عن محمد (بن سيرين (١) قال: نبئت أن عمر ﵁ لما أصيب جاء صهيب ﵁ فجعل يقول: وا أخاه، وا صاحباه.
فقال عمر ﵁: ألم يعلم أو لم يسمع أن المعول عليه يعذب؟ * حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا جرير بن عثمان قال، حدثنا حبيب بن عبيد الرحبي (٢) عن المقدام بن معدي كرب (٣):
أنه دخل على عمر ﵁ فلما خرج من عنده دخلت عليه حفصة فقالت: يا أمير المؤمنيناه ويا صاحب رسول الله ويا خليفة رسول الله. فقال عمر ﵁ أقعدوني (٤) ولا صبر لي على ما أسمع. ثم قال: إني أعزم عليك، قال: عليك من الحق أن لا تندبيني (٥) بعد مجلسك هذا (فأما عينيك (٦) فلن أملكهما إنه ليس من ميّت يندبه أهله إلا والملائكة تمقته.
* حدثنا أبو داود قال، حدثنا أبو عوانة، عن عبد الملك
стр. 912
ابن عمير، عن أبي بردة، عن أبي موسى ﵁ قال: دخل صهيب على عمر ﵁ وقد طعن فقعد بحياله يبكي، فقال أعليّ تبكي؟ فقال: إني والله لعليك أبكي، قال: أما والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه (١).
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس ﵁ قال: أعول عليه صهيب، فقال عمر ﵁: يا صهيب إن المعول عليه يعذب (٢).
* حدثنا أحمد بن موسى قال، حدثنا زهير - يعني ابن معاوية - عن سليمان التيمي قال: انتهيت إلى محمد بن موسى وهو يقول:
والله لا نبالي من قال فيه بعد قول عمر ﵁، قال صهيب:
وا عمراه، قال عمر ﵁ مهلا يا صهيب؛ إن المعول عليه يعذب. قيل لسليمان: أحين طعن عمر ﵁؟ قال: نعم.
* حدثنا عبد الواحد بن غياث قال، حدثنا سالم بن أبي راشد قال، حدثنا ابن أبي عامر، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس ﵄ قال: جلست بالباب فإذا صهيب ﵁ قد دخل وهو يهتف، وا حبيباه، وا خليلاه، وا عمراه. فقال عمر ﵁: مهلا يا أخي، أما بلغك أن المعول عليه يتعذب ببعض بكاء أهله؟
стр. 913
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد بن سلمة قال، أنبأنا يوسف بن سعد، عن عبد الرحمن بن (نصير أبو حميد (١) الحضرمي عن شداد بن أوس، أن كعبا قال: فكان في بني إسرائيل ملك إذا ذكرناه ذكرنا عمر بن الخطاب ﵁، وإذا ذكرنا عمر ﵁ ذكرناه، وكان إلى جنبه نبيّ يوحى إليه، فأوحى الله إلى النبي أن مره أن يعهد ويوصي؛ فإنه ميّت إلى ثلاثة أيام، فأخبره النبي بذلك، فلما كان اليوم الثالث وقع بين الجدر (٢) والسرير، ثم جأر إلى الله فقال: اللهم إن كنت تعلم أني أحكم بالعدل، وإذا اختلفت الأمور اتبعت هواك، وكنت وكنت، فزد في عمري حتى يكبر طفلي وتربو أمتي، فأوحى الله إلى النبي: أنه قال كذا وكذا، وأنه قد صدق، وإني قد زدت في عمره خمس عشرة سنة، ففي ذلك ما يشد طفله وتربو أمته، فلما طعن عمر ﵁ قال كعب: والله لئن سأل عمر ربّه أن يبقيه ليبقينّه، فأخبر عمر ﵁ بذلك. فقال: اللهم اقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم (٣).
* حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبيد الله بن وهب قال، حدثني يونس عن ابن شهاب، أن كعبا قال: لو دعوت الله يا أمير المؤمنين أن يزيد في عمرك؟ قال: انظر ما تقول يا كعب،
стр. 914
قال: إن رجلا من بني إسرائيل كان على مثل ما أنت عليه من الحق فبينما هو يقضي بين الناس في مجلسه إذ جاءه ملك الموت فتوارى عن مجلسه كراهية للموت، ثم دعا الله أن ينسئ في أجله ليعدل بين الناس فأنسأ في أجله خمس عشرة سنة.
* حدثنا وهيب بن جرير قال، حدثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة قال: سمع عمر ﵁ صوتا قال لابن عباس ﵁: اخرج فانظر ما هذا الصوت؟ فخرج فسأل الناس فقالوا: ارجع إلى أمير المؤمنين فأخبره أن كعبا يقول: لو أن أمير المؤمنين أقسم على الله أن يؤخره لأخره، فقال ابن عباس ﵄: ما كنت لأخبر أمير المؤمنين عن كعب بشيء حتى أسمعه منه، فأتاه كعب فسأله فقال: نعم، لو أن أمير المؤمنين يقسم على الله أن يؤخره لأخره، فرجع ابن عباس ﵄ إلى عمر ﵁ فأخبره، فقال: إذن والله لا أقسم على الله (١).
* حدثنا خلاد بن يزيد قال، حدثنا نافع، عن ابن مليكة بنحوه، وزاد: لا أقسم على ربي، ولا أسأله أن يؤخرني، ويل لي، ويلي لأمي إن لم يغفر لي، لو أن لي ما على الأرض لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه.
* حدثنا عبد الواحد بن غياث قال، حدثنا أبو جميع قال، حدثنا أبو عامر الخزاز، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله ابن عباس ﵁ قال: لما أصيب عمر ﵁ كنت فيمن حمله وأدخلناه البيت فقال: يا ابن أخي اذهب فانظر من
стр. 915
أصابني، ومن أصيب معي، قال: وكان يقول إذا بعثت أحدكم في حاجة فليرجع إلىّ فليخبرني فإني أنسى - قال: فخرجت فنظرت ورجعت إليه لأخبره فإذا البيت قد امتلأ، فجلست عند الباب، ودخل كعب فأخذ بعضادتي الباب وقال: كيف ترون أمير المؤمنين؟ قالوا: ما تراه مغش عليه. قال: والذي أنزل التوراة على موسى، وأنزل الإنجيل على عيسى، وأنزل الفرقان على محمد إن دعا أمير المؤمنين ليبقيه الله (١) لهذه الأمة حتى يأمر فيهم بأمره ويقضي فيهم بقضائه ليرفعنّه، فلما سمعت ذلك تخطّيت الناس حتى جلست عند رأسه فقلت: يا أمير المؤمنين إنك بعثتني أنظر من أصابك، أصابك أبو لؤلؤة، وأصيب معك ثلاثة عشر وقتل كليب الجزار عند المهراس، وهذا كعب يحلف بالله الذي أنزل التوراة على موسى والإنجيل على عيسى والفرقان على محمد لئن أمير المؤمنين دعا ربه أن يرفعه لهذه الأمة (فقال ادع إلي كعبا فدعي فقال ما تقول. قال: أقول كذا - قال لا والله لا أدعو (٢) ولكن ويل لعمر من النار إن لم يرحمه ربه - ثلاثا.
