← Тараджим

Тараджим · id 130964

الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء والنحو واللغة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (3 054 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

العالم والقادر وأنكرها الفلاسفة والمعتزلة قائلين بأنها عين ذاته تعالى تحاشيًا عن تكثير القدماء والواجبات وأجابوا بأن الجال تكثر القدماء بالذات وهو غير لازم (قديمة) استحالة قيام الحوادث بذاته تعالى خلافًا للكرامية قال العلامة الثاني ينبغي أن يقال الله تعالى قديم بصفاته ولا يطلق القول بالقدماء لئلا يذهب الوهم إلى أن كلا منهما قائم بذاته موصوف بصفات الألوهية (قائمة بذاته) كالتوضيح والتأكيد لأن القيام مأخوذ في مفهوم الصفة لكمال العناية أو لرد بعض المخالفين كالمعتزلة في أنه تعالى متكلم والكلام قائم بغيره تعالى كاللوح وشجرة موسى وفؤاد جبرائيل وله إرادة حادثة لا في محل قال التفتازاني في شرح العقائد ولما تمسكت المعتزلة بأن في إثبات الصفات إبطال التوحيد لما أنها موجودات قديمة مغايرة لذات الله تعالى فيلزم قدم غير الله تعالى وتعدد القدماء إلى آخره أشار إلى الجواب بقوله (لا) تلك الصفة (هو) يعني ليست عين ذاته (ولا غيره) غير ذاته تعالى فلا يلزم قدم الغير ولا تعدد القدماء إما نفي العينية فلان الصفات من قبيل العرض والذات من قبيل الجوهر يعني شبيهه في القيام بنفسه وعدمه فعدم العينية بديهية وأن الصفات محتاجة إلى الذات فممكنة بأنفسها والذات واجبة مستغنية والواجب لا يكون عين الممكن وقيل وردت النصوص بالاشتقاق نحو عالم وقادر وكون الشيء عالمًا معلل بقيام العلم في الشاهد فكذا في الغائب وأورد بأنه قياس فقهي وقياس غائب على شاهد مع الفارق لأن القدرة في الشاهد تزيد وتنقص وتعدم بخلاف الغائب والمفهوم من كلام الشريف العلامة في شرح المواقف أنه عند اتحاد العلة والحد والشرط في الغائب والشاهد لا يضر ذلك ولا شك أن علة كون الشيء عالمًا في الشاهد هو العلم فكذا في الغائب وأيضًا حد العالم هو من قام به العلم سواء في الغائب أو الشاهد وشرط صدق المشتق على شيء ثبوت أصله في الغائب والشاهد وأما نفي الغيرية فبأن العرف واللغة والشرع يشهد بأن الصفة والموصوف ليسا بغيرين كالكل والجزء (فإن قيل هذا رفع النقيضين في الظاهر وجمع بينهما في الحقيقة) قلنا أجيب عنه بأن الغير ما يمكن الانفكاك في التصور والعين ما يتحد في المفهوم بلا تفاوت فيمكن الواسطة بأن لا يتحدان في المفهوم ولا يوجد أحدهما بدون الآخر فالصفة مع الذات من هذا القبيل ويمكن أن نفي العينية بحسب المفهوم ونفي الغيرية بحسب الوجود كما في المواقف فلا تناقض لاختلاف الجهة وإيراد الدواني بأن هذا إنما يصح في المشتقات والكلام في مباديها ولا يصح فيها في غاية السقوط إذ العلم مثلًا ليس عين ذاته تعالى مفهومًا ويمتنع وجوده بدونه وقيل في الجواب إنها عين الذات إذا نظر إليها من جانب الذات وغير الذات إذا نظر من جانب انقسام الوجود إلى الأقسام وأوضح بمثال أن العشرة في نفسها واحد لا ينقسم وبالنسبة إلى الخمسة ضعف وإلى العشرين نصف وإلى ثلاثين ثلث وهذه الأوصاف الدائرة على العشرة واحدة من وجه وكثيرة من وجه آخر لا يخفى أن هذا ليس مما نحن فيه إذ يقتضي كون الصفات بعضها مع بعض والذات أيضًا متحدة في الحقيقة والتغاير إنما هو في

стр. 2452

الأسامي وهو عين مذهب الفلاسفة والمعتزلة (هي) أي الصفات الكاملة القديمة ثمانية (الحياة) صفة توجب صحة العلم لدلالة النصوص القاطعة وإجماع الأنبياء بل جميع العقلاء ولأن الخلو عنها نقص وما يقال إنها اعتدال المزاج وتأثير الحاسة فممنوع (والعلم) صفة تنكشف بها المعلومات عند تعلقها بها موجودة أو معدومة ممتنعة أو ممكنة قديمة أو حادثة متناهية أو غير متناهية جزئية أو كلية مادية أو مجردة قال الخيالي فإن للعلم تعلقات قديمة غير متناهية بالفعل بالنسبة إلى الأزليات والتجددات باعتبار أنها سيجدد وتعلقات حادثة متناهية بالفعل بالنسبة إلى المتجددات باعتبار وجودها الآن أو قبل ويلزم من حدوث التعلق حدوث العلم وأما دليل العلم فإما سمعي نحو عالم الغيب والشهادة وإما عقلي لاستناد العالم إليه مع إتقانه واحكامه وانتظامه ومن البين دلالة الأفعال المتقنة على علم فاعلها ومن تأمل في البدايع السماوية والأرضية وفي نفسه وجد دقايق حكم تدل على حكمة صانعها وعلمه الكامل وأورد بأن الحيوان قد يصدر عنه أفعال متقنة كبيوت النحل وغيرها ورد بأنه مخلوق له تعالى إذ لا مؤثر غيره تعالى على أن عدم علم الحيوان ممنوع بل ظاهر الكتاب والسنة على علمه قال الله تعالى ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي﴾ الآية (والقدرة) صفة تؤثر في المقدورات بجعلها ممكنة الوجود من الفاعل عند تعلقها بها فتعلقات القدرة كلها قديمة وعندنا في التكوين فقديمة أيضًا عند بعضهم بمعنى أنها تعلقت في الأزل بوجود المقدور فيما لا يزال وحادثة عند بعضهم وقيل القدرة صحة الفعل والترك لعل هذا مذهب من قال بعدم تأثير القدرة بل لها تعلق محض بلا تأثير للأدلة السمعية ولأن القدرة كمال وضدها أعني العجز نقص يجب تنزيه الله تعالى غنه (والسمع) صفة تتعلق بالمسموعات (والبصر) صفة تتعلق بالمبصرات فيدرك بلا طريق تخيل وتأثير حاسة ووصول هواء للأدلة السمعية الظاهرة في كونهما صفتين زائدتين والصرف عن الظواهر بلا صارف ليس بحائز فلا يكونان راجعين إلى العلم بالمسموعات والمبصرات كما زعمت الفلاسفة والكعبي والحسين البصري قبل والأشعري أيضًا فتكون المسموعات والمبصرات كما هما متعلق علمه متعلق سمعه وبصره (فإن قيل فإثباتهما تكثير القدماء بلا ضرورة والأصل تقليلها قلنا قال في شرح المواقف الأولى أن يقال لما ورد الشرع بهما آمنا بذلك وعرفنا أنهما لا يكونان بالآلتين المعروفتين واعترفنا بعدم الوقوف على حقيقتهما لقصورنا ونقصاننا (والإرادة) صفة توجب تخصيص أحد المقدورين بالوقوع على وفق علمه لأنه لما كانت نسبة القدرة إلى الضدين سواء فلا بد من مرجح بأحد الطرفين وليس هذا هو العلم لتبعيته للمعلوم فتعين صفة أخرى وهي الإرادة وشاملة لجميع الكائنات منها أفعال العباد ولو شرورًا ومعاصي كالكفر خلافًا للمعتزلة والإرادة كالقدرة لا تتعلق إلا بالممكنات لكن القدرة تعم المعدومات والموجودات والإرادة تختص بالموجودات ولهذا قال في العقائد العضدية قادر على جميع الممكنات مريد لجميع الكائنات ومتعلق شامل للواجبات والممتنعات كالممكنات" أ. هـ.

стр. 2453

وفاته: سنة (١١٧٦ هـ) ست وسبعين ومائة وألف. من مصنفاته: "تفسير سورة الفاتحة"، و"تفسير ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ "، و"البريقة المحمودية في شرح الطريقة المحمدية للبركلي"، و"حقيقة كلمة التوحيد عند الكلاميين والصوفية"، وله رسالة في وحدة الوجود وغير ذلك. ٣٣٦٩ - مُرتضى الزَّبيدي * اللغوي: محمّد بن محمّد بن محمّد بن عبد الرزاق بن عبد الغفار بن تاج الدين بن حسين بن جمال الدين بن إبراهيم بن علاء الدين بن محمد بن أبي العز .. السيد مرتضى الزبيدي. ولد: سنة (١١٤٥ هـ) خمس وأربعين ومائة وألف. من مشايخه: الشيخ عبد الرحمن العيدروس مختصر السعد ولازمه ملازمة كلية وألبسه الخرقة، والشيخ أحمد الملوي وغيرهما. من تلامذته: الجبرتي، والوجيه الأهدل وغيرهما. كلام العلماء فيه: * حلية البشر: "ذو المعرفة والمعروف، وهو العلم الموصوف، العمدة الفهامة والرحلة النسابة العلامة، الفقيه المحدث اللغوي النحوي، الأصولي الناظم الناثر" أ. هـ. * فهرس الفهارس: "الواسطي العراقي أصلًا الهندي مولدًا الزبيدي تعلمًا وشهرة المصري وفاة الحنفي مذهبًا القادري إرادة النقشبندي سلوكًا الأشعري عقيدة، هكذا يصف نفسه في كثير من إجازته التي وقفت عليها بخطه ... هذا الرجل كان نادرة الدنيا في عصره ومصره، ولم يأت بعد الحافظ ابن حجر وتلاميذه أعظم منه اطلاعًا ولا أوسع رواية وتلميذًا ولا أعظم شهرة ولا أكثر منه علمًا بهذه الصناعة الحديثية وما إليها ... " أ. هـ. * معجم المطبوعات: "ارتحل إلى طلب العلم وحج مرارًا واستمع بالسيد عبد الرحمن العيدروس بمكة وقرأ عليه مختصر السعد ولازمه ملازمة كلية وألبسه الخرقة وأجازه بمروياته ومسموعاته" أ. هـ. * الأعلام: "علامة باللغة والحديث والرجال والأنساب من كبار المصنفين" أ. هـ. * عجائب الآثار: "ولم يزل المترجم يخدم العلم ويرقى في درج المعالي ويحرص على جمع الفنون التي أغفلها المتأخرون كعلم الإنسان والأسانيد وتخاريج الأحاديث واتصال طرائق المحدثين المتأخرين بالمتقدمين وألف في ذلك كتبًا ورسائل ومنظومات وأراجيز جمة. ودعاه كثير من الأعيان إلى بيوتهم وعملوا من أجله ولائم فاخرة فيذهب إليهم مع خواص الطلبة والمقرئ والمستملي وكاتب الأسماء فيقرأ

стр. 2454

لهم شيئًا من الأجزاء الحديثية كثلاثيات البخاري، أو الدارمي أو بعض المسلسلات بحضور الجماعة وصاحب المنزل وأصحابه وأحبابه وأولاده وبناته ونسائه من خلف الستائر، وبين أيديهم مجامر البخور بالعنبر والعود مدة القراءة، ثم يختمون ذلك بالصلاة على النبي ﷺ على النسق المعتاد ويكتب الكاتب أسماء الحاضرين والسامعين حتى النساء والصبيان والبنات واليوم والتاريخ ويكتب الشيخ تحت ذلك صحيح ذلك، وهذه كانت طريقة المحدثين في الزمن السابق، كما رأيناه في الكتب القديمة. وصار له عند أهل المغرب شهرة عظيمة ومنزلة كبيرة واعتقاد زائد وربما اعتقدوا فيه القطبانية العظمى حتى إن أحدهم إذا ورد إلى مصر حاجًا ولم يزره ولم يصله بشيء لا يكون حجه كاملًا فإذا ورد عليه أحدهم سأله عن اسمه ولقبه وبلده وخطته وصناعته وأولاده وحفظ ذلك أو كتبه ويستخبر من هذا عن ذاك بلطف ورقة فإذا ورد عليه قادم من قابل سأله عن اسمه وبلده فيقول له فلان من بلدة كذا فلا يخلوا إما أن يكون عرفه من غيره سابقًا أو عرف جاره أو قريبه فيقول له فلان طيب فيقول نعم سيدي، ثم يسأله عن أخيه فلان وولده فلان وزوجته وابنته ويشير له باسم حارته وداره وما جاورها فيقوم ذلك المغربي ويقعد ويقبل الأرض تارة ويسجد تارة ويعتقد أن ذلك من باب الكشف الصريح فتراهم في أيام طلوع الحج ونزوله مزدحمين على بابه من الصباح إلى الغروب وكل من دخل منهم قدم بين يدي نجواه شيئًا إما فضة أو تمرًا أو شمعًا على قدر فقره وغناه وبعضهم يأتيه بمراسلات وصلات من أهل بلاده وعلمائها وأعيانها ويلتمسون منه الأجوبة، فمن ظفر منهم بقطعة ورقة ولو بمقدار الأنملة فكأنَّما ظفر بحسن الخاتمة وحفظها معه كالتميمة ويرى أنه قد قبل حجه وإلا فقد باء بالخيبة والندامة وتوجه عليه اللوم من أهل بلاده ودامت حسرته إلى يوم ميعاده وقس على ذلك ما لم يقل. * جهود علماء الحنفية: "من كبار علماء الحنفية واسع الاطلاع باللغة فهو مؤلف تاج العروس، صوفي صنف شرح الإحياء فساير الغزالي" أ. هـ. * غاية الأماني: "كان من غلاة القبوريين والدعاة لمبتدعاتهم" أ. هـ. * الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات: (ثم جاء الزبيدي الذي تلقف قانون الرازي، وعضَّ عليه بالنواجذ، وردَّ بسببه نصوص الصفات، سيما الاستواء والنزول منها، وادعى كما ادعى أسلافه من قبله: أن الشرع إنما ثبت بالعقل، فلو أتى الشرع بما يحيله العقل وهو -أي العقل - شاهده، لبطل الشرع والعقل معا. لذلك أبطل نصوص الصفات بالتأويل أو التفويض، وقرر أن كل نص ورد في الشرع مخالفًا للعقل فلا يخلو من أحد أمرين: - إما أن يكون آحادًا: "والآحاد إن كان نصًّا لا يحتمل التأويل، قطعنا بافتراء ناقله، أو سهوه، أو غلطه. وإن كان ظاهرًا - يحتمل التأويل - فظاهره غير مرادًا. - وإما أن يكون متوترًا: "إن كان متواترًا فلا يتصور نصّ لا يحتمل التأويل، بل لا بد أن يكون ظاهرًا".

