روايتان عن أحمد.
٧٥ - قال: [وتنازعوا] فيما إذا ترك الإمام ما يعتقد المأموم وجوبه، مثل أن يترك قراءة البسملة والمأموم يعتقد وجوبها، أو يمس ذكره ولا يتوضأ والمأموم يرى وجوب الوضوء من ذلك، أو يصلي في جلود الميتة المدبوغة والمأموم يرى أن الدباغ لا يطهر، أو يحتجم ولا يتوضأ والمأموم يرى الوضوء من الحجامة.
قال: والصحيح المقطوع به أن صلاة المأموم خلف إمامه صحيحة، وإن كان إمامه مخطئًا في نفس الأمر، لما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : «يُصَلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم».
٧٦ - وذهب إلى أنه يُقنت في الصلوات كلها عند النوازل.
٧٧ - وذهب إلى التخيير في وصل الوتر وفصله، وفي القنوت فيه وتركه، فقال: إذا أوتر بثلاثٍ: إن شاء فصل، وإن شاء وصل، ويخير في دعاء القنوت: إن شاء فعله، وإن شاء تركه، وإن صلى قيام رمضان / فإن قنت بهم في جميع الشهر فقد أحسن، وإن قنت في النصف الأخير فقد أحسن، وإن [لم يقنت] بحالٍ فقد أحسن.
٧٨ - قال: وقد تنازع [الناس] هل الأفضل طول القيام أو كثرة الركوع والسجود
стр. 142
أو كلاهما سواء، على ثلاثة أقوال، أصحها أن كليهما سواء.
٧٩ - قال: وتنازع العلماء في القراءة على الجنازة على ثلاثة أقوالٍ:
قيل: لا تُستحب؛ كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك.
وقيل: بل يجب فيها قراءة الفاتحة؛ كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي أحمد.
وقيل: بل قراءة الفاتحة سنة، وإن لم يقرأ بل دعا بلا قراءة جاز؛ وهذا هو الصواب.
٨٠ - وذهب إلى أن البسملة آيةٌ من كتاب الله حيث كُتبت، وليست من السورة، وأنه يُقرأ بها سرًّا في الصلاة، وإن جهر بها للمصلحة الراجحة فحسن.
٨١ - وذهب إلى أن من كان مداومًا على قيام الليل أغناه عن المداومة على صلاة الضحى؛ كما كان النبي ﷺ يفعل، ومن كان ينام عن قيام الليل فصلاة الضحى بدل قيام الليل أفضل / له.
٨٢ - وذهب إلى أن القصر والجمع في السفر لا يحتاج إلى نية، وكذلك الجمع بين الصلاتين لا يفتقران إلى نية.
٨٣ - وذهب إلى [أن] الموالاة لا تشترط في الجمع بين الصلاتين.
٨٤ - وذهب إلى أن صوم الدهر مكروه، وإن أفطر مع ذلك يوم العيدين وأيام التشريق، وضعَّف قول من حمل صوم الدهر على صيام أيام السنة مع هذه الخمسة
стр. 143
تضعيفًا كثيرًا. ٨٥ - قال: وأما قوله: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر تعدل صيام الدهر» فمراده أن من فعل هذا حصل له أجر صيام الدهر بتضعيف الأجر دون حصول المفسدة.
٨٦ - قال: والجنب يُستحب له الوضوء إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يعاود الوطء، لكن يُكره له النوم إذا لم يتوضأ، وقد جاء في بعض الأحاديث أن ذلك كراهية أن تقبض روحه وهو نائم فلا تشهد الملائكة جنازته، فإن في السنن عن
стр. 144
النبي ﷺ أنه قال: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه جنب».
وقال: ووضوء الجنب يرفع الجنابة الغليظة، وتبقى مرتبة بين المحدث والجنب.
٨٧ - وذهب / إلى أن نوم الجنب لا ينقض وضوءه المخفف للجنابة.
٨٨ - قال: وتنازع العلماء في غسل اليدين قبل الأكل هل يكره أو يستحب؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، فمن استحب ذلك احتج بحديث سلمان: «أنه قال للنبي ﷺ : قرأت في التوراة أن من بركة الطعام الوضوء قبله. فقال: بركة الطعام [الوضوء] قبله والوضوء بعده».
стр. 145
ومن كرهه قال: هذا خلاف سنة المسلمين فإنهم لم يكونوا يتوضئون قبل الأكل، وإنما هو من فعل اليهود فيُكره التشبه بهم، وأما حديث سلمان الفارسي فقد ضعفه بعضهم، وقد يُقال: كان هذا في أول الإسلام لما كان النبي ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يُؤمر فيه بشيءٍ.
٨٩ - وقال في أثناء كلامه على مواضع مفيدةٍ: وعلى هذا بُني نزاع العلماء في صدقة الفطر إذا لم يكن أهل البلد يقتاتون التمر والشعير [فهل يخرجون من قوتهم
стр. 146
كالبر والرز، أو يخرجون من التمر والشعير] لأن النبي ﷺ فرض ذلك، فإن في الصحيحين عن ابن عمر أنه / قال: «فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعيرٍ، على كل صغيرٍ وكبيرٍ، ذكرٍ وأنثى، حرٍّ وعبدٍ من المسلمين»؟ وهذه المسألة فيها قولان للعلماء [وهما روايتان عن أحمد، وأكثر العلماء] على أنه يُخْرج من قوت بلده، وهذا هو الصحيح، كما ذكر الله ذلك في الكفارة بقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾.
٩٠ - وقال ﵀: السؤال محرَّمٌ إلاّ عند الحاجة إليه، وظاهر مذهب أحمد أنه لو وجد ميتةً عند الضرورة ويُمكِنه السؤال جاز له أكلُ الميتةِ، ولا يسأل الناس شيئًا، ولو ترك أكل الميتة وماتَ [ماتَ] عاصيًا، ولو ترك السؤالَ وماتَ لم يَمُتْ عاصيًا، والأحاديث في تحريم السؤال كثيرة جدًّا نحو بضعة عشر حديثًا في الصحاح والسنن، وفي سؤال الناس مفاسدُ: الذّلّ لهم، والشرك بهم، والإيذاء لهم، وفيها ظلم نفسه بالذل لغير الله وظلمٌ الخلق بسؤالهم أموالهم، قال النبي ﷺ لابن عباس: «إذا سالتَ فاسألِ الله، وإذا استعنتَ فاستعنْ / بالله».
