← Книги сунны

Книги сунны · id 13086

أخبار المدينة = تاريخ المدينة - ت شلتوت

ابن شبة

Полный текст (1 320 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

* حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، قال حيوة، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم قال، قال عمر ﵁: أصبح أهل الرأي أعداء السنن؛ أعيتهم أن يعوها وتفلتت أن يردوها فاستقوها بالرأي. * حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سعيد بن عبد الرحمن، عن محمد بن سيرين قال، قال عمر ﵁: اتقوا الله، واتقوا الناس. * حدثنا سليمان بن أحمد قال، حدثنا جرير بن القاسم قال، حدثنا فرج بن نضالة قال، حدثنا عمر بن شراحيل قال، قال عمر ﵁: إن من الحزم سوء الظن بالناس. (مطعم عمر بن الخطاب ﵁ * حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد، عن مصعب بن سعد (١) أن حفصة ﵂ قالت لأبيها: لو لبست ثوبا ألين من ثوبك، وأكلت طعاما أطيب من طعامك؛ فقد أكثر الله لك من الخير، وفتح عليك الأرض. فقال: إني سأخاصمك إلى نفسك؛ أما تذكرين ما كان يلقى رسول الله ﷺ من شدة العيش؟ فما زال يذكّرها حتى أبكاها، فقال لها: قد قلت ذلك لك، أتسمعين؟ والله لئن استطعت لأشاركنهما في عيشهما الشديد، لعلّي أدرك معهما عيشهما الرخيّ (قال يزيد ابن هارون: يعني رسول الله وأبا بكر (٢).

стр. 807

* حدثنا موسى بن برقان قال، حدثنا المعافى بن عمران، قال، حدثنا أبو معشر المدني (١) قال، حدثنا محمد بن قيس (٢) قال: دخل ناس من بني عدي على حفصة بنت عمر ﵄ فقالوا: لو كلمت أمير المؤمنين فأكل طعاما هو أطيب من هذا الطعام ولبس ثيابا هي ألين من هذه الثياب؛ فإنه قد بدا علياء رقبته (٣) من الهزال، وقد كثر المال، وفتح الأرضون. فدعته فقالت له ذلك. فقال: يا بنية هلمّ صاعا من تمر عجوة، وقال: افركوه بأيدكم ففركوه، فقال: انزعوا تفاريقه - يعني أقماعه - فجلس عليه فأكله، ثم قال: أتروني (٤) لا أشتهي الطعام، إني لآكل الخبز واللحم، ثم إني لأترك اللحم وهو عندي ولا آكل به، وآكل السمن ثم أترك السمن لا آكل به، ولو شئت لأكلت، ولكن أتركه وآكل الزيت، ثم إني أترك الزيت لا آكل به وإني لأترك الملح وهو عندي، وإني الملح لإدام، ولو شئت أكلت به، وآكل قفارا؛ أبتغي ما عند الله، يا بنيّة أخبريني بأحسن ثوب لبسه رسول الله ﷺ عندك، قالت: نمرة نسجت له فلبسها، فقال له رجل من أصحابه: اكسنيها، فكساه إيّاها، قال: أخبريني بألين فراش فرشه عندك،

стр. 808

قالت: عباءة كنا ثنيناها له فغلظت عليه فربّعناها، ووسادة من أدم حشوها ليف، قال: يا بنيّة مضى صاحباي على حالة إن خالفتهما خولف بي عنهما، إذن لا أفعل شيئا مما يقولون. * حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا جرير عن (أبي (١) حنيف المؤذن قال: أكل عمر ﵁ تمرات ثم شرب عليها ماء ثم قال: من أدخله بطنه النار فأبعده الله. * حدثنا موسى بن مروان قال، حدثنا المعافى بن عمران قال، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: كان عمر ﵁ ينهى أن يتخذ المنخل، وقال: إنما عهدنا بالشعير حديث أما ترضون أن تأكلوا سمراء (٢) الشام حتى تنخلوه؟ * حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا الأشعث، عن الحسن قال: أتي عمر ﵁ بشربة عسل فقال: ما أنا بمحتمل فضلها إني سمعت الله يقول: «أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا» (٣). * حدثنا موسى بن مروان قال، حدثنا المعافى بن عمران، عن أسامة بن زيد قال، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن زرارة عن مشيختهم: أن عمر ﵁ أتاهم بقباء في صلح كان بينهم فلما حان للصائم الفطر استسقى فأتى رجل بقدح من زجاج - أو قال

стр. 809

من قوارير - فيه عسل، فقال: ما رأيت كاليوم إناء أحسن ولا شرابا أحسن، ثم قال: شرابا هو أيسر في المسألة من هذا فأتي بماء فشرب. (لباس عمر ﵁ * حدثنا يوسف بن عطية قال، سمعت مالك بن دينار يقول: بينما أنا أرمي الجمرة إذا أنا بنافع مولى عبد الله بن عمر، فأخبرني عن عبد الله بن عمر، عن أبيه: أنه رآه يرمي هذه الجمرة، وإن عليه لإزارا فيه ثنتا عشرة رقعة إن بعضها لمن ورق الأدم وإن منها لما هو مثنى قد خيّط بعضه على بعض إذا قعد فقام من مجلسه يتنخّل منه التراب (١). * حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا أبو معاوية، عن العوام ابن جويرية، عن الحسن، عن أنس ﵁ قال: رأيت على عمر ﵁ إزارا فيه ثلاث عشرة رقعة من (أدم و (٢) بعضها من أدم. * حدثنا الحسين بن حفص قال، حدثنا سفيان، عن الجريري، عن أبي عثمان قال: أخبرني من رأى عمر ﵁ يرمي الجمار وعليه إزار مرقوع بقطعة أديم (٣). * حدثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن ابن قيس (٤) عن

стр. 810

عطاء، عن عبيد بن عمير قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ يرمي الجمار وعليه إزار مرقوع عند دبره. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا سلام بن مسكين، عن عبد العزيز بن أبي جميلة الأنصاري قال: أبطأ عمر ﵁ عن الساعة التي كان يخرج فيها للجمعة، فخرج وعليه قميص سنبلاني ثمنه أربعة دراهم لا يجاوز نصف الساق، ولا يجاوز كمّه رسغه، وقال معذرة إليكم إنه لم يكن لي قميص حتى فرغ من قميصي هذا (١). * حدثنا القعنبي، عن مالك بن أنس، عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: رأيت عمر ﵁ وهو يومئذ أمير المؤمنين وقد رقع بين كتفيه برقاع ثلاث، لبد بعضها فوق بعض. * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا سفيان بن عيينة قال: كان عمر ﵁ يدفع الشيء ليشتهيه سنة. (سيرة عمر ﵁ في عماله) * حدثنا عفّان قال، حدثنا حمّاد بن سلمة، عن يونس، عن الحسن: أن عمر ﵁ قال: هان عليّ (٢) شيء أصلح به قوما: أن أبدلهم أميرا مكان أمير.

стр. 811

* حدثنا موسى بن هارون الرّقي قال، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن عيسى بن راشد بن أبي رزين الثّمالي قال، حدثنا يزيد بن رفاعة قال، قال عمر بن الخطاب ﵁: من رابه من أمير ظلامة فلا يعجزه طيبه ولا عبيطه ولا نابه (١). * حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا المبارك بن سعيد، عن نوح بن جابر، عن خاله رياش قال: كان عمر ﵁ يبعث إلى عماله عند رأس كل سنة فيقدمون عليه فيسألهم عن الناس وعمّا وراءهم، فمن أراد أن يردّه ردّه، ومن أراد أن يعزله حبسه عنده. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا إسحاق ابن يوسف، عن عبد الله بن أبي سليمان، عن عطاء، قال: كان عمر ﵁ يكتب إلى عمّاله أن يوافوه بالموسم فوافوه، فقام فقال: أيها الناس، إني استعملت عليكم عمالي هؤلاء، ولم أستعملهم ليصيبوا (٢) من أبشاركم (٣)، ولا من أموالكم ولا من أعراضكم، ولكن استعملتهم ليحجزوا بينكم أو يردّوا عليكم فيئكم فمن كانت له مظلمة عند أحد منهم فليقم، فما قام من الناس أحد