* حدثنا عبد الله بن رجاء، ومحمد بن الزبير قالا، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: شهدت عمر ﵁ يوم طعن؛ أدخل فقال ادعو إليّ الطبيب، فقال أي الشراب أحب إليك؟ قال: النبيذ. قال فسقي نبيذا فخرج من بعض
стр. 916
طعناته، فقال الناس من حوله: هذا صديد فاسقوه لبنا، فسقي لبنا فخرج فقال الطبيب: فما كنت فاعلا فافعل (١).
* حدثنا القعنبي قال، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب قال: دعي لعمر ﵁ الطبيب فسقاه نبيذا فخرج من جروحه مختلطا بدم فدعي بلبن فسقاه فخرج أبيض، فقال له الطبيب: اعهد يا أمير المؤمنين.
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا أبو هلال المراسي قال، حدثنا الحسن: أن عمر ﵁ حين طعن قالوا: لا بأس عليك يا أمير المؤمنين، قال: إن كان عليّ بأس (فقد قتلت (٢) فقالوا: لو شربت نبيذا، فشربه فخرج من جراحته، فقالوا: إنه صديد فقال ائتوني بلبن، فشربه فخرج من جزاحته.
* حدثنا الحسن بن عثمان قال، كتب إليّ عبد الله بن صالح قال، حدثنا الهقل بن زياد، عن معاوية بن يحيى الصدفي قال، حدثنا الزهري قال، حدثني سالم قال، سمعت عبد الله قال، قال عمر ﵁: أرسلوا إلى الطبيب فينظر إلى جرحي هذا، قال فأرسلوا إلى طبيب من العرب فسقاه نبيذا فشبّه النبيذ (بالدم (٣) حين خرج من الطعنة التي تحت السرة قال فدعونا طبيبا من الأمصار من بني معاوية فسقاه لبنا فخرج مصلدا (٤) أبيض فقال: يا أمير المؤمنين
стр. 917
اعهد، فقال عمر ﵁: صدقني أخو بني معاوية، ولو قلت غير ذلك كذبتك، فبكى عليه القوم حين سمعوا ذلك، فقال عمر ﵁: لا تبكوا علينا، من كان باكيا فليخرج؛ ألم تسمعوا ماذا قال رسول الله ﷺ ؟! قال: «يعذب الميّت ببكاء أهله».
* حدثنا سالم بن نوح قال، حدثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن عمر ﵁ لما طعن دخلت عليه حفصة، وإنه يغشى عليه، فصرخت، فقال: اسكتي يا بنية، أما سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن الميت يعذب ببكاء الحيّ؟».
* قال ابن المبارك في حديثه: لما طعن عمر ﵁ وأدخل البيت جاءت حفصة تقول: أبي أبي، أخرج؟ فقالوا: الناس.
فقالت: لتخرجن عني أو لأخرجن؟ فقال عمر ﵁: أمكم تستأذن، فخرج الناس، فلما نظرت إليه - ضعفت بدنه - فقال:
يا بنية إنما يبكى الكافر - أو يبكى الكافر.
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد بن سلمه (ثابت عن (١) أنس ﵁: أن عمر ﵁ لما طعن أعولت حفصة ﵂، فقال عمر ﵁: يا حفصة، أما سمعت النبي ﷺ يقول: إن المعول عليه يعذب؟.
стр. 918
* حدثنا سعيد بن عامر، عن محمد بن عمرو بن علقمة قال:
كان أبو لؤلؤة مجوسيا.
* حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال، حدثنا أيوب، عن ابن أبي مليكة قال: دخل رجل على عمر ﵁ وهو يألم فقال يا أمير المؤمنين إن كنت لأراك - كأنه يعني الجلد، والله لئن كان الذي تخاف لقد صحبت رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته، وفارقك وهو عنك راض، وصحبت أبا بكر ﵁ فأحسنت صحبته، وفارقك وهو عنك راض، وصحبت المسلمين فأحسنت صحبتهم ولئن فارقتهم وهم عنك راضون، فقال عمر ﵁: أما ما ذكرت من صحبتي رسول الله ﷺ ورضاءه عني فإنما ذلك منّ من الله منّ عليّ به، وأما ما ذكرت من صحبتي أبا بكر ﵁ ورضاه عني فإنما ذاك منّ من (١) الله منّ به عليّ، وأما ما تري فيّ من الألم فإنما ذاك من صحبتكم، والله لو أن لي ما على الأرض من شيء لافتديت به من عذاب الله من قبل أن أراه (٢).
* حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد قال: لما طعن عمر ﵁ دعا بلبن فشربه فخرج منه فجعل جلساؤه يثنون عليه. فقال: إنّ من غرّه عمر لغار (٣) والله لوددت
стр. 919
أني لم أدخل فيها، والله إني لو كان لي ما على وجه الأرض لافتديت به من هول المطلع.
* حدثنا علي بن عاصم قال، أخبرني داود، عن عامر قال:
لما طعن عمر ﵁ دخل عليه ابن عباس ﵄ والناس عنده، فسلم ثم قال: يا أمير المؤمنين، أبشر ببشرى الله، كان لك القدم في الإسلام، وصحبة رسول الله ﷺ ، وتوفي وهو عنك راض، ووليت فعدلت، ثم قتلت شهيدا، قال:
ويحك أعد عليّ ما قلت، فأعاد فتنفّس عمر ﵁ تنفسا كادت نفسه تخرج معه، ثم قال: والله إن المغرور لمن غررتموه، ولو أن لي ما على الأرض من صفراء وبيضاء لافتديت بها من هول المطلع.
* حدثنا أبو داود قال، حدثنا أبو عوانة عن داود بن عبد الله الأودي، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري (١) قال: خطبنا ابن عباس ﵄ على منبر البصرة فقال: أنا أوّل من دخل على عمر ﵁ حين طعن، فقلت له: أبشر فقد صحبت رسول الله ﷺ فأطلت صحبته، ووليت فعدلت، وأدّيت الأمانة. فقال: إنما تبشيرك إياي بالجنة، فوالذي نفسي بيده لو أن لي ما على الأرض من صفراء وبيضاء لافتديت (٢) بها مما هو
стр. 920
أمامي قبل أن أعلم الخبر، وأما قولك استخلفت فعدلت، فوالله لوددت أن ذاك كفاف لا عليّ ولا لي، وأما ما ذكرت من صحبة رسول الله ﷺ فذاك.
* حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال حدثنا شعبة قال، (حدثنا عمر بن يونس أبو القاسم (١) اليمامي قال سمعت ابن عباس ﵄ يقول: لما طعن عمر ﵁ دخلت عليه فجعلت أثني عليه، فقال: بأيّ شيء تثني عليّ؛ بالإمرة أم بغيرها؟ فقلت بكلّ، فقال: والله لوددت أني أفلت منهما كفافا لا أجر ولا وزر (٢) * حدثنا مسعر، عن سماك الحنفي، عن ابن عباس ﵄ قال: أتيت عمر ﵁ فقلت: مصّر الله بك الأمصار، وفتح الفتوح، وفعل وفعل. فقال: وددت أني نجوت منها لا أجر ولا وزر (٣).
* حدثنا عمرو بن قسط قال، حدثنا الوليد بن مسلم، عن أبي عمرو - يعني الأوزاعي - قال، حدثني سماك الحنفي، قال حدثني عبد الله بن عباس ﵄ قال: دخلت أنا والمسور ابن مخرمة على عمر ﵁ حين طعن فقلت: أبشر يا أمير المؤمنين؛ فإن الله قد مصّر بك الأمصار، ودفع بك النفاق، وأفشى (٤)
стр. 921
بك الرزق. فقال: أفي الإمارة تثني عليّ يا ابن عباس؟ قلت: إي والله، وفي غيرها، قال: فوالله لوددت أني خرجت منها فلا لي ولا عليّ.