стр. 147
٩١ - قال: اتفقت الأئمة على ثبوت الشفعة في العقار الذي يقبل [القسمة قسمة] الإجبار، كالقرية والبستان ونحو ذلك، وتنازعوا فيما لا يقبل قسمة الإجبار، وإنما ينقسم بضررٍ أو رد عوضٍ فيحتاج إلى التراضي، هل تثبت فيه الشفعة؟ على قولين مشهورين، هما روايتان عن مالك وعن أحمد بن حنبل:
أحدهما: يثبت فيه الشفعة؛ وهو مذهب أبي حنيفة، واختيار بعض أصحاب الشافعي كابن سريج، وطائفة من أصحاب أحمد بن حنبل كأبي الوفاء بن عقيل، [وهي رواية] التهذيب عن مالك، وهذا القول هو الصواب.
والثاني: لا يثبت فيه الشفعة؛ وهو قول الشافعي نفسه، واختيار كثير من أصحاب أحمد ﵃.
٩٢ - وقال: على الرجل أن [يعدل] بين أولاده كما أمر الله ورسوله. ثم ذكر حديث النعمان بن بشير، وقال: لكن إذا خصَّ أحدهما لسببٍ شرعي، مثل أن يكون محتاجًا مطيعًا لله، والآخر غني عاصٍ لله يستعين بالمال على المعصية، فإذا أعطى من أمر الله [بإعطائه] ومنع من أمر الله بمنعه؛ فقد أحسن / والله أعلم.
تم الفصل الأول
стр. 148
الفصل الثاني
قال شيخنا الحافظ ابن عبد الهادي - رحمة الله عليه -:
٩٣ - في «القاعدة الزرعية»: لم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يجهر بالبسملة، وليس في الصحاح ولا في السنن حديثٌ صحيحٌ صريحٌ بالجهر، والأحاديث الصريحة بالجهر كلها ضعيفة بل موضوعةٌ.
٩٤ - وقال أيضًا: لم يكن النبي ﷺ يداوم على صلاة الضحى باتفاق أهل العلم بسنته، ومن زعم من الفقهاء أن ركعتي الضحى كانت واجبة عليه؛ فقد غلط، والحديث الذي يذكرونه: «ثلاث هن عليَّ فريضةٌ وهن لكم تطوعٌ: الوتر، والنحر، وركعتا الضحى» حديثٌ موضوعٌ.
стр. 149
وقال أيضًا في موضع آخر: ضعفه.
٩٥ - وقال أيضًا في موضع آخر: والحديثُ الذي يُروَى «في الرجل الذي قال: إن امرأتي لا تَردُّ يد لامسٍ» قد ضعَّفُوه.
стр. 150
وقال في موضع آخر: هذا الحديث قد ضعفه / أحمد وغيره، وتأوله بعضهم على أنها لا ترد طالب مالٍ، لكن ظاهر الحديث يدل على خلافه، ومنهم من اعتقد ثبوته وأن النبي ﷺ أمره أن يمسكها مع كونها لا تمنع الرجال، وهذا مما أنكره غير واحدٍ من الأئمة.
стр. 151
٩٦ - قال شيخنا: فواتح السور تناسب خواتمها، وذلك تناسب مضمون كما أن «البقرة» افتتحت بذكر الكتاب وأنه هدًى للمتقين، وذكر في ذلك الإيمان بما أنزل إلينا وما أنزل على من قبلنا، ووُسطت بمثل ذلك، وختمت بمثل ذلك، قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ... ﴾ إلى آخر السورة، وكان في «البقرة» مخاطبة لجميع الخلق حتى يدخل فيه من لم يؤمن بالرسل عمومًا، ومن أقر بهم خصوصًا، وللمؤمنين بالجميع خصوص الخصوص؛ ففيها خطاب الأصناف الثلاثة.
وأما «آل عمران» فالغالب عليها مخاطبة من أقر بالرسل من أهل الكتاب، ومخاطبة المؤمنين، فافتتحها سبحانه بذكر وحدانيته / ردًّا على المشركين من النصارى وغيرهم، وذكر تنزيل الكتاب، وذكر ضلال من اتبع المتشابه، ووسطها بمثل ذلك، وختمها بقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾.
وأما السور المكية كـ «الأنعام» و «الأعراف» وغيرهما [ففيها مخاطبة] الناس الذين يدخل فيهم المكذب بالرسل، ولهذا كانت السور مكية في تقرير أصول ( ... ) اتفق عليها المرسلون، بخلاف السور المدنية؛ فإن فيها مخاطبة أهل الكتاب الذين آمنوا ببعض الكتب، ومخاطبة المؤمنين الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله
стр. 152
ما ليس في السور المكية، ولها كان الخطاب بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مختصًّا بالسور المدنية، وأما الخطاب بـ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فالغالب أنه في السور المكية، وربما كان في السور المدنية؛ لأن الخطاب العام يدخل فيه المؤمنون وغيرهم بخلاف الخاص، والأصول تعم ما لا يعم الفروع، وإن كانت الفروع واجبة على الكفار على أصح القولين؛ فإنما ذلك ليعاقبون عليها في الآخرة، وأما [كون] / الكافر يؤمر بعمل الفروع قبل الإيمان فلا.
و«سورة النساء» والغالب عليها مخاطبة الناس في الصلات التي بينهم بالنسب والعقد وأحكام ذلك، فافتتحها الله سبحانه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ لعموم أحكامها وقال: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾، فذكر اشتراك جميع الناس في الأصل، وأمرهم بتقوى الله الذي [به] يتعاقدون ويتعاهدون؛ فإن كل واحدٍ من المتعاقدين يطلب من الآخر ما قصده بالعقد، وهو بالله يعقده؛ إذ قد جعلوا الله عليهم كفيلاً، وبصلة الأرحام التي خلقها الله كما جمع بينهما في قوله : ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ • وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾، وفي قوله : ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ • الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾.
/ وأما «سورة المائدة» فإنها سورة العقود - وهي العهود والمواثيق - التي يعقدها بنو آدم بينهم وبين ربهم، ويعقدها بعضهم لبعضٍ، مثل عقد الإيمان وعقد الأيمان، فأمر الله بالوفاء بالعهود، والوفاء بالعهود من صفات الصادقين دون
стр. 153
الكاذبين، وختم السورة بما يناسب ما فيها فقال: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية، فالموفون بالعقود صادقون؛ فنفعهم الصدق بالوفاء يوم القيامة بما وعدهم من الكرامة، ثم تكلم على الوفاء بالعهد.
وقال: وهذه سورة «المائدة» للمؤمنين أمرهم فيها بالوفاء بالعقود، وذكَّرهم فيها بنعمته، كما قال تعالى لبني إسرائيل: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ فذكر النعم التي توجب الشكر، والوفاء بالعقود يحتاج إلى الصبر، ولا بد أن يكون صبارًا أو شكورًا؛ كما قال في أثناء السورة بعد آية الطهارة: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾.