стр. 2455

لا بد من التأويل في الحالين - عنده - إن كان متوترًا، أو غير متواتر" أ. هـ. وفاته: سنة (١٢٠٥ هـ) خمس ومائتين وألف. من مصنفاته: شرع في شرح القاموس حتى أتمه في عدة سنين نحو أربعة عشر مجلدًا سماه "تاج العروس"، و"إتحاف السادة المتقين" في شرح إحياء العلوم للغزالي وغير ذلك. ٣٣٧٠ - الأمير * النحوي، اللغوي، المفسر: محمّد بن محمّد بن أحمد بن عبد القادر بن عبد العزيز السنباوي الأزهري، المعروف بالأمير. ولد: سنة (١١٥٤ هـ) أربع وخمسين ومائة وألف. من مشايخه: الشيخ المنير، والشيخ أحمد الجوهري في "شرح الجوهرة" للشيخ عبد السلام وغيرهما. كلام العلماء فيه: * عجائب الآثار: "سمع من المسلسل بالأولية وتلقى طريق الشاذلية من سلسلة مولاي عبد الله الشريف وشملته إجازة الشيخ الملوي" أ. هـ. * الأعلام: "عالم بالعربية من فقهاء المالكية، اشتهر بالأمير لأن جده أحمد كانت له إمرة في الصعيد" أ. هـ. وفاته: سنة (١٢٣٢ هـ) اثنتين وثلاثين ومائتين وألف. من مصنفاته: "حاشية على مغني اللبيب لابن هشام" في العربية مجلدان، و"حاشية على شرح الشيخ خالد على الأزهرية" في النحو، و"تفسير المعوذتين". ٣٣٧١ - الأَنْباري * النحوي: محمّد بن محمّد بن حسين الأنبابي، شمس الدين. ولد: سنة (١٢٤٠ هـ) أربعين ومائتين وألف. من مشايخه: الشيخ إبراهيم الباجوري، ومحمّد بن عبد القدوس القليبي وغيرهما. من تلامذته: الشيخ حسونة النواوي الحنفي، وعبد الرحمن القطب الحنفي وغيرهما. كلام العلماء فيه: * الأعلام: "فقيه شافعي ... ولي مشيخة الأزهر مرتين ... أصيب بالشلل قبل وفاته بسنتين" أ. هـ. * الأعلام الشرقية: "تولى مشيخة الأزهر مرتين ... وكان من أوسع العلماء اطلاعًا وأجلهم نفعًا للعلم والتدريس والتأليف وأقدرهم على تفهيم الطلاب، ولذلك كانت منزلته بينهم لا ترام لغيره علوًا وارتفاعًا وكان تقيًا نقيًا صالحًا ورعًا، يحب الفقراء والمساكين ويسدي إليهم معروفة من ماله الواسع الكثير، وقد ترك ثروة عظيمة أوقف معظمها للتصدق والإحسان وفعل

стр. 2456

المبرات" أ. هـ. * خطط مبارك: "وبالجملة فقد جمع بين العلم والعمل والدين والدنيا والصلاح والتقوى ومراقبة عالم السر والنجوى ... " أ. هـ. وفاته: سنة (١٣١٣ هـ) ثلاث عشرة وثلاثمائة وألف. من مصنفاته: "تقرير على حاشية السجاعي على شرح القطر لابن هشام"، و"تقرير على حاشية الأمير على شذور الذهب لابن هشام" كلاهما في النحو. ٣٣٧٢ - المبارك الجزائري * اللغوي، المفسر: محمّد بن محمّد المبارك الحسني الدلسّي المالكي، ينتسب لأسرة من عرب الجزائر نزلت بين البربر لإرشادهم وتلقينهم الطريق، فتعلمت لغتهم واختلطت بهم بالصهر والنسب. ولد: سنة (١٢٦٣ هـ) ثلاث وستين ومائتين وألف. من مشايخه: الشيخ طاهر الجزائري وغيره. من تلامذته: الشيخ عبد الباقي الجزائري مفتي المالكية، ومحمد الشريف اليعقوبي وغيرهما. كلام العلماء فيه: * تاريخ علماء دمشق: "درس الأدب، وعلوم التفسير والحديث والسيرة واشتغل بالتصوف مثل أجداده. ونبغ في اللغة والأدب وبرع في المناظرات والمساجلات وهو العالم الأديب اللغوي الصوفي الزاهد ... أخذ من التصوف أحسن ما فيه وهو باب الأخلاق، واطرّح ما فيه من فضول وكل قلة عمل وتخريف لا يقول به الشرع، وكان تصوفه ممزوجًا بروح السنة وحكمة البلغاء ويشبه قدماء المتصوفة ... ومن الكتب التي أقرأها لتلاميذه ومريديه (الفتوحات المكية) لابن عربي، و"قواعد التصوف) لابن رزوق" أ. هـ. وفاته: سنة (١٣١٣ هـ)، وقيل: (١٣٣٠ هـ) ثلاث عشرة، وقيل: ثلاثين وثلاثمائة وألف. من مصنفاته: "المقامة اللغزية والمقالة الأدبية"، و"المقامات العشر لطلبة العصر". ٣٣٧٣ - جمال الدين القاسمي * المفسر: محمّد بن محمّد سعيد بن قاسم الحلاق، من سلالة الحسين السبط جمال الدين القاسمي. ولد: سنة (١٢٨٣ هـ) ثلاث وثمانين ومائتين وألف. من مشايخه: الشيخ أحمد الحلواني، والشيخ سليم العطار وغيرهما. من تلامذته: الشيخ محمّد جميل الشطي، والشيخ محمَّد بهجة البيطار وغيرهما.

стр. 2457

كلام العلماء فيه: * الأعلام: "كان إمام الشام في عصره. علمًا بالدين، ومتضلعًا من فنون الأدب. مولده ووفاته في دمشق. كان سلفي العقيدة لا يقول بالتقليد. وقد اتهمه حسدته بتأسيس مذهب جديد في الدين سموه (المذهب الجمالي) فقبضت عليه الحكومة سنة (١٣١٣ هـ) وسألته فرد التهمة فأخلي سبيله، واعتذر إليه وإلي دمشق" أ. هـ. * أعلام دمشق: "وكانت فيه نزعة سلفية معتدلة" أ. هـ. * اتجاهات التفسير في العصر الراهن: (والقاسمي ينصر مذهب أهل السنة، ولذلك نجده يورد أقوال المعتزلة ويرد عليها ولنستمع إليه حين يورد قول المعتزلة في أن الشفاعة لا تقبل للعصاة ويفند زعمهم هذا بأقوال صاحب الانتصاف ابن المنير الإسكندري، يقول القاسمي: "القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ تنبيه: تمسكت المعتزلة بهذه الآية على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة، لأنه نفي أن تقضي نفس عن نفس حقًّا أخلَّت به من فعل أو ترك، ثم نفي أن يقبل منها شفاعة شفيع فعُلم أنها لا تقبل للعصاة. والجواب: أنها خاصة بالكفار. ويؤيده أن الخطاب معهم كما قال: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الْشَّافِعِينَ﴾، وكما قال عن أهل النار ﴿فَمَا لَنَأ مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾. فمعنى الآية أنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فدية ولا شفاعة، ولا ينقذ أحدًا من عذابه منقذ ولا يخلص منه أحد وفي الانتصاف: من جحد الشفاعة فهو جدير ألا ينالها. وأما من آمن بها وصدقها، وهم أهل السنة والجماعة، فأولئك يرجون رحمة الله، ومعتقدهم أنها تنال العصاة من المؤمنين، وإنما ادخرت لهم. وليس في الآية دليل لمنكريها". وها هو ذا ينصر مذهب أهل السنة في جواز رؤية الله تعالى يوم القيامة ويرد على المعتزلة الذين ينكرون ذلك، فيقول: "القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. دلت الآية على أن طلب رؤيته تعالى في الدنيا مستنكر غير جائز، ولذا لم يذكر، ، سؤال الرؤية إلا استعظمه، وذلك في آيات منها هذه. ومنها قوله تعالى: الآية ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ... ﴾ الآية ومنها قوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَينَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾. فدلت هذه التهديدات الفظيعة الواردة لطالبيها في الدنيا على امتناعها فيها. وكما أخبر تعالى بأنه لا يرى في الدُّنيا فقد وعد الوعد الصادق برؤيته في الدار الآخرة في آيات عديدة، كما تواترت الأحاديث الصحيحة بذلك، وهي قطعية الدلالة لا ينبغي لمنصف أن يتمسك في مقابلها بتلك القواعد الكلامية التي جاء بها قدماء المعتزلة وزعموا أن العقل قد حكم بها".

стр. 2458

والقاسمي لأنه عني بالنقل عن مفسري السلف فلا مفر له من ذكر الإسرائيليات في تفسيره، يقول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. * هذه الآية بيان لكيفية وقوع العفو المذكور في الآية قبل. روي أن موسى ﵇ لما رجع من الميقات ورأى ما صنع قومه بعده من عبادة العجل، غضب ورمى باللوحين من يده. فكسرهما في أسفل الجبل. ثم أحرق العجل الذي صنعوه، ثم قال: من كان من حزب الرب فليقبل إليّ. فاجتمع إليه جميع بني لاوي، وقال لهم: هذا ما يقوله الرب إله إسرائيل: ليتقلد كل رجل منكم سيفه، فجوزوا من وسط المحلة من باب إلى باب وارجعوا. وليقتل الرجل منكم أخاه وصاحبه وقريبه. فصنع بنو لاوي كما أمرهم موسى فقتلوا في ذلك اليوم من الشعب نحو ثلاثة وعشرين ألف رجل (وفي رواية نحو ثلاثة آلاف رجل). وفي غد ذلك اليوم كلم موسى الشعب وقال لهم: أنتم قد أخطائم خطيئة عظيمة. وإني الآن أصعد إلى الرب فأتضرع إليه من أجل خطيئتكم. فصعد موسى وتضرع للرب وسأل المغفرة لقومه". ولا يغيب عن البال أن القاسمي بدأ هذه الرواية بلفظة "روي" المبني للمجهول إشعارًا منه بضعفها. والقاسمي إذ ينقل الإسرائيليات عن تفاسير السلف إلا أنه لا يقف منها كحاطب ليل، فنراه يضعفها وينبه إلى فسادها وغلطها مستفيدًا من أقوال ابن كثير الدمشقي فيها، يقول في تأويل قوله تعالى ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا ... ﴾ الآية: "وقد غلط أهل الكتاب في دعواهم أن هؤلاء رأوا الله ، فإن موسى الكليم ﵇ قد سأل ذلك فمنع منه، فكيف يناله هؤلاء السبعون! أفاده ابن كثير. وقد رأيت دعواهم المذكورة في الفصل الرابع والعشرين في سفر الخروج. وهذا من المواضع الحقق تحريفها. ويدل عليه ما في الفصل الثالث والثلاثين من السفر المذكور أنه تعالى قال لموسى: لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش". ويلوم المفسرون الذين أوردوا روايات مختلفة في قصة البقرة وصاحبها لأنه لا يتعلق به كبير فائدة ولم يرو بسند صحيح إلى النبي ﵇، يقول: "وقد ذكر أكثر المفسرين قصة البقرة وصاحبها بروايات مختلفة لم نورد شيئًا كما أن البعض من البقرة لم يجيء من طريق صحيح عن معصوم بيانه. فنحن نبهمه كما أبهمه الله تعالى، إذ ليس في تعيينه لنا فائدة دينيه ولا دنيوية، وإن كان معينًا في نفسى الأمر. وأيًا كان فالمعجزة حاصلة به". والقاسمي في نقله عن مفسري السلف كان لا يلغي شخصيته ومواقفه، بل نجده ينقد بعض المفسرين ويضعف تأويلهم واجتهاداتهم في تفسير لفظة أو جملة قرآنية على شاكلة قوله في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ

стр. 2459

سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: وما ذكره بعض المفسرين من أن البصير في اللغة بمعنى العليم لا يخفى فساده، فإن العليم والبصير اسمان متباينا المعنى لغة، نعم! لو حمل أحدهما على الآخر مجازًا يبعد، ولا ضرورة إليه هنا". ومن مثل ذلك قوله في تأويل قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾: "تنبيه: خص من ذلك مقدار أجر المثل عند كون الوالي فقيرًا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، كذا قاله البيضاوي وتابعه أَبو السعود. وعندي أنه لا حاجة إلى تخصيص هذا النهي بالفقير في هذه الآية لأنها في الغني، لقوله ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ فلا يشمل مساقها الفقير". وفي صفات الله يستصوب القاسمي ما عليه أئمة السلف أهل العلم والإيمان وينصر موقفهم منها، إذ يقول: "والصواب ما عليه أئمة الهدى، وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث ويتبع في ذلك سبل السلف الماضين، أهل العلم والإيمان. والمعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات فتكون من باب تحريف الكلم عن مواضعه، ولا يعرض عنها، فيكون من باب الذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صمًا وعميانًا ولا يترك تدبر القرآن، فيكون من باب الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني". ومن الواضح لكل من يقرأ محاسن التأويل أن القاسمي متأثر بمفسرين أشد التأثير. الأول ابن كثير الدمشقي، والثاني الشيخ محمّد عبده الذي كان يلقبه الأستاذ الحكيم. ونتيجة لتأثره بهذين فإن عبارته تتصف بالسهولة والإيجاز. وكان معجبًا بابن تيمية الحراني شيخ ابن كثير الدمشقي الحافظ المفسر المؤرخ، وفي مواضع كثيرة من تفسير القاسمي نراه يستشهد بأقوال ابن تيمية ويذكر اسم الكتاب الذي نقل منه علي شاكلة قوله في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ... الآية﴾: "تنبيه: للعلماء في المحكم والمتشابه أقوال كثيرة، ومباحث واسعة. وأبدع ما رأيته في تحرير هذا المقام مقالة سابغة الذيل لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية عليه الرحمة والرضوان. يقول في خلالها: "المحكم في القرآن تارة يقابل بالمتثابه والجميع من آيات الله، وتارة يقابل بما نسخه الله مما ألقاه الشيطان، ومن الناس من يجعله مقابلًا لما نسخه الله مطلقًا، حتى يقول هذه الآية محكمة ليست منسوخة، ويجعل المنسوخ ليس محكمًا، وإن كان الله أنزله أولًا اتباعًا للظاهر من قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾. فهذه ثلاث معانٍ تقابل المحكم، ينبغي التفطُّن لها" أ. هـ. قلت: وقد فصل الأستاذ المغراوي عقيدة القاسمي في الأسماء والصفات بشكل أكبر في كتابه "المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات" ووصفه بأنه كان على نهج السلف الصالح، بل ولم يحد عنه إلا بما سنذكره آنفًا، ولعل نقولاته التي هي من أقوال الأئمة السلف الذين هم على الحق في الاعتقاد إن كان في الأسماء والصفات أو الإيمان أو غيرها ومن أراد الاستزادة فليرجع إليه فإنه مفيد.