стр. 812

يومئذ إلا «فلان» قام فقال: يا أمير المؤمنين إن عاملك فلانا (ضربني) (١) مائة سوط فقال: يضرب مائة!! فاستقد منه. فقام عمرو بن العاص ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين، إنك متى تفتح هذا على عمّالك تكثر عليهم، وتكون سنّة يأخذ بها من بعدك، فقال: أنا لا أقيد منه، وقد رأيت النبي ﷺ يقيد من نفسه. فقال: دعنا إذن نرضيه. قال: أرضوه. قال فافتديت منه بمائتي دينار، فكان كل سوط بدينارين (٢). * حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي فراس قال: خطبنا عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إني لم أبعث عمّالي عليكم ليصيبوا من أشعاركم، ولا أبشاركم ولا أموالكم إنما بعثتهم ليحجزوا بينكم، ويقسموا فيئكم، فمن فعل به غير ذلك فليقم، فو الله لأقصّنّه منه، فقال عمرو ابن العاص: يا أمير المؤمنين إن كان رجل على رعية يؤدب بعض رعيته إنك لتقصه منه؟ فقال: أنا لا أقصه منه، وقد رأيت رسول الله ﷺ أقصّ من نفسه. ثم قال ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تجمّروهم في البعوث فتفتنوهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم (٣). * حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا أبو المليح الرّقي قال،

стр. 813

حدثنا عبد الملك بن أبي القاسم قال، قال عمرو بن العاص ﵁ لرجل من تجيب: يا منافق، فقال التجيبي ما نافقت منذ أسلمت، ولا أغسل لي رأسا ولا أدهنه حتى آتي عمر ﵁، فأتى عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين إن عمرا نفّقني ولا والله ما نافقت منذ أسلمت. فكتب عمر ﵁ إلى عمرو ﵁، وكان إذا غضب عليه يكتب: إلى العاص بن العاص، أما بعد فإنّ فلانا التجيبي ذكر أنك نفّقته، وقد أمرته إن أقام عليك شاهدين أن يضربك أربعين أو قال سبعين. فقام فقال: أنشد الله رجلا سمع عمرا نفّقني إلا قام فشهد. فقام عامة أهل المسجد، فقال له حشمه، أتريد أن تضرب الأمير؟ قال، وعرض عليه الأرش فقال: لو ملئت لي هذه الكنيسة ما قبلت، فقال له حشمه: أتريد أن تضربه؟ فقال التجيبي: ما أرى لعمر ﵁ هاهنا طاعة، فلما ولّى قال عمرو ﵁: ردّوه، فأمكنه من السوط وجلس بين يديه، قال: أتقدر أن تمتنع مني بسلطانك؟ قال: لا، فامض لما أمرت به قال: فإني أدعك لله (١). * حدثنا عمرو بن عاصم قال، حدثنا حماد بن سلمة قال: * حدثنا عطاء بن السائب، عن أبي زرعة، عن جرير بن عبد الله (البجلي (٢) ﵁: أن رجلا كان مع أبي موسى الأشعري ﵁، وكان ذا سوط (٣) ونكاية في العدوّ، فغنموا مغنما

стр. 814

فأعطاه أبو موسى ﵁ بعض سهمه فأبى أن يقبله إلا جميعا، فضربه أبو موسى ﵁ عشرين سوطا، وحلق رأسه، فجمع شعره ورحل إلى عمر ﵁ حتى قدم عليه - قال جرير ﵁ وأنا أقرب الناس منه - فأدخل يده في خبيئة فأخرج شعره فضرب به صدر عمر ﵁ وقال: أما والله لولا … فقال عمر ﵁: صدق والله لولا النار. فقال: يا أمير المؤمنين كنت رجلا ذا سوط ونكاية (في العدو (١) وأخبره بأمره (وقال (٢) فضربني أبو موسى عشرين سوطا وحلق رأسي، وهو يرى أنه لا يقتص منه، فقال عمر ﵁: لأن يكون الناس كلهم على مثل صرامة هذا أحبّ إليّ من جميع ما أفاء (الله (٣) علينا. فكتب عمر ﵁ إلى أبي موسى ﵁: سلام عليك أما بعد فإن فلانا أخبرني بكذا وكذا، فإن كنت فعلت ذلك به في ملأ من الناس (فعزمت عليك لما قعدت له في ملأ من الناس حتى يقتص منك (٤) وإن كنت فعلت ذلك به في خلاء لما قعدت له في خلاء حتى يقتص منك، فقال له الناس: اعف عنه، فقال: لا أعفو عنه لأحد من الناس، فلما صعد أبو موسى ﵁ ليقتص منه رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم قد عفوت عنه لك. * حدثنا عمرو بن عاصم قال، حدثنا سليمان بن المغيرة قال، سمعت حميد بن هلال قال، حدثنا عبد الله بن يزيد الباهلي قال:

стр. 815

دخل عليّ ضبّة بن محصن فتحدّث عندي من الليل حتى خشيت عليه الحراس، فكان فيما حدثني قال: شاكيت أبا موسى كبعض ما يشاكي الرجل أميره فانطلقت (إلى عمر (١) لآتي عليه، وذلك عند حضور وفادة أبي موسى إلى عمر، والبرد إذ ذاك على الإبل قال، فكتب (أبو موسى (٢) سلام عليك. أما بعد فإني كتبت إليك وأنا خارج في كذا وكذا، وكتبت إليك وضبّة بن محصن قد خرج من عندي غاضبا بغير إذني فهو بيني وبينك. فأحببت أن تعلم ذلك يا أمير المؤمنين، قال فسبقني كتابه، فقدمت المدينة فجئت إلى باب عمر ﵁ فقلت: السلام عليك أيدخل ضبّة بن محصن؟ قال: لا مرحبا ولا أهلا. قال فقلت: أما المرحب فمن الله، وأما الأهل فلا أهل ولا مال. قال: فأعاد (ضبة (٣) ذلك ثلاث مرار، وأعادها (عمر (٤) ثم قال: ادخل، فدخلت فقلت: يا أمير المؤمنين، الرجل يظلمه سلطانه المظلمة فإذا انتهى إلى أمير المؤمنين فلم يجد عنده غيرا فو الله إنّ الأرض لواسعة وإن العدو لكبير، قال: فكأنما كشفت عن وجهه غطاء، فقال ادن دنوّك: فدنوت فقال: إيه؟ فقلت: أبو موسى اصطفى لنفسه أربعين من أبناء الأساورة (٥) فقال: يا غلام اكتب، فكتب. ثم قال: إيه؟ فقلت: أبو موسى له مكيالان يكتال بمكيال ويكيل للناس بغيره. فقال: اكتب، فكتب.

стр. 816

قلت: وسرّيته عقيلة لها قصعة (١) غادية رائحة يأكل منها أشراف الجند. قال: اكتب، فكتب. قال: فما لبث إلا يسيرا حتى قدم أبو موسى. فمشيت إلى جنبه أغبطه وأذكر أمير المؤمنين به حتى جاء إلى أمير المؤمنين، فقال: ما بال أربعين (٢) اصطفيتهم لنفسك من أبناء الأساورة؟ قال: يا أمير المؤمنين، اصطفيتهم وخشيت أن أن يخدع الجند عنهم ففاديتهم واجتهدت في فدائهم، وكنت أعلم بفدائهم، ثم خمّست وقسّمت. قال ضبّة: وصادق والله؛ فو الله ما كذب أمير المؤمنين ولا كذبته. قال: فما بال هذا المكيال الذي تكتال به وتكيل للناس بغيره؟ قال: مكيال أكيل به قوت أهلي وأرزاق دوابي، ما كلت به لأحد ولا اكتلت به لأحد. قال ضبة: وصادق والله: فما كذب أمير المؤمنين ولا كذبته. قال: فما بال قصعة عقيلة الغادية الرائحة؟ قال: فسكت فلم يعتذر منها بشيء، فقال لوفده أنشد الله رجلا أكل منها مارمّ (٣) القوم. ثم عاد، فقال وكيع بن بشر التميمي: قبّح الله تلك القصعة ما أحلّ لنا ما قد أصبنا منها (٤)، فقال عمر ﵁: لا جرم، والذي نفس عمر بيده لا ترى عقيلة العراق ما دمت أملك شيئا، فاحتبسها عنده، قال

