* البداية: "واشتغل بحفظ الخرقي، وكان فاضلًا في النحو وغيره، وله شعر حسن.
وكان رجلًا صالحًا جاوز التسعين وصار رحلة العراق" أ. هـ.
* الدرر: "قال الكمال جعفر: كان متدينًا صينًا قائمًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" أ. هـ.
من أقواله: وله نظم منه:
كم قد صفت لقلوب القوم أوقات ... وكم تقضت لهم بالليل لذات
وفاته: سنة (٧٢٨ هـ) ثمان وعشرين وسبعمائة.
٣٠٩٤ - الكلثومي *
النحوي، اللغوي: محمّد بن عبد الملك، أبو عبد الله الكلثومي.
كلام العلماء فيه:
* معجم الأدباء: "من الفضلاء الكبراء علامة في الإعراب واللغة والحساب ومعرفة الأيام والأنساب والنجوم" أ. هـ.
٣٠٩٥ - ابن الزَّيَّات *
النحوي، اللغوي: محمّد بن عبد الملك بن أبان بن حمزة، المعروف بابن الزيات، أبو جعفر: وزير المعتصم والواثق العباسيين.
ولد: سنة (١٧٣ هـ) ثلاث وسبعين ومائة.
كلام العلماء فيه:
* الأنساب: "كان أديبًا فاضلًا، شاعرًا مليح الشعر حسن الترسل والبلاغة إتصل بالمعتصم بالله وخص به فرفع من قدره ووسمه الوزارة، وكذلك الواثق والمتوكل إلى أن قبض عليه المتوكل وقتله. وكان يرى رأي الاعتزال وهو الذي بالغ في ضرب أحمد بن حنبل ﵀ وحث المعتصم على ذلك" أ. هـ.
* المنتظم: "كان أديبًا فاضلًا عالمًا بالنحو واللغة وله شعر مليح. وقد وصف بلاغته البحتري.
مات في التنور، وقيل: إنه أخرج فضرب فمات تحت الضرب، والأول أثبت. ولما مات طرُح على باب، فغسل عليه، وحضر له، ولم يعمق، فذكر أن الكلاب نبشته فأكلت لحمه" أ. هـ.
* الكامل: "كان شديد الجزع كثير البكاء والفكرة" أ. هـ.
* العبر: "كان أديبًا شاعرًا محسنًا كامل الأدوات، جهميًا" أ. هـ.
* الأعلام: "عالم باللغة والأدب، من بلغاء الكتاب والشعراء".
من أقواله: تاريخ الإسلام: "رُوي أنه كان يقول: الرحمة خور في الطبيعة. ما رحمتُ أحدًا قط. ولمّا سُجن في القفص الضيّق وسائر جهاته مسامير إلى داخله كالمسّال، كان لا يقَرُّ له فيه قرار، ويَصيح: إرحموني. فيقولون: الرحمة خور في الطبيعة" أ. هـ.
المنتظم: "قال محمّد بن علي الربيعي: سمعتُ
стр. 2207
صالح بن سليمان العبدي يقول: كان محمّد بن عبد الملك الزيّات يتعشق جارية من جواري القيان، فبيعت من رجل من أهل خراسان، فأخرجها، قال: فذهل عقل محمّد بن عبد الملك حتى خشي عليه فقال:
يا طول ساعات ليل العاشق الدنف ... وطول رعيته للنجم في السدف
ماذا توارى ثيابي من أخي حرق ... كأنما الجسم منه دفه الألف
وفاته: سنة (٢٣٣ هـ) ثلاث وثلاثين ومائتين.
من مصنفاته: له ديوان شعر.
٣٠٩٦ - أبو بكر التُّسْتُري *
النحوي، المفسر, المقرئ: محمّد بن عبد الملك بن سليمان بن أبي الجعد التستري الحنبلي، أبو بكر.
ولد: سنة (٣٥٥ هـ) خمس وخمسين وثلاثمائة.
كلام العلماء فيه:
* الصلة: "قدم الأندلس تاجرًا سنة ثلاثين وأربعمائة ذكره الخزرجي وقال: كان خيرًا متدينًا، نزيه النفس، متسننًا مؤتمًا بأحمد بن حنبل، وداينًا بمذهبه وروايته واسعة عن شيوخ جلة بالعراق، وخراسان، وكان عالمًا بفنون علوم القرآن من قراءات وإعراب وتفسير، وقال: ... وكان ممتعًا قوي الأعضاء مصححًا" أ. هـ.
٣٠٩٧ - الكَرَجِيّ *
المفسر: محمّد بن عبد الملك بن محمّد بن عمر، أبو الحسن الكرجي وقيل الكرخي.
ولد: سنة (٤٥٨ هـ) ثمان وخمسين وأربعمائة.
من مشايخه: مكي بن علان الكرجي، وأبو القاسم عليّ بن أحمد بن بيان الرزاز وغيرهما.
من تلامذته: ابن السمعاني، وأبو موسى المديني وجماعة.
كلام العلماء فيه:
* الأنساب: "كان إمامًا، متقنًا، مكثرًا من الحديث .. " أ. هـ.
* المنتظم: "كان محدثًا فقيهًا شاعرًا أديبًا على مذهب الشافعي إلا أنه كان لا يقنت في الفجر، وكان يقول إمامنا الشافعي، قال: إذا صح عندكم الحديث فاتركوا قولي وخذوا بالحديث، وقد صح عندي أن النبي ﷺ ترك القنوت في صلاة الصبح ... وكان حسن المعاشرة ظاهر الكياسة" أ. هـ.
* طبقات الشافعية لابن صلاح: "من فضلاء وقته المفتين .. ذكره شيرويه فقال: كان ثقة
стр. 2208
فاضلًا".
ثم قال: "وكان حسن المجالسة، مليح المعاشرة" أ. هـ.
* طبقات الشافعية للسبكي: "قال ابن السمعاني فيه: أبو الحسن من أهل الكِرج، رأيته بها، إمام ورع، عالم، عاقل، فقيه، مفتٍ، محدث، شاعر، أديب [له] مجموع حسن.
أفنى طول عمره في جمع العلم ونشره.
وكان شافعي المذهب إلا أنه كان لا يقنت في صلاة الصبح ثم قال السمعاني: وله قصيدة بائية في السنة، شرح فيها اعتقاده واعتقاد السلف، تزيد على مائتي بيت، قرأتها عليه في داره بالكرخ.
قلت -السبكي-: ثبت لنا بهذا الكلام، إن ثبت أن ابن السمعاني قاله، أن لهذا الرجل قصيدة في الإعتقاد على مذهب السلف، موافقة للسنة، وابن السمعاني كان أشعري العقيدة (١)، فلا نعترف بأن القصيدة على السنة، واعتقاد السلف إلا إذا وافقت ما نعتقد أنه كذلك وهو رأى الأشعري.
إذا عرفت هذا فاعلم أنا وقفنا على قصيدة تعزى إلى هذا الشيخ، وتلقب بـ"عروس القصائد في شموس العقائد" نال فيها من أهل السنة، وباح بالتجسيم، فلا حيا الله معتقدها ولا حيى قائلها كائنا من كان، وتكلم فيها في الأشعري أقبح كلام، وافترى عليه أي افتراء.
ثم رأيت شيخنا الذهبي حكى كلام ابن السمعاني الذي حكيته، ثم قال: قلت أولها:
محاسن جسمي بدلت بالمعايب ... وشيب فودي شوب وصل الحبائب
ومنها:
عقائدهم أن الإله بذاته ... على عرشه مع علمه بالغوائب
ومنها:
ففي كرجٍ والله من خوف أهلها ... يذوب بها البدعي يا شر ذائب
يموت ولا يقوى لإظهار بدعةٍ ... مخافة حز الرأس من كل جانب
انتهى ما حكاه الذهبي.
وكان يتمنى فيما أعرفه منه أن يحكي الأبيات الأخر، ذات الطامات الكبر، التي سأذكرها لك، ولكن يخشى صولة الشافعية، وسيف السنة المحمدية.
وأقول أولًا: إني ارتبت في أمر هذه القصيدة، وصحة نسبتها إلى هذا الرجل، وغلب على ظني أنها إما مكذوبة عليه، كلها، أو بعضها، والذي يرجح أنها مكذوبة عليه كلها أن ابن الصلاح ترجم هذا الرجل، وحكى كلام ابن السمعاني، إلا فيما يتعلق بهذه القصيدة، فلم يذكره، فيجوز أن يكون ذلك قد دس في كتاب ابن السمعاني، ليصحح به نسبة القصيدة إلى الكرجي، وقد جرى كثير مثل ذلك، ويؤيد هذا أيضًا أن ابن السمعاني ساق كثيرًا من شعره، ولم يذكر من
стр. 2209
هذه القصيدة بيتًا واحدًا، ولو كان قد قرأها عليه، لكان يوشك أن يذكر ولو بعضها.
ويحتمل أن يكون له بعضها، ولكن زيدت الأبيات المقتضية للتجسيم وللكلام في الأشاعرة، ويؤيد ذلك أن القصيدة المشار إليها تزيد على المائتين وأربعين، وابن السمعاني، قال: تزيد على المائتين، وظاهر هذه العبارة أنها تزيد بدون عقد، وأنها لو كانت مائتين وأزيد من أربعين، لقال على المائتين وأربعين، ويؤيده أيضًا أن أبياتها غير متناسبة، فإن بعضها شعر مقبول، وأظنه شعره، وبعضها وهو المشتمل على القبائح، في غاية الرداءة، لا يرضي به من يحسن الشعر.
وها أنا أحكي لك بعضها.
فأولها [يقول]:
محاسن جسمي شانها بالمعايب ... وشيب فودي شوب وصل الحبائب
وأقبل شيبي والشبيبة أدبرت ... وقرب من أحزاننا كل غارب
ومنها أيضًا:
وليس يرد العمر ما قلت آهة ... ولا الحزن يدني قاصيات الشبائب
وهذا كله شعر مقبول، لا يصل إلى درجة الحسن، ولا ينزل إلى درجة الرد، كما يعرف ذلك من يذوق الأدب.
ومنها [أيضًا]:
عقائدهم أن الإله بذاته ... على عرشه مع علمه بالغوائب
وهذا من أسهل ما فيها، ولس فيها ما ينكر معناه إلا قوله "بذاته"، وهي عبارة سبقه إليها ابن أبي زيد المالكي، في "الرسالة" إلا أنه بيت سمج مردود، فإن قوله "على عرشه مع علمه بالغوائب" كلام لا ارتباط لبعضه ببعض، فإنه لا ارتباط لعلم الغيب بمسألة الاستواء.
وقوله "بالغوائب" إن أراد جمع غيب، فهو لحن، فإن الغيب لا يثنى ولا يجمع لأنه اسم جنس، ولئن جمع فجمعه غيوب، وإن أراد جمع غائبة، لحن عليه.
ثم ساق أبياتًا في اليدين، والكيف، والصوت، والضحك، ووضع القدم، والأصابع، والصورة، والغيرة، والحياء، وأنحاء ذلك.
وليس فيه كبير أمر، إلا أن جمعها دليل منه على محاولة التجسيم، فإنها لم ترد في الشريعة مجموعة بل مفرقة، وفي كل مكان قرينة ترشد إلى المراد، فإذا جمعها جامع أضل ضلالًا مبينًا.
ثم ذكر التجسيم، والتجهم، والاعتزال، والرفض، والارجاء، وجمع الكل في بيتين، فقال:
طرائق تجسيم وطرق تجهم ... وسبل اعتزالٍ مثل نسجِ العناكبِ
وفي قدر والرفضِ طرقٌ عميةٌ ... وما قيل في الإرجاء من نعبِ ناعبِ
ثم قال:
وخبث مقال الأشعري تخنثٌ ... يضاهي تلويه تلوى الشغازب (١)
стр. 2210
يُزيِّن هذا الأشعري مقاله ... ويقشبه بالسم يا شر قاشبِ
فينفي تفاصيلًا ويثبت جملةً ... كناقضةٍ من بعد شد الذوائبِ
يؤول آيات الصفات برأيه ... فجرأته في الدين جرأة خاربِ
ويجزم بالتأويل من سنن الهدى ... ويجلِبُ أغمارًا فاشئمْ بخالبِ
وهذا كلام من لا يستحي من الله، والغرض على كلامه لائح، فإن أهل البدع، الذين هم أهل البدع حقًّا بلا خلاف بين المحدثين والفقهاء، هم المجسمة، والمعتزلة، والقدرية، [و] هم المجسمة والجهمية، والرافضة، والمرجئة، لم يشتغل بهم إلا في بيتين، وأطال في الأشاعرة، ولا يخفى أن الأشاعرة إنما هم [نفس] أهل السنة أو هم أقرب النّاس إلى أهل السنة.
ثم إن قوله "مقال الأشعري، تخنث" من ردئ الكلام، ومن أعظم الافتراء. ويعجبني من كلام الشيخ كمال الدين بن الزملكاني، في رده على ابن تيمية، قوله: إن كانت الأشاعرة الذين فيهم القاضي أبو بكر الباقلاني، والأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وإمام الحرمين، والغزالي، وهلم جرا، إلى الإمام فخر الدين، مخانيث، فليس بعد الأنبياء والصحابة فحل.
وأقول: إن كان هؤلاء أغمارًا، والأشعري يخلبهم، فليس بعد الأنبياء والصحابة فطن، فيالله والمسلمين!
ثم قال، يعني الأشعري.
ولم يك ذا علمٍ ودينٍ وإنما ... بضاعته كانت مخوق مداعب
وفي هذا البيت من الكذب ما لا يخفى على لبيب، فإن أحدًا من الطوائف لم ينكر علم الأشعري، بل اتفقوا على أنه كان أوحد عصره، لا يختلف في ذلك لا من ينسبه إلى السنة، ولا من ينسبه إلى البدعة ..
وأما دينه فاتفقوا على زهده وورعه.
ثم قال:
وكان كلاميًا بالأُحْساء موته ... بأسوأ موتٍ ماته ذو السوائبِ
وهذا أيضًا كذب، لم يبلغنا أنه مات إلا كما مات غيره من الصالحين، ولم يمت بالأحساء.
ثم قال:
كذا كل رأسٍ للضلالة قد مضى ... بقتلٍ وصلبٍ باللحى والشواربِ
كجعدٍ وجهمٍ والمريسى بعده ... وذا الأشعري المبتلى شرُّ دائبِ
فقبحه الله، ما أجراه على الله، أي بليةٍ ابتلى بها الأشعري، وقد مات على فراشه حتف أنفه، ومات يوم مات والمسلمون باكون، وأهل السنة ينوحون، وأي صلبٍ أو قتلٍ كان، وكيف يجمع بينه وبين جعدٍ وجهمٍ والمريسى، وهؤلاء ثلاثة لا يختلف في بدعتهم، وسوء طريقتهم؟ وما أبرد هذا الشعر، وأسمجه!
ثم قال هذا البيت:
стр. 2211
معايبهم توفِي على مدح غيرهم ... وذا المبتلى المفتون عيب المعايبِ
فقبحه الله، جعل شيخ السنة شرًّا من هؤلاء المبتدعين.
فهذا ما أردت حكايته منها، ولو أمكن إعدامها من الوجود كان أولى، والأغلب على الظن أنها ملفقة موضوعة، وضع ما فيها من الخرافات من لا يستحي.
ثم أقول: قبح الله قائلها [كائنا]، من كان، وإن يكن هو هذا الكرجي، فنحن نبرأ إلى الله منه، إلا أنى على قطعٍ بأن ابن السمعاني لا يقرأ هذه الأبيات، ولا يستحل روايتها، وقد بينت لك من القرائن الدالة على أنها موضوعة ما فيه كفاية" أ. هـ.
* قلت: لاحظنا من خلال هذا الكلام أن السبكي دافع كثيرًا وبقوة عن الأشعري ومعتقده، وهو المعروف عن آل السبكي بأشعريتهم والذب عنهم، نسأل الله تعالى التوفيق والسداد في الدين.