/ قال: فلما كان هذا فاتحة السورة كان من مضمونها الشريعة والمنهاج التي جعلها لأهل القرآن، فبين لهم من تفصيل أمره ونهيه الذي جعل الله لهم شرعة ومنهاجًا في هذه السورة ما وجب عليهم الوفاء به؛ لأجل إيمانهم الذي هو عقد يوجب عليهم طاعة الله ورسله واتباع كتابه، ولهذا رُوي عن النبي ﷺ : «إن سورة المائدة آخر القرآن نزولاً؛ فأحلوا حلالها وحرموا حرامها»، وعن أبي ميسرة: «إن فيها بضع عشرة شريعة ليست في غيرها».
لما أمرهم الله أن يوفوا بالعهود المتناولة لعقوده التي وجب عليها
стр. 154
بالإيمان به، بيَّن ما أمر به وبيَّن ما نهى عنه، وما حلله وما حرمه، ليبين أن الوفاء بالعقود باتباع هذا الأمر والنهي والتحليل والتحريم؛ فقال: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ ... ﴾ الآيات، فأحل لهم بهيمة الأنعام بشرط أن لا تحلوا الصيد وأنتم حرم، ونهاهم عن إحلال شعائره وما معها / وأحل لهم الصيد بعد الإحرام، ونهاهم عن أن يحملهم بغض قوم يمنعوهم ( ... ) الدين أن يعتدوا، وأمرهم كلهم جمعة أن يتعاونوا على البر والتقوى، ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان. ثم فصَّل لهم ما حرم عليهم، كالميت حتف أنفه أو لسببٍ غير الذكاة، واستثنى من ذلك ما أدركوه حيًّا فذكوه، وذكر ما ذُبح على النصب واللاستقسام بالأزلام (وذلك يتضمن طلب العبد قسمته وما قُدر له فيما يريد أن يفعله ليكون مؤتمرًا مزجرًا عن الأزلام)، أو فيما لا يريد أن يفعله فيتضمن اعتقاده لما يكون عن الأزلام؛ فإن المستقسم بالأزلام يعتقد ما دلت عليه من خيرٍ أو شرٍّ فيما يفعله فيفعل أو يترك، وفيما لا يفعل (فيعتقد أن ما رجوه ومخافه) وذلك خروج فسق، وهو خروج عن طاعة الله فيما أمر به من الاستغفار والتوكل / عليه.
ثم تكلم على الطيرة والفأل، وأنوع الاستقسام بالأزلام، وتكلم أيضًا على السحرة والنجوم وعلى الكسوف.
وقال في أثناء كلامه: فلولا أن الكسوف والخسوف قد يكونان سببا تلفٍ وعذابٍ لم يصح التخويف بهما، وكذلك سائر الآيات المخوفة: كالريح الشديدة، والزلزلة، وسائر الكواكب، وغير ذلك؛ ولهذا يُسمي العلماء الصلاة المشروعة [عند]
стр. 155
ذلك صلاة الآيات، وهي صلاة قد صلاها النبي ﷺ بركوعين طويلين وسجودين طويلين، ولم يُصَلِّ قط صلاة في جماعة أطول من صلاة الكسوف، ويُصلى أيضًا عند بعض العلماء - وهو المنصوص عن أحمد [عند] الزلزلة، ويُصلى أيضًا عند محققي أصحابه لجميع الآيات، كما دل على ذلك السنن والآثار، وهذه صلاة [رهبةٍ] وخوفٍ كما أن صلاة الاستسقاء صلاة [رغبةٍ ورجاءٍ، وقد أمر الله عباده أن يدعوه] خوفًا وطمعًا.
ثم قال الشيخ - رحمه الله تعالى-: لما ذكر ما حرم عليهم ذكر ما أحل لهم / ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فأمر بالأكل مما أمسكن علينا الجوارح التي علمنا مكلبين، ونذكر اسم الله عليه، وهذه اعتبار لثلاثة:
أحدها: أن يكون الخارج الجارح مُعَلَّمًا، فما ليس بمعلَّمٍ لم يدخل في ذلك.
الثاني: أن يمسك علينا فيكون بمنزلة الوكيل من عبدٍ وغيره، وهذا لا يكون إلا إذا استرسل بإرسال الصيد، ومن تمام الإمساك علينا أن لا يأكل منه؛ فإذا أكل فقد يكون الإمساك على نفسه لا علينا، فيكون فعله وتصرفه بغير طريق الوكالة.
ثم ذكر حديث عدي بن حاتم وأطال الكلام في ذلك.
стр. 156
٩٧ - لما تكلم على التمتع والإفراد والقران وما الأفضل [قال]: والتحقيق أنه يتنوع باختلاف حال الحاج، فإن كان يسافر سفرة العمرة وسفرة أخرى للحج، أو يسافر إلى مكة قبل أشهر الحج ويقيم بها حتى / يحج فهذا الإفراد له أفضل باتفاق الأئمة الأربعة، وأما إذا فعل ما يفعله غالب الناس، وهو أن يجمع بين الحج والعمرة في سفرةٍ واحدةٍ ويقدم مكة في أشهر الحج، فهذا إن ساق الهدي فالقران أفضل له، وإن لم يسق الهدي فالتحلل من إحرامه بعمرة أفضل.
٩٨ - وكان ﵀ يذهب إلى أن الأفضل أن [يسوق] الهدي ويكون قارنًا؛ لأن النبي ﷺ هكذا فعل.
٩٩ - قال: فإذا أراد الإحرام فإن كان قارنًا قال: «لبيك عمرة وحجًّا»، وإن كان متمتعًا قال: «لبيك عمرة [متمتعًا بها إلى الحج»، وإن كان مفردًا قال: «لبيك حجة»، أو قال: «اللَّهم إني أوجبت عمرة] وحجًّا». أو «أوجبت عمرة وأوجبت حجًّا»، أو «أوجبت عمرة أتمتع بها إلى الحج»، أو قال: «اللهم إني أريد العمرة أتمتع بها إلى الحج»، أو قال: «اللَّهم أريد العمرة وأريد الحج»، أو «أريدهما»، أو «أريد التمتع بالعمرة إلى الحج» فمهما قال من ذلك أجزأه باتفاق الأئمة ليس في ذلك عبارة / مخصوصة، ولا يجب شيءٌ من هذه العبارات باتفاق الأئمة، ولا يجب عليه أن يتكلم قبل التلبية بشيءٍ.
ولكن تنازع العلماء هل يستحب أن يتكلم بذلك؟ كما تنازعوا هل يستحب التلفظ بالنية في الصلاة؟ والصواب المقطوع به أنه لا يستحب شيء من ذلك.
