خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة، ومع هذا فصلى بأنسٍ مرةً بالصبي اليتيم والمرأة خلفهما، فجعل المرأة وحدها صفًّا لأجل الحاجة، إذ كانت السنة في حقها أن لا تقف مع الرجال، والإمام يقف وحده لأجل الإمامة؛ فمن سوى بين الإمام والمرأة وبين الرجل المؤتم في الانفراد فقد خالف السنة، ومن جعل وقوف الفذ لا يجوز بحالٍ فقد خالف السنة، فعلم أن الاصطفاف أمر به - ونهى عن وقوف الرجل وحده - مأمور به مع القدرة، وأما مع الحاجة فوقوف الإنسان وحده خير له من أن يدع الجماعة، ونظائر هذا كثيرة، والله أعلم.
فصل
* في قتل الهوام في الصلاة ؟
стр. 107
فالجواب: «إن النبي ﷺ أمر بقتل الأسودين في الصلاة الحية والعقرب» وقد قال أحمد وغيره: يجوز له أن يذهب إلى النعل فيأخذه ويقتل به الحية والعقرب، ثم يعيده إلى مكانه. وكذلك سائر ما يحتاج إليه المصلي من الأفعال، مثل ما ثبت في الصحيحين «أن النبي ﷺ صلى على منبره بالناس، فكان يقوم عليه ويركع، ثم ينزل يسجد بالأرض، ثم يصعد يقوم عليه ليراه الناس ليتعلموا صلاته»، ومثل ما ثبت في الصحيح «أنه كان يصلي وهو حامل أمامة» ومثل ما ثبت عنه «أنه تقهقر في صلاة الكسوف وتقهقرت الصفوف معه، وأنه مَدَّ يده يتناول شيئًا» ومثل ما ثبت عنه في الصحيح «أنه أمر برد المار في الصلاة، وقال: فإن أبى فليقاتله؛ فإنه معه القرين»، ومثل ما ثبت عنه أنه قال: «إن الشيطان تغلب عليَّ البارحة ليقطع عليَّ صلاتي فأخذته فَذَعَتُّه حتى سال لعابه على يدي، وأردت أن أربطه إلى سارية
стр. 108
المسجد، فذكرت دعوة أخي سليمان»، ومثل ما «مشى حتى فتح الباب لعائشة» ومثل ما قال لابن مسعود: «إذنك عليَّ أن ترفع الحجاب وأن تسمع لسِوادي حتى أنهاك» رواية مسلم.
فهذه السنن تدل على جواز ما يحتاج إليه المصلي من الأفعال التي ليست من عمل الصلاة، لكن أُبيحت في الصلاة للحاجة ولا تقطع الصلاة، وكان أبو برزة معه فرسه - وهو يصلي - كلما خطا يخطو معه خشية أن يتقدمه. وقال أحمد: إن فعل كما فعل أبو برزة فلا بأس. وظاهر مذهب أحمد وغيره أن هذا لا يقدر بثلاث خطوات ولا ثلاث فعلات، كما قضت به السنة، ومن قيده بثلاث - كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد - فإنما ذاك إذا كانت متصلة، فإذا كانت متفرقة فيجوز وإن كانت زائدة على ثلاث، إذا لم يتصل أكثر من ثلاث، والله أعلم.
فصل
* وأما السؤال عن سماع الغناء ؟
فالجواب: إن سماع الغناء والدفوف والشبابات وما يُذكر معه كإخراج اللاذن
стр. 109
ودخول النار ومؤاخاة النساء يُسأل عنه على وجهين:
أحدهما: هل هو قربة وطاعة وطريق إلى الله شرع سلوكه لأولياء الله المتقين وعباده الصالحين وجنده الغالبين أم لا؟
والثاني: إذا لم يكن قربة فهل هو حلال أم حرام؟
والمسألة الأولى أهم وأنفع وأظهر من الثانية؛ فإن الذين يجتمعون على ذلك من المشايخ وأتباعهم المنتسبين إلى الدين والفقر والزهد وسلوك طريق الله لا يعدون ذلك من باب اللعب واللهو وتضييع الزمان فيما لا ينفع كما يلهو بعض العامة في الأفراح والغناء وغيره، بل هو عندهم طريق للقوم المشار إليهم بالدين، ومنهاج لأهل الزهد والعبادة وأهل السلوك والإرادة، وذوي القلوب من الرجال أهل المقامات والأحوال، فإنما يفعلونه قاصدين به صلاح القلوب والدخول في زمرة أهل الوجد (والرزق والمشروب) (١)، وتحريك وجد أهل المحبة بالمحبوب، إلى أمثال ذلك مما يطول وصفه. ويحصل لهم فيه أنواع من الأحوال العجيبة والموارد الغريبة ما يعرفه من الرجال أهل المعرفة بهذا الحال، فمنهم من يصعد في الهواء، ومنهم من يبقى راقصًا في الهواء، ومنهم من يصير ذاهبًا وجائيًا على الماء، ومنهم من يُؤتى بشراب يسقيه للفتى، أو غيره من الجلساء، أو بزيت فيوقد به المصباح بعد مقاربة الانطفاء، ومنهم من يخاطب بعض الحاضرين بلسان الأعجمي، ويكاشفه سر الخفي وإذا أفاق لم يدر ما قال كالمصروع بالجني ومنهم من يشير إليه، ومنهم من يسلب بعض المنكرين عليه قلبه ولسانه حتى لا يستطيع قراءةً ولا دعاءً ولا ذكرًا، وقد يمسك لسانه فلا يستطيع أن يقول لا عُرفًا ولا نُكرًا، ومنهم من يباشر النار بلا دهنٍ ولا حجرٍ طلق ولا غير ذلك من أمور الطبيعة بل يبقى بالنار تتأجج في يديه وثيابه، ومنهم من يأتيه زعفران ولاذن من حيث لا يدري، وقد يأخذ بيده حصاة فتسلت من يده ويجعل مكانها سكرة، إلى أمثال هذه العجائب التي يطول وصفها التي يظنها من لا يعرف
стр. 110
حقيقة وأنها (١) من كرامات الأولياء الصالحين، وأنها دالة على ولاية صاحبها من الأدلة والبراهين، وقد بُسط الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع، لكن نذكر هنا ما يليق بهذا الجواب، فنقول: يجب أن يُعرف أصلان عظيمان:
أحدهما: أنه لا طريق إلى الله يوصل إلى ولايته وكرامته ومحبته ورضوانه إلا بمتابعته رسول الله ﷺ كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ الآية، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «[إن الله قال]: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالمحاربة، وما تقرب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يُبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته، ولا بُدَّ له منه». فالطرق التي بعث الله بها رسوله هي التقرب إلى الله بالفرائض، وبعد الفرائض بالنوافل، لا يتقرب إليه إلا بفعل واجبٍ أو مستحب و [يستوي] في ذلك الأمور الباطنة في القلوب والظاهرة للعيان، فحقائق الإيمان الباطنة في القلوب موافقة لشرائع الإسلام الظاهرة على الأبدان. وما ليس بواجبٍ ولا مستحب عند أحدٍ من الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ ولا عند أئمة المسلمين المعروفين ولا مشايخ الدين المتقدمين - كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي وغيرهم - فليس في هؤلاء من حضر هذا السماع المحدث ولا أمر به، بل هذا ظهر في الإسلام في
стр. 111
أواخر المائة الثانية فأنكره أئمة الدين، حتى قال فيه الشافعي: خلفت ببغداد شيئًا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير، يصدون به الناس عن القرآن. والتغبير الذي ذكره الشافعي هو إنما كان أن يضربوا بقضيب على جلدة كالمخدة ونحوها، لم يكن بعد قد أظهروا الشبابات الموصولة والدفوف المصلصلة، ولما سُئل الإمام أحمد عن هذا التغبير قال: إنه بدعة. ونهى عن الجلوس مع أهله فيه، وكذلك يزيد بن هارون وغيرهم من الأئمة.