* البداية: "سمع الكثير في بلاد شتى، وكان فقيهًا مفتيًا" أ. هـ.
وفاته: سنة (٥٣٢ هـ) اثنتين وثلاثين وخمسمائة.
من مصنفاته: صنف في المذهب والتفسير، وله كتاب "الذرائع في علم الشرائع"، وله "الفصول في إعتقاد الأئمة الفحول" يذكر فيه مذاهب السلف في باب الإعتقاد ويحكي فيه أشياء غريبة حسنة.
٣٠٩٨ - ابن خيرون *
المقرئ: محمّد بن عبد الملك بن الحسن بن إبراهيم بن خيرون أبو منصور البغدادي الدَّباس.
ولد: سنة (٤٥٤ هـ) أربع وخمسين وأربعمائة. من مشايخه: أبو الحسين بن المهتدي، وأبو جعفر بن المسلمة، والخطيب وغيرهم.
من تلامذته: أبو اليمن الكندي، ويحيى بن الحسين الأواني وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* المنتظم: "قرأ القراءات وصنف فيها كتبًا، قرأ وحدث، وكان ثقة، وكان سماعه صحيحًا" أ. هـ.
* تاريخ الإسلام: "شيخ معمر، ثقة، إمام صالح بارع في القراءات، قال ابن الخشاب: كان شافعيًّا من أهل السنة أ. هـ.
وذكره ابن السمعاني فقال: ثقة، صالح، مشتغل بما يعنيه، ماله شغل غير التلاوة أو الإقراء" أ. هـ.
وفاته: سنة (٥٣٩ هـ)، وقيل: (٥٤٠ هـ) تسع وثلاثين، وقيل: أربعين وخمسمائة.
من مصنفاته: "المفتاح"، و"الموضح في القراءات".
стр. 2212
٣٠٩٩ - ابن السراج الشنتريني *
النحوي، اللغوي: محمّد بن عبد الملك بن محمّد بن السراج الشنتريني وقيل الشنتمري، أبو بكر.
من مشايخه: ابن أبي العافية، وابن الأخضر وغيرهما.
من تلامذته: أبو حفص عمر بن إسماعيل، وابن العَّطار وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* نفح الطيب: "قال السلفي: كان من أهل الفضل الوافر، والصلاح الظاهر، وكانت له حلقة في جامع مصر لإقراء النحو، وكثيرًا ما كان يحضر عندي مدة مقامي بالفسطاط" أ. هـ.
* الأعلام: "من أئمة العلماء بالعربية في الأندلس" أ. هـ.
وفاته: سنة (٥٤٩ هـ)، وقيل: (٥٤٥ هـ)، وقيل: (٥٥٥ هـ) تسع وأربعين، وقيل: خمس وأربعين، وقيل: خمس وخمسين وخمسمائة، والأول أثبت.
من مصنفاته: "تنبيه الألباب في فضل الإعراب"، وكتاب في العروض، وله اختصار في كتاب "العمدة" لابن رشيق.
٣١٠٠ - السَّبتي *
النحوي، اللغوي: محمّد بن عبد المنعم الصنهاجي الحميري أبو عبد الله السَّبتي.
من مشايخه: أبو القاسم الشاطر وأبو إسحاق الغافقي.
كلام العلماء فيه:
* البغية: "قال في تاريخ غرناطة: كان من صدور الحفاظ لم يستظهر أحد في زمانه من اللغة ما استظهره آية تتلى ومثالًا يضرب ... صدوق اللهجة، سليم الصدر تام الرجولية، عابدًا صالحًا كثير القرب والأولاد وقال إسحاق الغافقي: وكان مشاركًا في الأصول ملازمًا للسنة، يقرب أبدًا كلامه طبقة من الشطرنج" أ. هـ.
٣١٠١ - الجوجري *
اللغوي: محمّد بن عبد المنعم بن محمّد بن محمّد بن عبد المنعم ابن إسماعيل الجوجري (١)، بجيمين ومهملتين، ثم القاهري الشافعي.
ولد: سنة (٨٢١ هـ) إحدى وعشرين وثمانمائة.
من مشايخه: النويري، وابن الهمام، والشمني، والحافظ ابن حجر وغيرهم.
من تلامذته: الحليبي، وابن قريبة، وسعد الدين الذهبي وغيرهم.
كلام العلماء فيه:
* الضوء: "كان في صوفية المؤيدية قديمًا ثم بعد
стр. 2213
تقدمه رغب أن يكون في طلبة الخشابية والشريفية، مما كان اللائق به الترفع عنه بل تهالك في السعي فيهما" أ. هـ.
* الأعلام: "فاضل مصري من فقهاء الشافعية" أ. هـ.
وفاته: سنة (٨٨٩ هـ) تسع وثمانين وثمانمائة.
من مصنفاته: "تسهيل المسالك إلى عمدة السالك" في مجلد، وشرح "شذور الذهب" شرحًا مطولًا، وشرح "الهمزية" شرحين أحدهما مطول، سمى أحدهما "خير القرى في شرح أم القرى".
٣١٠٢ - ابن عبد الهادي *
المقرئ: محمّد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمّد بن قدامه شمس الدين، أبو عبد الله، المقدسي الجماعيلي. أخو العماد، وأبوه ابن عمّ الشيخ أبي عمر المقدسي.
من مشايخه: محمّد بن أبي الصَّعر، والسِّلفي، وشهدة الكاتبة وغيرهم.
من تلامذته: الدمياطي، وزينب بنت الكمال وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* السير: "كان دينًا، خيرًا، كثير التلاوة، متعففًا مشتغلًا بنفسه، يؤم بقرية الساوية في جبل نابلس، أثنى عليه الشيخ الضياء وغيره" أ. هـ.
* الوافي: "مات شهيدًا بيد التتار في قرية ساوية من نابلس ودفن فيها وقد نيف على المائة" أ. هـ.
وفاته: سنة (٦٥٨ هـ) ثمان وخمسين وستمائة.
٣١٠٣ - السِّندي *
المفسر: محمّد بن عبد الهادي التتوي، السندي، نور الدين، أبو الحسن، الحنفي.
من مشايخه: السيد محمّد البرزنجي، والملا إبراهيم الكوراني وغيرهما.
من تلامذته: الشيخ محمّد حياة السندي وغيره.
كلام العلماء فيه:
* سلك الدرر: "الإمام العالم العامل العلامة المحقق المدقق النحرير الفهامة ...
ودرس بالحرم الشريف النبوي، واشتهر بالفضل والذكاء والصلاح.
وكان شيخًا جليلًا ماهرًا محققًا بالحديث والتفسير والفقه والأصول والمعاني والمنطق والعربية وغيرها" أ. هـ.
* فهرس الفهارس: "كان أحد الحفاظ المحققين والجهابذة المدققين" أ. هـ.
* الأعلام: "فقيه حنفي، عالم بالحديث والتفسير والعربية، أصله من السند" أ. هـ.
وفاته: سنة (١١٣٨ هـ)، وقيل: (١١٣٩ هـ) ثمان وثلاثين، وقيل: تسع وثلاثين ومائة وألف.
من مصنفاته: "حاشية على البيضاوي" و"حاشية على سنن ابن ماجة"، و"حاشية على
стр. 2214
سنن أبي داود"، و"حاشية على صحيح البخاري".
٣١٠٤ - غلام ثعلب *
النحوي، اللغوي: محمَّد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، أبو عمر، البغدادي، الزاهد، المعروف بغلام ثعلب.
ولد: سنة (٢٦١ هـ) إحدى وستين ومائتين.
من مشايخه: محمّد بن يونس الكديمي، والحارث بن أبي أسامة، وثعلب وغيرهم.
من تلامذته: ابن مندة، وأبو عبد الله الحاكم، والقاضي المحاملي وغيرهم.
كلام العلماء فيه:
* تاريخ بغداد: "إن الأشراف والكتاب كانوا يحضرون عنده ليسمعوا منه كتب ثعلب وغيرها. وله جزء قد جمع فيه فضائل معاوية، فكان لا يترك واحدًا منهم يقرأ عليه شيئًا حتى يبتدأ بقراءة ذلك الجزء ونقل عن عبد الواحد بن برهان قوله: لم يتكلم في علم اللغة أحد من الأولين والآخرين أحسن كلامًا من كلام أبي عمر الزاهد أ. هـ.
فأما الحديث فرأيت جميع شيوخنا يوثقونه فيه ... وجميع كتبه إنما أملاها بغير تصنيف, ولسِعَة حفظه اتهم" أ. هـ.
* المنتظم: "قال عليّ بن أبي عليّ عن أبيه: ومن الرواة الذين لم ير قط أحفظ منهم أبو عمر غلام ثعلب أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة لغة ... ولسعة حفظه أتهم بالكذب وكان يسأل عن الشيء الذي يقدر السائل أنه قد وضعه فيجيب عنه ثم يسأله غيره عنه بعد سنة على مواطأة فيجيب بذلك الجواب بعينه" أ. هـ.
* وفيات الأعيان: "قال رئيس الرؤساء: وقد رأيت أشياء كثيرة مما استنكر على أبي عمر ونسب فيها إلى الكذب فوجدتها مدونة في كتب أهل اللغة وخاصة في (غريب المصنف) لأبي عبيد" أ. هـ.
* تاريخ الإسلام: "أنبأنا عليّ البندار عن أبي عبد الله بن بطة قال: سألت أبا عمر محمّد بن عبد الواحد صاحب اللغة عن قول النبي ﷺ (ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره) فقال: الحديث معروف وروايته سنة والأعراض بالطعن عليه بدعة، وتفسير الضحك تكلف وإلحاد، فأما قوله (وقرب غيره) فسرعة رحمته لكم. وتتغير ما بكم من ضر أنبأنا أبو الحسين بن النقور قال: أخبرنا أبو القاسم الصيدلاني قال: أخبرنا أبو عمر محمّد بن عبد الواحد قال: أخبرني أبو عليّ القاضي قال: سمعت عليّ بن الموفق يقول: نحن على الحق فمات على المجوسية، فرأيته في النوم، فقلت له ما الخبر؟ فقال: نحن في قعر جهنم، قال:
стр. 2215
قلت تحتكم قوم؟ قال: نعم قوم منكم، قال: قلت من أي الطوائف منا؟ قال: الذين يقولون القرآن مخلوق" أ. هـ.
* الوافي: "كان شيوخنا يوثقونه في الحديث" أ. هـ.
* البلغة: "كان متغاليا في حب معاوية" أ. هـ.
* لسان الميزان: "له جزء في فضائل معاوية وفيه أشياء كثيرة موضوعة والآفة فيها من غيره، وقد اتهم بالنصب (١) ".
وقال ابن حجر: "قال النديم: كان جماعة من أهل العلم يضعفونه وينسبونه إلى التزيد، وكان نهاية في النصب والأطراف، قال: وكان يقول: إنه شاعر مع عاميته، قلت -أي ابن حجر-: هذا أوضح الأدلة على أن النديم رافضي، لأن هذه طريقتهم، يسمون أهل السنة عامة، وأهل الرفض خاصة" أ. هـ.
من أقواله: تاريخ بغداد: "ترك قضاء حقوق الإخوان مذلة، وفي قضاء حقوقهم رفعة" أ. هـ.
وفاته: سنة (٣٤٥ هـ) خمس وأربعين وثلاثمائة.
من مصنفاته: "غريب الحديث" ألفه على مسند أحمد بن حنبل، و"فائت الفصيح" و"الياقوتة أو اليواقيت"، و"البيوع".
٣١٠٥ - الشيباني *
المقرئ: محمد بن عبد الواحد، أبو غالب الشيباني، القزاز.
ولد: سنة (٤٣٠ هـ) ثلاثين وأربعمائة.
من مشايخه: أبو علي الشرمقاني وأبو الفتح بن شيطا وغيرهما.
من تلامذته: يحيى بن موهوب بن السدنك وسعد الله الدقاق وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* معرفة القراء: "من كبار القراء ببغداد ... وكان ثقة جليلا عالما نسخ الكثير .. " أ. هـ.
* تاريخ الإسلام: "كان ثقة مقرئا فاضلا حاذقا بالقراءات" أ. هـ.
* الغاية: "مقرئ كبير" أ. هـ.
وفاته: سنة (٥٠٨ هـ) ثمان وخمسمائة.
٣١٠٦ - ابن الهمام الحنفي *
النحوي، المفسر محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود السيواسي ثم الإسكندري، المعروف بابن الهمام، الحنفي، كمال الدين.
ولد: سنة (٧٩٠ هـ) تسعين وسبعمائة، وقيل: (٧٨٩ هـ) تسع وثمانين وسبعمائة، وقيل: (٧٨٨ هـ) ثمان وثمانين وسبعمائة.
стр. 2216
من مشايخه: محب الدين بن الشحنة، والجمال الحميدي، وأبو زرعة بن العراقي وغيرهم.
من تلامذته: التقي الشمني، والقرافي، والجمال بن هشام وغيرهم.
كلام العلماء فيه:
* الضوء: "كان إمامًا علامة عارفًا بأصول الديانات والتفسير والفقه وأصوله والفرائض والحساب والتصوف والنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع والمنطق والجدل والأدب والموسيقى وجل علم النقل والعقل متفاوت المرتبة في ذلك مع قلة علمه في الحديث، عالم أهل الأرض ومحقق أولى العصر حجة أعجوبة ذات حجج باهرة وإختيارات كثيرة وترجيحات قوية. قال يحيى بن العطار: لم يزل يضرب به المثل في الجمال المفرد مع الصيانة وحسن النغمة مع الديانة وفي الفصاحة وإستقامة البحث مع الأدب.
قلت -أي السخاوي- وفي التقلل في أوليته مع الشهامة وفي الرياضة والكرم مع كون جدته مغربية واستمر يترقى في درج الكمال حتى صار عالمًا مفننًا علامة متقنًا درس وأفتى وأفاد وعكف النّاس عليه" أ. هـ.
* بغية الوعاة: "كان حسن اللقاء والسمت والبشر والبزة طيب النغمة، مع الوقار والهيبة والتواضع المفرط والإنصاف والمحاسن الجمة. وكان أحد الأوصياء عليّ -أي على صاحب البغية- " أ. هـ.
* الشذرات: "كان علامة في الفقه والأصول والنحو والتصريف والمعاني والبيان والتصوف والموسيقى وغيرها، محققًا جدليًا نظارًا. وكان يأتيه الوارد كما يأتي الصوفية لكنه يقلع عنه بسرعة لأجل مخالطته الناس. أخبرني بعض الصوفية من أصحابه أنه كان عنده في بيته الذي بمصر فأتاه الوارد فقام مسرعًا ... وكان يخفف الحضور جدًّا ويخفف صلاته، كما هو شأن الأبدال فقد نقلوا أن صلاة الأبدال خفيفة" أ. هـ.
* معجم المؤلفين: "عالم مشارك في الفقه والأصول والتفسير وعلم الطبيعة والفرائض والحساب والتصوف والنحو والصرف والمعاني" أ. هـ.
* جهود علماء الحنفية: "فقيه طبعًا، محدث تكلفًا، منصف من منصفي الحنفية وأحد كبار أئمتهم، وهو من مشاهير أعلام الماتريدية، وكان صوفيًا يأتيه وارد الصوفية الخرافية، وعنده بعض بدع القبورية، وتعطيلات الجهمية الكلامية الماتريدية" أ. هـ.
* الماتريدية وموقفهم من الأسماء والصفات الإلهية: "الإمام الهمام كمال الدين محمّد بن عبد الواحد المعروف بابن الهمام كان مع جلالته في العلوم ولا سيما الفقه، وإمامته عند الحنفية وقلة التعصب لهم وكثرة الإنصاف- صوفيًا يأتيه الوارد (١).