стр. 2460

على أننا نستدرك على الأستاذ المغراوي كلام القاسمي في صفة قرب الله تعالى في قوله تعالى من سورة ق: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ حيث إنه لم يتطرق إلى هذه الصفة في كتابه الآنف الذكر، مع العلم أن القاسمي قد خالف ابن كثير في تفسير هذه الآية فقال في تفسيره محاسن التأويل (٦/ ٣٢٠) مرجحًا لقول من قال: -إنه تمثيل للقرب المعنوي، بالصورة الحسية المشاهدة، على من قال: يعني ملائكته تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه-: "والوجه الأول أدق وأقرب، وفيه من الترهيب وتناهي سعة العلم، مع التعريف بجلالة المقام الرباني ما لا يخفى حسنه" والقول الثاني الذي اعتبره القاسمي مرجوحًا هو قول ابن كثير وهو مذهب السلف في هذه الآية (انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٢٣٥) في تفسير سورة ق) ... وبقي لنا أن نذكر كلام ابنه على تفسيره فقد قال في كتابه "جمال الدين القاسمي وعصره" (ص ٦٨٣) ما نصه: "جرى في تفسيره على إظهار أسرار الشريعة وحقائقها على طريقة السلف الصالح حرًّا دون قيد، يفسر القرآن بالقرآن وبالحديث وبأقوال الصحابة والتابعين والأئمة من مختلف المذاهب فتراه ينقل عن المحدثين وقدامى المفسرين، وينقل عن المعتزلة والزيدية والشيعة والظاهرية وغيرهم. لا يتحرج في ذلك، ما رأى الحق في أقوالهم أو القول السديد في آثارهم". * ثم قال ظافر القاسمي -ابن جمال الدين القاسمي- ضمن فصل السوانح (١) (ص ٢٧٣) ما نصه: "لا عبرة برمي شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وأمثالهما رحمهم الله تعالى بالإلحاد، مثل النصير الطوسي، وابن عربي، وبعض الأشاعرة، أو المتأولين لآيات الصفات وآثارها، فإن ذلك منه ومن أمثاله حمية مذهبية، وغيرة على نصرة ما قوي لديه. وقد عهد في العالم الغيور الذي لا يتسع صدره لخلاف الخصم، أن يحمل عليه أمثال هذا وأعظم، وإلا فالنصير قد علم أن له مؤلفات في فن الكلام، خدمت وشرحت، وكلها مما يبرئه عن الإلحاد والزندقة، ودعوى أنه كان محرض هولاكو على قتل العلماء، دعوى من لم يعرف سنة الملوك المتغلبين، المندفعين على البلاد، للأسر والقتل. وأين نصير الدين من هولاكو، حتى يكون مستشاره في القتل والسفك، وعقيدته، ومشربه؟ وترجمته المحفوظة، نبرئه من مثل ذلك! وابن عربي، حق الباحث معه، المنكر عليه، أن ينكر عليه موضعًا لا يحتمل التأويل، ويقول: ظاهره إلحاد. إلا أن الرجل له عقيدة نشرها أولًا، ومذهب في الفقه حسن، فمثله لا يسوغ رميه بالإلحاد. وحينئذ فيقال: كلامه مشكل، إلا أن عقيدته صحيحة. فالأولى الإعراض عن المشكلات من كلامه، وعدم مطالعتها، إذ لعل لها معاني عنده. وأمثال هذا مما يخفف من الرمي،

стр. 2461

والإلحاد، فافهم .. " أ. هـ. قلت: لا شك أن هذا الكلام مردود على القاسمي رحمه الله تعالى فمثل إلحاد النصير الطوسي (١) وابن عربي (٢) صاحب وحدة الوجود لا يخفى على عالم مثله. على أنه مدح ابن عربي أيضًا في أحد كتبه، ولعل السبب في ذلك الجو الذي عاش فيه فقد كثر فيه التصوف والدعوة إليه والانتصار لبعض مشايخه -أي التصوف- ولا شك أنه تأثر بذلك فتراه يذكر في مشيخته: "ومن أجلاء مشايخي صوفي عصره، الأستاذ الجليل المحقق محمّد بن محمّد الخاني النقشبندي ... ولمهارته ﵀ في فن التصوف قرأت عليه من كتبه لطائف الأعلام للقاشاني، وشرح الفصوص لملّا جامي، ومواقف أستاذه الأمير عبد القادر الحسني ثم الدمشقي، وحصة من شرح مواقع النجوم، وغير ذلك مما لم يحضرني الآن. وحضرته في كتاب والده البهجة السنية في آداب الطريقة النقشبندية. "وكان ﵀ لقنني ذكر الطريقة النقشبندية، ولازمت حلقته مدة، ثم تركتها لأمرٍ ما" أ. هـ. وفي السانحة رقم (٣٠) يقول القاسمي: "مسألة خلق الأفعال، يرى الواقف على أدلتها من المطولات الكلامية ظهور أدلة المعتزلة ظهورًا بيِّنًا. فإذا قيل لهم: لم يعذب الله العصاة؟ قالوا: لارتكابهم المعاصي. فإذا قيل لهم: أم ارتكبوها؟ قالوا: لإرادتهم ذلك، وإنهم مختارون. فإذا قيل لهم: أليس يجب صدور المعصية عنهم حتى يطابق علم الله تعالى؟ أجابوا: بأن العلم تابع للمعلوم، دون العكس. فليس العلم بالمعصية سببًا للمعصية، حتى تجب المعصية بوجوبه، فعلمه تعالى بمعصية زيد لأنه سيعصي، لا إن زيدًا يعصي لأنه قد علم الله معصيته. ومن المعلوم أن وجوب الشيء المقارن اللازم لفعل لا يجعل ذلك اضطراريًا، بحيث يقبح العقل التكليف. وأما طريقة الحكماء فهي أن العقاب لازم من لوازم أفعالهم، ففعلهم هو سب له كالمرض، فإن حدوثه من لوازم فساد ما في الأخلاط، وكذلك العقاب لازم للأفعال المذمومة، وارد على النفس منها لفساد ملكتها". وفي السانحة رقم (٥٥) قال: "سنح لي أن أقيد ما أراه في مسألة كتب الصوفية، والمشهورين بالعارفين منهم، من الاعتدال في ذلك، والتوسط فيه، حبًا بالإنصاف، فإني رأيت من الناس من يكفر أربابها، ويحرم النظر فيها، ويحرقها إذا ظفر بها، اشتمالها على ما يعتقده حلولًا، واتحادًا، من ألفاظ ظاهرها ذلك. كما أن من الناس من يجلها وأربابها، ويشغف بها، ويدعو إليها، ويراها لب الألباب، وأنها الجديرة بأن ينفق في مطالعتاها العمر، وندر من يتوسط في ذلك أو في أصحابها، بل الأمر في بعض مؤلفيها أن يصفه قوم بأنه صديق، وآخرون بأنه زنديق. فما هذا الحال، وأين الاعتدال؟

стр. 2462

فأما مسألة التكفير، فإنا لا نكفر كل من استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، واعتقد عقيدتنا، ونلتمس لكلامه ما يدرأ عنه الكفر، للأصل الأصيل في باب الحدود، وهو حديث: "ادرأوا الحدود بالشبهات". نقول هذا أولًا مع الحشوية الذين لا يفقفون لكلام أولئك من قاعدة، وإلا فإنهم في فنهم على أصول قرروها، واصطلاحات حرروها، من رجع إليها رأى أن كلامهم شعبة من فن الحكمة. إلا أن مؤلفيها لما كانوا من أرباب الرياضة، والتجريد، والتزهد، مع الانصباغ بصبغة الدين، كان كلامهم أشبه بفلسفة إسلامية، لا يونانية محضة، فأصبحت مزيجًا، كما يعلمه الواقف على كلامهم في مطولات كتبهم، كالفتوحات والأسفار الأربعة، وغيرها. نعم، لا ينكر أنها اشتملت على ما هو مردود، ومنظور فيه، مما ظهرت الحكمة الجديدة، والفلسفة الحقة الآن، بخلافه، إلا أنها في تلك العصور كانت هي المشهورة المتداولة وأما اشتمالها على ما يشعر بالحلول، أو الاتحاد، فهو ما يفهم منها بحسب ظاهر اللفظ، ولو رجع إلى مقاصد أربابها لوجدهم يبرؤون إلى الله من أن يفهم حلول أو اتحاد، لأنه خلاف الفن، وخلاف قواعده، لأن الوجود الكلي لا يتعين، فتعينه بذات، ودعوى أنه هو هي، خطأ في الفن، فالعلم يتبرأ منه. فإذن من الفرية عيهم أنهم يقولون بالحلول والاتحاد، ومن الجهل بقواعدهم ومشربهم واصطلاحاتهم .. " أ. هـ. قلت: انظر في الرد على السانحة رقم (٣٠) ما قاله شيخ الإسلام في مجمع الفتاوى (٨/ ٤٠٦) وما بعدها و (٨/ ٤٤٨) وما بعدها ودرء تعارض العقل والنقل (١٠/ ١١٢) و (٩/ ٢٧١) وما بعدها. ومنه يظهر لك خطأ ما ذهب إليه القاسمي في ذلك. وأن ما قاله ليس هو قول أهل السنة والجماعة. أما ما ذكره في السانحة رقم (٥٠) فنقول إنه قد ظهر أمر ابن عربي وأتباعه وانكشف فلا حاجة للاعتذار عنهم بمثل ما قاله القاسمي. ولا ندري ما الذي دفع القاسمي إلى القول بهذا مع أنه من العلماء الذين نذروا أنفسهم لنشر مذهب السلف وخصوصًا في مسألة الأسماء والصفات وتفسيره محاسن التأويل خير دليل على ذلك. وحاولنا قدر الإمكان التحقق من نسبة هذه الأقوال إليه فوجدنا أن الأمر لا ليس فيه فقد ذكر ابنه ما نصه: "ولقد كانت هذه السوانح متنفسًا للقاسمي على ما يظهر، كتب فيها بعض آرائه التي لم يكن يجرؤ على نشرها. في المؤلفات التي طبعت في حياته ولا سيما دعوته إلى إعمال الفكر وإلى الاجتهاد. ففي هذه السوانح ترى هذه الدعوة واضحة" (القاسمي وعصره: ص: ٢٦٠) بقي لنا أن نعلم أن تاريخ كتابة السانحة رقم (٣٠) كان في صفر سنة (١٣٢٦ هـ) والسانحة رقم (٥٥) هو عيد الأضحى سنة (١٣٢٧ هـ) وتاريخ كتابة التفسير هو عيد من سنة (١٣١٧ هـ) إلى سنة (١٣٢٩ هـ). قال الأستاذ المغراوي في كتابه "المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات": "وله كتاب في تاريخ الجهمية أشك في نسبته إليه لما فيه من تعارض مع كتابه الكبير المسمى بمحاسن التأويل

стр. 2463

والله أعلم" انتهى. قلت: أما نسبة الكتاب إلى القاسمي فثابتةٌ قطعًا وقد طبع في حياته كما ذكر ابنه في كتابه الآنف الذكر. ونحن نشارك الأستاذ المغراوي هذا الاستغراب؛ لأن ما في محاسن التأويل يثبت أن الشيخ جمال الدين القاسمي كان من المدافعين عن منهج السلف ضد بقية الفرق التي انحرفت عن منهج أهل السنة والجماعة كالمعتزلة والجهمية وغيرهما. ولا ندري هل إن الشيخ جمال الدين القاسمي قد نسخ ما قاله في سوانحه وفي كتاب تاريخ الجهمية والمعتزلة بما ذكره في تفسيره أم لا؟ لأن تاريخ كتابه السوانح قريب جدًّا من تاريخ كتابة التفسير! . ولعل هناك سبب آخر في التماس القاسمي العذر لابن عربي والنصير الطوسي وهو منهجه المتساهل في الجرح والتعديل والشاهد على ذلك كتابه الذي ألفه في الجرح والتعديل. ونحن لا نرى غرابة في الأمر فقد وقع القاسمي بما وقع به الإمام السيوطي الذي ألف كتابًا في الدفاع عن ابن عربي سماه "تنبيه الغبي في تبرئة ابن عربي" ورد عليه إبراهيم الحلي في كتابه المسمى "تسفيه الغبي في تبرئة ابن عربي" [انظر الكتاب محققًا في مجلة الحكمة الغرّاء، العدد ١١]. وختامًا نقول إن القاسمي هو علامة الشام والمجدد لعلوم الإسلام، محيي السنة بالعلم والعمل والتعليم والتهذيب والتأليف وأحد حلقات الاتصال بين هدي السلف والارتقاء المدني الذي يقيضه الزمن. ولكن كما يقولون لكل فارس كبوة، والله أعلم بالصواب. وفاته: سنة (١٣٣٢ هـ) اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وألف. من مصنفاته: "دلائل التوحيد"، و"محاسن التأويل"، و"قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث". ٣٣٧٤ - القزويني * المقرئ: محمّد بن محمّد مهدي الحسني القزويني، أَبو المعز. ولد: سنة (١٢٦٢ هـ) اثنتين وستين ومائتين وألف. من تلامذته: محمّد مهدي البصير وغيره. كلام العلماء فيه: * الأعلام: "أديب من فقهاء الإمامية .. تفقه وتأدب في النجف. وكانت بينه وبين معروف الرصافي، ومصطفى الواعظ، وجعفر الحلي وغيرهم مساجلات ومطارحات" أ. هـ. * دراسات وتراجم عراقية: "قال عليّ كاشف الغطاء في كتابه (الحصون المنيعة) واصفًا أبا المعز قائلًا: كان عالمًا فاضلًا، ضمَّ إلى الفضل الكرم والأدب وأضاف إلى الشرف بالنسب الشرف بالحسب، وكان واسطة عقد السادة ومعقد إكليل السيادة، وطراز عمائم الأفاضل من بني هاشم الأماثل ... " أ. هـ. أما الدكتور محمّد مهدي البصير الذي كان أحد

стр. 2464

تلاميذه فقد وصفه قائلًا: كان ﵀ فصيح اللسان قوي الجنان غزير الحفظ مستظهرًا للقرآن الكريم كثير الرجوع إليه والاستشهاد به عظيم القدرة على الجدل والمناظرة ... " أ. هـ. وفاته: سنة (١٣٣٥ هـ) خمس وثلاثين وثلاثمائة وألف. من مصنفاته: "رسالة في التجويد والقراءات"، وكتب ورسائل بطريقة "البند" الذي شاع في عصره بالعراق وهو يشبه ما يسمى اليوم بالشعر الحر (لا وزن ولا قافية). ٣٣٧٥ - باكثير * النحوي، المقرئ: محمّد بن محمّد بن أحمد باكثير الكندي. ولد: سنة (١٢٨٣ هـ) ثلاث وثمانين ومائتين وألف. كلام العلماء فيه: * الأعلام: "قاض، من شيوخ العلم والأدب في حضر موت. ولي القضاء بضع سنوات وكف بصره. له (٢٢ كتابًا) في التاريخ والنحو والتجويد والعروض وغير ذلك" أ. هـ. * مصادر الفكر: "أخذ عن جماعة من العلماء وكان أكثر مكوثه في بلدته معتكفًا بأحد مساجدها" أ. هـ. وفاته: سنة (١٣٥٥ هـ) خمس وخمسين وثلاثمائة وألف. من مصنفاته: "الشماريخ" وهو تاريخ قومي، و"حب الغمام في تراجم أشياخي الكرام". وله "مبتدأ العربية في شرح الآجرومية" أ. هـ. ٣٣٧٦ - المكّي البَطَّاوري * اللغوي، المقرئ: محمّد بن محمّد بن عليّ بن عبد الرّحمن الشرشالي، أَبو حامد، البطاوري المكي. ولد: سنة (١٢٧٤ هـ) أربع وسبعين ومائتين وألف. من مشايخه: والده، ومحمد بن أحمد الرغاي الرياضي وغيرهما. من تلامذته: محمّد المدني بن الحسني، والسيد عبد الحفيظ الفاسي وغيرهما. كلام العلماء فيه: * الأعلام: "أديب من القضاة له اشتغال بالحديث والتفسير من أهل الرباط في المغرب كان شيخ جماعتها" أ. هـ. * قلت: ومن كتاب "شخصيات مغربية" ينقل عن بعض الكتب، ونذكر عنه ما نصه: "ففي شرح رائية الشيخ حسن العطار في العربية المسمى (منح الأوطار من نفح العطار): وعلم الشرع هو ما دونه أهل الشرع لبيان ألفاظ القرآن أو السنة النبوية لفظًا وإسنادًا أو لإظهار ما قصد بالقرآن من التفسير والتأويل، أو لإثبات ما يستفاد منهما أعني الأحكام الأصلية الاعتقادية،

