← Тараджим

Тараджим · id 130964

الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء والنحو واللغة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (3 054 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

والعرض والقدم ويرد على أهل الفرق الكلامية كالمعتزلة والمرجئة وغيرهم، وبالرغم من ذلك لم يتورط في أساليب الجدل الكلامي، بل كان يعتمد أولًا وأخيرًا على النصوص". ثم تكلم الدكتور أحمد فرحات أيضًا حول الآيات التي تكلم في المتكلمون أصحاب الكلام في صفات الله تعالى فقال المحقق (ص ٣٣٠): (أشرنا فيما سبق أثناء كلامنا عن عقيدة مكي في الفصل الأول من الباب الأول، أنه كان سلفيًا في عقيدته على مذهب مالك، قبل أن يتأثر بالمذهب الأشعري، وأنه يميل في آيات الصفات إلى الإيمان بها كما جاءت، ولكنه في نفس الوقت ينفي عن الله الجارحة؛ لأنه يعتبرها من صفات المخلوقين. وفيما يلي نقدم نموذجًا من تفسيره لهذا النوع من الآيات، التي كانت موضع جدل كبير لدى الفرق الإِسلامية، ومثارًا لنزاع طويل، وسببًا في انقسام المسلمين إلى مذاهب وفرق متعددة، وسنلاحظ من هذا المثال، استيعابه للأقوال المختلفة، والتأويلات القريبة والبعيدة، ثم اختياره فيها: وقال في قوله تعالى: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيدِيهِمْ﴾. هذه الآية من أدل دليل على صحة نبوة محمد ﷺ إذ أخبرهم بمكنون سرهم، وخفي اعتقادهم. ومعنى قولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾: خير الله ممسك وعطاؤه محبوس، عن الاتساع عليهم، واليد -هنا-: بمنزلة قوله تعالى في تأديب نبيه ﷺ : ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ أي: لا تقتر في النفقة حتى تضر بنفسك ومن معك. ولا تبسطها كل البسط، أي: لا تسرف في الإنفاق وتبذر، فتقعد لا شيء لك، وإنما خصت اليد، إذ جعلت في موضع الإمساك والإنفاق لأن عطاء الناس وبذل معروفهم الغالب عليه باليد، فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضًا بالكرم أو بالبخل بأن أضافوه إلى اليد التي بها يكون العطاء والإمساك، فخوطبوا بما يتعارفون في كلامهم، فحكى الله سبحانه عن اليهود أنهم قالوا: يد الله مغلولة، أي أنه يبخل علينا بالعطاء كالذي يده مغلولة عن العطاء تعالى الله عما قال أعداء الله علوًا كبيرًا. وقال بعض المفسرين: معنى الآية: نعمة الله مقبوضة عنا لأنهم كانوا إذا نزل بهم خير، قالوا: يد الله مبسوطة علينا، وإذا نزل بهم ضيق وجدب، قالوا: يد الله مقبوضة عنا، أي: نعمة الله وإفضاله. وقد قيل في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ إنهما مطر السماء ونبات الأرض؛ لأن النعم منهما وبهما تكون. قوله: ﴿غُلَّتْ أَيدِيهِمْ﴾ أي عن الخير، ﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ أي: أبعدوا من ﵀ لقولهم ذلك. وقيل: غُلّتْ في الآخرة وهو دعاء عليهم. ثم قال تعالى ردًّا لما حكى من قولهم ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ أي: بالبذل والعطاء ينفق كيف يشاء، أي يعطي: فيحرم هذا ويقتر عليه ويوسع على هذا. قال عكرمة ومجاهد والضحاك: قولهم: يد الله مغلولة: معناه: أنه بخيل ليس بجواد، وكذلك

стр. 2697

معنى قول ابن عباس وغيره. قوله: بل يداه مبسوطتان: قيل معناه: نعمتاه، يعني: نعمته في الدنيا ونعمته في الآخرة. والعرب تقول: لفلان عند فلان يد أي: نعمة. وقيل: عني بذلك القوة، كقوله: ﴿أُولِي الْأَيدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ أي: أصحاب القوة والبصائر في الدين. وقد قيل في معنى قولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾: أي عن عذابنا، أي: يده مقبوضة عن عذابنا. ومعنى ﴿مَبْسُوطَتَانِ﴾: أي: مطلقتان. واليد: عند أهل النظر والسنة -في هذا الموضع وما كان مثله: صفة من صفات الله ليست بجارحة، فعلينا أن نصفه بما وصف به نفسه ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ فلا يحل لأحد أن يعتقد الجوارح لله سبحانه، إذ ليس كمثله شيء، وإنما ما وقع من ذكر هذا وشبهه، وذكر المجيء، والإتيان صفات لله لا أن فيها انتقالا وحركة وجارحة فسبحان من ليس كمثله شيء من جميع الأشياء. فلو أنك أثبت له حركة وانتقالا أو جارحة لكنت قد جعلته كبعض الأشياء الموجودة، وقد قال: ليس كمثله شيء فاحذر أن يتصور في عقلك أن الباري -جل ذكره- يشبه شيئًا من الأشياء التي عقلت وفهمت، ومتى فعلت شيئًا من هذا فقد ألحدت. وأهل السنة يقولون: إن يديه غير نعمته". ويبدو لنا من استعراضنا لتفسير هذا النص: - أنه ذكر الأقوال المتعددة في تفسيره، وعزاها إلى القائلين بها: - نصه على اختياره بقوله: واليد -عند أهل النظر والسنة- في هذا الموضع وما كان مثله: صفة من صفات الله ، ليست بجارحة، فعلينا أن نصفه بما وصف به نفسه ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ فلا يحل لأحد أن يعتقد الجوارح لله سبحانه، إذ ليس كمثله شيء .. ثم يتابع الكلام ليؤكد به نفي التشبيه عن هذه الصفة وغيرها من صفات الله. والذي يلفت انتباهنا في هذا النص قوله: واليد - عند أهل النظر والسنة يبين أن النظر لا يمكن أن يعني شيئًا مخالفًا للنصوص، بل إن النظر صحيح يكون دائمًا مع نص الكتاب والسنة، وأن الذين يلجؤون في هذا إلى تأويلات العقلية ضاربين بالنصوص عرض الحائط، حيث يحملونها على غير ما يفعل هم في نفس الوقت قد تركوا عقولهم وراءهم؛ لأنهم استعملوها في غير موضعها، وعلى خلاف ما ينبغي أن تكون عليه، فالنظر والنص عند مكي صنوان لا يفترقان. ب - ردوده على المرجئة: يعتقد المرجئة أن الإيمان قول بلا عمل، ويحاولون الاستدلال على هذا المذهب ببعض النصوص القرآنية، التي قد تفيد ذلك، على وجه من الوجوه. ومن هنا نرى مكيًا، يتعرض للمرجئة كل ما مر على آية يستدلون فيها على مذهبهم وينقض استدلالهم، وذلك استنادًا إلى النظر الذي يقوم على الاستدلال، بمجموع النصوص، وعدم الاكتفاء بواحد منها. وفيما يلي أمثلة تبين استدلال المرجئة ببعض الآيات، وردود مكي عليهم: قال مكي في قوله

стр. 2698

تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إلا الْأَشْقَى﴾. أي: لا يدخلها ويصلى سعيرها إلا الأشقى الذي كذب بآيات الله أعرض عنها. كان أبو هريرة يقول: لتدخلن الجنة إلا من أبى. قالوا: يا أبا هريرة ومن يأبى أن يدخل الجنة. قال: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾. والمرجئة الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، يتعلقون بهذه الآية: وفي تدبرها أقوال: منها: أن المعنى لا يصلاها إلا الأشقى والذي كذب وتولى، فتكون الواو مضمرة. حكى المبرد وغيره أن العرب تقول: أكلت خبزًا لحمًا ثمرًا، فيحذفون حرف العطف، وأنشد أبو زيد: كيف أصبحت كيف أمسيت مما ... يثبت الود في فؤاد الكريم وإضمار الواو قبيح ليس بكثير في كلام العرب، وفيه نقض للأصول، وخروج عن الظاهر. وقيل التقدير: لا يصلاها إلا الأشقى من الكفار والفساق، ثم أعاد ذكر الكفار خاصة تنبيهًا عليهم لأنهم أعظم ذنبًا من الفساق. وقيل التقدير: فأنذرتكم نارًا هذه صفتها. وقيل التقدير: لا يصلاها إلا أشقى أهل النار، وأشقاهم: الكفار، فدل هذا على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. وقيل المعنى: لا يخلد فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فهذا للكافر -بإجماع- خاصة. وهذا القول أحسن الأقوال عندي. وقال في قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾: أي: وهذا الذي أمروا به، هو دين الملة المستقيمة ودين الجماعة المستقيمة لا يتم دين الإِسلام إلا بذلك. وهذا نص واضح على أن الإيمان قول وعمل بخلاف ما قاله المرجئة، أن الإيمان قولًا لا غير، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ وبين -ما هنا- أن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإخلاص العمل لله هو الدين المستقيم العادل. وقال في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾: وتسمة الله -جل ذكره- الصلاة: إيمانًا في هذه الآية رد على المرجئة الذين يقولون: إن الصلاة ليست من الإيمان. قال أشهب: وإني "ذكر بهذه الآية قول المرجئة، وعلى أن الإيمان -بهذه الآية- يراد به: الصلاة نحو بيت المقدس، وقاله البراء بن عازب ورفعه إلى النبي ﷺ وهو قول قتادة والسدي والربيع بن أنس، وابن المسيب وزيد بن أسلم ومالك وغيرهم. ومن خلال النصوص المتقدمة نرى: في النص الأول: - ذكره للأقوال المتعددة في تفسيرها، كما هي عادته دائمًا. - إشارته إلى استدلال المرجئة على مذهبهم بهذه الآية. - رده لقول المبرد، بقوله: وإضمار الواو قبيح ليس بكثير في كلام العرب، وفيه نقض للأصول، وخروج عن الظاهر. - اختياره للقول الأخير، الذي يجعل الآية في الكفار خاصة حيث يقول: وهذا أحسن الأقوال عندي.

стр. 2699

وفي النص الثاني ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ يقول: وهذا نص واضح على أن الإيمان هو دين الملة المستقيمة .. وهو نص واضح على أن الإيمان قول وعمل بخلاف ما قاله المرجئة، ويستدل على ذلك يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ويبين -ها هنا- أن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإخلاص العمل لله هو الدين المستقيم العادل. وكذلك يستدل بالنص الثالث الذي يسمي الصلاة: إيمانًا، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ حيث يقول: وتسمية الله -جل ذكره- الصلاة: إيمانًا -في هذه الآية- رد على المرجئة، الذين يقولون: إن الصلاة ليست من الإيمان. ج- ردوده على المعتزلة: حفل تفسير مكي بالردود على المعتزلة، وذلك أثناء تفسيره للآيات التي يستدل بها المعتزلة على مذهبهم، وكان مكي يثير إلى رأيهم واستدلالهم بالآية، ثم يناقشهم في آرائهم ويفندها بالنظر الصحيح الذي يعتمد على النصوص والعربية، وفيما يلي تقدم نماذج من ردود مكي على المعتزلة ونقاشه لآرائهم. عدم إرادة الله كفر الكافر: قال مكي في معرض تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾: هو تسلية للنبي ﷺ ألا يحزن على مسارعة من أسرع إلى الكفر من المنافقين واليهود. وفتنته: ضلاله. ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾ لا اهتداء له أبدًا. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ أي: ذل وصغار، وأداء الجزية عن يد. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وزعمت المعتزلة والقدرية أن الله لم يرد كفر أحد من خلقه، وأراد أن يكون جميع الخلق مؤمنين، فكان ما لم يرد، ولم يكن ما أراد -تعالى الله عن ذلك- وقد قال: لم يرد الله أن يطهر قلوبهم. وقال ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ وقال ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾، وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَينَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ -الآية- وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾. وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾. وقال: ﴿أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾. وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. وفي كتاب الله من هذا كثير لا يحصى. يخبر -تعالى- في جميعه أنه أراد جميع ما كان وما يكون، وأن جميع الحوادث كانت عن إرادته ومشيئته، وأنه لو شاء لأحدثها على خلاف ما حدثت فيجعل الناس كلهم مؤمنين. فعندت المعتزلة -عليها لعنة الله تعالى- قولهم عن ذلك، وخالفت وقالت: حدث كفر الكافر على غير إرادة من الله علوًا كبيرًا- وعلى

стр. 2700

إرادة من الشيطان. وقد أجمع المسلمون على قولهم: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وقالت المعتزلة: يكون ما لا يشاء الله -جلت قدرته وعظمته- وهو كفر الكافر، معاندة لإجماع الأمة. وقد حملت المعتزلة في قولها على أنه ليس لله تعالى ذكره على إبليس مزية؛ لأن إبليس شاء أن لا يؤمن أحد، فآمن المؤمنون، فكان خلاف ما شاء، لا فرق بينهما على قولهم، تعالى ربنا عما قالت المعتزلة علوًا كبيرًا، بل كل عن مشيئة كان، يفعل ما يشاء، يوفق من يشاء فيؤمن، ويخذل من يشاء فيكفر لا معقب لحكمه ولاراد لمشيئته، خلق من يشاء للسعادة فوفقه لعلمها، وخلق من يشاء للشقاء وخذله عن العمل بغير عمل أهل الشقاء، كل ميسر لما خلق له هذا هو الصراط المستقيم. أعاذنا الله من الزيغ عن الحق. وقال مكي في تفسير قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾: والمعنى: سيقول المشركون من قريش وغيرهم الذين تقدم ذكرهم إذا تبين لهم أنهم على باطل، قالوا: لو شاء الله ما فعلنا ذلك. ثم أخبرنا الله أن قولهم هذا قال به من كان قبلهم حتى نزلت فيهم العقوبة وهو قوله: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾: أي نزلت بهم عقوبة فعلهم. وقد تعلقت المعتزلة بهذه الآية، فقالوا: إن الله لم يشأ شرك المشركين لأن الله لم يذكر هذه الآية إلا على جهة الذم لهم في قولهم: إن الله لو شاء ما أشركوا، فأضافوا ما هم عليه من الشرك أنه عن مشيئته كان. ولو أن قولهم صحيح ما ذمهم عليه. قالوا: فدل ذلك على أن الله ﵎ لم يشأ شرك المشرك. وفي قوله تعالى -بعد هذه الآية-. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ما يدل على بطلان ذلك، بل الله المقدر لكل أمر من شرك وغيره. ومعنى ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ و ﴿آبَاؤُنَا﴾ أي لو شاء لأرسل إلى آبائنا رسولًا يردهم عن الشرك فيتبعوه على ذلك. وقيل: إنما قالوا هذا على جهة الهزء واللعب والاستخفاف، ولو قالوه على يقين وحق لما رد عليهم ذلك. وتلاحظ على هذين النصين: - نقله لقول المعتزلة بعدم إرادة الله كفر الكافر. - كثرة النصوص القرآنية التي يستشهد بها لإثبات المشيئة الإلهية وتفسيرها بقوله: أراد الله جميع ما كان ويكون، وأن جميع الحوادث كانت عن إرادته ومشيئته، وإنه لو شاء لأحدثها على خلاف ما حدثت فيجعل الناس كلهم مؤمنين، ثم يبين انحراف المعتزلة في فهمها. ويستدل عليهم بعد ذلك بإجماع الأمة على قولها: "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن" ومخالفتهم لهذا الإجماع. ثم يستدل من لازم كلامهم على أنهم لم يجعلوا لله -جل ذكره- على إبليس مزية؛ لأن إبليس شاء أن لا يؤمن أحد فآمن المؤمنون، فكان خلاف ما شاء، فلا فرق بينهما. وفي النص ينقل استدلالهم بالآية أيضًا، ويرد

