← Сира

Сира · id 1308

مرويات غزوة حنين وحصار الطائف

إبراهيم بن إبراهيم قريبي

Полный текст (751 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

حنينا مع المشركين ثم أسلم فنحن نسأله عن الرعب الذي ألقاه الله في قلوب المشركين يوم حنين كيف كان؟ قال: "كان يأخذ لنا الحصاة فيرمي بها الطست فيطن، قال: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا ١. والحديث أورده ابن حجر في المطالب العالية ونسبه لعبد بن حميد٢. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: "رواه الطبراني ورجاله ثقات"٣. وأخرجه الطبري فقال: حدثنا محمد٤ بن يزيد الآدمي، قال ثنا معن٥ بن عيسى عن سعيد بن السائب الطائفي عن أبيه عن يزيد بن عامر٦. والحديث فيه السائب الطائفي ولم يذكر فيه جرح ولا تعديل، وقد قال الهيثمي: بأن رجاله ثقات. ٩١- وعند أحمد وغيره من حديث أبي٧ عبد الرحمن الفهري وهذا سياقه عند أحمد قال: ثنا بهز٨ ثنا حماد٩ بن سلمة أخبرني يعلى١٠ بن عطاء عن أبي همام١١ - قال أبو الأسود هو: عبد الله بن يسار - عن أبي عبد الرحمن الفهري قال: "كنت مع

стр. 212

رسول الله ﷺ في غزوة حنين فسرنا في يوم قائظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال الشجر فلما زالت الشمس لبست لأمتي١ وركبت فرسي فانطلقت إلى رسول الله ﷺ وهو في فسطاطه٢، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، حان الرواح؟ فقال: أجل، فقال: يا بلال فثار من تحت سمرة كأن ظله ظل طائر، فقال: لبيك وسعديك وأنا فداؤك، فقال: اسرج لي فرسي، فأخرج سرجا دفتاه من ليف٣ ليس فيهما أشر ولا بطر، قال: فأسرج قال: فركب وركبنا فصاففناهم عشيتنا وليلتنا، فتشامت٤ الخيلان، فولى المسلمون مدبرين كما قال الله ، فقال رسول الله ﷺ : "يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله، ثم قال: يا معشر المهاجرين: أنا عبد الله ورسوله"، قال: "ثم اقتحم رسول الله ﷺ عن فرسه فأخذ كفا من تراب، فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني أنه ضرب به وجوههم وقال: شاهت الوجوه، فهزمهم الله ، قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عينه وفمه ترابا وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطست٥ الحديد٦.

стр. 213

ثم ساق سندا آخر فقال: ثنا عفان١ ثنا حماد بن سلمة أنا يعلى ابن عطاء عن عبد الله بن يسار أبي همام عن أبي عبد الرحمن الفهري، قال: "كنت مع رسول الله ﷺ في غزوة حنين فسرنا في يوم قائظ، فذكر مثله" ٢. والحديث أخرجه أبو داود عن موسى٣ بن إسماعيل أخبرنا حماد ابن سلمة به وساق منه إلى "فأخرج سرجا دفتاه من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر، فركب وركبنا" ثم قال: قال أبو داود: أبو عبد الرحمن الفهري ليس له إلا هذا الحديث. وهو حديث نبيل٤ جاء به حماد بن سلمة٥. وأخرجه ابن سعد وابن أبي شيبة عن عفان بن مسلم أخبرنا حماد به بتمامه٦. وأخرجه الطيالسي عن حماد بن سلمة به وساقه تاما ومن طريقه أخرجه البيهقي٧. وأخرجه الدارمي عن حجاج٨ بن منهال وعفان قالا: ثنا حماد بن سلمة به٩. وأخرجه الطبري عن علي١٠ بن سهل قال: ثنا مؤمل١١ قال: ثنا حماد بن سلمة به١٢.

стр. 214

وساق كل من الدارمي والطبري إلى "فحدثني أبناؤهم عن آبائهم قالوا: ما بقي منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه ترابا". وأخرجه البزار عن عبد الواحد١ بن غياث، ثنا حماد بن سلمة به، بتمامه٢. وفي آخره قال: قال البزار: "ما روى الفهري إلا هذا، وما رواه إلا حماد". وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: روى أبو داود منه إلى قوله "ليس فيه أشر ولا بطر" ورواه البزار والطبراني ورجالهما ثقات٣. وأورده ابن حجر وقال: "أصله في سنن أبي داود ورجاله ثقات"٤. وساقه ابن كثير في تفسيره عن أحمد وفي آخره قال: وهكذا رواه الحافظ البيهقي في دلائل النبوة من حديث أبي داود الطيالسي عن حماد بن سلمة به٥. وفي البداية والنهاية ساق الحديث عن أبي داود الطيالسي وفي آخره قال: ورواه أبو داود السجستاني في سننه عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة به نحوه٦. وأورده الزرقاني وقال: رواه أحمد وأبو داود والدارمي وابن سعد وابن أبي شيبة والطبراني وابن مردويه٧ والبيهقي، ورجاله ثقات، كلهم من حديث أبي عبد الرحمن الفهري٨.

стр. 215

وأورده ابن الأثير في ترجمة أبي عبد الرحمن الفهري وقال: رواه حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن أبي همام عبد الله بن يسار عن أبي عبد الرحمن١ الفهري٢. وقال ابن حجر في الإصابة: "أخرج حديثه أبو داود والبغوي ووقع لنا بعلو في مسند الدارمي من طريق يعلى بن عطاء عن أبي همام عبد الله بن يسار عنه أنه شهد حنينا"٣. والحديث بجميع طرقه يدور على أبي همام عبد الله بن يسار، ووصف بأنه مجهول. ولم يوثقه أحد سوى ابن حبان، وهو متساهل في التوثيق، واعتمد ابن حجر فيه قول ابن المديني "شيخ مجهول". وقد قال ابن حجر أيضا والهيثمي والزرقاني عن هذا الحديث بأن رجاله ثقات٤ وقال أبو داود: هو حديث نبيل٥، مع أنه يدور على أبي همام المذكور والحديث مع الأحاديث المتقدمة يشد بعضها بعضا. ٩٢- وعند الطبري قال: حدثنا ابن حميد٦ قال: ثنا جرير٧ عن يعقوب٨ عن

стр. 216

جعفر١ عن سعيد٢ قال: أمد الله نبيه ﷺ يوم حنين بخمسة آلاف من الملائكة مسومين٣، وقال: ويومئذ سمى الله الأنصار مؤمنين قال: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ ، [سورة التوبة، من الآية:٤٠] . ٤. والحديث أورده الزرقاني والشوكاني: ونسباه لابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، ثم ساقا مثل ألفاظ حديث الطبري٥ والحديث فيه محمد بن حميد وهو ضعيف وفيه جعفر بن أبي المغيرة، قال ابن مندة٦ ليس بالقوي في سعيد بن جبير٧، ثم الحديث مقطوع. وهذا الحديث لا تقوم به حجة في كون الملائكة الذين حضورا غزوة حنين كانوا خمسة آلاف. قال الشوكاني: "وقد اختلف في عدد الملائكة الذين اشتركوا في حنين على أقوال: قيل خمسة آلاف، وقيل ثمانية آلاف، وقيل ستة عشر ألفا، وقيل غير ذلك وهذا لايعرف إلا من طريق النبوة٨.إهـ هذا وقد اختلف أيضا في قتال الملائكة مع المسلمين. قال القسطلاني: "قاتلت الملائكة مع المسلمين في غزوة بدر وحنين"٩.