وحضره طائفة من المشايخ، لكن كان من الذين حضره من رجعوا عنه وتابوا منه، وأما الجنيد فلم ينقل أحد قط أنه رقص في السماع ولا حضر سماع دفوف وشبابات بل قد قيل: إنه حضر التغبير في أول عمره، ولم يكن يقوم فيه وأنه في آخر عمره تركه، وكان يقول: من تكلف السماع فُتن به، ومن صادفه استراح به. يعني: أنه يسمع آيات تناسب حاله من محبة أو حزن أو خوف، وما سمعه الإنسان بغير اقتصادٍ منه فهذا لا يدخل تحت الأمر والنهي، كنظرة الفجأة، وشم الرائحة بغير اشتمام، ولهذا لم يأمر النبي ﷺ ابن عمر أن يسد أذنه لما سمع زمارة راع، فإن كان النبي ﷺ قام بسد أذنيه، فإن السد لم يكن واجبًا إذ ذاك؛ لأنه سماع لا استماع، وإنما فعل ذلك النبي ﷺ بطريق الاستحباب، هذا على قول من يُثبت الحديث، فإن من أهل الحديث من قال: هو منكر كأبي داود وغيره.
والكلام في مسألة السماع كثير منتشر، وقد كُتب فيه في غير هذا الموضع مما لا يتسع هذا الموضع لإعادة (١)، وذكر فيه الكلام على من حضره مِنَّا ومن أهل الخير والدين والصدق، وأن لهم في ذلك من التأويلات ما لأمثالهم، فإن المجتهد المخطئ يغفر الله له خطأه ويثيبه على حسن قصده وما يفعله من الطاعة، ومن استفرغ وسعه في طلب
стр. 112
رضا الله فاتقى الله ما استطاع كان من عباد الله الصالحين، وإن كان قد أخطأ في بعض ما اجتهد فيه كالذين استحلوا الدرهم بالدرهمين من السلف، والذين استحلوا متعة النساء منهم، والذين استحلوا بعض الأنواع المسكرة، والذين استحلوا القتال في «الجمل» و «صفين» و «الحرة» وفتنة ابن الأشعث وغير ذلك، ولما سُئل الإمام أحمد عن التغبير فقال: إنه مُحدَث. ونهى عن حضوره، فقيل له عن أهله: أيهجرون؟ فقال: لا يبلغ بهم هذا كله.
فيجب بيان الحق الذي بعث الله به رسوله، وبيَّن أنه لا حرام إلا ما حرمه ولا دين إلا ما شرعه الله، وأن من اجتهد من أهل العلم والدين فحرم (١) أشياء بتأويله واجتهاده وهي مما حرمه الله، أو اتخذ دينًا باجتهاده ظن أنه من دين الله ولم يكن في نفس الأمر من دين الله، فله حكم أمثاله من أهل الاجتهاد، ويعطى حقه ويثنى عليه بما فيه من العلم والدين، وإن لم يجز اتباعه فيما أخطأ فيه وخالف فيه سنة الرسول مع اجتهاده وتأويله، فهذا أصل.
والأصل الثاني: أن كرامات أولياء الله يكون سببها فعل ما أمر الله به ورسوله من الواجب والمستحب، ثم السابقون المقربون من الأولياء المتبعون يستعملونها فيما يقرب: إما حجة للدين، وإما حاجة للمسلمين، والمقتصدون يستعملونها في أمور مباحة، وأما استعمالها فيما حرم الله ورسوله كالظلم والعدوان محرم.
وأما ما كان سببه بدعة كالأحوال التي تحصل لأهل السماع البدعي فهي أمور شيطانية يضل بها الشيطان أهل الجهل، ويغوي بها أهل الغي، وهذا وهذا يبطل بحقائق الإيمان كقراءة آية الكرسي وغيره مما يطرد الشيطان، والله أعلم.
стр. 113
فصل
* وأما الدابة إذا ذُبحت والغَلْصَمَة مما يلي البدن هل يحل أكلها ؟
فالجواب: إن العلماء قد تنازعوا هل شرط التذكية قطع الودجين والحلقوم والمريء، أو قطع ثلاثة منها، أو قطع اثنين فقط، وهل تجزئ التذكية إذا كان الحلقوم مع البدن وقطعت العنق من فوقه؟ والأظهر أنه لا يُشترط شيء من ذلك؛ فإن النبي ﷺ لم يشترط شيئًا من ذلك ولا أوجبه، بل قال في الحديث المتفق على صحته: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر» فإذا جرى الدم من العنق ومات الحيوان بذلك، وقد سمى عليه الله؛ أبيح سواء كان القطع فوق الغلصمة أو دونها، وسواء قطع اثنين أو ثلاثة أو أربعة.