стр. 2701

قولهم بالآية التي بعدها التي تظهر فساد تفسيرهم، وهي قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ثم يشرح الآية على وجهها الصحيح الذي يراه قائلًا: ومعنى ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾: أي لو شاء لأرسل إلى آبائنا رسولًا يردهم عن الشرك فيتبعوه على ذلك. وقيل: إنما قالوا هذا، على جهة الهزء واللعب والاستخفاف، ولو قالوه على يقين وحق لما رد عليهم ذلك. ومن كل ما تقدم يتبين استحضاره للنصوص التي تؤيد ما ذهب إليه وتنقض ما فهمه المعتزلة، وتخطئته لهم في الفهم بقطع الآيات عن سياقها ثم شرح هذه النصوص على الوجه الذي يتناسب مع السياق والآيات الأخرى). وقال تحت عنوان: خلق القرآن: وقال في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾: (أي: ما حرم الله ذلك، وقيل المعنى: ما بحر الله بحيرة، ولا وصل وصيلة ولا سيب سائبة، ولا حمى حاميًا، ولكن الكافرين اخترقوا ذلك. وقد تعلق قوم من الجهلة القائلين بخلق القرآن بقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا﴾ إنه بمعنى فعلناه، أي: خلقناه. وهذه الآية تظهر جهلهم، وهي قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ فإن كان "جعلنا" بمعنى "خلقنا"، فقد نفى عن نفسه -هنا- الجعل، فمن خلقهم؟ آثم خالق غير الله؟ . ويدل على فساد قولهم قوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ فإن كان "جعل" بمعنى "خلق". فلم يكن القوم إذًا موجودين، وقد أخبر عنهم أنهم استضعفوا في الأرض. وقال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ فيجب على قولهم أن يكون إبراهيم غير مخلوق في ذلك الوقت. وقال: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ فواجب على قولهم أن يكون قد ميز الخبيث من الطيب، وهو غير موجود. وقال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾: -حكاية عن الكفار- أتراهم أيه الجهلة والقدرية خلقوهم، إنما سموهم. ويلزمهم أن يكون القرآن خلق مرتين، لقوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾، وقوله: ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وهذا أكثر من أن يحصى والجعل: يكون بمعنى "التصيير" و"الوصف" و "التسمية"، وقد يكون بمعنى الخلق بدلالة تدل عليه، نحو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي "وخلق". لكن إذا كانت (جعل) بمعنى (خلق) لم يتعد إلا إلى مفعول واحد. وقال مكي في تفسير سورة "الزخرف": حم الزخرف: مكية. قوله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَينَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾. قد تقدم ذكر حم. وقوله والكتاب المبين: قسم، أي: المبين لمن

стр. 2702

تدبره، وفكر في عبره وعظاته ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: أي أنزلناه بلسان العرب، إذ كنتم أيها المنذرون به من العرب، وجعلناه -هنا-: يتعدى إلى مفعولين، فالهاء: الأول، وقرآنا: الثاني. وهذا مما يدل على نقض قول أهل البدع أنه بمعنى "خلفنا" إذ لو كان المعنى "خلقنا" لم يتعد إلا إلى مفعول واحد. ومثله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾، فلو كان معنى "خلق" لصار المعنى: أنهم خلقوا القرآن، وهذا محال، ولم يلقهم في هذا الخطأ العظيم. وجهل الظاهر إلا قلة علمهم بتصاريف اللغة وضعفهم في معرفة الإعراب. ونلاحظ على هذين النصين اللذين يرد فيهما على المعتزلة قولهم بخلق القرآن: أن ادعاءهم أن "جعل" بمعنى خلق دائمًا يوقعهم في محالات كثيرة لا يقولون بها، ومن ثم لا بد لهم من أن يسلموا أن تلك الآيات التي ذكرها مكي لا يمكن أن تكون فيها "جعل" بمعنى خلق وإنما هي بمعنى "صير". ثم يبين لهم أن "جعل" قد تأتي بمعنى "خلق" ويضع ضابطًا نحويًّا للتفريق بين "جعل" بمعنى: خلق، وجعل بمعنى: صير، قائلًا: وقد يكون "الجعل" بمعنى "الخلق، بدلالة تدل عليه، نحو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾. ثم يقول: لكن إذا كانت "جعل" بمعنى: "خلق" لم يتعد إلا إلى مفعول واحد. قول مكي عند قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. "وجعلناه" -هنا- يتعدى إلى مفعولين، فالهاء: الأول. وقرآنًا: الثاني. ثم يقول: وهذا مما يدل على نقض قول أهل البدع أنه بمعنى: "خلقناه" إذ لو كان بمعنى خلقنا، لم يتعد إلا إلى مفعول واحد. ثم يقول: .. ولم يلقهم -أي المعتزلة- في هذا الخطأ العظيم والجهل الظاهر إلا قلة علمهم بتصاريف اللغة وضعفهم في معرفة الإعراب. ومما تقدم يتبين لنا استنتاجه الضوابط النحوية التي تفرق بين المعاني المختلفة للكلمة الواحدة. وصحة تطبيقها. والحجج القوية التي يرد بها على المعتزلة. - رؤية الله يوم القيامة: قال مكي في تفسير قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. قال تعالى: جل ذكره-: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾. أي: حسنة ناعمة جميلة من السرور والغبطة. هذا قول جميع أهل التفسير ثم قال تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أي: تنظر إلى ربها. قال عكرمة: تنظر إلى ربها نظرًا. قال الحسن: وجوه يومئذ ناضرة، أي: حسنة: إلى ربها ناظرة، قال: تنظر إلى الخالق وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق. وقال عطية العوفي: هي تنظر إلى الله -جل ذكره- لا تحيط أبصارهم به من عظمته، ويحيط بهم، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار. وقال بعض أهل البدع: إنه بمعنى: منتظرة إلى ثواب ربها، وهذا خطأ في العربية، قال: لا يقال:

стр. 2703

نظرت إليه: بمعنى: انتظرته وإنما يقال: نظرته بمعنى انتظرته، وأيضًا فإنه لا يجوز انتظرت زيدًا بمعنى: عطاءه أو غلامه، أو ثوابه، أو نحوه؛ لأن فيه تغيير المعاني وإبطال الخطاب، وأيضًا فإن النظر إنما يضاف إلى الوجه، والانتظار إنما يضاف إلى القلوب، فلا يجوز أن يقال: وجه منتظر لك، فلما أتى النص بإضافة النظر إلى الوجوه، لم يجز أن يتأول فيه معنى الانتظار. ولو قال: قلوب يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة، لحسن كونها بمعنى الانتظار لإضافته إلى القلوب. قال الحسن في الآية: نظرت إلى الله فنضرت من نوره، أي: نعمت. وقد روى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: "إني حدثتكم عن المسيح الدجال، أنه قصير أفحج، أعور مطموس العين اليسرى، ليست بناتئة ولا حجزاء، فإن التبس عليكم، فاعلموا أن ربكم -جل وعز- ليس بأعور، وأنكم لن تروا ربكم -جل ذكره- حتى تموتوا" (١). وقد استدل من أنكر النظر بإضافة النظر إلى الوجه، قال: والعين لا تسمى وجهًا، وقد أضاف النظر إلى الوجه. وهذا غلط ظاهر؛ لأن العرب من لغتها أن تسمي الشيء بالشيء إذا قرب منه وجاوره، وقد قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ والسعي للأقدام. وقد أضاف السعي للوجه، وهو أبعد من الأقدام من العين إلى الوجه. فإذا جاز أن يضاف سعي الأبدان والأقدام إلى الوجه لالتباس الوجوه بها، كان إضافة النظر إلى الوجوه يراد به العين أجوز وأحسن؛ لأن العين في الوجه، وهي من جملة الوجه. وهذا سائغ جائز في اللغة وفي كثير من القرآن. وأما أحاديث تصحيح النظر إلى الله -جل ذكره- في الآخرة فكثيرة أشهر من أن نذكرها هنا. ويدل على تصحيح جواز ذلك من القرآن والنظر قوله تعالى حكاية عن موسى ﵇: قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيكَ﴾ وفي سؤاله النظر دليل على جوازه؛ لأن موسى لا يمكن أن يسأل ما لا يجوز وما يستحيل فأعلمه الله أنه لا يراه في الدنيا أحد. فأما قوله تعالى: لا تدركه الأبصار فمعناه: لا تحيط به، ومن قال: إن معناه: لا تراه، فقد غلط، لأنه يلزم أن يكون معنى "حتى إذا أدركه الغرق:

стр. 2704

إذا رآه" وذلك محال. إنما معناه: إذا أحاط به. وكذلك يلزمه أن يكون معنى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾: انا "لمرئيون" ولم يخافوا أن يراهم قوم فرعون إنما خافوا أن يحيطوا بهم، فالمعنى: إنا لمحاط بنا. وكذلك يلزمهم أن يكون معنى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾. لا تخاف رؤية. وهذا محال، لم يؤمنه الله من رؤية آل فرعون، إنما أمنه من إحاطتهم به وبمن معه واستعلائهم عليهم. فالمعنى في الآية: لا تحيط به الأبصار في الدنيا ولا في الآخرة. ومعنى: لن تراني، أي لن تراني في الدنيا، فالإحاطة، منفية. . والرؤية له في الآخرة غير منفية. كما أن قوله: ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، لا يكون نفيا عن أن يعلموه. فكما كانت الإحاطة لا تدل على نفي العلم، كذلك نفي الإدراك لا يدل على نفي الرؤية، وكما جاز أن يعلم الخلق أشياء ولا يحيطون به علما، كذلك جاز أن يروا ربهم ولا تحيط به أبصارهم. فمعنى الرؤية غير معنى الإدراك، فلذلك لا يجوز أن يكون معنى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: لا تراه. وقيل: معنى: لا تدركه الأبصار في الدنيا، على أن يكون "تدركه" بمعنى تراه، وتدركه في الآخرة، أي تراه بدلالة قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وبدلالة قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. وهذا من أدل ما يكون من النص على جواز الرؤية، لأن المؤمنين لا بد أن يكونوا في الآخرة إما محجوبين أو غير محجوبين، فلا فرق بينهم وبين الكفار الذين حكى الله عنهم أنهم محجوبون في الآخرة، ولا فائدة في إعلام الله لنا أن الكفار محجوبون عنه إذ الكل محجوبون فلا بد أن يكون المؤمنون غير محجوبين عن رؤيته بخلاف حال الكفار. وقيل معنى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، أي: بالنهاية والإحاطة فأما الرؤية: فنعم. وقيل معنى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ كإدراك خلقه، لأن أبصارهم ضعيفة. وقيل معنى: لا تدركه الأبصار في الدنيا ولا في الآخرة، أي أبصار الخلق التي خلقها الله فيهم، لا يرونه بها، ولكن يحدث لهم تعالى في الآخرة حاسة يرونه بها، وهذه دعوى لا دليل يصحبها من أثر ولا نظر، والله قادر على كل شيء. وقد روى جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ أنه قال: إنكم ترون ربكم يوم القيامة، كما ترون هذا، يعني: القمر، لا تضامون في رؤيته، وفي بعض الروايات: لا تضارون في رؤيته. وفي بعضها: كما ترون الشمس في غير سحاب. وفي بعضها: كما ترون الشمس نصف النهار، وليس في السماء سحابة، وفي بعضها: كما ترون القمر ليلة البدر وليس في السماء سحابة (١). وقد ذكر النحاس في "تضارون" و"تضامون" واختلاف ألفاظهما ومعانيهما ثمانية أوجه: تضارون وتضامون -مضموم الأول مخففا- قال ويجوز في تضارون وتضامون -مضموم الأول