فذكروا: أنه أتاه الوارد مسرعًا وأخذ من معه يجره وهو يعدوفي مشيته إلى أن وقف على المراكب فقال: ما لكم واقفين؟ قالوا: أوقفتنا
стр. 2217
الريح فقال: هو الذي يسيركم، وهو الذي يوقفكم، ثم أقلع عنه الوارد، فقال لمن جره: لعلي شققت عليك، فقال: إي والله انقطع قلي من الجري، فقال: لا تأخذ عليّ فإني لم أشعر بشيء مما فعلته.
وكان يلازم لبس الطيلسان ويرخيه كثيرًا على وجهه.
وكان يخفف صلاته كما هو شأن الأبدال (١).
فقد نقلوا: أن صلاة الأبدال خفيفة (٢).
وذكروا أنه كان صاحب الكشف والكرامات.
وابن الهمام مع كونه محققًا عنده بدع كثيرة بناها على أحاديث ضعيفة، وموضوعة حول زيارة قبر النبي ﷺ .
ومن أشنع أقوال الإمام ابن الهمام، قاعدته: من أنه لا ترجيح لأحاديث الصحيحين عند التعارض وتبعه كثير من الحنفية الكوثرية منهم والديوبندية وغيرهم. له كتاب (المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة) وهو من أهم كتب الماتريدية وعليها عدة شروح، ولأهميته عند الماتريدية وضع في صلب المنهج الدراسي في الجامعات ومنها الأزهر وطبع مرارًا" أ. هـ.
قلت: ذكره صاحب كتاب الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات وقال عنه إنه إمام من أئمة الماتريدية.
* قلت: وكذلك ذكره صاحب كتاب موقف ابن تيمية من الأشاعرة وقد جعله من أئمة الماتريدية المتأخرين الذين لم يخالفوا شيخهم الماتريدي كثيرًا، وإنما بقيت أقوال الماتريدي أكثرها وقد خالفه ببعض الأمور.
وفاته: سنة (٨٦١ هـ) إحدى وستين وثمانمائة.
من مصنفاته: "شرح الهداية" سماه "فتح القدير للعاجز الفقير" وصل فيه إلى أثناء الوكالة، و"كراسة في إعراب سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم"، وله مختصر في الفقه سماه "زاد الفقير".
٣١٠٧ - خال الشرفَي *
النحوي: محمّد بن عبد الوارث القيسي، ويعرف بخال الشرفي، وقيل: محمّد بن عمر بن عبد الوارث ...
ولد: سنة (٣١٧ هـ) سبع عشرة وثلاثمائة.
من مشايخه: قاسم بن أصبغ، وسلمة بن القاسم وغيرهما.
من تلامذته: أبو عبد الله بن عتاب، وقال فيه ثقة قديم.
كلام العلماء فيه:
* الصلة: "وحكى أهله أنه احتفر قبره قبل وفاته بيوم، وأعد أكفانه وجهازه وجعل يقول لهم
стр. 2218
يوم الجمعة أدخل قبري إن شاء الله فكان كذلك" أ. هـ.
وفاته: سنة (٤٠٩ هـ) تسع وأربعمائة.
٣١٠٨ - أبو عليّ الجُبّائي *
المفسر: محمّد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران ابن أبان، أبو عليّ الجبائي.
ولد: سنة (٢٣٥ هـ) خمس وثلاثين ومائتين.
من مشايخه: يعقوب بن عبد الله الشحَّام البصري وغيره.
من تلامذته: ابنه هاشم، والشيخ أبو الحسن الأشعري وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* تاريخ الإسلام: "قال الأهوازي: سمعت الحسن بن محمّد العسكري بالأهواز وكان من المخلصين في مذهب الأشعري يقول: كان الأشعري تلميذًا للجبائي يدرس عليه ويتعلم منه، ويأخذ عنه وكان أبو على الجبائي صاحب تصنيف وقلم، إذا صنف يأتي بكل ما أراد مستقصى وإذا حضر المجالس وناظر لم يكن بمرضي. وكان إذا دهمه الحضور في المجالس يبعث الأشعري ينوب عنه. ثم إن الأشعري أظهر توبة، وانتقل عن مذهبه ... كان رأسًا في الفلسفة والكلام" أ. هـ.
* السير: "قيل: سأل الأشعري أبا علي: ثلاثة أخوة، أحدهم تقي، والثاني كافر، والثالث مات صبيًّا؟ فقال: أما الأول ففي الجنة، والثاني ففي النار، والصبي فمن أهل السلامة. قال: فإن أراد أن يصعد إلى أخيه؟ قال: لا، لأنه يقال [له]: إن أخاك إنما وصل إلى هناك بعمله. قال: فإن قال الصغير: ما التقصير مني، فإنك ما أبقيتني، ولا أقدرتني على الطاعة، قال: يقول الله له: كنت أعلم أنك لو بقيت لعصيت، ولاستحقيت العذاب، فراعيت مصلحتك. قال: فلو قال الأخ الأكبر: يا رب علمت حاله فقد علمت حالي، فلم راعيت مصلحته دوني؟ فانقطع الجبائي" أ. هـ.
قلت: وقد تكلم محقق كتاب (السير) في الهامش بما يلي:
أورد هذه المناظرة السبكي في "طبقاته" (٣/ ٣٥٦)، وقال: هذه مناظرة شهيرة، وقد حكاها شيخنا الذهبي، وهي دامغة لأصل من يقلده، لأن الذي يقلده يقول: إن الله لا يفعل شيئًا إلا محكمة باعثة له على فعله، ومصلحة واقعة، وهو من المعتزلة في هذه المسألة، فلو يدري شيخنا هذا، لأضرب عن ذكر هذه المناظرة صفحًا.
قلت: (المحقق) في كلام السبكي هذا مؤاخذات، فقوله "وهي دامغة لأصل من يقلده" يعني به
стр. 2219
شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا محض افتراء على الذهبي، "فإنه وإن كان شديد الإعجاب به، كثير التنويه بعلمه وفضله، قوي الاعتداد بمنهجه القائم على الأخذ بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله الثابتة، والاعتصام بهما، وفهمهما على النحو الذي فهمه السلف- لم يكن معه على وفاق تام، فأحيانًا يأخذ برأيه ويوافقه، وتارة يخطئه ويرد عليه ويقسو في الرد شأن العالم المتبصر المستقل الذي يرى أن كل أحد من أهل العلم يؤخذ من قوله ويترك، فكان ماذا؟ !
وقوله: "وهو من المعتزلة في هذه المسألة" فرية بلا مرية، فإنه ﵀ متابع في هذه المسألة جمهور أهل السنة، والنصوص الكثيرة الوفيرة تشهد لما انتهى إليه. فهل يكون مجانبًا للصواب. ومعدودًا من المعتزلة في هذه المسألة من يقول: إن لله تعالى حكمة تتعلق به يحبها ويرضاها، ويفعل لأجلها، فهو سبحانه يفعل ما يفعل لحكمة يعلمها، وهو يعلم العباد أو بعض العباد من حكمته ما يطلعهم عليه، وقد لا يعلمون ذلك، والأمور العامة التي يفعلها تكون لحكمة عامة، ورحمة عامة كإرساله محمدًا ﷺ ، فإنه كما قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ﴾ وما يشاهد في الوجود من الضرر، فلا بد فيه من حكمة كما قال تعالى ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيءٍ﴾ وكما قال ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ﴾ والضرر الذي تحصل به حكمة مطلوبة لا يكون شرًّا مطلقًا وإن كان شرًّا بالنسبة إلى من تضرر به. وكلما ازداد العبد علمًا وإيمانًا، ظهر له من حكمة الله ورحمته ما يبهر عقله، وتبين له تصديق ما أخبر الله به في كتابه حيث قال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ راجع "مجموعة الرسائل والمسائل" ٥/ ١٢٢ وما بعدها ..
وقوله "فلو يدري شيخنا هذا لأضرب عن ذكر هذه المناظرة صفحًا" اتهام للذهبي شيخه بسوء الفهم، وله من ذلك غير ما عبارة، والشيخ الذهبي ليس بحاجة إلى التدليل على جودة ذكائه، ووفور حفظه وفهمه للنصوص على الوجه الصحيح، وقدرته الفائقة على صوغها بأسلوبه الواضح العري عن الغموض والالتواء، فإن في كتابه هذا وغيره من مؤلفاته الكثير من ذلك، ولكن السبكي -وهو لا يرى الحق إلا في ما انتهى إليه الأشاعرة- يتجاهل كل ما ذكرت، وينعت شيخه بسوء الفهم، وأنه يدون ما لا يدري، وأنه لا خبرة له بمدلولات الألفاظ بدافع الحقد والتعصب، وبالرجوع إلى ما كتب في مقدمة هذا الكتاب، وإلى ما كتبه السخاوي في "الإعلان بالتوبيخ" (ص ٧٦، ٧٧) يتبين للقارئ الكريم أن ما يقوله السبكي في حق شيخه الذهبي مرفوض لأنه صادر عن هوى وتعصب" أ. هـ.
* البداية: "شيخ طائفة الاعتزال في زمانه" أ. هـ.
* الوافي: "والجبائي له طائفة من المعتزلة يعتقدون مقالاته يعرفون بالجبائة، وكذلك ابنه هاشم تعرف طائفته بالبهشمية وهما من معتزلة البصرة" أ. هـ.
* الحاكم الجشمي ومنهجه في تفسير القرآن: "ومن أشهر معتزلة البصرة وسائر المعتزلة في جميع الطبقات، ذكر القاضي أنه هو الذي فتق الكلام
стр. 2220
ونشره زلله ووضع فيه الكتب الكثيرة الجليلة، وأنه كان فقيها ورعا زاهدا جليلا نبيلا، قال: وإليه انتهت الرياسة في المعتزلة حتى صار شيخها وعالمها غير مدافع، ولم يتفق لأحد من إذعان سائر طبقات المعتزلة بالتقدم والرياسة بعد أبي الهذيل ما اتفق له. قال المسلطي الشافعي: "ووضع أربعين ألف ورقة في الكلام، ووضع تفسير القرآن في مائة جزء، وشيئا لم يسبق أحد بمثله، وسهل الجدال على الناس".
وقد تحدث أبو الحسن الأشعري، التلميذ السابق للجبائي، عن تفسير أستاذه، واشتد في الحملة عليه فقال: "ورأيت الجبائي ألف في تفسير القرآن كتابًا أوله على خلاف ما أنزل الله ، وعلى لغة أهل قريته المعروفة بجبى -بين البصرة والأهواز- وليس من أهل اللسان الذي نزل به القرآن. وما روى في كتابه حرفا واحدا عن أحد من المفسرين، وإنما اعتمد على ما وسوس به صدره وشيطانه .. " وقد وضع الأشعري تفسيره الكبير ردا على تفسير شيخه وتصحيحا له ونقضا عليه، على عادته في الرد على من يصفهم بأهل الزيغ والبدع، وأسماه: (تفسير القرآن والرد على من حالف الإفك والبهتان) ثم اشتهر من بعد باسم "الخازن" أو "المختزن". ولم نقف من تفسير أبي علي الجبائي على شيء، سوى النقول أ. هـ.
قلت: ذكره صاحب كتاب "آراء المعتزلة الأصولية" حيث قال في الهامش: "انتهت إليه رئاسة المعتزلة بعد أبي هذيل، وإليه تنسب طائفة الجبائية من المعتزلة وكان على حداثة سنه معروفا بقوة الجدل" أ. هـ.
من أقواله: تاريخ الإسلام: "وجدت على ظهر كتاب عتيق: سمعت أبا عمر يقول: سمعت عشرة من أصحاب الجبائي يحكون عنه قال: الحديث لأحمد بن حنبل، والفقه لأصحاب أبي حنيفة، والكلام للمعتزلة، والكذب للرافضة" أ. هـ.
وفاته: سنة (٣٠٣ هـ) ثلات وثلاثمائة.
من مصنفاته: وله تفسير حافل مطول، له فيه اختيارات غريبة في التفسير، وقد رد عليه الأشعري فيه وقال: وكان القرآن نزل في لغة أهل جباء.
٣١٠٩ - ابن عبد الكافي *
المفسر: محمد بن عبد الوهاب، بن عبد الكافي بن عبد الوهاب بن عبد الواحد سعد الدين، أبو بكر، وأبو اليمن، وأبو المعالي، وأبو سعيد.
ويقال في اسمه سعيد الأنصاري الدمشقي الشيرازي الأصل ابن الحنبلي الأطروشي.
من مشايخه: أبوه، وأبو محمد عبد الغني العدني المقدسي، وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهم.
كلام العلماء فيه:
* المقفى: "حفظ الكثير، وعرف التفسير، وقدم مصر، ودخل الأندلس سنة إحدى وخمسين وستمائة، وعبر إلى سبتة وتكلم في الوعظ بجامعها أشهرا، وجال في الأندلس ورجع إلى سبتة،
стр. 2221
وتوجه إلى أزمور، وقدم مراكش وهو يعض في كل ذلك فينفتح مجلسه بالتفسير بعد الخطبة والدعاء وشيء من أخبار الصالحين ومن كلام ابن الجوزي، ويختم بفصل من السير ... وكلامه في ذلك متقن يشهد بحسن تقدمه ... وكان يشارك في الطب وغيره، وكان شديد الصمم لا يكاد يسمع شيئًا البتة وإنما يخاطب بالكتابة فيجيب بالعين والإشارة. وكان شافعي المذهب مستحسن المنزع لولا حرص كان فيه من باب التكسب، ومع ذلك فقد كان من حسنات وقته" أ. هـ.
وفاته: سنة (٦٥٢ هـ) اثنتين وخمسين وستمائة.
٣١١٠ - محمّد عبده *
النحوي، اللغوي، المفسر: محمّد عبده بن حسن خير الله الغرابلي الحنفي المصري، من آل التركماني.
ولد: سنة (١٢٦٦ هـ) ست وستين ومائتين وألف.
من مشايخه: حسن الطويل، والشيخ محمّد البسيوني، وجمال الدين الأفغاني وغيرهم.
من تلامذته: محمّد رشيد رضا، وطنطاوي جوهري وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* الأعلام: "مفتي الديار المصرية، من كبار رجال الإصلاح والتجويد في الإسلام. قال أحد من كتبوا عنه: "تتلخص رسالة حياته في أمرين: الدعوة إلى تحرير الفكر من قيد التقليد، ثم التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب، وما للشعب من حق العدالة على الحكومة" وتعلم بالجامع الأحمدي بطنطا، ثم بالأزهر. وتصوف وتفلسف .. " أ. هـ.
* الأعلام الشرقية: "أخذ يتردد على حلقات التدريس يتعلم النحو والصرف والبلاغة والتفسير والحديث وفقه الإمام مالك، ثم تحول إلى فقه الإمام أبي حنيفة، وأخذ المنطق والفلسفة والرياضيات".
وقال: "من الفتاوى والمسائل العلمية المهمة أنه كان ينكر الوسيلة ويحلل الموقوذة ويسوغ لبس القبعة ويجيز ربح صناديق التوفير ويحاول الاجتهاد ويفسر القرآن على غير طريق السلف" أ. هـ.
* قال مؤلف كتاب "التفسير والمفسرون" (٢/ ٥٤٩) وتحت عنوان (عيوب هذه المدرسة) أي مدرسة الشيخ محمّد عبده قال: "أما ما نأخذه على هذه المدرسة، فهو أنها أعطت لعقلها حرية واسعة، فتأولت بعض الحقائق الشرعية التي جاء بها القرآن الكريم وعدلت بها عن الحقيقة إلى المجاز أو التمثيل، وليس هناك ما يدعو لذلك إلا مجرد الاستبعاد والاستغراب. استبعاد بالنسبة لقدرة البشر القاصرة، واستغراب لا يكون إلا ممن جهل قدرة بالله وصلاحيتها لكل ممكن.
