← Тараджим

Тараджим · id 130964

الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء والنحو واللغة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (3 054 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

النعالي، المزَوِّر السابق ذكره. وأما الأخبار رقم: (٢٥، ٢٦، ٢٧، ٢٨، ٢٩، ٣٠، ٣١، ٣٢، ٣٣)، فكلها تفيد نفي الإرجاء، ونفي القول بخلق القرآن عن أبي حنيفة. ومن هذه الأخبار، أسوق الخبر رقم: (٢٨) قال الخطيب: "أخبرنا محمّد بن أحمد بن رزق، حدثنا علي بن أحمد بن محمّد القزويني، حدثنا أبو عبد الله محمّد بن شيبان الرازي العطار، -بالري-، قال: سمعت أحمد بن الحسن البزمقي، قال: سمعت الحكم بن بشير يقول: سمعت سفيان بن سعيد الثوري، والنعمان بن ثابت يقولان: القرآن كلام الله غير مخلوق" (١). جـ - وأما النقطة الثالثة: وهي: -ما حكي عن أبي حنيفة من القول بخلق القرآن-، فقد ساق الخطيب فيها ثلاثة وثلاثين خبرًا أيضًا. فالأخبار رقم: (١ إلى ١٠ و ١٣ و ١٤ و ١٧)، تتعلق كلها بأن أبا حنيفة يقول بخلق القرآن. وفي بعضها ذكر استتابته من ذلك. مع أنه تقدم في النقطة الثانية، (ب)، في الأخبار من رقم: (٢٨ إلى ٣٣)، رد الخطيب نفسه تلك الأخبار هذه التهمة عن أبي حنيفة، أضف إلى ذلك أن هذه الأخبار لا تخلو من رجال متكلم فيهم، وسنورد الكلام في بعضهم. أبو حنيفة ومسألة القول بخلق القرآن: والمشهور عن أبي حنيفة أنه يقول: إن القرآن غير مخلوق. ولفظنا بالقرآن مخلوق. وهذا القول هو ما جرى عليه أهل الحق من علماء الكلام وغيرهم. ولينظر الذي يريد التثبت والمزيد من الإيضاح كتاب "الفقه الأكبر" لأبي حنيفة، وكتاب "العقيدة الطحاوية". هذا، والروايات عن أبي حنيفة في هذا الموضوع متضاربة، حتى فيما ساقه الخطيب نفسه -كما تقدم-. فإذا اعتبرنا جميع الروايات في هذا الموضوع مقبولة. لم يكن بُدٌّ من حمل الروايات بالقول بخلق القرآن، على لفظنا به، والروايات بأنه غير مخلوق على القرآن نفسه. وهذا ابن عبد البر الحافظ، يقول في كتابه "الانتقاء" في "باب مذهب أبي حنيفة فيما يعتقده أهل السنة وما عليه أئمة الجماعة": "قال: ونا محمّد بن حزام الفقيه، قال: نا أبي، قال: نا محمّد بن شجاع، قال: سمعت الحسن بن أبي ملك يقول: سمعت أبا يوسف يقول: جاء رجل إلى مسجد الكوفة يوم الجمعة، فدار على الحِلق يسألهم عن القرآن، وأبو حنيفة غائب بمكة، فاختلف الناس في ذلك، -والله ما أحسبه إلا شيطانًا تصور في صورة الإنس-، حتى انتهى إلى حلقتنا فسألنا عنها، وسأل بعضنا بعضًا، وأمسكنا عن الجواب، وقلنا ليس شيخنا حاضرًا، ونكره أن نتقدم بكلام حتى يكون هو المبتديء بالكلام. فلما قدم أبو حنيفة، تلقيناه بالقادسية، فسألنا عن الأهل والبلد فأجبناه، ثم قلنا له بعد أن تمكنا منه: رضي الله عنك، وقعت مسألة فما قولك