стр. 2705

مشددا-، قال: ويجوز "تضامون" -مفتوح الأول مشددا- إذ أصله "تتضامون" ثم حذفت إحدى التاءين كتفرقوا، وتساءلون. قال: ويجوز تضامون- مفتوح الأول مشدد الضاد والميم على أن تدغم التاء الثانية في الضاد، كما قال، تظاهرون. وكذلك يجوز تضامون وتضارون على ذلك التقدير في الحذف والإدغام والرواية فيهما بالتخفيف. ومعناه: لا ينالكم عند ربكم ضرر ولا ضيم، ومن رواه مشددا مضموم الأول فمعناه: لا يضار بعضكم بعضًا في الرؤية ولا يضام بعضكم بعضًا كما تفعلون في رؤية الهلال في الدنيا إذا ازدحمتم لرؤيته. ومن تفسير مكي لهذا النص نرى: - ذكره للأقوال المتعددة في نفسيره حسب الظاهر. - ذكره لقول المعتزلة بتأويل النص إلى معنى "الانتظار" بدلا من النظر. - تخطئته للمعتزلة فيما ذهبوا إليه، لأنه -لو كان من الانتظار لعدى بـ "إلى" وكونه لم يعد بـ "إلى" يدل على أنه من "النظر". وأيضًا فإن "النظر" إنما يضاف إلى الوجوه، والانتظار إنما يضاف إلى القلوب. ثم يستدل بحديث عبادة على الرؤية بعد الموت. ثم ينقل حجة من أنكر النظر بإضافة النظر إلى الوجه. ثم رد عليه بقوله: وهذا غلط ظاهر، لأن العرب من لغتها أن تسمي الشيء بالشيء إذا قرب منه وجاوره، ويستدل مكي على صحة هذا الكلام بقوله: وقد قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩)﴾. ويعلق مكي على الآية قائلًا: والسعي للأقدام، وقد أضاف السعي للوجه، وهو أبعد من الأقدام، من العين إلى الوجه. ثم يقول: فإذا جاز أن يضاف سعي الأبدان والأقدام إلى الوجه لالتباس الوجوه بها، كان إضافة "النظر" إلى الوجوه يراد به العين أجوز وأحسن، لأن العين في الوجه، وهي من جملة "الوجه" وهذا سائغ جائز في اللغة وفي كثير من القرآن. ثم ينتقل إلى تصحيح جواز رؤية الله تعالى يوم القيامة بالقرآن والنظر، ويذكر طلب موسى رؤية ربه وأنه لو لم يكن ممكنًا ما طبه، لأن موسى لا يمكن أن يسأل ما لا يجوز، فأعلمه الله أنه لا يراه في الدنيا أحد. ثم ينتقل إلى الآية التي يستشهد بها المعتزلة على عدم الرؤية ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ وينفي أن يكون "الإدراك -هنا- بمعنى: النظر بل هو بمعنى "الإحاطة"، ويستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾، أي: أحاط به، وكذلك قوله: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أي: محاط بنا. ثم يقول: فمعنى الرؤية غير معنى الإدراك. ثم يقول: لو سلمنا أنه بمعنى الرؤية، لكان ذلك للرؤية في الدنيا فقط بدليل قوله في الكافرين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ معنى ذلك أن المؤمنين غير محجوبين. ثم يستشهد بالأحاديث الصحيحة التي تبين إمكانية الرؤية

стр. 2706

وأنها جاءت بروايات متعددة تؤكد هذا المعنى. ومن كل ما تقدم تظهر لنا قوة مكي في النظر والاحتجاج، ودقته في الفهم، والاستنباط، واعتداده بالعربية وتعمقه في إدراك لطائفها وأسرارها، واستخدامه ذلك كله في النظر السليم الذي يؤدي إلى الفهم الدقيق والتفسير الصحيح) أ. هـ. قلت: وبعد أن ذكر ما قاله الدكتور فرحات، نختم البحث بقول شيخ الإسلام ابن تيمية، قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى عند كلامه حول نزول الله وقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَار﴾: (وقد قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَار﴾ قال ابن أبي حَاتِم في "تفسيره": حدثنا أبو زرعة، ثنا منجاب بن الحارث، ثنا بشر بن عمارة عن أبي روق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ في قوله : ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَار﴾ قال: "لو أن الجن والإنس، والشياطين والملائكة، منذ خلقوا إلى أن فنوا صفّوا صفًّا واحدا ما أحاطوا بالله أبدا"- فمن هذه عظمته، كيف يحصره مخلوق من المخلوقات، سماء أو غير سماء! ؟ حتى يفال: إنه إذا أنزل إلى السماء الدنيا صار العرش فوقه. أو يصير شيء من المخلوقات يحصره ويحيط به . فإذا قال القائل: هو قادر على ما يشاء؟ قيل: فقل: هو قادر على أن ينزل وهو فوق عرشه، وإذا استدللت بمطلق القدرة والعظمة من غير تمييز، فما كان أبلغ في القدرة والعظمة، فهو أولى بأن يوصف به مما ليس كذلك؛ فإن من توهم العظيم الذي لا أعظم منه يقدر على أن يصغر حتى يحيط به مخلوقه الصغير، وجعل هذا من باب القدرة والعظمة، فقوله: إنه ينزل مع بقاء عظمته وعلوه على العرش، أبلغ في القدرة والعظمة، وهو الذي فيه موافقة الشرع والعقل. وهذا كما قد يقوله طائفة "منهم أبو طالب المكي، قال: إن شاء وسعه أدنى شيء، وإن شاء لم يسعه شيء وإن أراد عرفه كل شيء، وإن لم يرد لم يعرفه شيء، إن أحب وجد عند كل شيء، وإن لم يحب لم يوجد عند شيء، وقد جاوز الحد والمعيار، وسبق القيل والأقدار. ذو صفات لا تحصى، وقدر لا يتناهى، ليس محبوسًا في سورة، ولا موقوفًا بصفة، ولا محكومًا عليه بكلم، ولا يتجلى بوصف مرتين، ولا يظهر في صورة لاثنين، ولا يرد منه بمعنى واحد كلمتان، بل لكل تجل منه صورة، ولكل عبد عند ظهوره صفة، وعن كل نظرة كلام، وبكل كلمة إفهام، ولا نهاية لتجليه، ولا غاية لأوصافه. قلت -أي شيخ الإسلام-: أبو طالب ﵀ هو وأصحابه (السالمية) -أتباع الشيخ أبي الحسن بن سالم صاحب سهل بن عبد الله التستري- لهم من المعرفة والعبادة والزهد واتباع السنة والجماعة في عامة المسائل المشهورة لأهل السنة ما هم معروفون به، وهم منتسبون إلى إمامين عظيمين في السنة: الإمام أحمد بن حنبل، وسهل بن عبد الله التستري، ومنهم من تفقه على مذهب مالك بن أنس كبيت الشيخ أبي محمد وغيرهم، وفيهم من هو على مذهب الشافعي.

стр. 2707

فالذين ينتسبون إليهم، أو يعظمونهم، ويقصدون متابعتهم أئمة هدى رضوان الله عليهم أجمعين، وهم في ذلك كأمثالهم من أهل السنة والجماعة. وقل طائفة من المتأخرين إلا وقع في كلامها نوع غلط لكثرة ما وقع من شبه أهل البدع، ولهذا يوجد في كثير من المصنفات في أصول الفقه، وأصول الدين، والفقه، والزهد، والتفسير، والحديث، من يذكر في الأصل العظيم عدة أقوال، ويحكي من مقالات الناس ألوانًا، والقول الذي بعث الله به رسوله لا يذكره، لعدم علمه به، لا لكراهته لما عليه الرسول. وهؤلاء وقع في كلامهم أشياء أنكروا بعض ما وقع من كلام أبي طالب في الصفات -من نحو الحلول وغيره- أنكرها عليهم أئمة العلم والدين ونسبوهم إلى الحلول من أجلها؛ ولهذا تكلم أبو القاسم بن عساكر في أبي علي الأهوازي لما صنف هذا مثالب أبي الحسن الأشعري، وهذا مناقبه، وكان أبو علي الأهوازي من السالمية فنسبهم طائفة إلى الحلول. والقاضي أبو يعلى له كتاب صنفه في الرد على السالمية. وهم فيما ينازعهم المنازعون فيه -كالقاضي أبي يعلى وغيره، وكأصحاب الأشعري، وغيرهم من ينازعهم- من جنس تنازع الناس، تارة يرد عليهم حق وباطل؛ وتارة يرد عليهم حق من حقهم، وتارة يرد باطل بباطل، وتارة يرد باطل محق. وكذلك ذكر الخطيب البغدادي في "تاريخه" أن جماعة من العلماء أنكروا بعض ما وقع في كلام أبي طالب في الصفات. وما وقع في كلام أبي طالب من الحلول سرى بعضه إلى غيره من الشيوخ الذين أخذوا عنه كابي الحكم بن برجان ونحوه. وأما أبو إسماعيل الأنصاري صاحب "منازل السائرين" فليس في كلامه شيء من الحلول العام لكن في كلامه شيء من الحلول الخاص في حق العبد العارف الواصل إلى ما سماه هو: "مقام التوحيد" وقد باح منه بما لم يبح به أبو طالب، لكن كنى عنه. وأما "الحلول العام" ففي كلام أبي طالب قطعة كبيرة منه؛ مع تبريه من لفظ الحلول، فإنه ذكر كلاما كثيرًا حسنًا في التوحيد كقوله: عالم لا يجهل، قادر لا يعجز، حي لا يموت، قيوم لا يغفل، حليم لا يسفه، سميع بصير، ملك لا يزول ملكه، قديم بغير وقت، آخر بغير حد، كائن لم يزل، إلى أن قال: كأنه أمام كل شيء، ووراء كل شيء وفوق كل شيء، ومع كل شيء، ويسمع كل شيء، وأقرب إلى كل شيء من ذلك الشيء، لأنه مع ذلك غير محل للأشياء، لان الأشياء ليست محلا له، كأنه على العرش استوى كيف شاء بلا تكييف ولا تشبيه، وإنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وبكل شيء محيط. وذكر كلاما آخر يتعلق بالمخلوقات وإحاطة بعضها ببعض بحسب ما رآه، ثم قال: والله ﷻ وعظم شأنه هو ذات منفرد بنفسه. متوحد بأوصافه، بائن من جميع خلقه، لا يحل الأجسام ولا تحله الأعراض، ليس في ذاته سواه، ولا في سواه من ذاته شيء، ليس في الخلق إلا الخلق ولا

стр. 2708

في الذات إلا الخالق. قلت: وهذا ينفي الحلول كما نفاه أولًا) أ. هـ. وفاته: سنة (٤٣٧ هـ) سبع وثلاثين وأربعمائة. من مصنفاته: "مشكل إعراب القرآن"، و"الموجز" في القراءات، و"شرح كلا وبلا ونعم" وغيرها كثير. ٣٥٩٢ - المَاكِسِيني * النحوي، اللغوي، المقرئ: مكي بن رَيَّان بن شبَّه بن صالح، أبو الحرم، الماكسيني (١)، ثم الموصلي، الضرير، صائن الدين. من مشايخه: ابن الخشاب، والكمال الأنباري وغيرهما. من تلامذته: السخاوي، والقوصي وغيرهما. كلام العلماء فيه: • الكامل: "كان عارفًا بالنحو واللغة والقراءات، لم يكن في زمانه مثله، ويعرف الفقه والحساب معرفة حسنة، وكان من خيار عباد الله وصالحيهم ﵀" أ. هـ. • وفيات الأعيان: "وذكره أبو البركات ابن المستوفي في "تاريخ إربل" فقال: هو جامع فنون الأدب وحجة كلام العرب، الجمع على دينه وعقله، والمتفق على علمه وفضله. . . وكان أبدا يتعصب لأبي العلاء المعري، ويطرب إذا قريء عليه شعره. للجامع بينهما من العمى والأدب فسلك مسلكه في النظم انتهى". • السير: "وكان ذا تقوى وصلاح إلا أنه كان يتعصب لأبي العلاء المعري لاتفاقهما في الأدب والعمى بالجُدَري" أ. هـ. • العبر: "ولم يكن لأهل الجزيرة في وقته في فنه مثله" أ. هـ. قلت: يعني جزيرة الموصل. • البغية: "وكان صالحًا كريم الأخلاق، صبورا على المشتغلين، وعنده من كل علم طرف والغالب عليه علم النحو والقراءات" أ. هـ. • تاريخ الإسلام: "برع في القراءات وجودها، وأقرأ الناس دهرا، وتخرج به أهل الموصل" أ. هـ. وفاته: (٦٠٣ هـ) ثلاث وستمائة. ٣٥٩٣ - المخلِصي * المفسر: منبه بن محمد بن أحمد بن علي بن ينال بن أبي سهل، أبو وهب، ابن أبي جعفر، المخلصي (٢) الحنفي. ولد: سنة (٤٣٩ هـ) تسع وثلاثين وأربعمائة.

стр. 2709

من مشايخه: أبو حامد أحمد بن محمد الشجاعي، وأبو نصر أحمد بن محمد بن حمدان الحداد وغيرهما. من تلامذته: أبو عبد الله البيضاوي وغيره. كلام العلماء فيه: • طبقات المفسرين للداودي: "الفقيه الحنفي، كان فقيهًا شاعرًا واعظًا، مليح الوعظ، حسن المعرفة بالتفسير. قدم بغداد حاجا سنة ست وتسعين وأربعمائة، وحدث بها" أ. هـ. ٣٥٩٤ - المُنْتجِبْ * النحوي، اللغوي، المفسر المقرئ: المنتجب بن أبي العز بن رشيد الهمداني، أبو يوسف، منتجب الدين. من مشايخه: ابن طبرزَد، والكندي، وأبو الجود وغيرهم. من تلامذته: النظام التبريزي، والصائن الواسطي وغيرهما. كلام العلماء فيه: • معرفة القراء: "كان رأسًا في القراءات والعربية متواضعًا صوفيًا. . قال النظام التبريزي: قرأت بأربع روايات على المنتجب وكنت أقرأ عليه خفية من شيخنا علم الدين -أي السخاوي- وكان أصحاب شيخنا لا يجسرون أن يقرؤوا على المنتجب، فوشى بعض الطلبة إلى الشيخ علم الدين، فقال: هذا ما هو مثل غيره هذا يقرأ ويذهب وما يكثر فضولا ... " أ. هـ. • السير: "شيخ القراء ... وشيخ القراءة بالزنجيلية" أ. هـ. • غاية النهاية: "إمام كامل علامة" أ. هـ. • طبقات المفسرين للداودي: "إمام كامل علامة ... " أ. هـ. • قلت: علق الذهبي على هذه العبارة فقال: كان سوقه كاسدا مع وجود العلم السخاوي، انتهى نقلا عن الداودي. • الأعلام: "عالم بالعربية والقراءات، اشتهر وتوفي بدمشق" أ. هـ. • قلت: قال الدكتور فهمي حسن النمر في مقدمة تحقيقه لكتاب "الفريد في إعراب القرآن المجيد" صفحة (٣٩) وتحت عنوان: مذهبه الفقهي: "كان المنتجب الهمذاني ﵀ ينتمي إلى المذهب الشافعي -وهو مذهب الأيوبيين- وقد اختص بالقضاء، لأنه مذهب الدولة. وكان الفاطميون قبل ذلك قد أبطلوا العمل به. والمتصفح لكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد يستطيع أن يلمس وقوف المنتجب بحانب المذهب الشافعي، فنجده كثيرًا ما يأتي بالرأي التفسيري أو الفقهي ثم بعد ذلك ينص على أنه مذهب