كما أنها بسبب هذه الحرية العقلية الواسعة جارت المعتزلة في بعض تعاليمها وعقائدها، وحملت بعض ألفاظ القرآن من المعاني ما لم يكن معهودًا عند العرب في زمن نزول القرآن وطعنت
стр. 2222
في بعض الأحاديث: تارة بالضعف وتارة بالوضع، مع أنها أحاديث صحيحة رواها البخاري ومسلم، وهما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى بإجماع أهل العلم، كما أنها لم تأخذ بأحاديث الآحاد الصحيحة الثابتة، في كل ما هو من قبيل العقائد، أو من قبيل السمعيات مع أن أحاديث الآحاد في هذا الباب كثيرة لا يستهان بها".
* قلت: كما تكلم صاحب كتاب "التفسير والمفسرون" عن الإمام محمّد عبدة كمفسر، فتكلم عن الكتب التي ألفها كتفسير، ثم تطرق إلى منهجه في التفسير فقال:
(منهجه في التفسير:
كان الأستاذ الإمام هو الذي قام وحده من بين رجال الأزهر بالدعوة إلى التجويد، والتحرر من قيود التقليد، فاستعمل عقله الحر في كتاباته وبحوثه، ولم يجر على ما جمد عليه غيره من أفكار المتقدمين، وأقوال السابقين، فكان له من وراء ذلك آراء وأفكار خالف بها من سبقه، فأغضبت عليه الكثير من أهل العلم، وجمعت حوله قلوب مريديه والمعجبين به.
هذه الحرية العقلية، وهذه الثورة على القديم، كان لهما أثر بالغ في المنهج الذي نهجه الشيخ لنفسه، وسار عليه في تفسيره.
وذلك: أن الأستاذ الإمام اتخذ لنفسه مبدءًا يسير عليه في تفسير القرآن الكريم، ويخالف به جماعة المفسرين المتقدمين، وهو فهم كتاب الله من حيث هو دين يرشد النّاس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة: وذلك لأنه كان يرى أن هذا هو المقصد الأعلى للقرآن، وما وراء ذلك من المباحث فهو تابع له، أو وسيلة لتحصيله (١).
يقرر الأستاذ الإمام هذا المبدأ في التفسير، ثم يتوجه باللوم إلى المفسرين الذين غفلوا عن الغرض الأول للقرآن، وهو ما فيه من هداية وإرشاد وراحوا يتوسعون في نواح أخرى من ضروب المعاني، ووجوه النحو، وخلافات الفقه، وغير ذلك من المقاصد التي يرى الأستاذ الإمام أن الإكثار في مقصد منها يخرج بالكثيرين عن المقصود من الكتاب الإلهي، ويذهب بهم في مذاهب تنسيهم معناه الحقيقي (٢).
لهذا نرى الأستاذ الإمام يقسم التفسير إلى قسمين:
أحدهما: جاف مبعد عن الله وكتابه، وهو ما يقصد به حل الألفاظ، وإعراب الجمل، وبيان ما ترمى إليه تلك العبارات والإشارات من النكت الفنية. قال: وهذا لا ينبغي أن يسمى تفسيرًا. وإنما هو ضرب من التمرين في الفنون، كالنحو، والمعاني، وغيرها.
وثانيهما: ذهاب المفسر إلى فهم المراد من القول، وحكمة التشريع في العقائد والأحكام، على الوجه الذي يجذب الأرواح، ويسوقها إلى العمل والهداية المودعة في الكلام، ليتحقق فيه معنى قوله تعالى ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ ونحوهما من الأوصاف قال الأستاذ الإمام: (وهذا هو الغرض
стр. 2223
الأول الذي أرمى إليه في قراءة التفسير) (١).
هذا .. وإن الأستاذ الإمام لا يريد من كلامه السابق أن يهمل الناحية البلاغية أو النحوية مثلًا في تفسير القرآن، ولكنه يريد أن يأخذ المفسر من ذلك بمقدار الضرورة، فيبين المفسر -مثلًا- من وجوه البلاغة، وضروب الإعراب بقدر ما يحتمله المعنى، وعلى الوجه الذي يليق بفصاحة القرآن وبلاغته. وذلك بدون أن يتجاوز مقدار الحاجة.
ثم إنا نجد الأستاذ الإمام -وقد وضع لنفسه هذه الخطة في التفسير- يشترط شروطًا لا بد من توفرها عند من يريد أن يفسر القرآن يحقق الغرض منه، وقد ذكرناها بحملها عند كلامنا عن العلوم التي يحتاج إليها المفسر.
القرآن لا يتبع العقيدة وإنما تؤخذ العقيدة من القرآن:
ويري الأستاذ الإمام: أن القرآن الكريم هو الميزان الذي توزن به العقائد لتعرف قيمتها، ويقرر أنه يجب على من ينظر في القرآن أن ينظر إليه كأصل تؤخذ منه العقيدة، ويستنبط منه الرأي، وينعى على ما كان من كثر المفسرين، من تسلط العقيدة عليهم، ونظراتهم للقرآن من خلالها، حتى تأولوا القرآن بما يشهد لعقائدهم، ويتمشى معها، وفي هذا يقول: (إذا وزنا ما في أدمغتنا من الاعتقاد بكتاب الله تعالى، من غير أن ندخلها أولًا فيه، يظهر لنا كوننا مهتدين أو ضالين، وأما إذا أدخلنا ما في أدمغتنا في القرآن، وحشرناها فيه أولًا، فلا يمكننا أن نعرف الهداية من الضلال، لاختلاط الموزون بالميزان فلا يدري ما هو الموزون به).
(أريد أن يكون القرآن أصلا تحمل عليه المذاهب والآراء في الدين، لا أن تكون المذاهب أصلًا والقرآن هو الذي يحمل عليها، ويرجع بالتأويل أو التحريف إليها. كما جرى عليه المخذولون، وناد فيه الضالون).
ثم قال: "وإن الأستاذ الإمام لم يكن كغيره من المفسرين الذين كلفوا بالإسرائيليات فجعلوا منها شروحًا لمبهمات القرآن، بل وجدناه على العكس من ذلك نفورًا منها، وشرودًا من الخوض فيها، لاعتقاده أن الله تعالى لم يكلفنا بالبحث عن الجزئيات والتفصيلات لما جاء به مبهمًا في كتابه، ولو أراد منا ذلك لدلنا عليه في كتابه أو على لسان نبيه، وهو يصرح بأن هذا هو (مذهبه في جميع مبهمات القرآن يقف عند النص القطعي لا يتعداه، ويثبت أن الفائدة لا تتوقف على سواه (٢) ".
وإذا نحن تتبعنا أقواله في مبهمات القرآن وجدناه محافظًا على هذا المبدأ، لا يعدل عنه ولا يحيد، إلا في مواضع قليلة نادرة".
ثم ذكر رأي محمّد عبدة بمسألة اللسحر فقال:
"موقفه من السحر:
ولقد كان من أثر إعطاء الأستاذ لنفسه الحرية الواسعة في فهم القرآن الكريم، أنا نجده يخالف رأي جمهور أهل السنة، ويذهب إلى ما ذهب إليه المعتزلة، من أن السحر لا حقيقة له، ولذلك عند
стр. 2224
تفسيره لقوله تعالى في الآية (٤) من سورة الفلق ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ نجده بعد أن يفسر معنى النفث والعقد، يفسر المراد بالنفاثات في الآية فيقول: (المراد بهم هنا هم النمامون، المقطعون لروابط الألفة، المحرقون لها بما يلقون عليها من ضرام نمائمهم، وإنما جاءت العبارة كما في الآية، لأن الله جل شأنه أراد أن يشبههم بأولئك السحرة المشعوذين، الذين إذا أرادوا أن يحلوا عقدة المحبة بين المرء وزوجه -مثلًا- فيما يوهمون به العامة، عقدوا عقدة ثم نفثوا فيها وحلوها، ليكون ذلك حلا للعقد التي بين الزوجين، والنميمة تشبه أن تكون ضربًا من السحر لأنها تحول ما بين الصديقين من محبة إلى عداوة، بوسيلة خفية كاذبة. والنميمة تضلل وجدان الصديقين. كما يضلل الليل من يسير فيه بظلمته. ولهذا ذكرها عقب ذكر الغاسق .. ".
ثم تطرق إلى مسألة خطيرة وهي إنكاره لبعض الأحاديث الصحيحة التي ثبتت عن رسول الله ﷺ ، فقال: "إنكاره لبعض الأحاديث الصحيحة:
ثم راح الشيخ ﵀ يرد ما جاء من الروايات في سحر الرسول ﷺ فقال: (وقد رووا هنا أحاديث في أن النبي ﷺ سحره لبيد ابن الأعصم، وأثر سحره فيه، حتى كان يخيل له أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله، أو يأتي شيئًا وهو لا يأتيه، وأن الله أنبأه بذلك، وأخرجت مواد السحر من بئر، وعوفي ﷺ مما كان نزل به من ذلك، ونزلت هذه السورة، ولا يخفى أن تأثير السحر في نفسه ﵇ حتى يصل به الأمر إلى أن يظن أنه يفعل شيئًا وهو لا يفعله، ليس من قبيل تأثير الأمراض في الأبدان، ولا من قبيل عروض السهو والنسيان في بعض الأمور العادية، بل هو ماس بالعقل، آخذ بالروح، وهو مما يصدق قول المشركين فيه ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ (١)، وليس المسحور عندهم إلا من خولط في عقله، وخيل له أن شيئًا يقع وهو لا يقع، فيخيل إليه أنه يوحى إليه، ولا يوحى إليه، وقد قال كثير من المقلدين الذين لا يعقلون ما هي النبوة ولا ما يجب لها: إن الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة قد صح فيلزم الاعتقاد به، وعدم التصديق به من بدع المبتدعين، لأنه ضرب من إنكار السحر، وقد جاء القرآن بصحة السحر، فانظر كيف ينقلب الدين الصحيح. والحق الصريح في نظر المقلد بدعة، ونعوذ بالله .. يحتج بالقرآن على ثبوت السحر ويعرض عن القرآن في نفيه السحر عنه ﷺ ، وعده من افتراء المشركين عليه. ويؤول في هذه ولا يؤول في تلك، مع أن الذي قصده المشركون ظاهر، لأنهم كانوا يقولون: إن الشيطان يلابسه ﵊، وملابسة الشيطان تعرف بالسحر عندهم، وضرب من ضروبه، وهو بعينه أثر السحر الذي نسب إلى لبيد، فإنه خولط في عقله وإدراكه في زعمهم).
والذي يجب اعتقاده أن القرآن مقطوع به، وأنه كتاب الله بالتواتر عن المعصوم ﷺ ، فهو الذي يجب الاعتقاد بما يثبته، وعدم الاعتقاد بما ينفيه، وقد جاء بنفي السحر عنه ﵇، حيث نسب القول بإثبات حصول السحر له إلى المشركين أعدائه، ووبخهم على زعمهم هذا، فإذا
стр. 2225
هو ليس بمسحور قطعًا، وأما الحديث فعلى فرض صحته، هو آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد، وعصمة النبي من تأثير السحر في عقله عقيدة من العقائد، لا يؤخذ في نفيها عنه إلا باليقين، ولا يجوز أن يؤخذ فيها الظن والمظنون، على أن الحديث الذي يصل إلينا من طريق الآحاد إنما يحصل الظن عند من صح عنده، أما من قامت له الأدلة على أنه غير صحيح، فلا تقوم به عليه حجة، وعلى أي حال، فلنا، بل علينا أن نفوض الأمر في الحديث، ولا نحكمه في عقيدتنا، ونأخذ بنص الكتاب وبدليل العقل، فإنه إذا خولط النبي في عقله كما زعموا جاز عليه أن يظن أنه بلغ شيئًا وهو لم يبلغه، أو أن شيئًا نزل عليه وهو لم ينزل عليه، والأمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان .. إلخ).
وهذا الحديث الذي يرده الأستاذ الإمام رواه البخاري وغيره من أصحاب الكتب الصحيحة، وليس من وراء صحته ما يخل بمقام النبوة، فإن السحر الذي أصيب به ﵊ كان من قبيل الأمراض التي تعرض للبدن بدون أن تؤثر على شيء من العقل، وقد قالوا إن ما فعله لبيد بن الأعصم بالنبي ﷺ من السحر لا يعدو أن يكون نوعًا من أنواع العقد عن النساء، وهو الذي يسمونه (رباطًا)، فكان يخيل إليه أن عنده قدرة على إتيان إحدى نسائه، فإذا هم بحاجته عجز عن ذلك. أما السحر الذي نفى عنه ﷺ فمراد به الجنون، وهو مخل ولا شك بمقام النبوة، وقد قالوا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾.
ثم إن الحديث رواية البخاري وغيره من كتب الصحيح، ولكن الأستاذ الإمام ومن على طريقته لا يفرقون بين رواية البخاري وغيره فلا مانع عندهم من عدم صحة ما يرويه البخاري، كما أنه لو صح في نظرهم فهو لا يعدو أن يكون خبر آحاد لا يثبت به إلا الظن. وهذا في نظرنا هدم للجانب الأكبر من السنة التي هي بالنسبة للكتاب في منزلة المبين من المبين، وقد قالوا: إن البيان يلتحق بالمبين، وليس هذا الحديث وحده هو الذي يضعفه الشيخ، أو يتخلص منه بأنه رواية آحاد، بل هناك كثرة من الأحاديث نالها هذا الحكم القاسي، فمن ذلك أيضًا حديث الشيخين (كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها) فإنه قال فيه: (إذا صح الحديث فهو من قبيل التمثيل لا من باب الحقيقة) (١).
فهو لا يثق بصحة الحديث رغم رواية الشيخين له، ثم يتخلص من إرادة الحقيقة على فرض الصحة، بجعل الحديث من باب التمثيل، وهو ركون إلى مذهب المعتزلة، الذين يرون أن الشيطان لا تسلط له على الإنسان إلا بالوسوسة والإغواء فقط" أ. هـ.
قلت: بعد أن تناولنا محمّد عبدة كمفسر وتبين لنا كيف كان يقدم العقل على نصوص النقل -وهو ما ذهب إليه المعتزلة- نتكلم الآن عن محمّد عبدة كمؤسس حقيقي لجيل الإصلاحيين في زمنه.
فقد تكلم صاحب كتاب "العصرانيون" عن هذا الموضوع بالتفصيل ونحن سنذكر ما قاله
стр. 2226
مختصرًا.
ففي معرض تعريفه بالشيخ يقول: "وقد بلغ كره محمّد عبده للسياسة أوجه حين قال: "أعوذ بالله من السياسة، من لفظ السياسة، ومن معنى السياسة، ومن ساس ويسوس، وسائس ومسوس".
والحقيقة أنه ترك السياسة ولم تتركه، بل استغلته واتخذته مطية لها عن طريق المعتمد البريطاني كرومر الذي يقول: "إن أهمية الشيخ -محمد عبده- السياسية ترجع إلى أنه يقوم بتقريب الهوة التي تفصل بين الغرب وبين المسلمين، وأنه هو وتلاميذ مدرسته، خليقون بأن يقدم لهم كل ما يمكن من العون والتشجيع فهم الحلفاء الطبيعيون للمصلح الأوربي".
"لقد كان محمّد عبده يبذل للإنجليز النصيحة خالصة ويرشدهم إلى ما يوطد اختلاطهم، وقد صرح كرومر بأن الشيخ سيظل مفتيًا في مصر ما ظلت بريطانيا العظمى محتلة لها".
وقدم له الإنجليز الحماية، فصدر العفو عنه بسبب الضغط البريطاني وفي الآستانة كثرت الدسائس ضده. يقول محمّد رشيد رضا:
"كان المراد من الدسائس أن يحبس الأستاذ الإمام أو يهان، وهم لا يجهلون أن السفارة البريطانية كانت بالمرصاد، وَأنها لا تسكت للحكومة الحميدية على ذلك لو أقدمت عليه، والسلطان ورجاله لا يجهلون هذا أيضًا".