* حدثنا أبو عاصم قال حدثنا سهل السراج قال، قال رجل عند الوليد بن عبد الملك: قال عمر ﵁: لوددت أني أفلت من هذا الأمر كفافا، فقال الوليد: كذبت، أيقول هذا خليفة الله؟ فقال الرجل: أو كذبت - قال: أو ذاك.
* حدثنا الحجاج بن نصير قال، حدثنا قرّة بن خالد، عن محمد بن سيرين قال، قال ابن عباس ﵄، قلت لعمر والله لا يمس جلدك النار، قال: والله إن علمك بذاك لقليل (١).
* حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا عمرو بن الحارث، أن أبا النصر حدثه، عن سليمان بن يسار: أن عمر ﵁ حين حضرته الوفاة قال له المغيرة بن شعبة: هنيئا لك يا أمير المؤمنين الجنة. قال: يا ابن أم المغيرة، وما يدريك؟ والذي نفسي بيده لو كان لي ما بين المشرق والمغرب لافتديت به من هول المطلع.
قال ابن المبارك في حديثه، فحدثنا عباد المنقري، عن الحسن قال: دخلوا عليه فقالوا ليس عليك يا أمير المؤمنين بأس، فقال:
إن يكن بالقتل بأس فقد قتلت، فقالوا: أما فجزاك الله خيرا؛ فلقد كنت وكنت. قال: وتغبطونني بها؛ لو أني خرجت منها كفافا؟
стр. 922
يقول الحسن: يا سبحان الله فصاحب كل يوم مبارك يقول: لوددت أني نجوت منها كفافا (١)؟ * حدثنا عامر بن مدرك الحارثي قال، حدثنا عبد الواحد بن أيمن، عن أبي جعفر قال: لما طعن عمر ﵁ اشتد جزعه فقال ابن عباس ﵄: يا أمير المؤمنين ما يجزعك؟ فوالله إن كان إسلامك لفتحا، وإن كانت خلافتك ليمنا، ولقد ملأت الأرض عدلا. فقال: يا ابن أخي أتشهد بذاك لي عند ربك، فكأنه كعّ (٢) فقال له عليّ (٣): نعم اشهد وأنا معك أشهد أنا معك.
* حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن رجاء قالا، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: دخل عليه كعب الأحبار فقال: «الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ» (٤) قد أنبأتك أنك شهيد فقلت: من أين لي بالشهادة وأنا في جزيرة العرب (٥)؟.
* حدثنا أبو بكر العليمي قال، حدثنا النضر بن شميل قال،
стр. 923
حدثنا ابن المبارك قال، حدثني مولى لآل بن عفان: أن عمر ﵁ أمر صهيبا أن يصلي بالناس ثلاثا، وقال: لا يأتينّ عليكم ثالثة - أو لا يخلونّ عليكم ثالثة حتى تبايعوا لأحدكم - يعني أهل الشورى - ثم اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، ولا تشاقوا ولا تنازعوا وأطيعوا الله ورسوله والأمير (١).
* حدثنا حبان بن بشر قال حدثنا يحيى بن آدم قال، حدثنا ابن إدريس عن طلحة بن يحيى بن طلحة، عن عيسى بن طلحة وعروة بن الزبير قالا، قال عمر ﵁ حين طعن: ليصل بكم صهيب ثلاثا، ولتنظروا طلحة، فإن جاء إلى ذلك وإلا فانظروا في أمركم؛ فإن أمة محمد ﷺ لا تترك فوق ثلاث سدى، قال له عثمان: إنك لم يفتك من الأمر شيء، فقال له طلحة: إذا صلّيت الظهر فاجلس على المنبر، فلما جلس على المنبر قام إليه طلحة فبايعه.
* حدثنا سعيد بن عامر قال، أنبأنا جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: كان رأس عمر ﵁ في حجري حين أصيب، فقال لي: يا عبد الله ضع رأسي بالأرض فجمعت ردائي تحت رأسه فمات وإن خدّه لعلى الأرض، وقال: ويل لعمرو ويل أمه إن لم يغفر الله له.
* حدثنا القعنبي قال، حدثنا مالك بن أنس، عن يحيى
стр. 924
ابن سعيد، عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان عن أبيه عن عثمان ابن عفان (١) ﵁ قال: أنا آخركم عهدا بعمر ﵁، دخلت عليه ورأسه في حجر (٢) ابنه عبد الله بن عمر فقال له، ضع خدّي بالأرض، فقال: هل حجري والأرض إلا سواء؟ قال:
ضع خدي بالأرض لا أمّ لك - في الثانية أو الثالثة - ثم شبك رجليه فسمعته يقول: ويل لي وويل لأمي إن لم يغفر الله لي. حتى فاضت نفسه.
* حدثنا سليمان بن حرب قال، حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الرحمن بن أبان ابن عثمان، عن أبيه، عن عثمان ﵁ قال: أنا آخر الناس عهدا بعمر ﵁؛ دخلت عليه ورأسه في حجر ابن له فقال له: ضع خدي بالأرض، فأبى، فقال: ضع خدي بالأرض لا أمّ لك، ففعل، فقال: الويل لأمي إن لم يغفر الله لي، فلم يزل يقولها حتى خرجت نفسه.
* حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، سمعت عبد الله بن عمر يحدث، عن عاصم بن عبيد الله، عن أبان بن عثمان عن عثمان بن عفّان ﵁ قال: أنا آخر الناس عهدا بعمر ﵁؛ دخلت عليه وهو في المغرب ورأسه في حجر عبد الله بن عمر ﵄، فقال له: يا بني ضع خدّي بالأرض، فقال له ما حجري والأرض إلا سواء، فقال له:
стр. 925
يا بني ضع خدي بالأرض، فقال له: مثل ذلك، فقال له في الثالثة:
ضع خدي بالأرض لا أمّ لك، فوضع خدّه بالأرض، فقال: ويل عمر وويل أمه إن لم يغفر الله له، ثم مات ﵀ (١).
* حدثنا سعيد بن عامر، عن شعبة، عن عاصم، عن عبد الله ابن عامر بن ربيعة قال: رأيت عمر ﵁ أخذ تبنة من حائط (٢) فقال: يا ليتني كنت هذه التّبنة يا ليتني لم أخلق (٣)، يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني لم أك شيئا، يا ليتني كنت نسيا منسيّا.
* حدثنا موسى بن مروان الرّقي قال، حدثنا بقية بن الوليد عن أبي مرثد اللبكي عبد الله بن العوذ، عن من حدثه: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا ليتني كنت حائكا أعيش من عمل يدي.
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: لما طعن عمر ﵁ قالوا له:
استخلف، قال: لا، والله لا أتحملكم حيّا وميتا، ثم قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني: يعني أبا بكر ﵁، وإن أدع فقد ودع (٤) من هو خير مني: يعني النبي صلى الله عليه
стр. 926
وسلم، قالوا: جزاك الله يا أمير المؤمنين خيرا، قال ما شاء الله راغبا راهبا، ثم قال وددت أني أفلت كفافا لا لي ولا عليّ (١).