وتنازعوا أيضًا فيما أصابه سبب الموت كالكلبة للسبع هل يشترط فيها أن لا يتبين موتها بذلك السبب وأن تبقى معظم اليوم، أو أن تبقى فيها حياة مستقرة بقدر حياة المذبوح، أو أزيد من حياته، أو يمكن أن يزيد؟ والأظهر أنه لا يشترط شيئًا من ذلك بل متى خرج منها الدم الذي لا يخرج إلا من الحي أُبيحت، وهو الدم الأحمر، بخلاف الميت فإن دمه يجمد ويسود، وأما الأحمر الجاري فلا يخرج إلا من مذبوح كانت فيه حياة لا يخرج من ميت قبل الذبح، بل الميت إذا مات وذُبح لم يخرج منه دم أحمر، فهذا فرق معروف بين الحي والميت، وقد دل عليه قول النبي ﷺ : «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه» فاعتبر الأداة التي تنهر الدم فعلم [أن المناط] إنهار الدم، وهو تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ ولم يقل: ما فرى الأوداج، وما قطع الحلقوم أو المريء ولا غير ذلك، بل قال: «ما أنهر الدم» ولو كان
стр. 114
مع إنهار الدم يكون ميتًا لم يحل بذلك حتى يعلم أنه حي بدليلٍ آخر.
والفروق التي ذكرها من تقدمت أقواله ليس على شيءٍ منها دليل شرعي، ولا هو أيضًا وصف ثابت في نفس الأمر معلوم للناس، فإن في المذبوحات ما يتحرك بعد الموت حركة عظيمة ويقوم ويمشي، وقد يقوم البدن بعد قطع الرأس يمسك قاتله، وقد يطير البدن بعد قطع رأسه إلى مكان آخر، فهذه حركات قوية وهي من ميت مذبوح، وقد يذبح النائم في منامه فتتغير حركته حتى يموت، وكذلك المغمي عليه والسكران، فعلم أن الحركة لا تدل على الحياة الشرعية لا طردًا ولا عكسًا.
فصل
* وأما الصلاة في طريق الجامع والناس يصلون برا وهو طريق مسلوك خارجه هل تجوز ؟
الجواب: إن الطريق المسلوك إذا اتصلت فيه الصفوف بالجامع صحت صلاتهم باتفاق العلماء، وأما إذا لم تتصل الصفوف بل كان بينهم وبين الجامع طريق نافذ أو نهر تجري فيه السفن فهذا فيه نزاع مشهور بين العلماء، والأظهر أن الطريق إذا لم يكن مسلوكًا وقت الصلاة أن الصلاة صحيحة؛ فإنه ليس في هذا إلا تباعد ما بين الصفين من غير اجتياز أحد بينهما وقت الصلاة.
فصل
وأما تَارِك الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ هَلْ هُوَ مُسْلِمٌ فِي تِلْكَ الْحَالِ ؟
الجواب: أَمَّا تَارِكُ الصَّلَاةِ فَهَذَا إذا لَمْ يَكُنْ مُعْتَقِدًا وُجُوبهَا فَهُوَ كَافِرٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، لَكِنْ إذَا أَسْلَمَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ، أَوْ أوجبَ بَعْض أَرْكَانِهَا مِثْلَ أَنْ يُصَلِّيَ بِلَا وُضُوءٍ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ، أَوْ يُصَلِّيَ مَعَ الْجَنَابَةِ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، فَهَذَا لَيْسَ بِكَافِرٍ إذَا لَمْ تقم عيه الحجة، لَكِنْ إذَا عَلِمَ الْوُجُوبَ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمَا:
عَلَيْهِنَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ، إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ».
فَالْمُحَافِظُ عَلَيْهَا الَّذِي يُصَلِّيهَا فِي مَوَاقِيتِهَا، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَالَّذِي يُؤَخِّرُهَا أَحْيَانًا عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ يَتْرُكُ وَاجِبَاتِهَا، فَهَذَا تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَقَدْ يَكُونُ لِهَذَا نَوَافِلُ يُكَمِّلُ بِهَا فَرَائِضَهُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ] (١).
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتب في سادس عشرين ذي الحجة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، على يد الفقير: محمد بن عيسى بن أبي الفضل الشافعي - غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين.
стр. 123
(٢)
اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية
للحافظ العلاَّمة
شمس الدين محمد بن عبد الهادي
(٧٠٤ - ٧٤٤ هـ)
تحقيق
أبي عبد الله حسين بن عكاشة
стр. 124
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمدٍ وآله وصحبه وسلم.
فصل
١ - ذهب شيخنا ﵀ إلى أن الحاجم والمحجوم يفطران، وكذلك المفصود، ولا يفطر عنده الفاصد ولا المشروط ولا الشارط.
٢ - وذهب إلى أن من احتقن أو اكتحل أو قطر في إحليله أو داوى المأمومة أو الجائفة بما يصل إلى جوفه، أو ابتلع ما لا يغذي كالحصاة لا يفطر.
٣ - وذهب إلى أن من أكل يظنه ليلاً فبان نهارًا فلا قضاء عليه.
٤ - وذهب إلى أن من رأى هلال رمضان وحده لا يصوم، وكذلك من رأى هلال شوال وحده لا يفطر لا سرًّا ولا جهرًا.
٥ - وذهب إلى عدم وجوب صوم الثلاثين [من] شعبان إذا غم الهلال، وضعَّف القول بالتحريم والقول بالوجوب تضعيفًا كثيرًا، ومال إلى أن الصوم مندوب أو جائز، وذكر في بعض مؤلفاته أن القول بوجوب الصوم بدعة، وأنه لا يُعرف عن أحد من السلف.
стр. 125
٦ - قال: وذهب [إلى أنه] ليس لولي الصبي إلباسه الحرير في [أظهر] قولي العلماء.
٧ - وذهب إلى أن ذوات الأسباب - كتحية المسجد، والركعتين عقب الوضوء، وغير ذلك - تفعل في وقت النهي.
٨ - وذهب إلى جواز دفع الزكاة إلى جميع الأقارب كالجدة والابن وغيرهما.
٩ - وذهب إلى أن الجمعة والجماعة لا يدركان إلا بركعة.
١٠ - وذهب إلى أن من جامع في رمضان ناسيًا أو مخطئًا لا قضاء عليه ولا كفارة.