стр. 2465

أو الأحكام الفرعية العملية، أو تعيين ما يتوصل به من الأصول في استنباط تلك الفروع، أو ما دون لمدخليته في استخراج تلك المعاني من الكتاب والسنة أعني الفنون الأدبية هو ما قاله العلامة الحفيد رحمه الله تعالى وهو شامل للمقاصد والوسائل، فالمقاصد كحفظ القرآن والتفسير والحديث والفقه والكلام والتصوف على رأي فيهما". وقال: "وقالوا في الماء: هو أعز مفقود، وأهون موجود، دخل الشَّعْبيّ على مسلم بن قتيبة فقال له: ما تشتهى يا شعبي؟ قال أعز مفقود، وأهون موجود، فقال: يا غلام: اسقه الماء، ومن معنى أنه أعز مفقود: ما حكى أن بعض الصوفية قال لبعض الملوك: أرأيت لو فقدت جرعة ماء أكنت تشتريها بنصف ملكك؟ قال: نعم، قال: أرأيت لو حبس عنك خروجها أكنت مفتديًا بالنصف الآخر؟ قال: نعم، قال فإنما قيمة ملكك شربة وبولة. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ﴾ صدق ربنا سبحانه كل شيء من الماء حتى من النار قال سبحانه ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا﴾ وجاء في الواقعة ﴿أَفَرَأَيتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾ فالنار من الشجر والشجر من الماء، تقول العرب: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار، أي كثر في هذين النوعين من الشجر لأنهما رخوان كالكلخ عندنا يحك بعضه ببعض فتخرج من بينهما النار بقدرة الله تعالى وفيهما الرطوبة التي هي ضرب من الماء كذا فسره الإمام المهدوي، وفي هذه المسألة أخطأ إبليس لعنه الله بقياسه الفاسد قال الله تعالى حكاية عنه: ﴿قَال أَنَا خَيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ يعني آدم ﵇ ولم يعلم اللعين أن آدم إن كان نقل من الطين مرة فقد نقل اللعين مرتين، لأن النار من الشجر والشجر من الطين. قال المترجم: ومما تلقيته من بعض شيوخنا ﵃: أن أول ما خلق الله من الأجسام بعد نور نبينا محمّد ﷺ - الهواء وهو ما بين السماء والأرض على ما لابن عربي في الفتوحات قال: وهو أصل الموجودات قال: وبه صلاح العالم، والهواء هو أحد العناصر الأربعة التي هي: النار والهواء والماء والتراب ويجمعهما: (نهمت) والهواء هو أصلها لأنه حار رطب، فإذا غلبت حرارته، وحقيقة الماء هواء غلبت رطوبته بدليل أن الماء إذا غلى على النار وترك عليها يبس ورجع إلى أصله الذي هو الهواء، لأن البخار الصاعد من الماء إلى الجو حال غليانه يصير هواء، والتراب ناشيء عن الماء لأن الماء إذا يبس وجمد صار ترابًا، وأول ما جمد من الماء حجر بمكة ملء الكف منه حيى الله جميع الأرض ولهذا سميت مكة أم القرى". ومن كتاب (الدروس الحديثية في المجالس الحفيظية): "قال في كلمة (﵁): جملة دعائية، قال الإمام أَبو حيان في النهر: ورضي الله تعالى عن عبده فعله به ما يفعل الراضي بما يرضى عنه وهو إيصال الخير إليه هدوء الرضى في لغة العرب ضد السخط يقال رضي الشيء وبه وعنه وعليه رضوانًا ويضمان ومرضاة هو قال الطيبي: الرضوان هو الرضى الكثير، ولما كان أعظم

стр. 2466

الرضى رضي الرحمن خص لفظ الرضوان في القرآن بما كان من الله قال : ﴿إلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ﴾. وقال: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا﴾ قال: ﴿برَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ﴾ وفي مفردات الراغب يقال رضي يرضى فهو مرضى ومرضو أ. هـ. فياء رضي أصلها الواو فلتطرفها إثر كسرة قلبت ياء، قالوا ورضى العبد عن الله أن لا يكره ما يجري به قضاؤه، ورضي الله تعالى عن العبد هو أن يراه مؤتمرًا لأمره، ومنتهيًا عن نهيه. قال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، وقال سبحانه ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﵃ في الأزل وسابق علم القدم ويبقى رضاه إلى الأبد لأن رضاه صفته الأزلية، الباقية الأبدية لا تتغير بتغير الحدثان، ولا بالوقت والزمان. ولا بالطاعة والعصيان، وإذا هم في اصطفانيته باقون إلى الأبد لا يسقطون من درجاتهم بالزلات ولا بالبشرية والشهوات، لأن أهل الرضى محروسون برعايته لا تجري عليهم نعوت أهل البعد وصاروا متصفين بوصف رضاه فرضوا عنه كما رضي عنهم كما قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وهذا بعد قذف نور الإنس بقلوبهم بقوله ﴿فَأَنْزَلَ الْسَّكِينَةَ عَلَيهِمْ﴾ فسكنت قلوبهم إليه واطمأنت به لتنزل اليقين هو نقله الإمام العارف بالله سيدي عبد الرحمن الفاسي في حاشية الجلالين، ولذلك "والله أعلم". قلت: ونقل من بعض أشعاره قال: (ومما قلته في الوجهة الحجازية وأنشدتها تجاه الحجرة النبوية على مشرفها أفضل الصلاة وأزكى السلام وذلك في عام أربعة وثلاثمائة وألف. من بحر الكامل: قرب المزار أثار كامن لوعتي ... لما سرت ريح الصبا بمهمة فالقلب يخفق من سرور تارة ... ويذوب طورًا من عظيم مهابة يا قسوة القلب العليل بدائه ... كم صرت تجري بي لأعظم حسرة وأراك يا قلب نهجت مناهجا ... للسوء كم أردت سوأي وأصمت أوقعتني في معضل أضنى الحشا ... وسلكت بي سبل الغرور بحيلتي لما ترادفت الوساوس فيك لم ... تبرح تخيل كل سوء ظنت ونعم لقد ساءت فعالي جملة ... فاعتدت سوء الظن أقبح شيمة فعن الجميل تكاسلي لما قسا ... قلبي وعيني لا تجود بعبرة فهلكت لولا أن لي ذخرًا به ... أرجو وآمل أن تقوم حالتي المصطفى بحر الوفا عين الشفا ... من كل داء في الفؤاد وعلة يا سيد السادات يا نور الهدى ... وأجل من يرجى لكشف ملمة

стр. 2467

يا صفوة الرحمن يا خير الورى ... يا خير مبعوث بأشرف ملة يا خاتم الرسل الكرام وحائز الر ... تب العظام وأصل كل فضيلة يممت حضرتك الشريفة قاصدا ... نيل الشفاء بلثم تربة طيبة إلى آخر التائية البالغة أبياتًا كلها توسل وتضرع وتعلق بجناب الرسول الأعظم". قال: ومما قلته في المواجهة الشريفة من بحر البسيط: يا سيدي يا رسول الله يا أملي ... كم لي أرجى أن أضحى مناجيكا وقد سعدت ونلت ما أؤمله ... لما تمثلت في أعقاب ناديكا يا حسرتي أن قفلت عن جنابكم ... قاسى قلب وصفرا من أياديكا حاشا وكلا وأنت الجود أجمعه ... والجود والفضل معنى من معانيكا وهو يقول: وقلت مستشفعًا بسيد الشهداء عم سيدنا ومولانا رسول الله ﷺ سيدنا حمزة ﵁ وأرضاه وأنشدتها بضريحه الأنور من المتقارب: ٣ - فيا زائري طيبة نلتم ... كمال المنا وتمام الوطر وفزتم بكل هنا وسرور ... وحزتم جمالًا وعزا بهر هنيئًا مريئًا لنا كلنا ... سعدنا بزورة خير مضر سعدنا بزورة نور الهدى ... فيا فوزنا بالحبيب الأغر فهذي الجنان وهذا النعيم ... وهذي الشموس وهذا القمر وهذا الجلال وهذا الجمال ... وهذا الكمال الذي يعتبر وهذا البقيع وسكانه ... وهذا قباء وهذا الأثر وهذا الرسول رسول الإله ... وهذا عتيق وهذا عمر وهذي جبال مدينته ... ومن بينها أحد قد ظهر فنعم المحب لخير الورى ... ونعم الحبيب لخير البشر ونعم الذي قد أقام به ... ونعم الضرِيح به قد زهر بحمزة عم إمام الورى ... وليث الوغى من كريم نفر قطب رحى كل مكرمة ... كما قد أتى في صحيح الأثر

стр. 2468

يجاب الدعاء بأعتابه ... ونور سنى مجده قد بهر فيا سيد الشهداء ومن ... به يتوسل أهل البصر لأنت شفيعي للمصطفى ... وأنت ملاذي ونعم الوزر وأنت عيادي وأنت غياثي ... وأنت اعتمادي وأنت المفر عليك من الله رضوانه ... يعم رحابك ذات الغرر ويروي ثرا الشهدا الأكرمين ... بنشر عبير وعرف عطر وها أنا لذت بحانبك الـ .. ـعظيم وفضلك فينا اشتهر وحاشاك أن تطرد الملتجئ ... وأنتم ذوو الجود والمفتخر فقلبي عليك بزلاته ... وذنبي عظيم وعجزي ظهر فكن شافعًا في للمصطفى ... ينيلني الأمن من ذا الحذر ويعطف لي عطفة يتجلى ... بها عن فؤادي كل كدر ويمنحني السؤل والمرتجى ... ويشفع لي يوم تبدو العبر ويجعلنا في كفالته ... ومن غاب من أخوتي أو حضر فهذا سؤالي وأنت الوسيـ ... ـلة للمصطفى في سنى المقر عليه صلاة من الله ما ... بدا بارق وتلاه مطر وما هب ريح الصبا فانثنت ... غصون الرُّبا وفروع الشجر وآله طرا وأزواجه ... وأصحابه التابعين الأثر قلت: وما نقلناه آنفًا يشهد لما عليه صاحب الترجمة من السلوك الصوفي الواضح لديه ... والله أعلم. وفاته: سنة (١٣٥٥ هـ) خمس وخمسن وثلاثمائة وألف. من مصنفاته: "هامية الطرب" في شرح لامية العرب، و"شرح مقدمة ابن الجزري" في التجويد، و"شرح الأرجوزة الفائقة المستعذبة الرائقة فيما يحتاج الأتاي إليه ويتوقف شربه وإقامته عليه" في الشاي، وأهل المغرب يسمونه الأتاي طبع في حياته، ثم كان يوصي بإتلافه لاشتماله على شيء من المجون.

стр. 2469

٣٣٧٧ - المهيري * المفسر: محمّد بن محمّد بن حمودة ابن الحاج حمودة بن عليّ المهيري (١). ولد: سنة (١٣٠٥ هـ) خمس وثلاثمائة وألف. من مشايخه: عليّ المصمودي، ومحمد القفال الأزهري وغيرهما. كلام العلماء فيه: * مشاهير التونسيين: "ولد بصفاقس وبها نشأ، أحرز شهادة التطويح وتصدى للتدريس بالجامع الكبير بصفاقس وسمي عدلًا موثقًا" أ. هـ. * تراجم المؤلفين التونسيين: "المفسر الفقيه المحقق المائل إلى الاجتهاد، وأعمال العقل، المشارك في علوم، الناظم، وله شعر قليل". وقال: "كان قوي الشخصية في دروسه مع ميله إلى الانبساط، والبعد عن التهجم، وهو في دروسه يستشهد كثيرًا بالأحاديث الصحيحة، ... وقد لبث يقرئ درس التفسير مدة عشرين عامًا إلى أن ختم تفسير القرآن كله" أ. هـ. وفاته: سنة (١٣٩٣ هـ) ثلاث وتسعين وثلاثمائة وألف. من مصنفاته: "تفسير سورة يوسف" نشر منه قسمًا في مجلة (مكارم الأخلاق)، ونظم في التاريخ الإسلامي وتاريخ تونس إلى الدولة الحسينية. ٣٣٧٨ - أَبو اليسر عابدين * المقرئ: محمّد أَبو اليسر بن محمّد أَبو الخير بن أحمد بن عبد الغني بن عمر بن عابدين، السيد الشريف، ينتهي نسبه إلى الحسن السبط، وهو أخو السيد محمّد أمين. ولد: سنة (١٣٠٧ هـ) سبع وثلائمائة وألف. من مشايخه: والده، والشيخ أمين سويد الدمشقي، والمحدث الأكبر محمّد بدر الدين الحسني وغيرهم. كلام العلماء فيه: * أعلام دمشق: "علامة الزمان، فقيه حنفي عالم، أديب، مجاهد، مفتي الجمهورية العربية السورية الأسبق ... نال الإجازة من جده السيد أحمد وكان بالغًا مبلغ الرجال فأجازه بالطريقة النقشبندية الجددية وبالطريقة الخلوتية المهدية السكلاوية ... وكراماته كثيرة ظاهرة يعرفها كل من عرف الشيخ أو جالسه دون أن ينظر الشيخ إليها أو يتحدث بشأنها أبدًا" أ. هـ. وفاته: سنة (١٤٠١ هـ) إحدى وأربعمائة وألف. من مصنفاته: رسالة في القراءة والقراءات، و"أغاليط المؤرخين"، و"رسالة في الأوراد".

стр. 2470

٣٣٧٩ - ابن محيسن * المفسر المقرئ: محمّد بن محمّد بن محمّد بن سالم بن محيسن المصري. ولد: سنة (١٩٢٩ م). من مشايخه: محمّد بن السيد عزَب، والشيخ محمّد محمود، والشيخ محمود بكر وغيرهم. من تلامذته: خلق كثير. كلام العلماء فيه: * قلت: قال عن نفسه في كتابه معجم حفاظ القرآن (ص ٥١٩): "بعد حصوله على شهادة التخصص في القراءات وعلوم القرآن عُيِّن مدرسًا بقسم تخصيص القراءات بالأزهر لتدريس القراءات وعلوم القرآن". وقال: "بلغ إنتاجه العلمي أكثر من ثلاثين كتابًا في جوانب متعددة مثل: تجويد القرآن وضبط القرآن وإعجاز القرآن وعلوم القرآن، والقراءات التراث والسبع والعشر والقراءات الشاذة، والآداب الإسلامية والسنة النبوية والفقه الإسلامي. يرجو من الله تعالى أن يوفقه دائمًا إلى خدمة العلم والقرآن. يرجو من الله تعالى أن يحسن خاتمته ويتوفاه على الإيمان وأن يغفر له ولوالديه إنه سميع مجيب" أ. هـ. من مصنفاته: "المستنير في تخريج القراءات من حيث اللغة - والإعراب - والتفسير" ثلاثة أجزاء، "الرائد في تجويد القرآن"، و"الهادي إلى تفسير كلمات القرآن" وغيرها. ٣٣٨٠ - السَّمرقندي * المقرئ: محمّد بن محمود بن محمّد بن أحمد، شمس الدين، السمرقندي. من مشايخه: والده محمود، ومحمد بن عبد الله بن محمّد المعروف بابن العبد وغيرهما. كلام العلماء فيه: * غاية النهاية: "إمام بارع مجود. ولمحمد هذا كتاب في التجويد لا بأس به لولا أنه ذكر إظهار الغنة والإخفاء عند الميم الساكنة إذا لم يكن بعدها أحد حروف (بوف) وهذا غلط منه ومن غيره وكأنهم لما رأوا النص على الإظهار في هذه الأحرف الثلاثة حسبوا أن يكون الإخفاء عند باقي الحروف وقد بينا ذلك في (النشر) -أي كتاب ابن الجزري النشر في القراءات العشر- وحققناه" أ. هـ. * الأعلام: "عالم بالقراءات، أصله من سمرقند ومولده بهمذان وإقامته ببغداد" أ. هـ. وفاته: نحو سنة (٧٨٠ هـ) ثمانين وسبعمائة. من مصنفاته: "القراءات السبع" بالجداول، و"التجريد في التجويد".