стр. 2710

الإمام الشافعي، وهو لم يستدل بقول أحد من الأئمة الأربعة غير الشافعي". ثم قال المحقق تحت عنوان: مذهبه الاعتقادي: "كان أهم ما اتصفت به الحياة الدينية في العصر الأيوبي هو القضاء على آثار المذهب الشيعي ودعم المذهب السني في أنحاء البلاد. ومؤلفنا ﵀ كان ممن سار على هذا المنهج. فنجده ينتصر للمذهب السني، ويدافع عنه، فتارة يصف مذهب المعتزلة بأنه ضلال، وأخرى يصفه بأنه مبني على المغالاة، وأحيانا يشير إلى من خالف أهل السنة بأنه مبتدع زنديق. فعند إعراب قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال المنتجب في (ما) الأولى ثلاثة أوجه: أحدهما: وهو الوجه وعليه الجمهور: أنها موصولة. والثاني: بمعنى (من). والثالث: بمعنى كيف، فيكون معمول (يشاء). وفي الثانية: أيضًا- ثلاثة أوجه: أحدها: وهو المختار وعليه المشيخة من أهل السنة: أنها نافية، لأنها إذا كانت نافية دلت على أن جميع الأشياء بقدرة الله واختياره، وليس للعبد فيها شيء سوى اكتسابه بتقدير، وفي الحديث ما يعضد هذا قال ﵊. (قدر الله المقادير وكتبها قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة). وفي رواية أخرى: (فرغ الله من المقادير وأمر الدنيا قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة). ويقول عند قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾: في (ما) أوجه: أن تكون مصدرية منصوبة المحل عطفًا على الكاف والميم في (خلقكم)، أي: والله خلقكم وعملكم. وهذا وجه حسن لما فيه من الدليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى- خيرًا كانت أو شرًّا. وأن تكون موصولة في موضع نصب أيضًا عطفًا على المذكور آنفًا على معنى والله خلقكم والذين تعملون منه الأصنام، يعني: الخشب والحجارة، وتبقى الأعمال والحركات غير داخلة في خلق الله -تعالى-. وبهذا التأويل يصح أن تكون موصولة لا على أن تكون تعم جميع الأشياء كما ذهبت إليه المعتزلة الضلال. وكفاك دليلًا قوله تعالى في الأنبياء ﴿قَال بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ يعني الأصنام. ويقول عند قوله سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾: والناضرة الأولى من نضرة النعيم، وهو الإشراق. . والثانية من نظر العين، و (إلى) من صلتها، أي تنظر إلى ربها خاصة نظر رؤية وعيان، لا تنظر إلى غيره. ولهذا المعنى وهو الاختصاص قدم معمولها وهو (إلى ربها)، كما تقدم الخبر لذلك في نحو قوله -جل ذكره- ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾، و ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾.

стр. 2711

وليس قول من قال: إن (ناظرة) بمعنى منتظرة - بمستقيم، لأن نظرت إذا كان بمعنى الإنظار لا يدخل عليها حرف الغاية، يقال: نظرت فلانًا، أي أنظرته، ولا يقال: نظرت إليه. وقول من قال: وهو بعض غلاة المعتزلة (إلى) هنا اسم بمعنى النعمة وهو واحد آلاء، أي: منتظرة نعمة ربها، ليس بمستقيم أيضًا، لأن الله -تعالى- أخبر عن الوجوه أنها ناعمة، فدخل النعيم بها وظهرت إمارته عليها، فكيف ننظر إلى ما أخبر الله -جل ذكره- أنه حال فيها، إنما ينظر إلى الشيء الذي هو غير موجود. والوجه هو الأول وعليه الجمهور، وهو أن المراد رؤية الله -جل ذكره- ومن اعتقد غير هذا فهو مبتدع زنديق. ويقول عند قوله سبحانه: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾. وقرئ: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ بالتنوين، و (ما) على هذا لا يخلو أن تكون نافية، أو مصدرية، أو صلة، فلا يجوز أن تكون نافية على معنى ما خلق من شر لأمرين: أحدهما: أن الله -تعالى- خالق كل شيء خيرًا كان أو شرا، وعليه الجمهور من العلماء وذلك حجة. ومن أدلة انتساب المنتجب إلى مذهب أهل السنة: أ- تمسكه بالإجماع: وهو دعامة من دعائم أهل السنة في حين أن المعتزلة ينكرونه. وقد استدل به الهمذاني عند إعراب قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً﴾ الآية. قال: (إلا خطأ) فيه أوجه: أحدها: أنه استثناء منقطع، ولا يجوز أن يكون متصلًا بإجماع من أهل هذه الصناعة، لأن في ذلك إباحة قتل الخطأ. والخطأ لا يصح فيه الاباحة، كما لا يصح فيه النهي، لأنه مرفوع عن الأمة بإجماع الأمة بشهادة قوله ﵇: "رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". وعند إعراب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ الآية. قال المنتجب (برؤوسكم) الباء للإلصاق، والمراد إلصاق المسح بالرأس، وماسح بعضه أو كله ملصق للمسح برأسه. والواجب منه ما يقع عليه اسم المسح بدليل ما روي أنه رسول الله ﷺ مسح على ناصيته (وهو مذهب الشافعي). والناصية عند العرب مقدم شعر الرأس، فماسح أدنى جزء من مقدم رأسه مسح على ناصيته موافق لفعل رسول الله ﵇. والحديث حجة على من خالفه في ذلك، وقدَّر الناصية بربع الرأس مستدلا بالحديث المذكور آنفا، وهو عليهما لما ذكرت من أن الناصية عند العرب مقدم شعر الرأس من غير تقييد ولا تقدير. ولو حلف حالف ألا يضرب على ناصية فلان فضرب على أدنى جزء من مقدم رأسه لكان

стр. 2712

حانثًا بالإجماع، وذلك حجة. وبعد. . . فقد ثبت لنا بالأدلة القاطعة أن "المنتجب الهمذاني" ﵀ شافعي سني) أ. هـ. • قلت: لقد نقلنا الكلام السابق في مذهب وعقيدة صاحب الترجمة (المنتجب) للفائدة، وعدم تكرار نقل ما قاله في تأويل الصفات على المعتزلة، وغير ذلك من كتابه المذكور. ولعدم معرفة المحققين السابقين لكتاب "الفريد في إعراب القرآن المجيد" للمنتجب لاعتقاده، وهذا مما يدل على الجهل الواضح في التفرقة عند البعض الكثير من أصحاب العلم الشرعي من جهة وأصحاب علم العربية والآداب والتاريخ وغيرهما من العلوم الأدبية والعلمية في وقتنا هذا من الجهة الأخرى، بين معتقد السلف أهل الكتاب والسنة، وبين اعتقاد الفرق الأخرى، الأشعرية أو الماتريدية أو الإباضية، وغيرهم من فرق المسلمين، فصاحب الترجمة: هو شافعي المذهب، نعم، ولكن هو أشعري المعتقد وما نقلاه المحققين من كتابة في الصفات كان واضحا، إلى ذكرهما: أنه كان في العصر الأيوبي الذي تميز بمعتقد الأشعرية، الذي قام فيه الأيوبيون بالقضاء على الفاطميين أصحاب المذهب الشيعي في مصر، بواسطة قضاة المسلمين وعلمائهم وخاصة الذين كانوا على مذهبهم ومعتقدهم المشهور في وقتهم، وصاحب الترجمة كان كذلك، شافعي، أشعري. . . والله أعلم. وفاته: (٦٤٣ هـ) ثلاث وأربعين وستمائة. من مصنفاته: "الدرة الفريدة" وهي شرح الشاطبية، وشرح "المفصل" للزمخشري و"الفريد في إعراب القرآن المجيد". ٣٥٩٥ - ابنُ المُنجَّى * النحوي، اللغوي، المفسر: المنجى بن عُثمَان بن أسعد، أبو البركات بن المنجى التنوخي الدمشقي الحنبلي، زين الدين. ولد: سنة (٦٣١ هـ) إحدى وثلاثين وستمائة. من مشايخه: السخاوي، وابن مسلمة، والقرطبي وغيرهم. من تلامذته: ابن العطاء، والمزي، والبرزالي، وتقي الدين بن تيمية وغيرهم. كلام العلماء فيه: • البداية: "الإمام العالم العلامة مفتي المسلمين، الصدر الكامل. . شيخ الحنابلة وعالمهم. . وكان قد جمع له بين حسن السمت والديانة والعلم والوجاهة وصحة الذهن والعقيدة والمناظرة وكثرة الصدقة ولم يزل يواظب على الاشتغال مبتدعا حتى توفي. ." أ. هـ. • ذيل طبقات الحنابلة: "وكانت له أوراد صالحة من صلاة وذكر، وله إيثار كثير وبر يفطر عنده الفقراء في بعض الليالي وفي شهر رمضان كله وكان حسن الأخلاق. وقال البرزالي: كان عالمًا بفنون شتى: من الفقه والأصلين والنحو وله يد

стр. 2713

في التفسير وانتهت إليه رئاسة مذهبه واجتمع له العلم والدين والمال والجاه، وحسن الهيئة وكان صحيح الذهن، جيد المناظرة صبورًا فيها، وله بر وصدقة وكان ملازمًا بجامع دمشق من غير معلوم انتهى" أ. هـ. • عقد الجمان: "الشيخ الإمام العالم العامل العلامة مفتي المسلمين شيخ الحنابلة وعالمهم سمع الحديث وتفقه، وبرع في فنون كثيرة من الأصول والفروع والعربية والتفسير" أ. هـ. • الشذرات: "أحد من انتهت إليه رئاسة المذهب أصولا وفروعا. . مع التبحر في العربية والنظر والبحث وكثرة الصيام والصلاة والوقار والجلالة" أ. هـ. وفاته: (٦٩٥ هـ) خمس وتسعين وستمائة. من مصنفاته: "الممتع شرح المقنع" في فروع الحنابلة أربع مجلدات، و"تفسير" كبير للقرآن العظيم وغير ذلك. ٣٥٩٦ - أبو الحكم الشَّذُونيّ * النحوي، اللغوي: منذر بن عمر بن عبد العزيز الشذوني، أبو الحكم. من مشايخه: محمّد بن فطيس الإلبيري وغيره. من تلامذته: يوسف بن محمّد الشذوني وغيره. كلام العلماء فيه: • تاريخ علماء الأندلس: "كان عالمًا بالنحو واللغة شاعرًا مطبوعا كثير الشعر، بصيرا بالكلام والحجة" أ. هـ. وفاته: سنة (٣٣٤ هـ) أربع وثلاثين وثلاثمائة. ٣٥٩٧ - المشَدَّالي * النحوي، اللغوي، المفسر ناصر الدين، منصور بن أحمد بن عبد الحق بن سدرحان بن فلاح المشدالي -وقيل: المشذالي- الزواوي. ولد: (٦٣١ هـ) إحدى وثلاثين وستمائة. من مشايخه: عز الدين بن عبد السلام، وصدر الدين سليمان الحنفي وغيرهما. من تلامذته: أبو منصور الزواوي، وابن مرزوق الجد، وابن المسفر وغيرهم. كلام العلماء فيه: • عنوان الدراية: "الشيخ الفقيه، المحصل المتقن، المجيد المتفنن له علم بالفقه وأصل الدين وله مشاركة في علم المنطق وعلم العربية. . ويتكلم على تفسير كتاب الله تعالى وحديث الرسول ﷺ ... " أ. هـ. • الدرر: "نبغ ورجع بعلوم جمّة من الأصول والفقه والأدب والكلام والتصوف وجمع تصانيف وأقبل على العبادة والاشتغال بالعلم" أ. هـ. • شجرة النور: "الإمام الفذ الأوحد العالم المتفنن الحافظ المجتهد الشيخ الفاضل من أهل الشورى والفتوى في العلوم والنوازل" أ. هـ. وفاته: (٧٣١ هـ) إحدى وثلاثين وسبعمائة.

стр. 2714

من مصنفاته: له شرح على رسالة أبي محمد بن أبي زيد ولم يستكمله وتحصيله لأصول الفقه وأصول الدين على طريقة الأقدمين على طريقة المتأخرين. ٣٥٩٨ - الكازُروني * المفسر: منصور بن الحسن بن علي بن اختيار الدين فريدون بن علي بن محمّد القرشي العدوي العمري الكازروني الشافعي العماد. من مشايخه: ابن الجزري، والسيد الجرجاني وغيرهما. كلام العلماء فيه: • الضوء: "كان متقدمًا في العقلبات يصبغ بالحمرة" أ. هـ. • الشذرات: "كان إمامًا عالمًا مُصنفًا مفيدًا صحيح العقيدة" أ. هـ. • الأعلام: "عالم بالتفسير والحديث والعقليات من فقهاء الشافعية" أ. هـ. وفاته: (٨٦٠ هـ) ستين وثمانمائة. من مصنفاته: صنف ما ينيف على مائة تأليف منها "لطائف الألطاف في تحقيق التفسير" و"نقد الكشاف" ولم يكمله و"حجة السفرة البررة على المبتدعة الفجرة الكفرة" في نقد "الفصوص" لابن عربي. ٣٥٩٩ - منصور النَّيسابوري * المفسر المقرئ: منصور بن الحسين بن محمد بن أحمد بن القاسم النيسابوري، أبو نصر، ابن أبي منصور. ولد: سنة (٣٣٧ هـ) سبع وثلاثين وثلاثمائة. من مشايخه: أبو العباس الأصم وغيره. من تلامذته: أبو إسماعيل الأنصاري، وعبد الواحد القشيري وغيرهما. كلام العلماء فيه: • المنتخب من السياق: "المفسر المقرئ المعروف مشهور، من بيت الفضل والعلم والحديث والورع ... وهو من المتأخرين الذين بقوا من أصحاب الأصم بعد العشرين وأربعمائة ... " أ. هـ. • السير: "المفسر، الشيخ الإمام. .. " أ. هـ. وفاته: سنة (٤٢٢ هـ) اثنتين وعشرين وأربعمائة، وقيل: (٤٢٤ هـ) أربع وعشرين وأربعمائة. ٣٦٠٠ - ابن يَمْلا الأحدب * المقرئ: منصور بن الخير بن يعقوب بن يملا، (وقيل: الحيري يملي، وقيل: الجبري تملي)