١١ - وذهب إلى أن الحج لا يبطل بفعل شيء من المحظورات لا الجماع ولا غيره إذا كان ناسيًا أو مخطئًا، لا يضمن إلا الصيد.
١٢ - قال: وذهب [إلى أن] من أدرك مع الإمام بعض الصلاة وقام يقضي فائتم به آخرون جاز ذلك [في] أظهر القولين.
١٣ - وذهب إلى أن الماء (المتغير) بالطاهرات لا يُسلب الطهورية، بل يجوز الوضوء به ما دام يُسمى ماءً.
стр. 126
١٤ - وذهب إلى أن الماء والمائعات لا تنجس إلا بالتغير.
١٥ - / وذهب إلى أن بول ما يؤكل لحمه وروثه طاهر، وذكر أن القول بنجاسة ذلك قول مُحْدَثٌ لا سلف له من الصحابة.
١٦ - وذهب إلى أن الأرض تطهر إذا أصابتها نجاسة ثم ذهبت بالشمس أو الريح ونحو ذلك، وأنه يُصلى عليها ويُتيمم بها.
١٧ - وذهب إلى أن الخمرة إذا قصد تخليلها لا تطهر بحالٍ.
١٨ - وذهب إلى أن النجاسات تطهر بالاستحالة.
١٩ - وذهب إلى أن طين الشوارع طاهر إذا لم يظهر منه أثر النجاسة، فإن تعين أن النجاسة فيه عُفي عن يسيره.
٢٠ - وقال: الصحيح الذي عليه جمهور العلماء أن جلد الكلب بل سائر السباع لا تطهر بالدباغ.
وقال في موضع آخر: السنة تدل على أن الدباغ كالذكاة.
٢١ - وذكر خلاف الفقهاء فيمن قال: عليَّ مالٌ عظيمٌ أو خطيرٌ أو كبيرٌ أو جليلٌ، ثم قال: والأرجح في مثل هذا أن يرجع إلى عُرف المتكلمين، فما كان يسميه مثله كبيرًا حُمِلَ مطلق كلامه على / أقل محملاته.
٢٢ - وذكر الاختلاف في طهارة الكلب ونجاسته، ثم قال: والقول الراجح طهارة الشعور كلها كشعر الكلب والخنزير وغيرهما بخلاف الريق.
стр. 127
قال: وعلى هذا فإذا كان شعر الكلب رطبًا وأصابه ثوب الإنسان فلا شيء عليه كما هو مذهب جمهور الفقهاء: أبو حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه.
٢٣ - وذهب إلى أن لعاب الكلب إذا أصاب الصيد لم يجب غسله.
٢٤ - وذهب إلى أن عظم الميتة وقرونها وأظلافها طاهر حلال، وحكاه عن جمهور السلف.
٢٥ - وذهب إلى أن جبن المجوس طاهر، وإلى أن نفحة الميتة ولبنها طاهر.
٢٦ - وذكر [أن] أكثر العلماء يجوزون التوضؤ [بسؤر] البغل والحمار، ولم يُصرح باختياره فيه.
٢٧ - وذهب إلى أن النجاسات [تزول] بغير الماء من المائعات، وقال بعد أن ذكر اختلاف الفقهاء: وإن كان كذلك فالراجح في هذه المسألة أن النجاسة متى زالت بأي وجهٍ كان زال حكمها، لكن لا يجوز استعمال الأطعمة والأشربة في إزالة النجاسة بغير حاجة؛ لما في ذلك من إفساد الأموال.
٢٨ - وذهب إلى أن من صلى وعليه نجاسة جاهلاً أو ناسيًا لا إعادة عليه، ثم ذكر الدليل، وقال: ولهذا كان أقوى الأقوال أن ما فعله العبد ناسيًا أو مخطئًا من
стр. 128
محظورات الصلاة والصيام والحج لا يبطل العبادة كالكلام ناسيًا والأكل.
٢٩ - وذهب إلى أن النعل إذا أصابته نجاسة فدلكه في الأرض فإنه يطهر.
٣٠ - وذهب إلى أن الصلاة بالتيمم خارج الحمام أولى من الصلاة بعد الاغتسال في الحمام؛ فإنه قال في أثناء كلامه: وأما إن كانت المرأة أو الرجل يمكنه الذهاب لكن إذا دخل لا يمكنه الخروج حتى يفوت الوقت إما لكونه مقهورًا - مثل الغلام الذي لا يخليه سيده يخرج حتى يصلي / ومثل المرأة التي معها أولاد فلا يمكنها الخروج حتى تغسلهم ونحو ذلك - فهؤلاء لا بد لهم من أحد الأمور: إما أن يغتسلوا ويُصلوا في الحمام في الوقت، وإما أن يُصلوا خارج الحمام، وبكل هذه الأقوال تُفتي طائفة، لكن الأظهر أنهم يُصلون بالتيمم خارج الحمام.
وقال أيضًا: إذا ذهب إلى الحمام ليغتسل ويخرج يصلي خارج الحمام في الوقت، فلم يمكنه إلا أن يُصلي في الحمام أو تفوت الصلاة فالصلاة في الحمام خير من تفويت الصلاة.
قال: وأما إن كان [يعلم أنه] إذا ذهب إلى الحمام لم يمكنه الخروج حتى يخرج الوقت [فقد تقدمت] هذه المسألة، والأظهر أن يُصلي بالتيمم، فإن الصلاة بالتيمم خير من الصلاة في الأماكن التي نُهي عنها، ومن الصلاة بعد خروج الوقت.
٣١ - وذهب إلى أن / من حُبس في موضعٍ نجسٍ فصلى فيه أنه لا إعادة عليه، [وقال: الصحيح الذي عليه أكثر العلماء أن كل من صلى في الوقت كما أمر بحسب الإمكان فلا إعادة عليه] سواءً كان العذر نادرًا أو معتادًا.
стр. 129
٣٢ - وذهب إلى صحة صلاة من صلى خلف إمام يقرأ «غير المغضوب عليهم ولا الظالين» بالظاء، فإنه حكى الخلاف في ذلك، وقال: الوجه الثاني: تصح، وهذا أقرب؛ لأن الحرفين في السمع شيء واحدٌ، ثم ذكر تمام الدليل.
