بكر بن الأنباري يومًا في جامع المنصور ببغداد فقال له يا أبا بكر إن أهل بغداد أجمعوا على أنك بخيل فأعطني درهمًا أخرق به الإجماع فضحك ولم يعطه شيئًا" أ. هـ.
• وفيات الأعيان: "كان صدوقًا ثقة دينًا خيرًا من أهل السنة" أ. هـ.
• المنتظم: "كان صدوقًا فاضلًا دينًا من أهل السنة، وكان من أعلم الناس بالنحو والأدب وأكثرهم حفظًا له" أ. هـ.
• قلت: في مقدمة كتابه (المذكر والمؤنث) للدكتور طارق عبد عون الجنابي -الطبعة الأولى/ بغداد- (١٩٧٨ م). قال: (أما خلقه الإنساني، فما قدح فيه أحد، ولا نالته تهمة، فقد كان موضع إكبار، وحب. وكان ابنًا بارًا مكبرا أباه، فإذا نقل عنه، قال: حدثني أبي، تواضعًا، فإذا نقل عن غيره، قال: حدثنا وأخبرنا بصيغة الجماعة. ونعته ابن النديم بأنه كان ورعًا من الصالحين، لا يعرف له حرمة، ولا زلة، وأنه كان زاهدًا متواضعًا. و"صدوقًا فاضلًا دينًا خيرًا".
وأما خلقه العلمي، وتواضعه، فأمره، مما نفتقر إلى مثله اليوم، فإذا أخطأ، وهو العالم الثبت، لم يمنعه علمه أن يعترف بجرأة، بأنه أخطأ، وينبه على الصواب. وعلى ما كان له في قلوب تلاميذه من إجلال وود، لم يكن منقصة أن يذكر أن واحدًا قد وقف على تصحيف له، فأشار إليه. "حكى أبو الحسن الدارقطني أنه حضره في مجلس أملاه يوم الجمعة، فصحف أسمًا أورده في إسناد حديث، أما كان حبان، فقال: حيان، أو حبان، فقال: حبان. قال أبو الحسن: فأعظمت أن يحمل عن مثله في فضله وجلالته، وهم، وهبته أن أوافقه على ذلك، فلما انقضى الإملاء تقدمت إلى المستملي، وذكرت له وهمه، وعرفته صواب القول فيه، وانصرفت، ثم حضرت الجمعة الثانية مجلسه، فقال أبو بكر للمستملي: عرف جماعة الحاضرين أنا صحفنا الإسم الفلاني لما أملينا حديث كذا في الجمعة الماضية، ونبهنا ذلك الشاب على الصواب، وهو كذا، وعرف ذلك الشاب، أنا رجعنا إلى الأصل فوجدناه كما قال".
ولم يكن يطعن علي أحد من أقرانه قط في مجلس، وأن ظن أنه خلط في رواية، أو أخطأ في مسألة، حُكي أنأ أبا عمر الزاهد كان مؤدب ولد القاضي أبي عمر محمّد بن يوسف، فأملى على الغلام نحوًا من ثلاثين مسألة في اللغة، ذكر غريبها، وختمها بيتين من الشعر. وحضر أبو بكر بن دريد، وأبو بكر بن الأنباري، وأبو بكر بن مقسم عند القاضي أبي عمر فعرض عليهم تلك المسائل، فما عرفوا منها شيئًا، وأنكروا الشعر. فقال لهم القاضي: ما تقولون فيها؟ فقال ابن الأنباري، أنا مشغول بتصنيف "مشكل القرآن"، ولست أقول شيئًا".
ومضى أبو بكر بن الأنباري في الخالدين، مخلفًا وراءه إرثًا عريضًا من كتب اللغة والنحو، وعلوم القرآن والحديث، والأمال، وغير ما خدم بها العربية خدمة جليلة، وكانت له عنوان ألمعية، وبراعة، وعظمة. وقد توفي في بغداد ليلة عيد النحر من ذي الحجة لسنة ثمان وعشرين وثلاث مئة، ودفن في داره. وزعم الزبيدي أن وفاته كانت سنة سبع وعشرين. وقال القفطي: "وكان الأول أثبت".
стр. 2347
ثقافته وعقيدته:
تتلون ثقافة ابن الأنباري تلون الثقافة والعصر، وإن كانت ألوان ثقافته تصب في مجرى الدراسات العربية والقرآنية. يوضح هذا ما ستعرفه من آثاره في النحو واللغة والحديث. وعلوم القرآن، خاصة ما يتصل منها بالقراءات، وما لها من أثر في آراء المسلمين ومعتقداتهم، ووجوهه في العربية قبولًا، أو ردًّا، مع الاحتجاج لذلك بالشواهد، أو بالتعليل، والتأويل، أو بمذاهب المتقدمين من علماء العربية المتفننين في الصناعة، الآخذين منها بالمسر واليد.
ومن أجل أن تستكمل هذه الثقافة،
"الموسوعية" شروطها، وعمقها، وابتداعها الآراء، عني بالغريب، وكان ذلك معتمدًا على روايته الواسعة للغة والشواهد عن علماء العربية، وعن الأعراب، كما في بالسند عناية فائقة، لأنه كان في طائفة رجال الحديث إذا عددنا مصنفه في غريب الحديث، وهو من أضخم المصنفات، في هذا الضرب من التآليف، سببًا لأن تسلكه في جملة رجال الحديث، وقد ترجم له "الذهبي" في طبقات الحفاظ منهم.
لقد تواشجت في ثقافة أبي بكر بن الأنباري علوم العربية بعلوم القرآن والحديث، حتى لم يعد من الحصافة العلمية أن يصار إلى فصلها عن بعضها فصلًا قسريًا، ووضع كل منها في باب يفضي إلى علم من العلوم، ويبدو لي أن شروط المحدثين في الحديث المروى قد أحكمت الهيمنة على منهج أبي بكر في البحث، وكانت ثقافته بذلك تمتاز بالأصالة، والصدق، والتوثقة.
وأما عقيدته، فقد كان حنبلي المذهب، شديد التمسك بحنبليته، ولعل هذا كان المنطلق إلى الاعتداد الشديد بالقراءات القرآنية، وبرسم المصحف حتى كان من أمره أن رد على كل ابتداع أو زيغ، ووضع في ذلك كتبًا مشهودًا لها بقوة الحجة، وحسن الدليل" أ. هـ.
وفاته: سنة (٣٢٨ هـ) ثمان وعشرين وثلاثمائة عن (٥٧ سنة).
من مصنفاته: "الوقف والابتداء"، و"كتاب المشكل"، و"غريب الحديث النبوي" وغيرهما كثير.
٣٢٥٠ - أبو إسحاق المصري *
المفسر: محمّد بن القاسم بن شعبان بن محمّد بن ربيعة الفقيه، أبو إسحاق المصري، العماري (١) المالكي، ويعرف بابن القرطبي (٢).
من مشايخه: أبو بكر بن صدقة وغيره.
من تلامذته: محمّد بن أحمد بن الخلاص التجاني، وخلف بن القاسم بن سهلون وغيرهما.
стр. 2348
كلام العلماء فيه:
• ترتيب المدارك: "قال الفرغاني: كان رأس الفقهاء المالكيين بمصر في وقته وأحفظهم لمذهب مالك، مع التفنن في سائر العلوم، من الخبر والتاريخ والأدب، إلى التدين والورع، ذكر أنه كان يلحن. ولم يكن له بصر بالعربية مع غزارة علمه، وكان واسع الرواية، كثير الحديث مليح التأليف. قال ابن مفرج العنسي: هو شيخ الفتوى وحافظ البلد.
قال الشيرازي: وإليه انتهت رئاسة المالكيين بمصر، ووافق موته دخول بني عبيد الروافض وكان شديد الذم لهم، ويقال أنه كان يدعو على نفسه بالموت قبل دولتهم ويقول: اللهم أمتني قبل دخولهم مصر، فكان كذلك" أ. هـ.
وقال: "ذكر لي أبو الحسن القابسي وأيا محمّد بن أبي زيد رحمهما الله تعالى، وغالب ظني أنه أبو الحسن وكان يقول في ابن شعبان: أنه لين الفقه، وأما كتبه ففيها غرائب من قول مالك، وأقوال شاذة عن قوم لم يشتهروا بصحبته، ليست مما رواه ثقات أصحابه، واستقر منه مذهبه" أ. هـ.
• تاريخ الإسلام: (قلت -أي الذهبي- كان ابن شعبان صاحب سنة كغيره من أئمة الفقه في ذلك العصر".
وقال: "قال ابن حزم: ابن شعبان في المالكية نظير عبد الباقي بن قانع في الحنفيين قد تأملنا حديثهما فوجدنا فيه البلاء المبين والكذب البحت والوضع، فإما تغير حفظهما وإما اختلطت كتبهما" أ. هـ.
• السير: "كان صاحب سنة واتباع وباع مديد في الفقه مع بصر بالأخبار وأيام الناس، مع الورع والتقوى وسعة الرواية" أ. هـ.
• ميزان الاعتدال: "وهاه أبو محمد بن حزم، ما أدري لماذا" أ. هـ.
• لسان الميزان: "كان سلفي المذهب" أ. هـ.
وفاته: سنة (٣٥٥ هـ) خمس وخمسين وثلاثمائة.
من مصنفاته: "الزاهي الشعباني في الفقه" وهو مشهور، و"أحكام القرآن" وغير ذلك.
٣٢٥١ - ابن بابْجُوك الآدمي *
النحوي، اللغوي، المفسر: محمّد بن أبي القاسم بن بابجوك البقالي الآدمي الخوارزمي، أبو الفضل، الملقب بزين المشايخ الآدمي؛ لحفظه مقدمة في النحو للأدمي.
ولد: سنة (٤٩٠ هـ) تسعين وأربعمائة.
من مشايخه: الزمخشري، وعمر بن محمّد بن حسن الفرغولي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• الوافي: "الأستاذ النحوي صاحب التصانيف" أ. هـ.
• بغية الوعاة: "كان جم الفوائد، حسن الاعتقاد، كريم النفس، نزيه العرض، غير خائض
стр. 2349
فيما لا يعنيه، له يد في الترسل ونقد الشعر" أ. هـ.
• الأعلام: "عالم بالأدب، مفسر، فقيه حنفي" أ. هـ.
• تاريخ الإسلام: "قال لنا أبو العلاء الفرضي: ذكره الحافظ محمود بن محمّد بن أرسلان الخوارزمي في (تاريخ خوارزم) فقال: كان إمامًا حجة في العربية، أخذ عن الزمخشري، وخلفه في حلقته، . . " أ. هـ.
وفاته: سنة (٥٦١ هـ) إحدى وستين، وقيل: اثنتين وستين وخمسمائة، واختلف في وفاته والذي أثبتناه هو الصحيح. وقيل: (٥٦٢ هـ).
من مصنفاته: "تقويم اللسان" في النحو، و"التفسير" و"الإعجاب في الإعراب" و"الهداية" في المعاني والبيان. وغيرها.
٣٢٥٢ - ابن جميل الربعي *
المفسر: محمّد بن أبي القاسم بن عبد السلام بن جميل، أبو عبد الله الربعي التونسي المالكي الملقب شمس الدين.
ولد: سنة (٦٣٩ هـ) تسع وثلاثين وستمائة.
من مشايخه: أبو المحاسن يوسف بن أحمد بن محمّد الدمشقي اليعموري المعروف بالحافظ، وشمس الدين محمد بن إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• الديباج: "كان إمامًا مفتيًا فقيهًا، مفسرًا، بارعًا في فنونه أصوليًا عالمًا ذا سكون. ." أ. هـ.
• الدرر: "ولي قضاء الإسكندرية فلم يحمد ويقال إنه كان يقول: أنا أعرف كيف أخذ الدراهم في قضاء الحوائج" أ. هـ.
• طبقات المفسرين للداودي: "كان إمامًا مفننًا، مفسرًا، بارعًا في فنونه أصوليًا عالمًا ذا سكون وعفة وديانة، سريع الدمعة" أ. هـ.
• مشهير التونسيين: "ولد بتونس وتفقه بها ورحل إلى مصر وتولى نيابة الحكم بالحسينية بالقاهرة مدة وتولى قضاء الإسكندرية سنة (٧١٠ هـ) أ. هـ.
وفاته: سنة (٧١٥ هـ) خمس عشرة وسبعمائة.
من مصنفاته: "مختصر التفريع"، و"مختصر تفسير فخر الدين الرازي"، و"مختصر قواعد (الفروق) للقرافي".
٣٢٥٣ - الأمير المؤيد بالله *
المفسر: محمّد الأمير المؤيد بالله بن القاسم بن محمّد اليمني.
ولد: سنة (٩٩٠ هـ) تسعين وتسعمائة.
من مشايخه: والده وغيره.
стр. 2350
كلام العلماء فيه:
• خلاصة الأثر: "فضائله حلية الأزمنة والحقب إنه السيد الذي ظهرت فضائله في البلاد وأذعن لفضله الحاضر والباد، واجتمعت كلمة اليمن إليه، وأخرج الأتراك بأسرهم، وأقبلت عليه الفتوحات من كل جهة وقام بنصرته أخوته الحسن والحسين وأحمد وإسماعيل، وكان إمامًا جليلًا مفننًا في كثير من العلوم قائمًا بأعباء الإمامة مباشرًا للأمور بنفسه، لا ينام من الليل إلا قليلًا محسنًا إلى الفقراء، حافظًا للبلاد كلها" أ. هـ.
• البدر الطالع: "أخذ العلم عن علماء اليمن المشهورين بذاك الزمن. . . وبرع في عدة علوم ودرس وأفتى واشتهر فضله وزهده وورعه وعفته وحسن تدبيره" أ. هـ.
• الأعلام: "إمام زيدي (١)، عظيم السلطان في اليمن. . . قام بعد وفاة أبيه سنة (١٠٢٩ هـ) وانقادت له الديار اليمنية أعاليها وتهائمها، وحضرموت وأعمالها وكان عالمًا متفننًا" أ. هـ.
وفاته: سنة (١٠٥٤ هـ) أربع وخمسين وألف.
من مصنفاته: له تفسير القرآن، وله رسائل كثيرة.
٣٢٥٤ - ابن قُرقْماس *
المفسر: محمّد بن قرقماس بن عبد الله الناصري الحنفي.
ولد: سنة (٨٠٢ هـ) اثنثين وثمانمائة.
من مشايخه: الكمال محمود بن القوال المقرئ، والعز بن عبد السلام البغدادي وغيرهما.
من تلامذته: السخاوي وغيره.
كلام العلماء فيه:
• بدائع الزهور: "كان عالمًا فاضلًا من أعيان الحنفية وكان يدعي معرفة الحرف وعلم الكيمياء، وكان ولي مشيخة تربة الظاهر خشقدم. . . وكان يدعي دعاوي عريضة" أ. هـ.
• الضوء: "كان خيرًا كريمًا ذا حظ فائق وشكل نضر بهج رائق وشيبة نيرة وسكينة وصمت ومحبة في الفقراء، واعتقاد حسن حتى كان هو ممن يقصد بالزيارة للتبرك به ومحاضرة حسنة لولا ثقل سمعه منقطعًا عن الناس ملازمًا للكتابة. . . وأنه يتهجد في الليل ويتلو كثيرًا متوددًا للطلبة مقبلًا عليهم باذلًا نفسه مع قاصده متزييًا بزي أبناء الجند" أ. هـ.
• الأعلام: "أديب، من أعيان الحنفية، له شعر فيه رقة، من أبناء المماليك بمصر" أ. هـ.
وفاته: سنة (٨٨٢ هـ) اثنتين وثمانين وثمانمائة.
من مصنفاته: الأعلام: "قال السخاوي: كتب تفسيرًا في عشرين مجلدة، نسخه من مواضع وفيه ما ينتقد، قلت -أي الزركلي- سماه "فتح الرحمن في تفسير القرآن" أ. هـ.
وله "المقالات الفلسفية والترجمانات الصوفية" وغير ذلك.
стр. 2351
٣٢٥٥ - المارِدِينِي *
النحوي، المقرئ: محمّد بن قصير بن عبد الله البغدادي الأصل، المارديني، نجم الدين.
كلام العلماء فيه:
• الدرر: "كان أبوه مملوكًا لبعض التجار واشتغل هو ففاق في النحو والتعريف والمعاني والقراءات والحروف وغير ذلك وصنف في جميع ذلك. كان كثير الهجاء سيء السيرة" أ. هـ.