стр. 2471

٣٣٨١ - جلال الدين بن النظام * النحوي، اللغوي: محمّد بن محمود النظام، جلال الدين. من مشايخه: بهاء الدين الأخميمي، وأَبو البقاء وغيرهما. كلام العلماء فيه: * إنباء الغمر: "كان عارفًا بالفقه والأصول والعربية والنظم ... وكان بزي الجند وكان يعرف قديمًا بابن صاحب شيراز" أ. هـ. * تاريخ ابن قاضي شهبة: "شارك في الأدب والمنطق ونظم جيدًا ثم صار له تصدير بالجامع الأموي يجلس فيه ويقرأ عليه، وكان الترك يعظمونه ويجلسونه فوقهم .. " أ. هـ. * البغية: "إمام منكلي بُغا .. " أ. هـ. وفاته: سنة (٧٨٤ هـ) أربع وثمانين وسبعمائة. ٣٣٨٢ - شمس الدين النيسابوري * المفسر: محمّد بن محمود بن عبد الله النيسابوري، شمس الدين، ابن أخي جار الله الحنفي. من مشايخه: لازم عمه جار الله الحنفي وغيره. كلام العلماء فيه: * إنباء الغمر: "ولي إفتاء دار العدل ومشيخة سعيد السعداء، وكان بشوشًا حسن الأخلاق عالمًا بكثير من المعاني والبيان والتصوف" أ. هـ. * طبقات المفسرين للداودي: "تصدى للاشتغال عدة سنين في فقه الحنفية وفي النحو والتفسير والأصول". وقال: "كان مليح الشكل، جميل الصورة، دمث الأخلاق، بشوشًا هَيَّئًا، حسن اللقاء، متوددًا إلى أصحابه، منجمعًا عن الناس، صدرًا من صدور الحنفية ومفخرًا من مفاخر مصر" أ. هـ. وفاته: سنة (٧٩١ هـ) إحدى وتسعين وسبعمائة. ٣٣٨٣ - المُغْلَوي * النحوي، المقرئ: محمّد بن محمود المغلوي الوفائي، الحنفي، الرومي. كلام العلماء فيه: * الكواكب السائرة: "كان عارفًا بالعلوم الشرعية والعربية وكان له إنشاء بالعربية والفارسية والتركية وأكثر اهتمامه بالمحسنات اللفظية ... وكان له أدب ووقار لا يذكر أحدًا إلا بخير" أ. هـ. * الشقائق النعمانية: "كان ﵀ حليم النفس كريم الطبع سليم الخاطر صحيح العقيدة محبًا للصوفية سيما الطريقة الوفائية وكان مشتغلًا بالعلم الشريف غاية الاشتغال، وكان محبًا للعلم

стр. 2472

واطلع على كتب كثيرة" أ. هـ. * الأعلام: "فاضل تركي، تفقه وتأدب بالعربية، وكان مدرسًا في (كوهاتيه") أ. هـ. وفاته: سنة (٩٤٠ هـ)، وقيل: (٩٦٣ هـ) أربعين، وقيل: ثلاث وستين وتسعمائة. من مصنفاته: "تهذيب الكافية وشرحها" في النحو، و"تفسير سورة الضحى". ٣٣٨٤ - المناشِيِري الصَّالِحِي * المفسر: محمّد بن محمود بن محمود بن أحمد بن محمّد بن خضر المناشيري الصالحي الدمشقي الشافعي. ولد: سنة (٩٨١ هـ) إحدى وثمانين وتسعمائة. كلام العلماء فيه: * خلاصة الأثر: "كان من فضلاء الشافعية، قرأ وحصل، وكان أديبًا مطبوعًا، وله شعر مستعذب" أ. هـ. * الأعلام: "فلكي مؤقت، من أهل دمشق" أ. هـ. وفاته: سنة (١٠٣٩ هـ) تسع وثلاثين وألف. من مصنفاته: "الفلك المشحون في تفسير بعض معاني كتاب الله المكنون"، و"الفلك الدوار للشمس المنيرة والقمر السيار". ٣٣٨٥ - دَبَّاع زاده * النحوي، المفسر: محمّد بن محمود بن أحمد دباغ زاده، الرومي، الحنفي. كلام العلماء فيه: * الأعلام: "فقيه مفسر، تولى مشيخة الإسلام في الدولة العثمانية مرتين" أ. هـ. وفاته: سنة (١١١٤ هـ) أربع عشرة ومائة وألف، وفي إيضاح المكنون ذكر وفاته سنة (١١٠٠ هـ) مائة وألف. من مصنفاته: "الترتيب الجميل في شرح التركيب الجليل للتفتازاني" في النحو، وله بالتركية "تبيان في تفسير القرآن". ٣٣٨٦ - المَدَني * اللغوي: محمّد بن محمود بن صالح بن حسن الطربزوني، الشهير بالمدني. كلام العلماء فيه: * الأعلام: "فقيه حنفي، أديب من أهل المدينة كان مدرسًا وقيمًا على الكتب بجامع السليمانية في (استانبول) " أ. هـ. وفاته: سنة (١٢٠٠ هـ) مائتين وألف. من مصنفاته: "رسالة في بيان ما في الصحاح من الأوهام" لغة، و"رسالة في المثلثات" لغة،

стр. 2473

و"الدر المنتظم في شرح الحزب الأعظم". ٣٣٨٧ - معحمّد رفعت * المقرئ: محمّد محمود رفعت ولد: سنة (١٣٠٠ هـ) ثلاثمائة وألف. من تلامذته: محمّد رشاد الشريف وغيره. كلام العلماء فيه: * الأعلام: "أشهر القراء في العصر الأخير، وأعلم قراء مصر بمواضع الوقف من الآيات. كف بصره في السادسة من عمره، وامتاز بإبداع في الترقيل وإتقان للتجويد، في صوت عذب ينفذ إلى القلوب وتطمئن إليه النفوس" أ. هـ. وفاته: سنة (١٣٦٩ هـ) تسع وستين وثلاثمائة وألف. ٣٣٨٨ - محمّد البَزِم * النحوي: محمّد بن محمود بن محمّد بن سليم البزم. ولد: سنة (١٣٠١ هـ)، وقيل: (١٣٠٤ هـ) إحدى، وقيل: أربع وثلاثمائة وألف. من مشايخه: الشيخ عبد القادر بدران، والسيد جمال الدين القاسمي وغيرهما. من تلامذته: أديب الشيشكلي رئيس الجمهورية السورية الأسبق وغيره. كلام العلماء فيه * الأعلام: أشاعر أديب، دمشقي المولد والوفاة عراقي الأصل، من أعضاء المجمع العلمي والعربي بدمشق. واسع المعرفة باللغة كثير المحفوظ من الشعر، حسن الترسل في إنشائه ناقدًا عنيفًا. حُبب إليه النحو، اطلع على مذاهب النحو وكان له رأي في نصرة بعضها، وكان يتهم الفيروز أبادي بالشعوبية في اللغة ويتعصب لابن منظور" أ. هـ. وفاته: سنة (١٣٧٥ هـ) خمس وسبعين وثلاثمائة وألف. من مصنفاته: "النحو الواقع" و"الجواب المسكت" و"ديوان محمّد البزم" ضبطه وشرحه سليم الزركلي وعدنان مردم بك. ٣٣٨٩ - حجازي * المفسر: محمّد محمود حجازي. كلام العلماء فيه: * قال في التفسير الواضح (١/ ١٦٩) في تفسير آية الكرسي: ﴿كُرْسِيِّهِ﴾ الكرسي: ما يجلس عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد". وقال: " ... واسع الملك والقدرة، والأرض جميعًا قبضته والسموات مطويات بيمينه، فلا الكرسي ولا القبضة ولا اليمين وإنما هو تصوير وتمثيل لعظمته وقدرته وتمام ملكه وسعة علمه

стр. 2474

سبحانه وتعالى! ! لا يشغله شأن عن شأن ولا يشق عليه أمر دون أمر، متعال عن الأوهام والظنون القاهر لا يغلب، العظيم لا تحيط به الأفهام والعقول، جل شأنه لا يعرف كنهه إلا هو ". - وقال في (١/ ٧٢١) في تفسير ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]: ﴿اسْتَوى﴾ في اللغة بمعنى استقر ومنه: استوى على الكرسي، وعلى ظهر الدابة، أي: استقر واستوى بمعنى قصده واستوى بمعنى استوى وظهر ﴿الْعَرْشِ﴾ قال الجوهري: هو سرير الملك .. ". وقال: "ثم إنه تعالى قد استوى على عرضه، واستقام أمره واستقر على هينة الله أعلم بها، مع البعد عن مشابهة الحوادث في شيء. ولقد سئل مالك ﵁ في ذلك فقال: الاستواء معلوم -أي: في اللغة - والكيف -أي: كيفية الاستواء- مجهول، والسؤال عن ذلك بدعة، وهذا القدر كاف، وهذا رأي الصحابة ﵃ ورأي السلف: قبول ما جاء من غير تكييف ولا تشبيه وترك معرفة حقيقتها إلى الله، وأما الخلف فيؤولون ويقولون: استوى على عرشه بعد تكوين خلقه، على معنى أنه يدبر أمره، ويصرف نظامه، على حسب تقديره وحكمته ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ وإلى رأى السلف أميل، إذ هو رأي الصحابة والتابعين جميعًا". وقال (٢/ ٨٥٣) في تفسير ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ ... ﴾: " ... وكيف تدعو مع الله إلهًا آخر؟ وهو الله لا إله إلا هو، كل شيء غيره في العالم هالك لأن وجوده ليس لذاته بل مستند إلى واجب الوجود، فكل شيء سوى الله بهذا المعنى هالك ومعدوم بالقوة أو بالفعل إذ وجوده في غيره، وهو موقوت بوقت مهما طال، كل شيء هالك إلا ذاته - جل شأنه - فهو الواجب الوجود القديم الباقي الذي لا يجوز عليه العدم والفناء بحال من الأحوال. له الحكم وإليه وحده الأمر كله، وإليه وحده ترجعون فتحاسبون، وتجازون على أعمالكم إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر .. ". وقال في (٣/ ٥٨٤) في تفسيره للآية ﴿وَيبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإكْرَمِ﴾: " ... والموت من أجل النعم على الخلق ولذا حكم الحي القيوم الباقي بعد فناء خلقه بأن كل شيء هالك إلا ذاته القدسية فإنها باقية ويبقى ذات ربك ذي الجلال والتعظيم والإكبار من خلقه، فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ ! ". وقال في تفسير ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ صفحة (٣/ ٧٨٩): "بقي شيء وقع فيه خلاف كبير بين العلماء قديمًا، هو: هل نرى ربنا يوم القيامة أم لا؟ الجمهور على إثبات الرؤية مستدلًا بقوله هنا: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وبالأحاديث عن رسول الله: وبعض الفرق تمنع الرؤية بالنظر إذ البصر يحد الله وذاته، وهو لا تدركه الأبصار، على أنه يلزم معها الانحصار في زمن وجهة، والله محال عليه ذلك، والآية هنا تؤول بأن الوجوه تنتظر من الله النعم والفضل والرضوان، على أن الخطب سهل فأمور الآخرة غيبية لا نقيسها على

стр. 2475

الحاضر عندنا بل نؤمن بها والله أعلم بها". وقال في (٣/ ٨٦٣) عند كلامه على صورة الفجر: " ... كلا وألف كلا! ! إذا دكت الأرض دكًا وقامت القيامة قيامًا، وجاء ربك - والله أعلم بكيفية المجيء ولكن نؤمن به (١) - والملك ... ! ! قاموا وأحدقوا بالناس جميعًا - وخاصة الكفار - صفوفًا صفوفًا" أ. هـ. قلت: نلاحظ مما تقدم وغيرها من المواضع التي لم ننقلها والتي تتعلق بصفات الله فإنه تارة يقول بقول السلف، وفي مواضع يؤول بعض الصفات وفي بعض المواضع ينفي كما فعل عندما نفى الكرسي والقبضة واليمين. والله أعلم. من مصنفاته: "التفسير الواضح". ٣٣٩٠ - القَرْمانِي * اللغوي، المفسر: محمّد المولى محيي الدين القرماني الحنفي. من مشايخه: قرأ على علماء العجم، وعلى المولى يعقوب بن سيدي عليّ وغيرهم. كلام العلماء فيه: * الكواكب السائرة: "كان مشتغلًا بالعلم ليلًا ونهارًا. كان علامة في التفسير والأصول والعربية" أ. هـ. وفاته: سنة (٩٤٢ هـ) اثنتين وأربعين وتسعمائة. من مصنفاته: له تعليقات على الكشاف والقاضي والتلويح والهداية، وشرح رسالة إثبات الواجب الوجود للدواني. ٣٣٩١ - الديمرتي * النحوي، اللغوي، المفسر محمّد بن المرزيان، أَبو العباس الديمرتي. من مشايخه: الزبير بن بكار والرمادي وغيرهما. من تلامذته: أَبو عمرو بن حيوة وجماعة. كلام العلماء فيه: * معجم الأدباء: "كان فاضلًا بليغًا مؤرخًا عالمًا بمجاري اللغة، تصدر عنه الكتب الكبار، وكان أحد التراجمة ينقل الكتب الفارسية إلى العربية" أ. هـ. وفاته: سنة (٣٠٩ هـ) تسع وثلاثمائة. من مصنفاته: "الحاوي" في علوم القرآن سعبة وعشرون جزءًا، وكتاب "الحماسة" وغيرهما. ٣٣٩٢ - السُّدي الأصغر * المفسر المقرئ: محمّد بن مروان بن عبد الله بن إسماعيل، السدي الأصغر. من مشايخه: يحيى بن عبيد الله، والكلبي وغيرهما.

стр. 2476

من تلامذته: هشام بن عبيد الله، ومحمد بن عبيد المحاربي وغيرهما. كلام العلماء فيه: * تهذيب الكمال: "قال صالح بن محمّد البغدادي الحافظ: كان ضعيفًا، وكان يضع الحديث أيضًا. وقال أَبو حاتم: ذاهب الحديث، متروك الحديث، لا يكتب حديثه البتة. وقال النسائي: متروك الحديث" أ. هـ. * ميزان الاعتدال: "تركوه، واتهمه بعضهم بالكذب وهو صاحب الكلبي، وقال البخاري: سكتوا عنه، وهو مولى الخطابيين، لا يكتب حديثه البتة وقال ابن معين: ليس بثقة. وقال أحمد: أدركته وقد كبر فتركته" أ. هـ. * قلت: ذكره الذهبي في السير في ترجمة السدي الكبير -إسماعيل بن عبد الرحمن (ت ١٢٧ هـ) - وقال: "قلت -أي الذهبي-: أما السدي الصغير، فهو محمّد بن مروان الكوفي، أحد المتروكين، كان في زمن وكيع" أ. هـ. * تقريب التهذيب: "متهم بالكذب" أ. هـ. * طبقات المفسرين للداودي: "كوفي، متهم بالكذب" أ. هـ. من مصنفاته: له تفسير القرآن. ٣٣٩٣ - قُطْرَب * النحوي، اللغوي، المفسر: محمّد (١) بن المستنير بن أحمد البصري، مولى سالم بن زياد المعروف بقطرب، أَبو علي. من مشايخه: سيبويه وجماعة من العلماء البصريين. من تلامذته: محمّد بن الجهم السمري وغيره. كلام العلماء فيه: * تاريخ بغداد: "أحد العلماء في النحو واللغة، وكان موثقًا فيما يحكيه" أ. هـ. * وفيات الأعيان: "كان يبكر إلى سيبويه قبل حضور أحد من التلامذة فقال له يومًا: ما أنت إلا قطربُ ليل، فبقي عليه هذا اللقب، وقطرب اسم دويبة لا تزال تدب ولا تفتر. وهو أول من وضع المثلث في اللغة ... " أ. هـ.