стр. 2802

فيها، فكأنه كان في قلوبنا، وأنكرنا وجهه، وظن أنه وقعت مسألة معنتة، وإنا قد تكلمنا فيها بشيء، فقال: ما هي؟ قلنا كذا وكذا، فأمسك ساكتًا ساعة ثم قال: فما كان جوابكم فيها؟ قلنا: لم نتكلم فيها بشيء، وخشينا أن نتكلم بشيء فتنكره، فسري عنه وقال: جزاكم الله خيرًا، احفظوا عني وصيتي، لا تكلموا فيها ولا تسألوا عنها أبدًا، انتهوا إلى أنه كلام الله بلا زيادة حرف واحد، ما أحسب هذه المسألة تنتهي حتى توقع أهل الإسلام في أمر لا يقومون له ولا يقعدون، أعاذنا الله وإياكم من الشيطان الرجيم" (١). وجاء في الخبر الثاني من هذه الأخبار، أن أبا مُسْهر قال: "قال سلمة بن عمرو القاضي -على المنبر-، لا رحم الله أبا حنيفة، فإنه أول من زعم أن القرآن مخلوق". أقول: ولفظ ابن عساكر في تاريخه "لا رحم الله أبا فلان، فإنه أول من زعم أن القرآن مخلوق"، ففي الخبر المسوق هنا تغيير (أبي فلان) إلى (أبي حنيفة). ومن أين علمنا أن أبا فلان في الرواية هو أبو حنيفة؟ مع تضافر الروايات على أن أول من قال بذلك، الجعد بن درهم. هذا وكتب النحل مجمعة على أن أول من قال بأن القرآن مخلوق، هو الجعد بن درهم، ثم جهم بن صفوان، ثم بشر بن غياث، كما يظهر ذلك من كتاب "الرد على الجهمية" لابن أبي حاتم، وكتاب "شرح السنة" للحافظ اللالكائي. فقد جاء فيه: "ولا خلاف بين الأمة أن أول من قال: القرآن مخلوق، الجعد بن درهم، في سنة نيف وعشرين ومائة". وأما من جهة السند، ففي الخبر الأول: محمّد بن العباس الخزاز، وقد تقدم بيان حاله، وفيه إسحاق بن عبد الرحمن، وهو مجهول. والخبر الثاني: تقدم أن الرواية قد بدل فيها لفظ "أبي فلان"، بلفظ "أبي حنيفة". والخبر الثالث: فيه أبو القاسم البغوي، قال ابن عدي عنه: "وجدت الناس، أهل العلم، والمشايخ مجمعين على ضعفه". وفي الخبر الرابع: عمر بن الحسن الأشناني القاضي، متكلم فيه، وقد ضعفه الدارقطني، وكذبه الحاكم. وفيه أيضًا، عبد الملك بن قريب الأصمعي، كذبه أبو زيد الأنصاري. وفي الخبر الخامس: قطن بن إبراهيم النيسابوري، رماه ابن عدي بسرقة الحديث، وفيه يحيى بن عبد الحميد، متكلم فيه، حتى قيل فيه: إنه كذاب. وفي الخبر السادس: الحسن بن عبد الأول، قال أبو زرعة: "لا أحدث عنه" وقال أبو حاتم: "تكلم الناس فيه"، وقال الذهبي: "كذبه ابن معين". وفي الخبر السابع: عمر بن الحسن الأشناني القاضي، ضعفه الدارقطني، وكذبه الحاكم -كما سبق-. وفي الخبر الثامن: انقطاع في السند، كما أن فيه مجهولًا وهو (أبو محمد).

стр. 2803

وفي الخبر التاسع: سفيان بن وكيع بن الجراح. ذكر الخطيب في التاريخ، والذهبي في الميزان، أن البخاري قال: "يتكلمون فيه بأشياء لقَّنوها إياها). وقال أبو زرعة: "يتهم بالكذب"، وقال ابن أبي حاتم: "أشار أبي عليه أن يغير ورَّاقه، فإنه أفسد حديثه فقال: سأفعل، ثم تمادى، فسقط من رتبه الاحتجاج عند النقاد". ومفاد هذا الخبر، ابن أبي ليلى، هدّد أبا حنيفة بأنه إن لم يرجع عن قوله بخلق القرآن، فسيفعل به ما يفعل، وأن أبا حنيفة رجع عن قوله، ولما سأله ابنه حماد، كيف رجعت، فقال يا بني، خفت أن يقدم علي، فأعطيته التقية. أقول: ولو كان أبو حنيفة ممن يعطي التقية، لما ضربه ابن هبيرة، ولا امتحنه والي الكوفة، ولا ضربه المنصور إلى أن مات، وهو محبوس، فَمَنْ ابن أبي ليلى، حتى يعطيه أبو حنيفة التقية؟ فقد ذكر ابن عبد البر في الانتقاء في "باب جامع في فضائل أبي حنيفة وأخباره"، فقال: "نا عبد الوارث بن سفيان قال: نا قاسم بن أصبغ، قال: نا أحمد بن زهير بن حرب، قال: نا سليمان بن أبي شيخ، قال نا الربيع بن عاصم مولى لفزارة قال: أرسلني يزيد بن عمر بن هبيرة، فقدمت بأبي حنيفة عليه، فأراده على بيت المال فأبى، فضربه أسواطًا عشرين. ونا عبد الوارث قال: نا قاسم، قال: نا أحمد بن زهير بن حرب، قال: نا صليمان بن أبي شيخ، قال: نا عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي، قال: قال رجل بالشام للحكم بن هشام الثقفي: أخبرني عن أبي حنيفة؟ قال: كان من أعظم الناس أمانة، وأراده السلطان على أن يتولى مفاتيح خزانته، أو يُضْرَب ظهره، فاختار عذابهم على عذاب الله. فقال: ما رأيت أحدًا يصف أبا حنيفة بمثل ما وصفته. قال: هو والله كما قلت لك" (١). بل لقد عقد الخطيب نفسه في أوائل ترجمة أبي حنيفة فصلًا سماه: "ذكر إرادة ابن هبيرة أبا حنيفة، على ولاية القضاء، وامتناع أبي حنيفة من ذلك" وساق تحت هذا الفصل عددًا من الأخبار تفيد أن ابن هبيرة استدعى أبا حنيفة مرة ليلي القضاء، ومرة ليلي بيت المال، فأبى أبو حنيفة، فضرب أسواطًا. وفي بعض الروايات، أنه ضربه مائة سوط وعشرة أسواط، في كل يوم عشرة أسواط، حتى لقد بكى في بعض الأيام التي أخرج فيها تلك الأسواط، فلما أطلق، قال: "لقد كان غم والدتي أشد علي من الضرب. وهدا بعض ما ساقه الخطيب في ذلك". قال الخطيب: "أخبرنا الخلال"، أخبرنا الحريري، أن النخعي حدثهم قال: حدثنا محمّد بن علي بن عفان، حدثنا يحيى بن عبد الحميد عن أبيه قال: كان أبو حنيفة يخرج كل يوم -أو قال بين الأيام- فيضرب ليدخل في القضاء فأبى، ولقد بكى في بعض الأيام، فلما أطلق قال لي: كان غم والدتي عليّ أشد من الضرب". وقال النخعي: "حدثنا إبراهيم بن مخلد البلخي، ثنا محمّد بن سهل، أن أبا منصور المروزي، قال: حدثني محمّد بن النضر، قال: سمعت إسماعيل بن سالم البغدادي، يقول:

стр. 2804

ضُربِ أبو حنيفة على الدخول في القضاء، فلم يقبل القضاء. قال: وكان أحمد بن حنبل إذا ذكر بكى، وترحم على أبي حنيفة، وذلك بعد أن ضُرِب أحمد" (١) ومن أراد زيادة من الروايات في ذلك، فليرجع إلى تاريخ الخطيب، وليقرأ الفصل بتمامه. فإذا كان أبو حنيفة يفعل به هذا، ولم يعط التقية، أفيصدق عاقل أن يعطي التقية لابن أبي ليلى؟ وفي الخبر العاشر: عمر بن محمّد بن عيسى السذابي الجوهري. قال الذهبي: في حديثه بعض النكرة، انفرد برواية ذلك الحديث الموضوع (القرآن كلامي، ومني خرج). وفي الخبرين الثالث عشر والرابع عشر: ضرار بن صُرد قال ابن أبي حاتم: كان يحيى بن معين يكذبه، وقال البخاري والنسائي متروك، وفيهما سليم بن عيسى المقرئ، قال ابن معين: ضعيف ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بثقة، وقد ذكره الذهبي في الميزان: وذكر له خبرًا باطلًا. وفي الخبر السابع عشر: ابن درستويه، وقد سبق بيان ضعفه، وفيه محمّد بن فليح المدني، عن أخيه سليمان، قال ابن معين: ليس بثقة، أخوه سليمان مجهول، قال أبو زرعة: لا أعرفه، ولا أعرف لفليح ولدًا غير محمّد ويحيى. ثم إن الأخبار من رقم: (١٦ إلى ٣٣) كلها، تفيد نسبة استتابة أبي حنيفة. وبعض هذه الأخبار أبهم ما استتيب منه، وبعضها أنه استتيب من الدهر، أو الزندقة، أو الكفر. وكل هذه الروايات واهية الإسناد، وسأذكر البعض منها اختصارًا. وحقيقة القصة، أن الخوارج لما ظهروا على الكوفة، أخذوا أبا حنيفة -وكانوا يعتقدون كفر من خالفهم- فقالوا له: تب من الكفر، فقال أنا تائب إلى الله من كل كفر، فتركوه، فلَبْس خصوم أبي حنيفة على الناس في الرواية، وقالوا: إن أبا حنيفة استتيب من الكفر. وقد ذكرت اللجنة الأزهرية في تعليقها على هذه الأخبار، جلاء لقصة استتابة أبي حنيفة من الكفر مرتين، فقالت: "وقد ذكر ركن الدين أبو الفضل الكرماني، عن الإمام أبي بكر عتيق بن داود اليماني، أن الخوارج لما ظهروا على الكوفة، أخذوا أبا حنيفة، فقيل لهم هذا شيخهم -والخوراج يعتقدون كفر من خالفهم- فقالوا: تب يا شيخ من الكفر، فقال: أنا تائب إلى الله من كل كفر، فخلوا عنه، فلما ولى عنهم قيل لهم: إنه تاب من الكفر، وإنما يعني ما أنتم عليه، فردّوه فقال رأسهم: يا شيخ، إنما تبت من الكفر، وتعني به ما نحن عليه، فقال أبو حنيفة: أبظن تقول هذا أم بعِلْم؟ فقال: بل بظن. فقال أبو حنيفة: إن الله يقول ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. وهذه خطيئة منك، وكل خطيئة عندك كفر. فتب أنت أولًا من الكفر. فقال: صدقت، أنا تائب من الكفر. فتب أنت أيضًا من الكفر، فقال أبو حنيفة ﵀: أنا تائب إلى الله من كل كفر, فخلوا عنه. فلهذا قال خصماؤه: استتيب أبو حنيفة من الكفر مرتين، فلَبْسوا على