стр. 217

قال الزرقاني: "والجمهور على أنها لم تقاتل يوم حنين كما قدمه المصنف في (بدر) ١ لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُوداً لمَ تَرَوهَا﴾ ولا دلالة فيه على قتال، وفي تفسير ابن كثير: المعروف من قتال الملائكة إنما كان يوم بدر"٢. قال ابن مرزوق٣: "وهو المختار من الأقوال، ثم قال الزرقاني: وثالث الأقوال: أنها لم تقاتل في بدر ولا في غيرها، وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين، وإلا فملك واحد يكفي في إهلاك الدنيا، وهذه شبهة دفعها الإمام السبكي٤ بقوله: سئلت عن الحكمة في قتال الملائكة معه ﷺ مع قدرة جبريل على دفع الكفار بريشة من جناحه، فقلت: ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي ﷺ وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب وسننها التي أجراها الله في عباده، والله فاعل الجميع"٥. إهـ. والخلاصة في هذا أن الآية ذكرت بأن هناك جنودا أنزلها الله في غزوة حنين لتثبيت المؤمنين وتقويتهم، ووردت هذه الآثار تدل على اشتراك الملائكة في هذه الغزوة وهذه الآثار تشد بعضها بعضاً وفيها ما نص العلماء على أن رجالها ثقات وبمجموعها تكون على أقل تقدير من قبيبل الحسن لغيره وجرت عادة المفسرين أنهم يذكرون حول تفسير هذه الآية هذه الآثار وأن المراد بالجنود في الآية هم الملائكة على أن الآية لم تتعرض لعدد الملائكة الذين نزلوا لتأييد المؤمنين، كما أنها لم تتعرض أيضا لبيان أن الملائكة باشرت القتال مع المسلمين.

стр. 218

٩٣- وقد روى الطبري من حديث ابن عباس قال: "لم تقاتل الملائكة مع النبي ﷺ إلاّ يوم بدر، وكانت فيما سوى ذلك إمداد١". قال الهيثمي: "رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه عبد العزيز٢ بن عمران، ضعيف"٣. ٩٤- وأخرج أيضا من حديث ابن عباس قال: "كان سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرسلوها إلى ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمر، ولم تقاتل الملائكة في يوم إلا يوم بدر، إنما كانوا يكونون عددا ومددا لا يضربون"٤. قال الهيثمي: "رواه الطبراني وفيه عمار٥ بن أبي مالك الجنبي، ضعفه الأزدي". وقال الشوكاني: "وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر"٦. ويتبن من الروايات السابقة أن الله سبحانه أيد عباده المؤمنين بجنود من عنده لينصر بهم أولياءه ويخذل بهم أعداءه لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وسواء قاتلت الملائكة فعلا في معركة حنين أو لم تقاتل فإن فائدة نزو لهم تحقق ولاشك سواء كان ذلك عن طريق القتال الفعلي أو عن طريق أمر آخر يريده الله من إنزالهم لنصرة الحق ودحض الباطل وأما اختصاص قتال الملائكة (ببدر الكبرى) دون غيرها من الغزوات فهذا قول فيه نظر وذلك لما ثبت في صحيح البخاري ومسلم ومسند أبي داود الطيالسي من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: ٩٥- "لقد رأيت يوم أحد، عن يمين رسول الله ﷺ وعن يساره، رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد".

стр. 219

وفي لفظ لمسلم: "ما رأيتهما قبل ولا بعد يعني جبريل وميكائيل ﵉ " ١. ولفظ الطيالسي: "ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده". قال النووي ﵀: "في الحديث بيان كرامة النبي ﷺ على الله تعالى، وإكرامه إياه بإنزال الملائكة تقاتل معه، وبيان أن الملائكة تقاتل، وأن قتالهم لم يختص بيوم بدر، وهذا هو الصواب، خلافا لمن زعم اختصاصه، فهذا صريح في الرد عليه. وفيه: فضيلة الثياب البيض، وأن رؤية الملائكة لا تختص بالأنبياء، بل يراهم الصحابة والأولياء". وفيه: منقبة لسعد بن أبي وقاص الذي رأى الملائكة". والله أعلم٢.

стр. 220

الفصل الرابع: ما أسفرت عنه معركة حنين من ضحايا وغنائم المبحث الأول: خسائر المشركين في هذه الغزوة ... المبحث الأول: خسائر المشركين في هذه المعركة تنحصر خسائر المشركين في هذه المعركة في شيئين: أ- خسائر في الأرواح. ب- خسائر في الأولاد والأموال والعتاد. أ- أما خسائر المشركين في الأرواح فقد فقد المشركون في هذه المعركة من رجالهم وأبطالهم وأهل النجدة فيهم ما يزيد على مئات القتلى. ذلك أن معركة حنين من المعارك الفاصلة التي لم ير المسلمون مثلها ضراوة وشدة في عهدهم الأول. لقد استمات فيها المشركون وقاتلوا ببسالة نادرة فقتل من بني مالك وحدهم سبعون١ رجلا يتساقطون في ساحة المعركة واحدا تلو الآخر، وهم مصممون على الانتصار يوضح ذلك الآثار الآتية: ٩٦- قال ابن إسحاق: "فلما انهزمت هوازن استحر٢ القتل من ثقيف في بني

стр. 221

مالك، فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم فيهم عثمان ابن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن حبيب١، وكانت رايتهم مع ذي الخمار، فلما قتل أخذها عثمان بن عبد الله فقاتل بها حتى قتل"٢. هكذا ساق ابن إسحاق بدون إسناد. ومن طريقه أخرجه الطبري٣. ٩٧- قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب٤ بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه قتل مع عثمان بن عبد الله غلام له نصراني أغرل٥ قال: فبينا رجل من الأنصار يسلب قتلى ثقيف، إذ كشف العبد يسلبه، فوجده أغرل، قال: "فصاح بأعلى صوته: يا معشر العرب: يعلم الله أن ثقيفا غرل، قال المغيرة٦ بن شعبة فأخذت بيده وخشيت أن تذهب عنا في العرب، فقلت: لا تقل ذاك، فداك أبي وأمي، إنما هو غلام لنا نصراني، قال: ثم جعلت أكشف له عن القتلى وأقول له: ألا تراهم مختنين كما ترى". قال ابن إسحاق: "وكانت راية الأحلاف مع قارب بن الأسود، فلما انهزم الناس أسند رايته إلى شجرة، وهرب هو وبنو عمه وقومه من الأحلاف، فلم يقتل من