стр. 157
١٠٠ - فقال في قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثٌ وَلَا فُسُوقٌ وَلَا جِدَالٌ فِي الْحَجِّ﴾، الرفث: اسم الجماع قولاً وعملاً، والفسوق: المعاصي كلها، والجدال على هذه القراءة - يعني: قراءة الرفع - هو المراء في الحج؛ فإن الله قد أوضحه وبيَّنه وقطع المراء فيه، كما كانوا في الجاهلية يتمارون في أحكامه، وعلى القراءة بالنصب قد يفسر بهذا المعنى أيضًا، وقد فسروها بأن [لا يماري الحاج أحدًا]، والتفسير الأول أصح.
١٠١ - قال: ولا يكون الرجل محرمًا بمجرد ما في قلبه (من قصد الحج ونيته؛ فإن القصد ما زال / في قلبه) منذ خرج من بلده، بل لا بد من قولٍ أو عملٍ يصير [به] محرمًا، هذا هو الصحيح من القولين.
١٠٢ - قال: ويُستحب أن يُحْرِم عقيب صلاةٍ إما فرض وإما تطوع إن كان [وقت] صلاة في أحد القولين، وفي الآخر إن كان يصلي فرضًا أحرم عقيبه، وإلا فليس للإحرام صلاة تخصه، وهذا أرجح.
١٠٣ - قال: والأفضل أن يُحْرِم في نعلين إن تيسر له، فإن لم يجد نعلين لبس خفين، وليس عليه أن يقطعهما دون الكعبين [ولهذا كان الصحيح أنه يجوز أن يلبس ما دون الكعبين] مثل الخف المكعب والجمجم والمداس ونحو ذلك سواء كان واجدًا النعلين أو فاقدًا لهما.
стр. 158
١٠٤ - وذهب إلى أنه يجوز للمحرم أن يعتقد الرداء إذا احتاج إلى ذلك.
١٠٥ - قال: وله أن يستظل تحت [السقف والشجر] ويستظل بالخيمة ونحو ذلك باتفاقهم، وأما الاستظلال بالمحمل كالمحارة التي لها رأس في حال السير فهذا فيه نزاع، والأفضل للمحرم أن يضحي لمن أحرم؛ كما كان النبي ﷺ / [وأصحابه] يحجون، وقد رأى ابن عمر رجلاً ظلل عليه، فقال: «أيها المحرم أضح لمن أحرمت له» ولهذا كان السلف يكرهون القباب على المحامل [وهي المحامل التي لها رأس، وأما المحامل] المكشوفة فلم يكرهها إلا بعض النساك.
١٠٦ - قال: لو غطت المرأة وجهها بشيء لا يمس الوجه جاز بالاتفاق، وإن كان يمسه فالصحيح أنه يجوز أيضًا، ولا تكلف المرأة أن تجافي سترتها عن الوجه لا بعودٍ ولا يدها ولا غير ذلك.
١٠٧ - قال: والفدية: صيام ثلاثة أيام، أو نسك شاة، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مدُّ برٍّ، أو نصف صاع تمرٍ أو شعيرٍ، وإن أطعم خبزًا جاز، ويكون رطلين بالعراقي قريبًا من نصف رطل بالدمشقي، وينبغي أن يكون مأدومًا، وإن أطعمه مما يأكل كالبقسماط والرقاق ونحو ذلك جاز، وهو أفضل من أن يعطيه قمحًا أو شعيرًا.
١٠٨ - قال: وإذا لبس ثم لبس مرارًا ولم يكن أدى الفدية أجزأته فدية واحدة / في أظهر قولي العلماء.
١٠٩ - قال: وفيما ينهى عنه المحرم أن يتطيب بعد الإحرام في بدنه أو ثيابه، أو يتعمد شم الطيب، وأما الدهن في رأسه أو بدنه بالزيت أو السمن ونحوه [إذا لم يكن]
стр. 159
فيه طيب ففيه نزاع مشهور، وتركه أولى.
١١٠ - قال: وله أن يحتجم، وإن احتاج [أن] يحلق شعرًا [لذلك] جاز؛ فإنه قد ثبت في «الصحيح» «أن النبي ﷺ احتجم في وسط رأسه وهو محرم» ولا يمكن ذلك إلا مع حلق بعض الشعر، وكذلك إذا اغتسل وسقط شيء من شعره بذلك لم يضره، وإن تيقن أنه انقطع بالغسل.
١١١ - قال: ولا يصطاد بالحرم صيدًا وإن كان من الماء كالسمك على الصحيح.
١١٢ - قال: والحرم المجمع عليه حرم مكة، وأما المدينة فلها حرم أيضًا عند الجمهور، ولم يتنازع المسلمون في حرم ثالث إلا في «وَجٍّ» - وهو وادٍ بالطائف - وهو عند بعضهم حرم، وعند الجمهور ليس بحرم.
١١٣ - قال: وللمحرم أن يقتل ما يُؤذي بعادته / الناس كالحية والعقرب والفأرة والغراب والكلب العقور، وله أن يدفع ما يؤذيه من الآدميين والبهائم حتى لو صال عليه أحد ولم يدفع عنه إلا بالقتال قاتلهم، وإذا [قرصته] البراغيث أو القمل فله إلقاؤها عنه، وله قتلها، ولا شيء عليه، وأما التفلي بدون التأذي فهو من الترفه فلا يفعله، ولو فعله فلا شيء عليه.
١١٤ - قال: ولو وضع يده على الشاذروان الذي تُربط عليه أستار الكعبة لم [يضره] في أصح قولي العلماء، وليس الشاذروان [من البيت] بل جُعل
стр. 160
عمادًا للبيت.
١١٥ - وذكر الاختلاف في اشتراط الطهارة للطواف، ثم قال: ولا يجوز لحائض أن تطوف إلا طاهرًا إذا أمكنها ذلك باتفاق العلماء، ولو قدمت المرأة حائضًا لم تطف بالبيت، لكن تقف [بعرفة] وتفعل سائر المناسك مع الحيض إلا الطواف فإنها تنتظر حتى تطهر إن أمكنها ذلك ثم تطوف، وإن اضطرت إلى الطواف / فطافت أجزأها على الصحيح من قولي العلماء.
١١٦ - وقال أيضًا: قوله «الطواف بالبيت صلاة» لم يثبت عن النبي ﷺ ، ولكن هو ثابت عن ابن عباس، وقد روي مرفوعًا.