стр. 817

حميد: فذكرت هذا لأبي بردة (١) فقال: ما رأت عقيلة العراق حتى قبض عمر ﵁ (٢). * حدثنا زهير بن حرب قال، حدثنا جرير، عن عاصم، عن فضيل بن زيد الرقاشي قال: سرت سرية على عهد عمر ﵁ على أرجلهم فأعيا رجل منهم فأراد أن يقيموا عليه (فرفض أمير السرية (٣) فنادى: يا عمراه، فمضوا وتركوه، فبلغ ذلك عمر ﵁ فكتب إلى أبي موسى ﵁ أن ابعث إليّ بالرجل. فبعث به إليه فأخذ قناة فجعل يضربه بها ويقول: يا لبّيكاه، ويقول: يا مهلك، يقول لك الرجل انتظرني فتذهب وتتركه فينادي يا عمراه؟ فجعل يعتذر إليه، فقال: والله لصلاح رجل من المسلمين أحب إليّ من هلاك كذا وكذا من أهل الشرك وكتب إلى (أبي (٤) موسى ﵁: انظر مهلكا فلا تستعمله ما كنت لنا على عمل. * حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش عن زيد بن وهب قال: خرج جيش في زمن عمر ﵁ نحو الجبل، فانتهوا إلى نهر ليس عليه جسر، فقال أمير ذلك الجيش لرجل من أصحابه - انزل فابغنا مخاضة نجوز فيها (وذلك (٥) في

стр. 818

يوم بارد شديد البرد، فقال الرجل: إني أخاف إن دخلت الماء أن أموت. فأكرهه، فقال: يا عمراه يا عمراه، ثم لم يلبث أن هلك، فبلغ ذلك عمر ﵁ وهو في سوق المدينة فقال: يا لبيكاه يا لبيكاه، وبعث إلى أمير ذلك الجيش فنزعه، وقال له: لولا أن تكون سنّة لأقدت منك لا تعمل لي على عمل أبدا (١). * حدثنا القعنبيّ قال، حدثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: استعمل عمر ﵁ رجلا من الأنصار فنزل بعظيم أهل الحيرة عبد المسيح (عمرو ابن حيّان (٢) بن بقيلة فأمال عليه بالطعام والشراب ما دعا به فاحتبس عليه بالهزل (٣) فدعا الرجل فمسح بلحيته، فركب إلى عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين، قد خدمت كسرى وقيصر فما أتى إليّ في ملك أحد منهم ما أتي إليّ في ملكك، قال: وما ذاك؟ قال: نزل بي عاملك فلان فأملنا عليه بالطعام والشراب ما دعا به، فاحتبس بالهزيل فدعاني فمسح بلحيتي، فأرسل إليه عمر ﵁، فقال: هيه، أمال عليك بالطعام والشراب ما دعوت به، ثم مسحت بلحيته؟! والله لولا أن تكون سنة ما تركت في لحيتك طاقة إلا نتفتها، ولكن اذهب فوالله لا تلي لي عملا أبدا. * حدثنا عمرو بن عاصم قال، حدثنا حماد بن سلمة قال: أخبر سماك بن حرب، عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال، حدثنا

стр. 819

عبد الله بن عمر ﵄: أنه كان مع عمر ﵁ في حجّ - أو عمرة - قال: فبينا نحن نسير إذا نحن براكب متعجل. فقال عمر ﵁ إني لأظن هذا يطلبنا، فأنخ لا نشقّ عليه، فأنخنا، وذهب عمر ﵁ يبول وجاء الراكب وقال لابن عمر: أأنت عمر؟ قال: لا، قال: لقد زعم أهل الماء أن عمر مرّ آنفا. قال: فبال عمر ﵁ ثم جاء، فبكى الرجل فقال عمر ﵁: ما يبكيك؟ إن كنت غارما أعنّاك، وإن كنت خائفا أمناك، إلا أن تكون قتلت نفسا، وإن كنت خفت جوار قوم حولناك عن مجاورتهم. فقال الرجل: لا، ولكن شربت الخمر وأنا أحد بني تميم، فأخذني أبو موسى فجلدني وسوّد وجهي وطاف بي في الناس، وقال: لا تؤاكلوه ولا تشاربوه ولا تجالسوه. فحدثت نفسي بإحدى ثلاث: إما أن أتخذ سيفا فأضرب به أبا موسى، وإما أن آتي المشركين فآكل معهم وأشرب، وإما أن آتيك فترسلني إلى الشام فإنهم لا يعرفونني. فبكى عمر ﵁ ثم قال: إني كنت من أشرب الناس لها في الجاهلية، وإنها ليست كالزنا، وما يسرّني أن رجلا لحق بالمشركين وأن لي كذا وكذا، ثم كتب إلى أبي موسى ﵁: إن فلان بن فلان التميمي أخبرني بكذا وكذا، وايم الله لئن عدت لأسودنّ وجهك وليطاف بك في الناس، فإن أردت أن تعلم أحقّ ما أقول فعد وأمر الناس فليؤاكلوه وليجالسوه، وإن تاب فاقبلوا شهادته. وكساه عمر ﵁ حلّة وحمله وأعطاه مائتي درهم (١).

стр. 820

* حدثنا الفضل بن دكين قال، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان بن الفسيل، عن هارون بن عبد الله الحضرمي، عن عفيّف، ابن معدي كرب قال: خرجنا أناس نشي بسعد الأشعث وغير واحد من وجوه أهل الكوفة - حتى قدمنا المدينة فنزلنا في رحبة من رحابها نطلب منزلا، إذ مرّ عمر بن الخطاب ﵁ في ناحية الطريق معه درّة في يده فقال بعضنا: هذا أمير المؤمنين، وقال بعضنا: ما هو به، فالقوم يختصمون إذ رأى مكاننا فأقبل إلينا، فسلم. ثم قال الأشعث وأصحابه: يا أمير المؤمنين، إنا قد جئنا نذكر لك ما قد رأينا من عاملنا سعد، فإن أحببت أن نقوم معك قمنا معك، وإن أحببت أن تجلس إلينا فعلت، قال: لا بل أجلس إليكم، هاتوا ما عندكم. قلنا: يا أمير المؤمنين، ظلمنا واعتدى علينا، ومنعنا حقوقنا فلم نجئ في غيبة، ونحن نحب أن تعزله عنا وتستعمل علينا غيره. فقام وقال: لعل ذلك أن يكون، فلما ولّى قلنا: والله ما صنعنا شيئا وما أدركنا حاجتنا ولا كفينا أنفسنا، وهو مخبر سعدا الآن بما قلنا، فيكون أخبث ما كان لنا صحبة، يا عفيّف أدركه، فسمع حسّا خلفه فوقف فقال: ألك حاجة؟ قال: نعم. قال: ما حاجتك؟ قال: أرسلني إليك أصحابنا قالوا: إذا لم تسمع فيه ما قلنا فنحن نحب ألاّ تذكره له. قال: لعل ذلك أن يكون، قال: ثم تبوأنا منزلنا، ثم غدونا إلى المسجد وسعد عنده في المنزل فمكثنا طويلا فخرج إلينا سعد وهو يذم أهل الحيرة وأهل المخالفة. قال قلنا: إنا لله، استعمله علينا ويكون شر ما كان لنا صحبة، فقال قائل: هذا والله غضب رجل قد عزل، قال: فبينما نحن كذلك إذ جاء رسول

стр. 821

عمر ﵁ فأدخلنا عليه فقال: يا أشعث، إني قد عزلت عنكم سعدا، ولكن أخبروني عما أسألكم عنه؛ إذا كان الإمام عليكم فجار عليكم ومنعكم حقوقكم وأساء صحبتكم ما تصنعون به؟ قلنا يا أمير المؤمنين، ما نصنع به إن رأينا خيرا حمدنا الله وقبلنا، وإن رأينا جورا وظلما صبرنا حتى يفرج الله منه، قال: أما هو إلا ما أسمع؟ قالوا: لا والله ما عندنا إلا ما قلنا لك، قال فضرب بيده على جبهته ثم قال: لا والله الذي لا إله إلا هو لا تكونون شهداء في الأرض حتى تأخذوهم كأخذهم إياكم، وتضربوهم في الحق كضربهم إياكم وإلا فلا. * حدثنا محمد بن بكار قال، حدثنا حبان بن علي، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كنت جالسا عند عمر ﵁ فأتاه ناس من أهل الكوفة فشكوا إليه سعدا حتى قالوا ما يحسن يصلي، فقال سعد (١): أمّا أنا والله فقد كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ، قال عمر ﵁: ذاك الظّن بك يا أبا إسحاق، وكيف كانت صلاة رسول الله ﷺ ؟ قال: أركد (٢) في الأوليين وأحذف في الأخريين قال: فأرسل به عمر ﵁ إلى الكوفة فطيف به في مساجدها، فيقولون فيه خيرا ويثنون خيرا حتى انتهوا إلى مجلس بني عبس وفيه رجل يكنى أبا سعدة فقال: اللهم كان لا ينفر في السّريّة، ولا يعدل