стр. 222

الأحلاف غير رجلين: رجل من غيرة١ يقال له وهب، وآخر من بني كبة٢ يقال له: "الجلاح٣ فقال رسول الله ﷺ حين بلغه قتل الجلاح: قتل اليوم سيد شباب ثقيف، إلا من كان من ابن هنيدة، يعني الحارث بن أويس"٤ ومن طريق ابن إسحاق أخرجه الطبري٥. والحديث معضل٦. والحاصل: أن ابن إسحاق ذكر أنه قتل من بني مالك وحدهم سبعون رجلا تحت رايتهم. وذكر الواقدي: "أنه قتل منهم ما يقارب المائة". وقال القسطلاني: "قتل من المشركين أكثر من سبعين قتيلاً"٧. ولم يقيده ببني مالك أو غيرهم. وجمع الزرقاني بين الروايات فقال: قوله: "قتل من المشركين أكثر من سبعين" أي وقت الحرب فلا ينافي حديث أنس عند البزار أن الزبير ومن معه قتلوا ثلاثمائة لأنه بعد انهزام الكفار ولا يخالف قوله: "أكثر من سبعين" قول ابن إسحاق وغيره واستحر القتل من بني مالك من ثقيف فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم. وما رواه البيهقي عن عبد الله٨ بن الحارث عن أبيه قال: قتل من أهل

стр. 223

الطائف يوم حنين مثل ما قتل يوم بدر، لأن الزائد على السبعين ممن اجتمع معهم من الأخلاط١. ا?. قلت: حديث البيهقي المشار إليه رواه أيضا الحاكم، ومن طريقه أخرجه البيهقي٢. وحديث البزار هو: حدثنا علي٣بن شعيب وعبد الله٤ بن أيوب المخرمي ثنا علي٥ بن عاصم، ثنا سليمان٦ التيمي عن أنس قال: قال غلام منا من الأنصار يوم حنين: لم نغلب اليوم من قلة، فما هو إلا أن لقينا عدونا فانهزم القوم٧، وكان رسول الله ﷺ على بغلة له، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها، والعباس عمه آخذ بغرزها، وكنا في واد دهس، فارتفع النقع، فما منا أحد يبصر كفه، إذا شخص قد أقبل فقال٨: إليك من أنت؟ قال أنا أبو بكر فداك أبي وأمي، وبه بضعة٩ عشر ضربة، ثم إذا شخص قد أقبل فقال: إليك من أنت؟ فقال: أنا عمر بن الخطاب فداك أبي وأمي، وبه بضعة عشر ضربة، وإذا شخص قد أقبل وبه بضعة عشر ضربة فقال: إليك من أنت؟ فقال: أنا عثمان بن عفان فداك أبي وأمي، ثم إذا شخص قد أقبل، وبه بضعة عشر ضربة فقال: إليك من أنت؟ فقال: أنا علي بن أبي طالب فداك أبي

стр. 224

وأمي، ثم أقبل الناس، فقال النبي ﷺ "ألا رجل صَيّت١ ينطلق فينادي في القوم"، فانطلق رجل٢ فصاح، فما هو إلا أن وقع صوته في أسماعهم، فأقبلوا راجعين فحمل النبي ﷺ وحمل المسلمون معه، فانهزم المشركون وانحاز دريد بن الصمة على جبيل. أو قال: على أكمة في زهاء ستمائة، فقال له بعض أصحابه: أرى والله كتيبة قد أقبلت، فقال: "حلوهم٣ لي، فقالوا: سيماهم كذا حليتهم كذا، قال لا بأس عليكم، قُضاعة٤. منطلقة في آثار القوم، قالوا: نرى والله كتيبة خشناء قد أقبلت، قال: حلوهم لي: قالوا: سيماهم كذا من هيئتهم كذا، قال: لا بأس عليكم هذه سليم٥، قالوا: نرى فارسا قد أقبل، فقال: ويلكم وحده، فقالوا: وحده، قال: حلوه لي، قالوا: معتجر بعمامة سوداء قال دريد: ذاك -والله-الزبير٦ بن العوام وهو - والله - قاتلكم ومخرجكم من مكانكم هذا، قال فالتفت إليهم، فقال: علام، هؤلاء ها هنا؟ فمضى ومن أتبعه، فقتل بها ثلاثمائة وجز رأس دريد٧

стр. 225

ابن الصمة، فجعله بين يديه" ١. قال البزار: "لا نعلم رواه بهذا اللفظ إلا سليمان التيمي عن أنس ولا عن سليمان إلا علي"٢. وحسن إسناده ابن حجر. وهذا أكثر ما وقفت عليه في عدد القتلى من المشركين يوم حنين. وقد صرح الزرقاني بأن هؤلاء القتلى الواردون في حديث البزار إنما كان بعد انسحاب المشركين من المعركة٣. وتقدم قول ابن إسحاق بأنه قتل من بني مالك وحدهم سبعون رجلا وعند الواقدي نحو مائة٤. هذا ما رواه ابن إسحاق أيضا بقوله: ٩٨- واستحر القتل من بني نصر في بني رئاب، فزعموا أن عبد الله٥ بن قيس وهو الذي يقال له ابن العواء، وهو أحد بني وهب بن رئاب قال: يا رسول الله،

стр. 226

هلكت بنو رئاب فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: اللهم اجبر مصيبتهم ١. وهكذا ذكر ابن سعد إلا أنه قال: "واستحر القتل في بني نصر بن معاوية ثم في بني رئاب"٢. وبنو رئاب غير بني مالك، ومعلوم أن قبيلة بني نصر من أهم أجنحة هوازن، فهي تعد بالمئات، ومعنى تصريح أحد أفرادها بأن القتل كاد يفنيها أن قتلها بلغوا المئات، وهاتان فقط قبيلتان من قبائل هوازن الكثيرة يظهر من حديث المؤرخين عن ضحاياها أنها بلغت المئات، فكم تكون الضحايا بين العشائر الأخرى من سائر قبائل هوازن وغيرها التي اشتركت في المعركة لاشك أنها تعد بالمئات كذلك، وقد نظر الرسول ﷺ إلى هذه المعركة، فقال عنها: "الآن حمي الوطيس". وهذا القول لم يصدر من رسول الله ﷺ في وصف أية معركة من المعارك التي خاضها طيلة حياته، مما يدل على عظم خطرها وكثرة ضحاياها، وقد أمر رسول الله ﷺ بمطاردة المشركين وقتل من قدر عليه منهم. فقد روى البزار من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: ٩٩- حدثنا الوليد٣ بن عمرو بن سَكَيْن ثنا محمد٤ بن عبد الله بن المثنى عن أبيه٥ عن ثمامة٦ عن أنس أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: "جزوهم٧ جزا وأومأ بيده إلى الحلق".