ومما يؤخذ على الشيخ محمّد عبده أيضًا: اشتراكه مع أستاذه الأفغاني في المحافل الماسونية، ونشاطه فيها، وتعاونه مع أستاذه في نشر مبادئه.
وكان الشيخ محمّد عبده، هو الذي صاغ برنامج الحزب الوطني المصري، وجاء فيه: "الحزب الوطني حزب سياسي ديني، وإنه مؤلف من رجال مختلفي العقيدة والمذاهب، وجميع النصارى واليهود وكل من يحرث أرض مصر ويتكلم لغتها منضم إليها).
ثم شرع في الكلام عن منهجه وآرائه:
١ - للشيخ محمّد عبده منهجه وآراءه الإصلاحية: إذ يتجلى منهجه في التفسير بأنه يتناسب مع المعارف الغربية السائدة في العصر، فهو يفسر الطير الأبابيل بأنها جراثيم الجدري، أو الحصبة يحملها نوع من الذباب أو البعوض، والنفاثات في العقد بأن المراد فيها: النمامون المقطعون لأوامر الألفة.
٢ - وفي بعض فتاوى الشيخ، نجد محاولة لتأويل أحكام الفقه تأويلًا عصريًا يبرر لواقع الحضارة الغربية، ومن أهم فتاواه في ذلك: حل إيداع الأموال في صندوق التوفير، وأخذ الفائدة عليها، وفي رأيه في تعدد الزوجات، إذ يرى أن الظروف والملابسات السائدة في المجتمع تجعل من المستحيل العدل بين النساء، ولا بد من منع تعدد الزوجات إلا في حالات استثنائية يقررها القاضي.
٣ - دعا إلى تحرير الفكر من التقليد، وأن يفهم الدين على طريقة السلف قبل ظهور الخلاف، ذلك أنه عاصر شيوخًا في مصر جمدوا على التقليد وتنكروا للدليل، وحاربوا كل جديد، ولو كان نافعًا للمسلمين، وآمنوا بالخرافة والشعوذة، فجاءت المدرسة الإصلاحية لتطفئ النار بالنار، وتدفع الغلو بغلو آخر.
стр. 2227
كما أن الشيخ قد تأثر في هذه الفترة ببعض المستشرقين خلال إقامته في فرنسا، واستمرت صلاته بهم بعد عودته من منفاه فكان يزورهم ويراسلهم، ومن الجدير بالذكر أن العالم الغربي كان قد فتن بالعقل البشري وجعله ندًا للوحي في هداية الإنسان، ومع هجوم المستشرقين على التصور الإسلامي وعقيدة القضاء والقدر فيه، أراد الشيخ إثبات قيمة (العقل) تجاه (النص)، وإحياء فكرة الاجتهاد، فاصطدم مع الواقع، ومال إلى الغلو عندما أراد أن يثبت لأصدقائه المستشرقين أن أصول الإسلام لا تتعارض مع المنطق والعقل.
٤ - تقديم العقل على نصوص النقل: بل يعتمد الإسلام في نظره على الدليل العقلي، وبه يحتج، لا بالمعجزات، بل يعتقد الإمام أن الإيمان بالله لا يؤخذ من الرسول ولا من الكتاب ولا يصح أخذه منهما، بل من العقل. "وقد اتفق المسلمون إلا قليلًا منهم، ممن لا يعتد برأيه، على أن الاعتقاد بالله مقدم على الاعتقاد بالنبوات، وأنه لا يمكن الإيمان بالرسل إلا بعد الإيمان بالله، فلا يصح أن يؤخذ الإيمان بالله من كلام الرسل، ولا من الكتب المنزلة .. ".
٥ - وقد اهتم بالتقريب بين الأديان، إذ أنشأ جمعية سياسية دينية سرية هدفها التقريب بين الأديان الثلاثة: "الإسلام والمسيحية واليهودية، وذلك في بيروت، بعد أن توقفت العروة الوثقى، واشترك معه في تأسيسها: ميرزا باقر، وعارف أبو تراب، والقس إسحاق تيلر، وبعض الإنجليز واليهود، وكان الإمام صاحب الرأي الأول فيها.
ثم يستطرد صاحب كتاب "أثر المدرسة الإصلاحية في الفكر الإسلامي الحديث، فيقول: (لقد كان لاجتهادات الشيخ محمّد عبده، وآراء تلامذته، الأثر الكبير في تطور الفكر الإسلامي خلال أجيال خلت- وحتى الآن .. إلا أن دعوة هؤلاء قد استغلت في تطوير الإسلام -حسب زعمهم- ومن ثم الاقتراب به من قيم الحضارة المادية الغربية.
وكان من أبرز المسائل التي فتح الشيخ محمد عبده بابها:
- "الحديث عن الوطنية والإقليمية، والعناية بالتاريخ السابق للإسلام ومن ثم الدعوة إلى الحرية والحياة النيابية، وكذلك دعوتهم إلى إعادة النظر في وضع المرأة الاجتماعي، وقضية الحجاب وتعدد الزوجات، وتقييد حرية الطلاق".
- "لقد أراد الشيخ محمّد عبده أن يقيم سدًا في وجه الاتجاه العلماني ليحمي المجتمع الإسلامي من طوفانه، ولكن الذي حدث هو أن هذا السد قد أصبح قنطرة للعلمانية، برت عليه إلى العالم الإسلامي، لتحتل المواقع واحدًا تلو الآخر.
ثم جاء فريق تلاميذ محمّد عبده وأتباعه، فدفعوا نظرياته واتجاهاته إلى أقصى طريق العلمانية".
وقد تستر وراء الإصلاحيين عدد من أصحاب الدعوات الهدامة والمبادئ المنحرفة، ومن هؤلاء دعاة تحرير المرأة.
ويرى بعض الباحثين أن الشيخ محمّد عبده كان وراء قاسم أمين، في كتابه "تحرير المرأة"، وأن الكتاب قد جاء ثمرة لعمل مشترك بين كل من الشيخ محمّد عبده وقاسم أمين، وكانت الصياغة
стр. 2228
النهائية بقلم الشيخ محمّد عبده.
بل يرى بعضهم أن الشيخ محمّد عبده هو الذي ألفه، ووضع اسم قاسم أمين عليه دفعًا للحرج، وكان ذلك بإشارة من (اللورد كرومر)، والأميرة نازلي إذ كان هؤلاء يترددون على صالونها باستمرار.
وتحت مظلة المدرسة الإصلاحية، ظهر كتاب الشيخ علي عبد الرازق، (الإسلام وأصول الحكم) يدعو فيه صاحبه إلى فصل الدين عن الدولة، وذلك عام (١٩٢٥ م).
وظهر كذلك دعاة التحرر الفكري في الأدب والثقافة، وكان على رأسهم: أحمد لطفي السيد، مدير الجامعة، وطه حسين عميد حركة التغريب.
ومن ذلك حركة إنكار السنة جزئيًّا أو كليًّا، أمثال أحمد أمين ومحمود أبو رية.
ومن دعاة التضليل: محمّد أحمد خلف الله في كتابه "الفن القصصي في القرآن" إذ زعم فيه أن ورود الخبر لا يقتضي وقوعه، وعندما رفضت الجامعة المصرية (جامعة فؤاد) هذه الرسالة، دافع عنها المشرف عليها (أمين الخولي) قائلًا: "إنها ترفض الآن ما كان يقرره الشيخ محمّد عبده بين جدران الأزهر منذ اثنتين وأربعين عامًا" لقد ساهم الشيخ في التقريب بين الثقافة التقليدية وثقافة أوربا، ومن هنا فإن المستشرق جيب يقول:
"إن تلامذته هم أولئك الذين تعلموا على الطريقة الأوروبية، إذ أن ما كتبه الشيخ كان بمثابة درع واقية للمصلحين الاجتماعيين والسياسيين، وإن عظمة اسمه قد ساهمت في نشر أخبار لم تكن تنشر من قبل، ثم إنه قد أقام جسرًا من فوق الهوة السحيقة بين التعليم التقليدي، والتعليم العقلي المستورد من أوروبا، الأمر الذي مهد للطالب المسلم أن يدرس في الجامعات الأوروبية دون خشية من مخالفة معتقده، وهكذا انفرجت مصر المسلمة بعد كبت".
وقد كانت آراء المدرسة الإصلاحية، وآراء الاشراق والمعتزلة، هي المنهل الثر للعصرانيين الجدد أيضًا، الذين دفعوا بمقولات هؤلاء أشواطًا بعيدة في التحرر وتطوير الدين، والتفلت من ثوابته الأساسية.
ولعل آراء المعاصرين للشيخ محمّد عبده تلقي ضوءًا على خطورة هذه المدرسة ومؤسسها:
يقول الشيخ مصطفى صبري: "أما النهضة المنسوبة إلى الشيخ محمّد عبده فخلاصتها أنه زعزع الأزهر عن جموده على الدين، فقرب كثيرًا من الأزهريين إلى اللادينيين خطوات، ولم يقرب اللادينيين إلى الدين خطوة، وهو الذي أدخل الماسونية في الأزهر بواسطة شيخه جمال الدين، كما أنه هو الذي شجع قاسم أمين على ترويج السفور في مصر".
ويقول في موضع آخر من كتابه: "فلعل الشيخ محمّد عبده، وشيخه جمال الدين، أرادا أن يلعبا في الإسلام دور لوثر وكلفن زعيمي البروتستانت في المسيحية، فلن يستنّ لهما الأمر لتأسيس دين حديث للمسلمين، وإنما اقتصر سعيهما على مساعدة الإلحاد المقنع بالنهوض والتجديد".
ويرى أحد معاصري الشيخ محمّد عبده، أن المآخذ على هذه المدرسة تنحصر في أمرين:
стр. 2229
أولهما: هو دعوى الاجتهاد المطلق، مع عدم الكفاية من الناحية الروحية العلمية، وفساد الاستعداد من الناحية الروحية والسلوكية.
وثانيهما: هو أنهم مع ترفعهم عن الإقتداء بالأئمة الأعلام من فقهاء المسلمين، تراهم يقتدون بالبروتستانت في تنقيح الإسلام، وباتخاذ قرارات تعمل على تطوير الإسلام حسب زعمهم، مقتدين بالمجامع المسيحية المقدسة".
ثم يتكلم عن المدرسة الإصلاحية وكيف أنه تأثر بالمستشرقين أيما تأثر فيقول:
أما الشيخ محمّد عبده: فقد اتصل بالمعتمد البريطاني كرومر بعد عودته من المنفى، وتعاون معه، ومن ثم فقد حماه الحاكم العسكري هذا، وشجع دعوته في إصلاح التعليم والقضاء والأزهر، تحت مظلة توجيهات المستعمر الإنجليزي.
يقول كرومر مشيدًا بتعاون الشيخ: "إن أهمية الشيخ محمّد عبده السياسية، ترجع إلى أنه يقوم بتقريب الهوة التي تفصل بين الغرب وبين المسلمين، وأنه هو وتلاميذ مدرسته، خليقون بأن يقدم لهم كل ما يمكن من العون والتشجيع، فهم الحلفاء الطبيعيون للمصلح الأوروبي "لقد كان محمّد عبده يبذل للإنجليز النصيحة خالصة، ويرشدهم إلى ما يوطد احتلالهم، وقد صرح كرومر بأن الشيخ سيظل مفتيًا في مصر، ما بقيت بريطانيا العظمى محتلة لها".
ويقول كرومر أيضًا "كان لمعرفة الشيخ العميقة بالشريعة الإسلامية، ولآرائه المتحررة المستنيرة، أثرها في جعل مشورته والتعاون معه عظيم ويؤخذ على الشيخ أيضًا: اشتراكه مع أستاذه الأفغاني في المحافل الماسونية، وتعاونه مع أستاذه في نشر مبادئها. والجدوى".
وكان الشيخ هو الذي صاغ برنامج الحزب الوطني المصري وجاء فيه: "الحزب الوطني حزب سياسي ديني، مؤلف من رجال مختلفي العقيدة والمذهب، وجميع النصارى واليهود، وكل من يحرث أرض مصر ويتكلم لغتها منضم إليها".
ويقول كرومر بأنه تشجيعًا لهذا الحزب وعلى سبيل التجربة، قد اختار أحد رجاله وهو سعد زغلول وزيرًا للمعارف؟ ! !
ويؤخذ على الشيخ أيضًا: اشتراكه مع أستاذه الأفغاني في المحافل الماسونية, وتعاونه مع أستاذه في نشر مبادئها.
وكان الشيخ محمّد عبده قد تأثر بعض المستشرقين خلال إقامته في فرنسا، واستمرت صلته بعد عودته من المنفى، وكان قد أراد أن يثبت لهم أهمية العقل في نظر الإسلام، وإحياء فكرة الاجتهاد، فاصطدم بالواقع ومال إلى الغلو، وكان من ذلك فتاواه في تأويل أحكام الفقه تأويلًا عصريًا، يبرر الواقع أمام الحضارة الغربية، كإباحة بعض أنواع الربا، ومنهجه في التفسير، والحد من تعدد الزوجات، وحظر الطلاق .. إلخ.
"وانسياقًا مع الأثر العصراني الغربي، أنشأ جمعية سياسية دينية سرية، هدفها التقريب بين الأديان السماوية الثلاثة، كان ذلك في بيروت، واشترك معه في تأسيسها: ميرزا باقر وعارف أبو تراب، والقس إسحاق تيلر، وبعض الإنجليز واليهود، وكان الإمام صاحب الرأي الأول فيها.
وكان لتلامذة الشيخ محمّد عبده دور كبير في تطوير آرائه، والجنوح بها بعيدًا نحو العلمانية
стр. 2230
الغربية.
من ذلك دعوة قاسم أمين في تحرير المرأة، وأفكار محمّد أحمد خلف الله في القصة القرآنية، وسعد زغلول في اتجاهه الوطني العلماني بدلًا من التيار الإسلامي، وعلي عبد الرازق في كتابه: "الإسلام وأصول الحكم" الذي دعا فيه إلى فصل الدين عن الدولة.
أما عن دوره في الدعوة إلى وحدة الأديان فيقول:
والدعوة إلى وحدة الأديان فكرة قديمة، وجدت عند ملاحدة الصوفية كما ذكر ابن تيمية ﵀ في عدد من كتبه وهذه الفكرة الخبيثة قد وجدت قديمًا عند ملاحدة الصوفية كابن سبعين وابن هود والتلمساني، قال ابن تيمية ﵀: "كان هؤلاء كابن سبعين ونحوه يجعلون أفضل الخلق "المحقق" عندهم، وهو القائل بالوحدة، وإذا وصل إلى هذا فلا يضره عندهم أن يكون يهوديًّا أو نصرانيًّا، بل كان ابن سبعين وابن هود والتلمساني وغيرهم يسوغون للرجل أن يتمسك باليهودية والنصرانية كما يتمسك بالإسلام، ويجعلون هذه طرقًا إلى الله بمنزلة مذاهب المسلمين).
ثم يتكلم عمن تبنى هذه الدعوة حديثًا، ويبتدأ بجمال الدين الأفغاني، ثم يذكر من تأثر بهذه الدعوة من تلامذته فيقول:
(وتأثر بهذه الدعوة تلامذة الأفغاني، وعلى رأسهم الشيخ محمّد عبده، إذ قد دعا إلى التقريب بين الأديان، وكان ذلك بإيعاز من الأفغاني، فقد اتصل الشيخ محمّد عبده برجالات الدين النصراني، وتفاوض معهم منذ عام (١٨٨٣ م) عندما كان منفيًا في بيروت .. وقد أخذت هذه الدعوة شكلًا عمليًّا بعد وفاة الأفغاني.