стр. 2805

الناس، وإنما يعنون استتابة الخوارج إياه. أ. هـ.، وقد حكى هذه القصة أيضًا الخوارزمي، في جامع المسانيد" (١). ومما يدل على أن خصوم أبي حنيفة، قد لبَّسوا على الناس قصة استتابته، ما ذكره ابن عبد البر في كتابه "الانتقاء"، حيث قال: "حدثنا حكم بن منذر، قال: نا أبو يعقوب يوسف بن أحمد، قال: نا أبو محمد عبد الرحمن بن أسد الفقيه، قال: نا هلال بن العلاء الرقي، قال: نا أبي، قال: نا عبيد الله بن عمرو الرقي، قال: ضُربِ أبو حنيفة على القضاء فلم يفعل، ففرح بذلك أعداؤه وقالوا: استتابه. قال أبو يعقوب: ونا أبو قتيبة سلم بن الفضل، نا محمّد بن يونس الكديمي، قال: سمعت عبد الله بن داود الخريبي يومًا، وقيل له: يا أبا عبد الرحمن، إن معاذًا يروي عن سفيان الثوري أنه قال: استتيب أبو حنيفة مرتين، فقال عبد الله بن داود: هذا والله كذب، قد كان بالكوفة علي والحسن ابنا صالح بن حي، وهما من الورع بالمكان الذي لم يكن مثله، وأبو حنيفة يفتي بحضرتهما, ولو كان من هذا شيء ما رضيا به، وقد كنت بالكوفة دهرًا فما سمعت بهذا" (٢). وأذكر ما في بعض الأسانيد من الكلام على رجالها، وأترك البعض اختصارًا، مع التنبيه إلى أن جميع أسانيد تلك الروايات فيها كلام كثير، فمن أحب مزيدًا من الكلام، فليرجع إلى كتاب التأنيب وإلى رد الملك المعظم، وإلى تعليقات اللجنة الأزهرية، التي تولت بيان ضعف كثير من رجال تلك الأسانيد. أقول: إن في الخبر: (١٨)، علي بن إسحاق بن زاطيًا، ذكره الخطيب نفسه، وقال: لم يكن بالمحمود وكان يقال: إنه كذاب. كما فيه الحجاج بن الأعور، قال عنه الخطيب: خلط. وفيه ضعفاء آخرون. وفي الأخبار من: (١٩ إلى ٢٢)، رجال ضعفاء مر الكلام عليهم في أخبار سابقة. وفي الخبر (٢٣): نعيم بن حماد الخزاعي. ذكره الخطيب في التاريخ رقم: (٧٢٨٥) (٣)، وقال فيه أقوالًا كثيرة منها، أن الدارقطني قال عنه: "إمام في السنة كثير الوهم". وقال الخطيب عنه: وكان نعيم يحدث من حفظه، وعنده مناكير كثيرة لا يتابع عليها" (٤). ومنها، أن النسائي قال: "أبو عبد الله نعيم بن حماد -مروي سكن مصر- ليس بثقة" (٥) إلى آخر ما ذكر عنه. وفي الخبر (٣٢): محمد بن عبد الله بن أبان الهيتمي قال الخطيب نفسه: "كان مغفلًا مع خلوه من علم الحديث". وفي الخبر (٣٣): وهو الأخير في هذا الفصل، عبد الله بن سليمان بن الأشعث. قال ابن صاعد: "إن أباه كفانا أمره، فقال: إن ابني هذا كذاب، فلا تأخذوا عنه" وقال إبراهيم الأصبهاني: "ابن أبي داود كذاب" ومن أراد مزيدًا من معرفته

стр. 2806

فليرجع إلى الميزان للذهبي، وإلى تاريخ الخطيب نفسه. وأما النقطة الرابعة: وهي ما نُسِبَ إليه من رأيه في الخروج على السلطان. فقد ساق فيها الخطيب تسعة أخبار، كلها واهية الإسناد، ومفادها أن أبا حنيفة يرى الخروج على السلطان، ويرى السيف في أمة محمَّد. وفي ضمن بعضها أنه جهمي مُرْجئ. وأكثر متون هذه الأخبار، منسوبة إلى الأوزاعي، وابن المبارك، وسفيان الثوري، وأبي إسحاق إبراهيم بن محمّد الفزاري. ومدار ترويج هذه القصص وتلبيسها وتلفيقها على أبي إسحاق الفزاري، الذي تقدم في النقطة الثانية، فروى هناك خبرين مفادهما، أن إيمان جبريل وأبي بكر الصديق، وإيمان إبليس واحد. وقد تقدم معنا أن أبا إسحاق الفزاري هذا، منكر الحديث، فلا يلتفت إلى أخباره ولا يعتمد عليها. والفزاري هذا، كان يُطْلِقُ لسانه في أبي حنيفة كثيرًا، ويعاديه في جميع المجالس، ويتقرب إلى الخلفاء بدمه، ونسبته إلى القول بالخروج على الخلفاء العباسيين. وسبب ذلك -على ما قيل- أن أبا حنيفة كان أفتى أخاه الفزاري، بمؤازرة إبراهيم بن عبد الله الطالبي، الذي خرج بالبصرة على أبي جعفر المنصور، فقُتِل أخوه في الحرب مع إبراهيم، فطار صوابه حزنًا على مقتل أخيه، واعتبر أبا حنيفة هو السبب في قتله، فأطلق لسانه بجهل عظيم على شيخه أبي حنيفة، كما هو مذكور في مقدمة "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (١). وإذا تأملنا في متون هذه الأخبار، وجدنا أنه يؤكد ما قلت. لقد قال لأبي حنيفة عندما سأله عن فتيا أخيه بالخروج، وأجابه أبو حنيفة بنعم، قال له: "لا جزاك الله خيرًا". وهذا نص تلك الأخبار، أسوقه لينجلي للقارئ الأمر: قال الخطيب: "وقال الأبار: حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثني يزيد بن يوسف، قال: قال لي أبو إسحاق الفزاري، جاءني نُعْيُ أخي من العراق -وخرج مع إبراهيم بن عبد الله الطالبي- فقدمت الكوفة، فأخبروني أنه قتل، وأنه قد استشار سفيان الثوري وأبا حنيفة، فأتيت سفيان أنبئه مصيبتي بأخي، وأخبرت أنه استفتاك. قال: نعم، قد جاءني فاستفتاني، فقلت: ماذا أفتيته؟ قال: قلت: لا آمرك بالخروج ولا أنهاك، قال: فأتيت أبا حنيفة فقلت له: بلغني أن أخي أتاك فاستفتاك؟ قال: قد أتاني واستفتاني، قال: قلت فَبمَ أفتيته؟ قال: أفتيته بالخروج. قال: فأقبلت عليه فقلت: لا جزاك الله خيرًا. قال هذا رأيي، قال فحدثته عن النبي ﷺ في الرد لهذا، فقال: هذه خرافة -يعني حديث النبي ﷺ " (٢). فمن هذه القصة، ندرك سبب كلامه وبغضه لأبي حنيفة. ومعروف أن قول الشخص في الذي بينه وبينه بغضاء لا يقبل، فقدله: فحدثته بحديث الخ ... غير مقبول منه، ثم لمَ لمْ يذكر الحديث النبوي الذي حدثه به، وتركه هكذا مبهمًا؟ ثم إن أبا حنيفة، لو كان يعني حديث رسول الله ﷺ بقوله: "هذه خرافة"، لقال هذا خرافة بالتذكير،