стр. 227

قال البزار: "لا نعلم رواه إلا أنس، ولا له عنه إلا هذا الطريق١، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ثم قال: "رواه البزار ورجاله ثقات"٢. وكذا قال ابن حجر والزرقاني٣. ١٠٠- وعند الواقدي: عن شيوخ من ثقيف - أسلموا بعد وكانوا حضروا ذلك اليوم - قالوا: ما زال رسول الله ﷺ في طلبنا فيما نرى ونحن مولون حتى إن الرجل منا ليدخل حصن الطائف وإنه ليظن أنه على أثره من رعب الهزيمة٤. ١٠١- وعنده أيضا أن سعد بن عبادة كان يصيح يومئذ بالخزرج: يا للخزرج، وأسيد بن حضير: يا للأوس ثلاثا، فثابوا والله من كل ناحية كأنهم النحل إلى يعسوبها، قال: فحنق المسلمون عليهم حتى أسرع المسلمون في قتل الذرية فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "ما بال أقوام ذهب بهم القتل حتى بلغ الذرية، ألا لا تُقتل الذرية ثلاثا". قال أسيد بن حضير: "يا رسول الله، أليس إنما هم أولاد المشركين؟ " فقال رسول الله ﷺ : "أوليس خياركم أولاد المشركين؟ كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب٥ عنها لسانها، فأبواها يهودانها أو ينصرانها" ٦. وعند أحمد من حديث الأسود بن سريع أن "رسول الله ﷺ بعث سرية يوم حنين فقاتلوا المشركين فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فلما جاءوا، قال رسول الله ﷺ : "ما حملكم على قتل الذرية؟ " قالوا: "يا رسول الله إنما كانوا أولاد المشركين؟ " قال: "أو هل خياركم إلاّ أولاد المشركين؟،

стр. 228

والذي نفس محمّد بيده ما من نسمة تولد إلاّ على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها" ١. وفي حديث أنس بن مالك عند أبي داود وغيره أن أبا طلحة٢ وحده قتل عشرين رجلا وأخذ أسلابهم وهذا سياقه عند أبي داود قال: حدثنا موسى٣ بن إسماعيل حدثنا حماد٤ عن إسحاق٥ بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : يومئذ - يعني يوم حنين٦- "من قتل كافراً فله سلبه"، فقتل أبو طلحة يومئذٍ عشرين رجلاً، وأخذ أسلابهم. ولقي أبو طلحة أم سليم٧ ومعها خنجر، فقال: يا أم سليم ما هذا معك؟ قالت: أردت والله إن دنا مني بعضهم أبعج به بطنه، فأخبر بذلك أبو طلحة رسول الله ﷺ ". قال أبو داود: "هذا حديث حسن"٨. ورواه الدارمي وابن أبي شيبة والطحاوي كلهم من طريق حماد بن سلمة دون "قصة أم سليم"٩. وأخرجه ابن حبان من طريق حماد بن سلمة "بقصة أبي طلحة" وزاد: قال أبو قتادة١٠: "يا رسول الله ضربت رجلا على حبل العاتق عليه درع فأجهضت، فقال رجل: أنا أخذتها فارضه منها وأعطنيها، وكان النبي ﷺ لا يسأل

стр. 229

شيئا إلا أعطاه أو سكت، فسكت النبي ﷺ " فقال عمر١ ﵁: "والله لا ينعمها الله على أسد من أسده ويعطيكها، فضحك النبي ﷺ وقال: صدق عمر". قال الهيثمي: "قصة أبي قتادة في الصحيح٢ من حديث أبي قتادة، وهذا الحديث كله من حديث أنس". وله طرق تأتي في غزوة حنين٣. وأخرجه أبو داود الطيالسي وأحمد والحاكم والبيهقي الجميع من طريق حماد بن سلمة به. ولفظه: عن أنس بن مالك أن هوازن جاءت يوم حنين بالنساء والصبيان والإبل والغنم فجعلوها صفوفا وكثرن على رسول الله ﷺ فلما التقوا ولى المسلمون مدبرين كما قال الله :٤، فقال رسول الله ﷺ : "يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله ثم قال: يا معشر الأنصار أنا عبد الله ورسوله"، فهزم الله المشركين، ولم يضربوا بسيف ولم يطعنوا برمح قال: وقال رسول الله ﷺ يومئذ: "من قتل كافرا فله سلبه". قال: فقتل أبو طلحة٥ يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم، وقال قتادة: "يا رسول الله إني ضربت رجلا على حبل العاتق وعليه درع له وأجهضت عنه". وقد قال حماد: "أيضا فأجهضت عنه - فانظر من أخذها قال رجل فقال: أنا أخذتها، فارضه منها، وأعطينها، وكان رسول الله ﷺ لا يسأل شيئا إلا أعطاه أو

стр. 230

سكت، قال: فسكت رسول الله ﷺ قال: فقال عمر: والله لا يفيئها الله على أسد من أسده ويعطيكها، قال: فقال رسول الله: "صدق عمر" فضحك النبي ﷺ وقال: "صدق عمر" ولقى أبو طلحة أم سليم ومعها خنجر فقال أبو طلحة: ما هذا معك: قالت: أردت إن دنا مني بعض المشركين أن أبعج به بطنه. فقال أبو طلحة: ألا تسمع ما تقول أم سليم؟ قالت: يا رسول الله اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك، فقال: "إن الله قد كفى وأحسن يا أم سليم" ١ لفظ أحمد. قال الحاكم بعد إخراجه صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وسكت عنه الذهبي. وفي حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن علي بن أبي طالب ورجلا من الأنصار ﵄ قتلا صاحب راية هوازن٢. ١٠٢- وفي حديث سلمة ابن الأكوع ﵁ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ هوازن، فبينا نحن نتضحى٣ مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه، ثم انتزع طلقا من حقبه فقيد به الجمل، ثم تقدم يتغذى مع القوم، وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظهر، وبعضنا مشاة، إذ خرج يشتد فأتى جمله فأطلق قيده ثم أناخه وقعد عليه فأثاره، فاشتد بالجمل، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء، قال

стр. 231

سلمة: وخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الجمل فندر ثم جئت بالجمل أقوده عليه رحله وسلاحه فاستقبلني رسول الله ﷺ والناس معه فقال: "من قتل الرجل؟ ". قالوا: ابن الأكوع، قال: "له سلبه أجمع" ١. ١٠٣- وأخرج عبد الرزاق عن الثوري٢ عن أبي فزارة٣ عن عبد الرحمن٤ بن أبي عمرة قال: مر النبي ﷺ يوم حنين بامرأة مقتولة فقال: ألم أنه عن هذا؟ فقال رجل: "أردفتها، فأرادت أن تقتلني، فقتلتها، فأمر النبي ﷺ بدفنها" ٥. هذا الذي توصلت إليه من قتلى هوازن في هذه المعركة ولم تذكر المصادر أسماء القتلى سوى: ١- دريد بن الصمة. ٢- عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن حبيب كان ممن حمل راية هوازن في حنين. ٣- غلام نصراني لعثمان بن عبد الله. ٤- الجلاح، أو اللجلاج. ٥- رجل يقال له وهب. ٦- ذو الخمار سبيع بن الحارث بن مالك وكان حاملا لراية بني مالك من ثقيف٦.