• الأعلام: "قارئ نحوي خطاط، بغدادي الأصل. من الرقيق اشتراه تاجر في ماردين وتأدب وصنف وجود الخط على ياقوت المستعصمي، وكان هجاء سيء السيرة مع الناس" أ. هـ.
وفاته: سنة (٧٢١ هـ) إحدى وعشرين وسبعمائة.
من مصنفاته: "الدر النضيد في معرفة التجويد"، وله قصيدة على وزن الشاطبية بغير رمز.
٣٢٥٦ - القُرَظِي *
المفسر: محمد بن كعب بن سُليم بن عمرو بن إياس القُرظي المدني، أبو حمزة، وقيل: أبو عبد الله.
من مشايخه: أبو أيوب، وأبو هريرة، وابن عباس وغيرهم.
من تلامذته: أخوه عثمان، وعاصم بن كليب، ومحمد بن رفاعة القُرظي وغيرهم.
كلام العلماء فيه:
• الأنساب: "كان من أفاضل أهل المدينة علمًا وفقهًا، وبها مات" أ. هـ.
• تهذيب الكمال: "وقال عليّ بن المديني وأبو زرعة: ثقة.
وقال العجلي: مدني، تابعي، ثقة، رجل صالح، عالم بالقرآن" أ. هـ.
• السير: "كان من أئمة التفسير.
وقيل إنه كان مجاب الدعوة، كبير القدر" أ. هـ.
• تاريخ الإسلام: "قال ابن سعد: كان محمّد بن كعب ثقة عالمًا كثير الحديث ورعًا من خلفاء الأوس وذكر البخاري أن أباه كعبًا كان ممن لم ينبت يوم قريظة فترك" أ. هـ.
• العبر: "وكان كبير القدر، موصوفًا بالعلم والورع والصلاح. ." أ. هـ.
• تهذيب التهذيب: "وقال يعقوب بن شيبة ولد في آخر خلافة عليّ سنة أربعين ولم يسمع من العباس وجاء عن النبي ﷺ من طرق أنه قال يخرج من أسعد الكاهنين رجل يدرس القرآن دراسة لا يدرسها أحد يكون بعده. قال ربيعة فكنا نقول هو محمّد بن كعب والكاهنان قريظة والنضير وقال عون بن عبد الله ما رأيت أحدًا أعلم بتأويل القرآن منه وقال ابن حبان كان من
стр. 2352
أفاضل أهل المدينة علمًا وفقهًا وكان يقص في المسجد فسقط عليه وعلى أصحابه سقف فمات هو وجماعة معه تحت الهدم سنة ثماني عشرة وأرخه أبو بكر بن أبي شيبة وغير واحد سنة ثمان ومائة.
وقال يعقوب بن شيبة وغيره مات سنة سبع عشرة وهو ابن ثمان وسبعين سنة وقال ابن نمير مات سنة تسع عشرة وقال ابن سعد وغيره مات سنة عشرين وقيل غير ذلك.
قلت: وما تقدم نقله عن قتيبة من أنه ولد في عهد النبي ﷺ لا حقيقة له وإنما الذي ولد في عهده هو أبوه فقد ذكروا أنه كان من سبي قريظة ممن لم يحتلم ولم ينت فخلوا سبيله حكى ذلك البخاري في ترجمة محمد" أ. هـ.
• تقريب التهذيب: "كان قد نزل الكوفة مدة، ثقة عالم" أ. هـ.
وفاته: سنة (١٠٨ هـ)، وقيل: (١١٠ هـ)، وقيل: (١١٧ هـ)، ثمان، وقيل: عشر، وقيل: سبع عشرة ومائة.
٣٢٥٧ - الفِهري *
النحوي، اللغوي: محمّد بن مالك بن يوسف بن مالك الفِهري الشريشي، أبو بكر.
من مشايخه: شريح بن محمّد، وجعفر بن مكي وغيرهما.
من تلامذته: ابن حوط الله وغيره.
كلام العلماء فيه:
• البغية: "قال ابن الزبير: كان نحويًّا لغويًّا أديبًا جليلًا، تفرد في بلده بعلو الرّاية، وكمال الدراية. . وكان معتمدًا في اللغات والأداب" أ. هـ.
وفاته: سنة (٥٧٢ هـ) اثنتين وسبعين وخمسمائة.
٣٢٥٨ - الحَلاوي *
المقرئ: محمّد بن أبي السعود مبارك بن الحسين بن طالب البغدادي، الحربي الحلاويّ، أبو عبد الله.
ولد: سنة (٤٩٤ هـ) أربع وتسعين وأربعمائة.
من مشايخه: أبو الحسين الطيوري، وجعفر بن أحمد السراج وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• السير: "الإمام المقرئ المعمر. . . شيخ معمر عتيق هَرمِ. . . وظهر له قبل موته بأربعين ليلة إجازة أبي الفضل محمّد بن عبد السلام والحسن بن محمّد التككي، وأبي الحسين الطيوري وطائفة. فأكبّ عليه طلبة الحديث يقرؤون عليه بالإجازة وازدحموا عليه" أ. هـ.
• تاريخ الإسلام: "المقرئ، شيخ معمر عتيق، لم يظهر له سماع ولا إجازة" أ. هـ.
وفاته: سنة (٥٨٦ هـ) ست وثمانين وخمسمائة.
стр. 2353
٣٢٥٩ - السَّعانِي *
النحوي: محمّد بن المبارك بن عُثْمَان السعاني (١)، شمس الدين، الحلبي، الرومي الأصل، الحنفي. من قرية يقال لها فترى.
من مشايخه: التاج ابن البرهان، والشيخ شمس الدين بن الأقرب وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• إنباء الغمر: "كان صالحًا خيرًا متعبدًا وهو آخر فقهاء حلب المتعبدين العاملين كثير التلاوة والخير والعبادة والإيثار. وكان مشاركًا في النحو والأصول" أ. هـ.
وفاته: سنة (٨٠٠ هـ) ثمانمائة.
٣٢٦٠ - رُويْس *
المقرئ: محمّد بن المتوكل، أبو عبد الله، اللؤلؤي، رُويس.
من مشايخه: يعقوب الحضرمي وهو من أحذق أصحابه.
من تلامذته: محمّد بن هارون التمار وأبو عبد الله الزُّبيري وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• الوافي: "اتفقوا على صدقه وثقته" أ. هـ.
• غاية النهاية: "مقرئ حاذق ضابط. . قال الأستاذ أبو عبد الله القصاع: كان -يعني رويسًا- مشهورًا جليلًا" أ. هـ.
وفاته: سنة (٢٣٨ هـ) ثمان وثلاثين ومائتين.
٣٢٦١ - الشّعْرَاوي *
المفسر: محمّد متولي الشعراوي.
ولد: سنة (١٣٣٢ هـ) اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وألف.
كلام العلماء فيه:
• قلت: من مجلة "منار الإسلام" نذكر بعض لمقتطفات من حياته:
١. ولد في ١٥ إبريل عام (١٩١١ م) بقرية دوقادوس مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية في جمهورية مصر العربية.
٢. حفظ القرآن الكريم وهو في سن الحادية عشرة.
٣. حصل على العالمية من كلية اللغة العربية في القاهرة عام (١٩٤١ م).
٤. عمل أستاذًا للشريعة بجامعة أم القرى في مكة المكرمة عام (١٩٥٠).
٥. في عام (١٩٦٣ م) وبعد سحب البعثة الأزهرية من السعودية عاد إلى مصر وتولى منصب مدير مكتب شيخ الأزهر.
٦. سافر إلى الجزائر رئيسًا لبعثة الجزائر وعمل في
стр. 2354
التدريس فيها لمدة سبع سنوات واختير وزيرا للأوقاف وشؤون الأزهر في الفترة من (١٩٧٦ - ١٩٧٨).
٧ - عرضت عليه مشيخة الأزهر إلا أنه رفضها وتفرغ لتفسير القرآن الكريم.
٨ - أختير عضوا في عدد من المجامع العلمية وحصل على عدد من الجوائز التقديرية آخرها اختياره الشخصية الإسلامية لعام (١٩٩٧) من قبل جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم كما منحه صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة وساما رفيعا قام معالي وزير العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف محمد بن نخيرة الظاهري بتقليده إياه) أ. هـ.
• قلت: سوف نعتمد في بيان مذهبه الإعتقادي على ما فسره من سور القرآن الكريم من كتاب "تفسير الشعراوي"، سنذكر بعض المواضع منه، حول تأويله للأسماء والصفات، وكيف عرف الإيمان على ما ننقله إلى القاريء الكريم .. والله تعالى المستعان.
قال في قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ... ﴾ [النور: ٣٥] إلى آخر الآية (١/ ١٦٩).
"كأن الله .. يريدنا أن نعرف بتشبيه محس .. أن مثل نوره كمشكاة .. والمشكاة هي (الطاقة) .. وهي فجوة في الحائط بالبيت الريفي .. ونحن نضع المصباح في هذه الطاقة .. إذن المصباح ليس في الحجرة كلها .. ولكن المصباح في زجاجة .. تحفظه من الهواء من كل جانب .. فيكون الضوء أقوى .. صافيا لا دخان فيه .. كما أن الزجاج يعكس الأشعة فيزيد تركيزه .. والزجاجة غير عادية ولكنها: "كوكب دري" .. أي هي مضيئة بذاتها وكأنها كوكب .. ووقودها شجرة مباركة يملؤها النور لا شرقية ولا غربية .. أي يملؤها النور من الوسط ويخرج صافيا .. والزيت مضيء بذاته دون أن تمسه النار .. فهي نور على نور .. أيكون جزء من هذه المشكاة ذات المساحة الصغيرة مظلما؟ .. أم تكون كلها مليئة بالنور القوي؟ .
وهذا ليس نور الله ﵎ عن التشبيه والوصف، ولكنه مثل فقط للتقريب إلى الأذهان .. فكأن نور الله يضيء كل ركن وكل بقعة .. ولا يترك مكانا مظلما .. فهو نور على نور .. "أ. هـ.
وقال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ (١/ ٢٣٣):
"حينما يقول الله ﷻ . استوي .. يجب أن نفهم كل شيء متعلق بذات الله على أنه سبحانه ليس كمثله شيء. فالله استوى والملوك تستوي على عروشها. وأنت تستوي على كرسيك. ولكن لأننا محكومون بقضية "ليس كمثله شيء" لا بد أن نعرف أن استواء الله ليس كمثله شيء والله حي. وأنت حي. هل حياتك كحياته؟ والله يعلم وأنت تعلم هل علمك كعلمه؟ والله يقدر. وأنت تقدر. هل قدرتك كقدرته؟ طبعا لا. فعندما تأتي إلى ﴿استوى﴾ فلا تحاول أن تفهمها أبدا بالمفهوم البشري .. فالله
стр. 2355
سبحانه وتعالى يعلم ما في الأرض وما في السماء. وهو سبحانه يعلم المكان بكل ذراته. والموجودين في هذا المكان أو المكين. بكل ذراته وأنت تعرف ظاهر الأمر .. والله سبحانه ونعالى يعمل غيب السموات والأرض حتى يوم القيامة. وبعد يوم القيامة إذن فهو ﷻ . ليس كمثله شيء. ولا يمكن أن تحيط أنت بعقلك بفعل يتعلق بذات الله . فعقلك قاصر عن أن يدرك ذلك. لذلك قل سبحان الله. ليس كمثله شيء في كل فعل يتصل بذات الله .. "استوى إلى السماء" هذا الكلام هو كلام الله. فالمتحدث هو الله .
بعض الناس يقولون تلقينا القرآن وحفظناه. نقول لهم إن الذي حفظ القرآن هو الله ، وما دام قد حفظ كلامه فهو ﷻ يعلم أن الوجود كله لن يتعارض مع القرآن الكريم .. والله حفظ القرآن ليكون حجة له على الناس. وما دام الله ﷻ هو الخالق. وهو القائل. فلا توجد حقيقة في الكون كله تتصادم مع القرآن الكريم .. واقرأ قوله :
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
وهذا من عظمة الله أن حفظ كلامه ليكون حجة على الناس. والله وجدت صفاته قبل أن توجد متعلقات هذ الصفات، فهو ﷻ ، خلق لأنه خالق، كان صفة الخلق وجدت أولًا، وإلا كيف خلق أول خلقه، إن لم يكن خالقًا؟ ) أ. هـ.
وقال في الاستواء (٩/ ٥٦٩٧):
" ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ بما يليق بذات الله، فلا نأخذ الاستواء على المعنى الذي يدل على مكان محيز؛ لأنه سبحانه منزه عن أن يكون متحيزًا في مكان؛ فذاته سبحانه ليست كالذوات، وفعله ليس كالأفعال، وصفاته ليست كالصفات" أ. هـ.
وقال في قوله تعالى من آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ إلى آخر الآية من سورة البقرة (٢٥٥) (٢/ ١٩٢٠) ما نصه: "و"الحي" هو أول صفة يجب أن تكون لذلك الإله، لأن القدرة بعد الحياة، والعلم بعد الحياة، فكل صفة لا بد أن تأتي بعدها في الذكر وإلا فليست صفة من صفات الله أسبق من صفة ولا متقدمة عليها فكلها قديمة لا أول لها، فلو كان عدمًا فكيف تأتي الصفات على العدم؟ ، وكلمة "حي" عندما نسمعها نقول: ما هو الحيّ؟ . إن الفلاسفة قد احتاروا في تفسيرها، فمنهم من قال: الحيّ هو الذي يكون على صفة تجعله مُدرَكا إن وُجدَ ما يُدرَكْ.
كأن الفيلسوف الذي يقال ذلك: يعني بالحياة حياتنا نحن، وما دوننا كأنه ليس فيه إدراك. ونقول لصاحب هذا الرأي: لا، إن أردت الحياة بالمعنى الواسع الدقيق فلا بد أن تقول: الحياة هي أن يكون الشيء على الصفة التي تبقى صلاحيته لمهمته، هذا هو ما يجب أن يكون عليه التعريف، فـ (الحي": هو الذي يكون على صفة تبقى له صلاحيته لمهمته، مثال ذلك النبات، ما دمت تجده ينمو، إذن ففيه حياة تبقى له صلاحية مهمته، فلو
стр. 2356
قطع لانتهت الصلاحية. ومثل الإنسان عندما يموت تنتهي صلاحيته لمهمته، والعناصر الجامدة عندما تأتي مع بعضها تتفاعل، هذا التفاعل فرع وجود الحياة، لكنها حياة مناسبة لها وليست مثل حياتنا"أ. هـ.
ثم قال في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ﴾ الآية (٢/ ١١٠٢):
"وقوله الحق: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ﴾ نجد أن كلمة "شيء" تعنى أقل القليل.
وقوله سبحانه "من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض، يعلمنا أن الحق فيما يتكلم به عن نفسه ولخلقه فيه نظائر، كالوجود، هو سبحانه موجود وأنت موجود، وكالغني هو غني وأنت غني، كالعلم هو عالم وأنت تكون عالما، فهل نقول: إن الصفة لله كالصفة عندنا؟ لا، كذلك كل ما يرد بالنسبة للغيب فيما يتعلق بالملّه إضافة أو وصفا؛ لا تأخذها بالمناسب عندك؛ بل خذها في إطار "ليس كمثله شيء".
فإذا قيل لله يد، قل: هو له يد كما أن له وجودا؛ وبما أن وجوده ليس كوجودي فيده ليست كيدي بل أفهمها في إطار "ليس كمثله شيء"، فإذا قال: "وسع كرسيه"، نقول: هو قال هذا، وما دام قال هذا فسنأخذ هذه الكلمة في إطار "ليس كمثله شيء". فلا تقل له كرسي وسيقعد عليه مثلنا، لا. لقد وجدنا من قال أين يوجد الله؟ ! ! متى وجد؟ ! ! وقلنا ونقول: "متى" و"أين" لا تأتي بالنسبة لله، إنها تأتي بالنسبة لكم أنتم، لماذا؟ لأن "متى" زمان و "أين" مكان. والزمان والمكان ظرفان للحدث، فالشيء الحادث هو الذي له زمان ومكان، مثال ذلك أن أقول: "أنا شربت" وما دام قد حدث الشرب فيكون له زمان ومكان، لكن هب أنني لم أشرب، أيكون هناك زمان أو مكان؟ ! لا، فما دام الله ليس حدثا فليس متعلقا به زمان أو مكان، لأن الزمان والمكان نشآ عندما خلق الله وأحدث هذا الكون، فلا تقل: "متى" لأن "متى" خلقت به، ولا تقل "أين" لأن أين خلقت به ولأن"متى" و "أين" ظرفان؛ هذه للزمان، وهذه للمكان، والزمان والمكان فرعا الحدث، وعندما يوجد حدث فقل زمان ومكان.