стр. 2715

المغراوي، (وقيل الفراوي) الأندلسي، ويقال له: الأحدب. من مشايخه: موسى بن الحسين المعدل، ومحمد بن شريح وغيرهما. من تلامذته: محمد بن أبي العيسى الطرطوشي، ومحمد بن عبيد الله بن العويص وغيرهما. كلام العلماء فيه: • الصلة: "سمعت بعض شيوخنا يضعفه" أ. هـ. • تاريخ الإسلام: "وقيل إنه متهم في لقي أبي مَعشر (١) مع أنه رأس في القراءات ثم بتجويدها وعللها. قال اليسع بن حزم: رحلت إليه فوجدته بحرا في علوم القراءات بعيد الغور والغايات فجلست واستفدت وتشكلت انتهى ... ". • لسان الميزان: "قال أبو الربيع بن سالم، أخبرنا محمد بن جعفر بن حميد المرسي، أخبرنا أحمد بن أبي الحسن بن بنان راوية أبي معشر قال: لقيني أبو علي منصور بن الجبر بن تملي الفراوي الأحدب، وأنا قافل من الحج. فسألني أيعيش أبو معشر؟ فقلت: قد مات وسويت عليه التراب بيدي، فرحل إلى "مكة"، ثم قدم "الأندلس"، وادعى أنه قرأ على أبي معشر الطبري. قال ابن رشيد: هذه القصة ليس الحمل فيها على أبي عليّ الفراوي، بأولى من الحمل على أبي العباس بن سفيان، أن باب الغيرة يحتمل فيه ما لا يحتمل في غيره قلت: ونظير هذه الحكاية ما ذكره ابن رشيد في كتاب "الرحلة" له، قال: أخبرني الفقيه أبو بكر بن خنيس، حدثني أبو بكر بن محرز من فيه قال: أعلمت السفر برسم الأخذ عن المحدث أبي محمد بن عبيد الله الحجري، [فبلغت] إلى جهة مرهلة من عدوة "الأندلس"، وقصدي التوجه إلى "سبته"، فلقيت هناك أبا الربيع بن سالم قافلا من "سبته"، فسلم بعضنا على بعض، فسألته عن الشيخ فقال: ما جئت حتى ووري في التراب، فسقط في يدي، وأخذ بسمعي وبصري في الرجوع عن وجهي وقال: نتأنس بك في الطريق، حتى كاد يصرفني عن وجهي، فوفقني الله العظيم لمخالفته، وتوجهت لسبيلي فلقيت الشيخ حيا فكثرت عنه، وطال الانتفاع به، ولزمته إلى أن مات. قال: وهذه القصة كانت سبب الوحشة بين أبي الربيع بن سالم، وابن خنيس حتى ماتا، وكان أبو الربيع يجامله، وقال ابن عساكر في "رجال مالقة": ولد سنة ست وعشرين وأربعمائة، وكان أبو جعفر بن (الباذش) يتهمه ويقول: إنه كان يزيد في سنه، ويدعي في (القراءات) ما لم يسمعه. وقال أبو عليّ الزيدي: تكلم ابن الباذش في منصور هذا، وأبلغ، وأظهر التعسف في أمره، فأخبرني أبو بكر بن أبي نصر، عن المحدث أبي بكر بن زروق، أنه ناظر ابن الباذش في أمر أبي علي، حتى أذعن له أبو جعفر. قال أبو علي: منصور هذا قد وثقه الأشياخ، منهم أبو بكر بن زروق، وصححوا روايته، وأخبرني أبو القاسم السهيلي أنه وقف على إجازة لأبي معشر، لأبي علي منصور، عند بعض أهل "مالقة"، قال: وقد رحل إليه أبو عبد الله النميري، وتلا عليه القرآن. فأقره على ابن الباذش، ولم يتهم بشيء من روايته، ولا شك أن النميري أتم معرفة ومعه ابن

стр. 2716

الباذش، وقد روى الإسناد أبو محمد القرطبي بالسبع، عن أبي القاسم بن دحمان، عن منصور، وكان أعرف الناس بهذا الفن، ونظم أمره في قصيدته المشهورة، فقال بعد صدر منها: [الطويل]: وأشياخ منصور عليّ بن جماعة ... ولابن شريح فيهم المنصب العالي تلا السبع بالكافي عليه محصلا ... وحسبك بالكافي مفسر إشكال وقال بلقيا الطبري بمكة ... أبي معشر ما شاء من درك آمال روى عنه تلخيص اليمان رواية ... وعرضًا فلا تحفل بقيل ولا قال وقال: وأشار بهذا إلى ما قيل فيه من قصة بن الناوس، والله أعلم" أ. هـ. • غاية النهاية: "العَلم الأستاذ مقريء كبير وعالم شهير .. " أ. هـ. وفاته: (٥٢٦ هـ) ست وعشرين وخمسمائة. من مصنفاته: جمع في القراءات كتبا أخذها الناس عنه مع سائر ما رواه. ٣٦٠١ - المُسَدِّي * المفسر المقرئ: منصور بن سرّار بن عيسى بن سليم، أبو عليّ الأنصاري، لإسكندري المالكي، المعروف بالمسدي. ولد: (٥٧٠ هـ) سبعين وخمسمائة. من مشايخه: عبد الرحمن بن موقا، ومنصور بن خميس وغيرهما. من تلامذته: الدمياطي وغيره. كلام العلماء فيه: • معرفة القراء: "وكان من حُذّاق القراء. . وله شهرة بتلك الديار -أي المصرية .. " أ. هـ. • طبقات المفسرين للداودي: "كان من حذاق المقرئين" أ. هـ. وفاته: (٦٥١ هـ) إحدى وخمسين وستمائة. من مصنفاته: "أرجوزة" في القراءات و"كتاب" في التفسير. ٣٦٠٢ - الطبلاوي * النحوي، اللغوي، المفسر منصور الطبلاوي، سبط شيخ الإسلام، ناصر الدين، الطبلاوي، الشافعي. من مشايخه: الشمس الرملي، وأبو نصر بن ناصر الدين الطبلاوي وغيرهما. من تلامذته: الشمس محمّد الشوبري وغيره. كلام العلماء فيه: • خلاصة الأثر: "الشيخ العالم المحقق خاتمة الفقهاء ورحلة الطلاب وبقية السلف، برع في التفسير والففه والحديث والنحو والتعريف

стр. 2717

والمعاني والبيان والكلام والمنطق والأصول .. " أ. هـ. • الأعلام: "فقيه شافعي مصري، غزير العلم بالعربية والبلاغة، أصله من إحدى قرى المنوفية ووفاته بالقاهرة" أ. هـ. وفاته: سنة (١٠١٤ هـ) أربع عشرة وألف. من مصنفاته: "منظومة" في البلاغة و"السر القدسي في تفسير آية الكرسي، و"منهج التيسير إلى علم التفسير" "حاشية" على شرح عقائد النسفي للتفتازاني سماه "مطلع بدور الفوائد ومنبع جواهر العوائد" و"حسن الوفا بزيارة المصطفى". ٣٦٠٣ - خَطيب السَّقِيفة * النحوي، اللغوي، المفسر: منصور بن عبد الرحمن الحريري الدمشقي الشافعي، زين الدين، الشهير بخطيب السقيفة. من مشايخه: البدر الغزِّي وغيره. كلام العلماء فيه: • در الحبب: "الأديب الشهير بخادم الشيخ أرسلان. . جاور بالمدرسة الشرفية وأسفر عن تأليف في التصوف، اتهم فيه بأنه لغيرة أو منقول فيه كلام غيره فحسب وهرع إليه أفراد من أوباش عوام الصوفية بل صوفية العوام، وأضافة من الناس أقوام ثم شاع عنه أكل الكيفية والتهاون في بعض الأمور الدينية اتباعا لنفسه الدنية حتى أضافه بعض النَّاس ذات ليلة في جماعة فباسطهم بالكلام من المغرب إلى الصبح ولم يصل الصلاة المفروضة -والعياذ بالله تعالى- ولا اكترث باطلاع صاحب المنزل وجماعته عليه- ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .. " أ. هـ. • الكواكب: "ثم ذكر (أي ابن الحنبلي) كلاما يقتضي الطعن عليه وإضافة أمور غير مرضية إليه. وكذلك عادة ابن الحنبلي في هذا التاريخ بأدنى شبهة يمتلك من المترجم سترا، ولا يكاد يقيم لمن يحتمل حاله التأويل عذرًا. والذي عرفناه من أخبار أخيار الدمشقيين أن الشيخ منصور كان من عباد الله الصالحين. . ." أ. هـ. قلت: وله كرامات ذكرها الغزي. . وله قصيدة طويلة مدح بها شيخه البدر الغزي انتهى. • الشذرات: "الإمام العلامة وكانت له يد طولى في علوم كالتفسير والعربية وكان صوفي المشرب. رسلاني الطريقة. ." أ. هـ. • الأعلام: "متصوف متأدب من الشافعية. . وله كتاب في "التصوف" أ. هـ. وفاته: (٩٦٧ هـ) سبع وستين وتسعمائة. من مصنفاته: له أرجوزة في حفظ الصحة ورسالة سماها بـ "رسالة النصيحة في الطريقة الصحيحة" و"كتاب" في التصوف. ٣٦٠٤ - ابن فَلاح النحوي * النحوي، اللغوي: منصور بن فلاح بن محمّد بن

стр. 2718

سليمان بن معمر اليمني، الشيخ تقي الدين، أبو الخير، المشهور بابن الفلاح. كلام العلماء فيه: • بغية الوعاة: "له مؤلفات في العربية" أ. هـ. • معجم المؤلفين: "نحوي، فقيه، أصولي" أ. هـ. وفاته: سنة (٦٨٠ هـ) ثمانين وستمائة. من مصنفاته: "الكافي "في النحو، وجزء في غاية الحسن يدل على معرفته بأصول الفقه. ٣٦٠٥ - ابن المُقدِّر التميمي * النحوي: منصور بن محمد بن عبد الله بن المقدر التميمي، أبو الفتح الأصبهاني. من مشايخه: أبو بكر عبد الله بن محمد القبَّاب، والصاحب ابن عباد وغيرهما. كلام العلماء فيه: • تاريخ بغداد: "كتبت عنه وكان معتزليا داعية خبيث المذهب، يزري أصحاب الحديث ويستهزيء بالآثار، وكان يزعم أن أباه محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن بحر بن خالد بن صفوان بن عمر بن الأهتم التميمي" أ. هـ. • معجم الأدباء: "كان نحويًّا أديبا متكلما كثير الرواية حريصًا على العلم، قدم بغداد واستوطن وقرأ بها العربية وصحب الصاحب ابن عباد، وكان معتزليا متظاهرًا بالاعتزال وصنف كتاب ذم الأشاعرة" أ. هـ. • معجم المؤلفين: "أديب، نحوي، متكلم" أ. هـ. وفاته: سنة (٤٤٢ هـ) اثنتين وأربعين وأربعمائة. من مصنفاته: له كتاب في ذم الأشاعرة. ٣٦٠٦ - أبو المُظَفَّر السَّمْعَاني * المفسر: منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد المروزي السمعاني التميمي، الحنفي ثم الشافعي، أبو المظفر. ولد: (٤٢٦ هـ) ست وعشرين وأربعمائة. من مشايخه: أبو غانم أحمد بن علي الكُراعي، وأبو بكر بن عبد الصمد الترابي وغيرهما. من تلامذته: عمر بن محمّد السرخسي، وأبو نصر محمّد بن محمد الفاشاني، ومحمد بن أبي بكر السبخي وغيرهم. كلام العلماء فيه: • الأنساب: "إمام عصره بلا مدافعة، وعديم النظير في فنه ولا أقدر على أن أصف بعض مناقبه، ومن مطالع تصانيفه وأنصف، عرف محله من العلم. . وكانت مجالس وعظه كثيرة النكت

стр. 2719

والفوائد .. " أ. هـ. • اللباب: "الإمام المشهور. . وكان حنفيا فصار شافعيا .. " أ. هـ. • السير: "الإمام العلامة، مفتي خراسان شيخ الشافعية .. قال عبد الغافر في "تاريخه": هو وحيد عصره في وقته فضلًا وطريقة، وزهدا وورعا، من بيت العلم والزهد، تفقه بأبيه، وصار من فحول أهل النظر، وأخذ يطالع كتب الحديث. وحج ورجع. وترك طريقته التي ناظر عليها ثلاثين سنة. وتحول شافعيًّا. وأظهر ذلك في سنة ثمانٍ وستين، فاضطرب أهل مرو، وتشوش العوام، حتى وردت الكتب من الأمير ببلخ، في شأنه والتشديد عليه، فخرج من مرو، ورافقه ذو المجدين أبو القاسم الموسوي، وطائفة من الأصحاب، وفي خدمته عدة من الفقهاء، فصار إلى طوس، وقصد نيسابور، فاستقبله الأصحاب استقبالًا عظيمًا أيام نظام الملك، وعميد الحضرة أبي سعد، فكرموه، وأنزل في عز وحشمة، وعقد له مجلس التذكير في مدرسة الشافعية، وكان بحرا في الوعظ، حافظًا، فظهر له القبول، واستحكم أمره في مذهب الشافعي، ثم عاد إلى مرو، ودرس بها في مدرسة الشافعية، وقدمه النظام على أقرانه، وظهر له الأصحاب، وخرج إلى أصبهان، وهو في ارتقاء. تعصب لأهل الحديث والسنة والجماعة، وكان شوكًا في أعين المخالفين، وحجة لأهل السنة ... وقرأت بخط أبي جعفر الهمذاني الحافظ: سمعت أبا المظفر السمعاني يقول: كنت في الطواف، فوصلت إلى الملتزم، وإذا برجل قد أخذ بردائي، فإذا الإمام سعد، فتبسمت، فقال: أما ترى أين أنت؟ ! هذا مقام الأنبياء والأولياء، ثم رفع طرفه إلى السماء وقال: اللهم كما سقته إلى أعز مكان، فأعطه أشرف عز في كل مكان وزمان، ثم ضحك إلي، وقال: لا تخالفني في سرك، وارفع يديك معي إلى ربك، ولا تقولن البتة شيئًا، واجمع لي همتك حتى أدعو لك، وأمِّنْ أنت، ولا يخالفني عهدك القديم، فبكيت، ورفعت معه يدي، وحرك شفتيه، وأمَّنتُ، ثم قال: مُرَّ في حفظ الله، فقد أجيب فيك صالح دعاء الأمة، فمضيت وما شيء أبغض إلي من مذهب المخالفين. وبخط أبي جعفر: سمعت إمام الحرمين يقول: لو كان الفقه ثوبًا طاويًا، لكان أبو المظفر السمعاني طرازه. وقال الإمام أبو علي بن الصفار: إذا ناظرت أبا المظفر، فكأني أناظر رجلا من أئمة التابعين، مما أرى عليه من آثار الصالحين ... قال أبو سعد: حدثنا أبو الوفاء عبد الله بن محمد، حدثنا أبوك أبو بكر يقول: سمعت أبي يقول: ما حفظت شيئًا فنسيته. وقال أبو سعد: سمعت أبا الأسعد بن القشيري يقول: سئل جدك بحضور والدي عن أحاديث الصفات، فقال: عليكم بدين العجائز .. " أ. هـ. • قلت: وفي منهاج السنة وصفه شيخ الإسلام ابن تيمية بالإمام في بعض جماعات أهل السنة. انتهى. • طبقات الشافعية للسبكي: "الإمام الجليل العلم الزاهد الورع أحد أئمة الدنيا الرفيع القدر

