينا عمر ومعه شديد مولى أبي بكر، ومعه جريدة يجلس بها الناس، فقال: يا أيها الناس اسمعوا قول خليفة رسول الله ﷺ . قال: إني قد رضيت لكم عمر فبايعوه (٢).
عن قيس قال: رأيت عمر وبيده عسيب نخل وهو يجلس الناس يقول: اسمعوا لقول خليفة رسول الله ﷺ ، فجاء مولى لأبي بكر يقال له شديد بصحيفة فقرأها على الناس.
فقال: يقول أبو بكر: اسمعوا وأطيعوا لمن في هذه الصحيفة فو الله ما ألوتكم.
قال قيس: فرأيت عمر بعد ذلك على المنبر (٣).
عن أبي عبيدة قال قال عبد الله: أفرس الناس ثلاثة أبو بكر
стр. 677
في عمر، وصاحبة موسى حين قالت استأجره، وصاحبة يوسف (١).
عن موسى الجهني قال سمعت أبا بكر بن حفص يقول:
قال أبو بكر لعائشة حين احتضر: يا بنية إنا ولينا أمر المسلمين فلم نأخذ لهم دينارا ولا درهما، ولكنا أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وإنه لم يبق عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير. إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضح، وجرد هذه القطيفة. فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر.
فجاءه الرسول وعنده عبد الرحمن بن عوف فبكى عمر حتى سالت دموعه على الأرض وقال: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده، ارفعهن يا غلام، فقال عبد الرحمن: سبحان الله يا أمير المؤمنين تسلب عيال أبي بكر عبدا حبشيا، وبعيرا ناضحا، وجرد قطيفة ثمنها خمسة دراهم فقال: ما تأمر؟ قال: آمر بردهن على عياله.
قال: خرج أبو بكر عنهن عند الموت وأردهن «أنا» إلى عياله.
لا يكون ذلك والله أبدا الموت أسرع من ذلك (٢).
(سياق وصية أبي بكر لعمر ﵄
عن زيد أن أبا بكر قال لعمر: إني موصيك بوصية إن حفظتها إن لله حقا بالنهار لا يقبله في الليل، ولله حق بالليل لا يقبله في النهار، وإنها لا تقبل نافلة حتى تؤدى فريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم في الدنيا الحق وثقله عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا، وإنما خفت
стр. 678
موازين من خفّت موازينه يوم القيامة باتّباعهم في الدنيا الباطل وخفته عليهم، وحقّ لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخفّ، وإن الله ذكر أهل الجنة وصالح ما عملوا، وتجاوز عن سيئاتهم، وذكر آية الرحمة، وآية العذاب؛ ليكون المؤمن راغبا وراهبا، فلا يتمنى على الله غير الحق ولا يلقي بيده إلى المهلكة، فإن حفظت قولي فلا يكونن غائب أحبّ إليك من الموت، ولا بدّ لك منه؛ وإن ضيّعت وصيتي فلا يكونن غائب أبغض إليك من الموت، ولن تعجزه (١).
عن إسماعيل بن أبي خالد عن زبيد (ابن الحارث) اليامي (٢).
قال: لما حضرت أبا بكر الوفاة بعث إلى عمر يستخلفه. فقال الناس: استخلف علينا فظّا غليظا. لو قد ملكنا كان أفظ وأغلظ.
فماذا تقول لربك إذا لقيته وقد استخلفت علينا عمر؟ فقال أبو بكر: أتخوفوني بربي؟! أقول يا رب أمّرت عليهم خير أهلك.
ثم بعث إلى عمر فقال: إني موصيك بوصية إن حفظتها. إن لله حقا في الليل لا يقبله بالنهار، ولله حقا في النهار لا يقبله في الليل، وإنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا ثقله عليهم، وحقّ لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا، وإنما خفّت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم، وحقّ لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف.
стр. 679
إن الله ذكر أهل الجنة بصالح أعمالهم وتجاوز عن سيئاتهم فيقول القائل: لا أبلغ هؤلاء وذكر أهل النار بأسوإ ما عملوا به: ردّ عليهم صالح الذين عملوا. فيقول القائل أنا أفضل من هؤلاء.
وذكر آية الرحمة وآية العذاب؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا. لا تتمنّ على الله غير الحق ولا تلق بيديك إلى التهلكة. فإن حفظت قولي هذا لم يكن غائب أحبّ إليك من الموت. ولا بد لك منه، وإن أنت ضيّعت قولي لم يكن غائب أبغض إليك من الموت ولن تعجزه (١).
عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: سمعت أبا بكر بن سالم، قال: لما حضر أبا بكر الموت أوصى.
«بسم الله الرحمن الرحيم هذا عهد من أبي بكر الصديق عند آخر عهده بالدنيا خارجا منها، وأول عهده بالآخرة داخلا فيها، حيث يؤمن الكافر، ويتّقي الفاجر، ويصدق الكاذب؛ إني استخلفت من بعدي عمر بن الخطاب، فإن قصد وعدل فذاك ظني به، وإن جار وبدل فالخير أردت ولا أعلم الغيب «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (٢).