стр. 822

في القضية، ولا يقسم بالسويّة، فقال سعد: اللهم إن كان كاذبا فأطل عمره وأشدّ فقره، وأعم بصره، واعرض عليه الفتن. قال عبد الملك (بن عمير (١): فأنا رأيته بعد كبيرا فقيرا ذاهب البصر، فقال له: كيف أنت يا أبا سعد؟ فيقول: (شيخ (٢) كبير فقير مفتون أجيبت فيّ دعوة سعد (٣). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، * حدثنا ثابت، عن هلال بن أمية: أن عمر ﵁ استعمل عياض بن غنم (٤) على الشام، فبلغه أنه اتخذ حماما، واتخذ نوّابا، فكتب إليه أن يقدم عليه، فقدم، فحجبه ثلاثا، ثم أذن له، ودعا بجبة صوف فقال: البس هذه، وأعطاه كنف (٥) الراعي وثلاثمائة شاة، وقال: انعق بها، فنعق بها، فلما جاوز هنيهة قال: أقبل، فأقبل يسعى حتى أتاه، فقال: اصنع بها كذا وكذا، اذهب. فذهب حتى إذا تباعد ناداه يا عياض أقبل، فلم يزل يردده حتى عرقه في جبته، قال: أوردها عليّ يوم كذا وكذا، فأوردها لذلك اليوم، فخرج عمر ﵁ إليه فقال: انزع عليها. فاستقى حتى ملأ الحوض فسقاها، ثم قال، انعق بها فإذا كان يوم كذا فأوردها،

стр. 823

فلم يزل يعمل به حتى مضى شهران، قال: فاندس إلى امرأة عمر ﵂ وكان بينه وبينها قرابة، فقال: سلي أمير المؤمنين فيم وجد عليّ؟ فلما دخل عليها قالت: يا أمير المؤمنين فيم وجدت على عياض؟ قال: يا عدوة الله، وفيم أنت وهذا، ومتى كنت تدخلين بيني وبين المسلمين؟ إنما أنت لعبة يلعب بك، ثم تتركين. قال: فأرسل إليها عياض: ما صنعت؟ فقالت: وددت أني لم أعرفك ما زال يوبخني حتى تمنيت أن الأرض انشقّت فدخلت فيها، قال: فمكث ما شاء الله ثم اندس إلى عثمان ﵁ فقال: سله فيم وجد عليّ؟ فقال: يا أمير المؤمنين فيم وجدت على عياض؟ فقال: إنه مرّ إليك عياض فقال: شيخ من شيوخ قريش، قال فتركه بعد ذلك شهرين أو ثلاثة ثم دعاه، فقال: هيه، اتّخذت نوّابا، واتخذت حماما، أتعود؟ قال: لا، قال: ارجع إلى عملك (١). * حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن حارثة قال: بعث عمر ﵁ شرحبيل بن السّمط (٢) - وكان ممن شهد اليرموك - على جيش، فلما نزل بهم قال: عزمت عليكم لما أخبرتموني بكل ذنب أذنبتموه؟ فجعلوا يعترفون بذنوبهم، فبلغ ذلك عمر ﵁ فقال: ما له لا أمّ له، يعمد إلى ستر ستره الله فيهتكه؟ والله لا يعمل لي عملا أبدا.

стр. 824

* حدثنا عبد الواحد بن غياث قال، حدثنا أبو جميع سالم ابن راشد قال، حدثنا الحسن قال: استعمل عمر ﵁ مجاشع ابن مسعود (١) على عمل، فبلغه أن امرأته تحدث (٢) بيوتها، فكتب إليه عمر ﵁: من عبد الله أمير المؤمنين إلى مجاشع بن مسعود، سلام عليك أما بعد فإنه بلغني أن الخضيراء تحدث بيوتها، فإذا أتاك كتابي هذا فعزمت عليك ألا تضعه من يديك حتى تهتك ستورها. قال: فأتاه الكتاب والقوم عنده جلوس، فنظر في الكتاب فعرف القوم أنه قد أتاه بشيء كرهه، فأمسك الكتاب بيده ثم قال للقوم: انهضوا فنهضوا: ولا والله ما يدرون إلى ما ينهضهم، فانطلق بهم حتى انتهى إلى باب داره فدخل، فلقيته امرأته فعرفت الشرّ في وجهه فقالت له: ما لك؟ فقال: إليك عني، فقد أرمضتني، فذهبت المرأة، وقال للقوم: ادخلوا، فدخل القوم، فقال: فليأخذ كل رجل منكم ما يليه من هذا النحو واهتكوا، قال: فهتكوها جميعا حتى ألقوها إلى الأرض، والكتاب في يده لم يضعه بعد * حدثنا أبو بكر العليمي، عن علي بن محمد، عن حبان ابن موسى، وعلي بن مجاهد، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي قال: أوفد سعد بن أبي وقّاص جرير بن عبد الله (٣) إلى عمر ﵁، فقال له الأشعث بن قيس: إن استطعت أن تنال من شرحبيل

стр. 825

ابن السمط عند عمر فافعل، وكان شرحبيل قد شرف بالكوفة، وكان أثيرا عند سعد فغمّ ذلك الأشعث، فلما قدم جرير على عمر ﵁ سأله عن الناس، فقال: هم كقداح الحصير فيها الأعضل الطائش والقائم الرائش، وسعد أمامها يقيم ميلها ويعمر عضاها، وقد قال قائل. قال: وما قال القائل؟ قال، قال: ألا ليتني والمرء سعد بن مالك … وزبراء وابن السّمط في لجة البحر فيغرق أصحابي وأخرج سالما … على ظهر قرقور أنادي أبا بكر (١) قال عمر ﵁: أقد فعلها؟ وكيف عطاعة الناس له؟ قال: يقيمون الصلاة لوقتها، ويؤتون الزكاة ولاتها، قال: الله أكبر، إذا أقيمت الصلاة، وأوتيت الزكاة كانت الطاعة. وكتب إلى سعد: أن احمل إليّ (زبراء وشرحبيلا فأرسلهما فأمسك زبراء (٢) عنده بالمدينة، وحمل شرحبيل إلى الشام فشرف بها. * حدثنا أحمد بن عبد الرحمن قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا سعيد بن عبد العزيز: أن عمر بن الخطاب ﵁ أغزى جيشا فغزا فيهم فتى كان يدنو من عمر ﵁ ويألفه، فأوصى به عمر صاحب البعث خيرا، فكان معه، فراودته جارية لصاحب الجيش أو لرفيق له عن نفسها فامتنع عليها، فأخذت نفقة لسيدها فجعلتها في عيبة الفتى، فافتقدها صاحبها فوجدها في عيبة الفتى، فقطع يده، ثم أراد حسمها بالنار فامتنع عليهم فمات، فلما قفل الجيش سأل عمر ﵁ عن الفتى، فأخبروه بأمره،

стр. 826

قال: وبيد عمر ﵁ عصا، فجعل يضرب بها الأرض ويقول والله ما زنى وما سرق، والله ما زنى وما سرق؟ هل كانت معكم جارية؟ قالوا: نعم، قال: ايتوني بها، فأتوه بها، فسألها، فاعترفت فأمربها عمر ﵁ فقتلت به. قال سعيد: فمن يومئذ قال عمر ﵁: لا يقطع إلاّ إمام. قال سعيد: وكتب عمر بن الخطاب ﵁: من استعملناه منكم فليجعل الرفق. يعني العدل والأمانة ( … (١) (مسير عمر بن الخطاب ﵁ إلى الشام) * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال، حدثنا يونس، عن الحسن قال، قال عمر ﵁: لئن عشت - إن شاء الله - لأسيرنّ في الرعية حولا، فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع دوني؛ إمّا هم فلا يصلون إليّ، وإما عمالهم فلا يرفعونها إليّ؛ فأسير إلى الشام فأقيم بها شهرين (ثم أسير إلى الجزيرة فأقيم بها شهرين (٢) ثم أسير إلى مصر فأقيم يها شهرين، ثم أسير إلى البحرين فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الكوفة فأقيم بها شهرين (ثم أسير إلى البصرة فأقيم بها (٣) شهرين، والله لنعم الحول هذا. * حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال، سمعت يحيى بن سعيد يقول، سمعت القاسم بن محمد يقول، سمعت أسلم مولى عمر ﵁ يقول: خرجت مع عمر ﵁ وهو يريد الشام حتى إذا دنا أناخ فذهب لحاجة له، قال أسلم: فطرحت فروتي