إذن فما دام الله ليس حدثًا، فإياك أن تقول فيه متى، وإياك أن تقول فيه أين، لأن "متى" و "أين" وليدة الحدث، وقوله الحق: "وسع كرسيه" نأخذه -كما قلنا- في إطار "ليس كمثله شيء"، الكرسي: في اللغة الكِرس. والكِرسُ هو: التجميع، ومنه الكراسة وهي عدة أوراق مجمعة، وكلمة "كرسي" استعملت في اللغة بمعنى الأساس الذي يبنى عليه الشيء، فمادة "الكرسي" "الكاف والراء والسين" تدل على التجميع وتدل على الأساس الذي تثبت عليه الأشياء، فنقول: اصنع لهذا الجدار كرسيًا، أي ضع لهذا الجدار أساسًا يقوم عليه، ونطلق أيضًا على القوم العلماء الذين يقوم بهم الأمر فيما يشكل من الأحداث، والشاعر العربي قال: "كراسي في الأحداث حين تنوب" أي يُعتمد عليهم في الأمور الجسيمة.
وحين ينسب شيء من ذلك للحق . فإن السلف لهم فيها كلام والخلف لهم فيها كلام، والسلف يقولون: كما قال الله نأخذها
стр. 2357
ولكن نضع كيفيتها وتصورها في إطار "ليس كمثله شيء"، وبعضهم قال: نؤولها بما يثبت لها صفة من الصفات، كما ثبتون قدرة الحق بقوله الحكيم.
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠].
أي أن قدرة الله فوق قدرتهم، وكما قال سبحانه وعن قدرته في الخلق:
﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧].
إن كمال قدرة الله أحكمت خلق السماء، والحق سبحانه مقدس ومنزه عن أن يتصور المخلوق كلمة "يد" بالنسبة لله، ونحن نقول: الله قال ذلك، ونأخذها من الله؛ لأنه أعلم بذاته وبنفسه، ونحيلها إلى ألا يكون له شبيه أو نظير، كما أثبتنا لله كثيرًا من الصفات، في خلق الله مثلها ومع ذلك نقول: علمه لا كعلمنا، وبصره لا كبصرنا، فلماذا يكون كرسيه مثل كرسينا؟ . فتكون في إطار "ليس كمثله شيء".
والعلماء قالوا عن الكرسي: إنه ما يعتمد عليه، فهل المقصود علمه؟ . نعم. وهل المقصود سلطانه وقدرته؟ . نعم، لأن كلمة "كرسي" توحي بالجلوس فوقه، والانسان لا يجلس عن قيام إلا إذا استتب له الأمر، ولذلك يسمونه "كرسي الملك"، لأن الأمر الذي يحتاج إلى قيام وحركة لا يجعلك تجلس على الكرسي، فعندما تقعد على الكرسي، فمعنى ذلك أنا لأمر قد استتب، إذن فهو بالنسبة لله السطان، والقهر، والغلبة، والقدرة.
أو نقول: ما دام قال: "وسع كرسيه السموات والأرض، فوسع الشيء أي: دخل في وسعه واحتماله."والسموات والأرض" نحن نفهمها أنها كائنات كبيرة بالنسبة لنا، إنه سبحانه يقول: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧].
وقال في (٢/ ١١٠٦) أيضًا:
"إن الحق يقول: "وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما"، ومعنى آده الشيء، أي أثقله، وحتى نفهم ذلك هب أن إنسانًا يستطيع أن يحمل عشرة كيلوجرامات، فإن زدنا هذا الحمل إلى عشرين من الكيلوجرامات فإن الحمل يثقل عليه، ويجعل عموده الفقري معوجًا حتى يستطيع أن يقاوم الثقل، فإن زدنا الحمل أكثر فقد يقع الرجل على الأرض من فرط زيادة الوزن الثقيل".
ثم قال عن آية الكرسي:
"هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها نعرفها بآية الكرسي؛ لأن كلمة "الكرسي" هي الظاهرة، فيها وكلمة "الكرسي" فيها: تعني السلطان والقهر والقدرة والملكية وكلها مأخوذة من صفات الحق جل وعلا".
وقال في الإيمان عند تفسير الآية: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ الآية [البقرة: ٢٦٠] (٢/ ١١٣٩):
"إن إبراهيم ﵇ يسأل: كيف تُحيي الموتى؟ أي أنه يطلب الحال التي تقع عليها عملية الإحياء، فإبراهيم ﵇ لا يتكلم في
стр. 2358
الإحياء، وإنما كان شكه ﵇ في أن الله سبحانه قد لا يستجيب لطلبه في أن يريه ويطلعه على كيفية إحياء الموتى؟ ولنضرب هذا المثل -ولله المثل الأعلى من قبل ومن بعد- والمثل لتقريب المسألة من العقول؛ لأن الله منزه عن أبي تشبيه.
إن الواحد منا يقول للمهندس: كيف بنيت هذا البيت؟ إن صاحب السؤال يشير إلى حدث وإلى محدث وهو البيت الذي تم بناؤه، فهل معرفة الكيفية تدخل في عقيدة الإيمان؟ لا.
ولنعلم أولًا ما معنى: عقيدة؟ . إن العقيدة هي: أمر معقود، وإذا كان هذا فكيف يقول: "ليطمئن قلي"؟ فهل هذا دليل على أن إبراهيم قبل السؤال، وقبل أن يجاب إليه، لم يكن قلبه مطمئنًا؟ لا، لقد كان إبراهيم مؤمنًا، ولكنه يريد أن يزداد اطمئنانًا؛ لأنه أدار بفكره الكيفية التي تكون عليها عملية الإحياء، لكنه لا يعرف على أية صورة تكون" أ. هـ.
قال في قول سحرة فرعون عندما شاهدوا معجزة موسى ﵇ وحقيقتها وإيمانهم بالله تعالى بعدها: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢١] (٧/ ٤٣٠١).
وهل هم سجدوا بعد الإيمان؟ أم آمنوا بعد السجود؟ النص هنا يظهر منه أنهم آمنوا بعد السجود، ولكن كان الأمر يقتضي إلا يسجد أحد إلا لأنه آمن، لكن نحن نعرف أن الإيمان عمل قلبي، والسجود عمل عضلي وسلوك عملي، فكل منهم آمن بقلبه فسجد.
وهناك فرق بين أن يؤمنوا فيسجدوا ثم يعلنوا إيمانهم، فيقولو: آمنا برب العالمين؛ لذلك نحن لا نرتب السجود على إيمان، بل نرتب السجود مع القول بالإيمان وبإعلان الإيمان؛ لأن إعلان الإيمان شيء، والإيمان شيء آخر، فكأنهم آمنوا فخروا ساجدين وبعد هذا قاموا بإعلان الإيمان، وكأن الناس سألوهم: ما الذي جرى لكم؟ فقالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾.
إذن فمن يحاول أن يستدرك على النص فعليه أن ينتبه إلى أن إخبارهم عن الإيمان يعني وجود الإيمان اولًا، والسحرة قد آمنوا فسجدوا، فاستغرب منهم الناس هذا السجود، وهنا قال السحرة: لا تستغربوا ولا تتعجبوا فنحن قد آمنا برب العالمين"أ. هـ.
ثم نذكر ما قال الشيخ الشعراوي في صفة اليد عند قوله تعالى: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ الآية [المائدة: ٦٤]، (٦/ ٣٢٦١).
"ونعرف أن اليد جارحة حرة الحركة تنفعل يمينًا وننفعل شمالًا وتنفعل إلى أسفل والى أعلى، ولها من الأصابع ما جعل الله لكل أصبع مع زميله مهمة، وليلاحظ كل منا أصابعه في أثناء أي عمل، سيجدها تتاعد وتتقارب بحركة إرادية منسجمة لتؤدي المهمة، وخلفة الأصابع بالمفاصل والعُقَل وحجم كل عُقلة يختلف عن الأخرى، لتؤدي المهمة بانسجام، وساعة تعوّق هذه الجارحة عن أداء مهمتها فأنت بذلك تكون قد غللتها، أي ربطتها عن التصرف المطلوب منها.
ومعنى قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أي أن يد الله -والعياذ بالله- مشلولة الحركة.
وقد قالوا ذلك قبل ظهور سيدنا رسول الله ﷺ -
стр. 2359
وقبل زحف الإسلام عليهم لينقض باطلهم.
وحدث أن تفرغوا لصناعة آلات الحرب وبناء الحصون والزراعة، وانشغلوا عن الزراعة فخابت محاصيلهم وجاء وقت الحصاد فلم يجدوا، فقال "فنحاص" وهو واحد من اليهود لماذا قبض الله يده عنا؟ إن يد الله مغلولة، ونلحظ أن الذي قال ذلك هو شخص واحد، ولكن الحق يقول هنا: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، ومعنى ذلك أن "فنحاص" عندما قال ذلك سمعوه وسرّهم ما قال، ووافقوه عليها.
أو أنهم حينما شاهدا رسول الله ﷺ في أول الهجرة وقد آخى بين المهاجرين والأنصار، وكانت تمر على المسلمين الليالي دون طعام فيراهم اليهود فيتندرون على تلك الحال ويقولون: إن يد الله مغلولة عن محمّد وآله.
أو أنهم قالوا: إن يد الله مغلولة في الآخرة عن عقابنا؛ لأنه سيعاقبنا أيامًا معدودة. والذي يبيح لنفسه أن يجعل الله منفعلًا لأحداث خلقه إنما يكفر بالله، لأنه ينزل الله من مكانته، فإذا كانت يد الله مغلولة، فهذا الرباط والغَلُّ والمنع يكون من خلق الله، وكيف يقدر خلق من خلق الله أن يربط يد الله؟ . لقد اجترأوا على مقام الألوهية وهذا من سوء الأدب، تمامًا كما قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١].
وحينما قالوا: "يد الله مغلولة" وردّ الحق عليهم: "بل يداه مبسوطتان" وقال قبلها: "غلت أيديهم" فهل يدعو الحق عليهم؟ طبعًا لا؛ لأنه هو المصدر الذي يتجه إليه الخلق بالدعاء وهو القادر على كل الخلق، ولكن الحق حين روى ما قالوه إنما ينبه الذهن الإيماني الذي يستقبل كلامه أنه ساعة يجد وصفًا لا يناسب الله فعليه أن يدفع هذا الكلام حتى قبل أن يرى الرد عليهم.
﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيدِيهِمْ﴾ وهذا يعلمنا أننا إذا سمعنا وصفًا لا يليق فلا بد أن ندحضه، لأن الحق لا يدعو على عبيده، لأن الدعاء هو أن يرفع عاجز طلبه إلى قادر لينفذ المطلوب له.
إذن فإن قالها الحق فهي إما أن تكون خبرًا، وإما تعليمًا لنا، فإذا كانت خبرًا نلحظ أن الله كتب عليهم البخل ساعة قالوا هذا ومنذ لحظة هذا القول، وإن كان القصد هو تعليمنا، فنحن نتعلم الأدب الإيماني، ونرد أي وصف لا يليق بحلال الله".
ثم قال: "ويتابع سبحانه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيفَ يَشَاءُ﴾، وهو يعطي من يريد، وكلمة "اليد" في اللغة تطلق على الجارحة وتطلق على النعمة، فيقول الرجل: إن لفلان عليّ يدًا لا أنساها، أي أنه قدم جميلًا لا يُنسى. واستعملت اليد بهذا المعنى لأن جميع التناولات تكون باليد، وتُطلق اليد ويراد بها الملكية فيقول سبحانه: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٧].
أي الذي يملك أن ينُكح المرأة، وهو الذي يعفو، وفي القتال نجد القول الحكيم: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيدِيكُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٤].
أو تطلق اليد على من له ولاية في عمل من الأعمال، لذلك نجد الحق قد قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ الآية [ص: ٧٥].
стр. 2360
وآدم هو الخلق الأول وكلنا من بعده مخلوقون بالتناسل من الزوجية، وقد كرّم الله الإنسان بأنه خلقه بيديه، وخلق كل شيء بـ"كن"، إذن: كلمة "اليد" تطلق على معان متعددة، والرسول يقول: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم" (١).
أي عندما تجتمع الأيدي تكون هي اليد القادرة، وعندما نقرأ كلمة "يد الله" فهل نحصرها في نعمته أو ملكه؟ .
﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١].
والله أعلم بذاته فلنقف عند الوصف، نعم له يد، وله يدان، وإياك أن تتصور أن كل ما يتعلق بالله مثل ما يتعلق بك؛ لأن الأصل أن لك وجودًا الآن، ولله وجود، لكن وجودك غير وجود الله، وكذلك يده ليست كيَدِكَ، حتى لا نشبه ونقول: إن له يدًا مثل أيدينا، فلنقل إن المراد باليد هو القدرة أو النعمة، والهدف الراقي هو تنزيه الحق، وهناك من يقول: إن لله يدًا ولكن ليست كأيدينا لأننا نأخذ كل ما يأتي وصفًا لله على أنه "ليس كمثله شيء" والتأويل ممكن. مثلما بيّن الحق: أنه قد صنع موسى على عينيه.
وتأخذ أي مسألة تتعلق بوصف الله إما كما جاءت، بأن له يدًا ولكن ليست كالأيدي، وله وجود لا كالوجود البشري، وله عين ليست كالأعين، ولكن كل وصف لله نأخذه في إطار "ليس كمثله شيء"، وإما أن نأخذ الوصف بالتأويل، ويراد بها النعمة ويراد بها القدرة، ويقول الحق: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ والمراد هنا هو "النعمة" ولم يكتف سبحانه بأن يرد بأن له يدًا واحدة تعطى: لا، بل يرد بما هو أقوى مما يمكن، فهو يعطي بيديه الاثنتين، وهو القائل:
﴿وَأَسْبَغَ عَلَيكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ من الآية [لقمان: ٢٠].
إنه يُعطي الظاهر ويعطي الباطن، وإياك أن تقول تلك اليد اليمني وتلك اليد اليسرى؛ لأن كلتا يدي الله يمين. ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيفَ يَشَاءُ﴾ أي أنه سبحانه لا يمكن أن يكون بخيلًا، حتى وإن منع الحق فذلك منح وعطاء وإنفاق؛ لأن الذي يطغى بنعمة، قد يذهب به الطغيان إلى بلاء وسوء مصير؛ لذلك يقبض سبحانه عنه النعمة ليعطيه الأمن من أن ينحرف بالنعمة، ولذلك نجد القول الحق في سورة الفجر: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: ١٥ - ١٦] أ. هـ.
ثم يقول الشعراوي: "بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء" إذن فكله إنفاق. وسبحانه ينفق كيف يشاء، فلا يبخل أبدًا حتى وإن منع، فالمنع في موضعه الصحيح هو عين الإنفاق، وهكذا يكون عطاء الله عطاء النعمة ظاهرة كانت أو باطنة فإن أردت بـ "اليد" القدرة فيدا الله مبسوطتان بالثواب لقوم وبالعقاب لقوم آخرين، وهو يعطي لحضرة النبي ﷺ المناعة الإيمانية ضد كل
стр. 2361
متمرد عليه، أو ضد كل متأبٍ ومستكبر من الكافرين أو من أهل الكتاب" أ. هـ.
وقال الشيخ الشعراوي في صفة الكلام عند كلام الله تعالى لموسى ﵇ (٧/ ٤٣٤٠) ما نصه:
"وقوله سبحانه: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ هو قول يدل على أن كلامًا حصل من الله لموسى فكيف يحدث ذلك وسبحانه قد قال في مسألة الكلام بالنسبة للبشر كلامًا عامًا:
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١].