* حدثنا أبو داود قال، حدثنا أبو عوانة، عن داود بن عبد الله الأودي، عن حميد بن عبد الرحمن (٢) الحميري قال، خطبنا ابن عباس ﵄ على منبر البصرة فقال: قيل لعمر ﵁: استخلف، فقال: إن ذلك فعلت فقد فعله من هو خير مني؛ وإن أكل الناس إلى أنفسهم فقد فعله رسول الله ﷺ ، وإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر ﵁.
* حدثنا عمرو بن مرزوق قال، حدثنا عاصم بن محمد، عن أبيه قال: قيل لعمر ﵁: استخلف: فقال: لوددت أني نجوت منها كفافا لا لي ولا عليّ (٣).
* قال ابن المبارك في حديثه، حدثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم قال، قال عبد الله بن عمر ﵄ بعد ما طعن عمر: يا أمير المؤمنين، ما عليك لو أجهدت نفسك، ثم أمّرت رجلا؟ فقال: أقعدوني، قال: عبد الله فتمنّيت لو أن بيني وبينه عرضى المدينة؛ فرقا منه حين قال أقعدوني، ثم قال: من أمّرتم بأفواهكم؟ قلت: فلانا، فقال: إن تؤمّروه فأره ذا شيبتكم،
стр. 927
ثم أقبل على عبد الله فقال: أثكلتك أمك: أرأيت الوليد ينشأ مع الوليد وليدا، ثم ينشأ معه شابّا ثم ينشأ معه كهلا، أتراه يعرف من خلقه؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فبماذا أحاجّ رب العالمين إذا سألني من أمّرت عليكم؟ فقلت: فلانا، وأنا أعلم منه ما أعلم، كلاّ والذي نفسي بيده لأردّنّها إلى الذي دفعها إليّ، والله لوددت أنه كان عليها من هو خير مني لا ينقصني ذلك مما أعطاني الله شيئا.
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا الحسن، وعبد الله بن بريدة قالا: لمّا طعن عمر ﵁ قيل له: لو استخلفت؟ قال: لو شهدني أحد رجلين استخلفته - إني قد اجتهدت ولم أتم - أو وضعتها موضعها؛ أبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة.
* حدثنا محمد بن الصبّاح قال، حدثنا إسماعيل بن زكرياء عن عاصم الأحول قال، قلت للشعبي يا أبا عمرو، ما منع عمر ﵁ أن يستخلف عبد الله بن عمر ﵁؛ وقد كان من هجرته ما قد علمت، ومن ورعه ما قد رأيت؟ قال: أما إنه قد قال أدخلوه وأشهدوه، وليس منها في شيء؛ فإن يكن خيرا فقد استكثرنا منه، وإن يكن شرا فشرّ عنا إلى عمر فشرّ عنا إلى عمر ثلاثا (١).
стр. 928
* حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم قال، قال عمر ﵁: يأمرونني أن أبايع لرجل لم يحسن (أن (١) يطلّق امرأته.
* حدثنا هارون الدمشقي قال، حدثنا محمد بن عيسى، عن عمر بن يزيد قال: كتب عمر عبد الله بن عمر في الشورى، فقال رجل: استخلفه فإنه ابن أمير المؤمنين ومن المهاجرين الأولين. فقال عمر ﵁: وقد قيلت! والله ليمحينّ منها، كفى آل عمر منها الكفاف لا علينا ولا لنا (٢).
* حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا جرير بن عبد الحميد عن الأعمش، عن إبراهيم قال، قال عمر ﵁: تأمرونني أن أبايع لرجل لم يحسن يطلّق امرأته (٣).
* حدثنا أبو داود قال، حدثنا أبو عوانة، عن داود بن عبد الله الأودي، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري قال، خطبنا ابن عباس ﵄ فقال: أنا أوّل من دخل على عمر ﵁ حين طعن، فقال لي: يا ابن عباس احفظ عني ثلاثا: إني لم أستخلف على الناس خليفة، ولم أقض في الكلالة قضاء، وكل مملوك لي عتيق (٤).
стр. 929
* حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة قال، قال ابن شهاب، حدثنا عروة، أن مروان ابن الحكم حدّثه: أن عمر ﵁ قال حين طعن: إني رأيت في الجدّ رأيا، فإن رأيتم أن تتبعوه فاتبعوه، فقال عثمان: إن نتبع رأيك فإنه رشد، وإن نتبع رأي الشيخ قبلك فنعم ذو الرأي كان.
* وحدثنا محمد قال، حدثنا موسى بن عقبة قال، حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر ﵁ أخبره: أن عمر رضي الله غسّل وكفّن وصلّي عليه، وكان شهيدا.
وقال عمر ﵁ إذا مت فتربصوا (١) ((٢) ثلاثة أيام، وليصل بالناس صهيب، ولا يأتين اليوم الرابع إلا وعليكم أمير منكم، ويحضر عبد الله بن عمر مشيرا - ولا شيء له من الأمر - وطلحة شريككم في الأمر؛ فإن قدم في الأيام الثلاثة فأحضروه أمركم، وإن مضت الأيام الثلاثة قبل قدومه فاقضوا أمركم، ومن لي بطلحة؟! فقال سعد بن أبي وقاص: أنا لك به، ولا يخالف إن شاء الله، فقال عمر: أرجو ألا يخالف إن شاء الله، وما أظن أن يلي إلا أحد هذين الرجلين؛ عليّ أو عثمان؛ فإن ولي عثمان فرجل فيه لين، وإن ولي عليّ ففيه دعابة وأحر به أن يحملهم على طريق الحق، وإن تولوا سعدا فأهلها هو، وإلا فليستعن به الوالي؛ فإني لم أعزله عن خيانة ولا ضعف، ونعم ذو الرأي عبد الرحمن بن عوف، مسدّد رشيد، له
стр. 930
من الله حافظ، فاسمعوا منه، وقال لأبي طلحة الأنصاري: يا أبا طلحة إن الله طالما أعز الإسلام بكم، فاختر منهم، وقال للمقداد ابن الأسود: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلا منهم، وقال لصهيب: صلّ بالناس ثلاثة أيام، وأدخل عليا وعثمان والزبير وسعدا وعبد الرحمن بن عوف وطلحة - إن قدم - وأحضر عبد الله بن عمر - ولا شيء له من الأمر - وقم على رؤوسهم، فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلا وأبى واحد فاشدخ رأسه - أو اضرب رأسه - بالسيف، وإن اتفق أربعة فرضوا رجلا منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما، فإن رضي ثلاثة رجلا منهم وثلاثة (١) رجلا منهم فحكموا عبد الله بن عمر؛ فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلا منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس.
فخرجوا فقال عليّ لقوم كانوا معه من بني هاشم: ان أطيع فيكم قومكم لم تؤمروا أبدا، وتلقّاه العباس فقال: عدلت عنا. فقال:
وما علمك؟ قال: قرن بي عثمان، وقال كونوا مع الأكثر؛ فإن رضي رجلان رجلا، ورجلان رجلا، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن ابن عوف، فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون فيوليها عبد الرحمن عثمان أو يوليها عثمان عبد الرحمن، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني، بله أني لا أرجو
стр. 931
إلا أحدهما، فقال العباس: لم أرفعك في شيء إلا رجعت إليّ مستأخرا بما أكره؛ أشرت عليك عند وفاة رسول الله ﷺ أن تسأله فيمن هذا الأمر فأبيت، وأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر فأبيت، وأشرت عليك حين سمّاك عمر في الشورى أن لا تدخل معهم فأبيت؛ احفظ عني واحدة: كلما عرض عليك القوم فقل لا إلا أن يولوك، واحذر هؤلاء الرهط فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا، وأيم الله لا يناله إلا بشر لا ينفع معه خير. فقال عليّ: أما لئن بقي عثمان لأذكرنه ما أتى، ولئن مات ليتداولنها بينهم، ولئن فعلوا ليجدني حيث يكرهون ثم تمثل:
حلفت بربّ الرّاقصات عشية … غدون خفافا فابتدرن المحصّبا
ليختلين رهط ابن يعمر مارئا (١) … نجيعا بنو الشداخ وردا مصلّبا
والتفت فرأى أبا طلحة فكره مكانه، فقال أبو طلحة: لم ترع أبا الحسن.