ثم بعث إلى عمر فدعاه فقال: يا عمر أبغضك مبغض وأحبّك محبّ، وقد ما يبغض الخير ويحبّ الشر، قال (عمر) (٣):
فلا حاجة لي فيها، قال: لكن لها بك حاجة؛ قد رأيت رسول الله
стр. 680
ﷺ وصحبته، ورأيت أثرته أنفسنا على نفسه، حتى أن كنا لنهدي لأهله فضل ما يأتينا منه، ورأيتني وصحبتني، وإنما اتّبعت أثر من كان قبلي. والله ما نمت فحملت! ولا شبّهت فتوهّمت.
وإني على طريقي ما زغت، تعلم يا عمر أن لله حقا في الليل لا يقبله في النهار وحقا في النهار لا يقبله في الليل. وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتّباعهم الحق، وحقّ لميزان لا يكون فيه إلا الحق أن يثقل، وإنما خفّت موازين من خفّت موازينه يوم القيامة باتّباعهم الباطل، وحقّ لميزان لا يكون فيه إلا الباطل أن يخفّ.
إن أول من أحذرك نفسك وأحذرك الناس؛ فإنهم قد طمحت أبصارهم، وانتفخت أجوافهم، وإن لهم لحيرة عن ذلّة تكون، وإيّاك أن تكونه، وإنهم لن يزالوا خائفين لك فرقين منك ما خفت من الله وفرقته. وهذه وصيتي، وأقرأ عليك السلام (١).
(ذكر ابتداء خلافته ﵁
عن محمد بن سعد قال قال لي حمزة بن عمر: توفي أبو بكر ﵁ مساء ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، فاستقبل عمر بخلافته يوم الثلاثاء صبيحة موت أبي بكر (٢).
стр. 681
حدثنا (عبد الله (١)(٢) بن صالح قال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن جرير بن حازم، عن حميد بن هلال قال، حدثني من شهد وفاة أبي بكر ﵁ قال: لما فرغ عمر ﵁ من دفنه قام خطيبا مكانه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن الله ابتلاني بكم وابتلاكم بي. وأبقاني فيكم بعد صاحبي والله لا يحضرني شيء من أمركم فيليه أحد دوني. ولا يغيب عني فآلو فيه من أهل الخير والأمانة (٣)، فلئن أحسنوا لأحسنن إليهم، ولئن أساءوا لأنكلنّ بهم. فقال الرجل (٤). فو الله ما زاد على الذي قال في ذلك المكان حتى فارق الدنيا.
حدثنا أحمد بن معاوية الباهلي. قال، حدثنا المغيرة ابن المغيرة (٥) أن هارون الفلسطيني قال، حدثني أبو حيان الأراش:
стр. 682
أن عمر ﵁ لما استخلف قام فحمد الله وأثنى عليه وبدأ بآي من القرآن، ولم يكبر. ثم قال: أيها الناس إني نظرت في أمر الإسلام. فإذا هو إنما يقوم بخمس خصال، فمن حفظهن وعمل بهن وقوي عليهن فقد حفظ أمر الإسلام، ومن ضيّع منهن خصلة واحدة فقد ضيّع أمر الإسلام، ألا فمن كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر فإن حفظتهنّ وعملت بهن وقويت عليهن إلا وآزرني، ألا ومن كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر فإن ضيّعت منهن خصلة واحدة إلا خلعني خلع الشعرة من العجين، فلا طاعة لي عليه. قال: فقام إليه عمّار بن ياسر فقال: وما هذه الخمس الخصال يا عمر؟ فقال:
أما الأولى فهذا المال من أين آخذه أو أين أجمعه، حتى إذا أتى أخذته من مآخذه التي أمرني الله أن أضعه فيها حتى لا يبقى عندي منه دينار ولا درهم، ولا عند آل عمر خاصة، وأما الثانية فالمهاجرون تحت ظلال السيوف أدرّ عليهم أرزاقهم، وأوفر عليهم فيئهم، ولا أجمرهم (١) في المغازي، وأكون أنا أبا العيال حتى يقدموا.
وأما الثالثة فالأنصار الذين آووا رسول الله ﷺ ونصروه وواسوه في دمائهم وأموالهم، أدرّ عليهم أرزاقهم، وأوفر فيئهم، وأفعل فيهم وصيّة رسول الله ﷺ ؛ فأقبل محسنهم وأعفو عن مسيئهم. وأما الرابعة فللعرب فإنهم أصل الإسلام ومنبت العز، أثبتهم على منازلهم، وآخذ من أموالهم صدقة أطهرهم
стр. 683
وأزكيهم؛ لا آخذ في ذلك دينارا ولا درهما، إلا الشاة والبعير، ثم أرده على فقرائهم. وأما الخامسة فأهل الذمة أوفي لهم بعهدهم، وأقاتل عدوّهم من ورائهم، ولا أكلفهم إلا دون طاقتهم، فإذا فعلت ذلك كنت عند الله مصدقا، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. قال فكانت هذه خطبته حين استخلف.