وفي هذا نفي أن يكلم الله البشر، إلا بالوسائل الثلاث: الوحي أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا، والوحي النسبة للأنبياء يكون بإلقاء المعنى في قلب النبي دفعه، مع العلم اليقيني بأن ذلك من الله ، وقد يراد بالوحي الإلهامات، مثل الوحي إلى أم موسى، والوحي إلى الحواريين، وكذلك إلى الملائكة، وقد يراد بالوحي: التسخير؛ كالوحي للأرض، والنحل.
وبعد ذلك: "أو من وراء حجاب" أي أن يسمع كلامًا ولا يرى متكلمًا، "أو يرسل رسولًا" هو جبريل ﵇، والقرآن لم ينزل إلا بطريقة واحدة، بواسطة نزول جبريل ﵇ على - سيدنا رسول الله ﷺ . فما نزل القرآن بالالهام، وما نزل القرآن من وراء حجاب بل نزل بواسطة رسول من الله وهو جبريل وله علامات.
وهنا في كلام موسى نقول إن الكلام وقع فيه من وراء حجاب وهنا نمسك عن الخوض فيما وراء ذلك لأنه غيب لم يكشف لنا عنه ونترك الأمر فيه لله.
وقد سبق أن قلنا: إن صفات الله لا يوجد مثلها في البشر، فليس وجود الإنسان كوجود الله، وليس غنى الإنسان كغنى الله، وكذلك لن يكون أبدًا كلامك ككلام الله، لأن كل شيء يخص الله إنما نأخذه في إطار "ليس كمثله شيء" وقد بين الحق أن كلامه لموسى تميز لموسى، ولذلك يقول الحق: ﴿إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤].
ويجب أن ناخذ كل وصف يوجد في البشر، ويوجد مثله، في وصف الله مثل "استوى"، و "جلس" و"وجها، و"يد" نأخذ كل ذلك في إطار "ليس كمثله شيء".
﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَال رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].
وحينما خص الله موسى بميزة أن تكلم إليه، حصل من موسى استشراق اصطفائي، وكأنه قال لنفسه: ما دام قد كلمني فقد أقدر أن أراه، لأن استطابة الأنس تمد للنفس سبل الأمل في الامتداد في الأشياء مثلما قال موسى من قبل ردًّا على سؤال الله: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧)﴾ [طه: ١٧].
كان الجواب يكفي أن يقول: "عصا" لكنه قال: ﴿قَال هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ الآية [طه: ١٨].
قال ذلك على الرغم من أن الحق لم يسأله: ماذا تفعل بها؟ وأراد بالكلام أن يطيل الأنس بربه، وكأنه عرف أنه من غير اللائق أن يكون الجواب
стр. 2362
مجرد كلمة ردًّا على سؤال، ولله المثل الأعلى- نجد الإنسان منا حين يرى طفلًا صغيرًا يداعبه ويطيل الكلام معه إيناسًا له، وحين وجد موسى أن الله يكلمه استشرقت نفسه أن يراه: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَال رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].
لم يقل موسى: أرني ذاتك، بل قال: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيكَ﴾ كأنه يعلم أنه بطبيعة تكوينه يعرف أنه لا يمكن أن يرى الله، لكن إن أراه الله، فهذا أمر بمشيئة الحق، وقدم موسى الطلب معلقًا بمشيئة الله وإرادته، لأنه يعلم أنه غير معد لاستقبال رؤية الله، لأن تكوينه لا يقوى على ذلك، وحتى في الوحي والكلام لم يكلم ربنا الناس مباشرة، بل لا بد أن يصطفي من الملائكة رسلًا، ثم تكون مرحلة ثانية أن يصطفي من البشر رسلًا، ويبلغ الرسل الناس كلام الله، لأن الصفات الكمالية العليا الخالقة لا يمكن أن يستوعبها المخلوق".
ثم بعدها قال في الرؤية:
"كذلك الرؤية وسيظهر ذلك لنا حينما يعطي الله الدليل على أنه خلقكم لا على هيئة أن تروه الآن، ولكن حين تبرزون في الآخرة وتعدون إعدادًا آخر، فمن الممكن أن تنالوا شرف رؤيته: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.
ولا يستوي الناس في ذلك؛ لأن المؤمن هو من ينال شرف النظر إلى الله، أما الكافر فهو محجوب عن رؤية الحق، يقول تعالى في شأن الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فلا يستوي المؤمن والكافر في هذه الحالة، فما دام الكافر محجوبًا فالمؤمن غير محجوب ويرى ربه، وقال موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيكَ﴾. قال الحق: ﴿قَال لَن تَرَانِي﴾.
وفي اللغة نجد أن "لن" تأتي تأبيدية، أي تؤيد المستقبل أي لا يحدث ولا يتحقق ما بعدها. فهل معنى ذلك أن قول الحق: ﴿لَن تَرَانِي﴾ أن موسى لن يرى الله في الدنيا ولا في الآخرة؟ . ونقول: ومن قال إن زمن الآخرة هو زمن الدنيا؟ إن هذه لها زمن وتلك لها زمن آخر:
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨].
إذن فزمن الآخرة وإعادة الخلق فيها سيكون أمرًا آخر، يكفي أن أهل الجنة سيأكلون ولن تكون لهم فضلات، إنه خلق جديد. إن مجيء "لن" في قوله الحق: ﴿لَن تَرَانِي﴾ تأبيدها إضافي، أي بالنسبة للدنيا، وفيها تعليل لعدم قدرة موسى على الرؤية، وأضاف سبحانه: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣].
وسبحانه هنا يعلل لموسى بعملية واقعية فأوضح: لن تراني ولكن حتى أطمئنك أنك مخلوق بصورة لا تمكنك من رؤيتي انظر إلى الجبل، والجبل مفروض فيه الصلابة، والقوة، والثابت، والتماسك؛ فإن استقر مكانه، يمكنك أن تراني إن الجبل بحكم الواقع، وبحكم العقل، وبحكم المنطق أقوى من الإنسان، وأصلب منه وأشد، ولما تجلى ربه للجبل اندك، والدك هو الضغط على شيء من أعلى ليسوى بشيء أسفل منه، والحق هو القائل: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ
стр. 2363
دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١].
وهنا في موقف موسى وحواره مع الله يتأكد لنا أن الله تجلى على خلق من خلقه، ولكن أيقدر المتجلي عليه على هذا التجلي أم لا يقدر؟ إن أقدره الله فهو يقدر، أما إن لم يقدره الله فلن يقدر. والجبل هو الأصلب، فلما تجلى له ربه اندك، إذن فمن الممكن أن يتجلى الله على بعض خلقه، ولكن المهم أيقوى المستقبل للتجلي أو لا يقوى؟ ولم تقو طبيعة موسى على التجلي لله بدليل أن الأقوى منه لم يقو".
ثم قال في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَال سُبْحَانَكَ﴾ "وساعة تسمع كلمة سبحانك" أعرف أنه يراد بها التنزيه لله من الحدث الذي نحن بصدده وهو رؤيته -تعالى- أي تنزيهًا لك يا رب أن يراك مخلوقك، لأن الرؤية قدرة بصر على مرئي، ومعنى: "رأيت الشيء، أي أن عين البشر قد قدرت على الشيء، ولو أننا نحن المخلوقين رأينا الله بقانون الضوء، فهذا يعني أن أبصارنا تقدر على ربنا وهذا لا يمكن أبدًا، لأن المقدور لا ينقلب قادرًا، والقادر لا ينقلب مقدورًا.
﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَال سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].
وتوبة موسى هنا من أنه سأل الله ما ليس له به علم، ولأنه لم يقف عند التجليات المخالفة لنواميس الكون، وأن ربنا قد أعطاه بدون أن يسأل، لقد كلمه الله، فلماذا يصعد المسألة ويطلب الرؤية؟ ولماذا لم يترك الأمور للفيوضات التي يعطيها الله له ويتنعم بفيض جود لا ببذل مجهود؟ .
ويقرر موسى ويقول: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي بأن ذاتك -سبحانك- لا يقدر مخلوق أن يراها ويدركها. لقد شعر موسى ببعض من انكسار الخاطر لأنه طمح إلى ما يفوق استطاعته وقال: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وكأنه قد فهم ما أوضحه الحق له: لا تلتفت إلى ما منعتك" أهـ.
• قلت: وبعد الذي ذكرنا مقاطع من تفسيره، ومنهجه فيه الميل إلى العقل أكبر من النقل، وهذا واضح جدًّا، حتى إننا قرأنا أو سمعنا من خلال بعض محاضراته من خلال الأجهزة السمعية، فهذا من أهم الأمور التي يمكن ملاحظتها في تفسيره فهو يفتقد إلى الأحاديث والآثارة وأقوال المفسرين والترجيح على أساس الدليل الصحيح: إذا وجد، ولكن هو يؤثر علم الكلام والاستطراد به أكثر من مما ذكرت من أصول وعلوم التفسير ويعطي قدرة الشيخ الشعراوي الأدبية من لغة أو نحو وعلم الكلام وأصوله وهو يميل إلى المذهب الأشعري كما نلاحظ في قوله بالإيمان عن سحرة فرعون، أو قول النبي الكريم إبراهيم ﵇ حول رؤيته لقدرة الله تعالى في إعادة خلق المخلوق أمامه، وما ذكرنا من بعض الصفات لله سبحانه.
ومن المعلوم أن المدارس الشرعية الإسلامية، وطلابها وعلمائها في القرون المتأخرة هذه وخاصة الأزهر فمذهبهم المشهور عندهم الشافعي، وأصول اعتقادهم على المذهب الأشعري عمومًا، والمعروف أن المعتقد الأشعري
стр. 2364
يكاد يكون ملاصقًا للمذهب الشافعي، بعد أن ظهر أبو الحسن الأشعري ... والله أعلم.
ولعل -كما نقلناه سابقًا- علماء ومشايخ القرن الحالي والذي قبله قد تخبطوا في مذاهب وفرق المسلمين من ماتريدية أو أشعرية أو تشيع وحتى يصل الأمر إلى أقوال المعتزلة وأصولهم وتبنيها، وقول الخوارج وغيرهم، قد جعل الحيرة في معتقدات هؤلاء إلا القليل منهم من الذين كانوا على منهج السلف الصالح باتباع الكتاب والسنة.
نقول: ولتوجه الشيخ الشعراوي في اعتماده على علم الكلام في التفسير، جعله عرضة إلى النقد العلمي، أو التنقص من شخصه، كما في بعض كتب الرد ككتاب "اللهيب الشاوي في تأديب الشيخ الشعراوي" (١) وكتاب "إقامة الحجة والبرهان على من زعم أن الله في كل مكان وفسر برأيه القرآن" (٢)، فمثلًا من الكتاب الأخير سوف نذكر موضعًا يدل على الرد غير الدقيق على الشيخ الشعراوي وقد يصل إلى مستوى الاتهام بالانحراف والكفر، ولعل الخطأ يكون في الناقد نفسه، ومن المؤسف أن السباب والشتم طاغية على مثل هذين الردين، وهذا منهج مردود عليهم وعلى من ينهج منهجهم في الرد غير العلمي والأخلاقي.
قلت: قال عبد الكريم بن صالح الحميد في كلامه على السحر كما ذكره الشيخ الشعراوي في تفسيره لآية سجود سحرة فرعون (ص ٢١): "في كلامه -أي الشعراوي- على سجود السحرة: فلما رأوا معجزة موسى كانوا أقدر الناس على فهمها والسجود لها.
الجواب -أي لعبد الكريم-: السجود للمعجزة كفر، والسحرة إنما سجدوا لله .. ) إلى آخر كلامه قلت: ولو تمحص أكثر لأنصف الشعراوي وقوله الكامل في تفسيره لهذه الآية قال الشعراوي (٧/ ٤١٠٠) لقوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦)﴾ [الشعراء: ٤٦]:
"ولم يقل الحق: وسجد السحرة، ولكنه قال: "وألقي" مما يدل على أن خرورهم للسجود ليس برأيهم، ولكنه عملية انبهارية مما حصل أمامهم، كان شيئًا آخر ألقاهم ساجدين، وهو الانبهار بالحق، فالساحر منهم كان يعتقد أنه هو الذي يسحر، ثم يفاجأ مجموعة السحرة أن موسى حين ألقى عصاه رأوها حية بالفعل فعرفوا أن المسألة ليست سحرًا" أ. هـ. قول الشعراوي.
إذن هو لم يقصد سجود السحرة لعين السحر، وإنما انبهارهم من بالحق وقدرة الله تعالى التي جعلها على يد موسى ﵇، وكذا ذكر عبد الكريم بن صالح الحميد عن الشعراوي: أنه أعطى لإبراهيم القدرة على الخلق حينما طلب منه أن يأتي بالطير ويقطعها .. كما في (ص ٢٤) من كتاب "البرهان" وهذا أيضًا مردود على عبد الكريم دعواه ضد الشيخ الشعراوي وقد ذكرنا نص ذلك آنفًا، وإنما هو فيه يجعل الإيمان
стр. 2365
هو التصديق وما طلبه إبراهيم ﵇ اطمئنان لإيمانه وهو أمر تكميل، وهذا هو قول الأشعرية فهو يميل إليه وأيضًا في إيمان السحرة، وليس كما ادعاه صاحب"البرهان" وهو في ذلك قد تعدى، ولم يذكر خطأ الشيخ الشعراوي في منهج الإيمان، وإنما جعلها على غير منحاها الصحيح.
ولهذا وغيره لم نذكر ردود مثل هذه الكتب؛ لفقدان المنهج العلمي، وجعل التنقص من شخص العالم أو الشيخ كالشعراوي وغيره أصلًا إلى جانب الضعف في إيراد النصوص التي أخطأ فيها ذلك المردود عليه، وجعلها ضمن ما يراه صاحب الرد لا على أصول العلم وضوابطه.
إذن مما نقلناه سابقًا من تفسير الشيخ الشعراوي لآيات القرآن الكريم يتضح معتقده على مذهب الأشاعرة وعلم الكلام والفلسفة والقول بالرأي في بعضه واعتماده على العقل دون النقل، وهناك بعض الآيات تدلّ على تصوفه ومن الجدير بالملاحظة أنه رغم قوله في بعض آيات الصفات عند تفسيره لها: بأن يذكر الأمثلة المعاصرة وغيرها بدون تأويل ولا تشبيه ولكن هو في بعضها يؤول ويشبه في غير موضع التأويل والتشبيه، رغم تنزيهه لذلك قبل قوله، وذكره قول الله تعالى ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ ولكنه يؤول ولعل ما ذكرناه يكفي لتوجيه القول، وفي تفسيره الكثير مما ذكرنا آنفًا، فإلى الاستزادة فليراجع ..
والله الموفق لخير السبيل وهو أعلم بالصواب.
وفاته: سنة (١٤١٩ هـ) تسع عشرة وأربعمائة وألف.
من مصنفاته: له "تفسير القرآن".
٣٢٦٢ - التُّرمُسِي *
المقرئ: محمد بن محفوظ بن عبد الله بن عبد المنان الترمسي.
من مشايخه: أبو بكر بن محمّد شطا المكي، ومحمد أمين بن أحمد المدني وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• الأعلام: "فقيه شافعي، من القراء، له إشتغال بالحديث" أ. هـ.
• قلت: في افتتاحية مقدمة كتابه (منهج ذوي النظر) سأل الله بجاه نبيه ﷺ حيث قال: "وأسأل الله الكريم، بجاه النبي الرؤوف الرحيم، أن يوفقني لإتمام مع الصواب وأن يجعله خالصًا لوجهه، ونافعًا لأولي الألباب أمين".
قلت: وأنه عند شرحه للبيت:
لله حمدي وإليه أستند ... وما ينوبُ فعليه أعتمد
قال: وإليه لا إلى غيره (أستند) في إتمامها فإنه لا يخيب من أستند إليه وما ينوبني: أي يصيبني فعليه وحده أعتمد فإنه لا يرد من إعتمد عليه .. " أ. هـ.
وهذا كلامه ينافي ما بدأ به من الإستغاثة والإستعانة بالنبي ﷺ في بدأ كلام؛ لأجل إتمامه شرحه في كتابه هذا، وذلك تخبط الصوفية ومنهجهم في الإستغاثة والإستعانة بغير الله تعالى
стр. 2366
والله أعلم.
وفاته: بعد سنة (١٣٢٩ هـ) تسع وعشرين وثلاثمائة وألف.
من مصنفاته: "تعميم المنافع بقراءة الإمام نافع"، و"منهج ذوي النظر في شرح منظومة علم الأثر للسيوطي".