حيث اتصل بقس إنجليزي اسمه "إسحاق تيلور" وكتب إليه رسالتين للتقريب بين الأديان .. وقد صرح (تيلور) بأن تفسير الإمام يمهد له الطريق لإثبات الموحدة بين الديانتين، في وسط يلتقي فيه المؤمن بالقرآن والمؤمن بالإنجيل.
وسرت هذه الروح بعد الشيخ محمّد عبده حتى اشتعلت في مصر ثورة (١٩١٩ م) بقيادة صحبه وتلاميذه، وفي مقدمتهم سعد زغلزل، حتى اتحد الصليب والهلال، وخطب شيوخ الأزهر في الكنائس، واعتلى القسس منابر الأزهر) أ. هـ.
قلت: وقد فصلنا القول عن خصائص المدرسة الإصلاحية ومنهجها في التفسير وموقفها من السنة النبوية في ترجمة السيد محمّد رشيد رضا تلميذ محمّد عبده الذي يعتبر هو المؤسس الحقيقي لهذه المدرسة. فليراجع ففيه زيادة توضيح عن انحرافات هذه المدرسة. والله يعصمنا من الخطأ والزلل.
* الماتريدية وموقفهم من الأسماء والصفات: "والشيخ محمّد عبدة من الماتريدية كما يظهر من مؤلفاته وصرح به غير واحد وقد عده الكوثري من أهل وحدة الوجود" أ. هـ.
وفاته: سنة (١٣٢٣ هـ) ثلاث وعشرين وثلاثمائة وألف.
من مصنفاته: "تفسير القرآن" لم يتمه، "رسالة التوحيد" و"رسالة الواردات" في الفلسفة والتصوف و"شرح نهج البلاغة" وغيرها.
стр. 2231
٣١١١ - ابن الجنيد المقرئ *
المفسر المقرئ: محمّد بن عبدوس بن أحمد بن الجنيد، أبو بكر النيسابوري.
من مشايخه: طري بن خزيمة، وأبو عبد الله البوشنجي وغيرهما.
من تلامذته: الحاكم وغيره.
كلام العلماء فيه:
* طبقات المفسرين للداودي: "المقرئ المفسر لواعظ .. إمام فاضل في القراءات، عالم بمعاني القرآن ... سمع منه الحاكم وأثنى عليه" أ. هـ.
وفاته: سنة (٣٣٨ هـ) ثمان وثلاثين وثلاثمائة.
٣١١٢ - ابن عمروس *
المفسر, المقرئ: محمّد بن عبيد الله بن أحمد بن محمّد بن عمروس، أبو الفضل البزاز البغدادي.
ولد: سنة (٣٧٢ هـ) اثنتين وسبعين وثلاثمائة.
من مشايخه: أبو القاسم بن حبابة، وأبو حفص بن شاهين وغيرهما.
من تلامذته: الخطيب البغدادي وغيره.
كلام العلماء فيه:
* تاريخ بغداد: "كان أحد الفقهاء على مذهب مالك وكان أيضًا من حفاظ القرآن ومدرسيه .. كتبت عنه -أي الخطيب- وكان دينًا ثقة مستورًا، وإليه انتهت الفتوى في الفقه على مذهب مالك ببغداد" أ. هـ.
* ترتيب المدارك: "إمام فاضل .. ذكره أبو إسحاق الشيرازي فقال: كان فقيهًا أصوليًا، وذكره القاضي أبو الوليد الباجي. فقال: فقيه صالح وذكره السمنطاوي فقال: فقيه شاطر، جلد قيم بمسائل الخلاف صاحب حلقة المالكيين بجامع المنصور، وله تعليق حسن كبير مشهور في المذهب والخلاف" أ. هـ.
* المنتظم: "كان دينًا ثقة، وقبل قاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني شهادته" أ. هـ.
* السير: "الإمام العلامة, شيخ المالكية".
وقال: "كان من كبار المقرئين" أ. هـ.
* تاريخ الإسلام: "كان من القراء المجودين ﵀، ذكره ابن عساكر في الأشاعرة" أ. هـ.
* البداية والنهاية: "انتهت إليه رياسة الفقهاء المالكيين ببغداد, وكان من القراء الجيدين وأهل الحديث المسندين ... وكان أحد المعدلين" أ. هـ.
وفاته: سنة (٤٥٢ هـ) اثنتين وخمسين وأربعمائة.
стр. 2232
٣١١٣ - ابن أبي البقاء *
النحوي، اللغوي: محمّد بن عبيد الله بن الحسن بن الحسين البصري، أبو الفرج بن أبي البقاء، قاضي البصرة.
من مشايخه: أبو القاسم الفضل بن محمّد بن الفضل القصباني، وأبو تمام علي بن محمّد بن الحسن وغيرهما.
من تلامذته: أبو القاسم بن السمرقندي، وأبو عليّ بن سكرة الصدفي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* معجم الأدباء: "كان حافظًا للفقه، حسن المذاكرة كثير القراءة متحشمًا عن السلاطين .. " أ. هـ.
* الكامل: "كان عفيفًا مقدمًا عند الخلفاء والسلاطين" أ. هـ.
* تاريخ الإسلام: "كان عالمًا فهمًا فصيحًا، كثير المحفوظ، مهيبًا، تام المروءة متينًا.
قال أبو عليّ بن سكرة: كان من أعلم النّاس بالعربية واللغة، وله تصانيف ما رأيت مجلسًا أوقر من مجلسه. أ. هـ.
قال السلفي: كان من أجلاء القضاة .. " أ. هـ.
* البداية والنهاية: "كان عابدًا خاشعًا عند الذكر" أ. هـ.
* الوافي: "كان شيخًا مهيبًا صبيح الوجه عالمًا بالمذهب، له يد باسطة في اللغة والأدب. وله تصانيف في اللغة حسان" أ. هـ.
من أقواله: معجم الأدباء: "سمع في مرضه يقول: ما أخشى الله يحاسبني أنني أخذت شيئًا من وقفٍ أو مال يتيم" أ. هـ.
وفاته: سنة (٤٩٩ هـ) تسع وتسعين وأربعمائة.
من مصنفاته: "مقدمة في النحو"، و"كتاب المتقعرين".
٣١١٤ - ابن العويص *
النحوي، اللغوي، المقرئ: محمّد بن عبيد الله بن أحمد بن محمّد بن هشام بن عبد الرحمن بن غالب بن نصر الخشني المالقي، أبو عبد الله، يعرف بابن العويص.
من مشايخه: أبو عبد الله النفزي وابن الطراوة وغيرهما.
من تلامذته: ابنا حوط الله وابن يربوع وغيرهم.
كلام العلماء فيه:
* تاريخ الإسلام: "قال الأبار: وكان مقرئًا ماهرًا نحويًّا لغويًّا، دأب على تعليم القرآن والعربية دهره وحدث" أ. هـ.
* البغية: "قال ابن الزبير: كان أستاذًا مقرئًا نحويًّا فاضلًا" أ. هـ.
وفاته: سنة (٥٧٦ هـ) ست وسبعين وخمسمائة.
стр. 2233
٣١١٥ - ابن أبي كدية *
المقرئ: محمد بن أبي بكر عتيق بن محمد بن أبي نصر، أبو عبد الله التميمي، القيرواني، ويعرف بابن أبي كدية.
من مشايخه: أبو عبد الله الحسين بن حاتم الأزدي- وهو صاحب ابن الباقلاني، وأبو العباس بن نفيس وغيرهما.
من تلامذته: أبو الكرم الشهرزوري، وأبو الحسين عبد الحق اليوسفي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* مختصر تاريخ دمشق: "المتكلم الأشعري" أ. هـ.
* فوات الوفيات: "الأشعري المتكلم .. سمع يوما قائلا ينشد أبيات أبي العلاء المعري.
ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة ... وحق لسكان البسيطة أن يبكوا
تحطمنا الأيام حتى كأننا ... زجاج ولكن لا يعاد له سبك
فقال ﵀ يرد عليه:
كذبت وبيت الله حلفة صادق ... سبكنا بعد الثرى من له الملك
ونرجع أجساما صحاحا سليمة ... تعارف في الفردوس ما عندنا شك
ومن شعره أيضًا:
كلام إلهي ثابت لا نفارقه ... وما دون رب العرش فالله خالقه
ومن لم يقل هذا صار ملحدا ... وصار إلى قول النصارى يوافقه
ودفن عند الأشعري" أ. هـ.
قلت: في هامش تاريخ الإسلام ذكر المحقق عمر عبد السلام تدمري ما يلي: -
وقد وقع في مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٣/ ٤٥) أن ابن عتيق القيرواني قتل سنة ثمانين وأربعمائة! ! ولم يتنبه السيد "إبراهيم صالح" محقق الكتاب إلى هذا الخطأ الواضح، وأقول أنا خادم العلم "عمر تدمري": إن هذا الخبر مقحم على الأصل بدليل أن تاريخ الوفاة مذكور في آخر الترجمة (٢٣/ ٤٦) "توفي سنة اثنتي عشرة وخمسمائة خارج الكرخ، بالجانب الغربي".
ووقع في عيون التواريخ (١٢/ ٨٦) العبارة الآتية:
"وقال سبط الجوزي في كتاب المرآة كان يحفظ كتاب سيبويه".
وأقول: ليس في ترجمة القيرواني عند سبط الجوزي هذه العبارة.
وقال سبط الجوزي: إن القيرواني دفن عند قبر الأشعري، وكان يزعم أنه على مذهبه، وقد قال:
стр. 2234
كلام إلهي ثابت لا يفارقه ... وما دون رب العرش فالله خالقه
ومن لم يقل هذا فقد صار ملحدًا ... وصار إلى قول النصارى مواقفه
قالوا: وليس هذا مذهب الأشعري، وإنما قوله أول بيت (كلام إلهي ثابت لا يفارقه) مذهب الأشعري، وقوله (ما دون العرش فالله خالقه) مذهب المعتزلة. (مرآة الزمان ج ٨ ق ١/ ٧٦).
* معرفة القراء: "المقرئ المتكلم الأشعري ... قال ابن عقيل ذاكرته فرأيته مملوءًا علمًا وحفظًا. وقال السلفي: كان مشارًا إليه في علم الكلام قال لي: أنا أدرس علم الكلام من سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة. وكان مقدمًا على نظرائه مبجلًا عند من ينتحل مذهبه مجانبًا عند مخالفته جرت بينه وبين الحنابلة فق وأوذي غاية الإيذاء" أ. هـ.
* تاريخ الإسلام: "دخل العراق وأقرأ علم الكلام بالمدرسة النظامية وكان صلبًا في الاعتقاد ... وسأله السلفي عن مسألة الاستواء، فذكر أحد الوجهين لأبي الحسن الأشعري أن يحمل على ما ورد ولا يفسر" أ. هـ.
* السير: "وقال أحمد بن شافع: قال ابن ناصر وجماعة: كان أصحاب القيرواني يشهدون عليه أنه لا يصلي ولا يغتسل من جنابة في أكثر أحواله ويرمى بالفسق مع المرد. واشتهر بذلك وادعى قراءة القرآن على ابن النفيس، قلت: هذا كلام بهوى" أ. هـ.
/ الغاية: "إمام علامة متقن متكلم مناظر" أ. هـ.
وفاته: سنة (٥١٢ هـ) اثنتي عشرة وخمسمائة.
٣١١٦ - الجعد *
اللغوي، النحوي، المقرئ: محمّد بن عُثْمَان بن مسبح الشيباني، أبو بكر، المعروف بالجعد.
من مشايخه: ابن كيسان وغيره.
من تلامذته: أبو بكر أحمد بن جعفر بن سلم وغيره.
كلام العلماء فيه:
* نزهة الألباء: "كان من أفاضل الناس وأعلمهم" أ. هـ.
* معجم الأدباء: "كان من العقلاء الفضلاء، مقدمًا في النحو واللغة والأدب" أ. هـ.
* معجم المؤلفين: "أديب، نحوي, لغوي، مشارك في بعض العلوم" أ. هـ.
وفاته: سنة (٢٨٨ هـ) ثمان وثمانين ومائتين.
من مصنفاته: "خلق الإنسان"، و"الناسخ والمنسوخ"، و"معاني القرآن" و"القراءات".
стр. 2235
٣١١٧ - أبو جعفر بن أبي شيبة *
المفسر: محمّد بن عُثمَان بن أبي شيبة، أبو جعفر، العبسي الكوفي، نزيل بغداد.
من مشايخه: أبوه، وعمَّيه أبا بكر والقاسم، ويحيى بن معين وآخرون.
من تلامذته: ابن صاعد، وعثمان بن السماك، وإسماعيل الخطبي وغيرهم.
كلام العلماء فيه:
* تاريخ بغداد: "ذكر ابن المنادي وفاته ثم قال: كنا نسمع شيوخ أهل الحديث وكهولهم يقولون: مات حديث الكوفة بموت موسى بن إسحاق ومحمد بن عثمان، وأبي جعفر الحضرمي وعبيد بن غنام.
قلت -أي الخطيب-: وكانت وفاة هؤلاء الأربعة في سنة واحدة" أ. هـ.
* المنتظم: "روى ابن عقدة عن جماعة من العلماء تكذيبه والقدح فيه، منهم عبد الله بن أحمد فإنه روى عنه أنه قال: محمّد بن عُثْمَان كذاب، بين الأمر، وتعجب ممن يكتب عنه" أ. هـ.
* تاريخ الإسلام: "كان محدثًا فهمًا واسع الرواية، صاحب غرائب وله تاريخ كبير لم أره.
قال صالح بن محمّد جزرة: ثقة.
وقال ابن عدي: لم أرَ حديثًا منكرًا فأذكره، وهو على ما وصفه له عبدان، لا بأس به.
وأما عبد الله بن أحمد بن حنبل فقال: كذاب.
وقال عبد الله بن خراش: كان يضع الحديث.
وقال مطين: هو عصا موسى يتلقف ما يأفكون.
وقال الدارقطني: يقال إنه أخذ كتاب غير محدث.
وقال البرقاني: لم أزل أسمع الشيوخ يذكرون أنه مقدوح فيه" أ. هـ.
* السير: "الإمام الحافظ المسند".
وقال: "جمع وصنف، وله تاريخ كبير، ولم يرزق حظًا بل نالوا منه. وكان من أوعية العلم" أ. هـ.
* طبقات المفسرين للداودي: "كان عالمًا بصيرًا بالحديث والرجال".
وقال: "له معرفة وفهم، وقال أبو نعيم بن عدي: رأيت كلا منه ومن مطين يحط أحدهما على الآخر" أ. هـ.
وفاته: سنة (٢٩٧ هـ) سبع وتسعين ومائتين.
من مصنفاته: "فضائل القرآن"، و"التاريخ الكبير" وغير ذلك.
٣١١٨ - ابن بلبل *
النحوي، اللغوي: محمّد بن عُثمَان بن بلبل، أبو
стр. 2236
عبد الله.
من مشايخه: السيرافي، والفارسي، وابن خالويه وغيرهم.
من تلامذته: ابن بشران وغيره.
كلام العلماء فيه:
* معجم الأدباء: "لغوي نحوي .. برع في الشعر والأدب" أ. هـ.
وفاته: سنة (٤١٠ هـ) عشر وأربعمائة.
٣١١٩ - ابن أبي شنب *
النحوي، اللغوي: محمّد بن العربي بن محمّد بن أبي شنب.
ولد: سنة (١٢٨٦ هـ) ست وثمانين ومائتين وألف.
كلام العلماء فيه:
* معجم أعلام الجزائر: "منح لقب دكتور في الآداب من الجامعة الجزائرية، كان يحسن اللغة الفرنسية كأهلها، وله إلمام جيد بالفارسية والعبرية والإيطالية والتركية والأسبانية .. انتخب عضوًا في المجمع العلمي بباريس سنة (١٩٢٤ م)، مثل الجزائر في عدة مؤتمرات منها مؤتمر المستشرقين في الرباط سنة (١٩٢٨ م) وكانت له مكانة عالية عند المستشرقين .. " أ. هـ.