٣٣ - وذهب أن المرأة الحائض إذا انقطع دمها لا يطؤها زوجها حتى تغتسل إن كانت قادرة على الاغتسال وإلا تيممت، وذكر الدليل قال: وقد قال بعض أهل الظاهر: المراد بقوله ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: غسلن فروجهن. وليس بشيء؛ لأنه قد قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ فالتطهير في كتاب الله هو الاغتسال؛ قال: وأما قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ فهذا يدخل في المغتسل والمتوضئ والمستنجي / لكن التطهر المقرون بالحيض كالتطهر المقرون بالجنابة، والمراد به الاغتسال.
٣٤ - وذهب إلى أن عادم الماء إذا لم يجد ترابًا وعنده رماد تيمم به ويصلي، ولا يعيد، قال: وحمل التراب بدعة لم يفعله أحد من السلف.
٣٥ - وذهب إلى أنه لا يجب الوضوء من النجاسة الخارجة من غير السبيلين - كالفصاد والحجامة والقيء - بل يُستحب الوضوء من ذلك. ٣٦ - وكذلك لا يجب الوضوء من غسل الميت ولا من مس الذكر ولا القهقهة في الصلاة بل يُستحب. ٣٧ - وأما مس النساء فإن كان لغير شهوةٍ فإنه لا يجب منه الوضوء ولم يجب. ٣٨ - وكذلك من تفكر فتتحرك جارحته - أو قال: شهوته - فانتشر يُستحب الوضوء، ومن مسَّ الأمرد أو غيره فانتشر يُستحب له الوضوء أيضًا ولا يجب، ويُستحب الوضوء أيضًا من الغضب، ومن أكل ما مسته النار.
стр. 130
٣٩ - وأما / لحم الإبل فذهب إلى أنه يستحب منه الوضوء أيضًا، ومال في موضع إلى وجوب الوضوء منه، ومرة توقف في الوجوب، وقال في كلامه على المسائل التي [قيل] فيها إنها على خلاف القياس: وأما لحم الإبل فقد قيل: التوضؤ منه مستحب، لكن تفريق النبي ﷺ بينه وبين لحم الغنم - مع أن ذلك مسته النار، والوضوء منه مستحب - دليل على الاختصاص، وما فوق الاستحباب إلا الإيجاب، وقد قيل: الوضوء منه أوكد.
٤٠ - قال: وأما الوضوء من الحدث الدائم لكل صلاةٍ ففيه أحاديث متعددة، وقول الجمهور الذين يوجبون الوضوء لكل صلاة أظهر.
٤١ - وذهب إلى أن الخف إذا كان فوقه خرق يسير يجوز المسح عليه.
٤٢ - وذهب إلى أنه لا يتيمم للنجاسة على البدن.
٤٣ - وذهب إلى أن صلاة المأموم قدام / الإمام تصح مع العذر دون غيره، مثل إذا كان زحمة فلم يمكنه أن يصلي الجمعة والجنازة إلا قدام الإمام.
٤٤ - وذهب إلى أن جواز المساقاة والمزارعة قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم، وهذا مذهب الليث بن سعد وابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد، وفقهاء الحديث: كأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبي بكر بن المنذر، والخطابي، وغيرهم ﵃ بل الصواب أن المزارعة
стр. 131
أَحَلُّ من الإجارة بثمنٍ مسمًّى؛ لأنها أقرب إلى العدل وأبعد عن الخطر.
وقال أيضًا: فأما المزارعة فجائزة بلا ريب سواء كان البذر من المالك أو العامل أو منهما، وسواء كان بلفظ الإجارة أو المزارعة أو غير ذلك، وهذا أصح الأقوال في هذه المسألة، وكذلك كل ما كان من هذا الجنس مثل أن يدفع دابته أو سفينته إلى من يكتسب عليها والربح بينهما، أو من يدفع ماشيته أو نحله إلى من يقوم عليها، والصوف واللبن والولد / والعسل بينهما.
وقال في موضع آخر: من أعطى النظر حقه علم أن المزارعة أبعد من الظلم والقمار من الإجارة [بأجرة مسماة] مضمونة [في الذمة؛ فإن المستأجر إنما قصد الانتفاع بالزرع النابت في] الأرض؛ فإذا وجبت عليه الأجرة ومقصوده من الزرع قد يحصل وقد لا يحصل كان في [هذا] حصول أحد المتعاوضين على مقصوده [دون] الآخر، وأما المزارعة فإن حصل الزرع اشتركا فيه، وإن لم يحصل شيء اشتركا في الحرمان، فلا يختص أحدهما بحصول مقصوده دون الآخر، فهذا أقرب إلى العدل وأبعد عن الظلم من الإجارة، والأصل في العقود جميعها هو العدل؛ فإنه به بعث الله الرسل ونَزَّل الكتب.
وقال: وأما المضاربة والمساقاة والمزارعة فليس فيها شيء من الميسر، بل هن من أقوم العدل، فهذا مما يُبين [لك أن] المزارعة التي يكون فيها البذر من العامل أحق
стр. 132
بالجواز من المزارعة التي يكون فيها من رب الأرض، ولهذا كان أصحاب النبي ﷺ / يزارعون على هذا الوجه، وكذلك «عامل النبي ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع على أن (يعملوا) من أموالهم».
٤٥ - وقال في أثناء كلامه بعد أن تكلم على المزارعة الفاسدة والمضاربة: ولهذا كان الصواب أنه يجب في المضاربة الفاسدة ربح المثل لا أجرة المثل، ويعطى العامل ما جرت به العادة أن يعطى مثله من الربح، إما نصفه وإما ثلثه وإما ثلثاه، وأما أن يعطي شيئًا مقدارًا مضمونًا في ذمة المالك، كما يعطي في الإجارة [والجعالة] فهذا غلط ممن قاله.
٤٦ - وذكر اختلاف الفقهاء [في بيع] ما في بطن الأرض ويظهر ورقه كاللفت والجزر والقلقاس، والفجل والثوم والبصل وشبه ذلك، وصحح الجواز؛ فإنه قال: والثاني: أن بيع ذلك جائز، كما يقوله من يقوله من أصحاب مالك وغيرهم، وهو قول في مذهب أحمد وغيره، وهذا القول هو الصواب لوجوهٍ. ثم ذكرها.