стр. 2477

* معجم الأدباء: "ولما صنف كتاب التفسير أراد أن يقرأه في الجامع فخاف من العامة وإنكارهم عليه لأنه ذكر فيه مذهب أهل الاعتزال فاستعان بحماعة من أصحاب السلطان ليتمكن من قراءته في الجامع" أ. هـ. * تاريخ الإسلام: "كان موثقًا فيما ينقله" أ. هـ. * الوافي: "كان قطرب يرى رأي المعتزلة النظامية وعن النظام أخذ مذهبه قال أَبو زيد: قطرب وأَبوه معتزليان وهما متهمان في عظم الدين" أ. هـ. * لسان الميزان: "قال ثعلب: كان قطرب معتزليًا يقول بالقدر" أ. هـ. * البلغة: "كان عالمًا ثقة روى عن الجلة" أ. هـ. * الشذرات: "هو أول من وضع المثلث في اللغة وتبعه البطليوسي والخطيب" أ. هـ. وكذبه ابن منصور الأزهري في مقدمة التهذيب في ذكر أقوام تسموا بمعرفة اللغة وألَّفوا كتبًا أودعوها الصحيح والسقيم منهم قطرب. وذكر عند ثعلب مرة، فهجنه ولم يوثقه، وذكر عند يعقوب بن السكيت قال: عندي عن قطرب قطر، ما أجزى أن أروي عنه منه شيئًا" أ. هـ. * قلت: ومن مقدمة كتابه (الأزمنة) بقلم المحقق حنا جميل حداد (٣٧): "قطرب عند النديم ثقة فيما يحكيه، وعند أبي الطيب اللغوي حافظ اللغة كثير النوادر والغريب، وعند الخطيب البغدادي والقفطي ثقة وعند الفيروز أبادي عالم ثقة روى عنه الجلة، وعند ابن الأنباري وياقوت الحموي: أحد أئمة العلم بالنحو واللغة. أما عند الداودي وطاش كبري زادة والصفدي والسيوطي: لم يكن ثقة، وأما ثعلب فقد روى الأزهري: أنه كان يهجن قطربًا ولا يعبأ به" أ. هـ. * قلت: نلاحظ من خلال هذا الكلام أن هناك اختلافًا كبيرًا من جهة توثيقه وعدمه، وأما من جهة عقيدته فهو معتزلي بدون خلاف .. والله أعلم بالصواب. وفاته: سنة (٢٠٦ هـ) ست ومائتين. من مصنفاته: "معاني القرآن"، وكتاب "الاشتقاق"، و"القوافي "، و"العلل" في النحو. ٣٣٩٤ - ابن الموقع * النحوي، المفسر المقرئ: محمّد بن أبي الوفاء المصري الحلبي المولد، الصوفي كمال الدين الشافعي. من مشايخه: أَبو السعود الجارحي، ومحمد بن عراق وغيرهما. كلام العلماء فيه: * در الحبب: "الشافعي الصوفي المعروف بابن الموقع لأن أباه كان أسلمًا، كان موقعًا عند خير بك كافل حلب، ولما انهدمت الدولة الجركسية، هاجر الشيخ كمال الدين إلى القاهرة وجدَّ في طلب العلم النقلي والعقلي حتى وجد، فأخذه رواية ودراية عن جماعة منهم: من علماء الطريق صاحب الكرامات أَبو السعود الجارحي وأزهد أهل زمانه سيدى محمّد بن عراق ...

стр. 2478

وصاحب الحال ابن مرزوق اليمني ... وقد شهد له أبناء عصره في مذهبه بأنه عالي الذروة في التحقق -أي التصوف- ... له "الحكم اللدنية والمنازلات الصديقية" التي أولها: "من أدمن الاستسلام والرياضة أتحفه الحق بعرائس لطيف المعارف. . ومنها: "من أدمن الجوع والسكوت يصير للحكم ينبوعًا ... ومنها: "صلاة الأسرار طهارة الباطن من شهود الأغيار ... " أ. هـ. قلت: من الواضح من كلامه أنَّ له قدمًا راسخة في التصوف وما أدراك ما تصوف المتأخرين. انتهى. * الكواكب السائرة: "الصوفي الشافعي ... " أ. هـ. وفاته: سنة (٩٧٠ هـ) (١) سبعين وتسعمائة. وقيل أواخر القرن العاشر. من مصنفاته: "الشمعة المضية بنشر قراءات السبعة المرضية و"الفتح لمغلق حزب الفتح" وهو شرح وضعه على حزب أستاذه أبي الحسن البكري. وغيرهما من كتب التصوف. ٣٣٩٥ - ابن وَلَّاد * النحوي، اللغوي: محمّد بن الوليد بن محمّد، والوليد، يعرف بولَّاد، أَبو الحسين التميمي المصري. ولد: سنة (٢٤٨ هـ) ثمان وأربعين ومائتين. من مشايخه: أحمد بن جعفر الدينوري، ومحمد بن حسّان النحوي، والمبرد وغيرهم. كلام العلماء فيه: * الوافي: "كان به عرج وقرأ على المبرّد كتاب سيبويه وكان حسن الخط جيد الضبط .. " أ. هـ. * البلغة: "وكان حسن الخط والضبط وبه عرج وغلب عليه الشيب .. " أ. هـ. * الأعلام: "نحوي من أهل مصر مولدًا ووفاةً .. " أ. هـ. وفاته: (٢٩٨ هـ)، ثمان وتسعين ومائتين. من مصنفاته: "المقصور والممدود" و"المنمق" في النحو.

стр. 2479

٣٣٩٦ - الطَّرْطُوشي * المفسر محمّد بن الوليد بن محمّد بن خلف القرشى الفهري الأندلسي، أَبو بكر الطرطوشي (١)، ويعرف بابن أبي رندقة (٢). ولد: سنة (٤٥١ هـ)، إحدى وخمسين وأربعمائة. من مشايخه: القاضي أَبو الوليد الباجي وأَبو محمّد بن حزم، وأَبو علي التستري وغيرهم. من تلامذته: أَبو طاهر السَّلفي، والفقيه سلَّار بن المقدم، وجوهر بن لؤلؤ وغيرهم. كلام العلماء فيه: * الأنساب: "كان إمامًا فقيهًا صالحًا سديد السيرة مشتغلًا بما يعنيه، ملاذًا للغرباء والفقهاء .. " أ. هـ. * الصلة: "كان إمامًا عالمًا عاملًا زاهدًا ورعًا دينًا متواضعًا، متقشفًا متقللًا من الدنيا راضيًا منها باليسير ... " أ. هـ. * معجم البلدان: "فكان يصنع بشظف من العيش، وكانت له نفس أبية ... وراموا النقص من حاله فلم ينتقصوه قُلامة ظُفْر .. " أ. هـ. * النجوم: "الإمام الفقيه، الصوفي، المالكي، العالم المشهور، نزيل الإسكندرية" أ. هـ. * بغية الملتمس: "رحل إلى العراق وقد تفقه بالأندلس، وصحب أبا الوليد الباجي مدة أخبرني غير واحد عن الحافظ أبي بكر بن العربي، قال: سمعت الحافظ أبا بكر الطرطوشي، يقول: لم أرحل من الأندلس حتى تفقهت ولزمت الباجي مدة، فلما وصلت إلى بغداد دخلت المدرسة العادلية، فسمعت المدرس بها يقول: مسألة، إذا تعارض أصل وظاهر فأيها يحكم؟ فما علمت ما يقول، ولا دريت إلى ما يشير، حتى فتح الله، وبلغ بي ما بلغ. أقام في رحلته مدة، ثم انصرف يريد مصر، وكان له غرض في الاجتماع مع أبي حامد الغزالي يجعل طريقه على البيت المقدس. فلما تحقق أَبو حامد أنه يؤمّه حاد عنه، ووصل الحافظ أَبو بكر فلم يجده، فقصد جبل لنان، وأقام هناك مدة، وصحب به رجلا يعرف بعبد الله السائح، من أولياء الله المنقطعين إلى الله تعالى. ثم أراد الحافظ أَبو بكر يقصد أرض مصر، فعرض على أبي محمّد السائح صحبته والمشى معه، وقال له: أنت ها هنا بمعزل، لا تلقى أحدا، ولا يلقاك، وإن مت لم تجد من يواريك، وفي مخالطة الناس ومقابلتهم ونشر العلم، وحضور الجماعة في الجمعة، ما لا يخفى عليك.

стр. 2480

فقال له عبد الله: أنا ها هنا آكل الحلال، وأعش في المباح، دون تقلف من ثمر هذه الأشجار، ولا أجد في غير هذا الموضع من المباح ما أجد فيه، فقال له الحافظ أَبو بكر: إن تنظر مصر موضعًا يعرف برشيد، فيه شيئان مباحان: الملح والحطب، تقيم به ويكون عيشنا من هذين المباحين. فقال له عبد الله: أنت لا يتركك الناس، وأفارق موضعي وأفارقك فعاهده أن لا يفارقه، وركبا الطريق إلى مصر حتى وصلا إلى رشيد وأقاما هناك، إذا احتاجا إلى قوت حوجًا من حطب أو ملح، فباعا ما يحملانه من ذلك على ظهورهما، وتقوتا بثمنه، وبقيا هناك مدة إلى أن قتل العبيدي، صاحب مصر جماعة من فقهاء أهل الإسكندرية، لسبب يطول شرحه، ولم يبق بها من يُشار إليه، وسمع أهل الإسكندرية بكون الفقيه برشيد، فركب إليه قاضيها ابن حديدة، وجماعة من أهلها. فلما وصلوا إلى رشيد، سألوا عنه فلم يجدوا من يعرفه إلا بعض الفقراء هناك، قال لهم أنا أدلكم عليه، اقعدوا هنا، فكأني به قد وصل فقعدوا ساعة، ووصل الفقيه من الشعرا وعلى ظهره حُزمة حطب، وصاحبه معه، فقال لهم: هذا هو، ووضع الحزمة بالأرض وأخبروه بما طرأ عليهم .. ولا تعليم وباحتياج أهلها إليه، وبماله في قصدهم من الأجر، فقال لهم: قد علمت ذلك، ولكني لا أفارق صاحبي هذا بوجه، وأشار إلى عبد الله السائح، لأني سُقته من موضعه وعاهدته ألا أفارته، فدونكم فإن ساعدني فأنا ناهض معكم، فكلموه، فقال: أنا لا أمنعه، لكني أقيم هنا. فتضرَّعوا إلى عبد الله فقال لهم: أنا هنا أعيش في الحلال، وآكل المباح ولا أجد هذا عندكم، فقال له القاضي: إن صاحب صقلية، دمّره الله، يؤدي جزية في كل عام لأهل الإسكندرية ثلثمائة قفيز من الشعير، وكذا وكذا، فخذ الشعير تتقوّت به وتصرفه في منافعك. فقال: أنا لا أحتاج إلى أكثر من رغيف في كل ليلة، فضمنوا له ذلك، وأقبل معهم إلى الإسكندرية ووفوا لأبي محمّد السائح بما قالوه، وصنعوا له من الشعير عدَّة أرغفة ووضعوها له في حبل، فكان يُفطر كل ليلة منها على رعيف، ويلزم بيته لا يبرح منه" أ. هـ. * السير: "أنبأنا ابن علان عن الخُشوعي عن الطرطوشي أنه كتب هذه الرسالة جوابًا عن سائلٍ سأله من الأندلس عن حقيقة أمرِ مؤلف (الإحياء)، فكتب إلى عبد الله بن مظفر: سلَّامٌ عليك، فإني رأيت أبا حامدٍ، وكلمتُه، فوجدتُه امرءًا وافر الفهم والعقل، وممارسةً للعلوم، وكان ذلك مُعْظم زمانه، ثم خالف عن طريق العلماء، ودخل في غِمار العُمَّال، ثم تصوَّف، فهجر العلوم وأهلها، ودخل في علوم الخواطر، وأرباب القلوب، ووساوس الشيطان، ثم سابها، وجعل يطعنُ على الفقهاء بمذاهب الفلاسفة، ورموز الحلَّاج، وجعل ينتحي عن الفقهاء والمتكلمين، ولقد كاد أن ينسلخ من الدين. قال الحافظ أَبو محمّد: إنّ محمّد بن الوليد هذا ذكر في غير هذه الرسالة كتاب (الإحياء) قال: وهو - لعمر والله - أشبه بإماتة علوم الدين، ثم رجعنا إلى تمام الرسالة. قال: فلما عمل كتابه (الإحياء)، عمد فتكلم في

стр. 2481

علوم الأحوال، ومرامز الصوفية، وكان غير أنيس بها، ولا خبير بمعرفتها، فسقط على أُمِّ رأسه، فلا في عُلماء المسلمين قرّ، ولا في أحوال الزاهدين استقرّ، ثم شحن كتابه بالكذب على رسول الله ﷺ ، فلا أعلم كتابًا على وجه بسيط الأرض أكثر كذبًا على الرسول منه، ثم شبّكه بمذاهب الفلاسفة، ورموز الحلاج، ومعاني رسائل إخوان الصفا، وهم يرون النبوة اكتسابًا، فليس النبيُّ عندهم أكثر من شخص فاضل، تخلَّق بمحاسن الأخلاق، وجانب سفاسفها، وساس نفسه حتى لا تغلبه شهوة، ثم ساق الخلق بتلك الأخلاق، وأنكروا أن يكون الله يبعثُ إلى الخلق رسولًا، وزعموا أن المعجزات حيلٌ ومخاريق، ولقد شرَّف الله الإسلام، وأوضح حُجَجَه، وقطع العذر بالأدلة، وما [مثل] من نصر الإسلام بمذاهب الفلاسفة، والآراء المنطقية، إلا كمن يغسل الثوب بالبول، ثم يسوق الكلام سوقًا يرعدُ فيه ويبرق، ويُمني ويشوّق، حتى إذا تشوقت له النفوس، قال: هذا من علم المعاملة، وما وراءه من علم المكاشفة لا يجوزُ تسطيره في الكتب، ويقول: هذا من سرّ الصدر الذي نهينا عن إفشائه، وهذا فعلُ الباطنية وأهل الدّغل والدّخل في الدين يستقل الموجود ويعلِّق النفوس بالمفقود، وهو تشويش لعقائد القلوب، وتوهين لما عليه كلمة الجماعة، فلئن كان الرجل يعتقد ما سطره، لم يبعد تكفيره، وإن كان لا يعتقده، فما أقرب تضليله. وأما ما ذكرت من إحراق الكتاب، فلعمري إذا انتشر بين من لا معرفة له بسمومه القاتلة، خيف عليهم أن يعتقدوا إذا صحة ما فيه، فكان تحريقه في معنى ما حرّقته الصحابةُ من صُحف المصاحف التي تُخالف المصحف العُثماني، وذكر تمام الرسالة" أ. هـ. * قلت: قال محقق "سراج الملوك" للمترجم له: "وفي بغداد أيضًا اتجه أَبو بكر الطرطوشي إلى التصوف، حيث كان الفكر الصوفي متأصلًا على يد أقطابه، وقد درس التصوف هناك ونبغ فيه، حتى عدّه من تحدث عنه من المتصوف الزاهدين، ولا غرابة في ذلك، فإن الحياة التي كان يحياها في بغداد، وما شاهده فيها من زهد، وتقشف العلماء الذين أخذ عنهم، قد أثرت فيه تأثيرًا كبيرًا، فقد كانوا برغم تضلُّعهم في الفقه والعلوم الدينية -من المتصوفة الذين يعتقدون أن الحياة نعيم زائل، وكانوا يفرغون لحياة كلها زهد وتقشّف وعبادة وذِكْر لله، هذا بالإضافة إلى الشعر الذي سمعه من شيوخه العراقيين، ورواه عنهم فيما بعد في "سراج الملوك" يضرب كله المثل بالأمم الغابرة، وما بنت من قصور، وما زيّنت من عمائر، وكيف انتهى كل هذا الزخرف إلى زوال. ويسلتزم الطرطوشي، منذ يغادر العراق، وفيما يقبل من أيامه، هذه الحياة، حياة الزهد والبعد عن مباهج الدنيا" أ. هـ. قلت: إن الذي ذكرته كُتب التراجم من لقاء الشيخ أبي بكر الطرطوشي مع بعض المتصوفة المخصوص بالذكر -وكما ذكر ذلك الضبي في بغية الملتمس في قصة تدور حول صحبة الشيخ مع الزاهد العابد عبد الله السائح- هذا الذي كان له الأثر في نهج الطرطوشي للسلوك الصوفي