وفاته: سنة (١٣٤٧ هـ) سبع وأربعين وثلاثمائة وألف.
من مصنفاته: كثيرة جدًّا منها "شرح شواهد جمل الزجاجي" في النحو، و"تحبير الموشين في التعبير بالسين والشين" للفيروز أبادي مع تعليقات و"شرح لمثلثات قطرب".
٣١٢٠ - دروزة *
المفسر محمّد عزة دروزة.
ولد: سنة (١٣٠٥ هـ) خمس وثلاثمائة وألف.
كلام العلماء فيه:
* قلت: ومن كتابه (التفسير الحديث) (١/ ٢٥٧) وتحت عنوان: تعليق على العرش، قال: "وكلمة العرش تأتي هنا لأول مرة ثم تكررت، وقد جاءت في سياق ذكر ملكة سبأ في آية النمل هذه ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ وجاءت جمعًا في سياق ذكر القرى التي دمرها الله في آية سورة الحج هذه ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾. وأكثر ما جاءت منسوبة إلى الله كما هي في الآيات التي نحن في صددها، أو بصيغة استواء الله على العرش كما في آية الأعراف هذه ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى
стр. 2237
الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾ وقد ذكرت في آية من سورة هود هكذا ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
وأصل معنى الكلمة الكرسي أو الأريكة المرتفعة المسقوفة. وفي كتب التفسير أقوال كثيرة عن عرش الله ومفهومه ومفهوم استواء الله عليه. وفي بعضها إغراب وتزيد. ويفيد بعضها أن عرش الله مادة.
* الدراسات القرآنية المعاصرة: " ... ولد الأستاذ محمد عزة دروزة ... بمدينة نابلس ونشأ بها أوائل حياته ...
انتخب عام (١٩٦٠ م) عضوا مراسلا لمجمع اللغة العربية في القاهرة وعضوا في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية بالقاهرة، ومقررا لشعبة التاريخ فيها" أ. هـ.
* اتجاهات التفسير في العصر الراهن -بعد أن وصف الترجمة في تفسيره- قال د. عبد المجيد عبد السلام: "وخير من يصف منهج الرجل هو نفسه كما يعرف الجميع. وإني أرى صاحب التفسير الحديث متأثرا بمنهج أبي حيان الأندلسي الذي وضعه في مقدمة تفسيره "البحر المحيط". هذه واحدة. والثانية أن صاحب هذا التفسير لكونه يفسر القرآن حسب ترتيب النزول لا بد أن يجنح إلى التفسير الموضوعي في مواضع في مواضع كثيرة إن أراد ذلك أو لم يرد. لسبب بسيط وهو أن السور المكية تشتمل على موضوعات ومواقف لا نراها في السور المدنية. وذلك راجع إلى بداية الدعوة ونموها ونهايتها إلى النتيجة الرائعة في يثرب وهجرة الرسول ﵇ إليها وقيام الدولة الإسلامية فيها. فالمنافقون مثلًا يرد ذكرهم في السور المدنية وحسب.
ولا نجد ذكرا للنفاق والمنافقين في السور المكية. لأن الوضع في مكة كان محصورا في فئتين: فئة كثيرة مشركة وثنية، وفئة قليلة مؤمنة مستضعفة. ومن دراستي لهذا التفسير رأيت أن صاحبه كان يرجع إلى معظم التفاسير المشهورة.
وكثيرا ما كان يتمثلها في تفسيره وينقل عنها ويحيل القارئ عليها في مواضع كثيرة، وهذه التفاسير: تفسير ابن عباس، والطبري، والرازي، والنيسابوري، والبيضاوي، والطبرسي، والبغوي، ومجموعة تفسير ابن تيمية، والنسفي، والخازن، وأبي السعود، والزمخشري، والقاسمي، وجزء عم لمحمد عبده، وتفسير المنار. وغير ذلك. ومن الكتب التي كان يحيل عليها كثيرا: الإتقان، والسيرة الحلبية، والتاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول، وتاريخ الطبري، وسيرة الرسول ﵇ للمؤلف، والقرآن المجيد للمؤلف أيضًا" أ. هـ.
وبعد أن ذكر إنكار محمد دروزة للنزعة العلمية، (ص ٦٢) وإنكاره على المفسرين بربط آية بآية، إلى أن قال:
"وإني أختلف مع صاحب التفسير الحديث في استعماله بعض العبارات التي تصف الله تعالى
стр. 2238
من مثل قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَينَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥ , ٦٦]: في الآية الأولى صورة من صورة تناقض الكفار المشركين، فهم يخصون الدعاء لله وحده حينما يركبون الفلك لينجيهم إلى البر استتباعًا لعقيدتهم بأنه خالق الكون ومدبره الأعظم الضار النافع وحده، فإذا ما نجاهم عادوا إلى شركهم" (١). فعبارة المؤلف "ومدبره الأعظم" غير دقيقة. وبخاصة أن الماسونية تقول عن الله "مهندس الكون الأعظم" أمام السذج والعميان بمن ينضمون إليها. وإذا بحثت عن هذا المهندس تجده ملك الحكومة العالمية التي تسعى الماسونية لتحقيقها. فهو يهودي من نسل داود ﵇ كما يزعمون.
والله سبحانه ليس خالق الكون وحده، بل خالق الكون والإنسان والحياة. أي ما اصطلح عليه بالوجود. والله سبحانه هو الواجب الوجود.
و"الأعظم" صيغة أفعل التفضيل. وهي توحي بمدبر للكون أقل عظمًا منه ويدخل في ذلك قول الأستاذ أمين الخولي عن القرآن: "كتاب العربية الأعظم" وهذه العبارة توحي بوجود كتاب أقل عظمًا من القرآن الكريم.
ولا يجوز وصف الله بغير الصفات التي وصف بها ذاته، سبحانه وتعالى عما يصفون" أ. هـ.
ولما كان القرآن لا يحتوي شيئًا عن ماهية العرش، كما أنه ليس هناك حديث نبوي ثابت ووثيق في ذلك، فالواجب أن يقف المرء فيما ورد في صدد ماهيته موقف التحفظ.
ولما كان من عادة الملوك أن يكون لهم عروش عظيمة فخمة. ثم لما كان في التعابير الأسلوبية ما يفهم منه أن عروش الملوك كانت وما زالت ترمز إلى سعة الملك وعظمته وفخامته أيضًا، ولما كانت الآيات التي احتوت كلمة عرش الله قد وردت في صدد بيان عظمته وعلو شأنه وشمول ربوبيته ونفوذ أمره في جميع الكائنات خلقًا وتدبيرًا وتسخيرًا فالمتبادر أن الكلمة قد استعملت للتقريب والتشيه. ولا سيما أن الله ليس مادة يمكن أن تحد بمكان أو صورة أو تحتاج إلى عرش مادي. وفي القرآن آيات نسبت إلى الله اليد واللسان والروح والنزول والمجيء والقبضة مما هو منزه عن مفهوماتها المادية وما هو بسبيل التقريب والتشيه. وهذا وذاك من باب واحد.
ولقد كان تعبير استواء الله على العرش مثار جدل وخلاف بين علماء الكلام. فكان منهم المؤول ومنهم المنزه لله عن الاستواء المادي والعرش المادي، ومنهم الأخذ على الظاهر والواقف عنده بدون تأويل. ومنهم الكاره للجدل القائل "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة" ومنهم القائل: إن معنى استواء الله على العرش استقامة أمر ملك السموات والأرض لله تعالى وانفراده بتدبيره بعد خلقه، وإن عقيدة التنزيه القطعية الثابتة بالعقل والنقل مانعة لكل توهم
стр. 2239
لشبهة تشبيه الخالق بالمخلوق في التعبير بالاستواء على العرش. وإن من الواجب حمل التعبير على المجاز المعتاد استعماله في اللغات البشرية. وهذا متسق مع كلامنا".
وقال من خلال تعليقه على ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢/ ١٣٨): "أما جملة ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فإنها تأتي هنا لأول مرة. وقد تكررت بعد ذلك أكثر من مرة.
ولقد علقنا على كلمة العرش بما فيه الكفاية في سياق سورة البروج فلا ضرورة للإعادة ونقول في صدد الاستواء: إن أصل معناه تساوي الشيء واستقامته واعتداله. وقد تطلق الجملة من قبيل المجاز فتكون بمعنى التملك بالنسبة للملك أكثر منها بمعنى الجلوس على العرش أو الكرسي.
ومما قاله ابن كثير إن للناس في هذا المقام مقالات كثيرة ولكن الأولى أن يسار في طريق السلف الصالح بالمرور بالجملة من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، وملاحظة كون الله لا يشبهه شيء من خلقه وليس كمثله شيء. ومما قاله البغوي إن المعتزلة أولت الاستواء بالاستيلاء وإن أهل السنة قالوا إن الاستواء على العرش صفة وصف الله بها نفسه فتؤخذ بالإيمان بلا كيف ولا تشبيه. ومما قاله السيد رشيد رضا إن أحدًا من أصحاب رسول الله لم يشتبه في معنى استواء الرب تعالى على العرش، على علمهم بتنزهه سبحانه عن صفات البشر وغيرهم من الخلق، وكانوا يفهمون أن استواءه تعالى على عرشه عبارة عن استقامة أمر ملك السموات والأرض له وانفراده هو بتدبيره.
وعلى كل حال فهذا من الأمور المغيبة التي أخبر الله عنها بالعبارة التي اقتضتها حكمة تنزيله، ومن الواجب الإيمان بما جاء في القرآن مع تنزيه الله عن الحدود والجسمانية والمشابهة التي يقتضيها تأويل العرش بالمادية والجلوس الجسماني عليه. ومع التنويه بخاصة بوجاهة ما ذكره رشيد رضا من فهم أصحاب رسول الله ﷺ معنى الجملة وإن لم يورد نصًّا في ذلك معزوًا إلى أحد وسندًا يسند قوله، ومع ملاحظة أن الآيات في جملتها هنا وفي غير مكان قد وردت في معرض التدليل على عظمة الله وشمول قدرته وملكه وتوكيد كونه الخالق المدبر واستحقاقه بسبب ذلك وحده للعبادة والخضوع. تبارك الله رب العالمين".
وقال في تعليقه على كلمة (محدث) وعلى مسألة خلق القرآن (٦/ ١٥٦): "ولقد وقف علماء الكلام عند كلمة (محدث) حيث اتخذها بعضهم دليلًا على حدوث القرآن وأولها بعضهم بما يجعل هذا الاستدلال في غير محله؛ لأنه يؤدي إلى القول بأن القرآن حادث وهو كلام الله كما جاء في آية التوبة هذه ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ والكلام من صفات الله القديمة بقدمه التي لا يصح عليها حدوث وخلق.
والكلمة في مقامها واضحة الدلالة على أنها إنما قصدت (آيات جديدة النزول) ولا تتحمل إثارة المعنى الذي أريد الجدل حوله.
ومسألة خلق القرآن من المسائل الكلامية الشهيرة التي أدت إلى فتنة شديد في زمن المأمون
стр. 2240
الخليفة العباسي وامتدت نحو عشرين سنة واضطهد وعذب في سبيلها علماء كثيرون على رأسهم الإمام أحمد بن حنبل لأنهم أريدوا على القول بإيعاز من المعتزلة بأن القرآن مخلوق فأبوا.
وهذه المسألة متفرعة عن مسألة أعم. وهي الخلاف على صفات الله بين أهل السنة والمعتزلة. فالمعتزلة قالوا إن صفات الله هي ذات الله فهو عالم بذاته متكلم بذاته الخ أي بدون علم وقدرة وكلام زائد عن ذاته أو غير ذاته على اعتبار أن الذهاب إلى كون صفات الله القديمة بقدمه غير ذاته هو تعدد لله القديم الذي يستحيل عليه التعدد. وأهل السنة قالوا إن لصفات الله معنى زائدًا عن ذاته فهو عالم بعلم وقادر بقدرة ومتكلم بكلام واحترزوا بهذا لمنع تعدد الله القديم بتعدد صفاته لأنهم مثل المعتزلة يعتقدون باستحالة التعدد في حق الله. ثم أبحر الخلاف إلى صفة كلام الله وماهية القرآن باعتباره كلام الله فقال فريق من أهل السنة إن الله متكلم بكلام أزلي قديم زائد عن ذاته وغير منفك عنها وإن القرآن معنى قائم بذات الله وقيدوا أنهم لا يعنون بذلك الحروف والأصوات المقروءة المسموعة المكتوبة ومثلوا على ذلك بالفرق بين ما يدور في خلد الإنسان من كلام دون أن ينطق به فهو شامل في أي واحد لجميع الكلام الذي يدور في الخلد أما الحروف والأصوات المقروءة المسموعة المكتوبة من القرآن فإنها ليست من تلك الصفة القديمة وإنما هي من الحوادث لأنها تابعة لترتيب يتقدم فيه حرف على حرف نطقًا وكتابة وسمعًا وهذا من سمات الأمور الحادثة.
وقال فريق آخر من أهل السنة إن حروف القرآن المكتوبة المقروءة وأصواتها المسموعة غير منفكة عن صفة كلام الله الأزلي القديم وأنها مثلها قديمة أزلية أيضًا ليست حادثة ولا مخلوقة.
أما المعتزلة -والشيعة الإمامية مثلهم في أكثر المذاهب الكلامية- فقد قالوا إن الله متكلم بذاته بدون كلام زائد عنها وأنه يخلق الحروف والأصوات في الأعراض فتقرأ وتسمع وأن القرآن باعتبار أنه متصف بما هو صفات المخلوق وسمات الحدوث من تأليف وتنظيم وإنزال وتنزيل وكتابة وسماع وعروبة لسان وحفظ وناسخ ومنسوخ الخ هو مخلوق ولا يصح أن يكون قديمًا أزليًا. ويقولون إن القرآن اسم لما نقل إلينا بين دفتي المصحف تواترًا وهذا يستلزم كونه مكتوبًا في المصاحف مقروءًا بالألسن مسموعًا بالآذان وكل ذلك من سمات الحدوث بالضرورة، ويرد عليهم أهل السنة بأنه كلام الله مكتوب في مصاحفنا محفوظ في قلوبنا مقروء بأسنتا مسموع بآذاننا غير حال فيها بل هو معنى قديم قائم بذات الله يلفظ ويسمع بالنظم الدال عليه ويكتب بنقوش وصور وأشكال موضوعة للحروف ويكتب بالقلم وأن المراد بأن القرآن غير مخلوق هو حقيقته الموجودة في الخارج ..
هذه خلاصة وجيزة جدا لأن التبسط في الكلام ليس من منهجنا، وواضح أن الجماعات المختلفة معترفون بكمال صفات الله وأن اختلافهم هو حول آثار هذه الصفات وتخيلها وتفهمها ومداها وأن شأنهم في هذا شأنهم في الخلافيات الكلامية الأخرى، منهم المعظم لله ومنهم المنزه له. وأنهم متفقون على أن القرآن منزل من الله على نبيه.
ونعتقد أن ثوران هذه المسألة الخلافية وما ترتب
стр. 2241
عليها من فتنة في أوائل القرن الثالث الهجري ذو صلة بالأحداث السياسية والنحلية والطائفية والعنصرية التي حدثت في القرون الإسلامية الأولى وأنه كان لتسرب الأساليب الكلامية والكتب الفلسفية الأجنبية أثر قوي فيها وأنها لا تتصل بآثار نبوية وراشدية موثقة ثابتة في ذاتها فضلًا عما هناك من آثار نبوية وراشدية تنهى عن الخوض في ماهية الله والقرآن وتوجب أن يظل المسلم في حدود التقريرات القرآنية من أن القرآن كلام الله ومن عند الله وأن لله أحسن الأسماء وأكمل الصفات وأنه ليس كمثله شيء وأنه لا تدركه الأبصار، ولا يتورط ويخوض في ماهيات وكيفيات متأصلة بسر واجب الوجود وسر الوحي والنبوة مما لا يستطاع إدراكه بالعقل المادي ومما لا طائل من ورائه".