فلما مات عمر وأخرجت جنازته تصدى علي وعثمان أيهما يصلي عليه، فقال عبد الرحمن: كلاكما يحب الإمرة، لستما من هذا في شيء، هذا إلى صهيب، استخلفه عمر يصلي بالناس ثلاثا حتى يجتمع الناس على إمام. فصلى صهيب، فلما دفن عمر جمع المقداد أهل الشورى في بيت المسور بن مخرمة، ويقال في بيت المال، ويقال في حجرة عائشة بإذنها، وهم خمسة معهم ابن عمر وطلحة
стр. 932
غائب، وأمروا أبا طلحة أن يحجبهم، وجاء عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة فجلسا بالباب، فحصبها سعد وأقامهما، وقال:
تريدان أن تقولا حضرنا، وكنا في أهل الشورى؟ فتنافس القوم في الأمر وكثر بينهم الكلام، فقال أبو طلحة: أنا كنت لأن تدفعوها أخوف مني لأن تنافسوها، لا والذي ذهب بنفس عمر لا أزيدكم على الأيام الثلاثة التي أمرتم، ثم أجلس في بيتي فأنظر ما تصنعون.
فقال عبد الرحمن: أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم؟ فلم يجبه أحد، فقال: أنا أنخلع منها. فقال عثمان:
أنا أول من رضي؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«أمين في الأرض أمين في السماء» فقال القوم: قد رضينا، وعليّ ساكت. فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: أعطني موثقا لتؤثرنّ الحقّ ولا تتّبع الهوى، ولا تخصّ ذا رحم، ولا تألو الأمة. فقال:
أعطوني مواثيقكم على أن تكونوا معي على من بدّل وغيّر، وأن ترضوا من اخترت لكم، عليّ ميثاق الله أن لا أخص ذا رحم لرحمه ولا آلو المسلمين، فأخذ منهم ميثاقا وأعطاهم مثله، فقال لعليّ:
إنك تقول إني أحق من حضر بالأمر؛ لقرابتك. وسابقتك، وحسن أثرك في الدين. ولم تبعد؛ ولكن أرأيت لو صرف هذا الأمر عنك فلم تحضر، من كنت ترى من هؤلاء الرهط أحقّ بالأمر؟ قال:
عثمان، وخلا بعثمان فقال: تقول شيخ من بني عبد مناف، وصهر رسول الله ﷺ وابن عمّه، لي سابقة وفضل، لم تبعد، فلن يصرف هذا الأمر عنّي؛ ولكن لو لم تحضر فأيّ هؤلاء الرهط تراه أحقّ به؟ قال: عليّ. ثم خلا بالزّبير فكلمه بمثل ما كلّم به
стр. 933
عليّا وعثمان، فقال: عثمان. ثم خلا بسعد فكلمه فقال: عثمان.
فلقي عليّ سعدا فقال: ﴿اتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً» (١)، أسألك برحم ابني هذا من رسول الله ﷺ وبرحم عمّي حمزة منك. أن لا تكون مع عبد الرحمن لعثمان ظهيرا عليّ، فإني أدلي بما لا يدلي به عثمان، ودار عبد الرحمن لياليه يلقى أصحاب رسول الله ﷺ ومن وافى المدينة من أمراء الأجناد، وأشراف الناس يشاورهم ولا يخلو برجل إلا أمره بعثمان، حتى إذا كانت الليلة التي يستكمل في صبيحتها الأجل أتي منزل المسور بن مخرمة بعد ابهيرار (٢) من الليل فأيقظه فقال:
ألا أراك نائما ولم أذق في هذه الليلة كثير غمض، انطلق فادع الزّبير وسعدا. فدعاهما، قبدأ بالزبير في مؤخر المسجد في الصّفّة التي تلي دار مروان فقال له: خلّ ابني عبد مناف (٣) وهذا الأمر قال: نصيبي لعليّ. وقال لسعد: أنا وأنت كلالة فاجعل نصيبك لي فأختار. قال إن اخترت نفسك فنعم، وإن اخترت عثمان فعليّ أحبّ إليّ، أيّها الرجل بايع لنفسك وأرحنا، وارفع رؤوسنا. قال:
يا أبا إسحاق إني قد خلعت نفسي منها على أن أختار، ولو لم أفعل وجعل الخيار إليّ لم أردها، إني أريت (٤) كروضة خضراء كثيرة العشب فدخل فحل لم أر فحلا قط أكرم منه، فمرّ كأنه سهم
стр. 934
لا يلتفت إلى شيء مما في الروضة حتى قطعها لم يعرّج، ودخل بعير يتلوه فاتبع أثره حتى خرج من الروضة، ثم دخل فحل عبقرىّ يجرّ خطامه يلتفت يمينا وشمالا، ويمضي قصد الأولين حتى خرج، ثم دخل بعير رابع فرتع في الروضة ولا والله لا أكون الرابع، ولا يقوم مقام أبي بكر وعمر بعدهما أحد فيرضى الناس عنه. قال سعد: فإني أخاف أن يكون الضعف قد أدركك فامض لرأيك؛ فقد عرفت عهد عمر. وانصرف الزبير وسعد وأرسل المسور بن مخرمة إلى عليّ، فناجاه طويلا، وهو لا يشك أنه صاحب الأمر، ثم نهض وأرسل المسور إلى عثمان فكان في نجّيهما حتى فرق بينهما أذان الصبح. فقال عمرو ابن ميمون، قال لي عبد الله بن عمر: يا عمرو، من أخبرك أنه يعلم ما كلّم به عبد الرحمن بن عوف عليّا وعثمان فقد قال بغير علم. فوقع قضاء ربك على عثمان.
فلما صلوا الصبح جمع الرهط وبعث إلى من حضره من المهاجرين وأهل السنة والفضل من الأنصار، وإلى أمراء الأجناد فاجتمعوا حتى التجّ (١) المسجد بأهله، فقال: أيها الناس، إن الناس قد أحبّوا أن يلحق أهل الأمصار بأمصارهم، وقد علموا من أميرهم. فقال سعيد بن زيد: إنا نراك لها أهلا. فقال: أشيروا عليّ بغير هذا.
فقال عمار: إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع عليّا. فقال المقداد بن الأسود: صدق عمّار؛ إن بايعت عليا قلنا سمعنا وأطعنا.
قال ابن أبي سرح: إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان.