/ وقال: ومما يشبه ذلك بيع المقاثي وصحته - كمقاثي الخيار والبطيخ والقثاء وغير ذلك - فمن أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما من يقول: لا يجوز بيعها إلا لقطة [لقطة]، وكثيرٌ من العلماء [من أصحاب مالك وأحمد
стр. 133
وغيرهما، قالوا: إنه يجوز بيعها] مطلقًا على الوجه المعتاد، وهذا هو الصواب.
٤٧ - وقال: إذا بدا صلاح بعض الشجرة كان صلاحًا لباقيها باتفاق العلماء [ويكون صلاحها صلاحًا لسائر ما في البستان من ذلك النوع، في أظهر قولي العلماء] وقول جمهورهم، بل يكون صلاحًا لجميع ثمرة البستان التي جرت العادة بأن تباع جملة في أحد قولي العلماء.
٤٨ - وذهب إلى أن القول بوضع الجوائح في الثمر؛ فإذا اشترى ثمرًا قد بدا صلاحه فأصابته جائحة أتلفته قبل كماله فإنه يكون من ضمان البائع. ٤٩ - وإلى أن المشتري يبيع الثمرة قبل الجداد؛ لأنه قبضها القبض المبيح للتصرف / وإن لم يقبضها القبض الناقل للضمان كقبض العين المؤجرة؛ فإنه إذا [قبضها] جاز له التصرف في المنافع، وإن كانت إذا تلفت تكون من ضمان المؤجر.
٥٠ - قال في الإجارة: لكن تنازع الفقهاء هل له أن يؤجرها بأكثر مما استأجرها على ثلاثة أقوال، هي ثلاث روايات عن أحمد:
قيل: يجوز؛ كقول الشافعي.
وقيل: لا يجوز؛ كقول أبي حنيفة وصاحبيه؛ لأنه ربح فيما لم يضمن؛ لأن المنافع لم يضمنها.
وقيل: إن أحدث فيها عمارة جاز وإلا فلا.
قال: والأول أصح؛ لأنها مضمونة عليه بالقبض، بمعنى إذا لم يستوفها تلفت
стр. 134
من ضمانه لا من ضمان المؤجر.
٥١ - وذهب إلى أن من استأجر أرضًا فزرعها ثم تلف الزرع بنارٍ أو ريحٍ أو بردٍ ونحو ذلك، أنه يكون من ضمان المؤجر.
٥٢ - وذهب إلى أن الأب ليس له إجبار ابنته البكر البالغة على النكاح، وإلى أن مناط الإجبار هو الصغر.
٥٣ - وذهب إلى أن الأب له أن يطلق على ابنه الصغير والمجنون إذا رأى المصلحة. ٥٤ - وإلى أنه يخالع عن ابنته إذا رأى المصلحة لها. ٥٥ - قال: وأبلغ من ذلك أنه إذا طلقها قبل الدخول فللأب أن يعفو عن نصف الصداق إذا قيل هو الذي بيده عقدة النكاح - كما هو قول مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه - والقرآن يدل على صحة هذا القول.
٥٦ - وذهب إلى أن كل مطلقةٍ لها متعةٌ، قال: كما دل عليه ظاهر القرآن وعمومه.
٥٧ - وقال في أثناء كلامه: وأما إذا دفع الدرهم فقال: أعطني بنصفه فضةً وبنصفه فلوسًا، أو قال: أعطني بوزن هذه الدراهم الثقيلة أنصافًا أو دراهم خفافًا؛ فإنه يجوز سواء كانت مغشوشةً أو خالصةً، ومن الفقهاء من يكره ذلك ويجعله من باب «مُدِّ عجوةٍ»؛ لكونه باع فضةً ونحاسًا بفضةٍ ونحاسٍ.
وأصل مسألة «مُدِّ عجوةٍ» أن يبيع مالاً ربويًّا بجنسه ومعهما / أو مع أحدهما من غير جنسه؛ فإن للعلماء في ذلك [ثلاثة] أقوال:
أحدهما: المنع مطلقًا؛ وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد.
والثاني: الجواز مطلقًا؛ كقول أبي حنيفة، ويُذكر رواية عن أحمد.
стр. 135
والثالث: الفرق بين أن يكون المقصود بيع الربوي بجنسه متفاضلاً أو لا، وهذا مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه؛ فإذا باع تمرًا في نواه بنوى أو بتمر منزوع النوى، أو شاة فيها لبن [بشاة ليس فيها لبن] أو بلبن ونحو ذلك؛ فإنه يجوز عندهما بخلاف ما إذا باع ألف درهم بخمسمائة درهم في منديل؛ فإن هذا لا يجوز.
٥٨ - قال: وأما بيع الفضة بالفلوس النافقة فهل يشترط فيه الحلول والتقابض كصرف الدراهم بالدنانير، فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد.
أحدهما: لا بد من الحلول والتقابض فإن هذا من جنس الصرف؛ فإن الفلوس النافقة تشبه الأثمان، فيكون بيعها بجنس الأثمان صرفًا.
والثاني: لا يشترط الحلول والتقابض / فإن ذلك معتبر في جنس الذهب والفضة، سواءً كان ثمنًا (أو كان مصوغًا) بخلاف الفلوس؛ ولأن الفلوس هي في الأصل من باب العروض والثمنية عارضة لها.
٥٩ - قال: وأما إذا كان لرجلٍ عند غيره حق من عينٍ أو دينٍ، فهل يأخذه أو نظيره بغير إذنه؟ فهذا نوعان:
أحدهما: أن يكون سبب الاستحقاق ظاهرًا لا يحتاج إلى إثباتٍ، مثل استحقاق المرأة النفقة على زوجها [واستحقاق الولد أن يُنفق عليه والده]، واستحقاق الضيف الضيافة على من نزل به، فهنا له أن يأخذ بدون إذن من عليه الحق بلا ريب. ثم ذكر حديث هند.
والثاني: أن لا يكون سبب الاستحقاق ظاهرًا فهذا فيه قولان:
стр. 136
أحدهما: ليس له أن يأخذ؛ وهو مذهب مالك وأحمد.
والثاني: له أن يأخذ؛ وهو مذهب الشافعي.
و[أما] أبو حنيفة فيسوغ الأخذ من جنس الحق.
ومال الشيخ إلى عدم الجواز.