стр. 232

هكذا كانت ضحايا هوازن في هذه المعركة تعد بالمئات من القتلى. ب- أما عن خسارتهم في الأهل والأولاد والأموال والعتاد، فقد فقدوا أفلاذ أكبادهم وأغلى أموالهم، ذلك أن مالك بن عوف ساق مع الناس أموالهم ونساءهم وأولادهم، وكان يهدف من رواء ذلك أن يكثر على المسلمين من ناحية وأن يحرض قومه على القتال والصمود في المعركة للدفاع عن أطفالهم ونسائهم من ناحية، وأن لا يفكر واحد منهم في الفرار. فصارت جميع تلك الأموال والنساء والنعم بأنواعها رزقا ساقه اله للمسلمين على يد هؤلاء الكفار الذين قذف الله في قلوبهم إخراج أموالهم ونعمهم وشائهم وذراريهم معهم. فعند أبي داود وغيره من حديث سهل بن الحنظلية إنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين فأطنبوا السير حتى كان عشية فحضرت صلاة عند رسول الله ﷺ فجاء رجل فارس فقال: يا رسول الله إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة آبائهم بظعنهم ونعمهم وشائهم، اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله" الحديث١. وفي حديث انس بن مالك قال: "لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بذراريهم ونعمهم"٢. وفي حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ : "سار إلى حنين لما فرغ من فتح مكة، جمع مالك بن عوف النصرى من بني نصر وجشم ومن سعد بن بكر وأوزاع من بني هلال، وناسا من بني عمرو بن عامر وعوف بن عامر، وأوزعت معهم الأحلاف من ثقيف وبني مالك، ثم سار بهم إلى رسول الله ﷺ ، وسار مع الأموال والنساء والأطفال" الحديث٣. وفي حديث أنس بن مالك أن هوازن جاءت يوم حنين بالصبيان والإبل والنساء والنعم فجعلوهم صفوفا يكثرون على رسول الله ﷺ الحديث٤. وعند ابن إسحاق وغيره أن هوازن لما اجتمعت على حرب رسول الله ﷺ سألت

стр. 233

دريد بن الصمة الرياسة عليها فقال: "وما ذاك، وقد عمي بصري وما أستمسك على ظهر الفرس، ولكن أحضر معكم لأشير عليكم رأيي بشرط أن لا أخالف فإن ظننتم أني مخالف أقمت ولم أخرج، فقالوا: لا نخالفك، وجاءه مالك، وكان جماع مرهم إليه، فقال له: لا نخالفك فيما تراه، فقال: تريد أنك تقاتل رجلا كريما قد أوطأ العرب وخافته العجم ومن بالشام وأجلى يهود الحجاز إما قتلا وإما خروجا عن ذل وصغار، ويومك هذا الذي تلقى فيه محمدا ما بعده يوم". قال مالك: "إني لأطمع أن ترى ما يسرك، قال دريد: منزلي حيث ترى فإذا جمعت الناس سرت إليك، فلما خرج مالك بالظعن والأموال وأقبل دريد قال لمالك أسمع بكاء الصغير ورغاء البعير ونهاق الحمير وخوار البقر؟ قال مالك: أردت أن أجعل خلف كل إنسان أهله وماله يقاتل عنهم. فانتقص به دريد وقال: راعي ضأن والله ما له وللحرب، وصفق بإحدى يديه على الأخرى تعجبا، وقال: هل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، إنك لم تصنع بتقديم بيضة هوازن إلى نحور الخيل فارفع الأموال والنساء والذراري إلى ممتنع بلادهم ثم ألق القوم على متون الخيل والرجال بين أصناف الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك، فقال مالك: والله لا أفعل ولا أغير أمرا فعلته، إنك قد كبرت وكبر عقلك، فغضب دريد وقال: يا معشر هوازن ما هذا برأي إن هذا فاضحكم في عوراتكم وممكن منكم عدوكم ولا حق بحصن ثقيف وتارككم، فانصرفوا وتركوه، فسل مالك سيفه وقال: إن لم تطيعوني لأقتلن نفسي، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي، فمشى بعضهم إلى بعض فقالوا: لئن عصيناه ليقتلن نفسه وهو شاب ونبقى مع دريد وهو شيخ كبير لا قتال معه فأجمعوا رأيكم مع مالك، فلما رأى دريد أنهم خالفوه قال: يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع أقود وطفاء الزمع ... كأنها شاة صدع١

стр. 234

وهذه الأحاديث وغيرها يؤخذ منها كثرة ما خرجت به هوازن من الجموع والأموال والنساء والأطفال، وأما عن إحصاء هذه الغنائم فقد ذكر ابن إسحاق: ١٠٤- أنه كان مع رسول الله ﷺ من سبي هوازن ستة آلاف من الذراري والنساء ومن الإبل ما لا يدري ما عدته١. ومن طريق ابن إسحاق أخرجه الطبري إلا أنه قال: "وكان معه مع رسول الله ﷺ من سبي هوازن من النساء والذراري عدد كثير، ومن الإبل ستة آلاف بعير، ومن الشاء ما لا يحصى" ٢. وعنده ابن سعد قال: "وأمر رسول الله ﷺ بالسبي والغنائم تجمع، فجمع ذلك كله وحدروه إلى الجعرانة، فوقف إلى أن انصرف رسول الله ﷺ ، من الطائف وهم في حظائرهم٣ يستظلون بها من الشمس، وكان السبي ستة آلاف رأس٤، والإبل أربعة وعشرين ألف بعير والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة" ٥. ١٠٥- وقال غروة وموسى بن عقبة عن الزهري: ثم سار رسول الله ﷺ إلى الطائف وترك السبي بالجعرانة وملئت عرش٦ مكة منهم"٧.