стр. 2720

العظيم المحل المشهور الذكر أحد من طبق الأرض ذكره وعِبق الكون نشرُه .. " أ. هـ. • البداية والنهاية: "وكان يقول: ما حفظت شيئًا فنسيته، وسئل عن أخبار الصفات فقال: عليكم بدين العجائز وصبيان الكتاتيب، وسئل عن الاستواء فقال: جئتماني لِتعلما سِرَّ سُعدى ... تجداني بسرِّ سُعدى شحيحا إن سُعْدى لمُنية المُتمني ... جَمعَت عفة ووجهًا صَبيحا" أ. هـ. • مفتاح السعادة: "اختلف هل المتشابه مما يمكن الاطلاع على علمه أو مما لا يعلمه إلا الله .. قال ابن السمعاني، لم يذهب إلى الأول إلا شرذمة واختاره القتبي قال: وكان يعتقد مذهب أهل السنة، لكنه سها في هذه المسألة. قال: ولا غرو فإن لكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة .. "أ. هـ. • الشذرات: "الإمام العلامة. . كان إمام وقته في مذهب أبي حنيفة فلما حج ظهر له بالحجاز ما اقتضى انتقاله إلى مذهب الشافعي، ولما عاد إلى مرو لقي أذى عظيما بسبب انتقاله. . وسمعان بطن من تميم، ويجوز كسر السين" أ. هـ. • الأعلام: "مفسر من علماء حديث، من أهل مرو مولدا ووفاة. كان مفتي خراسان. . وهو جد السمعانى صاحب "الأنساب" عبد الكريم بن محمد ... " أ. هـ. • قلت: سوف نذكر عقيدته من خلال تفسيره (١) الذي حققه وأعده عبد القادر بن منصور، وهذا النقل سيكون بالنص، على طوله للفائدة، قال المحقق: "للعقيدة أهمية عظيمة في حياة الأمم. ويوم تمسك المسلمون بالعقيدة الصحيحة فتحوا العالم وكانوا أعزاء ويحسب لهم ألف حساب والدنيا كلها تهتز لذكر المسلمين وكان الواحد منهم بمجرد قوله لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ، يتغير مجرى حياته، ويطبق تعاليم الإسلام بكاملها. أما حال المسلمين في هذا الزمان فلا يحسدون عليها، ولا يقام لهم وزن ولا يحسب لهم حساب، لا بل أصبحت دماءهم من أرخص الدماء، وكأنهم حمى مباح. وما ذاك إلا لضعف وانحراف طرأ على عقائد المسلمين فكم وكم من المسلمين يحملون الأفكار والعقائد التي تهدم الإسلام وليس لهم في الإسلام حظ إلا مجرد الإسم. والله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ولا يظلم ربك أحدا، وإني أهيب بالمسلمين أن يصححوا عقائدهم وأن يتمسكوا بعقيدة السلف الصالح، ويوم يتم هذا ترجع لنا السيادة، ونصبح أعزاء أقوياء لا سلطان لأحد علينا، وبدون هذا لا سبيل للفلاح والفوز. وعالمنا السمعاني واحد من أولئك الأفذاذ الذين تمسكوا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، واعتقدوا بعقيدة السلف الصالح، وانتصروا لها

стр. 2721

وقد ألف كتابًا من عشرين جزءًا في الرد على القدرية، وألف الانتصار لأهل السنة، ومنهاج أهل السنة. وقال عنه الذهبي: تعصب لأهل الحديث والسنة والجماعة، وكان شوكًا في أعين المخالفين، وحجة لأهل السنة. وقال: سئل أبو المظفر عن أحاديث الصفات فقال: عليكم بدين العجائز. وقال ابن كثير: سئل أبو المظفر عن أخبار الصفات، فقال: عليكم بدين العجائز، وصبيان الكتاتيب (١). وقال إمام الشافعية في وقته، الإمام أبو بكر محمّد بن محمود بن سورة التميمي فقيه نيسابور للشيخ أبي المظفر السمعاني بنيسابور: إن أردت أن يكون لك درجة الأئمة في الدنيا والآخرة فعليك بمذهب السلف الصالح وإياك أن تداهن في ثلاث مسائل: مسألة القرآن، ومسألة النبوة، ومسألة استواء الرحمن على العرش باستدلال النص من القرآن والسنة المأثورة عن النبي ﷺ . حكاه الحافظ أبو منصور عبد الله بن محمد بن الوليد في كتاب إثبات العلو له (٢). ويظهر لي أن هذه النصيحة من هذا الإمام لأبي المظفر من باب الأمر بالثبات على ما هو عليه من عقيدة السلف ولا يفيد هذا أنه كان قبل ذلك على غير عقيدة السلف. والذي ظهر لي بدون أدنى شك أن السمعاني سلفي العقيدة، وهذا الحكم أصدرته من خلال دراستي لعقيدته في تفسيره. وخير شاهد على عقيدة أبي المظفر السمعاني ما صرح به نفسه في مواضع متعددة من تفسيره فإليكم عقيدته من خلال تفسيره بكامله. تعريف الإيمان وأنه يزيد وينقص: عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ﴾ [البقرة: ٣]. عرف الإيمان تعريفا سلفيا صحيحا، فقال رحمه الله تعالى: والإيمان في الشريعة يشتمل على الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان. وعند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]، قال أبو المظفر السمعاني رحمه الله تعالى: أي يقينا وتصديقا، وذلك أنه كلما نزلت آية فآمنوا بها ازدادوا إيمانا وتصديقا. وهذا دليل لأهل السنة على أن الإيمان يزيد وينقص. - عقيدته في الاستواء: قال أبو المظفر عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]. أوّل المعتزلة الاستواء بالاستيلاء وأنشدوا فيه: قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق وأما أهل السنة يتبرؤون من هذا التأويل ويقولون إن الاستواء على العرش صفة الله تعالى بلا كيف والإيمان به واجب.

стр. 2722

كذلك يحكى عن مالك بن أنس وغيره من السلف، أنهم قالوا في هذه الآية: الإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وعند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣]. قال أبو المظفر: قد بينا مذهب أهل السنة في الاستواء وهو أنه نؤمن به، ونكل علمه إلى الله تعالى من غير تأويل ولا تفسير. وأما المعتزلة، فإنهم أولوا الاستواء بالاستيلاء وهو باطل عند أهل العربية، حكى عن أحمد بن أبي دؤاد وكان من رؤساء المعتزلة أنه قال لابن الأعرابي أتعرف الاستواء بمعنى الاستيلاء؟ فقال: لا. ويحكى أن هذه المسألة جرت في مجلس المأمون، فقال بشر المريسي: الاستواء بمعنى الاستيلاء، فقال له أبو السمراء وهو رجل من أهل اللغة: أخطأت يا شيخ فإن العرب لا تعرف الإستيلاء إلا بعد عجز سابق. وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]: هـ، . قال رحمه الله تعالى: والمذهب عند أهل السنة أن يؤمن به ولا يكيف. وقد رووا عن جعفر بن عبد الله وبشر الخفاف قالا: كنا عند مالك فأتاه رجل وسأله عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فأطرق مالك مليا، ثم قال: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أظنك إلا ضالًا، ثم أمر به فأخرج. ونقل أهل الحديث عن سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في الآيات المتشابهة: أمروها كما جاءت، وقال بعضهم: تأويله الإيمان به. وأما تأويل الاستواء بالإقبال، فهو تأويل المعتزلة، وذكر الزجاج والنحاس وجماعة النحاة من أهل السنة أنه لا يسمى الاستواء استيلاء في اللغة إلا إذا غلب غيره عليه، وهذا لا يجوز على الله تعالى. - إثبات اليد لله تعالى: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]. قال أبو المظفر السمعاني رحمه الله تعالى: قال أهل العلم: ليس في هذا رد على اليهود في إثباتهم اليد لله تعالى، وإنما الرد عليهم في نسبته إلى البخل. وأما اليد صفة لله تعالى بلا كيف. وله يدان. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: كلتا يديه يمين. والله أعلم بكيفية المراد. - إثبات العلو لله تعالى: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]. قال أبو المظفر رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ هو صفة الاستعلاء الذي لله تعالى الذي يعرفه أهل السنة. - إثبات العلم لله تعالى: قال رحمه الله تعالى عند تفسيره لقوله : ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]، أي مع علمه. وفيه دليل على أن لله تعالى علمًا هو صفته خلاف قول المعتزلة خذلهم الله.

стр. 2723

- إثبات الوجه لله تعالى على الوجه اللائق به سبحانه: بين السمعاني رحمه الله تعالى أن الوجه صفة لله ، وتفسيره قراءته والإيمان به. وذلك عند قوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]. وحكى رحمه الله تعالى قولا عن سفيان بن عيينة، مفادة: كل ما وصف الله به نفسه في الكتاب فتفسيره قراءته لا تفسير له غيره، أقول: لا يفهم من هذا التفويض. وقال أبو المظفر: وقد بينا أنه صفة من صفات الله تعالى يؤمن به على ما ذكر الله تعالى. قال أبو المظفر: والوجه، صفة لله تعالى بلا كيف، وجه لا كالوجوه. - إثباته لرؤية الله تعالى يوم الدين: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. قال رحمه الله تعالى: استدل بهذه الآية من يعتقد نفي الرؤية. قالوا: لما مدح بأنه لا تدركه الأبصار فمدحه على الأبد في الدنيا والآخرة. واعلم أن الرؤية حق على مذهب أهل السنة، وقد ورد به القرآن والسنة. قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. وقاد: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. وقال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠]، ونحو هذا ... وروى جرير بن عبد الله البجلي وغيره بروايات صحيحة عن النبي ﷺ أنه قال: "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر دونه سحاب لا تضامون في رؤيته" ويروى لا تضارون في رؤيته. فأما قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ فالإدراك غير الرؤية، لأن الإدراك هو الوقوف على كنه الشيء وحقيقته. والرؤية: هي المعاينة، وقد تكون الرؤية بلا إدراك، قال الله تعالى في قصة موسى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَال كَلَّا﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢]. فنفى الإدراك مع إثبات الرؤية. وإذا كان الإدراك غير الرؤية (فالله تعالى يجوز أن يرى ولكن لا يدرك كنهه إذ لا كنه له حتى يدرك. وهذا كما أنه يعلم ويعرف ولا يحاط به) (١). كما قال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠]. فنفى الإحاطة مع ثبوت العلم. وقال ابن عباس ومقاتل: لا تدركه الأبصار، يعني في الدنيا هو يرى الخلق ولا يراه الخلق في الدنيا، وهو يرى في الآخرة، بدليل قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. فكما أثبت الرؤية بتلك الآية في الآخرة، دل أن المراد بهذه الآية الإدراك في الدنيا ليكون جمعا بين

стр. 2724

الآيتين، ويقصد بهذا رحمه الله تعالى الرد على أهل البدع، كالخوارج والمعتزلة والجهمية والإمامية، وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَال رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيكَ قَال لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]. قال أبو المظفر السمعاني رحمه الله تعالى: يستدل من ينفي الرؤية بهذه الكلمة، وليس لهم فيها مستدل، وذلك لأنه لم يقل إني لا أرى حتى يكون حجة لهم، ولأنه لم ينسبه إلى الجهل في سؤال الرؤية، كما ينسب إليه قومه بقولهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ لما لم يجز ذلك. وأما معنى قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ يعني في الحال أو في الدنيا. ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ معناه: اجعل الجبل بيني وبينك فإنه أقوى منك. فإن استقر مكانه فسوف تراني، وفي هذا دليل على أنه يجوز لأنه لم يعلق الرؤية بما يستحيل وجوده، لأن استقرار الجبل مع تجليه له غير مستحيل، بأن يجعل له قوة الاستقرار مع التجلي. وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. قال أبو المظفر: واختلفوا في الحسنى وزيادة، فروي عن أبي بكر الصديق وأبي موسى الأشعري وابن عباس وحذيفة وقتادة وجماعة من التابعين إنهم قالوا: الحسنى هي الجنة، والزيادة، هي النظر إلى الله . وروى أبو القاسم بن بنت منيع عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب ﵃ أن النبي ﷺ قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال الله تعالى: يا أهل الجنة إن لكم عندي موعدا وأنا منجزكموه. فقالوا: وما ذلك؟ ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تثقل موازيننا؟ ألم تدخلنا الجنة وتخلصنا من النار؟ قال فيتجلى لهم فينظرون إلى وجهه فما أعطوا شيئًا هو أحب إليهم من النظر إليه، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قال الإمام أبو المظفر: أخبرنا بهذا الحديث أبو الحسين أحمد بن محمد بن النقور بالتخفيف ببغداد، وساق سند الحديث. . ثم قال: الخبر أخرجه مسلم في الصحيح. وعند قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]. قال رحمه الله تعالى في الآية دليل على أن المؤمنين يرون الله تعالى، وقد نقل هذا الدليل عن مالك والشافعي ﵀ عليهما. قال مالك: لما حجب الله الفجار عن رؤيته دل أنه يتجلى للمؤمنين حتى يروه، ومثل هذا رواه الربيع بن سليمان عن الشافعي. قال الربيع: قلت للشافعي أتدين الله بهذا؟ فقال: لو لم أوقن أن الله يرى في الجنة، لم أعبده في الدنيا، وقد روى هذا الدليل عن أحمد بن يحيى بن ثعلب الشيباني عن ابن عباس. وعن الحسن البصري قال: لو عرف المؤمنون أنهم لا يرون الله في الآخرة لزهقت أرواحهم في الدنيا. وفي الآية أبين دليل من حيث المعنى على ما قلنا، لأنه ذكر قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ في حق الكفار عقوبة لهم، فلو قلنا إن المؤمنين يحجبون لم يصح عقوبة