٦٠ - قال: وإذا دفع الزكاة إلى الوالدين إذا كانوا غارمين / أو مكاتبين ففي ذلك وجهان، والأظهر جواز ذلك، وأما إن كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم فالأقوى جواز دفعها إليهم في هذا الحال؛ لأن المقتضى [موجود، والمانع مفقود؛ فوجب العمل بالمقتضى] السالم عن المعارض المقام.
٦١ - وقال في أثناء كلامه في مسألة العينة: والشرط بين الناس ما عدوه شرطًا كما أن البيع بينهم ما عدوه بيعًا، والإجارة بينهم ما عدوها إجارة، وكذلك النكاح [بينهم ما عدوه نكاحًا؛ فإن الله ذكر البيع والنكاح] في كتابه ولم يُذكر لذلك حدٌّ في الشرع، ولا له حدٌّ في اللغة، والأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع - كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج - وتارة باللغة - كالشمس، والقمر، والبر، والبحر - وتارة بالعرف - كالقبض، والتصرف، وكذلك العقود كالبيع والإجارة والنكاح والهبة، وغير ذلك - فإذا تواطأ الناس على شرطٍ وتعاقدوا؛ فهذا [شرط] عند أهل العرف، والله أعلم.
стр. 137
٦٢ - وذهب إلى أن إخراج القيمة في الزكاة للحاجة أو للمصلحة الراجحة جائز.
٦٣ - [وذهب إلى أن إبدال الموقوف والمنذور جائز] لمصلحةٍ راجحةٍ، مثل أن يبدل / الهدي بخيرٍ منه، ومثل المسجد إذا بني بدله مسجد آخر أصلح لأهل البلدة منه، وبيع [الأول]، فهذا ونحوه جائز عند أحمد وغيره من العلماء.
قال: وأما إبدال العَرْصة بعرصة أخرى فهذا [قد نصَّ] أحمد وغيره على جوازه اتباعًا لأصحاب رسول الله ﷺ ؛ حيث فعل ذلك عمر، واشتهرت القضية ولم تُنكر.
وقال أيضًا: النصوص والآثار والقياس يقتضي جواز الإبدال للمصلحة، والله أعلم.
٦٤ - وذهب إلى جواز القصاص [في اللطمة] والضربة ونحو ذلك، فذهب الخلفاء الراشدون إلى أنه مشروع يُقتص بمثله، وهو المنصوص عن أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد الشَّالَنْجي، وذهب كثيرٌ من الفقهاء إلى أنه لا يُشرع في ذلك قصاص،
стр. 138
وهذا قول [كثير] من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، والأول أصح.
٦٥ - قال: وأما القصاص في إتلاف الأموال مثل أن يخرق ثوبه؛ فيخرق ثوبه / المماثل له، أو يهدم داره؛ فيهدم داره، ونحو ذلك، فهذا فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد:
إحداهما: أن ذلك غير مشروع؛ لأنه إفساد.
الثاني: أن ذلك مشروع؛ لأن الأنفس والأطراف أعظم قدرًا من الأموال، فإذا جاز إتلافها على سبيل القصاص؛ فالأموال أولى.
٦٦ - قال: وإذا أتلف له ثيابًا أو حيوانًا أو عقارًا أو نحو ذلك فهل يضمنه بالقيمة أو يضمنه بجنسه مع القيمة؟ على قولين معروفين للعلماء، وهما روايتان في مذهب الشافعي وأحمد، فإن الشافعي قد نصَّ على أنه إذا هدم دارًا بناها كما كانت؛ فضمنه بالمثل، وروي عنه في الحيوان نحو ذلك.
٦٧ - قال: وأما إسقاط [الدَّين عن المعسر] فلا يجزئ عن زكاة العين بلا نزاع، لكن إذا كان له دين على من يستحق الزكاة فهل يجوز أن يسقط عنه قدر زكاة ذلك الدَّين، ويكون ذلك زكاة ذلك الدَّين؟ هذا فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد وغيره، أظهرهما الجواز؛ لأن الزكاة مبناها على المواساة، وهنا قد أخرج من جنس ما [يملك] بخلاف ذلك إذا كان ماله عينًا وأخرج دينًا؛ فإن الذي أخرجه
стр. 139
دون الذي يملكه؛ فكان بمنزلة إخراج الخبيث عن الطيب؛ وهذا لا يجوز كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾، ولهذا كان على المزكي أن يُخرج من جنس ماله لا يخرج أدنى منه، فإذا كان له ثمرٌ أو حنطة جيدةٌ لم يخرج عنها ما هو دونها، والله أعلم.
٦٨ - وذهب إلى جواز السجود على كور العمامة، قال: والأفضل أن يباشر الأرض.
٦٩ - وقال: السنة في التراويح أن تُصلى بعد العشاء الآخرة كما اتفق على ذلك السلف والأئمة، فمن صلاها قبل العشاء فقد سلك سبيل المبتدعة المخالفين للسنة.
٧٠ - وذهب إلى أن الإطعام في الكفارة مقدر بالعرف لا بالشرع، قال: فيطعم أهل كل بلدةٍ من أوسط ما يطعمون أهليهم قدرًا أو نوعًا، وهذا معنى قول مالك، قال إسماعيل بن إسحاق: كان مالك / يرى في كفارة اليمين [أن المُدَّ] يجزئ بالمدينة. قال مالك: وأما البلدان فإن لهم عيشًا غير عيشنا، فأرى أن يكفروا بالوسط من عيشهم؛ لقول الله - تعالى -: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. وهو مذهب داود وأصحابه مطلقًا، والمنقول عن أكثر الصحابة والتابعين يوافق هذا القول. وقد [بسطنا الآثار عنهم في غير هذا الموضع، و] بينا أن هذا القول هو الصواب الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار، وهو قياس مذهب أحمد وأصوله؛ فإن أصله أن ما لم يقدره الشارع فإنه يرجع فيه إلى العرف، وهذا مما لم يقدره الشارع فيرجع فيه إلى العرف لا سيما مع قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾
стр. 140
فإن أحمد لا يقدر طعام المرأة والولد ولا المملوك، ولا يقدر أجرة الأجير المستأجر بطعامه وكسوته في ظاهر مذهبه، ولا يقدر الضيافة الواجبة قولاً واحدًا، ولا يقدر الضيافة المشروطة على هذا على أهل الذمة للمسلمين في ظاهر مذهبه، هذا مع أن هذه واجبة بالشرط، فكيف يقدر طعامًا واجبًا في الشرع، ولا يقدر الجزية / في أظهر الروايتين عنه ولا الخراج؟ فطعام الكفارة أولى أن لا يقدر.