٣٢٦٣ - الرَّحْمانِي *
المقرئ: محمّد بن محمّد بن أحمد بن عبد الله الرحماني المراكشي.
من مشايخه: الأستاذ أبو عبد الله سيدي محمّد بن محمّد بن سليمان البوعناني، والأستاذ أبو عبد الله بن القاضي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• أعلام مراكش: "الشيخ الإمام الفقيه العلامة الأكبر الفهامة" أ. هـ.
من مصنفاته: له منظومة في القراءات خصوصًا قراءة ابن كثير "الهدية المرضية لطلب القراءات المكية"، وله "تكميل المنافع في قراءة الطرق العشرة المروية عن نافع" وقد كتبت في (٧ محرم) سنة (١٢٦٠ هـ) من خط المؤلف.
٣٢٦٤ - ابن عبد الغفور *
النحوي، اللغوي، المقرء: محمّد بن محمّد بن عبد الغفور بن غالب بن عبد الرحمن بن عبد الغفور بن عبيد الله بن تاجة القضاعي الكلبي الضراري الأندلسي الأوبني، أبو بكر، يعرف بابن عبد الغفور.
ولد: سنة (٦٢٧ هـ) سبع وعشرين وستمائة.
من مشايخه: محمّد بن خلفون، وأبو العباس بن النيّار وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• البغية: "النحوي اللغوي الفقيه الأصولي، الإمام الفاضل الكامل ... ذكره التجيبي في رحلته وقال: إمام نبيل وشيخ جليل مقدم في القراءات عارف بالأصلين متكلم ماهر، حاذق بالعربية ذاكرًا للغة موصوف بالدين وعنده انقباض عن النّاس وبُعد عن خلطتهم والدراية أغلب عليه من الرواية ومع ذلك تفرد ببعض مسموعاته وهو عسر التسميع جدًّا" أ. هـ.
٣٢٦٥ - ابن ظهيرة *
النحوي، اللغوي: محمّد بن محمّد بن محمّد بن محمّد خير الدين أو قطب الدين، أبو الخير بن الجمال أبي السعود بن أبي البركات بن أبي السعر القرشي الشافعي.
ولد: سنة (٨٤٦ هـ) ست وأربعين وثمانماثة.
من مشايخه: والده، والجوجري وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• معجم المؤلفين: "فقيه، نحوي، ناظم، ناثر" أ. هـ.
من مصنفاته: شرح الجرمية وسماها "رشف الشرابات السنية من مزج ألفاظ الآجرومية"،
стр. 2367
و"لامية الأفعال" لابن مالك، وأكمل شرح التسهيل لخاله.
٣٢٦٦ - ابن خيرُون *
المقرئ: محمّد بن محمّد (وقيل ابن عمر) ابن خيرون، أبو عبد الله المعافري الأندلسي.
من مشايخه: أبو بكر عبد الله بن مالك بن يوسف، وإسماعيل بن عبد الله النحاس وغيرهما.
من تلامذته: أبو جعفر بن أبي بكر، وأبو بكر الهواري المعلم وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• تكملة الصلة: "وكان إمامًا في قراءة نافع رواية عُثمَان بن سعيد، ثقة مأمونًا، قدم القيروان واستوطنها في مسجده المنسوب إليه بالزيادية وكان يأخذ أخذًا شديدًا على مذهب المشيخة من أصحاب ورش .. وذكره ابن الفرضي محمد (١) بن محمّد بن خيرون وكناه أبا جعفر وسماه في الغرباء وحكى ما حكاه أبو عمرو في وفاة هذا وغير ذلك، ولا أدري من المصيب منهما وذكره أيضًا عتيق بن خلف القيرواني في كتاب "الإفتخار" من تأليفه وقال: كان ثقة كريم الأخلاق، سمح النفس، إمامًا في القراءات، أول من قدم بتحقيق قراءة نافع .. وكان واحد أئمة زمانه في علم القرآن" أ. هـ.
• معرفة القراء: "وكان رجلًا صالحًا فاضلًا، كريم الأخلاق، إمامًا في القرآن شديد الأخذ، ولم يكن يقرأ أهل أفريقية بحرف نافع إلا خواص حتى قدم ابن خيرون، فاجتمع عليه الناس"أ. هـ.
• غاية النهاية: "شيخ القراء بالقيروان قال الداني: إمام في قراءة نافع من رواية ورش عنه، ثقة مأمون .. " أ. هـ.
• تاريخ الإسلام: "وكان صالحًا كبير القدر .. " أ. هـ.
• السير: "قال بعضهم: كنت جالسًا عند ابن أبي خنزير فدخل شيخٌ ذو هيبة وخشوع، فبكى ابن أبي خنزير وقال: السلطان -يعني عبيد الله وجه إليّ يأمرني بدوس هذا حتى يموت، ثم بطحه وقفز عليه السودان حتى مات، لجهاده وبغضه لعبيد الله وجنده. وكان سعى به المروزي اللعين، ولما رأى ابن أبي خنزير كثرة أذاه للعلماء تحيل وسعى به حتى قتله عبيد الله سنة ثلاث مائة أو بعدها. فيا ما لقي الإسلام وأهله من عبيد الله المهدي الزنديق .. "أ. هـ
• تراجم المؤلفين التونسيين: "أول من أدخل حرف نافع على أهل إفريقية. وهو أول من أدخل كتب داود الظاهري إلى القيروان. قتل بسبب انحرافه عن دولة العبيديين أسوة بإخوانه الفقهاء المالكية" أ. هـ.
وفاته: سنة (٣٠١ هـ) إحدى وثلاثمائة.
من مصنفاته: "الابتداء والتمام" في القراءات و"الألفات واللامات" في رسم المصحف وغيرها.
стр. 2368
٣٢٦٧ - البَاهِلِي *
المقرئ: محمّد بن محمّد بن عبد الله بن التفاح بن بدر الباهلي، أبو الحسن البغدادي.
من مشايخه: الدّوري، وأحمد بن إبراهيم الدورقي وغيرهما.
من تلامذته: حمزة الكناني، ومحمد بن إسحاق الصفّار وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• تاريخ بغداد: "كان صاحب حديث ثقة ثبتًا متقللًا من أهل الصيانة" أ. هـ.
• المنتظم: "كان ثقة ثبتًا متزهدًا من أهل الصيانة" أ. هـ.
• معرفة القراء "قال أبو سعيد بن يونس: كان ثقة ثبتًا صاحب حديث، متقللًا من الدنيا" أ. هـ.
بتصرف.
• العبر: "بغدادي حافظ خير" أ. هـ.
• السير: "الإمام المحدث الثبت المجود الزاهد القدوة ... قال الحافظ الكناني سمعت محمد بن محمّد الباهلي يقول: بضاعتي قليلة والله يجعل فيها البركة" أ. هـ.
• غاية النهاية: "ثقة مشهور محدث صالح خير .. قال الداني مشهور ثقة" أ. هـ.
وفاته: سنة (٣١٤ هـ) أربع عشرة وثلاثمائة.
٣٢٦٨ - أبو منصور الماتريدي *
المفسر: محمّد بن محمد بن محمود الماتريدي (١) السمرقندي، أبو منصور.
ولد: قبل سنة (٢٣٨ هـ) ثمان وثلاثين ومائتين.
من مشايخه: أبو نصر العياضي، ونصير بن يحيى البلخي، ومحمد بن مقاتل الرازي وغيرهم.
من تلامذته: أبو القاسم الحكيم السمرقندي، وعلي الرستغفني، وأبو محمد عبد الكريم البزدوي وغيرهم.
كلام العلماء فيه:
• الجواهر المضيئة: "كان من كبار العلماء" أ. هـ.
• سماه في تاج التراجم: "إمام الهدى" أ. هـ.
• معجم المؤلفين: "متكلم أصولي" أ. هـ.
• الماتريدية دراسة وتقويمًا، وتحت عنوان منزلته العلمية قال: "يحتل الماتريدي منزلة كبيرة في تاريخ الفكر الإسلامي حيث أنه مؤسس لإحدى المدارس الكلامية التي ذاع وانتشر فكرها في العالم الإسلامي، وهي المدرسة الماتريدية، التي أصبحت هي والأشعرية تتقاسم العالم الإسلامي، وهذا مما جعل طاش كبرى زاده يفول: "إن رئيس أهل السنة والجماعة في علم الكلام رجلان، أحدهما
стр. 2369
حنفي، والآخر شافعي، أما الحنفي، فهو أبو منصور محمد بن محمود الماتريدي، إمام الهدى ... ، وأما الآخر الشافعي، فهو شيخ السنة، ورئيس الجماعة إمام المتكلمين ... أبو الحسن الأشعري البصري".
وقد أطلق الماتريدية عدة ألقاب على إمامهم أبي منصور الماتريدي تدل على علو منزلته وقدره عندهم في العلم ونصرة الدين والدفاع عن العقيدة، كإمام الهدى، وإمام المتكلمين، ومصحح عقائد المسلمين، والإمام الزاهد، ورئيس أهل السنة، وبالغ بعضهم في وصفه فعده مهدي هذه الأمة في وقته.
قال أبو المعين النسفي مبينًا منزلة الماتريدي العلمية وقدره عندهم: "ولو لم يكن فيهم [أي الماتريدية] إلا الإمام أبو منصور الماتريدي ﵀ الذي غاص في بحور العلوم واستخرج دررها وأوتي حجج الدين وزين بفصاحته، وغزارة علومه وجودة قريحته غررها حتى أمر الشيخ أبو القاسم الحكيم أن يكتب على قبره حين توفي: (هذا قبر من جاز العلوم بأنفاسه، واستنفد الوسع في نشره وأقباسه فحمدت في الدين آثاره، واجتنى من عمره ثماره).
وهو الذي تخرج عليه الفقيه أبو أحمد العياض في أنواع العلوم، والشيخ أبو الحسن الرستغفني وغيرهما من العلماء المتبحرين في العلوم الملية لكان كافيًا ..
ومن رأى تصانيفه ككتاب التوحيد وكتاب المقالات .. ووقف على بعض ما فيها من الدقائق، وغرائب المعاني وإثارة الدلائل عن مكامنها، [واستنباطها] عن مظانها ومعادنها، واطلع على ما راعى من شرايط الإلزام والإلتزام، وحافظ من آداب المجادلة الموضوعة لفسخ عقائد المغترين بأفهامهم، وقرن بكل مسألة من البرهان الموضوع، لأفاده ثلج الصدر وبرد اليقين، لعرف أنه المخصوص بكرامات ومواهب من الله تعالى، المؤيد بمواد التوفيق ولطائف الإرشاد من الغني الحميد، وأن ما اجتمع عنده وحده من أنواع العلوم الملية والحكمية لن يجتمع في العادات الجارية في كثير من المبرزين المحصلين، ولهذا كان أستاذه الشيخ أبو نصر العياضي لا يتكلم في مجالسه ما لم يحضر الشيخ أبو منصور، فكان كلما رآه من بعيد نظر إليه نظرة المتعجب وقال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨].
وكتابه المصنف في تأويلات القرآن كتاب لا يوازيه في فنه كتاب، بل لا يدانيه شيء من تصانيف من سبقه في ذلك الفن، وما أحسن ما قال بعض بلغاء الكتاب في وصفه في كتاب، فقال: كان من كبار الأئمة وأوتاد الملة، وكتابه في تفسير القرآن فتق عن المشكل أكمامه، وقشع عن المشتبه غمامه، وأبان بأبلغ الوصف، وأتقن الرصف أحكامه وحلاله وحرامه، لقاه الله تحيته وسلامه .. ".
وقال الناصري بعد أن ذكر بعض كلام النسفي المتقدم: "وقد اجتمع عنده [أي الماتريدي] من العلوم الملية والحكمية ما صار به علمًا مشهورًا من أعلام الهدى يعرف به الغادي من المهتدي في لحن القول لا يستطيعه أهل الأهواء خصوصًا أهل الاعتزال، حتى كانت المعتزلة يلقبون أهل
стр. 2370
السنة به وينسبون سالكي طريقة أبي حنيفة في العقائد والأصول إليه، فيقولون هؤلاء (الماتريدية) لشدة ما يغيظهم شأنه وقوة انتصاره لمذهب السنة الجماعة بالبراهين الساطعة والحجج القاطعة، ودحضه شبهات الخصوم .. ".
وذكر الزبيدي أن الماتريدي "كان إمامًا جليلًا مناضلًا عن الدين موطدًا لعقائد أهل السنة، قطع المعتزلة، وذوي البدع في مناظراتهم، وخصمهم في محاوراتهم حتى أسكتهم .. وكان يقال له إمام الهدى .. ".
وقال عبد الله المراغي في كتابه (الفتح المبين في طبقات الأصوليين): "كان أبو منصور قوي الحجة، مفحمًا في الخصوم، دافع عن عقائد المسلمين، ورد شبهات الملحدين، ونفى عن العقائد كل ما اعتراها من زيغ وما علق بها من شبه".
ويرى أبو الحسن الندوي أن الماتريدي "جهبذ من جهابذة الفكر الإنسان، امتاز بالذكاء والنبوغ وحذق الفنون العلمية المختلفة".
فللماتريدي إذًا منزلة رفيعة وعالية عند الماتريدية، ومن وافقهم، وهم في الحقيقة يبالغون في تعظيمه والثناء عليه، ويرفعونه فوق منزلته، وهذا حال كل قوم يتصبون لإمامهم، ولا ينظرون إلى الأمور والأشخاص بمنظار الشريعة، فيعرفون الحق من الباطل وينزلون الناس منازلهم" أ. هـ.
• موقف ابن تيمية من الأشاعرة وتحت عنوان منهج الماتريدي وعقيدته: "لا يبعد الماتريدي كثيرًا عن أبي الحسن الأشعري، فهو خصم لدود للمعتزلة، وقد خالفهم في المسائل التي اشتهروا بمخالفة أهل السنة فيها مثل مسائل الصفات، وخلق القرآن، وإنكار الرؤية، والقدرة، وتخليد أهل الكبائر في النار، والشفاعة، وغيرها، وقد ألف في ذلك كتبًا مستقلة، ومع ذلك فالماتريدي لم ينطلق في ردوده عليهم من منطلق منهج السلف -رحمهم الله تعالى- وإنما كان متأثرًا بمناهج أهل الكلام، ولذلك وافقهم في بعض الأصول الكلامية والتزم لوازمها فأدى به ذلك إلى بعض المقالات التي لا تتفق مع مذهب السلف، وإنما كان فيها قريبًا من مذهب الأشعرية.
ومن المسائل التي تميز بها مذهب الماتريدي:
١ - القول بوجوب النظر وإبطال التقليد في مسائل العقيدة ولذلك يقول: "ثبت أن التقليد ليس مما يعذر صاحبه"، وهذا قريب من مذهب بعض الأشاعرة الذين لا يصححون إيمان المقلد.
٢ - ومصادر المعرفة عنده: الأعيان (الحس)، والخبر، والنظر.
٣ - الاستدلال على إثبات الصانع بدليل حدوث الأجسام المبني على عدم خلوها من الأعراض، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، والماتريدي لا يقتصر على هذا الدليل، وإنما يذكر أدلة أخرى، والعجيب أن الماتريدي يعتز بإجابته أحد شيوخ الاعتزال عن الاعتراض على دليل حدوث الأجسام.
٤ - استدلاله في بعض المسائل العقيدة بالسمع والعقل.