١١٧ - قال: ويجوز الوقوف راكبًا وماشيًا، وأما الأفضل فيختلف باختلاف
стр. 161
الناس؛ فإن كان ممن إذا ركب رآه الناس لحاجتهم [إليه] أو كان يشق عليه ترك الركوب وقف راكبًا؛ فإن النبي ﷺ وقف راكبًا، هكذا [الحج] فمن الناس من يكون حجه راكبًا أفضل، ومنهم من يكون حجه ماشيًا أفضل.
١١٨ - قال: والعلماء في التلبية على ثلاثة أقوال:
فمنهم من يقول: يقطعها إذا وصل إلى عرفة.
ومنهم من يقول: يلبي بعرفة وغيرها إلى أن يرمي الجمرة.
والقول الثالث: أنه إذا أفاض من عرفة إلى مزدلفة لبى، وإذا أفاض من مزدلفة إلى منى لبى حتى يرمي جمرة العقبة، كذا صح عن النبي ﷺ ، وأما التلبية [في وقوفه] بعرفة ومزدلفة فلم / يُنقل عن النبي ﷺ و (عن الخلفاء وغيرهم أنهم كانوا لا يلبون بعرفة).
١١٩ - قال: وكل ما ذُبح بمنى وقد سيق من الحل إلى الحرم فإنه هدي سواء كان من الإبل أو البقر أو الغنم، ويُسمى أيضًا أُضحية، بخلاف ما يُذبح يوم النحر بالحل؛ فإنه أُضحية وليس بهدي، وليس بمنى ما هو أُضحية وليس بهدي كما هو في سائر الأمصار؛ فإذا اشترى الهدي من عرفات وساقه إلى منى فهو هدي باتفاق العلماء، وكذلك إذا اشتراه من الحرم فذهب به إلى التنعيم، وأما إذا اشتراه من منى وذبحه بها ففيه نزاع، فمذهب مالك أنه ليس بهدي، وهو منقول عن ابن عمر، ومذهب الثلاثة أنه هدي، وهو منقول عن عائشة.
١٢٠ - قال: وليس على المفرد إلا سعي واحد، وكذلك القارن عند جمهور العلماء، وكذلك المتمتع في أصح القولين، وهو أصح الروايتين عن أحمد، أنه ليس عليه إلا
стр. 162
سعي واحد.
١٢١ - قال: ولا يُستحب للمتمتع / ولا غيره أن يطوف للقدوم بعد التعريف.
١٢٢ - وذكر شيخنا الخلاف في خلق الأرواح قبل الأبدان، قال: والصحيح الذي عليه الجمهور أن أرواح الناس إنما برأها الله حين ينفخ الروح في الجنين.
١٢٣ - وقال شيخنا في أثناء كلامه: وقوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ و ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ ونحو ذلك يتناول كل إنسان، فمن قال: إن في بني آدم قومًا عقلاء يجحدون كل العلوم، فقد غلط، كما توهمت طائفة من أهل الكلام من الناس طائفة - يقال لهم: السوفسطائية - يجحدون كل علمٍ أو كل موجودٍ، أو يقفون ويسكتون، أو يجعلون الحقائق تابعة للعقائد، ولكن هذه الأمور قد تعرض لبعض الناس في بعض الأشياء.
وقال في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ • عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ وقال تعالى في الإنسان: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ وذلك لأن البيان شامل لكل إنسان بخلاف تعليمهم القرآن؛ فإنه خاص بمن يعلمه، لا كل إنسان، وأيضًا فإن القرآن علمه الملك قبل الإنسان؛ فإن جبريل / أخذه عن الله، ثم جاء به إلى محمد ﷺ .
قال: والبيان الذي علمه الإنسان يتناول علمه بقلبه ونطقه بلسانه.
ثم تكلم على البيان فإن الشافعي وغيره قسموه أقسامًا، وأطال الكلام.
١٢٤ - ثم تكلم على قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾: فقال عامة السلف
стр. 163
والخلف: المراد بالنجدين طريق الخير والشر، وضعف قول من قال: المراد بهما الثديان فقط، وضعَّف إسناده علي وغيره، وضعف أيضًا قول من قال: المراد التنويع [فهدى] قومًا لطريق الخير، وقومًا لطريق الشر.
١٢٥ - [وضعَّف] شيخنا قول من قال: إن «ما» مصدرية في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ تضعيفًا كثيرًا، وقال: فهذا المعنى وإن كان صحيحًا فلم يرد بهذه الآية.
١٢٦ - وتكلم شيخنا على قوله تعالى: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ وذكر الاختلاف في التمييز هل يجوز أن يكون معرفة أم يتعين أن يكون نكرة، واختار أنه قد يقع معرفة وجعل منه هذا / الموضع وغيره.
стр. 164
قال: وقد يكون المنصوب على التمييز معرفة، وهذا لم يعرفه البصريون ولم يذكره سيبوية وأتباعه.
١٢٧ - وقال أيضًا لما تكلم على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾: ويتوجه في هذا ما قاله الكوفيون في المميز إذا كان معرفة ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ و ( ... ) ونحو ذلك؛ فإنهم يقولون: صدق وعده، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ ومنه قول النبي ﷺ : «صدق الله وعده ونصر عبده» والأصل أن يجعل الصدق للوعد كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ فلما جُعل للشخص نصب الوعد على التفسير.
١٢٨ - قال في أثناء كلامه: ولو كان الوعد في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ مفعولاً ثانيًا، لقيل: الوعد مصدوق أو مصدوق الوعد، كما يقال: الدرهم معطى، والله - تعالى - قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ لم يقل: مصدوق الوعد.
١٢٩ - وتكلم على قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ / كلامًا جليلاً وجعله نظير ما تقدم من الانتصاب على التمييز، والمعنى: ما كذبت رؤيته، بل الرؤيا التي رآها كانت صادقة.
стр. 165
فصل
١٣٠ - تكلم شيخنا على قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ وعلى قوله تعالى: ﴿أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾، وحكى عن بعضهم أن المعنى: تخونونها بارتكاب ما حرم عليكم. قال: فجعل الأنفس مفعول يختانون، وجعل الإنسان قد خانها، أي: ظلمها. قال: وهذا فيه نظر؛ فإن كل ذنب يذنبه الإنسان فقد ظلم فيه نفسه، سواء فعله سرًّا أو علانية، وإن كان اختيان النفس هو ظلمها وارتكاب ما حرم عليها [كان كل] مذنبٍ مختانًا لنفسه؛ وإن جهر بالذنوب، ومعلوم أن هذا اللفظ إنما استعمل في خاص من الذنوب فيما يُفعل سرًّا.
قال: ولفظ الخيانة حيث استعمل / لا يُستعمل إلا فيما خفي عن المخون كالذي يخون أمانته فيخون من ائتمنه إذا كان لا يشاهده.