стр. 827

بين شعبتي رحلي، فلما فرغ عمر ﵁ عمد إلى بعيري فركبه، وركب أسلم بعير عمر ﵁ فخرجا يسيران حتى لقيهما أهل الأرض، قال: فلما دنوا أشرت لهم إلى أمير المؤمنين، فجعلوا يتحدثون بينهم، فقال عمر ﵁: تطمح أبصارهم إلى مراكب من لا خلاق له (١). * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: خرجت مع عمر ﵁ إلى الشام حتى إذا كنا ببعض الطريق نزل للصبح، ونزلت معه، فذهب لحاجته - وكان إذا ذهب أبعد - ثم جاء فناولته إداوة من ماء فتوضأ، ثم صلّى، فلما أردنا أن نركب قال: هل لك أن تركب جملي وأركب جملك يا أبا خالد؟ ولكنه جمل يقبض، قال، قلت: وما يقبض؟ قال: يضرب بيديه فلا ينشب - أي ينقب -، وهو جمل رجل أقث لم يثقل حواياه الشحم قال: ثم لقينا أهل الأرض يشتدون، قالوا: أين أمير المؤمنين؟ قال: أمامكم، قال: فانصرفوا قال: ما إخالنا إلا قد كربناهم، نادهم، فناديتهم فرجعوا، فقلت: هذا أمير المؤمنين، فكأنما ضربت وجوههم فانصرفوا، فقال: هل ترى ما أرى يا أبا خالد؟ فقلت: وما أرى يا أمير المؤمنين؟ فقال: لم ير هؤلاء على صاحبك ثياب قوم غضب الله عليهم فيها، ثم تزدرينا أعينهم، قال: فقلينا الناس فقيل له: يا أمير المؤمنين: إنك تقدم على أهل الأرض

стр. 828

وعلى قوم حديثي عهد بكفر، فلو ركبت دابة غير دابتك هذه؟! قال: فأتي ببرذون (١) فركبه، فجعل يتبختر به، فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترا، فنزل عنه وقال: ما حملتموني إلا على شيطان ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي، ايتوني بقعودي فركبه، وأخّر الناس عنه، قال: فطلع أبو عبيدة على جمل خطامه حبل أسود، فلما رآه قال: مرحبا هذا أخي، مرحبا هذا رجل لم تغيره الدنيا، قال: فما زال يقول مرحبا حتى جاء. * حدثنا بشر بن عمر، قال حدثنا مالك بن أنس، عن زيد ابن أسلم عن أبيه قال: خرجت مع عمر ﵁ إلى الشام، فلما كنا في أدنى الريف ودنونا منه، ذهب عمر ﵁ لحاجته - وكان إذا ذهب لحاجته أبعد - فجاء وقد قلبت فروتي فألقيتها بين شعبتي الرحل، فركب بعيري وركبت بعيره، فلما خطا به البعير قال: يا أسلم بجملك هذا قباض، قلت: لا أدري، قال: بلى، ولا يصلحه إلا رجل لم يثقل حواياه الشحم، فسرنا حتى لقينا الناس، فجعلوا يسألون عنه فأقول: أمامكم فيبعدون على وجوههم، فقال لي: يا أسلم قد أكثرت فأخبرهم، فقلت: هذا فاطلع أناس فقالوا: أمير المؤمنين؟ فقلت: هذا. فجعلوا يتواطأون فيما بينهم، فقال: إن هؤلاء لا يرون علينا برد قوم غضب الله عليهم فيها، وأعينهم تزدرينا، ثم سار حتى لقيه عمرو بن العاص وأمراء الأجناد، فتحدث معهم ثم قال عمرو: يا أمير المؤمنين، إنك تقدم

стр. 829

على قوم حديثي عهد بكفر، قال: فمه؟ قال: يؤتى بدابّة فتركبها، قال: ما شئتم، قال: (فأتي (١) ببرذون فركبه، فجعل البرذون يحركه، فجعل عمر ﵁ يضربه ويضرب وجهه فلا يزيده إلا مشيا فقال سائس الدابة: ما ينقم أمير المؤمنين منه؟ ثم نزل فقال: ما حملتموني إلا على شيطان، وما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي قرّبوا بعيري، فركبه ثم اعتزل الناس، فسار حتى لقيه أبو عبيدة ابن الجراح ﵁ على بعير قد خطمه بحبل أسود. فلما رآه عمر ﵁ قال: أخي لعمري لم تغيرك الدنيا بعدي ودخلا. * حدثنا زهير بن حرب قال، حدثنا جرير، عن أبي إسحاق الشيباني، عن بشير بن عمرو قال: أتي عمر ﵁ ببرذون فركبه منطلقا إلى الشام، فلما هزّه خلجه (٢) فنزل عنه، وقال قبّح الله من عملك هذا (٣). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس ﵁ قال: ركب عمر ﵁ برذونا فهزّه فنزل عنه وقال: ما يصلح هذا إلا لصاحب يأتي عليه الغائط. * حدثنا موسي بن مروان الرّقي قال، حدثنا المعافى بن عمران، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز (المكي عن أبي الغالية الشامي (٤) من

стр. 830

أهل دمشق - أن عمر ﵁ قدم عليهم الشام على جمل أورق بين عمودين، تلوح صلعته في الشمس، لا حقبة ولا خشبة، تصطفق رجلاه، ليس له ركابان، وطاؤه فروة كبش كرمى ذات صوف، هو وطاؤه إذا ركب، وفراشه إذا نزل، وحقيبة نمرة أو شملة محشوة ليفا هي وسادته إذا نزل وحقيبته إذا ركب، قال له رأس القرية: أنت ملك العرب وهذه دابة لا تصلح لهذا البلد، فأتي ببرذون فطرحت عليه قطيفة، فركب بغير سرج فأهزته، فقال: أمسك أمسك، أدن جملي، ما شعرت أن الناس يركبون الشياطين قبل يومي هذا، فدعي بجمله فركبه (١). * حدثنا عبيد بن قتادة قال، حدثنا عطاء بن مسلم، عن محمد بن سوقة، عن ابن صالح قال: قدم عمر ﵁ الجابية (٢) على بعير أحمر مقتب بقتب مشتملا بعباءة قطوانية، خطام بعيره في يده اليمنى، وفي يساره نمرة (٣). * حدثنا الحكم بن موسى قال، حدثنا عتاب بن بشير، عن سالم بن عجلان قال: لمّا قدم عمر ﵁ الشام فلقيه العجم من أهل الشام فيقولون: أين أمير المؤمنين؟ فيقولون: قدّامكم حتى جاوزوه فسألوا: فقيل هذا أمير المؤمنين فرجعوا فنظروا إليه في رجل أو اثنين أو ما شاء الله، فقالوا: هذه والله الرهبانية،

стр. 831

لا رهبانيتكم، قال: ولقيه معاوية ﵁ على برذون فنزل ومشى معه وتغافل عنه عمر ﵁، فقيل له: يا أمير المؤمنين جهدت الرجل، إنه بادن، فقال: دعه، حتى بلغ من ذلك ما أراد، ثم أمره فركب. * حدثنا أحمد بن معاوية قال، سمعت أبا عبد الله محمد بن سليمان بن عطاء بن قيس الحراني قال، حدثني أبي سليمان بن عطاء، عن مسلمة بن عبد الله الجهني، عن عمه أبي مسجعة بن ربعي الجهني (١) قال: لما قدم عمر ﵁ الجابية لغرض الخراج - وذلك بعد وقعة اليرموك - شهدته دعا بكرسي من كراسي الكنيسة فقام عليه فقال: إن نبيّ الله ﷺ قام فينا فقال: «أيها الناس أكرموا أصحابي فإن خياركم أصحابي ألا ثمّ الذين يلونهم ألا ثم الذين يلونهم ألا ثم يظهر العرب ويكثر الحلف حتى يحلف (الحالف (٢) وإن لم يستحلف، ويشهد (الشاهد وإن لم (٣) يستشهد، ألا فمن أراد بحبوحة الجنة فعليكم بالجماعة، الجماعة تدرئكم على الجماعة، ألا وإن الشيطان ذنب بني آدم وهو مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، ألا لا يخلون رجل بامرأة لا تحلّ له إلا كان الشيطان ثالثهما، ألا ومن ساءته سيئاته وسرته حسناته فهو مؤمن، قمت فيكم بقدر ما قام فينا رسول الله ﷺ . ثم ارتحل حتى نزل أذرعات (٤) وقد ولّى على الشام يزيد بن أبي