стр. 235

هكذا ذكر أهل المغازي هذه الأعداد بدون إسناد، وقد ورد في الأحاديث الآتية: ١٠٦- ما رواه الطبري من مرسل عروة بن الزبير قال: "سار رسول الله ﷺ يوم حنين من فوره ذلك - يعني منصرفه من حنين - حتى نزل الطائف، فأقام نصف شهر يقاتلهم رسول الله ﷺ وأصحابه، وقاتلتهم ثقيف من وراء الحصن، ولم يخرج إليه في ذلك أحد منهم" الحديث. وفيه: "ثم رجع رسول الله ﷺ ولم يحاصرهم إلا نصف شهر حتى نزل الجعرانة، ويزعمون أن ذلك السبي الذي أصاب يومئذ من هوازن كان عدته ستة آلاف من نسائهم وأبنائهم" الحديث١. ١٠٧- وعنده أيضا قال: حدثنا ابن عبد الأعلى٢، قال ثنا محمد٣ بن ثور عن معمر عن قتادة عن الزهري عن سعيد بن المسيب: "أنهم أصابوا يومئذ ستة آلف سبي، ثم جاء قومهم مسلمين بعد ذلك فقالوا: يا رسول الله أنت خير الناس وأبر الناس، وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا، فقال النبي ﷺ : "إن عندي من ترون، وإن خير القول أصدقه اختاروا إما ذراريكم ونساءكم، وإما أموالكم، قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا" الحديث٤. ورواه عبد الرزاق وابن سعد كلاهما من طريق الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب به٥. وأصل هذا الحديث في صحيح البخاري من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة "دون ذكر عدد السبي".

стр. 236

١٠٨ - ولفظه عن ابن شهاب عن عروة أن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أخبراه أن النبي ﷺ قال حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم: معي من ترون، وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال، الحديث وفيه "فلما تبين لهم أن النبي ﷺ غير راد إليهم إلا أحدى الطائفتين، قالوا: فانا نختار سبينا" ١.قال ابن حجر: "تقدم ذكر الحديث من وجهين عن الزهري، وقد تقدم في أول الشروط في قصة صلح الحديبية٢ أن الزهري رواه عن عروة عن المسور ومروان عن أصحاب النبي ﷺ ، فدل على أنه في بقية المواضع حيث لا يذكر عن أصحاب النبي ﷺ أنه يرسله، فإن المسور يصغر في عن إدراك القصة، ومروان أصغر منه، نعم كان المسور في قصة٣ حنين مميزا فقد ضبط في ذلك الأوان قصة خطبة علي بن أبي طالب لابنة أبي جهل، والله أعلم٤ إهـ. ١٠٩ - وأخرج الحاكم قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد٥ بن يعقوب ثنا الحسين٦ بن علي القباني ثنا المنذر٧ بن الوليد الجارودي ثنا عبد الأعلى٨ بن

стр. 237

عبد الأعلى ثنا يحيى١ بن سعيد الأنصاري حدثني أبو الزبير٢ عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﷺ بالطائف في غزوة حنين فلما بلغ الجعرانة قسم فضة بين الناس" ٣. ثم قال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". وسكت عنه الذهبي. والأحاديث الواردة في هذا الباب فيما غنمه المسلمون من هوازن كثيرة جدا تقدم بعضها في مبحث "استعداد هوازن العسكري"٤. وسيأتي بعضها أيضا في الباب الثاني عند التعرض لقسم الغنائم وهذه الغنائم تتمثل في الإبل والغنم والبقر والسبي وهي غنائم كثيرة لم تحصل للمسلمين في غزواتهم والأموال، فآلت هذه كلها إلى المسلمين غنيمة ساقها الله عليهم. وكانت هذه الغنائم التي حازها المسلمون في غزوة حنين قد سيقت إلى الجعرانة وحفظت هناك حتى عاد الرسول ﷺ من حصار الطائف. وقد اختلفت الروايات الواردة فيمن استخلفه رسول الله ﷺ على حفظ الغنائم وهي على النحو الآتي: ١١٠ أ- قال ابن إسحاق: ثم جمعت إلى رسول الله ﷺ سبايا حنين وأموالها، وكان على المغانم مسعود٥ بن عمرو القاري، وأمر رسول الله ﷺ

стр. 238

بالسبايا والأموال إلى الجعرانة فحبست١ بها". ب- وفي مرسل سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ سبى يوم حنين ستة آلاف بين غلام وامرأة فجعل عليهم أبا سفيان بن حرب٢. ١١١- ج- وأخرج البخاري في التاريخ قال: حدثني سعيد٣بن يحيى قال حدثني أبي٤عن ابن إسحاق٥ فحدثني ابن أبي عبلة٦ عن ابن بديل٧ بن ورقاء عن أبيه٨ أن النبي ﷺ أمر بديلا أن يحبس السبايا والأموال بالجعرانة حتى يقدم عليه فحبسه" ٩. والحديث رواه البزار والطبراني كلاهما من طريق إبراهيم١٠ بن سعيد الجوهري ثنا يحيى بن سعيد الأموي به١١.

стр. 239

وأورده الهيثمي ثم قال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبزار عن ابن بديل عن أبيه ولم يسم ابن بديل، وبقية رجاله ثقات١. وأورده ابن حجر ثم قال: رواه البخاري في تاريخه والبغوي وإسناده حسن٢. د- قال ابن حجر: قال الزبير٣ بن بكار: حدثني محمد٤ بن سلام حدثني يزيد٥ بن عياض قال: ١١٢- استعمل النبي ﷺ على النفل يوم حنين أبا الجهم٦ بن حذيفة العدوي، فجاء خالد٧ بن البرصاء فتناول زماما من شعر فمنعه أبو جهم فقال: "إن نصيبي فيه أكثر، فتدافعا فعلاه أبو جهم فشجه٨ منقلة، فقضى فيها النبي ﷺ بخمس عشرة فريضة، ورواه الزبير من وجه آخر موصولا ولم يسم خالدا، وأخرجه أبو داود والنسائي من طريق معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ بعث

стр. 240

أبا جهم بن حذيفة مصدقا، فلاجه١ رجل فضربه أبو جهم فشجه فذكر الحديث بمعناه ولم يسم خالدا أيضا.٢اهـ. قلت: والحديث أخرجه أيضا ابن ماجة٣. والخلاصة: أن الأحاديث الواردة فيمن ولاه رسول الله ﷺ أمر الغنائم يوم حنين أمثلها حديث بديل بن ورقاء، وأما حديث ابن إسحاق فإنه ذكر ذلك بدون إسناد. وأما ما رواة عبد الرزاق من توليه أبي سفيان، فقال الزرقاني: هذا فيه نظر فإن أبا سفيان شهد الطائف، فإن صح فكأنه جعله عليها أولا ثم بداله فجعل غيره وسار هو معه. وحديث الزبير بن بكار معضل. وما ذكر من الموصول، فإنه وارد في جباية الصدقات لا في الغنائم. وأيضا فإن خالد بن البرصاء الذي هو صاحب القصة غير موجود في الحديث الموصول. على أنه يمكن التوفيق بين هذه الآثار بجواز أن يكون الرسول ﷺ ولاهم جميعا على حفظ الغنائم بجعل كل واحد منهم على نوع من الغنائم، وهذا غير بعيد لأن الغنائم كانت كثيرة جدا ومتنوعة من السبايا والبقر والإبل والغنم والحمير، وهذه الأنواع الكثيرة تحتاج في حفظها إلى تعدد الولاة المسئولين عنها، نظرا لكثرتها فلا يقوم بها إلا عدد من الولاة. والله أعلم.