حدثنا عثمان بن عمر قال، أنبأنا يونس يعني ابن زيد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب: أن أبا بكر ﵁ لما توفي أقامت عليه عائشة ﵂ النّوح، فأقبل عمر ﵁ حتى قام ببابها فنهاها (ومن معها عن البكاء على أبي بكر، فأبين أن ينتهين. فقال عمر لهشام بن الوليد: ادخل فأخرج إليّ ابنة أبي قحافة أخت أبي بكر، فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر: إني أحرّج عليك بيتي، فقال عمر لهشام: ادخل فقد أذنت) (١) لك، فدخل فأخرج أم فروة بنت أبي قحافة إلى عمر ﵁. فعلاها بالدّرة. فضربها ضربات، فتفرق النوائح لما سمعن ذلك فقال عمر ﵁: أترون أن يعذّب أبو بكر ﵁ ببكائكن؟! إن رسول الله ﷺ قال:
«إن الميت ليعذّب ببكاء أهله عليه.
حدثنا أبو داود قال، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري عن سعيد بن المسيّب بنحوه:
стр. 684
(أول من سمى عمر ﵁ أمير المؤمنين)
حدثنا الحسن بن عثمان قال، حدثنا محمد بن حرب الأبرش (١) قال، حدثنا محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري قال: أول من سمّى عمر ﵁ أمير المؤمنين المغيرة ابن شعبة ﵁ (٢).
حدثنا محمد بن يحيى، عن عبد العزيز بن عمران، عن أبيه، عن جده قال: جلس عمر ﵁ يوما فقال: والله ما ندري ما نقول، أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ ، فهم من اسم؟ قالوا: الأمير، قال: كلهم أمير، فقال المغيرة ابن شعبة: نحن المؤمنون وأنت أميرنا؛ فأنت أمير المؤمنين. قال فأنا أمير المؤمنين.
حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب قال: أول من حيّا عمر ﵁ بأمير المؤمنين المغيرة بن شعبة ﵁؛ دخل عليه ذات يوم فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين، فكأنّ عمر ﵁ أنكر ذلك، فقال
стр. 685
المغيرة: هم المؤمنون وأنت أميرهم، فسكت عمر ﵁.
قال ابن وهب، وحدثني الليث بن سعد: أن المغيرة أول من سمّى عمر أمير المؤمنين ﵁، سمعها من الأقرع بن حابس يقول: استأذنوا على أمير المؤمنين، فدخل المغيرة عليه ساعته فقال:
السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: ما هذا؟ فلتخرجنّ مما قلت، قال: ألست أميرنا؟ قال: بلى، قال: أفلسنا بمؤمنين؟ قال: بلى، قال: فأنت أميرنا.
حدثنا الحسن بن عثمان قال، حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن جويبر، عن الضحاك قال: لما مات رسول الله ﷺ قالوا لأبي بكر ﵁: خليفة رسول الله ﷺ ، فلما مات أبو بكر ﵁ قالوا لعمر ﵁: خليفة خليفة رسول الله ﷺ . فقال عمر ﵁: إن هذا لكثير؛ فإذا مت أنا فقام رجل مقامي قلتم خليفة خليفة رسول الله، أنتم المؤمنون وأنا أميركم. فهو سمّى نفسه (١).
حدثنا الحسن بن عثمان قال كتب إليّ عبد الله بن صالح قال، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن الزهري قال: قال عمر بن عبد العزيز لأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة (٢)
стр. 686
(لأي شيء كان أبو بكر ﵁ يكتب: من خليفة رسول الله ﷺ ، وكان عمر يكتب من خليفة أبي بكر، ومن أول من كتب عبد الله أمير المؤمنين؟ فقال: حدثتني الشفاء، وكانت من المهاجرات الأول) (١) أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عامل العراق أن يبعث إليه برجلين جلدين نبيلين يسألهما عن العراق وأهله، فبعث إليه (عامل العراق) (٢) لبيد بن ربيعة (٣) وعدي بن حاتم (٤)، فقدما المدينة فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد ثم دخلا، فوجدا عمرو بن العاص فيه فقالا: استأذن لنا يا ابن العاص
стр. 687
على أمير المؤمنين (فقال عمرو أنتما) (١) والله أصبتما اسمه، هو الأمير ونحن المؤمنون، فوثب (عمرو) (٢) فدخل على عمر ﵁، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال (عمر) (٣) يا ابن العاص (ما بدالك) (٤) في هذا الاسم؟ لتخرجنّ مما دخلت فيه (أو لأفعلن) (٥) قال: قدم لبيد بن ربيعة، وعدي بن حاتم فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثم دخلا المسجد فقالا: استأذن لنا على أمير المؤمنين، فهما (والله) (٦) أصابا اسمك؛ فأنت الأمير، ونحن المؤمنون. قال: فجرى الكتاب من ذلك اليوم.
حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا حيي بن آدم قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام ابن الحارث قال: جاء رجل من أهل الكتاب إلى عمر ﵁ فقال: السلام عليك يا ملك العرب، فقال عمر ﵁:
وعليك، أكذاك تجده في كتابكم، أليس تجد نبيّا، ثم خليفة، ثم أمير المؤمنين، ثم الملوك قال: بلى.