стр. 2725

الكفار به. وقد ذكر الكلبي في نفسيره عن ابن عباس في هذه الآية أن المؤمنين يرونه في الجنة ويحجب الكفار. وعن الحسين بن الفضل قال: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده كذلك في الآخرة رؤيته. - مجئ الله تعالى: قال أبو المظفر السمعاني رحمه الله تعالى: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]: والأولى في هذه الآية وما يشاكلها أن نؤمن بظاهره ونكل علمه إلى الله تعالى، وننزه الله عن سمات الحدثِ والنقص. - القرآن كلام الله غير مخلوق: قال أبو المظفر السمعاني عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]. وهذا فيه بيان أن الهداية من الله تعالى، ومن كلامه كما هو مذهب أهل السنة. وفي هذا رد على المعتزلة الذين يقولون إن كلام الله تعالى مخلوق، وأفعال العباد كذلك مخلوقة لهم. ولو كان قول المعتزلة صحيحًا، لما نسب الهداية هنا لله تعالى فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾. وعند قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤] قال السمعاني رحمه الله تعالى عند تفسيره لهذه الآية: إنما كلمه بنفسه من غير واسطة ولا وحي وفيه دليل يرد على من قال إن الله خلق كلاما في الشجرة فسمعه موسى، وذلك لأنه قال وكلم الله موسى تكليما. قال الفراء وثعلب: إن العرب تسمي ما توصل إلى الإنسان كلامًا بأي طريق وصل إليه. ولكن لا يحققه بالمصدر، فإذا حقق الكلام بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام، وهذا كالإرادة، يقال: أراد فلان إرادة فيكون حقيقة الإرادة .. فلما حقق الله كلامه موسى بالتكليم عرف أنه حقيقة الكلام من غير واسطة. قال ثعلب: وهذ دليل من قول الفراء أنه ما كان يقول بخلق القرآن، فإن قال قائل: بأي شيء عرف موسى أنه كلام الله؟ قيل بتعريف الله تعالى إياه، وإنزال أنه عرف موسى بتلك الآية أنه كلام الله تعالى، وهذا مذهب أهل السنة أنه سمع كلام الله حقيقة بلا كيف. وفي الحاشية من النسخة الأزهرية، بلا واسطة، وهو رد على المعتزلة الذين لا يثبتون كلاما أزليا على الحقيقة، صفة قائمة بذاته، إنه أكد بالمصدر وهو لتحقيق الاسم والصفة. . الخ. وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]. قال رحمه الله تعالى: استدل المعتزلة بهذا على أن القرآن مخلوق. وقالوا: كل محدث مخلوق. والجواب عنه: أن معنى قوله: (محدث) أي: محدث تنزيله. ذكره الأزهري وغيره، ويقال: أنزل في زمان بعد زمان. قال الحسن البصري: كلما جدد لهم ذكر استمروا على جهلهم. . الخ. وعند قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ [الزخرف: ٣]. قال أبو المظفر: قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾ قال السدي: أنزلناه، وقال مجاهد:

стр. 2726

قلناه. وعن بعضهم بيناه. قاله سفيان الثوري واستدل بهذا من زعم أن القرآن مخلوق، وذكر أن الجعل بمعنى الخلق، بدليل قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [طه: ٥٣]، و [الزخرف: ١٠]. أي خلق لكم .. وعندنا هذا التعلق باطل، والقرآن كلام الله غير مخلوق، وعليه إجماع أهل السنة. وزعموا أن من قال: إنه مخلوق فهو كافر، لأن فيه نفي كلام الله تعالى، وقد بينا وجه الآية عند السلف، ومن يعتمد في تفسيره، وقد ورد الجعل في القرآن لا بمعنى الخلق. قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩]. ومعناه أنهم وصفوهم بالأنوثة وليس المعنى أنهم خلقوهم. - عقيدته فيما حدث بين الصحابة رضوان الله عليهم: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]. قال أبو المظفر رحمه الله تعالى: وفي الآية دليل على أن الترحم للسلف والدعاء لهم بالخير وترك ذكرهم بالسوء من علامة المؤمنين. وروي أن رجلًا جاء إلى مالك بن أنس فجعل يقع في جماعة من الصحابة مثل أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم ﵃، فقال له: أنت من الفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم. قال: لا. قال: أنت من الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم؟ قال: لا. فقال: أشهد أنك لست من الذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان. وعن ابن عباس أنه قال: ليس لمن يقع في الصحابة ويذكرهم بالسوء في الفيء نصيب. وتلا هذه الآيات الثلاثة. وروى أن عمر بن عبد العزيز سئل عما جرى بين الصحابة من القتال وسفك الدماء، فقال: تلك دماء طهر الله يدي عنها، فلا أحب أن أغمس لساني فيها. ومن المعروف أن النبي ﷺ قال: إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا، والمراد به الإمساك عن ذكر المساوئ. . لا عن ذكر المحاسن. . . الخ. وعند قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾ [البقرة: ١٤١]. قال رحمه الله تعالى: حكى عن بعض العلماء أنه سئل عما وقع من الفتن بين علي ومعاوية وطلحة والزبير وعائشة رضوان الله عليهم فقرأ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ الآية. ثم عقب عليه بقوله: وهذا جواب حسن في مثل هذا السؤال (١). ردوده على الفرق الضالة والمخالفة لأهل السنة: أ- رده على المعتزلة: عند قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾

стр. 2727

[الفاتحة: ٥]. رد ﵀ على المعتزلة والقدرية في قولهم: إن القدرة لا تكون إلَّا قبل الفعل. فقال رحمه الله تعالى: فإن قيل: لم قدم ذكر العبادة على الاستعانة والإستعانة تكون قبل العبادة؟ فأجاب بقوله: إنما يلزم هذا من يجعل الاستطاعة قلب الفعل ونحن بحمد الله نجعل الاستعانة والتوفيق مع الفعل سواء قرن به أو أخر جاز (١). وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٣]. رد رحمه الله تعالى على المعتزلة فقال: الرزق: اسم لكل ما ينتفع به الخلق، لأن المعتزلة يقولون إن الحرام ليس برزق. تبرؤه من قول أهل الاعتزال: وذلك عند قوله : ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]. فقال رحمه الله تعالى: قال أهل السنة: ختم على قلوبهم بالكفر لما سبق من علمه الأزلي فيهم. وذكر قول المعتزلة، ومعناه: جعل الله على قلوبهم علامة تعرفهم الملائكة بها. وعقب عليه بقوله: وهذا تأويل أهل الاعتزال نبرأ إلى الله تعالى منه. وعند قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]. رد رحمه الله تعالى على المعتزلة والقدرية ومن شاكلهما من الفرق الضالة. فقال: وهذا دليل على أن النار مخلوقة، لا كما قال أهل البدعة، ودليل على أنها مخلوقة للكافرين. وإن دخلها بعض المؤمنين تأديبًا وتفريكا. لأن أهل السنة اتفقوا على أن الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان الآن، ولم يزل أهل السنة على ذلك حتى نبغت نابغة المعتزلة والقدرية فأنكرت ذلك، وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة. . . وعند قوله تعالى: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ [النجم: ١٥]. قال رحمه الله تعالى: وفي الآية دليل على أن الجنة في السماء وأنها مخلوقة، ومن زعم أنها غير مخلوقة فهو كافر بهذه الآية. رده على المعتزلة في مسألة الكبيرة: فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] قال رحمه الله تعالى: وظاهره: يقتضي أن أخوه الدين لا تنقطع بين القاتل والمقتول، حيث قال: من أخيه، وهو الذي نقول به، لأن الكبائر لا تخرج المسلم من الإسلام ولا تنفي عنه صفة الإيمان خلافا للمعتزلة (٢). وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣]. قال السمعاني رحمه الله تعالى: والأصح: والذي عليه الأكثرون وهو مذهب أهل السنة، أن لقاتل المؤمن عمدا توبة. والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [طه: ٨٢].

стр. 2728

وقال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، ولأن القتل العمد ليس بأشد من الكفر ومن الكفر توبة، فمن القتل أولى. واعلم أن لا متعلق في هذه الآية لمن يقول بالتخليد في النار لأهل الكبائر من المسلمين، لأنا إن نظرنا إلى سبب نزول الآية فالآية نزلت في قاتل كافر كما بينا. وقيل: إنه فيمن يقتل مستحلا. والأولى أن يقول فيه ما قاله أبو صالح أن معنى قوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾، إن جازى وبه يقول إن الله تعالى إن جازاه ذلك خالدا فهو جزاؤه، ولكنه ربما لا يجازي، وقد وعد أن لا يجازي ويغفر لمن يشاء، وهو لا يخلف الميعاد. وحكي عن قريش بن أنس ﵀ أنه قال: كنت في مجلس فيه عمرو بن عبيد فقال: لو قال الله لي يوم القيامة: لم قلت بتخليد القاتل المتعمد في النار؟ فأقول له: أنت الذي قلت فجزاؤه جهنم خالدا فيها. قال قريش: وكنت أنا أصغر القوم. فقلت له: أرأيت لو قال الله تعالى لك ألست قلت: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فمن أين علمت أني لم أشأ مغفرة القاتل، فسكت ولم يستطع الجواب. وحكى أن عمرو بن عبيد جاء إلى أبي عمرو بن العلاء ﵀ وقال له: هل يخلف الله وعده؟ فقال: لا فقال: أليس قال تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾. فأنا على هذا أنه لا يخلف وعده، فقال أبو عمرو: من العجمة أتيت يا أبا عثمان، إن العرب لا تعد الإخلاف في الوعيد خلفا وذما، وإنما ذلك في الخلف في الوعد. . الخ. ويقصد بهذا رحمه الله تعالى الرد على المعتزلة، لأن عمرو بن عبيد زعيم المعتزلة، وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. قال رحمه الله تعالى: واعلم أن المعتزلة تأولوا هذه الآية فقالوا: أراد به الأخذ من ظهور بني آدم على الترتيب الذي مضت به السنة من لدن آدم إلى فناء العالم. وقوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني كما نصب من دلائل العقول التي تدل على كونه ربا، ويلجئهم إلى الجواب بقولهم: بلى وأنكروا الميثاق وهذا تأويل باطل. وأما أهل السنة مقرون بيوم الميثاق، والآية على ما سبق ذكرها: وفصل رحمه الله تعالى في ذلك تفصيلا في غاية الجودة. وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [الأنفال: ١٦]. قال رحمه الله تعالى: واستدلت المعتزلة بإطلاق قوله: ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ في وعيد الأبد ولا حجة لهم فيه، لأن معنى الآية وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ إلا أن تدركه الرحمة بدليل سائر الأي المقيدة. وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]. قال أبو المظفر رحمه الله تعالى: أجمع المفسرون أن هذا مقام الشفاعة، وساق الأحاديث الصحيحة

стр. 2729

في ذلك .. ثم قال: والأخبار في الشفاعة كثيرة وأول من أنكرها عمرو بن عبيد وهو ضال مبتدع بإجماع أهل السنة. وعن تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)﴾ [السجدة: ١٨]. أكثر المفسرين أن الآية نزلت في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط. قال الوليد: أنا أحد منك سنانا، وأبسط منك لسانا، وأملأ منك للكتيبة. فقال له علي: اسكت، إنما أنت فاسق فأنزل الله تعالى هذه الآية. واستدل أهل الاعتزال بهذه الآية في القول بالمنزلة بين المنزلتين وأن الفاسق لا يكون مؤمنا. والدليل عليهم ظاهر، وأما الفاسق هاهنا: بمعنى الكافر. ب- رده على القدرية: قال السمعاني عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. هذا دليل على القدرية حيث أحالوا الاقتتال على المشيئة. وعند قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]. قال السمعاني رحمه الله تعالى: أي ما أصابك من سيئة من الله فبذنب نفسك عقوبة لك. واعلم أنه ليس في الآية متعلق لأهل القدر أصلًا، فإن الآية فيما يصيب الناس من النعم والمحن لا في الطاعات والمعاصي إذ لو كان المراد ما توهموا لقال ما أصبت من حسنة فمن الله، وما أصبت من سيئة. فلما قال: ما أصابك من حسنة، وما أصابك من سيئة، دل أنه أراد ما يصيب العباد من النعم والمحن لا في الطاعات والمعاصي. قال رحمه الله تعالى: عند تفسيره لقوله : ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]: وهذا دليل على القدرية: وعند تفسيره لقوله تعالى ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾ [الأنعام: ١١١]: قال أبو المظفر رحمه الله تعالى: وفي الآية دليل واضح على أهل القدر. وقال رحمه الله تعالى عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]. استدل أهل القدر بهذه الآية، فإنهم لما قالوا لو شاء الله ما أشركنا كذبهم الله تعالى ورد قولهم. فقال: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قيل، معنى الآية: إنهم كانوا يقولون الحق إلَّا أنهم كانوا يعدون ذلك عذرًا لهم، ويجعلونه حجة لأنفسهم في ترك الإيمان فالرد عليهم كان في هذا بدليل قوله تعالى بعده: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ أي الحجة بالأمر والنهي باقية له عليهم، كان شاء أن يشركوا، فلو شاء لهداكم أجمعين، ولو لم يحمل على هذا لكان هذا مناقضة للأول وقيل: إنهم كانوا يقولون: إن الله أمرنا بالشرك كما قال في الأعراف: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨]. وكان قوله: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ أي: هو

стр. 2730

الذي أمرنا بالشرك فالرد عليهم في هذا لا في حصول الشرك بمشيئته. فإنه حق وصدق وبه يقول أهل السنة. ورد على القدرية عند قوله تعالى: ﴿قَال عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾ [الأعراف: ١٧٨]. قال أبو المظفر رحمه الله تعالى: وهذا دليل على القدرية، حيث نسب الهداية والضلالة إلى فعله من غير سبب. وعند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]. قال أبو المظفر رحمه الله تعالى في الآية: رد على القدرية، فإنه تعالى أخبر أنه لم يشأ إيمان جميع الناس وعندهم أنه شاء إيمان جميع الناس. قال أبو المظفر السمعاني رحمه الله تعالى عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: ٢٧] معناه: ويهدي إليه من يشاء بالإنابة، وفي الآية رد على القدرية، والله الهادي إلى الصواب. وعند قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢)﴾ [الحجر: ١٢]. قال رحمه الله تعالى بعد نقله لأقوال السلف في ذلك: وهو رد على القدرية صريح. وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)﴾ [النحل: ٩]. قال رحمه الله تعالى: وفيه رد على القدرية. وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إلا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾ [النحل: ٣٥]. قال رحمه الله تعالى: وقد احتجت القدرية بهذه الآية ووجه احتجاجهم أن المشركين قالوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا، ثم إن الله تعالى قال في آخر الآية ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ردا وإنكارا عليهم، فدل على أن الله تعالى لا يشاء الكفر وأنهم فعلوا ما فعلوا بغير مشيئة الله والجواب عنه ذكره الزجاج وغيره، أنهم قالوا هذا القول على طريق الاستهزاء لا على طريق التحقيق، ولو قالوا على طريق التحقيق لكان قولهم موافقًا لقول المؤمنين. وهذا مثل قوله تعالى في قصة شعيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾ [هود: ٨٧]. فإنهم قالوا هذا على طريق الاستهزاء لا على طريق التحقيق. وكذلك قوله تعالى في سورة يس: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧]. وهذا إنما قالوه على طريق الاستهزاء، لأنه في نفسه قول حق يوافق قول المؤمنين، كذلك هاهنا، قالوا ما قالوا على طريق الاستهزاء، فلهذا أنكر الله تعالى عليهم ورد قولهم. والدليل على أن المراد من هذا ما ذكر من بعد وسنبين. . الخ. ثم قال رحمه الله تعالى عند قوله : ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيهِ الضَّلَالةُ﴾ [النحل: ٣٦].