стр. 241

المبحث الثاني: إصابات المسلمين في هذه الغزوة كانت إصابات المسلمين في هذه الغزوة طفيفة رغم خطورة المعركة وشدة وطأتها وضخامتها، وهذه الإصابات تتمثل في جراحات لحقت بعضهم واستشهاد أربعة منهم كما تدل على ذلك الأحاديث الآتية: ١١٣- ما رواه البخاري قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل١ رأيت بيد بن أبي أوفى ضربة قال: "ضربتها مع النبي ﷺ يوم حنين". قلت: "شهدت حنينا؟ " قال: "قبل٢ ذلك٣. والحديث رواه الحميدي وابن أبي شيبة وأحمد وابن سعد كلهم من طريق إسماعيل بن أبي خالد. ولفظه عند الحميدي: سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: "اعتمرن مع رسول الله ﷺ ، فكنا نستره حين طاف من صبيان أهل مكة لا يؤذونه". قال سفيان٤: "أراه في عمرة القضاء".

стр. 242

قال إسماعيل: "وأرانا ابن أبي أوفى ضربة مع رسول الله ﷺ يوم حنين" ١. ورواه أحمد وفيه زيادة دعاء الرسول ﷺ على الأحزاب وفيه قال إسماعيل: "ورأيت بيده ضربة على ساعده فقلت: ما هذه؟ " قال: "ضربتها يوم حنين، فقلت له أشهدت معه حنينا؟ " قال: "نعم وقبل ذلك" ٢. ١١٤- ما رواه الحميدي قال: حدثنا سفيان قال: ثنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن٣ بن أزهر قال: جرح خالد٤ بن الوليد يوم حنين فمر بي رسول الله ﷺ وأنا غلام وهو يقول: "من يدل على رحل خالد بن الوليد؟ " فخرجت أسعى بين يدي رسول الله ﷺ وأنا أقول: من يدل على رحل خالد بن الوليد؟ حتى أتاه رسول الله ﷺ وهو مستند إلى رحل قد أصابته جراحة فجلس رسول الله ﷺ عنده، ودعا له، وأرى٥ فيه: نفث عليه ٦.

стр. 243

والحديث صحيح وقد رواه أيضا عبد الرزاق وأحمد وأبو عوانة كلهم من طريق الزهري انه سمع عبد الرحمن بن أزهر يسأل عن رحل خالد بن الوليد. الحديث١. وفي حديث أنس بن مالك عند البزار في وصف المعركة وفيه: "وكان رسول الله ﷺ على بغلة له، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها، والعباس عمه آخذ بغَرْزها٢، وكنا في واد دهس، فارتفع النقع، فما منا أحد يبصر كفه، إذ شخص قد أقبل، فقال: إليك من أنت؟ " قال: "أنا أبو بكر فداك أبي وأمي وبه بضعة عشر ضربة، ثم إذا شخص أقبل وبه بضعة عشر ضربة، فقال: إليك من أنت؟ " فقال علي بن أبي طالب: "فداك أبي وأمي". الحديث٣. هذا ما توصلت إليه من الإصابات التي لحقت بالمسلمين وأما الذين استشهدوا في حنين فقد ذكر ابن إسحاق إمام أهل المغازي والسير أربعة٤. ١١٥- حيث قال: "وهذه تسمية من استشهد يوم حنين من المسلمين، من قريش ثم من بني هاشم": ١- أيمن٥ بن عبيد.

стр. 244

ومن بنى أسد بن عبد العزى: ٢- يزيد١ بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد. جمح به فرس يقال له الجناح٢ فقتل. ومن الأنصار: ٣- سراقة بن الحارث بن عدي من بني العجلان٣. ومن الأشعريين: ٤- أبو عامر٤ الأشعري٥. هكذا ذكر ابن إسحاق بدون إسناد، ومن طريقة أخرجه الطبري٦، وخليفة بن الخياط٧ إلا أنه قال: سراقة بن "الحباب"، بدل سراقة بن "الحارث"٨. وذكر الواقدي ما ذكره ابن إسحاق إلا أنه جعل الثاني "رقيم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان".

стр. 245

وذكر يزيد بن زمعة فيمن استشهد بالطائف١. هذا ما وقفت عليه في عدد شهداء المسلمين في غزوة حنين. وبعض٢ الباحثين المعاصرين يستبعد ذلك ويرى أن قتلى المسلمين في هذه الغزوة يبلغون المئات، مستدلا بشدة المعركة وضراوتها وانهزام المسلمين في بداية المعركة أمام نبال قبائل هوازن التي صبت عليهم وادعي أن المؤرخين سجلوا ما نقله الرواة بأمانة لكن واقع المعركة وجودها يقتضي مزيدا من الضحايا، وأخذ يذكر أنه لا يوجد في عهد الرسول ﷺ قسم إداري يهتم بإحصاء عدد القتلى ويقدم بهم قوائم وفق النظام المتبع في الجيوش العصرية، ولا يوجد ديوان إحصاء للجند يسجل فيه المنخرطون في سلك الجيش الإسلامي، بحيث يمكن الرجوع إلى هذا السجل لمعرفة عدد الشهداء المفقودين، وأضاف أن الجيش الإسلامي مؤلف من قبائل متفرقة فلما انتهت المعركة عادوا إلى أماكنهم كل قبيلة تعرف شهداءها، وفات تسجيل ذلك على المؤرخين لأن الاهتمام بتدوين أخبار المغازي والحروب الإسلامية لم يكن إلا في أواسط القرن الثاني الهجري، فلا يتمكن العلماء في هذا الزمن المتأخر من الاتصال بأولئك البدو المتفرقين في جنبات الجزيرة. هذه خلاصة أدلة هذا الباحث في استبعاد أن يكون شهداء المسلمين في هذه الغزوة أربعة فقط كما ذكر ذلك المؤرخون المختصون بذلك. والظاهر أن ما ذكره من الأدلة غير مسلم به في جملته لأن فرار المسلمين أمام نبال هوازن لا يلزم منه كثرة القتل في المسلمين وإنما يلزم منه كثرة الإصابات من جراحات وغير ذلك، ولأن عدم وجود قسم إداري يهتم بالإحصاء وعدم وجود سجل يدون فيه عدد الجيش الإسلامي لا يلزم منه هذه المفارقات الكبيرة في تسجيل الأحداث، ذلك أنّ المؤرخين المختصين قالوا: إن عدد القتلى أربعة فقط وصاحب هذه