إلى أن قال: فإذا كان كذلك فالإنسان [كيف] يخون نفسه، وهو لا يكتمها ما يفعله، ولا يفعله سرًّا عنها كما يخون من لا يشاهده؟
قال: والأشبه - والله أعلم - أن يكون قوله تعالى: ﴿يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾، مثل قوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، وقد ذهب الكوفيون وابن قتيبة أن مثل هذا منصوب على التمييز وإن كان معرفة، وقد ذكروا لذلك شواهد كثيرة من كلام العرب، مثل قولهم: آلم فلانٌ رأسَه، ووجع بطنَه، ورشد أمرَه. ومنه قوله تعالى: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ فالمعيشة نفسها بطرت، وقوله:
стр. 166
﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ معناه: سفهت نفسه - أي: كانت سفيهة - فلما أضاف الفعل إليه نصبها على التمييز، وهذا الذي قاله الكوفيون أصح في اللغة والمعنى، فإن الإنسان هو السفيه نفسه، كما قال / تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ كذلك قوله: ﴿تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾، أي [تختان] أنفسكم، فالأنفس هي التي اختانت كما أنها السفيهة، وقال: «اختانت» ولم يقل: «خانت» لأن الافتعال [فيه زيادة فعل على ما في] مجرد الخيانة.
قال في أثناء كلامه: أو يكون قوله: ﴿تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾، أي يخون بعضكم بعضًا، كقوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، فإن السارق وأقوامه خانوا إخوانهم المؤمنين، والمجامع إذا [كان] جامع امرأته وهي لا تعلم أنه حرام؛ فقد خانها.
قال: والأول أشبه، والنفس هي [التي] خانت؛ فإنها تحب الشهوة والمال والرياسة، وخان واختان مثل كسب واكتسب، فجعل الإنسان مختانًا، ثم بيَّن أن النفس هي التي تختان، كما أنها هي التي تسفه [لأن] مبدأ ذلك [من] شهوتها ليس هو مما [يأمر به العقل والرأي] ومبدأ السفه منها لخفتها وطيشها، والإنسان (تارة تغلبه نفسه في السر على هواه) بأمورٍ ينهاها عنه العقل / والدين،
стр. 167
فتكون نفسه (اختانت عليه) وغلبته، وهذا يوجد كثيرًا في أمر الجماع وأمر المال، ولهذا لا يؤتمن على ذلك أكثر الناس، ويقصد بالائتمان من لا تدعوه نفسه إلى الخيانة في ذلك، قال سعيد بن المسيب: «لو اؤتمنت على بيت المال لأديت الأمانة، ولو اؤتمنت على امرأةٍ سوداء حبشيةٍ لخشيت أن لا أؤدي الأمانة فيها». وكذلك المال لا يؤتمن عليه أصحاب الأنفس الحريصة على أخذه كيف اتفق.
١٣١ - وتكلم شيخنا على قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾، واختار أن المعنى أن يكون النبي قُتِل وأن من معه من الربيين لم يهنوا بعد قتله، وضعَّف قول من قال: إن الربيين يهنوا بعد قتله، وضعَّف قول من قال: إن الربيين قُتلوا تضعيفًا كثيرًا من عدة وجوهٍ، والربيون هم الجماعة الكثيرة، قال: وقوله: / ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ صفة للنبي لا حالاً. قال: وحذف الواو في مثل هذا دليل على أنها صفة بعد صفة ليست حالاً، وبهذا يظهر كمال المعنى وحسنه، فإن قوله: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أي هم يتبعونه سواء كانوا معه حين قتل أو لم يكونوا، والمعنى على الأول؛ لأن المقصود جميع أتباع النبي ﷺ لم يرتدوا لا من شهد مقتله ولا من غاب، فإن المقصود أن قَتْل النبي لا يُغير الإيمان من قلوب أتباعه.
١٣٢ - وقال: بعد أن ذكر قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ • إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ قال: وهذا أشكل على بعض الناس، فيقول: الرسل قد قُتل بعضهم فكيف يكونون منصورون؟
стр. 168
فيقال: القتل إذا كان على وجهٍ فيه عزة الدين وأهله كان هذا من كمال النصر، فإن الموت لا بد منه، فإذا مات ميتة يكون بها سعيدًا في الآخرة فهذا غاية النصر / كما كان حال نبينا ﷺ ، فإنه استشهد طائفة من أصحابه فصاروا إلى أعظم كرامةٍ، ومن بقي كان عزيزًا منصورًا، وكذلك كان الصحابة يقولون للكفار: أخبرنا نبينا أن من قُتل منا دخل الجنة، ومن عاش منا ملك رقابكم. فالمقتول إذا قُتل على هذا الوجه كان ذلك من تمام نصره ونصر أصحابه، ومن هذا الباب حديث الغلام الذي رواه مسلم لما اتبع دين الراهب وترك دين الساحر، وأرادوا قتله مرةً بعد مرةٍ لم يطيقوا حتى علمهم [كيف] يُقتل، ولما قُتل آمن الناس كلهم، فكان هذا نصرًا لدينه، ولهذا لما قُتل عمر بن الخطاب شهيدًا بين المسلمين قُتل قاتله، وعثمان لما قُتل شهيدًا قتل قتلته، وانتصرت طائفة، وكذلك علي لما قتله الخوارج مستحلين قتله كانوا ممن أمر الله ورسوله بقتالهم، وكانوا مقهورين مع أهل السنة والجماعة / فلم يمنع ذلك عز الإسلام وأهله، لا سيما والنبيون الذين قتلوا كان الله ينتقم ممن قتلهم حتى يُقال: إنه قُتل على دم يحيى بن زكريا سبعون ألفًا.
١٣٣ - وأطال شيخنا الكلام على الأسباط، وضعَّف قول من قال: إنهم أولاد يعقوب لصلبه، واختار أنهم لم يكونوا أنبياء، وأن الأسباط أمم بني إسرائل، وإنما سموا بالأسباط [من عهد] موسى ﵇ وذهب إلى أنه لم يكن بين موسى - لبني
стр. 169
إسرائيل - ويوسف نبي، قال: والقرآن يدل على أن أهل مصر لم يأتهم نبي بعد يوسف.
стр. 170
١٣٤ - وقال شيخنا: الصواب أن الحج فُرِضَ سنة تسع أو عشر.
١٣٥ - وقال في «شمول النصوص الأحكام» (لما تكلم شركًا له في عبد) (١): وتنازعوا هل يسري [العتق] عقب العتاق أو لا يعتق حتى يؤدي الثمن؟ على قولين مشهورين، والأول هو المشهور في مذهب الشافعي وأحمد، والثاني / قول مالك، وقول في مذهب الشافعي وأحمد، وهو الصحيح في الدليل.