стр. 2807

إشارة للحديث، ولكن الظاهر أن الفزاري جاءه بقصة أو حكاية، لرد فتواه، فقال هذه خرافة، أي قصتك أو حكايتك. ثم إن الفزاري هذا، هو الذي كان يتنقل في الأقطار، ويفْهِم الناس والعلماء والأئمة، بأن ابا حنيفة كان يرى الخروج على الخلفاء، وأنه يرى القلاقل بين المسلمين، وأنْ يضرب بعضُهم رقاب بعض. فها هو يذهب إلى الشام، ويقص على الأوزاعي قصة أخيه، وفتوى أبي حنيفة له، ليدخل في نفسه أن أبا حنيفة يرى السيف في أمة محمّد، فقد قال الخطيب: "أخبرنا ابن الفضل، أخبرنا ابن درستويه، حدثنا يعقوب، قال: حدثني صفوان بن صالح الدمشقي، حدثني عمر بن عبد الواحد السلمي، قال: سمعت إبراهيم بن محمد الفزاري يحدث الأوزاعي، قال: قتل أخي مع إبراهيم الفاطمي بالبصرة. فركبت لأنظر في تركته، فلقيت أبا حنيفة، فقال لي: من أين أقبلت وأين أردت؟ فأخبرته أني أقبلت من المصيصة، وأردت أخًا لي قتل مع إبراهيم. فقال: لو أنك قُتِلْتَ مع أخيك كان خيرًا لك من المكان الذي جئت منه، قلت: فما يمنعك أنت من ذاك؟ قال: لولا ودائع كانت عندي، وأشياء للناس ما أستأنيتُ في ذلك" (١). وقد اقتنع الأوزاعي بعد ذلك، بأن أبا حنيفة كان يرى السيف في أمة محمَّد، وكان يحذر منه كثيرًا، ويوصي كل من يقدم عليه من العراق، أو من خراسان، بأن يبتعد عن أبي حنيفة, لأن كان يرى السيف في أمة محمّد -كما فهم عنه بدون أن يراه، أو يستطلع رأيه عن قرب. وقد ساق الخطيب هنا بسنده إلى ابن المبارك، أنه قال: "كنت عند الأوزاعي، فذكرت أبا حنيفة فلما كان عند الودائع، قلت أوصني، قال: "قد أردت ذلك، ولو لم تسألني، سمعتك تُطْرِي رجلًا يرى السيف في الأمة. قال فقلت: ألا أخبرتني" (٢). ولكن الأوزاعي، ما كان ليبقى على هذا الاعتقاد في أبي حنيفة, لأنه لا غرض له فيما كان يعتقد، وإنما هكذا كان يظن، فلما رأى الحقيقة خلاف ذلك، عرف أن الظن لا يغني من الحق شيئًا، فَغيَّر رأيه فيه، وعاد فأوصى ابن المبارك، بأن يلتزم أبا حنيفة ويستكثر منه. فقد قال عبد الله بن المبارك: "قدمت الشام على الأوزاعي فرأيته ببيروت، فقال لي: يا خراساني. من هذا المبتدع الذي خرج بالكوفة، يكنى أبا حنيفة؟ فرجعت إلى بيتي، فأقبلت على كتب أبي حنيفة، فأخرجت منها مسائل من جياد المسائل، وبقيت في ذلك ثلاثة أيام، فجئت يوم الثالثة، وهو مؤذن مسجدهم وإمامهم، والكتاب في يدي فقال: أي شيء في الكتاب؟ فناولته، فنظر في مسألة منها ... فما زال قائمًا بعد ما أذن، حتى قرأ قدرًا من الكتاب، ثم وضع الكتاب في كمه، ثم قام وصلى، ثم أخرج الكتاب، حتى أتى عليها. ثم قال لي: يا خراساني، من النعمان بن ثابت هذا؟ قلت: شيخ لقيته بالعراق. فقال:

стр. 2808

هذا نبيل من المشايخ اذهب فاستكثر منه. قلت: هذا أبو حنيفة الذي نهيت عنه" (١). فلما اجتمعا بمكة، جاراه في تلك المسائل، فكشفها له أبو حنيفة بكثر مما كتبها عنه ابن المبارك، ولما افترقا، قال الأوزاعي لابن المبارك: "غبطت الرجل بكثرة علمه ووفورة عقله. وأستغفر الله تعالى. لقد كنت في غلط ظاهر. الْزم ارجل، فإنه بخلاف ما بلغني عنه". أقول: رحم الله الأوزاعي، فلقد كان منصفًا رجاعًا إلى الحق، وهذا والله شأن العلماء المخلصين. هذا، وإن العنوان الذي عنون به الخطيب لهذه الأخبار وهو: "ذكر ما حكي عن أبي حنيفة من رأيه في الخروج على السلطان"، فيه تهويل ومبالغة، وتعميم وإبهام فليس في الأخبار التي ساقها تحت هذا العنوان، ما يفيد أن أبا حنيفة كان يدعو للثورة على الخلفاء، أو أنه أعلن هذا، وجُلُّ ما في هذه الأخبار، أن أبا إسحاق الفزاري، ادعى أن أبا حنيفة أفتى أخاه في الخروج لمؤازرة إبراهيم بن عبد الله الطالبي عندما استفتاه في ذلك. وباقي الأخبار تفيد أن الأوزاعي كان يقول عن أبي حنيفة: "إنه كان يرى السيف في أمة محمَّد"، بعد أن جاءه الفزاري وأقنعه بأن أبا حنيفة كذلك -كما مر ولكن الأوزاعي تراجع عن ذلك لما رأى مسائل أبي حنيفة عند ابن المبارك، ثم لما اجتمع بأبي حنيفة في مكة المكرمة، وقد مر ذلك بنا مفصلًا. والأخبار -كما ذكرت- كلها واهية الإسناد. ففي الخبر الأول، ابن درستويه، وأحمد بن عبيد بن ناصح، وغيرهما، وفي الثاني، أبو شيخ الأصبهاني، وهو عبد الله بن محمّد بن جعفر، وبقية الأخبار التي تتعلق بمقتل أخيه، وسخطه على أبي حنيفة بسبب فتياه إياه بالخروج. وإن الناقد المنصف، لو سمع نص الخبر الثامن في هذا الفصل، لرأى عجبًا. إذ يدعي فيه صاحبنا الفزاري، أنه سمع سفيان الثوري والأوزاعي يقولان عن أبي حنيفة، إنه ما ولد في الإِسلام مولود أشام على هذه الأمة منه، ويزيد المرء عجبًا حينما يرى الفزاري يكمل الخبر من عنده، فيقول: وكان أبو حنيفة مرجئًا ويرى السيف، ثم يذكر قصة أخيه. وأنا أسوق الخبر بتمامه، حتى يكون القارئ على بينة من ملابساته وتفصيلاته، قال الخطيب: "أخبرني علي بن أحمد الرزاز، أخبرنا علي بن محمد بن سعيد الموصلي، قال: حدثنا الحسن بن الوضاح المؤدب، حدثنا مسلم بن أبي مسلم الحرقي، حدثنا أبو إسحاق الفزاري قال: سمعت سفيان الثوري والأوزاعي يقولان: ما وُلدَ في الإِسلام مولود أشأم على هذه الأمة من أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة مرجئًا يرى السيف. قال لي يومًا: يا أبا إسحاق أين تسكن؟ قلت: المصيصة، قال: لو ذهبت حيث ذهب أخوك كان خيرًا. قال: وكان أخو أبي إسحاق خرج مع

стр. 2809

المبيضة على المسودة، فقتل" (١). فقد وصل الأمر بالفزاري أن يستعين بالأئمة، ليطعن في أبي حنيفة، فينسب إليهم القول، ثم يكلمه من عنده، وهل يعقل أن يصدر مثل هذا القول من إمامين جليلين، وقد ورد: "لا شؤم في الإِسلام". كما ورد: "لا شؤم إلا في ثلاث" وأبو حنيفة ليس من تلك الثلاث. وعلى فرض أن الشؤم يوجد في غير تلك الثلاث الواردة في الحديث، وأن أبا حنيفة مشؤوم، فمن أين الأوزاعي والثوري معرفة أنه في أعلى درجات الشؤم؟ ومعرفة أشأم المشؤومين في هذه الأمة لا تكون إلا بوحي، وقد انقطع زمن الوحي! . وكلمة أخيرة في هذا الفصل، وهي أن الذي يرجع إلى كتب الفقه الحنفي في هذا الباب، وإلى ما ذكره الإِمام أبو جعفر الطحاوي الحنفي المتوفى سنة (٣٢١ هـ)، يرى خلاف ما نقله الخطيب عن أبي حنيفة، في هذه الأخبار التالفة. فهذا أبو جعفر الطحاوي يقول في عقيدته، التي ذكر فيها عن أبي حنيفة وأصحابه ما كانوا يعتقدونه من أصول الدين، ويدينون به رب العالمين ما نصه: "ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا. ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة". ثم لو علم أبو جعفر المنصور، بأن أبا حنيفة يدعو الناس ويفتيهم بالخروج عليه، لما تلكأ لحظة في القبض عليه وقتله، ولما أمهله، ولقد قتل ابن هبيرة وولده، قبل أن يجف مداد العهد الذي كتب بينهما، كما غدر بأبي مسلم الخراساني وقتله، لمجرد التخوف أن تسول له نفسه بشيء، من الثورة في المستقبل، حتى إنه لم يتورع عن قتل عمه عبد الله بن علي، الذي ثار عليه، ثم هزم واحتمى بأخيه سليمان بن علي بالبصرة، وأعطاه المنصور الأمان حتى سلمه أخوه إياه، فحبسه وقتله بطريقة مريبة. حتى إنه لما عرض الأمان على محمد بن عبد الله، جمع هذا مخازي أماناته، وكتب إليه: "أما أمانك الذي عرضت، فأي الأمانات هو؟ أامان ابن هبيرة؟ أم أمان عمك عبد الله بن علي؟ أم أمان أبي مسلم؟ والسلام". فقد ظهر كذب ما جاء في تلك الأخبار في هذا الفصل، من ضعف أسانيدها ومخالفتها للمعقول والمنقول في كتب مذهب أبي حنيفة، وحوادث التاريخ المشهورة. وأما النقطة الخامسة: وهي -ما حكي عن أبي حنيفة من مستشنعات الألفاظ والأفعال- فقد أورد فيها الخطيب ثلاثة وثلاثين خبرًا، بأسانيد ضعيفة واهية. أما الخبران الأول والثاني: فيتعلقان بموضوع أن أبا حنيفة يقول: إن الجنة والنار تفنيان، وفي سند الخبر الأول، الخزاز، وفي الثاني، ابن الرماح، وخبرهما غير مقبول.