стр. 935
فقال عبد الله بن أبي ربيعة: صدق؛ إن بايعت عثمان قلنا سمعنا وأطعنا. فشتم عمّار ابن أبي سرح وقال متى كنت تنصح المسلمين؟ فتكلم بنو هاشم وبنو أمية. فقال عمّار: أيها الناس إن الله أكرمنا بنبيه وأعزنا بدينه؛ فأنّى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم؟! فقال رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يا ابن سميّة. وما أنت وتأمير قريش لأنفسها؟ فقال سعد بن أبي وقاص:
يا عبد الرحمن، افرغ قبل أن يفتتن الناس. فقال عبد الرحمن:
إني قد نظرت وشاورت. فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلا.
ودعا عليّا فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملنّ بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده. قال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي. ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي. قال:
نعم. فبايعه. فقال عليّ: «حبوته حبو دهر (١)» ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا «فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ» (٢) والله ما ولّيت عثمان إلا ليردّ الأمر إليك، والله «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» فقال عبد الرحمن: يا عليّ، لا تجعل على نفسك سبيلا، فإني قد نظرت وشاورت الناس فإذا هم لا يعدلون بعثمان. فخرج عليّ وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله. فقال المقداد: يا عبد الرحمن، أما والله لقد تركته … من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون. فقال: يا مقداد، والله لقد اجتهدت للمسلمين. قال: إن كنت أردت بذلك الله فأثابك
стр. 936
الله ثواب المحسنين. فقال المقداد: ما رأيت مثل ما أوتي (١) إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم، إني لأعجب من قريش أنهم تركوا رجلا ما أقول إن أحدا أعلم ولا أقضى منه بالعدل، أما والله لو أجد عليه أعوانا! فقال عبد الرحمن: يا مقداد اتق الله فإني خائف عليك الفتنة. فقال رجل للمقداد: رحمك الله، من أهل هذا البيت ومن هذا الرّجل؟ قال: «أهل البيت بنو عبد المطلب والرجل علي ابن أبي طالب.
فقال عليّ: إن الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر إلى بيتها (٢) فتقول إن ولّي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا» وإن كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم.
وقدم طلحة في اليوم الذي بويع فيه لعثمان، فقيل له: بايع عثمان. فقال: أكلّ قريش راض به؟ قال: نعم. فأتى عثمان فقال له عثمان: أنت على رأس أمرك إن أبيت رددتها، قال: أتردّها؟ قال: نعم. قال: أكلّ الناس بايعوك؟ قال: نعم. قال: قد رضيت؛ لا أرغب عما قد أجمعوا عليه، وبايعه.
وقال المغيرة بن شعبة لعبد الرحمن: يا أبا محمد قد أصبت إذ بايعت عثمان، وقال لعثمان: لو بايع عبد الرحمن غيرك ما رضينا.
فقال عبد الرحمن: كذبت يا أعور، لو بايعت غيره لبايعته ولقلت هذه المقالة (٣).
стр. 937
عن أبي مجلز قال، قال عمر ﵁: من تستخلفون؟ فسمّوا رجالا حتى سموا طلحة، فقال: كيف تستخلفون رجلا أوّل نحل نحله رسول الله ﷺ جعله في مهر ليهودية.
* حدثنا هشام بن عبد الملك قال، حدثنا أبو عوانة: عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن خراش عن حذيفة ﵁ قال: سألني عمر ﵁: من ترى قومك مؤمّرين بعدي؟ قلت: رأيت الناس قد أسندوا أمرهم إلى عثمان ﵁.
* حدثنا عمرو بن قسط قال، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن خراش، عن حذيفة (بن اليمان (١) ﵁ قال: بينما أنا مع عمر ﵁ عشية عرفة (٢) ونحن ننتظر أن تغرب الشمس فنفيض، فلما رأى كثرة الناس وتكبيرهم وما يصنعون، أعجبه ذلك قال: يا ابن اليمان، كم ترى هذا تاما (٣) للناس؟ فقلت: (على الفتنة باب (٤) حتى يكسر باب أو يفتح (خرجت (٥)، قال: وما يكسر باب أو يفتح؟ قلت يقتل رجل أو يموت، قال: يا ابن اليمان فيمن ترى قومك يؤمّرون بعدي؟ قلت: رأيت الناس (قد (٦) أسندوا أمرهم إلى عثمان ﵁.
* حدثنا عبد الله بن رجاء قال، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن خارجة بن مضرب قال: حججت مع عمر ﵁
стр. 938
فسمعت الحادي يحدو: إن الأمير بعده ابن عفان. وسمعت الحادي في إمارة عثمان: إن الأمير بعده عليّ ﵁.
* حدثنا أبو داود قال، حدثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون: أن عمر ﵁ بدأ بعثمان ﵁ فقال: اتق الله، إن وليت من أمر الناس.
* حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثني الليث بن سعد، أن يحيى بن سعيد حدثه، أن عمر ﵁ حين أوصى النفر الخمسة فولّوا، مال برأسه إلى عبد الله وهو مسند ظهره إلى صدره (وقال (١): إن يولوا عثمان ﵁ يصيبوا خيرهم.
* حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف، عن عمر ﵁ قال: لا بيعة إلا عن مشورة.
* حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال، حدثتنا أم خنيس قالت: انطلقت مع مولاي نعود عمر فسمعته يقول: إني أقمت لكم الطريق فلا تعوجنّها.
* حدثنا عفان قال، حدثنا وهيب قال، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عمر ﵁ لما أصيب أرسل إلى الناس فقال: هل كان هذا عن ملإ منكم؟ فقال عليّ: أعن ملأ منا؟! إني والله لوددت أن الله نقص من آجالنا في أجلك.
стр. 939
* قال ابن المبارك، حدثني أبو جعفر، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن ميمون قال، قال عمر ﵁:
يا ابن عباس انظر (من قتلني (١)؟ قال ودخل عليه الناس كأنهم لم تصبهم مصيبة قط قبل يومهم، قال فخرج فقال (من طعن (٢) أمير المؤمنين؟ قالوا: عدوّ الله أبو لؤلؤة، فرجع فأخبره فقال:
(قاتله الله لقد أمرت به معروفا، الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام، لقد كنت أنت وأبوك تحبان أن يكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقا، فقال: إن شئت فعلت - أي إن شئت قتلناه -. فقال: كذبت بعد ما (٣) صلّوا صلاتكم وتكلموا بلسانكم، وحجوا حجكم. ثم دخل عليه شابّ فقال:
يا أمير المؤمنين أبشر ببشرى الله؛ صحبت رسول الله ﷺ ، ثم استخلفت، فقال ثم الشهادة. قال: يا ابن أخي، ليتني أنجو كفافا لا عليّ ولا لي، ثم أدبر الشاب فإذا إزاره يمس الأرض، فقال: يا ابن أخي ارفع ثوبك فإنه أتقى لربك وأنقى لثوبك. فما منعه ما هو فيه من الموت أن نصح له، ثم قال: يا عبد الله انظركم عليّ من الدّين؟ قال: بضعة (٤) وثمانون ألفا. قال: أدّها
стр. 940
من أموال آل عمر، فإن وفت وإلاّ فسل بني عدي بن كعب، فإن وفت وإلا فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم.
* حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا سفيان، عن حصين، عن عمرو بن ميمون قال: إني لفي الصفّ المقدم إذ طعن عمر ﵁، قال: فأوصى فقال: بلغ الدّين الذي عليّ بضعة وثمانين ألفا، وقال لعبد الله بن عمر: إن بلغ مال آل عمر فأدها وإلا فسل في بني عديّ بن كعب، فإن بلغت فأدها وإلا فسل في قريش ولا تجازوهم إلى غيرهم.