стр. 246

الدعوى يقول عنهم يبلغون المئات والتوفيق في مثل هذه الحال بين هذين القولين محال، ولا يمكن أن يفوت على المسلمين مئات القتلى منهم دون أن يشيروا إلى ذلك، وهذا مخالف لما عرف عن المسلمين من الاهتمام بالشهداء، ومخالف لما هو معلوم مطرد في المعارك الأخرى من ذكر المسلمين لعدد شهدائهم، وهذا يبعد القول بأن الشهداء كانوا مئات لا أربعة فقط، وتأخر تدوين التاريخ لا يلزم منه أيضاً ما أراده الباحث من فوات ذكر الشهداء، لأن الرسول ﷺ وأصحابه كانوا يهتمون بشهداء كانوا مئات لا أربعة فقط، وتأخر تدوين التاريخ لا يلزم منه أيضا ما أراده الباحث من فوات ذكر الشهداء، لأن الرسول ﷺ وأصحابه كانوا يهتمون بشهداء المعركة، ولأن القبائل على تفرقها تفتخر بشهيد المعركة وتسجيل له ذلك الموقف شعرا ونثرا، وأيضا فقد أحصى المسلمون عدد السبي والإبل والشاء مما غمنوه في هذه الموقعة، أفلا يحصون عدد شهدائهم؟ فعلينا أن ننتهي إلى ما انتهى إليه علماؤنا ولا نتعدى ذلك إلا بأدلة واضحة لا بمجرد الاستنتاج والتلمسات البعيدة.

стр. 247

الباب الثاني: ملاحقة فلول المشركين والأحداث التاريخية التي أعقبت ذلك الفصل الأول: تعقب الفارين نحو نخلة وأوطاس المبحث الأول: التوجه نحو نخلة ... المبحث الأول: التوجه إلى النخلة لما انهزم المشركون في موقعة حنين وباءوا بالفشل انسحبوا على إثر ذلك وتفرقوا في الجبال والأودية يجرون ذيل الخزي والندامة، تاركين وراءهم كثيرا من أطفالهم ونسائهم وأموالهم، وعند ذلك أمر رسول الله ﷺ بمطاردتهم وتعقبهم تأديبا لهم حتى لا تسول لهم أنفسهم أن يتكتلوا أو ينقضوا على المسلمين مرة أخرى. ١١٦- قال ابن إسحاق: ولما انهزم المشركون، أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف وعسكر بعضهم بأوطاس١ وتوجه بعضهم نحو نخلة٢، ولم يكن فيمن توجه نحو النخلة إلا بنو غيرة٣ من ثقيف، وتبعت خيل رسول الله ﷺ من سلك في نخلة

стр. 248

من الناس، ولم تتبع من سلك الثنايا١، فأدرك ربيعة بن رفيع بن أهبان بن ثعلبة بن ربيعة بن يربوع بن سمال بن عوف بن امرئ القيس - وكان يقال له ابن الدغنة٢ وهي أمه، فأناخ به، فإذا شيخ كبير٣، وإذا هو دريد بن الصمة ولا يعرفه الغلام، فقال له دريد: ماذا تريد؟ قال: أقتلك. قال: ومن أنت؟ قال: أنا ربيعة بن رفيع السلمي، ثم ضربه فلم يغن شيئا فقال: بئس ما أسلحتك أمك!. خذ سيفي هذا من مؤخر الرحل، وكان الرحل في الشجار، ثم اضرب به، وارفع عن العظام ٤، واخفض عن الدماغ، فإني كنت كذلك أضرب الرجال ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، فرب - والله - يوم قد منعت فيه نساءك. فزعم بنو سليم أن ربيعة لما ضربه تكشف، فإذا عجانه ٥ وبطون فخذيه مثل القرطاس٦ من ركوب الخيل أعراء ٧، فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه.

стр. 249

فقالت: أما والله لقد أعتق أمهات١ لك ثلاثا٢. هكذا ذكر ابن إسحاق بدون إسناد. والحديث أخرجه الطبري من طريق سلمة٣ بن الفضل الأبرش، والطحاوي من طريق عبد الله٤ بن إدريس، والبيهقي من طريق يونس٥ ابن بكير الجميع من طريق ابن إسحاق٦. والحديث يدل على أن قاتل دريد بن الصمة هوربيعة بن رفيع ٧، وقد أخذ الشافعي ﵀ من هذا جواز قتل الشيخ الكبير الذي لا يستطيع القتال، فقد جاء في الأم للشافعي ما نصه: ١١٧- قال الربيع ٨ بن سليمان قال: قال الشافعي قتل يوم حنين دريد بن الصمة ابن خمسين ومائة سنة في شجار لا يستطيع الجلوس فذكر للنبي ﷺ فلم ينكر قتله. ثم قال الشافعي: "وقتل أعمى من بني قريظة بعد الإسار وهذا يدل على قتل من لا يقاتل من الرجال البالغين إذا أبى الإسلام والجزية".

стр. 250

قال البيهقي: "الأعمى هو الزَّبِيْر بن باطا القرظي"١. وأورد الطحاوي حديث أبي موسى الأشعري في بعث أبي عامر إلى أوطاس وفيه "فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد وهزم الله أصحابه". ثم قال: قال أبو جعفر: "فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: لا بأس بقتل الشيخ الكبير في الحرب، فاستدلوا على ذلك بحديث ابن إسحاق في قتل ربيعة بن رفيع دريدا، ثم قال: قالوا: فلما قتل دريد، وهو شيخ كبير فانٍ لا يدافع عن نفسه، فلم يعب رسول الله ﷺ عليهم، دل ذلك أن الشيخ الفاني يقتل في دار الحرب، وأن حكمه في ذلك حكم الشبان لا حكم النسوان. ثم قال: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا ينبغي قتل الشيوخ في دار الحرب، وهم في ذلك، كالنساء والذرية، ثم أورد ما استدلوا به من أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل الشيوخ والنساء، ثم قال: فدل ذلك أن من أبيح قتله هو الذي يقاتل، ولكن لما روى حديث دريدا هذا، وهذه الأحاديث الأخر، وجب أن تصحح، ولا يدفع بعضها ببعض". فالنهي من رسول الله ﷺ في قتل الشيوخ في دار الحرب ثابت في الشيوخ الذين لا معونة لهم على شيء من أمر الحرب، من قتال ولا رأي. وحديث دريد على الشيوخ الذين لهم معونة في الحرب، كما كان لدريد فلا بأس بقتلهم وإن لم يكونوا يقاتلون لأن تلك المعونة التي تكون منهم أشد من كثير من القتال، ولعل القتال لا يلتئم لمن يقاتل إلا بها، فإذا كان ذلك كذلك قتلوا. ثم أورد حديث أن رسول الله ﷺ رأى امرأة مقتولة فقال: "ما كانت هذه تقاتل" ٢. أي فلا تقتل، فإنها لا تقاتل، فإذا قاتلت قتلت، وارتفعت العلة التي لها منع من قتلها.
следующие страницы →