стр. 832

سفيان فدعا بغدائه، فلما فرغ من الثريد رفع، فوضعت بين يديه قصعة أخرى فصاح فقال: ما هذا؟ فأرسل يزيد إلى معاوية ابن أبي سفيان ﵁ وكان صاحب إمرة - فقال معاوية ﵁: ما الذي أنكرت يا أمير المؤمنين؟ قال: ما بالي توضع بين يدي قصعة وترفع أخرى؟ قال: إنك هبطت أرضا كثيرة الأطعمة فخفت عليك وخامتها، فأشر إليّ إن شئت حتى ألزمكه، فأشار إلى الثريد. فقام قسطنطين - وهو صاحب بصرى - بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين: إن أبا عبيدة قد فرض عليّ الخراج، فاكتب له به، فأنكر عمر ذاك وقال: فما فرض عليك؟ قال: فرض علي أربعة دراهم وعباءة على كل جلهمة - يعني الجماجم (١) - فقال عمر ﵁ لأبي عبيدة: ما يقول هذا؟ قال: كذب، ولكني صالحته على ما ذكر ليستمتع به المسلمون في شتائهم هذا، ثم تقدم أنت فتكون الذي يفرض عليهم الخراج، فقال عمر ﵁: أبو عبيدة أصدق عندنا منك، فقال قسطنطين: صدق أبو عبيدة، وكذبت أنا. قال: ويحك، فماذا أردت بمقالتك؟ قال: أردت أن أخدعك، ولكن افرض عليّ يا أمير المؤمنين الآن، قال: فجاثاه النبطيّ مجاثاة الخصم عامّة النهار، ففرض على الغني ثمانية وأربعين وعلى الوسط أربعة وعشرين، وعلى الناس اثني عشر درهما، وشرط عليه عمر ﵁ أن يشاطرهم منازلهم فينزل فيها المسلمون، وعلى أن لا يضربوا بناقوس ولا يرفعوا صليبا إلا في جوف كنيسة، وعلى أن لا يحدثوا كنيسة إلا ما في أيديهم، وعلى أن لا يمرّ خنزير

стр. 833

بين أظهر المسلمين، وعلى أن يقروا ضيفهم يوما وليلة، وعلى أن يحملوا راجلهم من رستاق (١) إلى رستاق، وعلى أن يناصحوهم ولا يغشوهم، وعلى أن لا يمالئوا عليهم عدوّا، فمن وفى وفينا له، ومنعناه مما نمنع منه نساءنا وأبناءنا، ومن انتهك شيئا من ذلك استحللنا بذلك سفك دمه وسباء أهله وماله، فقال له قسطنطين: يا أمير المؤمنين اكتب لي به كتابا (٢)، فقال: نعم، ثم و كّد عمر ﵁ فقال: إلا أن أستثني عليك ميرة الجيش، فقال له النبطي: لك ثنياك، وقبّح الله من أقالك. فلما فرغ قال له قسطنطين: يا أمير المؤمنين، قم في الناس فأعلمهم كتابك لي ليتناهوا عن ظلمي، والعسار علينا، فقام عمر ﵁ فخطب خطبة نبي الله ﷺ ، فلما بلغ «من يهد الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له» قال النبطي: إن الله لا يضل أحدا، فقال عمر ﵁ ما يقول؟ قالوا: يا أمير المؤمنين شيء تكلم به، فعاد عمر ﵁ في الخطبة وعاد النبطي، فقال عمر ﵁: أفترون ما يقول؟ قالوا: يقول إن الله لا يضل أحدا. فقال عمر ﵁: والذي نفسي بيده لئن عدت لها لأضربن الذي فيه عيناك، فمضى عمر ﵁ في خطبته. فلما فرغ قام إليه قسطنطين فقال: يا أمير المؤمنين إن لي إليك حاجة فاقضها لي فإن لي عليك حقا. قال: ما حقك علينا؟ قال: إني أوّل من أقر بالصّغار، قال: وما حاجتك؟ إن كان لك فيها منفعة فعلنا. قال غدا (٣) عندي أنت وأصحابك، قال

стр. 834

عمر ﵁: ويحك إن ذلك يضرك. قال: ولكنها مكرمة وشرف أناله. قال: انطلق فتهيأ حتى نأتيك، فانطلق فتهيأ في كنيسة بصرى ونجّدها وهيأها وهيأ فيها الأطعمة وقباب الخبيص وكانونا عليه المجمر، فلما جاء عمر ﵁ وأصحابه نزل في بعض البيادر، ثم خرج يمشي وتبعه الناس والنبطي بين يديه، ثم بدا لعمر ﵁ فقال: لا يتبعني أحد، ثم مضى هو والنبطي، فلما دخل الكنيسة إذا هو بالسّتور والبسط وقباب الخبيص والمجمر، فقال للنبطي: ويلك لو نظر من خلفي إلى ما هاهنا، أفسدت عليّ قلوبهم، اهتك ما أرى، قال: يا أمير المؤمنين: إني أحب أن تنظروا إلى نعمة الله عليّ. فقال له: إن أردت أن نأكل طعامك فاصنع ما آمرك، فهتك الستور ونزع البسط، وأخرج عنه المجمر، ثم قال له: اخرج إلى رحالنا فأتني بأنطاع، فأخذها عمر ﵁ فبسطها في الكنيسة، ثم عمد عمر ﵁ إلى ذلك الخبيص وما كان هنا فعكس بعضه على بعض، فجعل يحمل بيديه ويجعله على الأنطاع، ثم قال: ادع الناس، فجاؤوا فجثوا على ركبهم وأقبلوا يأكلون، فربما وقعت القطعة من الخبيص في فم الرجل فيقول: إن هذا طعام ما رأيناه، فقال عمر ﵁ (لقسطنطين (١): ويحك أما تسمع؟ كيف لو رأوا ما رأيت؟! فلما فرغوا قال النبطي لمعاوية ﵁: إن الأحبار والرهبان قد اجتمعوا، فهم يريدون أن ينظروا إلى أمير المؤمنين، وإنما عليه أخلاق وسخه مهلهلة فلنحدثه عنها فنعيره ثيابا غير هذه حتى يقضي

стр. 835

جمعته. فقال له معاوية ﵁: أما أنا فلا أدخل في هذا بعد إذ نجوت منه أمس، فقال له النبطي: يا أمير المؤمنين ثيابك قد اتسخت فإن رأيت أن تعطينا (إياها (١) نغسلها ونرمها؟ قال: نعم، فدفع إليه ثيابه واتّزر بكساء، فعمد النبطي فغسل الثياب وتركها في الماء، ثم هيّأ له قميصا مرويّا ورداء قصيبا، فلما حضرته الجمعة قال له عمر ﵁ ايتني بثيابي، قال يا أمير المؤمنين ما جفّت، فنحن نعيرك ثوبين حتى تقضي جمعتك، قال: أرني، فلما نظر إلى القميص قال: ويحك كأنما رفي رفوا اغربهما عنّي وأتني بثيابي. فجاء بها تقطر، فجعل يتناولها، وجعل النبطي يأخذ بطرف الثوب وعمر ﵁ بالطرف الآخر، فجعل يعصرها ويلبسها، ثم دعا بكرسي من كراسي الكنيسة فقام عليه وجعل يخطب الناس وهو يمسح ثيابه ويمددها - قال فسألته أي شيء كانت ثيابه؟ قال غزلي كتان - وجاءت الرهبان فقاموا وراء الناس وعليهم القلانس تبرق بريقا ومعهم عصي عليها صفائح الفضة ومعهم المواكب، فلما نظروا إليه وإلى هيئته قالوا: أنتم الرهبان. لا والله. ولكن هذه الرهبانية؟! وما أنتم عنده إلا ملوك. ثم ارتحل حتى أتى دمشق فشاطرهم منازلهم وكنائسهم، وجعل يأخذ الحيز القبلي من الكنيسة لمسجد المسلمين لأنها أنظف وأطهر وجعل يأخذ هو بطرف الحبل والنبطي بطرف الحبل حتى شاطرهم منازلهم، قال: فربما أرخى فأخذ الحبل منه فأعقبه، ففرغ عمر ﵁ من دمشق وحمص.