(هيبة عمر ﵁
حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا جرير، عن المغيرة قال:
كان مما تميز به عمر ﵁ الرعب؛ إن الناس كانوا يفرقونه (٧).
стр. 688
حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا محمد بن قيس، عن عمر بن محمد (١) قال، حدثني أبي قال: اجتمع عثمان والزبير وطلحة وابن عوف ﵃، فقالوا لعبد الرحمن بن عوف - وكان أجرأهم على عمر ﵁ لو أنك كلمت أمير المؤمنين فإنه يقدم الرجل فيطلب الحاجة فتمنعه مهابته أن يكلّمه حتى يرجع، فليلن للناس، فدخل عليه فقال ذلك له، فقال: أنشدك الله يا عبد الرحمن أفلان وفلان قالوا ذلك؟ قال: فلم يدع منهم إنسانا إلا سماه قال: اللهم نعم، قال: أيا عبد الرحمن والله لقد لنت للناس حتى خشيت الله في اللين، ثم اشتددت حتى خشيت الله في الشدة، فأين المخرج؟ فقام عبد الرحمن يبكي يجر إزاره يقول: أفّ لهم بعدك، أفّ لهم بعدك (٢).
حدثنا أحمد بن معاوية، عن أبي عبد الرحمن الطائي، عن أسامة بن زيد، عن القاسم بن محمد قال: بينما عمر ﵁ يمشي وخلفه عدة من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم بدا له فالتفت فما بقي منهم أحد إلا سقط إلى الأرض (٣) على ركبتيه، فلما رأى ذلك بكى، ثم رفع يديه فقال: اللهم إنك تعلم أنّي منك منهم أشد فرقا منهم مني.
стр. 689
حدثنا معاذ بن شبة قال حدثني أبي عن أبيه عن الحسن (البصري (١) أن عمر ﵁ بينما هو يجول في سكك المدينة إذ عرضت له هذه الآية «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً، وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ» (٢) (فحدث نفسه فقال لعلي أوذي المؤمنين والمؤمنات) (٣) فانطلق من وجهه إلى أبي بن كعب فدخل عليه بيته وهو جالس على وسادته فانتزعها أبيّ من تحته وقال: دونكها يا أمير المؤمنين، فقال: لا:
ونبذها برجله، وجلس فقرأ عليه هذه الآية، وقال: أخشى أن أكون أنا صاحب هذه الآية؛ أوذي المؤمنين والمؤمنات؟ فقال أبيّ:
لا إن شاء الله أرجو أن لا تكون تفعل، ولكنك رجل مؤدّب لا تستطيع إلا أن تعاهد رعيتك فتأمر وتنهى (فقال عمر: قد قلت والله أعلم) (٤).
حدثنا ...... (٥) وأحمد بن معاوية قال، حدثنا أبو الفتح الرّقي، عن ميمون بن مهران قال: قرأ أبيّ ﵁ «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا» (٦) فقال (عمر رضي عنه) (٧): هكذا تقرؤها يا أبيّ؟ ثم أعاد عليه. فقال: وهكذا
стр. 690
أنزلها الله؟ حتى غضب أبيّ فقال: نعم هكذا أنزلها، لم يستأمر فيها عمر ولا ابنه. فقال عمر ﵁: اللهم غفرا إني رجل قد دخل الناس مني هيبة، فأنا أخاف أن أكون قد آذيت مسلما.
حدثنا أبو مطرف بن أبي الوزير قال، حدثنا عبيد الله بن عمرو الرّقي، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة قال: دعا عمر ابن الخطاب ﵁ رجلا يأخذ من شاربه فتنحنح عمر ﵁ وكان مهيبا - فأحدث الحجام، فأعطاه أربعين درهما (١).
حدثنا زكريا بن أبي خالد البلوي قال، حدثنا محمد بن عيسى الطباع قال، حدثنا سعيد بن مسلمة الأموي (٢) قال، حدثنا إسماعيل بن أمية (٣) قال: بينما سعيد بن الهيلة (٤) يأخذ من شارب عمر بن الخطاب ﵁ ففزّعه عمر ﵁ فأحدث، فقال له عمر ﵁: أخفناك وسنعقله لك، فأمر له بأربعين درهما.
حدثنا جعفر بن عبد الواحد بن جعفر قال، حدثنا رجل عن الليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب قال: دخل رجل على عمر ﵁ فقال: السلام عليك يا أبا غفر، حفص، الله لك،
стр. 691
فقال عمر ﵁: يا أبا حفص غفر الله لك، فقال الرجل أصلعتني فرقتك؛ يقول: أفرقتني صلعتك.
حدثنا عبد الواحد بن غياث قال، حدثنا أبو عوانة، عن حسين بن عمران، عن رجل، عن عبد الرحمن بن أبزى: أن هانئ ابن قبيصة قدم المدينة وقد أسلمت امرأته، فخشي أن يفرّق بينهما، فلقي أبا سفيان فطلب إليه أن يكلّم عمر ﵁ فقال أبو سفيان: ذهب الزمان الذي عهدتنا عليه، والله لقد بلغني أن لي ابنا بالعراق قد خرج على أهله ما يمنعني أن أدّعيه إلا الفرق منه، وما يكلّم في ذات الله.
حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد: أن هشام بن عكرمة صاحب دار الندوة (١) هجا رجلا من المهاجرين، فجعل عمر بن الخطاب ﵁ يعلوه بالدّرّة ويقول: هجوت رجلا من المهاجرين، وجعل يقول: يا لقصي - ثلاثا - فقال أبو سفيان: اصبر أخا قصيّ، فلو قبل اليوم تدعو قصيّا لما ضربك أخو بني عديّ، فالتفت إليه عمر ﵁
стр. 692
فقال: اسكت لا أمّ لك، فوضع أبو سفيان إصبعه السبابة على فيه.
حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة:
أن عكرمة بن عامر (١) هجا وهب بن زمعة، فعرض له في هجائه، فجلده عمر ﵁، أو فحدّه عمر ﵁.
حدثنا محمد بن يحيى بن علي بن عبد الحميد قال، قال عكرمة (بن عامر (٢) بن هشام بن عبد مناف بن عبد الدار يهجو ربيعة الأسدي:
علا زمع الناس ساداتهم … وقد كنت أكره علو الزّمع (٣)
بني زمع اللؤم أعذر بكم … جفاء اللئيم وقول البدع
قال فاستأذن وهب عمر بن الخطاب ﵁ فجلده جلدا بالدرة في المسجد الحرام، فصاح: يا آل قصيّ، فأمر به عمر ﵁ فسحب حتى أخرج من المسجد - وكانت له دار الندوة، ورثها عن جدّه عبد مناف بن عبد الدار، وكانت يومئذ في يده، ثم باعها ابنه أبو علي بن عكرمة من معاوية ﵁ فقال عكرمة:
هنيئا لأفتاء العشيرة كلها … مجرّي لدى الأركان سحبا على عهد
стр. 693
هنيئا على ذي السيد الغمر منهم … وبالحدث الناشي وبالغرر الفرد
فإن تك عبد الدار أخلت ديارها … وأصبحت فردا في ديارهم وحدي
فيا ربّ يوم لو دعوت أجابني … مصاليت أبطال سراع إلى المجد (١)
حدثنا موسى بن إسماعيل قل: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: أتى عمر ﵁ على أبي سفيان ﵁ وهو يبني بناء له قد أضرّ بالطريق فقال: يا أبا سفيان انزع بناءك هذا؛ فإنه قد أضرّ بالطريق، فقال: نعم وكرامة يا أمير المؤمنين، فقال: أما والله لقد كنت أبيّا.
حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا جرير، عن المغيرة، عن إبراهيم قال: خرج عمر ﵁ ومعه أبو سفيان بن حرب ﵁ فمرّ بلبن في الطريق فأمر أبا سفيان أن ينحّيه فجعل ينحيه، فقال عمر ﵁: الحمد لله الذي أدركت زمانا أمر عمر فيه أبا سفيان فأطاعه.
حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا النضر بن سهيل قال، سمعت محمد بن عمرو بن علقمة يقول: كان الناس لدرّة عمر ﵁ أهيب منكم لسوطكم وسيفكم.
حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثني غسان (٢) بن عبد الحميد:
أن عيينه بن حصن قدم على عمر ﵁ فكلمه في دين عليه، فلم يرد عليه شيئا، فلما كان بعد كسر بعير من الصدقة فنحره عمر
стр. 694
﵁ وجعله طعاما للمسلمين، وقسم جلده قطعا، وبعث إلى عيينة بقطعة من جلده، وقال: اخصف بها فإنه ليس لك في فيء المسلمين حقّ، قال: ثم إن عثمان ﵁ تزوّج بنت عيينة، فقدم عليه فطلب إليه حوائج، فقال: ما لك عندي إلا ما كان لك عند عمر ﵁، فقال: رحم الله عمر وأثابه الله على ذلك، إن كان ليعطينا حتى يغنينا ويخشينا حتى يتقينا حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة، أن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قدم عيينة ابن حصن بن حذيفة بن بدر فنزل على ابن أخيه الحرّ بن قيس ابن حصن - وكان من النفر الذين يدنيهم عمر ﵁، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ﵁ ومشاوريه - كهولا كانوا أو شبّانا - فقال عيينه لابن أخيه (الحر بن قيس (١): هل لك وجه عند هذا الأمير فتستأذن لي عليه؟ قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس ﵄: فاستأذن الحرّ لعيينة، فلما دخل عليه قال: (هي (٢) ..
стр. 695
يا ابن الخطاب والله ما تعطينا الجزل (١)، ولا تحكم بيننا بالعدل، قال فغضب عمر ﵁ حتى همّ أن يقع به، فقال الحرّ: يا أمير المؤمنين ان الله تعالى قد قال لنبيه: «خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ (٢) قال فو الله ما جاوزها عمر ﵁ حتى تلاها عليه، وكان وقّافا عند كتاب الله.