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا سلام بن أبي مطيع عن أيوب قال، قلت لنافع: هل كان على عمر ﵁ دين؟ فقال: ومن أين يدع عمر دينا وقد باع رجل من ورثته ميراثه بمائة ألف؟!.
* حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرّة، قال، سمعت إبراهيم يقول، قال عبد الله: أقبل رجل شاب يثني على عمر ﵁ وقد طعن والناس يثنون عليه -، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، فقال: يا ابن أخي ارفع إزارك فإنه أتقى لربك وأنقى لثوبك. قال عبد الله: يرحم الله عمر لم يمنعه ما كان فيه أنه رأى حقا لله يتكلم فيه.
* حدثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن عامر قال: لما طعن عمر ﵁ دخل عليه ابن عباس ﵄ فقال:
стр. 941
أبشر يا أمير المؤمنين بالجنة، فرفع رأسه ننظر إليه. ثم قال:
اللهم نعم، أسلمت حين كفر الناس، وجاهدت مع رسول الله ﷺ ، وقتلت شهيدا، قال: أعد فأعاد ثلاث مرّات، فقال عمر ﵁: إن الغرور لمن غررتموه، لو أن لي ما على الأرض من صفراء وبيضاء لافتديت بها من هول المطلع.
* حدثنا خلاد بن يزيد قال، حدثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة: أن عثمان ﵁ وضع رأس عمر ﵁ في حجره فقال: أعد رأسي في التراب، ويل لي وويل لأمي إن لم يغفر الله.
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، حدثنا ليث، عن واصل الأحدب، عن المعرور بن سويد (١):
أن عمر ﵁ قال: من دعا إلى إمارة لنفسه من غير مشورة المسلمين فلا يحل لكم إلا أن تقاتلوه.
* حدثنا عمرو بن مرزوق قال، حدثنا شعبة، عن أبي جمرة، أنه سمع (جويرية (٢) ابن قدامة: أنه حج عام قتل عمر ﵁، قال: فمررنا بالمدينة فقام فخطب الناس (إني رأيت كأنّ ديكا أحمر (٣) نقر فيّ نقرة أو نقرتين، فما لبث إلا الجمعة حتى طعن (فأذن للناس فكان أول من دخل عليه أصحاب النبي صلى الله
стр. 942
عليه وسلم، ثم أهل المدينة، ثم أهل الشام، ثم أذن لأهل العراق، فدخلت فيمن دخل. قال فكان كلما دخل عليه قوم أثنوا عليه وبكوا. قال: فلما دخلنا عليه قال - وقد عصب بطنه بعمامة سوداء والدم يسيل، قال فقلنا: أوصنا - قال وما سأله الوصية أحد غيرنا - فقال: عليكم بكتاب الله، فإنكم لن تضلوا ما اتبعتموه. فقلنا:
أوصنا. فقال: أوصيكم بالمهاجرين؛ فإن الناس سيكثرون وتقلون، وأوصيكم بالأنصار؛ فإنهم شعب الإسلام الذي لجأ إليه، وأوصيكم بالأعراب؛ فإنهم أصلكم ومادتكم، وأوصيكم بأهل ذمتكم؛ فإنهم عهد نبيكم ورزق عيالكم، قوموا عني. قال: فما زاد على هؤلاء الكلمات، قال محمد بن جعفر، قال شعبة: ثم سألته بعد ذلك فقال في الأعراب، وأوصيكم بالأعراب فإنهم إخوانكم وعدوّ عدوكم).
* أخبرنا سعيد بن منصور قال، أخبرنا يونس بن أبي يعقوب العبدي قال، حدثني عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: كنت عند عمر وقد سجي عليه فدخل عليّ (١) فكشف الثوب عن وجهه وقال: رحمة الله عليك أبا حفص، فوالله ما بقي أحد بعد رسول الله ﷺ أحب إلي أن ألقى الله بصحيفته أو بمثل صحيفته.
* حدثنا أحمد بن معاويه قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﵁: أن عليا ﵁ رأى عمر ﵁ وهو مسجى فقال: صلى الله عليك؛ ما من الناس أحد أحب إلي أن ألقى الله بما في صحيفته
стр. 943
من هذا، فقال له الحسن بن علي ﵄ ....... (١)
فقال لا تصل على أحد إلا النبي ﷺ فسكت.
* حدثنا عبد الله بن يحيى قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن الحجاج، عن نافع: أن عمر ﵁ لحد له لحد.
* حدثنا حيان بن بشر الأسدي قال، حدثنا عطاء بن مسلم، عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي مريم - رجل من الموالي - قال: أتيت عليا ﵁ وعليه برد سحيق قد تهدّب طرفاه، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك يا أبا مريم؟ قلت: تلقي هذا البرد عنك. قال فقعد، ثم وضع طرف البرد على عينيه، ثم بكى حتى علا صوته، فقلت: يا أمير المؤمنين، لو كنت أعلم أنه يبلغ منك ما رأيت ما أمرتك بطرحه.
قال: يا أبا مريم، إني أزداد له حبّا، إنه أهداه إليّ خليلي، قلت:
ومن خليلك يا أمير المؤمنين؟ قال: عمر ﵁، إن عمر ﵁ ناصح الله فناصحه.
* حدثنا محمد بن بكار قال، حدثنا أبو معشر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: وضع عمر ﵁ بين القبر والمنبر فجاء عليّ يشقّ الصفوف، فقام بين أيديهم فقال:
هو هذا مآل أبي بكر رضي الله عنكما - قالها مرارا ثم قال رحمة الله عليه ما من خلق الله أحد أحب إليّ أن ألقى الله بصحيفته بعد صحيفة
стр. 944
النبي ﷺ من هذا المسجّى بينكم (١).
* حدثنا هشام بن عبد الملك قال، حدثنا محمد بن أبان، عن خلف بن حوشب قال، أدركت رجلا من أصحاب عبد الله شيخا كبيرا قال: خرج علينا عليّ ﵁ من القصر وعليه بردة يمانية من هذه اليمانية الخمر عتيق منها جيد فجعل القوم يمسونه ويقولون: من أين لك هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا كسانيه حبيبي عمر ﵁، فلما ذكر عمر ﵁ قبع (٢) رأسه بالبرد. ثم بكى حتّى رحمه من كان ثمّ.
* حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا نوح بن قيس قال، حدثنا عون بن أبي شداد: أن عبد الله بن سلام ﵁ لم يدرك الصلاة على عمر ﵁ فقال: إن كنتم سبقتموني بالصلاة عليه فلن تسبقوني بالثناء، ثم قال نعم أخو الإسلام كنت يا عمر، كنت عفّ الطّرف، عفّ الظّهر، جوادا بالحق، بخيلا بالباطل، ترضى حين الرضا، وتسخط حين السخط، لم تكن مدّاحا ولا عيّابا (٣).
* حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا سويد بن محمد الورّاق قال: حدثنا سالم (المرادي عن (٤) عمرو بن هرم، عن عبد الله
стр. 945
ابن أبي سارية الأزدي قال: جاء عبد الله بن سلاّم (وقد صلى على عمر (١) فقال لئن كنتم سبقتموني بالصلاة عليه لا تسبقوني بالثناء، ثم قال: نعم أخو الإسلام كنت يا عمر، ترضى حين الرضا، وتسخط حين السخط، عفيف الطرف، طيب الظّرف (٢)، لم تكن مدّاحا، ولا مغتابا، ثم جلس.