стр. 836

وبعث أبا عبيدة إلى قنّسرين (١) وحلب ومنبج (٢) ففعل بهم كما فعل عمر ﵁. * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: لما نزل ﵁ جاءه صاحب الأرض فأعطاه عمر ﵁ قميصه ليغسله ويرفوه، وفي عاتقه خرق؛ فانطلق به فغسله ثم رقعه، وقطع قميصا جديدا آخر فأتاه به، وقد أعد قميصه فأعطاه الجديد فرآه عليه وقال ايتني بقميصي فناوله إيّاه. * حدثنا أحمد بن جناب قال، حدثنا عيسى بن يونس، عن إسماعيل، عن قيس قال: لما أتى عمر ﵁ الشام أتي ببرذون فقيل اركبه يا أمير المؤمنين ليراك عظماء الأرض، قال: وإنكم لهناك! إنما الأمر هاهنا وأشار إلى السماء، خلّوا سبيل جملي (٣). * حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا عبد الله بن المبارك عن إسماعيل بن عياش قال، حدثني يحيى الطويل، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ قال: بلغ عمر ﵁ أن يزيد ابن أبي سفيان يأكل ألوان الطعام، فقال لمولى له يقال له يرفأ: إذا علمت أنه قد حضر عشاؤه فأعلمني، فلما حضر عشاؤه أعلمه،

стр. 837

فأتاه عمر ﵁ فاستأذن فأذن له، فدخل فقرب عشاءه فجاء بثريد لحم فأكل عمر ﵁ منها، ثم قرب شواء فبسط يزيد يده وكفّ عمر ﵁ يده، ثم قال: الله يا يزيد ابن أبي سفيان، أطعام بعد الطعام؟! والذي نفس عمر بيده لئن خالفتم عن سنتهم ليخالفن بكم عن طريقهم (١). * حدثنا موسى بن مروان الرّقي قال، حدثنا المعافى بن عمران عن أبان البجلي، عن أبي بكر بن حفص: أن عمر ﵁ غزا إلى الشام وعليها يزيد بن أبي سفيان فدعاه إلى طعامه فإذا بيت مستور، فوضع عمر ﵁ طيلسانه ثم طفق بتلك الستور يقطعها، وأخذ الآخر يقول: أعوذ بالله من غضب الله وغضب أمير المؤمنين، فقال: ويحك أتلبس الحيطان ما لو ألبسته قوما من الناس لسترهم من الحر والقر؟! * حدثنا سعيد بن عامر قال، حدثنا جويرية بن أسماء قال، بعضه عن نافع وبعضه عن رجل من ولد أبي الدرداء قال: دخل أبو الدرداء ﵁ مالا له. ومعه ناس من أصحابه فطافوا فيه، فلما خرجوا قال: كيف رأيتم؟ قالوا: ما رأينا كاليوم مالا أحسن، قال: فإني أشهدكم أن ما خلفت خلف ظهري في سبيل الله، وإن ذلك إلى أمير المؤمنين يضعه حيث رأى، ثم أتى عمر ﵁ فاستأذنه في أن يأتي الشام، قال: لا آذن لك إلا أن تعمل، قال: فإني لا أعمل، قال عمر ﵁: فإني لا آذن لك، قال: فإني أنطلق فأعلّم الناس سنّة نبيّهم ﷺ ، وأصلي بهم،

стр. 838

قال: وكان الناس إذا كان الصيف تفرّقوا في المغازي، وإذا كان الشتاء اجتمعوا في الشتاء فصلى بهم أبو الدرداء ﵁، فأتاهم عمر ﵁ وقد اجتمعوا في الشتاء، فلما كان قريبا منهم أقام حتى أمسى، فلما جنّه الليل قال: يا يرفأ انطلق بنا إلى يزيد ابن أبي سفيان أبصره عنده سمّار ومصباح مفترشا ديباجا وحريرا من فيء المسلمين، تسلّم عليه لا يرد عليك وتستأذن عليه فلا يأذن لك حتى يعلم من أنت، فإذا علم من أنت - فذكر جويرية كراهيته، ولم يحفظ أبو محمد لفظه - قال: فانطلقنا حتى انتهينا إلى بابه، فقال: السلام عليكم، قال: وعليك، قال: أدخل؟ قال: ومن أنت؟ قال يرفأ: هذا من يسوؤك، هذا أمير المؤمنين. ففتح الباب فإذا سمار ومصباح وإذا هو مفترش ديباجا وحريرا من فيء المسلمين. فقال عمر ﵁: يا يرفأ: الباب الباب، ووضع الدّرّة بين أذنيه ضربا، ثم كور المتاع فوضعه في وسط البيت، ثم قال للقوم: لا يبرحن منكم أحد حتى أرجع إليكم، ثم خرجنا من عنده فقال: يا يرفأ انطلق إلى عمرو بن العاص أبصره عنده سمار ومصباح مفترشا ديباجا وحريرا من فيء المسلمين؟ تسلم عليه فيرد عليك وتستأذن عليه فلا يأذن لك حتى يعلم من أنت، فإذا علم - ذكر جويريه: مشقة ذلك على عمرو ﵁ وذكر حلفه واعتذاره، قال عمر ﵁: والله يعلم إنه على غير ذلك - قال: فانتهينا إلى بابه، فقال عمر ﵁: السلام عليكم، قال: وعليك، قال: أدخل؟ قال: ومن أنت؟ قال يرفأ: هذا من يسوؤك، هذا أمير المؤمنين، ففتح الباب، فلما دخل إذا سمار ومصباح وإذا هو مفترش

стр. 839

ديباجا وحريرا من فيء المسلمين، فقال عمر ﵁: يا يرفأ: الباب الباب، ووضع الدّرة بين أذنيه ضربا، وجعل عمرو ﵁ يحلف ثم كوّر المتاع فوضعه في وسط البيت، ثم قال للقوم لا يبرحنّ منكم أحد حتى أعود إليكم، ثم خرجا من عنده فقال عمر ﵁: يا يرفأ انطلق بنا إلى أبي موسى أبصره عنده سمار ومصباح مفترشا صوفا من فيء المسلمين، فتسلم عليه فيردّ عليك، وتستأذن عليه فلا يأذن لك حتى يعلم من أنت، فإذا علم من أنت قال: إن أهل البلد زعموا أن خيرا له أن يلبس، فانطلقنا حتى إذا قمنا على بابه قال: السلام عليكم، قال: وعليك، قال: أدخل؟ قال: ومن أنت؟ قال يرفأ: هذا من يسوؤك، هذا أمير المؤمنين، ففتح الباب فإذا سمار ومصباح وإذا هو مفترش صوفا من فيء المسلمين فقال يا يرفأ: الباب، ثم وضع الدّرّة بين أذنيه ضربا وقال: وأنت أيضا يا أبا موسى؟ قال: يا أمير المؤمنين، أوقد رأيت ما صنع أصحابي، أما والله لقد أصبت مثل الذي أصابوا، قال: فما هذا؟ قال: زعم أهل البلد أن خيرا له أن يلبس، قال: فكوّر المتاع ووضعه وسط البيت، ثم قال للقوم لا يبرحن منكم أحد حتى أعود إليكم، فلما خرجنا من عنده قال: يا يرفأ انطلق بنا إلى أخي أبصره ليس عنده سمار ولا مصباح ليس لبابه غلق، يفترش بطحاء يبوسة (ووسادة) برذعة، عليه كساء رقيق، قد أرهقه (١) البرد، فسلّم عليه فيرد عليك، وتستأذن عليه فيأذن لك قبل أن يعلم من أنت، فانطلقنا حتى إذا قمنا على بابه قال: السلام عليكم، قال وعليك،