٥ - والماتريدي يثبت الصفات العقلية لله تعالى
стр. 2371
كالسمع والبصر والقدرة والإرادة والإحياء والإماتة والرزق، وغيرها من صفات الذات والفعل -وهذا ما يقول به الأشاعرة- إلا أن الماتريدي لا يفرق بين صفات الذات وصفات الفعل ولذلك فهو يقول بأزلية صفات الفعل ومنها صفة التكوين التي قال إنها أزلية، وهي من المسائل الكبار التي تميز بها مذهب الماتريدية عن مذهب الأشعرية، وأصل الخلاف فيها أن الأشاعرة -ومعهم المعتزلة- يقولون: الفعل هو المفعول، فالتكوين أو الخلق هو عين المكون أو المخلوق، لذلك قالوا بحدوث صفات الفعل لله تعالى مثل الخلق، وأن الله لم يكن خالقًا ثم خلق، قالوا: فلو قلنا بقدم صفة الفعل لله تعالى للزم من ذلك قدم المفعول، وهذا يبطل القول بقدم الصانع وحدوث العالم أما الماتريدية فعندهم أن الفعل غير المفعول، والتكوين غير المكون، ولذلك فهم يقولون بأزلية صفات الفعل لله تعالى من الخلق والإحياء والرزق، وإن كان المفعول منها حادثًا، يقول الماتريدي بعد كلام: "والأصل أن الله تعالى إذا أطلق الوصف له، وصف بما يوصف به من الفعل، والعلم، ونحوه، يلزم الوصف به في الأزل، وإذا ذكر معه الذي هو تحت وصفه به من العلوم، والمقدور عليه، والمراد، والمكون يذكر فيه أوقات تلك الأشياء لئلا يتوهم قدم تلك الأشياء"، وأوضح في تفسيره فقال في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]: "ثم الآية ترد على من يقول بأن خلق الشيء هو ذلك الشيء نفسه، لأنه قال: "إذا قضى أمرًا"، ذكر "قضى"، وذكر "أمرًا"، وذكر "كن فيكون"، ولو كان التكوين والمكون واحدًا لم يحتج إلى ذكر كن في موضع [العبارة] عن التكوين، فالكن تكوينه، فيكون المكون، فدل أنه غيره، ثم لا يخلو التكوين: إما أن لم يكن فحدث، أوكان في الأزل .. "، ثم رجح أنه موصوف به في الأزل، وأن الشيء يكون في الوقت الذي أراد كونه فيه، والماتريدي بنى قوله على الفرار من حلول الحوادث بذاته تعالى الذي يلزم به الأشاعرة حين يقولون بحدوث صفات الفعل لله تعالى.
٦ - والماتريدي من نفاة الصفات الاختيارية لله تعالى تبعًا لمنعه حلول الحوادث بذات الله تعالى، ويبني ذلك على مسألة دليل حدوث الأجسام، وفي مسألة كلام الله قال بأنه أزلي وأنه لا يتجزأ ولا يتبعض وبنى في الرد على الكعي والمعتزلة -في قولهم بخلق القرآن- على منع حدوث كلام الله، والقول بأنه أزلي، أما ما سمعه موسى ﵊ فالله "أسمعه بلسان موسى، وبحروف خلقها، وصوت أنشأه، فهو أسمعه ما ليس بمخلوق"، وقد رد شارح الطحاوية -ابن أبي العز- على الماتريدي قوله هذا، ويؤول الماتريدي الصفات الفعلية مثل صفة الاستواء فيقول -بعد ذكره الأقوال فيه-: "وجمله ذلك أن إضافة كلية الأشياء إليه، وإضافته إليها، يخرج مخرج الوصف له بالعلو والرفعة، ومخرج للتعظيم له والجلال ... وإضافة الخاص إليه يخرج مخرج الإختصاص له بالكرامة والمنزلة ... [و] الأصل فيه أن الله سبحانه كان ولا مكان، وجائز ارتفاع الأمكنة، وبقاؤه على ما كان، فهو على ما كان، وكان على ما عليه الآن، جل عن التغير والزوال والاستحالة والبطلان، إذ ذلك
стр. 2372
أمارات الحدث التي بها عرف حدث العالم"، وبعد أن يؤصل الماتريدي هذا الأصل يذكر الأقوال في الاستواء من أنه بمعنى الاستيلاء أو العلو والارتفاع، أو التمام، ثم يرجح التفويض لاحتماله أحد هذه المعاني أو غيرها فيقول: فيجب القول بالرحمن على العرش استوى، على ما جاء به التنزيل، وثبت ذلك في العقل، ثم لا تقطع تأويله عن شيء، لاحتماله غيره مما ذكره، واحتماله أيضًا ما لم يبلغنا مما يعلم أنه غير محتمل شبه الخلق" والعجيب أنه يفسر ذلك على مسألة الرؤية.
٧ - ينكر الماتريدي أن يكون الله في جهة العلو، ويؤول بعض الأدلة مثل رفع الأيدي إلى السماء تأويلات عجيبة، ولذلك فهو يثبت الرؤية ويرى أن الاستدلال لها بالسمع وحده، والرؤية عنده تكون بلا مقابلة.
٨ - يقول بأن الله فاعل مختار على الحقيقة، وهو خالق كل شيء، والعبد مختار لما يفعله وهو فاعل كاسب، وبعد أن يذكر تولي الجبرية والقدرية يقول: "والعدل هو القول بتحقيق الأمرين"، ثم يذكر الفرق في أحوال العبد بين أفعاله الاضطرارية والاختيارية.
٩ - يقسم الماتريدي قدرة العبد واستطاعته إلى قسمين: "أحدهما: سلامة الأسباب وصحة الآلات، وهي تتقدم الأفعال .. الثاني: معنى لا يقدر على تبين حده بشيء يصار إليه سوى أنه ليس إلا للفعل، لا يجوز وجوده بحال إلا ويقع به الفعل عندما يقع معه"، والقدرة الثانية هي التي لا تكون إلا مع الفعل -وهذا قول الأشعري- وقد رد الماتريدي على المعتزلة في قولهم: "إنها تكون قبل الفعل"، ومما سبق يتضح أن كسب الماتريدي يعطي العبد الاختيار، وهذا ما يخالف -قليلًا- كسب الأشعري، والماتريدي أيضًا يقول بأنه لا يجوز تكليف ما لا يطاق.
١٠ - والماتريدي يميل إلى القول بالتحسين والتقبيح العقلي، كما يثبت والتعليل والحكمة في أفعال الله تعالى، وهذا الأمران يخالف فيهما الأشعري.
١١ - والإيمان عند الماتريدي هو التصديق، ومحله القلب، ويستدل لذلك بدليل السمع والعقل، ويري التفريق بين التصديق والمعرفة، ويعقد لذلك مسألة مستقلة، وهو بهذا يرد على الجهمية القائلين بأن الإيمان هو المعرفة.
والماتريدي يرد على القائلين بأن الإيمان قول باللسان، كما يرد على الذين يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان، وعلى ضوء ذلك فالماتريدي يمنع دخول العمل في الإيمان.
١٢ - ويوافق الماتريدي أهل السنة في حكم مرتكب الكبيرة، ولذلك فهو يرد على المعتزلة والخوارج في ذلك، ويقرن ذلك بمسألة الشفاعة، وأنها رد عليهم.
١٣ - وفي موضوع "الإرجاء" المنسوب إلى الحنفية عقد الماتريدي له مسألة مستقلة، ذكر فيها ما ورد من الأقوال فيه -حيث إن كل طائفة تتهم الأخرى بالإرجاء- كما دافع عما نسب إلى القائلين بعدم دخول الأعمال في مسمى الإيمان من أنهم مرجئة، ويقول: إن تهمة الإرجاء واقعة
стр. 2373
الله تعالى ولم تجعل للخلق فيها حقيقة البتة، وأما على من يسميهم بالحشوية حين يستثنون في الإيمان، أما مسألة الفرق بين الإيمان والإسلام فيرجح أنهما بمعنى واحد.
هذه أهم أقوال وآراء الماتريدي، والتي وردت مفصلة في تفسيره وفي كتاب التوحيد، وبالمقارنة بين أقواله وأقوال أبي الحسن الشعري يتبين أنهما قد اتفقا في بعض المسائل الأصولية مثل إثبات بعض الصفات، ومنع حلول الحوادث، وصحة دليل حدوث الأجسام، والكسب، وغيرها، ومع ذلك فبينهما عدة فروق أهمها:
أ- أن الماتريدي قال: بأزلية صفة التكوين لله تعالى ولم يفرق بين صفات الذات والفعل.
ب- وإنه يقول: بأن موسى سمع الصوت المخلوق حين كلمه ربه تعالى.
جـ- وفي مسألة العلو والاستواء، فالماتريدي ينفي العلو ويؤول الاستواء أو يفوضه، بخلاف الأشعري الذي يثبت العلو والإستواء -وإن روي عنه في الإستواء معنى آخر.
د- قال الماتريدي بالتحسين والتقبيح العقلي، والأشعري قال بالشرعي فقط.
هـ- قول الماتريدي بالحكمة والتعليل، بخلاف الأشعري.
و- منع الماتريدي تكليف ما لا يطاق، بخلاف الأشعري الذي جوزه.
ز- وفي الكسب -مع قوله به كما يقول الأشعري- إلا أنه مال إلى إعطاء العبد حرية في الاختيار، ولذلك فقدرة العبد عنده مؤثرة بخلاف الأشعري.
ح- وفي الإيمان قال إنه التصديق وهذا ما قال به الأشعري، إلا انه خالفه في دخول الأعمال في الإيمان وجواز الاستثناء فيه، وهذان منعهما الماتريدي.
ط- أما رؤية الله فقد أثبتها الماتريدي سماعًا فقط، أما الأشعري فاستدل مع أدلة السمع بدليلين عقليين، أحدهما الوجود، والآخر أن الله يرى الأشياء.
ثانيا: مقارنة بين الأشعرية والماتريدية:
تكون على إثر الأشعري مذهب الأشعرية، وعلى إثر الماتريدي مذهب الماتريدية ولكل من المذهبين أعلامه ورجاله، وكتبه ومتونه العقدية، ومع غلبة المذهب الأشعري في العالم الإسلامي وانتشاره، إلا أن المذهب الماتريدي بقي متميزًا نوعًا ما، ولعل ارتباط كل واحد من المذهبين بمذهب فقهي مخالف للآخر كان له أثر في ذلك.
وليس المقصود هنا متابعة التطور الذي حدث لأحدهما أو كليهما، ولا تفصيل المقارنة بين المذهبين، ولكن يمكن الإشارة بإجمال إلى الملاحظات التالية:
١ - تبين أنه لم يكن هناك لقاء بين الأشعري والماتريدي، إذ لم يجمعهما مكان ولا حتى منطقة معينة، فالأشعري عاش ومات في العراق، والماتريدى عاش ومات في بلاد ما وراء النهر، كما لم يجمعهما شيخ أو شيوخ تتلمذوا على أيديهم، والسؤال الذي يطرح هنا هو: إذا كان الأمر كذلك فيم يفسر التوافق بين الرجلين في المنهج والموقف من المعتزلة وممن يسمونهم بالمشبهة؟ أحد الباحثين أجاب بعد إيراد هذا
стр. 2374
التساؤل بقوله: "ويمكن تفسير وجوه الشبه بينهما في الآراء بأنه يرجع إلى تشابه منهج كل منهما إلى حد ما في التوسط بين العقل والنقل"، وهذا التفسير تحصيل حاصل، لأن السؤال يرد مرة أخرى: لماذا كان منهج كل منهما أدي إلى التوسط بين العقل والنقل؟ ، الحقيقة أنه ليست هناك إجابة واضحة لهذا التساؤل، وإن كان انتشار المذهب الكلابي في العراق والري وخراسان -كما في قصة ابن خزيمة مع الكلابية- ما يدفع إلى القول باحتمال أن يكون هذا المذهب الذي ظهر فيه تلامذة -تناءت بهم الديار- قد انتشر أيضًا في بلاد ما وراء النهر، خاصة وأن تلك المنطقة كانت كما يقول المقدسي تغص بمختلف الطوائف والفرق، ولذلك فمن المحتمل أن يكون الماتريدي أو أحد شيوخه قد تلقي هذا المذهب عن بعض أعلام أو اتباع الكلابية.
٢ - تطور المذهب الأشعري -كما سيأتي- وكان تطوره بالقرب من مذهب المعتزلة أو بالالتصاق بالفلسفة أو التصوف، أما المذهب الماتريدي فلم يقع فيه تطور، بل بقيت أقوال الماتريدي -الذي لم يحدث له تطور كما حدث للأشعري- هي المعتمدة لدى متأخري المتريدية كأبي المعين النسفي، ونجم الدين أبي حفص النسفي، ونور الدين الصابوني، وابن الهمام، وغيرهم، فهؤلاء وإن كان قد يقع لبعضهم مخالفة لمذهب شيخهم، إلا أن الأمر لا يصل إلى مستوى التطور الذي حدث للمذهب الأشعري.
٣ - اهتم العلماء ببيان الفروق بين المذهبين، وقسموا الفروق أحيانًا إلى لفظية ومعنوية.
٤ - على الرغم من وجهود الفروق بين مذهبي الأشاعرة والماتريدية، وقسموا الفروق أحيانًا إلى لفظية ومعنوية.
٤ - على الرغم من وجهود الفروق بين المذهبين إلا أنه قد وقع نوع امتزاج بينهما، ومن أبرز الأمثلة على ذلك:
أ- ما فعله ابن الهمام في كتابه المشهور "المسايرة" حيث اعتمد على كتاب الرسالة القدسية -وهي المسماة قواعد العقائد التي ألفها الغزالي لأهل القدس، ثم أدخلها ضمن إحياء علوم الدين- وكان هدف ابن الهمام أن يختصر كتاب الغزالي إلا أنه بعد أن بدأ بالكتابة رأي أن يزيد عليه زيادات مهمة، ولم يزل يزيد فيها -كما يقول- "حتى خرج عن القصد الأول، فلم يبق إلا كتابًا مستقلًا، غير أنه يسايره في تراجمه، وزدت عليها خاتمة ومقدمة"، ولذلك سمى كتابه بالمسايرة، فابن الهمام اعتمد على أحد كتب الأشاعرة، وهذا وحده كاف للتدليل على ما كان بين المذهبين من تقارب، لذلك فابن الهمام، وإن ذكر قول الأشعري -بناء على ما في كتاب الغزالي- إلا أنه أعقبه بذكر مذهب الماتريدي، انظر كأمثلة على ذلك مسألة سماع موسى لكلام الله وهل سمع الكلام النفسي أم يستحيل أن يسمع ما ليس بصوت، وفي مسألة صفات الأفعال لله، وصفة التكوين، والعجيب في هذه المسألة أن ابن الهمام ذكر قولي الماتريدية والأشعرية، ثم رجح قول الأشعرية معتمدًا على أن مذهب أبي حنفية وأصحابه الذين ذكر عقيدتهم الطحاوي يخالف ما ذهب إليه الماتريدي ومن جاء بعده، وقد تعقب ابن الهمام شارحو كتابه وضعفوا ما
стр. 2375
رجحه، ومن المسائل التي ذكر الخلاف فيها مسألة التحسين والتقبيح، وتكليف ما لا يطاق وغيرها.
ب- لما ألف النسفي -عمر بن محمد- متن العقيدة الذي سمي بالنسفية اعتنى بشرحها -من منطلق المذهب الأشعري- بعض الحنفية، ومنهم سعد الدين التفتازاني، في شرحه المشهور الذي اشتهر ووضعت له حواش عديدة، انظر كمثال على منهجه كلامه حول صفة التكوين.
جـ- ألف البرذوي كتابًا في أصول الدين، حاول فيه أن يجمع بين طريقتي الأشعرية والماتريدية.
د- ومن الأمثلة على تداخل المذهبين أن نور الدين الصابوني الماتريدي رجح -خلافًا لشيخ الماتريدية- أن دليل الرؤية الوجود، ومن المعلوم أن الماتريدي يحتج للرؤية بالسمع فقط، أما معاصره فخر الدين الرازي -الأشعري- فقد أورد عدة اعتراضات على دليل الأشاعرة في إثبات الرؤية -وهو دليل الوجود-، ثم في الأخير رجح مذهب الماتريدي ونص على ذلك، ذاكرًا اسم الماتريدي.
هذه لمحات في مذهب الماتريدي والماتريدية، وبها يتبين كيف دخل في مذهب الأشاعرة وامتزج به، وهذا ما يفسر إغفال كثير من العلماء -ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية- في كتبهم وردودهم لذكرهم إلا في مسائل معينة اشتهروا بالخلاف فيها" أ. هـ.
• فائدة: قال صاحب كتاب (الماتريدية دراسة وتقويمًا) حول إغفال كتب الرجال والتراجم والطبقات لترجمة أبي منصور الماتريدي حيث قال (٨٣): "ولعل هذا الإغفال أو الإهمال للماتريدي من قبل الماتريدية وغيرهم، يرجع في تصوري -والله أعلم بالصواب- للأسباب التالية:
١ - بعد الماتريدي عن مركز الخلافة، حيث يتوافد إليها أكثر العلماء من مختلف البقاع الإسلامية.