ومما وجدت في كتاب أبي غسان، وقرأه عليّ ولا أدري أنسبه إلى ابن شهاب أم لا، قال: أقبل عيينة بن حصن يريد عمر ابن الخطاب ﵁ وعنده رجل من غطفان يدعى مالك ابن أبي زفر من فقراء المسلمين وضعفائهم - وكان غائظا لعيينة - يتكلم يوما، فقال عيينة: أصبح الخبأ تامكا (٣) والدّنيّ متكلما، فقال مالك: يا أمير المؤمنين، هذا يفخر علينا بأعظم حائلة، وأرواح في النار، فقال عيينة: ما أنت المتكلم، ولكن الذي أقعدك هذا المقعد هو المتكلم، وغضب لعيينة رجال من قومه، فقالوا لمالك:
أتقول هذا لسيد مضر؟ وقام عيينة مغضبا وقال: لهذا اليوم أعظم عندي من قتل الهباءة (٤) أو لما جناه أريمص غطفان، يعني ما جناه مالكا أشد مما جنى وقتئذ، فقام إليه عمر ﵁ فضربه
стр. 696
بالدّرّة، وقال: يا عيينة، كن ذليلا في الإسلام، فإنما أنت طليق من أهل الرّدّة، لا والله. لا أرضى عنك أبدا حتى يشفع لك مالك، فرجع عيينة فبات بليلة سوء، وبعث عمر ﵁ عليه العيون فإذا عنده رجال من العرب وهو يقول: العجب لعمر؛ إنّ الأشعث بن قيس ارتدّ مرتين فغفروا له ذنبه، وزوّجه أبو بكر أخته ثم تلقفوه بأيديهم، وإنهم قد أولعوا بي حتى ما يلهج رجل من قريش إلا بتعييري، فقال له الهرم بن قطبة (١): وأين أنت من الأشعث؟ ملك في الجاهلية سيّد في الإسلام، له من الأوس والخزرج ملء المدينة، فأقصد، واعلم أنك مع عمر، قال فبات وهو يتغنى:
حلفت يمينا غير ذي مثنوية … لقلب أبي حفص أشدّ من الحجر
أيشتمني الفاروق والله غافر … له ما مضى إن أصلح اليوم ما غبر
فآلى يمينا لا يراجع قلبه … عيينة حتّى يشفع ابن أبي زفر
وللموت خير من شفاعة مالك … إلى عمر لله من كبدي عمر
على غير ذنب غير أن قال قائل … عيينة محمود الزّيادين في مضر
стр. 697
وآباؤه الغرّ البهاليل منهم … حذيفة شمس وابنه حصنها القمر
فإن يك كانت منّي العام ردّة … فلست أبا حفص بأوّل من كفر
وللأشعث الكندي أعظم غدرة … وأنكى بها من حيّ ذبيان إذ غدر
فأنكحه الصديق واختار قومه … وأمسى يفدّى اليوم بالسّمع والبصر
وأنّي له إذ كان قد … (١) … له دون وكان له نفر (٢)
فلما بلغ عمر ﵁ قوله قال: يا عيينة إني على حلفتي فاحتل لنفسك، فأتى عيينة مالكا فلم يجده، فقعد على بابه ينتظره، فمرّ به رجل من قومه فقال: ما بالك ها هنا؟ قال: انتظر أريمص غطفان، قال: ما كنت أحسب هذا كائنا، ألا بعثت إليه (٣) فأتاك؟ فضحك عيينة وقال: هل يدعنا عمر؟ حلف لا يرضى حتى يشفع لي مالك، فقبّح الله هذا عيشا مع ما ترى، فقال الرجل: يا ابن حصن، من دخل هذا الدين ذلّ، ومن فزع إلى غيره لم يمنع، وجاء مالك فكلّمه عيينة أن يشفع له إلى عمر ﵁، فمشى معه إلى عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين إنّ عيينة حرج الصدر ضيّق الذرع، يخافه من فوقه ويخيفه من دونه، فارض عنه، فرضي عنه، قال عيينة: هذه شرّ من الأولى.
حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا المبارك، عن الحسن (البصري (٤):
أن عمر ﵁ كان قاعدا وفي يده الدّرّة والناس عنده، فأقبل الجارود، فلما أتى عمر ﵁ قال له رجل: هذا سيد ربيعة،
стр. 698
فسمعها عمر ﵁ وسمعها الجارود وسمعها القوم، فلما دنا الجارود من عمر ﵁ خفقه بالدّرّة على رأسه، فقال الجارود:
بسم الله، مه يا أمير المؤمنين، قال: ذلك، قال: أما والله لقد سمعتها وسمعت ما قال الرجل، قال: فمه، قال: خشيت أن يخالط قلبك منها شيء (فأحببت أن أطأطئ منك (١).
حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا صدقة أبو سهل الهنائي (٢) قال، حدثني أبو عمرو (الجملي) (٣)، عن زاذان: أن عمر ﵁ خرج من المسجد فإذا جمع على رجل فسأل: ما هذا؟ قالوا: هذا أبيّ بن كعب، كان يحدث الناس في المسجد. فخرج الناس يسألونه، فأقبل عمر ﵁ حردا فجعل يعلوه بالدّرّة خفقا، فقال: يا أمير المؤمنين، انظر ما تصنع، قال: فإني على عمد أصنع، أما تعلم أن هذا الذي تصنع فتنة للمتبوع مذلّة للتابع؟! حدثنا ميمون بن الأصبع قال، حدثنا الحكم بن نافع قال، حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري قال، أخبرني عمر بن عبد العزيز من حديث نوفل بن مساحق (بن عبد الله بن مخرمه القرشي (٤) أنه تناجى عمر بن الخطاب وعثمان بن حنيف في المسجد، والناس يحيطون بهما لا يسمع نجواهما منهم أحد، فلم يزالا يتحدّثان في الرأي حتى أغضب عثمان عمر ﵄ في بعض ما تكلموا
стр. 699
به، فقبض عمر ﵁ من حصى المسجد قبضة فحصب بها وجه عثمان ﵁ فشجّه بالحصى في وجهه آثارا من شجاج، فلما رأى عمر ﵁ كثرة تسرّب الدم على لحيته قال: أمسك عنك الدّم، فعرف عثمان ﵁ أنّ عمر ﵁ نادم على ما فرط منه فقال: يا أمير المؤمنين لا يهولنك الذي أصبت منّي، فو الله إني لأنتهك ممن ولّيتني أمره من رعيتك التي استرعاك الله أكثر مما انتهكت منّي، فأعجب بها عمر ﵁ في رأيه، وحمله وزاده عنده خيرا.
حدثنا شهاب بن عباد قال، حدثنا الوليد بن علي الجعفي، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: قال لي عمر ﵁: احجبني لا يدخل عليّ أحد، قال: فجاء رجل يريد أن يدخل عليه فمنعته، فأرادني فامتنعت عليه، فرفع يده فلطمني، فدخلت على عمر ﵁ فأخبرته، فخرج وفي يده الدّرّة فعلاه بها وقال: أردتم أن تجرئوا عليّ كلاب العرب (١).
حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عتاب بن بشير، عن سالم - يعني الأفطس - قال: جاءت وفود فارس إلى عمر ﵁ يطلبونه فلم يجدوه في منزله، فقيل لهم: هو في المسجد ليس عنده أحد، فأتوه فإذا هو فيه ليس عنده حرس ولا كبير أحد، فقالوا (٢): هذا الملك والله لا ملك كسرى.
حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة قال،
стр. 700
أنبأنا يحيى بن سعيد، عن القاسم: أن عمر ﵁ قال:
ليعلم من ولي هذا الأمر من بعدي أن سيريده عنه القريب والبعيد؛ إني لأقاتل الناس عن نفسي قتالا، ولو علمت أن أحدا من الناس أقوى على هذا الأمر مني لكنت أن أقدّم فيضرب عنقي أحب إليّ من أن آتي إليه.
(ولاية زيد بن ثابت ﵁ القضاء)
حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن حفص بن عمر قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا كثر عليه الخصوم صرفهم إلى زيد، فلقي رجلا ممن صرفه إلى زيد فقال له: ما صنعت؟ قال: قضي عليّ يا أمير المؤمنين، قال: لو كنت أنا لقضيت لك، قال: فما يمنعك وأنت أولى بالأمر؟ قال:
لو كنت أردّك إلى كتاب الله أو سنة نبيّه فعلت، ولكني إنما أردك إلى رأي، والرأي مشير.
حدثنا عفان قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا الحجاج، عن نافع: أن عمر ﵁ استعمل زيدا على القضاء، وفرض له رزقا.
حدثنا الحسن بن عثمان قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزياد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد قال: كان عمر ﵁ كثيرا ما يستخلف زيد بن ثابت إذا خرج إلى شيء من الأسفار، وقلما رجع من سفر إلا أقطع زيدا حديقة من نخل.
حدثنا محمد بن عمر، عن عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، عن أبيه:
стр. 701
أن عمر ﵁ قال: اكفني صغار الأمور، فكان يقضي في الدّرهم ونحوه،.
حدثنا بكر بن الأسود قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن ابن حيان، عن ابن الزنباع (١)، عن ابن دهقان قال: قيل لعمر ﵁ إن هاهنا حائكا من أهل الحيرة نصرانيا، فلو استكتبته؟ فقال: قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين.
(عفاف عمر ﵁ عن المال وغلظ مطعمه)
حدثنا عبد الله بن رجاء قال، أنبأنا إسرائيل، عن حارثة ابن مضرّب (٢)، عن عمر ﵁ قال: إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة والي مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، ثم قضيت (٣).
حدثنا أبو داود قال، حدثنا عمران - يعني القطان - عن قتادة عن أبي مجلز (٤) قال: قال عمر ﵁ لعمّار وابن مسعود ﵄ يعني حين ولاّهما أعمال الكوفة - إني وإياكم
стр. 702
في مال الله كوالي مال اليتيم إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف.
حدثنا الحزامي قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت:
لما استخلف عمر ﵁ أكل هو وأهله من المال، واخترق في مال نفسه.
حدثنا معاذ بن معاذ قال، حدثنا ابن عون، عن الحسن، عن الأحنف قال: كنا نأكل عند عمر ﵁؛ فيوما لحما غريضا (١)، ويوما قديدا، ويوما زيتا.