وقال في (٧/ ٣٨٢) تعليقًا على آية الكرسي: "ولقد تعددت الأقوال في صدد الكرسي كما هو الأمر في صدد العرش واللوح والقلم ومنها ما جاء فيه أوصاف مادية لا تخلو من غرابة ولا تنسجم من صفات الله وتنزهه وليست متصلة بحديث نبوي وثيق السند، وأظهر الأقوال وأكثرها انسجامًا مع صفات الله أن الكلمة مستعملة على سبيل المجاز وأن المقصود منها بيان عظمة ملك الله وسلطانه والله أعلم" أ. هـ.
قلت ومن كتاب (الدراسات القرآنية المعاصرة)، وتحت عنوان: منهج المؤلف في البحث. قال محمّد بن عبد العزيز السديس: (يقدم المؤلف لكل سورة يشرع في تفسيرها بمقدمة قصيرة يذكر فيها ما تحتويه السورة من أحكام على العموم. وأين كان نزولها وما تمتاز به مبينًا ما فيها من الآيات المكية إن كانت السورة مدنية وما فيها من الآيات المدنية إن كانت السورة مكية وقد أشار إلى ذلك في مقدمة كتابه إذ قال: "وقد رأينا ... وضع مقدمة أو تعريف موجز للسور قبل البدء في تفسيرها، يضمن وصفها ومحتوياتها وأهم ما امتازت به وما يتبادر من فحواها من صحة ترتيبها في النزول وفي المصحف، وما في السور المكية من آيات مدنية. وفي السور المدنية من آيات مكية حسب الروايات. والتعليق على ذلك حسب المقتضى. وكذلك وضع عناوين للموضوعات والتعليقات الهامة التي تناولناها بالبحث والشرح والبيان ليسهل على من ينظر في التفسير مراجعة ما يريد فيها" (١).
والمؤلف يسوق مجموعة الآيات ثم يبين معاني المفردات ثم يذكر ما يؤخذ منها من أحكام ثم يعلق على الآيات إذ يقول: "تعليق على آية كذا .. وفي هذا التعليق يحقق سبب نزول الآية وأين نزلت بعد ذكر الخلاف بين العلماء ويرجح ما يراه راجحًا.
كما يذكر خلاف العلماء في الأحكام وغيرها ويرجح ما يراه راجحًا هذا هو ما يغلب على منهجه. وقد لا يذكر معاني المفردات إذا كانت معانيها واضحة. وقد لا يذكر ما فيها من الأحكام إذا لم يوجد فيها أحكام. كما أنه لا يذكر تعليقًا في بعض الأحيان.
والمؤلف كغيره من المؤلفين له آراء غير سديدة
стр. 2242
وأخرى سديدة في أمور الاعتقاد والتشريع فأما في الأمور الاعتيادية فله رأيان مجافيان للصواب فيما اطلعت عليه وأمكنني معرفته من آرائه، فهو أولًا يرى: "أن يحمل التعبير بالعرش على المجاز المعتاد استعماله في اللغات البشرية. كما يقول: "إن في القرآن آيات نسبت إلى الله اليد واللسان والروح والنزول والمجيء والقبضة مما هو منزه عن مفهوماتها المادية. ومما هو بسبيل التقريب والتشبيه وهذا وذاك من باب واحد" (١).
ويقول في صدد الكرسي أن أظهر الأقوال وأكثرها انسجامًا مع صفات الله. استعمالها على سبيل المجاز. فيقول: "ولقد تعددت الأقوال في صدد الكرسي كما هو الأمر في صدد العرش واللوح والقلم ومنها ما جاء فيه أوصاف مادية لا تخلو من غرابة ولا تنسجم مع صفات الله وتنزهه وليست متصلة بحديث وثيق السند. وأظهر الأقوال وأكثرها انسجامًا مع صفات الله أن الكلمة مستعملة على سبيل المجاز، وأن المقصود منها بيان عظمة ملك الله وسلطانه والله أعلم" (٢).
فالمؤلف يرى أن الكرسي والعرش مستعملة استعمالًا مجازيًا؟ وأنا أقول ما المانع والمحذور الشرعي أو العقلي من استعمالها على الحقيقة. قال صاحب "كتاب متشابه القرآن" في رد هذا القول: "وقد وصف الله نفسه ونعته رسوله ﷺ بآيات وأحاديث تزيد على آيات وأحاديث الأحكام أو تقرب منها. فمن حملها على غير ظاهرها أو المجاز أو الكناية فليحمل آيات الأحكام وأحاديثها وغيرها على غير ظاهرها أو على المجاز والكناية، وعليه ألا يعيب على من فعل ذلك كبعض الباطنية وبعض الصوفية المارقين عن الإسلام، إذ لا فرق بين ذلك عند من له أدنى معرفة بكلام الله ورسوله ولسان العرب الذي نزل به القرآن، وإلا فهو تحكم بغير علم ولا عقل يسوغ له ذلك، ولا عذر له عند الله فيما قلد فيه من قبله مع وضوح الدليل وقدرته على أخذه والوصول إليه.
والله يهدينا ويهدي قومنا إلى سواء السبيل، ويجمع كلمتنا على كتابه" (٣).
أما الرأي الثاني فهو رأيه في سحر النبي ﷺ إذ يقف حائرًا من حديث سحر لبيد بن الأعصم اليهودي للرسول مع وروده في الصحيحين ومع معرفته بأنه وارد في الصحيحين إذ صرح بوروده في الصحيحين ومع ذلك وقف حائرًا ظنًّا منه أن ذلك يؤثر في نبوة النبي ﷺ (٤) وليس كذلك فإن سحر النبي ﷺ لم يؤثر فيه إلا من ناحية الأمور الدنيوية فقد كان ﷺ يخيل إليه أنه يأتي الشيء فإذا هم به لم يستطع وخاصة فيما يتعلق بالنساء.
غير أن المؤلف مع هذا يحارب وينقد البدع والخرافات الشركية التي وقع فيها جهلة المسلمين فعند تفسيره لآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. قال: (وجملة) ﴿وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾
стр. 2243
أوجدت على ما يظهر في أذهان بعض المسلمين فكرة (التوسل) أي الاستشفاع بالأنبياء وعباد الله الصالحين من أموات وأحياء لدى الله والإقسام عليه بحقهم بقضاء مطالب متنوعة من دفع ضرر وجلب نفع على اعتبار أنهم من الوسائل التي حثت الآية على ابتغائها إليه، وبلغ الأمر أن صاروا يشدون الرحال إلى قبور الأنبياء وغيرهم من أولياء الله وينذرون لهم النذر ويقسمون على الله أن يحقق مطالبهم، وقد استشرت هذه العادة عند المسلمين في القرون المتأخرة، ثم تحدث عن محاربة الإمام محمّد بن عبد الوهاب وابن تيمية لهذه البدع والخرافات الشركية ونقل من كتاب ابن تيمية "التوسل والوسيلة".
وأما في الأمور التشريعية فله رأي كغيره من المفسرين في هذا العصر -في الجهاد- إذ يرى أنه للدفاع وهو أشد هؤلاء المفسرين تقريرًا وتأكيدًا على هذه الفكرة، انتقده الشهيد سيد قطب. وإليك ما قاله في تعليقه على آية: ١٩٢ من سورة البقرة "وقد احتوت قواعد تشريعية خطيرة في هذا الباب غدت روح المبادئ الجهادية الإسلامية وضابطها وهي:
١ - واجب المسلمين في قتال الذين يقاتلونهم وحسب.
٢ - عدم جواز بدئهم أحدًا غير عدو وغير مُعْتدٍ بقتال.
٣ - واجب كفهم عن القتال حال ما ينتهي موقف العدو المعتدي إلى حالة مستقرة من إسلام أو عهد وسلم.
٤ - اعتبار فتنة الكفار للمسلمين عن دينهم وأذيتهم وتعطيل الدعوة الإسلامية وحريتها سببًا ومبررًا لقتال كل من يقف مثل هذه المواقف حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله (١). ثم يقول "أي أن إجبار المسلمين على الارتداد عن دينهم أشد نكاية من القتل والقتال وأكثر تبريرًا للقتال حتى لو سلمنا جدلًا أن الآية تأمر بقتال الأعداء حتى ينتهوا عن شركهم ويسلموا فإن ذلك بالنسبة للأعداء الذين يقاتلون المسلمين والذين يحق للمسلمين أن يحددوا الشروط التي يكفون بها عنهم" أ. هـ.
وتكلم محمّد بن عبد العزيز السديس أيضًا حول قول صاحب الترجمة في معاهدة المشركين كما في سورة التوبة، وكيف جعل الله تعالى حكمته في تلك الآيات في معاهدة المشركين. وأشار صاحب الترجمة (إلى الحكم التشريعية من التحريم والتحليل ويرد على انتقادات المغرضين من أعداء الإسلام الخارجين الممتزجين بالمسلمين من أبناء جلدتهم وهم ركيزة للأعداء في بلادهم ويسميهم بالأغيار) (٢)، فقد ردَّ على المغرضين في إباحة تعدد الزوجات، ودفاعه على حكم الله تعالى ورخصته وتحليله لها، وأيضًا تكلم على ميراث الأنثى وإنصافه سبحانه لها، وفي حكم الله تعالى بقطع يد السارق، وتحريم الخمر، وغيرها من أحكام الله تعالى في كتابه العزيز ورد صاحب الترجمة على من يعارض تلك الأحكام ويجعل منها غرضًا انتقص من الشريعة الإسلامية الغراء.
قال السديس رأيه في الكتاب -أي "التفسير
стр. 2244
الحديث"- لصاحب الترجمة ما نصه: "يعجبني في تفسير الأستاذ محمّد عزة دروزة التحقيقات والترجيحات التي يسوقها المؤلف أثناء تفسيره للآيات. وسلاسة أسلوبه، وبيانه لحكم التشريع في الشرائع الإسلامية ورده للتهم الملصقة بالإسلام ونبي الإسلام من أعدائه. ولا يعجبني فيه إصراره -أي المؤلف- على حصر الجهاد الإسلامي في مجال الدفاع -وهو مجال الضعف- ومحاولته إيجاد مبررات لرأيه الدفاعي -التي يخيل للإنسان عند قراءته لها أي للمبررات والحجج التي يرددها لتأييد رأيه الدفاعي- أنها صحيحة. لكنه عند التمحيص والنظر يجدها غير صحيحة.
وأحسب أن قول سيد قطب "أما محاولة إيجاد مبررات دفاعية للجهاد الإسلامي بالمعنى الضيق للمفهوم العصري للحرب الدفاعية، ومحاولة البحث عن أسانيد لإثبات أن وقائع الجهاد الإسلامي كانت لمجرد صد العدوان من القوى المجاورة على "الوطن الإسلامي" -وهو في عرف بعضهم جزيرة العرب- فهي محاولة تنم عن قلة إدراك لطبيعة هذا الدين ... " (١) أحسب أن قول سيد قطب هذا يشير إلى محاولات دروزة هداه الله إيجاد مبررات وأسانيد لإثبات وقائع الجهاد الإسلامي كانت لمجرد صد العدوان. فقد لاحظت أنه أكثر الذين قالوا بدفاعية الجهاد استدلالًا واستنادًا وإيجادًا للمبررات. هذا مجرد ظن والله أعلم" أ. هـ.
* قلت: ومما سبق يتضح مذهبه الأشعري، وذلك من خلال ما نقلناه سابقًا في القول بالمجاز، وصفات الله تعالى ورده على المعتزلة بأصول الأشعرية ... والله تعالى الموفق.
من مصنفاته: "التفسير الحديث"، و"بنو إسرائيل في أسفارهم", و"الإسلام والاشتراكية".
٣١٢١ - العُزَيري *
اللغوي، المفسر: محمّد بن عزير، أبو بكر السجستاني، وقد اختلف في اسم أبيه بين عزيرًا وعزيزًا، ذكره الذهبي في تاريخه وقال: إنما جسر الدهماء على نطق بالزاي تقييده الدارقطني، وعبد الغني، والخطيب والأمير - ابن ماكولا له بزاي مكررة، والله أعلم.
من تلامذته: أبو عبد الله بن بطة، وعبد الله السامري المقرئ وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* نزهة الألباء: "فإنه كان أديبًا فاضلًا متواضعًا" أ. هـ.
* السير: "كان رجلًا فاضلًا خيرًا، ألف (الغريب) في عدة سنين وحرره، وراجع فيه أبا بكر بن الأنباري وغيره" أ. هـ.
* معجم المؤلفين: "مفسر لغوي، أقام ببغداد" أ. هـ.
стр. 2245
وفاته: سنة (٣٣٠ هـ) ثلاثين وثلاثمائة.
من مصنفاته: "غريب القرآن".
٣١٢٢ - الهروي *
اللغوي: محمّد بن عطاء الله بن محمّد بن محمود بن أحمد بن فضل الله بن الرازي الهروي الشافعي.
ولد: سنة (٧٦٧ هـ) سبع وستين وسبعمائة.
من مشايخه: التفتازاني وغيره.
من تلامذته: الأبيّ، وابن موسى وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* إنباء الغمر: "له تصانيف تدل على غزر علمه واتساع نظره وتبحره في العلوم" أ. هـ.
* الوجيز: "كان إمامًا عالمًا غواصًا على المعاني، حافظًا لكثير من المتون، رئيسًا مهابًا ضخمًا حسن الشكالة، لين الجانب، أثنى عليه غير واحد على ما فيه من طبع الأعاجم وقوادح" أ. هـ.
* الضوء: "قال العيني: كان عالمًا فاضلًا متفننًا له تصانيف كشرح مشارق الأنوار وشرح صحيح مسلم يعني المسمى فضل المنعم وشرح الجامع الكبير من أوائله ولم يكمله وكان قد أدرك الكبار مثل التفتازاني والسيد وصارت له حرمة وافرة ببلاد سمرقند وهراة وغيرهما حتى كان اللنك يعظمه ويحترمه ويميزه على غيره بحيث يدخل عنده في حريمه ويستشيره وربما كان يرسله في مهماته ولذا قيل إنه وزيره وليس كذلك، وقدم في زمن الناصر فرج وتوطن القدس، إلى أن قال: ولم يخلف سوى زوجته وهي ابنة الشيخ همام الدين العجمي. بل يقال أن له ابن في هراة، وكان صاحب حرمة وسطوة في وظائفه غير أنه لم يكن مشكورًا من غير علة ظاهرة فيه. وقال المقريزي: أنه ولى القضاء وكتابة السر فلم ينجب وكان يقرئ في المذهبين ويعرف العربية وعلمي المعاني والبيان ويذاكر الأدب والتاريخ ويستحضر كثيرًا من الأحاديث والناس فيه بين غال ومقصر وأرجو أن يكون الصواب ما ذكرته. وقال غيره: كان شيخًا ضخمًا طوالًا أبيض اللحية مليح الشكل إلا أن في لسانه مسكة إمامًا بارعًا في فنون من العلوم له تصانيف تدل على غزير علمه واتساع نظره وتبحره في العلوم منصفًا للحنفية إلى الغاية صادعًا بالحق تاركًا للتعصب، وكان يركب بعد ولايته البغلة بهيئة الأعاجم بفرجية وعذبة مرخية على يساره فأقام مدة ثم لبس زي قضاة مصر، وساق الأبيات التي وجدها المؤيد وأولها:
يا أيها المؤيد دعوة ... من مخلص في حبه لك يفصح
وأن غالب الفقهاء تعصبوا عليه وبالغوا في التشنيع ورموه بعظائم، الظن براءته عن أكثرها وادعى عليه بمال بعض الأوقاف وتوجهوا به ماشيًا ومنعوه من الركوب إلى غير ذلك مما بسط في الحوادث، وكان معدودًا من أعيان الأئمة