٢ - عدم دعم الماتريدية في عصورها الأولى بقوة سياسية كما دعمت المعتزلة والأشعرية.
٣ - عدم ارتحال الماتريدي إلى المراكز العلمية في العالم الإسلامي، كمكة والمدينة وبغداد ودمشق ... وغيرها، إذ أنه لو زار تلك البلاد والتقى بعلمائها وناظر فيها، لاشتهر وعرف وذكر في تواريخ تلك المدن.
٤ - تأخر عهد تأليف الحنفية في طبقات علماء مذهبهم، إذ أن أول مؤلف ألف في طبقات الحنفية، هو (الجواهر المضية) لعبد القادر القرشي المتوفى عام ٧٧٥ هـ.
وفاته: سنة (٣٣٣ هـ) ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
من مصنفاته: "شرح الفقه الأكبر" المنسوب لأبي حنيفة، و"تأويلات أهل السنة". و"بيان وهم المعتزلة" وغير ذلك.
٣٢٦٩ - ابن اللَّبَّاد *
اللغوي، المفسر: محمد بن محمد بن وشاح اللخمي بالولاء، أبو بكر، ابن اللباد المالكي.
ولد: سنة (٢٥٠ هـ) خمسين ومائتين.
стр. 2376
من مشايخه: يحيى بن عمر، وأخيه محمد، وابن طالب وغيرهم.
من تلامذته: أبو محمد بن أبي زيد، حماد بن إلياس وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• السير: "كان مجاب الدعوة، عظيم الخطر" أ. هـ.
• الديباج المذهب: "ولم تكن له رحلة ولا حج، كان عنده حفظ كثير، وجمع للكتب، وحظ وافر من الفقه شغله إسماع الكتب عن المتكلم في الفقه، وكانت مذاكرته تعْسُر لضيق في خلقه، وكان آخر شيوخ وقته.
قال أبو العرب: كان فقيهًا، جليل القدر، عالمًا باختلاف أهل المدينة، واجتماعهم مهيبًا مطاعًا دينًا، ورعًا زاهدًا، من الحفاظ المعدودين، والفقهاء المبرزين.
وقال الإبياني إنما انتفعت بصحبة ابن اللباد، ودرست معه عشرين سنة.
وقال محمّد بن إدريس: صحبت العلماء بالمشرق والمغرب ما رأيت مثل ثلاثة: أبي بكر بن اللباد، وأبي الفضل الممسى، وأبي إسحاق بن شعبان" أ. هـ.
•شجرة النور: "الإمام الجليل القدر علمًا ودينًا، المجاب الدعوة ... " أ. هـ.
• الأعلام: "فقيه مالكي، عالم بالتفسير واللغة. من أهل القيروان. فلج في آخر عمره" أ. هـ.
وفاته: سنة (٣٣٣ هـ) ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
من مصنفاته: "الآثار والفوائد" عشرة أجزاء، و"كشف الرواق عن الصروف الجامعة للأوراق"، وغير ذلك.
٣٢٧٠ - الحجَّاجِي *
المقرئ: محمّد بن محمّد بن يعقوب بن إسماعيل بن الحجّاج الحجّاجي النيسابوري، أبو الحسن.
ولد: سنة (٢٨٥ هـ) خمس وثمانين ومائتين.
من مشايخه: الباغندي، والبغوي، وابن خزيمة وغيرهم.
من تلامذته: أبو علي الحافظ، وأبو زكريا بن مجاهد، والحاكم وغيرهم.
كلام العلماء فيه:
• تاريخ بغداد: "كان عبدًا صالحًا، ثبتًا حافظًا، صنف العلل والشيوخ والأبواب، وحدث ببغداد قديمًا في أيام أبي بكر ابن أبي داود" أ. هـ.
• العبر: "الحافظ الثقة المقرئ العبد الصالح الصدوق" أ. هـ.
• السير: "صدر المقرئين والمحدثين.
قال الحاكم: كان من الصالحين المجتهدين بالعبادة، ... صحبته نيفًا وعشرين سنة بالليل والنهار، فما أعلم أن الملك كتب عليه خطيئة، وكان أبو على الحافظ يلقبه بـ (عفّان) لحفظه
стр. 2377
وإتقانه وفهمه، ولعمري إنه عفّان، فإن فهمه كان يزيد على حفظه.
قال أبو علي الحافظ: ما في أصحابنا أفهم ولا أثبت من أبي الحسن" أ. هـ.
وفاته: سنة (٣٦٨ هـ) ثمان وستين وثلاثمائة.
من مصنفاته: "العلل"، و"الشيوخ".
٣٢٧١ - اللَّحياني *
المقرئ: محمد بن محمد بن يوسف اللحياني، أبو بكر.
كلام العلماء فيه:
• المنتظم: "وإدعى دعاوي في القراءات. قال أبو بكر بن الإمام يقول: قلت لأبي بكر اللحياني على من قرأت بالعراق؟
فقال: على أبي بكر بن مجاهد.
فقلت: قرأت عليه قبل أن يخضب أو بعد أن خصب؟ .
قال: قرأت عليه وقد خضب.
قلت: فقرأت عليه قبل أن يأخذ العصا بيده؟
قال: كان لا يخرج إلا والعصا بيده.
قلت: يا هذا، فوالله الذي لا إله إلا هو ما خضب أبو بكر بن مجاهد ولا أخذ العصا يده قط" أ. هـ.
وفاته: سنة (٣٦٨ هـ) ثمان وستين وثلاثمائة.
٣٢٧٢ - الطرازي *
المقرئ: محمد بن محمد بن أحمد بن عُثْمَان بن أحمد الطرازي، أبو بكر.
ولد: سنة (٣٠٠ هـ) ثلاثمائة.
من مشايخه: أبو القاسم البغوي، وأبو بكر بن أبي داود وغيرهما.
من تلامذته: ابنه علي، وأبو عبيد محمّد بن أبي نصر النيسابوري وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• تاريخ بغداد: "كان فيما بلغني يظهر التقشف وحسن المذهب، إلا أنه روى مناكير وأباطيل ... ذاهب الحديث، وقد رأيت -أي الخطيب- له أشياء مستنكرة تدل على وهاء حاله وذهاب حديثه .. وزاد في نسخة خراش ما ليس منها"أ. هـ.
• الأنساب: "كان أديبًا فاضلًا بارعًا شاعرًا مكثرًا من الحديث قال الحاكم في تاريخ نيسابور: وكان من الناسكين المذكورين بحسن السيرة والمذهب ... وكان من القراء المتجردين ومن المذكورين بحفظ الحديث خالف الأئمة في آخر عمره في أحاديث حدث بها من حفظه وفروعه والله أعلم" أ. هـ.
• معرفة القراء: "مقرئ ضابط صالح عالي
стр. 2378
السند .. وكان عارفًا بالعربية والحديث" أ. هـ.
• غاية النهاية: "مقرئ محقق كامل .. " أ. هـ.
وفاته: سنة (٣٨٥ هـ) خمس وثمانين وثلاثمائة.
٣٢٧٣ - أبو سعيد النيسابوري *
المفسر: محمد بن محمد بن زكريا النيسابوري، أبو سعيد.
كلام العلماء فيه:
• طبقات المفسرين للداودي: "كان فقيهًا، مفسرًا ثقة في ابرواية، قدم قزوين غازيًا، روى عنه الخليلي في مشيخته" أ. هـ.
وفاته: سنة (٣٩٠ هـ) تسعين وثلاثمائة.
٣٢٧٤ - أبو طاهر الزّيّادِي *
اللغوي: محمّد بن محمد بن محْمِش، المعروف بالزيادي، (١)، أبو طاهر.
ولد: سنة (٣١٣ هـ)، وقيل: (٣١٧ هـ) ثلاث عشرة، وقيل: سبع عشرة وثلاثمائة.
من مشايخه: أبو حامد بن بلال، ومحمد بن الحسين القطان، والكرماني وغيرهم.
من تلامذته: الحاكم أبو عبد الله مع تقدمه، وأبو بكر البيهقي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• طبقات الشافعية: "كان إمامًا في عصره في الحديث، والفقه، والعربية .. " أ. هـ.
• الأنساب: "روى عنه الحاكم أبو عبد الله الحافظ وتوفي قبله وأثنى عليه" أ. هـ.
• العبر: "عالم نيسابور وُمسندها ... أملى ودرس، وكان قانعًا متعففًا، له مصنف في علم الشروط" أ. هـ.
• تاريخ الإسلام: "كان إمام أصحاب الحديث بنيسابور، وفقيههم ومفتيهم بلا مدافعة وكان متبحرًا في علم الشروط، وله معرفة قوية بالعربية.
قال عبد الغافر بن إسماعيل: بقي يُملي نحو ثلاث سنين، ولولا ما إختص به من الإقتار وحرفه أهل العلم لما تقدم عليه أحد من أصحابه .. " أ. هـ.
• طبقات الشافعية للسبكي: "إمام المحدثين، والفقهاء بنيسابور في زمانه، وكان شيخًا أديبًا عارفًا بالعربية.
ذكره أبو عاصم في الطبقة الخامسة، وأثنى عليه ... وقال: الفقيه مطيتُه يقود زمامه، طريقة له معبدة، وخفية ظاهرة وغامضه سهل، وعسيره يسير ورأيته يناظر ويضع الهناء -أي القطران- موضع النقب.
وحكى ابن الصلاح في كتاب (أدب الفتيا): أنه وجد بخط بعض أصحاب القاضي الحسني، أنه سمع أبا عاصم العبادي يذكر، أنه كان عند
стр. 2379
الأستاذ أبو طاهر الزيادي حين إحتضر، فسئل عن ضمان الدَّرَك -لغة: إسم من أدركتُ الشيء، ومنه ضمان الدرك- وكان في النزع، فقال: إن قبض الثمن فيصح وإلا فلا يصح! قال: لأنه بعد قبض الثمن يكون ضمانُ ما وجب ..
وقال ابن الصلاح: إن هذه الحكاية من أعجب ما يحكى" أ. هـ.
وفاته: سنة (٤١٠ هـ) عشر وأربعمائة.
من مصنفاته: له مصنف في علم الشروط، وآمالٍ في الحديث وغير ذلك.
٣٢٧٥ - الخَيْشِي *
النحوي، اللغوي: محمد بن محمد بن عيسى بن إسحاق بن جابر، أبو الحسن: وقيل: أبو مسلم، يعرف بالخيشي.
من مشايخه: الحسين بن علي النمري، ومحمد بن المعلى بن عبد الله الأزدي وغيرهما.
من تلامذته: الحسين بن علي بن أيوب، ومحمد بن عبد الملك وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• الإكمال: "شيخنا وأستاذنا .. كان إمامًا في حل التراجم ولم أرَ شيخا من أهل الأدب يجري مجراه" أ. هـ.
• البغية: "برع في النحو والأدب .. وكان من أئمة النحاة المشهورين بالفضل والنبل" أ. هـ.
وفاته: سنة (٤٣٨ هـ) ثمان وثلاثين وأربعمائة.
٣٢٧٦ - أبو الفضل العُكبَري *
المقرئ: محمّد بن محمد، أبو الفضل العُكبري (١).
من مشايخه: أبو الفرج النهرواني، والحسن بن محمّد الفحام وغيرهما.
من تلامذته: عبد الله بن السمرقندي، وأخوه أبو القاسم إسماعيل بن السمرقندي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• معرفة القراء: "كان من أعيان القراء ومسنديهم في زمانه .. وكان صدوقًا" أ. هـ.
• تاريخ الإسلام: "من نبلاء القراء" أ. هـ.
• غاية النهاية: "مقرئ حاذق مسند" أ. هـ.
وفاته: سنة (٤٧٣ هـ) ثلاث وشبعين وأربعمائة.
٣٢٧٧ - الرّامِشِي *
النحوي، المفسر المقروء: محمد بن أحمد بن هميماه، أبو نصر الرامشي، النيسابوري.
من مشايخه: أبو العلاء المعري وغيره.
كلام العلماء فيه:
• الوافي: "قال الحافظ ابن عساكر: كان عارفًا
стр. 2380
بالنحو وعلوم القرآن .. طلب القراءات والحديث وارتحل واجتمع محماعة وتخرج به جماعة" أ. هـ.
وفاته: سنة (٤٩٠ هـ) تسعين وأربعمائة.
٣٢٧٨ - أبو حامد الغزالي *
المفسر: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي (١) الطوسي، أبو حامد، حجة الإسلام.
ولد: سنة (٤٥٠ هـ) خمسين وأربعمائة.
من مشايخه: أحمد الراذكاني، وأبو المعالي الجويني وغيرهما كثير.
من تلامذته: أبو بكر بن العربي وغيره.
كلام العلماء فيه:
• تاريخ الإسلام: "كان الإمام أبو المعالي مع علو درجته وفرط ذكائه، لا يطيب له تصديه للتصنيف، وإن كان في الظاهر مبتهجًا به".
وقال: "أخذ في مجاهدة النفس، وتغيير الأخلاق، وتهذيب الباطن، وانقلب شيطان الرعونة، وطلب الرئاسة والتخلق بالأخلاق الذميمة، إلى سكون النفس وكرم الأخلاق، والفراغ عن الرسوم، ، وتزيا بزي الصالحين".
ثم قال: "قال أبو بكر الطرطوشي: شحن ﷺ ، فلا أعلم كتابًا على بسطة الأرض أكثر كذبًا على رسول الله منه، ثم شبكه بمذاهب الفلاسفة ومعاني رسائل إخوان الصفا وهم قوم يرون النبوة إكتسابًا. فليس نبيّ في زعمهم أكثر من شخص فاضل، تخلق بمحاسن الأخلاق، وجانب سفاسفها وساس نفسه، حتى ملك قيادها، فلا تغلبه شهواته، ولا يقهره سوء أخلاقه ثم ساس الخلق بتلك الأخلاق. وزعموا أن المعجزات حيل ومخاريق".
وقال: "قلت -أي الذهبي-: للغزالي غلط كثير، وتناقض في تواليفه ودخول في الفلسفة وشكوك، ومن تأمل كتبه العقلية رأى العجائب. وكان مزجي البضاعة من الآثار، على سعة علومه، وجلالة قدره وعظمته" أ. هـ.
•السير: "قلت -أي الذهبي-: قد ألف الرجل في ذم الفلاسفة كتاب (التهافت) وكشف عوارهم، ووافقهم في مواضع ظنًّا منه أن ذلك حق، أو موافق للملة ولم يكن له علم بالآثار ولا خبرة بالسنن النبوية القاضية على العقل، وحبب إليه إدمان النظر في كتاب (رسائل إخوان الصفا) وهو داء عضال، وجرب مُردٍ، وسم قتال، ولولا أن أبا حامد من كبار الأذكياء، وخيار المخلصين، لتلف. فالحذر الحذار من هذه الكتب، واهربوا
стр. 2381
بدينكم من شُبه الأوائل، وإلا وقعتم في الحيرة، فمن رام النجاة والفوز، فليلزم العبودية، وليدمن الإستغاثة بالله، وليتهل إلى مولاه في الثبات على الإسلام وأن يتوفى على إيمان الصحابة، وسادة التابعين والله الموفق، فبحسن قصد العالم يُغفر له وينجو إن شاء الله.
وقال أبو عمرو بن الصلاح: فصل لبيان أشياء مهمة أنكرت على أبي حامد: ففي تواليفه أشياء يرتضيها أهل مذهبه من الشذوذ، منها قوله في المنطق: هو مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط به، فلا ثقة له بمعلوم أصلًا. قال: فهذا مردود، إذ كل صحيح الذهن منطقي بالطبع، وكم من إمام ما رفع بالمنطق رأسًا" أ. هـ.
• الأعلام: "فيلسوف، متصوف، له نحو مئتي مصنف" أ. هـ.