١٣٦ - وقال في موضع آخر: من غلب على ماله الحلال جازت معاملته كما ذكره أصحاب الشافعي وأحمد، وإن غلب الحرام فهل معاملته محرمة أو مكروهة؟ على وجهين.
١٣٧ - قال: وللعلماء قولان في الدراهم هل تتعين بالتعيين في العقود والقبوض حتى في الغصب والوديعة؟ فقيل: تتعين مطلقًا، كقول الشافعي وأحمد في إحدى
стр. 171
الروايتين الراتبة.
١٣٨ - وقال: من كان بينهما مال لا يقبل القسمة - كحيوان وآنية ونحو ذلك - فإذا طلب أحد الشريكين بيعها وقسمة الثمن أجبر الآخر على ذلك عند جمهور العلماء، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد، وذكر بعض المالكية أن هذا إجماع؛ لأن حق الشريك في نصف قيمة الجميع لا في قيمة النصف.
١٣٩ - وقال في أثناء كلامه: قال: «ابن مسعود سئل عن رجل يعامل بالربا إذا أضاف غيره، قال: / كل فإن مهنأه لك وحسابه [عليه]».
١٤٠ - قال شيخنا: أما من ترك الصلاة جاهلاً بوجوبها مثل من أسلم في دار الحرب ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه، فهذه المسألة للفقهاء فيها ثلاثة أقوال، وجهان في مذهب أحمد:
أحدها: عليه الإعادة مطلقًا، وهو قول الشافعي، وأحد الوجهين في مذهب أحمد.
والثاني: عليه الإعادة إذا تركها بدار [الإسلام دون دار] الحرب، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأن دار الحرب دار [جهل] يعذر به، بخلاف دار [الإسلام].
الثالث: لا إعادة عليه مطلقًا، وهو الوجه الثاني في مذهب أحمد وغيره.
وأصل هذين الوجهين أن حكم الشارع هل يثبت في حق المكلف قبل بلوغ الخطاب له؟ فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره:
стр. 172
أحدها: يثبت مطلقًا.
والثاني: لا يثبت مطلقًا.
والثالث: يثبت حكم الخطاب المبتدأ دون الخطاب الناسخ، كقضية أهل قباء، وكالنزاع المعروف / في الوكيل إذا عُزل، فهل يثبت حكم العزل في حقه قبل العلم؟
وعلى هذا لو ترك الطهارة الواجبة لعدم بلوغ النص: مثل أن يأكل لحم الإبل ولا يتوضأ ثم يبلغه النص، ويتبين له وجوب الوضوء، أو يصلي في أعطان الإبل، ثم يبلغه ويتبين له النص فهل عليه إعادة ما مضى؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد، ونظيره أن يمس ذكره ويصلي ثم يتبين له [وجوب] الوضوء من مس الذكر.
والصحيح في هذه المسائل عدم وجوب الإعادة؛ لأن الله - تعالى - عفا عن الخطأ والنسيان؛ ولأنه قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ فمن لم يبلغه أمر الرسول في شيء معين لم يثبت حكم وجوبه عليه، ولهذا لم يأمر الرسول ﷺ عمر وعمارًا لما أجنبا - فلم يصل عمر وصلى عمار بالتمرغ - أن يعيد واحد منهما، وكذلك لم يأمر / أبا ذر لما كان يجنب ويمكث [أيامًا] لا يصلي، وكذلك لم يأمر من أكل من الصحابة حتى يتبين الحبل الأبيض من الحبل الأسود بالقضاء، كما لم يأمر من صلى إلى بيت المقدس قبل بلوغ النسخ لهم بالقضاء.
стр. 173
ومن هذا الباب المستحاضة إذا مكثت مدة لا تصلي لاعتقادها عدم وجوب الصلاة عليها، ففي وجوب القضاء عليها قولان:
أحدهما: لا إعادة عليها، كما نُقل عن مالك وغيره؛ لأن المستحاضة التي قالت للنبي ﷺ : «إني أستحاض حيضة شديدة منكرة منعتني الصلاة والصيام» [أمرها] بما يجب في المستقبل، ولم يأمرها بقضاء الماضي.
قال شيخنا: وقد ثبت عندي بالنقل المتواتر أن في النساء والرجال بالبوادي وغير البوادي من يبلغ ولا يعلم أن الصلاة عليه واجبة، بل إذا / قيل للمرأة: صلي. تقول: حتى أكبر وأصير عجوز. ظانة أنه لا تخاطب بالصلاة إلا المرأة الكبيرة كالعجوز ونحوها، وفي اتباع الشيوخ طوائف كثيرون لا يعلمون أن الصلاة واجبة عليهم، فهؤلاء لا يجب عليهم في الصحيح قضاء الصلوات، سواء كانوا كفارًا أو كانوا معذورين بالجهل.
١٤١ - قال شيخنا: إذا كان على الولد دين ولا وفاء له جاز أن يأخذ من زكاة أبيه في أظهر القولين في مذهب أحمد وغيره، وأما إن كان محتاجًا إلى النفقة وليس لأبيه ما ينفق عليه ففيه نزاع، والأظهر أنه يجوز له أخذ زكاة أبيه، وأما [إن] كان مستغنيًا بنفقته فلا حاجة [به] إلى زكاته.
١٤٢ - وقال: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ثلاثًا [إن شاء الله] وقصده بذلك أن لا يقع به الطلاق [فلا يقع به الطلاق، ولو فصل بين الطلاق] والاستثناء
стр. 174
بسكوت يسير، لم يضر الفصل بينهما بل لا يقع به الطلاق والحال هذه، ولو لم / يقصد النية إلا بعد قوله به، ففيه قولان، أظهرهما أن لا ينفعه الاستثناء.
١٤٣ - وذكر شيخنا مسألة الصلاة على الغائب، قال: وفيها للعلماء قولان مشهوران:
أحدهما: يجوز، وهو قول الشافعي وأحمد في أشهر الروايات عنه - عند أكثر أصحابه.
والثاني: لا يجوز، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد في الرواية الأخرى، وذكر ابن أبي موسى، وهو ثبت في نَقْلِ مذهبِ أحمد - ورجحناها في مذهبه.
ثم قال: ومن وجوب الصلاة على الغائب الذي لم يُصلى عليه فقد أحسنَ فيما قال، ولعل قولَه أعدلُ الأقوال.