стр. 2810

وأما الخبر الثالث: ففيه أمر لا يخطر بالبال أن يقوله مسلم، وهو أن أبا حنيفة قال: "لو أدركني رسول الله ﷺ وأدركته، لأخذ بكثير من قولي". وهذا نص الخبر الذي ساقه الخطيب: "أخبرنا ابن رزق، أخبرنا أحمد بن جعفر بن سلم، حدثنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا إبراهيم بن سعيد، حدثنا محبوب بن موسى، قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: قال أبو حنيفة: لو أدركني رسول الله ﷺ وأدركته، لأخذ بكثير من قولي". وفي الخبر: إبراهيم بن سعيد الجوهري، الذي كان يتلقى وهو نائم، وفيه محبوب بن موسى هو أبو صالح الفراء، وقد قال عنه أبو داود: لا يلتفت إلى حكاياته إلا من كتاب، وفيه يوسف بن أسباط، قال عنه أبو حاتم: لا يحتج به، وقال البخاري: كان قد دفن كتبه، فكان لا يجيء بحديثه كما ينبغي. فيا سبحان الله! هل يصدق مسلم أن يأتي إمام من أئمة المسلمين، ليقول: إن الرسول لو أدركني لأخذ بكثير من أقوالي؟ ... وهل يأخذ الرسول الأحكام من غير الوحي، أم يدعي أبو حنيفة أن أقواله أحسن من الوحي؟ .. سبحانك ربنا، هذا بهتان عظيم. وباقي روايات هذا الفصل، يتعلق بأن أبا حنيفة كان يرد الأحاديث، وبألفاظ شنيعة بشعة، منها أنه حين يقال له: إن هذه المسألة يروى فيها عن النبي ﷺ كذا وكذا، كان يقول: "دعنا من هذا". وأحيانًا يقول: "حك هذا بذنب خنزير"، أو "هذا خرافة"، أو "هذا هذيان"، أو "هذا سجع" إلى آخر ما هناك من الألفاظ الشنيعة، التي كان يرد بها حديث رسول الله ﷺ ، على ذمة تلك الأخبار. وفي بعض الأحيان، ربما كان يضرب الأمثلة المستهجنة، إذا ذكر أمامه حديث يخالف رأيه، كقوله في معرض رده لحديث: "إذا كان الماء قلتين لم ينجس": "من أصحابي من يبول قلتين". وكقوله لما سأله ابن المبارك عن رفع اليدين في الركوع: "يريد أن يطير فيرفع يديه"؟ فقال له ابن المبارك: إن كان طار في الأولى، فإنه يطير في الثانية، وغير ذلك مما يستهجن ويستقبح - إن صح عنه ﵀. ومدار أكثر هذه الروايات على أبي إسحاق الفزاري، الذي تقدم في البحث السابق، وهو صاحب الافتراءات في قصة اتهام أبي حنيفة بالخروج على السلطان. وفي كل رواية كباقي الروايات، رجل أو أكثر ضعيف أو واهٍ، أو متهم بالكذب، ويضيق مثل بحثنا هذا عن سرد جميع ما قيل في رواة أسانيد تلك الروايات، لكثرتها. فمن أحب زيادة البيان، فليرجع إلى تعليقات اللجنة الأزهرية على تلك الأخبار، في تاريخ بغداد، وإلى كتب الجرح والتعديل وكتب "الضعفاء" ليرى الشيء الكثير. ولا يعقل أن يتفوّه أبو حنيفة بمثل تلك الألفاظ في جانب أحاديث رسول الله ﷺ ، ومعروف أن رد حديث رسول الله ﷺ ، يكون ببيان علته، أو ضعف رجاله أو نسخه، أما أن يرد: لا لعدم صحته، وبمثل تلك الألفاظ، فهذا كفر واضح، واستهزاء بالرسالة والرسول، وما جاء به عن الله تعالى، فهل يتصور أن يقول هذا إمام من أئمة