حدثنا حبان بن هلال قال، حدثنا مبارك بن فضالة قال، حدثنا الحسن قال، حدثني حفص بن أبي العاص قال: كان عمر ﵁ يغدينا بالخبز والزيت والخلّ، والخبز واللبن، والخبز والقديد، وأوّل ذلك اللحم الغريض؛ يأكل وكنا نعذر (٢)، وكان يقول: لا تنخلوا الدقيق فكله طعام، وكان يقول: ما لكم لا تأكلون؟ فقلت يا أمير المؤمنين إنا نرجع إلى طعام ألين من طعامك، قال:
يا ابن أبي العاص. أما تراني عالما أن أرجع إلى دقيق ينخل في خرقة فيخرج كأنه كذا وكذا؟ أما تراني عالما أن أعمد إلى عناق سمينة (٣) فنلقي عنها شعرها فتخرج كأنها كذا وكذا، أما تراني عالما أن أعمد إلى صاع أو صاعين من زبيب فأجعله في سقاء (٤) وأصب عليه من
стр. 703
الماء فيصبح كأنه دم الغزال؟ قال قلت: أحسن ما يبعث العيش يا أمير المؤمنين. قال: أجل، والله لولا مخافة أن ينقص من حسناتي يوم القيامة لشاركتكم في لين عيشكم، ولكني سمعت الله ذكر قوما فقال: «أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا ١﴾» (٢).
حدثنا المبارك بإسناده وقال: فكان يجيء بخبز مفلع (٣) غليظ وقال: قال عمر ﵁: بخ بخ يا ابن أبي العاص أما تراني!! حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا أبي قال، سمعت الحسن يقول: قدم وفد أهل البصرة مع أبي موسى (الأشعري) (٤) على عمر ﵁ قال: فكان له في كل يوم خبز يلت (٥) فربما وافقناها مأدومة بزيت، وربما وافقناها مأدومة بسمن، وربما وافقناها مأدومة بلبن، وربما وافقناها القدائد اليابسة قد دقّت ثم غلي بها (٦)، وربما وافقنا اللحم الغريض - وهو قليل - فيقال لنا يوما: إني والله قد أرى تقذيركم وكراهيتكم طعامي، أما والله لو شئت لكنت أطيبكم
стр. 704
طعاما وأرقكم عيشا، أما والله (١) ما أجهل عن كراكر (٢) وأسنمة، وعن صلاء (٣) وصناب (٤) وصلائق (٥)، ولكني سمعت الله عيّر قوما (بأمر فعلوه (٦) فقال: «أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ (٧)».
حدثنا عبد الله بن محمد بن حفص قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن الجريري، عن أبي نضرة (٨)، عن الربيع بن زياد الحارثي قال: كنت عند عمر ﵁ فوضع يده على بطنه، فقلت: ما لك يا أمير المؤمنين؟ فقال: طعام غليظ أكلته أذيت منه، قلت: يا أمير المؤمنين، إن أولى الناس بالمطعم اللّيّن والملبس اللّيّن لأنت، قال: فتناول عصيّة فقرع بها رأسي وقال: كنت أحسب فيك خيرا يا ربيع بن زياد. قلت: مالك يا أمير المؤمنين؟ قال:
والله ما أردت بها إلا مقاربتي، أتدري ما مثلي ومثلهم؟ قال: ما مثلك
стр. 705
ومثلهم؟ قال: مثل قوم أرادوا سفرا فدفعوا نفقاتهم إلى رجل وقالوا: أنفق عليك وعلينا. أفله أن يستأثر عليهم؟ قلت: لا، قال: فكذاك (١).
حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال، حدثنا أيوب، عن محمد، عن الأحنف: أنه كان جالسا في رهط على باب عمر ﵁، فخرجت عليهم جارية فقالوا: سريّة أمير المؤمنين، فقالت: إنها ليست سرية أمير المؤمنين؛ إنها لا تحل له؛ إنها من مال الله، قال: فتذاكرنا ما يحل له من مال الله، فبلغه ذلك، فدعانا فقال: ما قلتم؟ فقلنا: خيرا يا أمير المؤمنين. خرجت علينا جارية سرّية أمير المؤمنين، فقالت: ليست سرية أمير المؤمنين، إنها لا تحل له؛ إنها من مال الله، فتذاكرنا ما يحل له من مال الله، قال: وقلنا أمير المؤمنين أعلم، قال فردّدها علينا ثلاث مرار، فقلنا أمير المؤمنين، فقال: أنا أنبئكم بما أستحل من هذا المال:
(يحل لي حلتان (٢) حلّة للشتاء وحلة للقيظ، وما أحج عليه وأعتمر من الظهر (وقوتي (٣) وقوت أهلي مثل رجل من قريش ليس بأغناهم ولا أفقرهم، ثم أنا (بعد (٤) رجل من المسلمين (يصيبني ما أصابهم (٥).
حدثني معاذ بن شبة بن عبيدة قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن الحسن: أن عمر وعبد الله ابنه ﵄ كانا يسيران في مربد لهما، فرأي عمر ﵁ جارية تقوم مرّة وتصرع أخرى، فقال: يا بؤس هذه الجارية، أما لها أحد؟ فقال عبد الله