* حدثنا القعنبي قال، حدثنا بكر بن يزيد، عن أسامة ابن زيد بن أسلم، قال: جاء كعب الأحبار بعد ما دفن عمر ﵁ فقال: والله لئن سبقتموني بدفنه لا تسبقوني بحسن الثناء عليه، فوقف على قبره فقال: نعم أخو الإسلام كنت ما علمت يا عمر أما والله إن كنت لجوادا بالحق، بخيلا بالباطل، تلين لليّن، وتشتد للشدّة، وترضى للرضا، وتسخط للسّخط، عفيف الظهر والبطن والفرج، ما كنت عيّابا ولا مدّاحا.
* حدثنا الحسن بن عثمان قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﵄: أن عليا ﵁ صلّى على عمر ﵁ وهو على سريره - وقال فيما دعا له:
صلى الله عليك (٣).
стр. 946
* حدثنا القعنبي قال، حدثنا عيسى بن يونس، عن عمر ابن سعيد، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن ابن عباس ﵄، قال: كنا نترحم على عمر ﵁ حين وضع على على سريره، فجاء رجل من خلفي فترحم عليه وقال: ما أحد أحبّ إليّ أن ألقى الله بعمله منك، وإن كنت لأظن ليجعلنك الله مع صاحبيك، فلأني كنت أكثر أن أسمع النبي ﷺ يقول (١): كنت أنا وأبو بكر وعمر، وفعلت أنا وأبو بكر وعمر، فكنت أظن ليجعلنك الله مع صاحبيك، فلأن كنت أكثر أن أسمع النبي ﷺ يقول: فكنت أنا وأبو بكر وعمر، وفعلت أنا وأبو بكر وعمر؛ فكنت أظن ليجعلنك الله معهما فالتفت فإذا هو عليّ.
* حدثنا محمد بن عباد بن عباد قال، حدثنا غسان بن عبد الحميد قال، بلغنا أن عبد الله بن مالك بن عيينة الأزدي حليف بني المطلب قال: لما انصرفنا مع علي ﵁ من جنازة عمر ﵁ دخل فاغتسل، ثم خرج إلينا فصمت ساعة، ثم قال لله بلاء نادبة (٢) عمر (لقد صدقت ابنة أبي خثمة حين (٣) قالت:
وا عمراه، أقام الأود (وأبدأ (٤) العهد وا عمراه. ذهب نقي الثوب
стр. 947
قليل العيب، وا عمراه أقام السّنة وخلف الفتنة (١)، ثم قال:
والله ما درت هذا ولكنها قوّلته وصدقت، والله لقد أصاب عمر خيرها وخلف شرّها (٢)، ولقد نظر له صاحبه (فسار على الطريقة ما استقامت (٣) ورحل (الركب (٤) وتركهم في طرق متشعبة لا يدري الضال ولا يستيقن المهتدي.
* حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال: سمعت عبد الله بن عمر يحدث عن أبي النضر، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ قالت: ما زال بي ذكر عمر ﵁ وترديدي فيه حتى أتيت في المنام فقيل لي: عمر ابن الخطاب نبي هو؟ فظننت أني دعوت بذلك.
* حدثنا أبو عاصم النبيل، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن محمد بن علي أنه سمعه يقول: لما أتي بجنازة عمر ﵁ فوضعت فقال علي ما أحد أحب إليّ أن ألقى الله بصحيفته من أن ألقاه بصحيفة هذا المسجى بينكم.
* حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن
стр. 948
عبد الله بن أبي الهذيل. قال: كنا عند حذيفة ﵁ إذ أتاه نعي عمر ﵁ فقال حذيفة ﵁: اليوم ترك الناس حلقة الإسلام.
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا سعيد بن زيد قال حدثنا أبو التّياح. قال حدثنا عبد الله بن أبي الهذيل قال: كنا عند حذيفة ﵁ إذ أتاه نعي عمر ﵁، فقال حذيفة ﵁: (اليوم ترك الناس (١) حافّة الإسلام (٢) (وايم الله لقد جار هؤلاء القوم عن القصد حتى لقد حال دونه وعورة، ما يبصرون القصد ولا يهتدون له، قال: فقال عبد الله بن أبي هذيل:
كم ظعنوا بعد ذلك من مظعنة (٣) وقال: (إنما كان مثل الإسلام أيام عمر مثل امرئ مقبل لم يزل في إقبال، فلما قتل أدبر فلم يزل في إدبار (٤). وقال: (كأن علم الناس كان مدسوسا في حجر عمر، والله لا أعرف رجلا لا تأخذه في الله لومة لائم إلا عمر. وقال:
ما يحبس البلاء عنكم فراسخ إلا موتة في عنق رجل كتب عليه أن يموت. يعني عمر (٥).
وفاته ﵁
* روى أبو بكر بن إسماعيل، عن محمد بن سعد أنه قال:
طعن عمر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين،
стр. 949
ودفن يوم الأحد هلال المحرم سنة أربع وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين وخمسة أشهر وواحدا وعشرين يوما.
وقال عثمان بن محمد الأحمس: هذا وهم؛ توفي عمر لأربع ليال بقين من ذي الحجة وبويع عثمان يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة.
وقال ابن قتيبة: ضربه أبو لؤلؤة يوم الاثنين لأربع بقين من ذي الحجة، ومكث ثلاثا وتوفي، فصلى عليه صهيب، وقبر مع رسول الله ﷺ وأبي بكر، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وخمس ليال، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقيل كان عمره خمسا وخمسين سنة. والأول أصح (١).
* أخبرنا محمد بن عمر قال، حدثني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: بكي على عمر حين مات (٢).
* عن محمد بن عمر قال، حدثنا خالد بن أبي بكر قال:
دفن عمر في بيت النبي ﷺ ، وجعل رأس أبي بكر عند كتفي النبي، وجعل رأس عمر عند حقوى النبي ﷺ (٣).
* حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن أبي فديك، أخبرني
стр. 950
عمر بن عثمان بن هانئ، عن القاسم قال: دخلت على عائشة فقلت:
يا أمّه، اكشفي لي عن قبر النبي ﷺ وصاحبيه ﵄، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوطة ببطحاء العرصة الحمراء، قال أبو علي: يقال إن رسول الله ﷺ مقدم وأبو بكر عند رأسه وعمر عند رجليه رأسه عند رسول الله ﷺ (١).
* أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدني قال، حدثني أبي، عن يحيى بن سعيد، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد ابن عمرو ابن حزم وغيرهما، عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، عن عائشة قالت: ما زلت أضع خماري وأتفضل في ثيابي في بيتي حتى دفن عمر بن الخطاب فيه فلم أزل متحفظة في ثيابي حتى بنيت بيني وبين القبور جدارا فتفضلت بعد (٢).
(رؤيته بعد موته ﵁ (٣)
* أخبرنا المعلى بن أسد قال، أخبرنا وهيب بن خالد، عن موسى ابن سالم قال، حدثني عبد الله بن عبيد الله بن العباس قال: كان العباس خليلا لعمر، فلما أصيب عمر جعل يدعو الله أن يريه عمر في المنام. قال فرآه بعد حول وهو يمسح العرق عن جبينه، فقال: ما فعلت؟ قال:
هذا أوان فرغت، وإن كان عرشي ليهدّ لولا أني لقيته رؤوفا رحيما (٤).