стр. 2731

معناه: فمنهم من هداه الله للإيمان، ومنهم من وجبت عليه الضلالة وتركه في الكفر بالقضاء السابق، فهذه الآية تبين أن من آمن بمشيئة الله، وأن من كفر بمشيئة الله. وقال رحمه الله تعالى: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]. والآية صريحة في الرد على القدرية. وعند قوله : ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إلا يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾ [الزخرف: ٢٠]. قال أبو المظفر: تعلق بهذه الآية القدرية، وقالوا: حكى الله تعالى عن الكفار أنهم قالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم، ثم عقبه بالإنكار والتهديد فقال: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إلا يَخْرُصُونَ﴾ أي يكذبون وعندكم إن الأمر على ما قالوا. والجواب من وجهين: أحدهما: أن معنى قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي ما لهم بقولهم إن الملائكة بنات الله من علم، إن هم إلا يخرصون يعني في هذا القول. وقد تم الكلام على هذا عند قوله: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ والإنكار غير راجع إليه. ويجوز أن يحكى من الكفار ما هو حق مثل قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾. وهذا القول حق وصدق. فإن قيل أول الآية وآخرها خرج مخرج الإنكار عليهم فكيف يحكى عنهم ما هو حق؟ والجواب عنه: أنهم قالوا هذا لا على اعتقاد الحق، ولكن لدفع القبول عن أنفسهم. وقد كانوا أمروا بالقبول. فأرادوا أن يدفعوا القبول من أنفسهم، فهذا القول، كما إن في الآية الأخرى أرادوا أن يدفعوا الأمر بالإنفاق عن أنفسهم بما قالوه، والقول على هذا القصد غير صحيح. والوجه الثاني: أن معنى قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي ما لهم في هذا القول من عذر. وقوله ﴿إِنْ هُمْ إلا يَخْرُصُونَ﴾ أي يطلبون ما لا يكون من طلب العذر بهذا الكلام، حكاه النحاس، والأول ذكره الفراء والزجاج وغيرهما. وعند قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩)﴾ [الإنسان: ٢٩]. يوجد في الحاشية من النسخة الأزهرية رد على الجبرية والقدرية. ت- رده على المرجئة: فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] قال رحمه الله تعالى: أي صلاتكم، فجعل الصلاة إيمانًا، وهذا دليل على المرجئة حيث لم يجعلوا الصلاة من الإيمان، وإنما سموا مرجئة لأنهم أخروا العمل عن الإيمان. وحكي أن أبا يوسف شهد عند شريك بن عبد الله القاضي فرد شهادته قيل له: أترد شهادة يعقوب؟ فقال: كيف أقبل شهادة من يقول إن الصلاة ليست من الإيمان. عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١)﴾ [الأعراف: ١١١]. قال رحمه الله تعالى: والإرجاء: التأخير، يقال: أرجأت أمر كذا أي أخرته ومنه المرجئة. سموا بذلك، لتأخيرهم العمل عن الإيمان، فإنهم زعموا أن العمل ليس من الإيمان.

стр. 2732

ث- رد السمعاني رحمه الله تعالى على الخوارج: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤]. قال السمعاني رحمه الله تعالى: قال البراء بن عازب وهو قول الحسن: الآية في المشركين، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الآية في المسلمين وأراد به كفرا دون كفر. واعلم أن الخوارج يستدلون بهذه الآية. ويقولون من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر. وأهل السنة قالوا: لا يكفر بترك الحكم. وللآية تأويلان: أحدهما: معناه: ومن لم يحكم بما أنزل الله ردًّا وجحدا فأولئك هم الكافرون. والثاني: معناه: ومن لم يحكم بكل ما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، والكافر: هو الذي يرك الحكم بكل ما أنزل الله دون المسلم. ج- رده على الكرامية: رد رحمه الله تعالى على الكرامية المنسوبين إلى زعيمهم محمّد بن كرام (١)، وذلك عند قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]. فقال: نُفي الإيمان عنهم حيث أظهروا الإسلام باللسان ولم يعتقدوا بالجنان، وهذا دليل على من يخرج الاعتقاد من جملة الإيمان. يقصد بهذا رحمه الله تعالى الرد على الكرامية الذين يقولون أن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط، فالمنافقون عندهم مؤمنون كاملو الإيمان .. الخ. ح- رده على الشيعة: وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيكُمْ أَهْلَ الْبَيتِ﴾ [هود: ٧٣]. قال أبو المظفر، وقوله: ﴿عَلَيكُمْ أَهْلَ الْبَيتِ﴾ هذا دليل على أن الأزواج يجوز أن يسمين أهل البيت. وزعمت الشيعة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣]. أن الأزواج لا يدخلن في هذا، وهذه الآية دليل على أنهن يدخلن فيها. وانظر ما قاله السمعاني عند هذه الآية في تفسيره لسورة الأحزاب، وكل قصد الشيعة من هذا هو عدم إدخال عائشة وحفصة ﵄ في آل البيت .. كرها منهم لأبي بكر وعمر ﵄. ح - رده على الذين يقولون بالتناسخ: وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]. قال رحمه الله تعالى بعد تفسيره للآية والإشكال الذي يرد حولهما والاجابة عنه: تعلق بهذه الآية بعض من يقول بالتناسخ وقال إنا نرى البلاء يصيب الأطفال ولم يكن منهم ذنب، فدل أنه سبق منهم ذنوب من قبل وعوقبوا بها. وتعلق بهذه الآية أيضًا من يقول إن الأطفال لا يألمون أصلا، فكذلك البهائم، وإنما صياحهم لأذى قلوب الوالدين وكلا القولين باطل.

стр. 2733

ويجوز عند أهل السنة أن يوجد الله الألم إلى من يشاء من عباده بغير ذنب سبق منه، وكذلك إلى جميع الحيوانات. وأما وجه الآية قد بينا. وكذلك قول من يقول إن الأطفال لا يألمون باطل، لأنه وقع في الحس والعيان. ورأى البيت السمعاني في الروافض صريح: قال أبو سعد السمعاني: فأما الفرقة الإمامية، جماعة من غلاة الشيعة، فإنما لقبوا بهذا اللقب لأنهم يرون الإمامة لعلي ﵁ ولأولاده من بعده، ويعتقدون أنه لا بد للناس من الإمام وينتظرون الإمام الذي يخرج في آخر الزمان يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا. وقد اختلفت الشيعة في الإمام المنتظر. فالكيسانية تزعم أنه محمد بن الحنفية. وأنه بجبل رضوى وقال طائفة منهم: إنه توفي، ويعود إلى الدنيا ويبعث معه الأموات ثم يموتون، ثم يبعثون يوم القيامة، قال شاعرهم: إلى يوم يؤوب الناس فيه ... إلى دنياهم قبل الحساب وطائفة تقول: إنه موسى بن جعفر. وطائفة تقول: إنه إسماعيل أخوه. وأخرى تقول: إنه محمد بن الحسن بن علي الذي بمشهد سامرا وعلى هذه الطائفة يطلق الآن الإمامية، واختلاف المنتظرية في المنتظر كثير. وفي الإمامية فِرق. منهم من يميل إلى قول أصحاب الحلول أو إلى التشبيه، فحكمه حكم الحلولية والمشبهة، ومنهم من قال بالنص على الإمام وأكفر الذين تركوا بيعة علي ﵁. ونحن نكفرهم لتكفيرهم الصحابة الأخيار. ويقال لهم: لو كان أبو بكر وعمر ﵄ كافرين لكان عليّ بتزويجه ابنته أم كلثوم الكبرى من عمر ﵁ كافرا. أو فاسقا معرضا ابنته للزنا، لأن وطء الكافر للمسلمة زنا محض، ثم إنهم في انتظارهم الإمام الذي انتظروه مختلفون اختلافا يلوح عليه حمق بليغ. . الخ. - انتصاره لأهل السنة: قال أبو المظفر عند قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]: فإن قال قائل: أي معنى للاسترشاد وكل مؤمن مهتد فما معنى قوله: ﴿اهْدِنَا﴾؟ قلنا: هذا سؤال من يقول بتناهي الألطاف من الله تعالى. ومذهب أهل السنة أن الألطاف والهدايات من الله تعالى لا تتناهى فيكون ذلك بمعنى طلب مزيد من الهداية، ويكون بمعنى سؤال للتثبيت ﴿اهْدِنَا﴾ بمعنى: ثبتنا. وذكر قول أهل السنة في الجمادات واستدل على ذلك بالقرآن والأحاديث الصحيحة. وذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]. وعند قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] بين رحمه الله تعالى مذهب أهل السنة في السحر. وقال السمعاني رحمه الله تعالى عند تفسيره لقوله : ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢].

стр. 2734

وهذا دليل لأهل السنة على أن أفعال العباد مخلوقة حيث نسب الله تعالى هزيمة المسلمين إلى نفسه مع وقوع الفعل منهم. فقال ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ﴾. وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥]. قال أبو المظفر السمعاني رحمه الله تعالى: أي بأن يريهم آية فينظرون إلى الإيمان بها. والصحيح: أن المراد به، ولو شاء الله لطبعهم وخلقهم على الإيمان، فهذا أقرب إلى قول أهل السنة، لأن إيمان الضرورة لا ينفع، وإنما ينفع الإيمان بالغيب اختيارا. وانظر تأييده لقول أهل السنة في تفسيره (١/ ١٤٩ / أ) الأزهرية، وعند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف: ٨٩]. قال أبو المظفر السمعاني رحمه الله تعالى: فإن قيل: وهل يشاء الله عودهم إلى الكفر؟ قيل: وما المانع منه. وإنما الآية على وفق قول أهل السنة، وكل ذلك جائز في المشيئة ويدل عليه قوله ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيءٍ عِلْمًا﴾. قال أبو المظفر السمعاني رحمه الله تعالى: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَال عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٦]: وهذا على وفق قول أهل السنة، فإن الله تعالى أن يصيب بعذابه من يشاء من عباده أذنب أو لم يذنب. وصحف بعض القدرية، فقرأ: عذابي أصيب به من أساء من الإساءة وليس بشيء. وعند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. ذكر رحمه الله تعالى مذهب أهل السنة في الإقرار بيوم الميثاق واستدل على ذلك بالأحاديث وأقوال السلف. وعند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. قال رحمه الله تعالى: أي خلقنا لجهنم كثيرًا. وهذا على وفق قول أهل السنة، واستدل بحديث عائشة ﵂ في الصحيح وغيره. وذكر قولا آخر ورده ورجح القول الموافق لأهل السنة فقال: والأول أصح وأقرب إلى مذهب أهل السنة. وعند قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤]. قال أبو المظفر رحمه الله تعالى: وفيه دليل لأهل السنة على أنه لا يجوز لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمنا حقا، لأن الله تعالى إنما وصف بذلك قوما مخصوصين على أوصاف مخصوصة، وكل واحد لا يتحقق في نفسه وجود تلك الأوصاف. وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَو اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩)﴾ [يوسف: ٩]. قال أبو المظفر: يعني: توبوا بعد أن فعلتم هذا ودوموا على الصلاح، يعف الله عنكم، واستدل أهل السنة بهذه الآية على أن توبة القاتل عمدا مقبولة، فإن الله تعالى ذكر عزم القتل عنهم وذكر التوبة، ولم ينكر عليهم التوبة بعد القتل، دل أنها مقبولة ... إلخ.

стр. 2735

وعند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج: ١٨]. قال رحمه الله تعالى: قال الزجاج: السجود: هاهنا بمعنى الطاعة. أي يطيعه، واستحسنوا هذا القول لأنه موافق الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ (١١)﴾ [فصلت: ١١]. وأيضًا، فإن من اعتقاد أهل السنة أن الحيوان والموات مطيع كله لله تعالى. وقال بعضهم: إن سجود الحجارة: هو بظهور أثر الصنع فيه على معنى أنه يحمل على السجود والخضوع لمن تأمله وتدبر فيه. وهذا قول فاسد. . والصحيح ما قدمنا. والدليل عليه: أن الله تعالى وصف الحجارة بالخشية فقال: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]. ولا يستقيم حمل الخشية على ظهور أثر القدرة فيه وأيضًا فإن الله تعالى قال: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠]. أي: سبحي معه ولو كان المراد ظهور أثر الصنع لم يكن لقوله مع داود معنى، لأن داود وغيره في رؤية أثر الصنع سواء، وأيضًا فإن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. أي: يطيع الله بتسبيحه ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، لو كان المراد بالتسبيح ظهور أثر الصنع لم يستقم قوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. ذكر هذه الدلائل أبو إسحاق الزجاج إبراهيم بن السري وأثنى عليه ابن فارس فقال: ذب عن الدين ونصر السنة. وعند قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]. قال رحمه الله تعالى: وعند أهل السنة: أن لله تعالى في الموات والجمادات علمًا لم يقف عليه الناس، وقد قال في موضع آخر: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ وهو دليل على ما ذكرنا من قبل. وعند قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١]. قال رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾ قد بينا معنى التسبيح، وهو تنزيه الرب عن كل ما لا يليق به. ويقال: التسبيح لله هو ذكر الله، وذكر القفال الشاشي أن معنى تسبيح الجمادات هو ما جعل فيها من دلائل حدثها، وأن لها صانعًا وخالقًا وهذا ليس بصحيح، وقد ذكر من قبل ما قاله أهل السنة. وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨]، وقال أبو المظفر السمعاني: أي يكرم ويهين ويشقي ويسعد بمشيئته وإرادته وهو اعتقاد أهل السنة. وعند قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]. قال رحمه الله تعالى: قال الحسن البصري ومجاهد وجماعة: هذا في الدنيا، ومعناه: تبديل الكفر بالإيمان والشرك بالإخلاص، والمعصية بالطاعة.
следующие страницы →