• موقف ابن تيمية من الأشاعرة -حيث قسم صاحب الكتاب الكلام عن الغزالي إلى أربعة مباحث- فقال: "أولًا: يعتبر الغزالي أحد أعلام الأشاعرة الذين دافعوا عن المذهب الأشعري ضد مناوئيه من مختلف الطوائف، ولذلك سمي أحد أشهر كتبه الأشعرية بالإقتصاد في الإعتقاد ليكون مقتصدًا ووسطًا كما يقول بين الحشوية من جهة والمعتزلة والفلاسفة من جهة أخرى، والغزالي لم يأت بحديد فيما يتعلق بمذهب الأشاعرة، بل جاءت كتبه واستدلالاته ملخصة عمن سبقه من أعلام الأشاعرة مع صياغة جديدة وأسلوب سهل والملاحظ في مذهبه تركيزه على:
١ - قوله بصحة إيمان المقلد -خلافًا للمشهور من مذهب جمهور الأشاعرة-، بل يرى أن فئات من الناس آمنوا بالله وصدقوا برسله واعتقدوا الحق واشتغلوا بالعبادة أو الصناعة "فهؤلاء ينبغي أن يتركوا وما هم عليه، ولا تحرك عقائدهم بالاستحثاث على تعلم هذا العلم [أي علم الكلام بأدلته]، فإن صاحب الشرع صلوات الله عليه لم يطالب العرب في مخاطبته إياهم بأكثر من التصديق، ولم يفرق بين أن يكون ذلك بإيمان وعقد تقليدي أو بيقين برهانيا، وفي الأربعين يقول بعد ذكره عشرة أصول على وفق مذهب الأشاعرة: "ووراء هذه العقيدة الظاهرة رتبتان: إحداهما، معرفة أدلة هذه العقيدة الظاهرة من غير خوض على أسرارها، والثانية، معرفة أسرارها، ولباب معانيها، وحقيقة ظواهرها، والرتبتان جميعًا ليستا واجبتين على جميع العوام، أعني أن نجاتهم في الآخرة غير موقوفة عليهما، ولا فوزهم موقوف عليهما"، وكتاب الأربعين من كتب الغزالي المتأخرة التي جمعت بين إيضاح المذهب الأشعري مع آرائه الأخيرة في مسائل التصوف والكشف والذوق.
٢ - تأكيده لإنكار السببية، وهي مسألة مشهورة في المذهب الأشعري، وقد قال بها الأشاعرة وأكدوها.
ثم قال:
"٣ - مجيئه بقانون التأويل الكلامي حين يتعارض -وبالأصح حين يتوهم التعارض- بين العقل والنقل، والغزالي كان كان مسبوقًا إلى هذا القانون، إلا أنه ألف فيه رسالة مستقلة كانت على إثر أسئلة سألها أحد تلاميذه، وفي هذه
стр. 2382
الرسالة ذكر فرق النّاس في هذه المسألة، ورجح قول الفرقة الخامسة التي قال عنها "هي الفرقة المتوسطة الجامعة بين البحث عن المعقول والمنقول الجاعلة كل واحد منهما أصلًا مهمًا، المنكرة لتعارض العقل والشرع، وكونه حقًّا، ومن كذب العقل فقد كذب الشرع إذ بالعقل عرف صدق الشرع، ولولا صدق دليل العقل لما عرفنا الفرق بين النبي والمتنبي، والصادق والكاذب، وكيف يكذب العقل بالشرع، وما ثبت الشرع إلا بالعقل، وهؤلاء هم الفرقة المحقة، وقد نهجوا منهجًا قويمًا .. "، وبعد أن يذكر صعوبة هذا المسلك أوصى بعدة وصايا منها: "الوصية الثانية أن لا يكذب برهان العقل أصلًا، فإن العقل لا يكذب، ولو كذب العقل فلعله كذب في إثبات الشرع، فكيف يعرف صدق الشاهد بتزكية المزكي الكاذب، والشرع شاهد بالتفاصيل، والعقل مزكي الشرع"، وقد تأثر بهذا القانون جمهرة الأشاعرة بعد الغزالي، ومن أبرزهم تلميذه، أبو بكر بن العربي، والرازي، وغيرهم، وهذا القانون أصبح فيما بعد أحد ركائز العقيدة الأشعرية وأخطرها وأعظمها أثرًا، ولذلك أفرده شيخ الإسلام ابن تيمية بمؤلفه الكبير "درء تعارض العقل والنقل".
٤ - ومن أهم سمات منهج الغزالي أنه حول المعركة -التي كانت تدور فيما سبق بين الأشاعرة والمعتزلة- إلى معركة بين الأشاعرة والفلاسفة، وكتاب تهافت الفلاسفة يعتبره الأشاعرة بدءًا من الغزالي نفسه أحد الكتب المؤيدة لمذهبهم، وقد ألفه الغزالي في المرحلة التي كان فيها أستاذ المدرسة النظامية -الأشعرية- دون منازع.
وفي المبحث الثاني قال: "ثانيًا: هناك مشكلة تتعلق بحقيقة مذهب الغزالي، هل هو المذهب الأشعري الذي تبناه ظاهرًا ودافع عنه كثيرًا، أم له مذهب آخر يذكره لخاصته وأومأ إليه في كثير من كتبه؟ ، يقول الغزالي في كتابه ميزان العمل الذي ألفه بعد معيار العلم، لأن السعادة عنده إنما تكون بالعلم والعمل -وميزان العمل من كتب الغزالي الصوفية- يقول في آخره: "لعلك تقول: كلامك في هذا الكتاب انقسم إلى ما يطابق مذهب الصوفية، وإلى ما يطابق مذهب الأشعرية وبعض المتكلمين، ولا يفهم الكلام إلا على مذهب واحد، فما الحق من هذه المذاهب؟ فإن كان الكل حقًّا فكيف يتصور هذا؟ كان كان بعضه حقًّا فما ذلك الحق؟ فيقال لك: إذا عرفت حقيقة المذهب لا تنفعك قط، إذ الناس فيه فريقان:
فريق يقول: المذهب اسم مشترك لثلاث مراتب:
إحداها: ما يتعصب له في المباهاة والمناظرات.
والأخرى: ما يسار به في التعليمات والإرشادات.
والثالثة: ما يعتقده الإنسان في نفسه مما انكشف له من النظريات".
ثم شرح هذه المراتب بقوله: "ولكل كامل ثلاثة مذاهب بهذا الإعتبار: فأما المذهب بالإعتبار الأول: هو نمط الآباء والأجداد، ومذهب المعلم، ومذهب البلد الذي فيه النشوء، وذلك يختلف بالبلاد والأقطار، ويختلف بالمعلمين، فمن ولد في بلد المعتزلة أو الأشعرية أو الشفعوية أو الخنفية،
стр. 2383
انغرس في نفسه منذ صباه التعصب له، والذب دونه، والذم لما سواه ... المذهب الثاني: ما ينطبق في الإرشاد والتعليم على من جاء مستفيدًا مسترشدًا، وهذا لا يتعين على وجه واحد بل يختلف مجسب المسترشد، فيناظر كل مسترشد بما يحتمله فهمه ... المذهب الثالث: ما يعتقد الرجل سرًّا بينه وبين الله لا يطلع عليه غير الله تعالى ولا يذكره إلا مع من هو شريكه في الإطلاع على ما اطلع، أو بلغ رتبة يقبل الإطلاع عليه ويفهمه"، ثم ذكر قول الفريق الثاني الذين يقولون المذهب واحد، ثم ذكر أن الأولين يوافقون هؤلاء على أنهم لو سئلوا عن المذهب لم يجز أن يذكروا إلا مذهبًا واحدًا.
إن هذا الكلام يمد في معرفة وتحليل ذلك التناقض العجيب في كتبه.
وفي المبحث الثالث قال: "ثالثًا: الشك عند الغزالي:
وقد احتلت هذه المسألة مكانًا بارزًا بالنسبة لدارسي الغزالي، بل وكثرت المقارنات بينه وبين ديكارت، صاحب الفلسفة المعروفة التي قال فيها: "أنا أفكر، إذن فأنا موجود"، بل أثبت أحد الباحثين أن ديكارت قد اطلع على كتاب الغزالي "المنقذ من الضلال" وأنه اقتبس منه فكرة الشك، والكلام حول شك الغزالي وكنهه وإلى أي مدى كان يطول، ولكن الثابت أن منهج الشك عند الغزالي تمثل في أمرين:
أحدهما: عملي، وهو ما عايشه وسطره بوضوح في كتابه المنقذ من الضلال، ويلاحظ هنا أن الغزالي يشرح ما جرى له، ولذلك سماه داء ومرضًا.
والثاني: شك منهجي، وهو الذي أشار إليه في بعض كتبه، ومن ذلك قوله: "ولو لم يكن في مجاري هذه الكلمات إلا ما يشكك في اعتقادك الموروث، لتنتدب للطلب، فناهيك به نفعًا، إذ الشكوك هي الموصلة إلى الحق، فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمي والضلال، نعوذ بالله من ذلك"، وهذا الشك هو الذي يذكر في أول واجب على المكلف، هل هو النظر أو القصد إلى النظر أو الشك، وإذا كان الأول والثاني قد أخذ به بعض الأشاعرة فإن الثالث -وهو الشك- إنما يؤثر القول به عن أبي هاشم الجبائي المعتزلي".
وفي المبحث الرابع قال: "رابعًا: تصوف الغزالي وفلسفته: بقدر اشتهار الغزالي بأشعريته، اشتهر بتصوفه، ولذلك فهو يمثل مرحلة خطيرة من مراحل امتزاج التصوف بالمذهب الأشعري حتى كاد أن يكون جزءًا منه، ولكن ما نوعية التصوف الذي اعتنقه الغزالي بقوة حتى قال فيه في المنقذ -بعد شرح مطول لمحنته ورحلته وعزلته-: "ودمت على ذلك مقدار عشر سنين، وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره لينتفع به: أني علمت يقينًا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطريق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئًا من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلًا، فإن جميع حركاتهم
стр. 2384
وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة من نور مكشاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به" ثم يشرح ويوضح فيقول: "وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريقة.
طهارتها -وهي أول شروطها- تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة، استغراق القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله؟ هذا آخرها، بالإضافة إلى ما يكاد يدخل تحت الإختيار والكسب من أوائلها، وهي على التحقيق أول الطريقة، وما قبل ذلك إلا كالدهليز للسالك إليه" -ثم يوضح أكثر فيقول: "ومن أول الطريقة تبتدي المكاشفات والمشاهدات حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة، وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتًا، ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الإحتراز منه ... ؟ ، ما نوع تصوف الغزالي الذي يقول فيه هذا الكلام -خاصة المقطع الأخير منه-؟ .
لقد كان التصوف قبله متمثلًا بتصوف المحاسبي، ثم القشيري، وقد سبق حقيقة تصوفهما، وما يحمله من بدع مخالفة للسنة، فهل كان تصوف الغزالي من هذا النوع، أم كان تصوفًا من نوع آخر.
إن هناك من يدافع عن الغزالي، ويرى أن تصوفه سني، وأنه هاجم الفلاسفة والمتكلمين لنصرة طريق الصوفية، ولكن المطلع على كتبه -وما ألفه منها للخاصة- كمشكاة الأنوار، والمعارف العقلية، وميزان العمل، ومعارج القدس، وروضة الطالبين، والمقصد الأسنى، وجواهر القرآن، والمضنون به على غير أهله، يرى شيئًا آخر غير التصوف المعروف.
إن مفتاح صرفة شخصية الغزالي أمران:
أولهما: ما سبق نقله عنه من أن لكل رجل كامل ثلاث عقائد، إحداها ما يتظاهر به أمام العوام ويتعصب، والثانية: ما يسار به في التعليم والإرشاد -وهو يحتلف بحسب حال المسترشد الطالب-، والثالثة: ما يعتقده الإنسان في نفسه ولا يطلع عليه إلا من هو شريكه في المعرفة، إذن الغزالي -حتما- يخفي جوانب خاصة وسرية من عقيدته.
والثاني: جمع أقواله ولمحاته -التي يشير دائمًا إلى سريتها والضن بها- ثم مقارنتها بأقوال من سبقه من الفلاسفة -المائلين إلى الاشراق والتصوف- كابن سينا وغيره، وقد تنبه إلي هذا المنهج بعض الباحثين، ونحن هنا نذكر نماذج فقط من أقواله التي تدل على أن تصوفه كان تصوفًا فلسفيًا إشراقيًا، وإن هجومه على الفلاسفة في التهافت لم يكن إلا بمنهج النوع الأول من العقيدة -لكل إنسان- وهي العقيدة التي يتعصب لها ويذب عنها:
١ - يقول الغزالي في كتابه: إحياء علوم الدين عن علم المكاشفة: "هو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة، وينكشف من ذلك النور أمور كثيرة كان يسمع من قبل أسماءها، فيتوهم لها معاني مجملة غير
стр. 2385
متضحة، فتتضح إذ ذاك، حتى تحصل المعرفة الحقيقة بذات الله سبحانه، وبصفاته الباقيات التامات، وبأفعاله وبحكمه في خلق الدنيا والآخرة، ووجه ترتيبه للآخرة على الدنيا، والمعرفة بمعنى النبوة والنبي، ومعنى الوحي، ومعنى الشيطان، ومعنى لفظ الملائكة والشياطين، وكيفية معاداة الشياطين للإنسان، وكيفية ظهور الملك للأنبياء، وكيفية وصول الوحي إليهم، والمعرفة بملكوت السموات والأرض .. الخ"، ثم يقول عن هذه الكشوفات التي تحصل: "وهذه هي العلوم التي لا تسطر في الكتب، ولا يتحدث بها من أنعم الله عليه بشيء منها إلا مع أهله، وهو المشارك فيه، على سبيل المذاكرة، وبطريق الإسرار وهذا هو العلم الخفي .. "، إن هذا الكلام الخطير يقوله الغزالي في أهم وأشهر كتاب من كتبه، وقد ألفه في أواخر عمره بعد عزلته ورجوعه إلى بغداد، ومما يلاحظ أن لفتات كثيرة تشبه هذا الكلام جاءت متفرقة في هذا الكتاب الكبير".
ثم يقول: "ومن الأمور الخطيرة في مذهب الغزالي ميله إلى تأويل عذاب القبر، وعذاب النار ونعيم الجنة، بتأويلات قرمطية باطنية، حتى ذكر في المضنون به على غير أهله: أن نصوص النعيم "ما خوطب به جماعة يعظم ذلك في أعينهم ويشتهونه غاية الشهوة"، ويقول: "والرحمة الإلهية ألقت بواسطة النبوة إلى كافة الخلق القدر الذي احتملته أفهامهم"، ولا يقول قائل: إن هذا كتاب المضنون -وهو مشكوك في صحة نسبته إلى الغزالي- لأن الغزالي صرح بشيء من ذلك في كتابه الأربعين -الذي لا يشك أحد في نسبته إليه- فقال: "أما قولك: إن المشهور من عذاب القبر التألم بالنيران والعقارب والحيات، فهذا صحيح، وهو كذلك، ولكني أراك عاجزًا عن فهمه ودرك سره وحقيقته، إلا أني أنبهك على أنموذج منه تشويقًا لك إلى معرفة الحقائق، والتشمر للإستعداد لأمر الآخرة، فإنه نبأ عظيم أنتم عنه معرضون"، ثم يضرب مثالا، ويؤوله ثم يقول: "لعلك تقول: قد أبدعت قولا مخالفًا للمشهور، منكرًا عند الجمهور، إن زعمت أن أنواع عذاب الآخرة يدرك بنور البصيرة والمشاهدة إدراكًا مجاوزًا حد تقليد الشرائع، فهل يمكنك -إن كان كذلك- حصر أصناف العذاب وتفاصيله؟ فاعلم أن مخالفتي للجمهور لا أنكره، وكيف تنكر مخالفة المسافر للجمهور، فإن الجمهور يستقرون في البلد الذي هو مسقط رؤوسهم، ومحل ولادتهم، وهو المنزل الأول من منازل وجودهم وإنما يسافر منهم الأحاد"، ثم يذكر كيف يترقى الإنسان حتى "يفتح له باب الملكوت فيشاهد الأرواح المجردة عن كسوة التلبيس، وغشاوة الأشكال، وهذا العالم لا نهاية له"، ولا شك أن مذهب الغزالي الفلسفي الصوفي قاده إلى مثل هذه التأويلات الخطيرة -نعوذ بالله من الخذلان-.
ثم يختم كلامه عن الغزالي بتلخيص تأثيره فيمن بعده فيقول: "هذا هو أبو حامد الغزالي -من خلال لمحات سريعة عن منهجه وعقيدته الذي تأثر به من جاء بعده، ويمكن تلخيص هذا التأثر بما يلي:
١ - التاكيد على إنكار السببية، فقد تأثر به من جاء بعده، دون الإنتباه إلى تحفظاته التي أوردها.