٧١ - قال: وإذا جمع عشرة مساكين (وغداهم) وعشاهم خبزًا وإدامًا من أوسط ما يطعم أهله؛ أجزأه ذلك عن أكثر السلف، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين وغيرهم، وهو أظهر القولين في الدليل، فإن الله - تعالى - إنما [أمر] بإطعام، لم يوجب التمليك، وهذا إطعام حقيقة.
٧٢ - وذكر الاختلاف في أن صدقة الفطر جارية مجرى صدقة الأموال أو صدقة الأبدان كالكفارات، ورجح القول بأن سببها البدن لا المال، ثم قال: وعلى هذا القول فلا يجزئ إعطاؤها إلا لمن يستحق الكفارة، وهم الآخذون لحاجة أنفسهم، ولا يعطى منها في المؤلفة ولا الرقاب ولا غير ذلك، وهذا القول أقوى في الدليل.
٧٣ - وذهب إلى أن المني طاهرٌ وقطع بذلك.
٧٤ - وذهب إلى أن المذي يجزئ فيه النضح، قال: وقد روي عن أحمد أنه طاهرٌ كالمني، و [على] القول بنجاسته فهل يُعفى عن يسيره؟ على قولين / هما
стр. 141
روايتان عن أحمد.
٧٥ - قال: [وتنازعوا] فيما إذا ترك الإمام ما يعتقد المأموم وجوبه، مثل أن يترك قراءة البسملة والمأموم يعتقد وجوبها، أو يمس ذكره ولا يتوضأ والمأموم يرى وجوب الوضوء من ذلك، أو يصلي في جلود الميتة المدبوغة والمأموم يرى أن الدباغ لا يطهر، أو يحتجم ولا يتوضأ والمأموم يرى الوضوء من الحجامة.
قال: والصحيح المقطوع به أن صلاة المأموم خلف إمامه صحيحة، وإن كان إمامه مخطئًا في نفس الأمر، لما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : «يُصَلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم».
٧٦ - وذهب إلى أنه يُقنت في الصلوات كلها عند النوازل.
٧٧ - وذهب إلى التخيير في وصل الوتر وفصله، وفي القنوت فيه وتركه، فقال: إذا أوتر بثلاثٍ: إن شاء فصل، وإن شاء وصل، ويخير في دعاء القنوت: إن شاء فعله، وإن شاء تركه، وإن صلى قيام رمضان / فإن قنت بهم في جميع الشهر فقد أحسن، وإن قنت في النصف الأخير فقد أحسن، وإن [لم يقنت] بحالٍ فقد أحسن.
٧٨ - قال: وقد تنازع [الناس] هل الأفضل طول القيام أو كثرة الركوع والسجود
стр. 142
أو كلاهما سواء، على ثلاثة أقوال، أصحها أن كليهما سواء.
٧٩ - قال: وتنازع العلماء في القراءة على الجنازة على ثلاثة أقوالٍ:
قيل: لا تُستحب؛ كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك.
وقيل: بل يجب فيها قراءة الفاتحة؛ كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي أحمد.
وقيل: بل قراءة الفاتحة سنة، وإن لم يقرأ بل دعا بلا قراءة جاز؛ وهذا هو الصواب.
٨٠ - وذهب إلى أن البسملة آيةٌ من كتاب الله حيث كُتبت، وليست من السورة، وأنه يُقرأ بها سرًّا في الصلاة، وإن جهر بها للمصلحة الراجحة فحسن.
٨١ - وذهب إلى أن من كان مداومًا على قيام الليل أغناه عن المداومة على صلاة الضحى؛ كما كان النبي ﷺ يفعل، ومن كان ينام عن قيام الليل فصلاة الضحى بدل قيام الليل أفضل / له.
٨٢ - وذهب إلى أن القصر والجمع في السفر لا يحتاج إلى نية، وكذلك الجمع بين الصلاتين لا يفتقران إلى نية.
٨٣ - وذهب إلى [أن] الموالاة لا تشترط في الجمع بين الصلاتين.
٨٤ - وذهب إلى أن صوم الدهر مكروه، وإن أفطر مع ذلك يوم العيدين وأيام التشريق، وضعَّف قول من حمل صوم الدهر على صيام أيام السنة مع هذه الخمسة
стр. 143
تضعيفًا كثيرًا. ٨٥ - قال: وأما قوله: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر تعدل صيام الدهر» فمراده أن من فعل هذا حصل له أجر صيام الدهر بتضعيف الأجر دون حصول المفسدة.
٨٦ - قال: والجنب يُستحب له الوضوء إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يعاود الوطء، لكن يُكره له النوم إذا لم يتوضأ، وقد جاء في بعض الأحاديث أن ذلك كراهية أن تقبض روحه وهو نائم فلا تشهد الملائكة جنازته، فإن في السنن عن
стр. 144
النبي ﷺ أنه قال: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه جنب».
وقال: ووضوء الجنب يرفع الجنابة الغليظة، وتبقى مرتبة بين المحدث والجنب.
٨٧ - وذهب / إلى أن نوم الجنب لا ينقض وضوءه المخفف للجنابة.
٨٨ - قال: وتنازع العلماء في غسل اليدين قبل الأكل هل يكره أو يستحب؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، فمن استحب ذلك احتج بحديث سلمان: «أنه قال للنبي ﷺ : قرأت في التوراة أن من بركة الطعام الوضوء قبله. فقال: بركة الطعام [الوضوء] قبله والوضوء بعده».
стр. 145
ومن كرهه قال: هذا خلاف سنة المسلمين فإنهم لم يكونوا يتوضئون قبل الأكل، وإنما هو من فعل اليهود فيُكره التشبه بهم، وأما حديث سلمان الفارسي فقد ضعفه بعضهم، وقد يُقال: كان هذا في أول الإسلام لما كان النبي ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يُؤمر فيه بشيءٍ.
٨٩ - وقال في أثناء كلامه على مواضع مفيدةٍ: وعلى هذا بُني نزاع العلماء في صدقة الفطر إذا لم يكن أهل البلد يقتاتون التمر والشعير [فهل يخرجون من قوتهم