стр. 2482

الذي جعل منه زاهدًا ورعًا متقشفًا، وسلوكه هذا لا يعني أنه انحرف مع طرق التصوف الفاسدة والمنحرفة وقتها، بل جعل من طريقه هذا إلى الزهد بالحياة وما فيها، وهذا ما أشار إليه محقق كتاب "سراج الملوك" للطرطوشي إذن ما كان عند أبي بكر الطرطوشي ليس إلا سلوكًا لا يفضي إلى المعتقدات المنحرفة لدى الطرق الصوفية وقتها وبعد الوقت الذي كان فيه ودلالة ذلك أنه قد ألف رسالة في الرد على مزاعم الصوفية في معتقداتهم والتي اسمها "تحريم الغناء واللهو عند الصوفية ورقصهم وسماعهم" وما ذكر من إيراد للشعر ممن سمع منهم في العراق، في وصف الأمم الغابرة لا يؤدي بنا إلى جعله في مصاف زعماء الصوفية وأصحاب الطرق، بل هو ممن يضرب المثل في زوال الدنيا وبقاء العمل الصالح والعبادة الصالحة لله سبحانه، وهذا الذي كان فيه. والله أعلم. ولم نستطع من خلال مراجعة الكتب التي كتبت في سيرته أو عند مراجعة مؤلفاته أن نعثر على تصريحات تبين معتقد الشيخ إلا أن هناك تلميحات وقرائن تشير إلى أن الشيخ سلك في معتقده مسلك أهل الكلام وأخص بالذكر منهم الأشاعرة، فقد وصف المولى سبحانه في كتابه "سراج الملوك" بألفاظ لم يعتد أهل السنة أن يستعملوها في حق الله حيث قال: "كما جعل إقرار المقرين بوقوف عقولهم عن الإحاطة بحقيقته إيمانًا لهم، لا يلزمه (لِمَ)، ولا يجاوزه (أين) ولا يلاصقه (حيث)، ولا يحده (ما)، ولا يعده (كم) ولا يحصره (متى) ولا يحيط به (كيف) ولا يناله (أي)، ولا يظلله (فوق) ولا يقله (تحت) ولا يقابله (حدٌّ)، ولا يزاحمه (نِدٌّ) ولا يأخذه (خلف) ولا يحده (أمام)، ولم يظهره (قبل) ولم يغبه (بعد) ولم يجعله (كلٌّ) ولم يوجده (كان) ولم يفقدْهُ (ليس). وَصْفُهُ لا صفة له، وكونُهُ لا أمدَ له، ولا تخالطه الأشكال والصور، ولا تغيره الأيام والغير، ولا تجوزُ عليه المماسة والمقاربة، وتستحيل عليه المحاذاة والمقابلة، إن قلت: لم كان؟ فقد سبق العلل ذاتُه، ومن كان معلولًا كان له غيره علة يساوقه في الوجود، وهو قبل جميع الأغبار، بل لا علة لأفعاله، فَقُدْرَةُ الله في الأشياء بلا مزاج، وصنعه فيها بلا علاج، وعلة كل شيء صنعه، ولا علة لصنعه، فإن قلت: أين هو؟ فقد سبق المكان وجودُه، فمن أين الأين لم يفتقر وجودُه إلى أين، هو بعد [خلق] المكان غني بنفسه كما كان قبل خلق المكان، وكيف يحلُّ فيما منه بدأ؟ أو يعود إليه ما هو أنشأ؟ " أ. هـ. ويؤيد ما ذهبنا إليه في معتقده ما قاله الدكتور عبد الرحمن المحمود في كتابه القيم (موقف ابن تيمية من الأشاعرة) حين كلامه على كتاب الغزالي (إحياء علوم الدين) في الهامش ما نصه: "فهناك جمهرة من العلماء المائلين إلى المذهب الأشعري ردوا على الغزالي في كتبه خاصة الإحياء، كما ردوا عليه بسبب ميله إلى الفلاسفة، ومن هؤلاء: ... أَبو بكر الطرطوشي المتوفى سنة (٥٢٠ هـ) حيث كتب رسالة حط فيها من الغزالي وبرر قصة إحراق كتابه ... " أ. هـ. ويؤيد أيضًا هذا أن المالكية في المغرب العربي في تلك الفترة كانوا على معتقد الأشعرية لانتشاره فيها.

стр. 2483

وللطرطوشي مؤلف اسمه "حاشية على إثبات الواجب" ولم نطلع عليه وفيه إشارة لمسلك الطرطوشي ومعتقده الذي بيناه سابقًا. والله أعلم. من أقواله: نفح الطيب: "كان يقول: إذا عرض لك أمران، أمر دنيا وأخرى، فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا والأخرى .. " أ. هـ. وفاته: (٥٢٠ هـ) عشرين وخمسمائة. من مصنفاته: "مختصر تفسير الثعلبي" و"الكتاب الكبير في مسائل الخلاف" وغيرها. ٣٣٩٧ - البزاز الحلبي * المقرئ: محمّد بن ياسين، أَبو طاهر البغدادي البزاز، ويعرف بالحلبي. من مشايخه: أَبو الفرج الشنبوذي، ومحمّد بن العلاف وغيرهما. من تلامذته: عبد السيد بن عتَّاب، وعلي بن الحسين وغيرهما. كلام العلماء فيه: * معرفة القراء: "أحد أعلام القرآن" أ. هـ. * تاريخ الإسلام: "من أعيان المقرئين" أ. هـ. * غاية النهاية: "إمام محقق مؤلف" أ. هـ. وفاته: سنة (٤٢٦ هـ) ست وعشرين وأربعمائة. من مصنفاته: صنف في القراءات عدة مفردات. ٣٣٩٨ - القُطْعي البصري * المفسر المقرئ: محمّد بن يحيى بن أبي حزم - مهران القُطعي البصري، أَبو عبد الله. من مشايخه: عمه حزم، وعبد الأعلى بن الأعلى وغيرهما. من تلامذته: روى عنه مسلم، وأَبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن خزيمة وخلق كثير. كلام العلماء فيه: * الجرح والتعديل: "نا عبد الرحمن قال سألت أبي عنه فقال: صالح الحديث صدوق" أ. هـ. * غاية النهاية: "إمام مقرئ مؤلف متصدر" أ. هـ. * تهذيب التهذيب: "قلت -أي ابن حجر-: قال مسلمة البصري: ثقة، وفي الزهرة روى عنه عشرة أحاديث" أ. هـ. * تقريب التهذيب: "صدوق" أ. هـ. وفاته: سنة (٢٥٣ هـ) ثلاث وخمسين ومائتين. من مصنفاته: "لغات القرآن".

стр. 2484

٣٣٩٩ - الكسائي الصغير * النحوي، اللغوي، المقرئ: محمّد بن يحيى الكسائي الصغير، أَبو عبد الله البغدادي. ولد: سنة (١٨٩ هـ) تسع وثمانين ومائة. من مشايخه: الليثي بن خالد صاحب الكسائي، وخلف بن هشام البزار وغيرهما. من تلامذته: أحمد بن الحسن البطي، وأَبو بكر بن مجاهد وغيرهما. كلام العلماء فيه: * معرفة القراء: "مقرئ مجود" أ. هـ. * غاية النهاية: "مقرئ محقق جليل شيخ متصدر ثقة" أ. هـ. وفاته: سنة (٢٨٨ هـ) ثمان وثمانين ومائتين. ٣٤٠٠ - الرباحي * النحوي، اللغوي: محمّد بن يحيى بن عبد السلام، الأزدي القرطبي، وكان يزعم: أنه من ولد يزيد بن المهلب بن أبي صفرة. من مشايخه: قاسم بن أصبغ، وأَبو جعفر أحمد بن محمّد بن النحاس، وابن الأعرابي وغيرهم. من تلامذته: المغيرة بن الناصر لدين الله وغيره. كلام العلماء فيه: * بغية الملتمس: "ذكره أَبو محمّد بن حزم، وقال: كان لا يقصر عن أكابر أصحاب المبرد" أ. هـ. * تاريخ الإسلام: "كان عارفًا بالعربية حاذقًا ذكيًا فقيهًا عالمًا، أدب المغيرة بن الناصر لدين الله" أ. هـ. * الوافي: "كان عارفًا بالعربية صادقًا ذكيًا فقيهًا عالمًا أدّب المغيرة بن الناصر لدين الله" أ. هـ. * المقفى: "كان الغالب عليه علم العربية إمامًا فيها، موثوقًا به ... وكان قد طالع كتب أهل الكلام وتفنن فيها ونظر في المنطقيات فأحكمها إلا أنه كان لا يتقلد مذهبًا من مذاهب المتكلمين ولا يعوّل أصلا من أصولهم، إنما يعول على ما يميل إليه في الوقف، ويؤثره بالحضرة ولو أنه تناول الباطل البحت، والمحال المحض لما أستطيع صرفه عنه ولا قطعت حجته فيه ... وكان مع ذلك ذا وقار وسمت وصيانة، ونزاهة نفس وكرم خليقة وصحة نية وسلامة باطن إلى عفاف وحياء ودين ... توفي على أجمل مذهب وأحمد طريقة" أ. هـ. وفاته: سنة (٣٥٨ هـ)، وقيل: (٣٥٣ هـ) ثمان وخمسين، وقيل: ثلاث وخمسين وثلاثمائة. ٣٤٠١ - ابن الخَرَّاز * النحوي، اللغوي: محمّد بن يحيى بن عبد العزيز،

стр. 2485

أَبو عبد الله، المعروف بابن الخراز. من مشايخه: محمّد بن عمر بن لبابة، وعمر بن حفص بن غالب وغيرهما. من تلامذته: ابن الفرضي، وأَبو إسحاق إبراهيم بن شاكر وغيرهما. كلام العلماء فيه: * تاريخ علماء الأندلس: "كان ثقة مأمونًا فاضلًا عاقلًا، قَلَّ ما رأيت مثله في عقله وسمته" أ. هـ. وفاته: سنة (٣٦٩ هـ) تسع وستين وثلاثمائة. ٣٤٠٢ - الفهري القرطبي * النحوي، اللغوي، المقرئ: محمّد بن يحيى بن وهب بن عبد المهيمن، الفهري مولاهم القرطبي، أَبو بكر. من مشايخه: محمَّد بن معاوية، وأَبو عبد الله البلخي وغيرهما. كلام العلماء فيه: * تاريخ علماء الأندلس: "كان حسن الخط ضابطًا وعني بالعربية واللغة، وفنون الأدب، وكان علم النحو أغلب عليه من تجويد القرآن، وانصرف إلى الأندلس فلزم الانقباض، وقد حدث بيسير وكان ثقة" أ. هـ. * تاريخ الإسلام: "كان بارعًا في الفقه والنحو وتجويد القرآن، ثقة فيما ينقله" أ. هـ. * المقفى: "كان ثقة حسن الخط ضابطًا، إمامًا في العربية واللغة وفنون الأدب" أ. هـ. وفاته: سنة (٣٨٤ هـ) أربع وثمانين وثلاثمائة. ٣٤٠٣ - أَبو عبد الله الخزرجي * اللغوي، المقرئ: محمّد بن يحيى بن مزاحم الأنصاري الخزرجي الأشبوني (١)، ثم الطليطلي، أَبو عبد الله. من مشايخه: القضاعي، وابن سعيد بن نفيس، وأَبو عمرو الداني وغيرهم. من تلامذته: أَبو الحسن العبسي، وابن مطاهر وغيرهما. كلام العلماء فيه: * الصلة: "كان نهاية في علم العربية" أ. هـ. * غاية النهاية: "مقرئ، محقق، إمام العربية" أ. هـ. وفاته: سنة (٥٠٢ هـ)، وقيل: (٥٠١ هـ)، اثنتين، وقيل: إحدى وخمسمائة. من مصنفاته: "الناهج للقراءات بأشهر الروايات".

стр. 2486

٣٤٠٤ - ابن بَاجة * النحوي، اللغوي: محمّد بن يحيى بن باجة (١)، الأندلسي السرقسطي، الشاعر الفيلسوف، المعروف بابن الصائغ. من تلامذته: أَبو الحسن علي بن عبد العزيز ابن الإمام، وأَبو الوليد بن رشد الحفيد وغيرهما. كلام العلماء فيه: * تاريخ الإسلام: "منسوب إلى انحلال العقيدة وسوء المذهب وكان يعتقد أن الكواكب تدبر العالم. وكان آية في آراء الأوائل والفلاسفة وهَمّ به المسلمون غير مرة وسعوا في قتله، وكان عارفًا بالعربية والطب وعلم الموسيقى" أ. هـ. * قلائد العقيان: "هو رمد جفن الدين، وكمد نفوس المهتدين، اشتهر سخفًا وجنونًا، وهجر مفروضًا ومسنونًا، فما يتشرع، ولا يأخذ في غير الأباطيل، ولا يشرع، ناهيك من رجل ما تطهر من جنابة، ولا أظهر مخيل إنابة ولا استنجى من حدث، ولا أشجى فؤاده موار في جدث، ولا أقرّ بباريه ومصوره، ولا قرّ عن تباريه، في ميدان تهوره، الإساءة إليه أجدى من الإحسان، والبهيمة عنده أهدى من الإنسان، نظر في تلك التعاليم وفكّر في أجرام الأفلاك وحدود الإقاليم، ورفض كتاب الله الحكيم العليم، ونبذه وراء ظهره ثاني عطفه، وأراد إبطال ما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، واقتصر على الهيئة، وأنكر أن تكون له إلى الله فئة، وحكم للكواكب بالتدبير، واجترم على الله اللطيف الخبير، واجترأ عند سماع النهي والإيعاد، واستهزأ بقوله، تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. فهو يعتقد أن الزمان دَوْرٌ، وأن الإنسان نبات له نور، حِمامُهُ تَمَامُهُ، واختطافه قطافه، قد محي الإيمان من قلبه، فما له فيه رسم، ونسي الرحمن لسانه فما يمر له عليه اسم، وانتمت نفسه إلى الضلال وانتسبت، ونفت يومًا تجزى فيه كل نفس ما كسبت، فقصر عمره على طرب ولهو، واستشعر كل كبر وزهو، وأقام سوق الموسيقى، وهام بحادي القطار وسقا، فهو يعكف على سماع التلاحين، ويقف عليها كل حين، ويعلن بذلك الاعتقاد، ولا يؤمن بشيء قادنا إلى الله في أسلس مقاد، مع منشأ وخيم، ولؤم أصل وخيم، وصورة شوهها الله وقبحها، وطلعة إذا أبصرها كلب نبحها، وقذارة يؤذي البلاد نفسها، ووضارة يحكي الحدَّاد دنسها، وفند لا يعمر إلَّا كنفه ولَدَدٍ لا يقوم الصُّغَّارُ حنقه، وله نظم أجاد فيه بعض إجادة وشارف الإحسان أو