١٤٤ - قال: وجوَّزَ طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد الصلاةَ على الغائب في البلد الواحد، ثم محقِّقُوهم قيَّدوا ذلك بما إذا ماتَ الميتُ في أحد جَانِبَي البلدِ [الكبير، ومنهم من أطلق البلد] لم يُقيِّده بالكبير، وكانت / هذه المسألة قد وَقعتْ في عصر أبي حامد وأبي عبد الله بن حامد: مات ميتٌ في أحد جانبي بغدادَ، فصلَّى
стр. 175
عليه أبو عبد الله بن حامد وطائفة من الجانب الآخر، وأنكر ذلك أكثرُ الفقهاء من أصحاب الإمام الشافعي والإمام أحمد وغيرهم: كأبي حفص البرمكي، وغيره.
قال شيخنا: وأما في زمن الشافعي وأحمد فلم يَبْلُغْنا أن أحدًا صلَّى في أحد جانبي البلد ببغداد على من مات في الآخر مع كثرةِ الموتى وتوفُّرِ الهِمَم والدواعي على نقل ذلك، فتبينَ أن ذلك مُحْدَث لم يفعَلْه أحد من الأئمة، وأما ما يفعلُه بعضُ الناس من أنه كل ليلة يُصلِّي على جميعِ من مات من المسلمين فلا ريبَ أنه بدعة لم يفعله أحدٌ من السلف، والله أعلم.
١٤٥ - قال: وأما لعنة المعين فالأولى تركها؛ لأنه يُمكن أن يتوب.
١٤٦ - وقال في حديث: «نهى عن بيع وشرط»: هذا حديث باطل ليس في شيء / من كتب المسلمين، وإنما يُروى في حكاية منقطعة.
стр. 176
هكذا قال شيخنا.
١٤٧ - قال في حديث: «نهى عن قفيز الطحان»: وهذا أيضًا باطل.
١٤٨ - قال: وأصول الأقوال في القراءة خلف الإمام ثلاثة طرفان ووسط:
فأحد الطرفين: أنه لا يُقرأ خلف الإمام بحالٍ.
стр. 177
والثاني: أنه يُقرأ بكل [حال].
والثالث - وهو قول أكثر السلف -: أنه إذا سمع قراءة الإمام أنصت ولم يقرأ، وإذا لم يسمع قراءته قرأ لنفسه، هذا قول جمهور العلماء كالإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل وجمهور أصحابه، وطائفة من أصحاب الشافعي وأبي حنيفة، والقول القديم للشافعي، وقول محمد بن الحسن.
وعلى هذا القول فهل القراءة حال مخافتة الإمام بالفاتحة واجبة على المأموم أو مستحبة؟ فيه قولان:
أحدهما: مستحبة، وهو قول الأكثرين كمالك ومحمد بن الحسن وغيرهما.
والثاني: أنها واجبة، وهو قول الشافعي / القديم.
والاستماع حال جهر الإمام هل - أيضًا - واجب أو مستحب، والقراءة إذا سمع قراءة الإمام هل هي محرمة أو مكروهة، وهل تبطل الصلاة إذا قرأ؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره:
أحدهما: أن القراءة حينئذٍ محرمة، وإذا قرأ بطلت صلاته، وهذا أحد الوجهين اللذين حكاهما أبو عبد الله بن حامد في مذهب أحمد.
والثاني: أن الصلاة لا تبطل بذلك، وهو قول الأكثرين، وهو المشهور في مذهب أحمد.
والذين قالوا: يقرأ حال الجهر والمخافتة إنما يأمرونه أن يقرأ حال الجهر الفاتحة خاصة، وما زاد على الفاتحة فإن المشروع أن يكون فيه مستمعًا لا قارئًا، وهل قراءته بالفاتحة مع الجهر واجبة أو مستحبة، على قولين:
أحدهما: أنها واجبة، وهو قول الشافعي في الجديد وقول ابن حزم.
والثاني: أنها مستحبة، وهو قول الأوزاعي والليث، واختيار جدي أبو البركات.
/ قال: وإذا جهر الإمام استمع لقراءته، فإن كان لا يسمع لبعده
стр. 178
فإنه يقرأ في أصح القولين، وهو قول أحمد وغيره، وإن كان لا يسمع لصممه، أو كان يسمع همهمة الإمام ولا يفقه ما يقول؛ فيه قولان في مذهب أحمد وغيره، والأظهر أنه يقرأ لأن الأفضل أن يكون إما مستمعًا وإما قارئًا، وهذا ليس بمستمع يحصل له مقصود [الاستماع] فقراءته أفضل له من سكوته.
ثم قال: فنذكر الدليل [على الفصلين] على أنه في حال الجهر يسمع، وأنه في حال المخافتة يقرأ. (ولم يتبين هل هذا على سبيل الوجوب أو الاستحباب).
١٤٩ - قال في أثناء كلامه: وثبت أنه في هذا الحال قراءة الإمام [له قراءة] كما قال ذلك جماهير السلف والخلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وفي ذلك الحديث المعروف عن النبي ﷺ أنه قال: «من كان له إمام فإن قراءة الإمام له قراءة»، وهذا الحديث رُوي مرسلاً / ومسندًا، لكن أكثر العلماء والأئمة الثقات رووه مرسلاً عن عبد الله بن شداد عن النبي ﷺ ، وأسنده بعضهم، ورواه ابن
стр. 179
ماجه مسندًا، وهذا المرسل قد عضده ظاهر القرآن والسنة، وقال به جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومرسله من أكابر التابعين، ومثل هذا المرسل يُحتج به باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، وقد نصَّ الشافعي على جواز الاحتجاج بمثل هذا المرسل.
١٥٠ - قال: وقيل: لا يستفتح ولا يتعوذ حال جهر الإمام؛ وهذا أصح.
١٥١ - وذكر حديث عبادة: «إذا كنتم ورائي فلا تقرءوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها».
стр. 180
قال: وهذا الحديث معتل عند أئمة الحديث كأحمد وغيره من الأئمة، وقد بسط الكلام على ضعفه في غير هذا الموضع، وبيَّن أن الحديث الصحيح قول النبي ﷺ : «لا صلاة إلا بأم القرآن»، / وهذا هو الذي أخرجاه في «الصحيحين» رواه الزهري عن محمود بن الربيع، عن عبادة، وأما هذا الحديث فقط (١) غلط فيه بعض الشاميين، وأصله أن عبادة كان يومًا في بيت المقدس فقال هذا، فاشتبه عليهم المرفوع بالموقوف على عبادة.
فصل
١٥٢ - قال شيخنا: لا يُشرع الجهر بالتكبير خلف الإمام - الذي يُسمى المبلغ - لغير حاجةٍ باتفاق الأئمة؛ فإن بلالاً لم يكن يبلغ خلف النبي ﷺ هو [و] لا غيره، ولم يكن يبلغ خلف الخلفاء الراشدين، لكن لما مرض النبي ﷺ [صلى] بالناس