стр. 840

قال أدخل:؟ قال: ادخل، فدفع الباب فإذا ليس عليه غلق، فدخلنا إلى بيت مظلم، فجعل عمر ﵁ يلمسه حتى وقع عليه فجسّ وساده فإذا هي برذعة وجسّ فراشه فإذا بطحاء، وجسّ دثاره فإذا كساء رقيق. فقال أبو الدرداء ﵁ من هذا؟ أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قال: أما والله لقد استبطأتك منذ العام، فقال عمر ﵁: رحمك الله، ألم أوسع عليك؟ ألم أفعل بك؟ فقال أبو الدرداء ﵁: أتذكر حديثا حدّثناه رسول الله ﷺ ؟ قال: أيّ حديث؟ قال: «ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب» قال: نعم. قال: فماذا فعلنا بعده يا عمر؟ قال: فما زالا يتجاوبان بالبكاء حتى أضحيا. * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثني غسّان بن عبد الحميد قال: لما قدم عمر ﵁ الشام غدا هو وبلال مولى أبي بكر ﵄، فاستأذن بلال على أبي عبيدة بن الجراح ﵁ فقال: أدخل؟ قال: ادخل، قال: أنا ومن معي؟ قال: أنت ومن معك، فدخل عمر وبلال ﵄ فوجدا أبا عبيدة ﵁ جالسا على خصّ ليس في بيته غيره، ورآه عمر ﵁ في حال شديدة اشتدت عليه، فكلمه في بعض ذلك، فقال: كفاك ما بلغك المقيل، ثم خرجنا من عنده فذهبنا إلى منزل خالد ابن الوليد ﵁، فاستأذن بلال ﵁ فقال: أدخل أنا ومن معي؟ قال: ادخل أنت ومن معك، فدخلا فوجدا خالدا يصلح نبلا له، ورأى عمر ﵁ في بيته صندوقا فظن أن فيه مالا، ففتحه عمر ﵁ فإذا فيه أدراع من حديد فسكت

стр. 841

وخرج هو وبلال ﵄ حتى وقفا على باب عمرو بن العاص ﵁، فقال بلال ﵁: أدخل؟ قال: ادخل. قال: أدخل أنا ومن معي؟ قال: لا، قال: أأدخل أنا ومن معي؟ قال: لا يدخل من معك ولو كان عمر بن الخطاب، فرجعا عن بابه ولم يدخلا. * حدثنا محمد بن أبي أسامة الرّقّي قال، حدثني أبي، عن جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم قال: خرج عمر ﵁ ومعه بلال المؤذن ﵁ فجعل يأتي بيوت ناس من العمال فيستأذن فإذا أذن له قال: أنا ومن معي، قال فيدخل عمر ﵁ وهو متنكر فيفتش بيوتهم. فدخل على خالد بن الوليد ﵁ ففتش بيوته فلم يجد فيها إلا متاع الغازي فقال خالد ﵁: أما والله لولا الله والإسلام ما فتشت بيت رجل بعدي، فكانت ميمونة إذا ذكرت خالدا قالت: فداك أبي وأمي. * حدثنا موسى بن مروان الرّقي قال، حدثنا المعافى بن عمران عن صفوان بن عمرو قال، حدثني سليم بن عامر قال: قدم عمر ﵁ الجابية فقضى بين الناس، فلما أظهر توجه إلى أبي عبيدة، ثم قال: نحو منزلك يا أبا عبيدة، فقال: مرحبا وأهلا يا أمير المؤمنين، ثم سبقه أبو عبيدة إلى منزله، فلما دخل قالت امرأة أبي عبيدة: مرحبا يا أمير المؤمنين، قال: فلانة؟ قالت: نعم فلانة. قال: والذي نفس عمر بيده لأسوأنك. قالت: إياي تعني؟ وقالت: والله ما تقدر على ذاك، فأعاد عليها مثل قوله، وأعادت عليه مثل قولها، فغضب، فلما رأى أبو عبيدة غضبه،

стр. 842

قال: بلى والله يا أمير المؤمنين إنك لتقدر على ذلك، فقالت: والله ما هو على ذلك بقادر، قال عمر ﵁: إنك لتدلين بدالّة. قالت: هل تستطيع أن تسألني الإسلام فتذهب به؟ قال: لا والله، قالت: فلا والله ما أبالي ما كان بعد، فقال عمر ﵁: أستغفر الله، ثم سلّم فانطلق. قال صفوان: فقلت لسليم: ما كان غضبه عليها؟ قال: بلغني أن امرأة عظيم دمشق من الأعاجم حين فتحت دمشق أهدت إليها عقدا فيه خرزة لؤلؤ وجزع، لعله لا يساوي إلا ثلاثمائة درهم. * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا عثمان بن عبد الحميد قال: أرسل عمر ﵁ إلى أبي عبيدة بخمسمائة دينار، فعمد إليها أبو عبيدة فقسمها كلها، فكانت امرأته تقول: والله لقد كان ضرر دخول تلك الدنانير علينا أكثر من نفعها، ثم إن أبا عبيدة عمد إلى خلق ثوب كنا نصلي فيه فشققه، ثم جعل يصرّ فيه من تلك (الدنانير (١) الذهب ويبعث بها إلى مساكين، فقسمها عليهم حتى فنيت. * حدثنا هارون بن محمد المخزومي قال، حدثنا محمد بن سعيد بن المفضل، عن أبيه قال، حدثنا الأوزاعي قال: بلغنا أن عمر ﵁ لما بلغته وفاة يزيد - يعني ابن أبي سفيان - لقي أبا سفيان فقال له: يا أبا سفيان احتسب يزيد. قال: فمن ولّيت مكانه؟ قال: معاوية. قال: وصلتك رحم، أتقره عليها؟ قال: نعم. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال: فتوفي عمر ومعاوية - رضي

стр. 843

الله عنهما - على الشام (أربعين سنة، أربع (١) سنين آخر ولاية عمر ﵁، وأقرّه عثمان ﵁، عليها - خلافته - ثنتي عشرة سنة، وقاتل عليّا ﵁ خمس سنين، وأقام خليفة ما بين تسع عشرة سنة إلى عشرين، فكان واليا على الشام أربعين سنة وأشهرا (٢). * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال، أخبرني إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف: أنه قدم وفد عبد القيس على عمر ﵁ فأذن لهم فدخلوا عليه، فقضى بينهم، وقضى من حوائجهم، فبينا هم كذلك غلبته عينه فقال رجل منهم: ما رأيت امرأ قط خيرا من هذا، فاستيقظ عمر ﵁ فكلمه فقال: أكنت رأيت أبا بكر الصديق ﵁؟ قال: لا، فقال: أما والله لو كنت رأيته لثكّلت بك. * حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا عبد العزيز بن عبد الله ابن أبي سلمة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال عمر ﵁: أبو بكر سيدنا وأعتق سيّدنا - يعني بلالا -. * حدثنا الأصمعي قال، حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن قال: مرّ عمر ﵁ بقوم يقولون كان أبو بكر ﵁

стр. 844

ولم تكن له مثل شدّة عمر، فقال: أيا شرّ يحيى، أيا ملكعان (١)، أيا كذا. * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أن ناسا من بني ثعلبة أتوا عمر ﵁ فقالوا: أرضنا (عليها) (٢) قاتلنا في الجاهلية، وأسلمنا عليها في الإسلام؛ حميت علينا، فجعل عمر ﵁ يقول: البلاد بلاد الله، تحمى لنعم مال الله، وما أنا بفاعل، وجعل يفتل شاربه، وكان يفعل ذلك إذا همّ (٣). * حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثني مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أن عمر ﵁ استعمل مولى له يدعي هنيّا (٤) على الحمي، وقال له: اضمم جناحك عن الناس، واتق دعوة المظلوم؛ فإن دعوة المظلوم مجابة، وأدخل رب الصريمة (٥) ورب الغنيمة، وإياي ونعم ابن عوف، وإياي ونعم ابن عفان؛

стр. 845

فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخل وزرع، وإن ربّ الغنيمة وربّ الصريمة إن تهلك ماشيته جاءني ببنية فقال: يا أمير المؤمنين أفتاركهم تالله: لا أبالك (١)، فالماء والكلأ أهون عليّ من الذهب والورق، وايم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم، وإنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام، ووالذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا عامر بن صالح قال، حدثني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب: أن عمر ﵁ حمى الرّبذة، وأن عثمان ﵁ حمى السّرف (٢). * حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد: أن عمر ﵁ كان يحمل في العام الواحد على أربعين ألف بعير، يحمل الرجل إلى الشام على بعير، ويحمل الرجلين (٣) إلى العراق على بعير، فجاءه رجل من أهل العراق فقال: احملني وسحيما، فقال له عمر ﵁: أنشدك الله أسحيم زقّ (٤)؟ قال: نعم.
следующие страницы →