стр. 2487

كاده، لولا ما يُضْمِرُ فيه من سوء اعتقاده، ويبدو منه عند انتقاده" أ. هـ. * مطمح الأنفس: "بدر فهم ساطع، وبرهان علم لكل حجة قاطع، تفرحت بعطره الأعصار وتطيبت بذكره الأمصار، وقام به وزن المعارف واعتدل، ومال للأفهام فننًا وتهدّل، وعطل بالبرهان التقليد، وحقق بعد عدمه الاختراع والتوليد، إذا قدح زند فهمه أورى يشَرَر للجهل مُحْدق، وإن طما بحر خاطره فهو لكل شيء مغرق، مع نزاهة النفس وصونها، وبعد الفساد من كونها، والتحقيق الذي هو للإيمان شقيق، والجد، الذي يخلق العمر وهو مستجد، وله أدب يودُّ عطارد أن يلتحفه، ومذهب يتمنى المشتري أن يعرفه، ونظم تتمناه اللبات والنحور، وتدعيه مع نفاسه جوهرها البحور" أ. هـ. قلت: ذكر محقق كتاب (مطمح الأنفس) محمّد علي شوابكه في مقدمته من خلال دراسة لشخصية وأخلاق ابن خاقان، وكيف تعامله مع الشخصيات في وقته، ومنهم ابن باجة ما نصه (١/ ٤٠): "وقد حمل الفتح على ابن باجة حملة شعواء في كتابه القلائد، فرماه بسوء العقيدة ووصفه بالكفر، وطعنه في أصله ومنشئه وسلوكه وأخلاقه واتهمه بالقذراة والبخل والسرقة من الشعراء، فقال: والأديب أَبو بكر بن الصائغ، وهو رمد جفن الدين، وكمد نفوس المهتدين، اشتهر سُخْفًا ومجونًا وهجر مفروضًا ومسنونًا ... ناهيك من رجل ما تطهر من جنابة ولا أظهر نحيلة إنابة. . ولا استنجى من حدث ... ولا أقر بباريه ومصوره، الإساءة إليه أجدى من الإحسان، والبهيمة عنده أهدى من الإنسان، رفض كتاب الله الحكيم العليم، مع منشأ وخيم، ولؤم أصل وخيم، وصورة شوهها الله وقبحها وطلعة إذا أبصرها الكلب نبحها، وقذراة يوذي البلاد نفسها، ثم يقول: وكثيرًا ما يغير هذا الرجل على معاني الشعراء، وينبذ الاحتشام من ذلك بالعراء، ويأخذها من أربابها أخذ غاضب". وابن باجة الذي حمل عليه الفتح هو أَبو بكر محمّد بن الحسين بن الصائغ المعروف بابن باجة التجيبي السرقسطي الأندلسي، الفيلسوف الشاعر المشهور الذي قال فيه العماد: "وقد أجمع الفضلاء على أنه لم يلحق أحدٌ مداه في زمانه ولم يوجد شرواه في إحسانه، وقد ختم به علم الهندسة وتداعت بموته في إقليمه مباني الحكم المؤسسة"، وقال القفطي: "عالم العلوم الأوائل، وهو في الأدب فاضل، له تصانيف في الرياضيات والمنطق والهندسة" وأثنى عليه ابن الخطيب ووصفه: بأنه آخر فلاسفة الإسلام بحزيرة الأندلس. أما تحامل الفتح على الفيلسوف ابن باجة، فهناك روايتان بهذا الصدد: الأولى: رواية ياقوت عن العالم جمال الدين بن أكرم السالفة الذكر، في أن الفتح كان يرسل إلى الملوك والأعيان والأدباء في الأندلس يعرّفهم عزمه على تأليف كتابه، ويسألهم إنفاذ شيء من نشرهم ونظمهم، وكانوا يعرفون شره فينفذون إليه ما طلب، وصرر الدنانير فكل من أرضته صلته مدحه، وكل من تغافل عن ذلك ذمه، وتقول الرواية: "وكان ممن تصدى له وأرسل إليه أَبو بكر بن باجة، وكان وزيرًا لابن تَيفلَوْيت صاحب

стр. 2488

المرية، وهو أحد الأعيان، وأركان العلم والبيان شديد العناية بعلوم الأوائل. .. فلما وصلته رسالته تهاون بها، ولم يعرها طرفة، ولا لوى نحوها عطفه، وذكر ابن خاقان بسوء فعله، فجعله ختم كتابه وصيَّره مقطع خطابه. والثانية: رواية ابن الخطيب عن بعض الشيوخ، قال في الإحاطة: وحدثني بعض الشيوخ أن سبب حقده على ابن باجة ما كان من إزرائه به وتكذبيه إياه في مجلس إقرائه، إذ جعل (أي الفتح) يكر ذكر ما وصله به أمراء الأندلس، ووصف حِلْيا، وكان يبدو من أنفه فضلة خضراء اللون - زعموا - فقال له: فمن تلك الجواهر إذن الزُّمرُدة التي على شاربك، فثلبه في كتابه بها هو معروف. ويورد الأستاذ علي أدهم هاتين الرواتين ويرجح الأولى بقوله: وأنا أميل إلى ترجيح الرواية الأولى لأنها تتفق مع ما عرف عن أخلاق ابن باجة من الحرص على المال والضَّن به، والفتح في شدة جشعه إلى المال والتماسه بكل الطرق والوسائل، لم يكن يحز في نفسه ويثيره ويحقده مثل حرمانه من العطاء وحبس المال عنه. وأرى رَأي الأستاذ أدهم في ترجيح الرواية الأولى للتفسير الذي أورد، وقد زاد من هذه العدواة بين الرجلين ما كان يتمتع به ابن باجة من مكانه عالية في الفكر الأندلسي تفوق -بطبيعة الحال- مكانة الفتح بن خاقان، إذ كان الأول فيلسوفًا مفكرًا أديبًا، وكان بالإضافة إلى ذلك مقربًا إلى الملوك، فقد استوزره أَبو بكر بن تيفلويت واستوزره يحيى بن يوسف بالمغرب عشرين سنة وإذا علمنا أن الفتح كان يطمح دائمًا إلى الزعامة، فإنني أرى منزلة ابن الصائغ الفكرية والسياسية كافية لأن يحسده معاصروه ومنهم ابن خاقان وقد أشار القفطي وابن الجوزي إلى أن الأطباء الذين شاركهم ابن باجة صناعتهم حسدوه وقتلوه مسمومًا. وقد بلغ ابن باجة هَجْوُ الفتح له، فأنفذ إليه مالًا استكفه به واستصلحه، قال في معجم الأدباء: "وصنف ابن خاقان كتابًا آخر سماه: مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ذيل شعراء الأندلس، وصله بقلائد العقيان، وافتتحه بذكر ابن الصائغ وأثنى عليه فيه ثناءً جميلًا، وقد وصف ابن خاقان ابن باجة بصفات جميلة كنزاهة النفس وسعة الاطلاع والدراية بالعلوم العقلية، فقال: "نور فهم ساطع، وبرهان علم لكل حجة قاطع. تتوجت بعصره الأعصار، وتأرّجَت من طيب ذكره الأمصار ... وعطل بالبرهان التقليد، وحقق بعد عدمه الاختراع والتوليد، مع نزاهة النفس وصونها، وبعد الفساد من كونها، والتحقيق الذي هو للإيمان شقيق ... وله أدب يَودُّ عطارد أن يلتحفه، ومذهب يتمنّى المشتري أن يعرفه. وإذا ما قارنا بين النصين فإننا نستطيع أن نضيف صفة أخرى للفتح قد تتضح في أكثر من موقف هذه الصفة هي التناقض، وهذا أمر طبيعي عند إنسان يحكم على الأشياء منطلقًا من عاطفته ولا يدع لعقله فرصة الحكم عليها، إنسان تبدو المواقف عاملًا أساسيًا في أحكامه، فشتان بين ابن باجة الكافر الذي لا يعترف بباريه ومصوره والذي لم يتطهر من رجس، وابن باجة

стр. 2489

الذي وصفه الفتح بالقبح والقذارة وسوء العقيدة والإغارة على معاني الشعراء وبين ابن باجة المؤمن المفكر الذي يصل إلى الإيمان بتحكيم عقله ... " أ. هـ. قول المحقق. * عيون الأنباء: "وكان في العلوم الحكيمة علامة وقته وأوحد زمانه، وبلي بمحن كثيرة وشناعات من العوام، وقصدوا هلاكه مرات وسلمه الله منهم، وكان متميزًا في العربية والأدب حافظًا للقرآن، ويعد من الأفاضل في صناعة الطب. وكان متقنًا لصناعة الموسيقي جيد اللعب بالعود. وقال أَبو الحسن علي بن عبد العزيز بن الإمام، في صدر المجموع الذي نقله من أقاويل أبي بكر محمّد بن الصائغ بن باجة ما هذا مثاله: هذا مجموع ما قيد من أقوال أبي بكر بن الصائغ ﵀ في العلوم الفلسفية. وكان ذا ثقابة الذهن. ولطف الغوص على تلك المعاني الشريفة الدقيقة أعجوبة دهره، ونادرة الفلك في زمانه. فإن هذه الكتب كانت متداولة بالأندلس، من زمان الحكم مستجلبها، ومستجلب غرائب ما صنف بالمشرق، ونقل من كتب الأوائل وغيرها، نضر الله وجهه، وتردد النظر فيها، فما انتهج فيها الناظر قبله سبيلًا، وما تقيد عنهم فيها إلا ضلالات وتبديل، كما تبدد عن ابن حزم الإشبيلي (١)، وكان من أجل نظار زمانه وأكثرهم لمن لقدم على إثبات شيء من خواطره. وله تعاليق في الهندسة وعلم الهيئة تدل على بروعه في هذا الفن. وأما العلم الإلهي فلم يوجد في تعاليقه شيء مخصوص به اختصاصًا تامًّا إلا نزعات تستقرأ من قوله في رسالة الوادع، واتصال الإنسان بالعقل الفعال، وإشارات مبددة في أثناء أقاويله لكنها في غاية القوة، والدلالة على نزوعه في ذلك العلم الشريف الذي هو غاية العلوم ومنتهاها" أ. هـ. * الوافي: "وقد ناقض ابن خاقان في ترجمة ابن باجة ما قاله الكاتب أَبو عمرو عثمان بن علي بن عثمان الأنصاري في كتاب (سمط الجمان وسقط الأذهان) حيث ذكر ابن باجة فقال في حقه: الوزير الأديب الكاتب الماهر الطبيب الفيلسوف الجهبذ الأريب، أَبو بكر بن الصائغ سر الجزيرة إذا تهندست وجهبذها إذا تذطت ومنير محاسنها إذا ادلهمت وعسعست .. " أ. هـ. * الأعلام - في هامشه -: "وانظر تزيين قلائد العقيان ... وفيه تفنيد لما جاء في القلائد من الطعن في ابن باجة، وأن صاحب القلائد نفسه كان قد بالغ في الثناء عليه في كتابه (مطمح الأنفس) ... أ. هـ. * مرآة الزمان: "كانت سيرته حسنة صلحت به الأحوال ونجحت الآمال، حسده أطباء البلد وكادوه ونالوا بقتله مسمومًا ما أرادوه" أ. هـ. قلت: وقال محقق كتاب "مطمح الأنفس" (ص ١١٥): "لم يحدثنا الفتح عن هذا الكتاب متى ألفه وأين ألفه، كما أن الأحداث التي سجلها في كتابه لا تسعفنا في تحديد زمن تأليف الكتاب، إلَّا أنه من الواضح أن الفتح ألفه بعد كتاب القلائد، فقد أشار ياقوت إلى أن المطمح ما

стр. 2490

هو إلا تذييل على قلائد العقيان، وكان قد ترجم لابن باجة في القلائد وهجاه فيه، فلما سمع ابن باجة بذلك استصله، وبعث إليه بما طلب فذكره في المطمح، وقد أثار ابن سعيد إلى أن المطمح ذكر رجالًا من رجال القلائد وأضاف آخرين غيره، وأشار المقري أيضًا إلى هذه القضية في أزهار الرياض عندما قال: لم يظهر من مقتضى ذلك أن المطمح إنما زاد على القلائد في الرجال، وأما ما اتفقا عليه فلفظهما فيه واحد". وهذا يدل على أنَّ القلائد هو الأصل، وأن المطمح ألف أيضًا بعد تأليف كتاب القلائد -أي بعد سنة (٥١٧ هـ) - ويبدو أن هذه المختارات لم تستغرق زمنًا طويلًا، فقد أملاها الفتح -كما يقول في مقدمته- في بعض أيامه .. " أ. هـ. قلت: قد ناقض أَبو خاقان نفسه في هذين الترجمتين، وما قاله محقق كتاب "مطمح الأنفس" نعلم: إن ما ذكره الفتح كان هو في وقت صدام بينه وبين ابن باجة، كما ذكر ذلك المقري في نفح الطيب وقال سبب ذلك: "العداوة وبينه -أي ابن باجة- وبين الفتح ... ). نقلًا عن لسان الدين بن الخطيب، ولعل الصلح الذي تم بعدها بينهما قد جعل ابن خاقان يعدل عن قوله في القلائد، إلى القول بالثناء والمدح في مطمح الأنفس كما مرّ بك نصه.، . والله أعلم بالصواب. * قلت: ومن كتاب (رسائل ابن باجة في الإلهية) حققها أستاذ الفلسفة في الجامعة الأمريكية ببيروت (ماجد فخري) حيث قال في مقدمته (ص ٢٤): (تنطوي الرسائل التي بين يدي القارئ على فحوى فلسفة ابن باجة الإلهية والخلقية. فما هي القضايا التي تدور عليها هذه الفلسفة؟ يمكن الإجابة على ذلك بكلمتين: التوحد والاتصال. فماذا نعني بهاتين اللفظتين؟ رددنا أعلاه مصادر فلسفة ابن باجة الرئيسية إلى ثلاثة: أفلاطون وأرسطو والفارابي. ولو أردنا أن نخصص لقلنا "الجمهورية، و"فادون" لأفلاطون وكتابي "الأخلاق" و"الحس والمحسوس" لأرسطو، و"السياسة المدنية" و"رسالة العقل" للفارابي. العاد المشترك لهذه المؤلفات هو تحديد طبيعة الإنسان العقلية وغايته القصوى والسبل المدنية المثلي لبلوغ هذه الغاية. وفي ذلك، يسقم ابن باجه بالمقدمة الفارابية الكبرى القائلة إن حيّز الطبيعة العقلية البشرية هو جوهر عقلي بسيط هو جوهر عقلي يقع خارج تخوم عالم ما تحت القمر، هو العقل الفعال، فاستحال على الإنسان أن يحقق طبيعته العقلية إذن إلا بالاتصال بهذا العقل. وبين الرسائل التي ننشرها رسالة قصير دعاها "من الأمور التي يمكن بها الوقوف على العقل الفعال" يثبت فيها وجودًا صورة لا يمكن أن تكون في مادة أصلًا وهي ملابسة للصور الهيولانية وسبب لوجودها" من أربعة وجوه، حاصلها: أولًا، أن الأجسام الكائنة الفاسدة خاضعة للأجرام السماوية ومشتقة من الإسطقسات، وهي غير كائنة ولا فاسدة. فلزوم ضرورة أن توجد "صورة لا يمكن أن تكون في مادة أصلًا، وهي ملابسة للصور الهيولانية وسبب لوجودها" كما مرّ معنا. وثانيًا، أن الإنفعال مرده إلى المعنى الكلي القائم في الفاعل، وليس إلى الفاعل من حيث هو كائن جزئي. وثالثًا، أن القوة المتخيلة في الحيوان تطلب المعنى
следующие страницы →