стр. 2811

المسلمين؟ هذا، وقد نقل الأئمة الثقات عن أبي حنيفة، أنه كان يأخذ بحديث رسول الله، فإن لم يجد، فيأخذ بقول الصحابة أو بعضهم، ولا يخرج عن قولهم جميعًا. فهذا ابن عبد البر ينقل في الانتقاء عن أبي حنيفة ما يلي: قال ابن عبد البر: "قال أبو يعقوب: ونا محمد بن موسى المروزي، قال: نا محمّد بن عيسى البياض، قال: نا محمود بن خداش، قال: نا علي بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبا حمزة السكري يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: إذا جاء الحديث الصحيح الإسناد عن النبي ﷺ أخذنا به ولم نَعْدُهُ، وإذا جاء عن الصحابة تخيرنا، وإن جاء عن التابعين زاحمناهم، ولم نخرج عن أقوالهم" (١). وقد ساق بمعنى الرواية عددًا من الأخبار المتقاربة الألفاظ، المختلفة الأسانيد (٢)، نعم، لقد كان أبو حنيفة متشددًا في قبول الأخبار، حذرًا من قبول الأخبار من أي راو، وهو معذور في هذا، وقد كثر الوضاعون في العراق، من أهل البدع والفرق السياسية والمجاهيل والمغفلين، فكان لا يقبل الخبر عن رسول الله ﷺ ، حتى يتثبت من صحة سنده ومعرفة أحوال رجاله، ومن هذا التشدد في قبول الأخبار، طعن فيه كثير من أهل الحديث، وشنعوا عليه، وفي هذا المعنى يقول ابن عبد البر في "الانتقاء": "كثير من أهل الحديث استجازوا الطعن علي أبي حنيفة، لرده كثيرًا من أخبار الآحاد العدول، لأنه كان يذهب في ذلك إلى عرضها على ما اجتمع عليه من الأحاديث ومعاني القرآن فما شذ عن ذلك رده وسماه شاذًا، وكان مع ذلك أيضًا يقول: الطاعات من الصلاة وغيرها لا تسمى إيمانًا، وكل من قال من أهل السنة: الإيمان قول وعمل، ينكرون قوله ويبدعونه بذلك، وكان مع ذلك محسودًا عليه لفهمه وفطنته" (٣). والأمر العجيب، أن ترى الإنكار الكثير على أبي حنيفة, لأنه رد بعض الأحاديث -لسبب من الأسباب التي تتعارض مع الأصول التي أصلها وبنى عليها اجتهاده- مع أن جميع أئمة المذاهب المتبوعة، وغيرهم من المجتهدين، ردوا بعض الأحاديث التي صحت عند غيرهم، بل ربما صحت عندهم، فقد قال ابن عبد البر في "جامع بيان العلم": "أفرط أصحاب الحديث في ذم أبي حنيفة، وتجاوزوا الحد في ذلك، والسبب الموجب لذلك عندهم، إدخاله الرأي والقياس على الآثار واعتبارهما. وأكثر أهل العلم يقولون: إذا صح الأثر بطل القياس والنظر". ثم يقول مدافعًا عنه وعن وجهة نظره. "وكان رده لما رد من أخبار الآحاد، بتأويل محتمل، وكثير منه قد تقدمه إليه غيره، وتابعه عليه مثله، ممن قال بالرأي. وجُل ما يوجد له من ذلك، ما كان منه اتباعًا لأهل بلده، كإبراهيم

стр. 2812

النخعي، وأصحاب ابن مسعود. إلَّا أنه أغرق وأفرط في تنزيل النوازل، هو وأصحابه، والجواب فيها برأيهم واستحسانهم. فأتى منه من ذلك خلاف كبير للسلف، وشنع هي عند مخالفيهم بدع. وما أعلم أحدًا من أهل العلم إلا وله تأويل في آية، أو مذهب في سنة، رد من أجل ذلك المذهب سنة أخرى، بتأويل سائغ أو ادعاء نسخ: إلَّا أن لأبي حنيفة من ذلك كثيرًا، وهو يوجد لغيره قليل" (١). أقول: إي والله، صدق ابن عبد البر، فقد أفرط أصحاب الحديث في ذم أبي حنيفة، وتجاوزوا الحد في ذلك، فهذا الليث بن سعد يحيى على الإِمام مالك سبعين مسألة، كلها مخالفة لسنة النبي ﷺ ، حتى إنه كتب إليه في ذلك؛ روى ذلك عنه ابن عبد البر المالكي في كتابه "جامع بيان العلم" فقال: "وقد ذكر يحيى بن سلام قال: سمعت عبد الله بن غانم في مجلس إبراهيم بن الأغلب، يحدث عن الليث بن سعد أنه قال: أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة، كلها مخالفة لسنة النبي ﷺ ، مما قال مالك فيها برأيه. قال: ولقد كتبت إليه في ذلك" (٢). ثم قال ابن عبد البر، معقبًا على رواية الليث هذه وعلى ما ذكر عن أبي حنيفة من ردهما لبعض الأحاديث، أو مخالفتهما لبعض أحاديث وردت في السنة: "وليس لأحد من علماء الأمة، يثبت حديثًا عن النبي ﷺ ، ثم يرده، دون ادعاء نسخ عليه بأثر مثله، أو إجماع، أو يعمل يجب على أصله الانقياد إليه، أو طعن في سنده". ثم قال: "ولو فعل ذلك أحد، سقطت عدالته، فضلًا عن أن يتخذ إمامًا، ولزمه إثم الفسق" (٣). ثم قال ابن عبد البر: "ونقموا أيضًا على أبي حنيفة، الإرجاء، ومن أهل العلم من ينسب إلى الإرجاء كثر، لم يُغْنَ أحد بنقل تبيح ما قيل فيه، كما عنوا بذلك في أبي حنيفة لإمامته. وكان أيضًا مع هذا يحسد وينسب إليه ما ليس فيه، ويختلق عليه ما لا يليق، وقد أثنى عليه جماعة من العلماء وفضلوه. ولعلنا، إن وجدنا نشطة أن نجمع من فضائله وفضائل مالك أيضًا، والشافعي، والثوري، والأوزاعي، كتابًا أملنا جمعه قديمًا في أخبار أئمة الأمصار إن شاء الله" (٤). ونقل ابن عبد البر بسنده إلى أبي حنيفة، فقال: "قيل لأبي حنيفة: المحرم لا يجد الإزار، يلبس السراويل قال لا, ولكن يلبس الإزار. قيل له: ليس له إزار، قال: يبيع السراويل ويشتري بها إزارًا، قيل له: فإن النبي ﷺ خطب وقال: "المحرم يلبس السراويل إذا لم يجد الإزار". فقال أبو حنيفة: لم يصح في هذا عندي عن رسول الله ﷺ ، فأفتي به، وينتهي كل امريء إلى ما سمع، وقد صح عندنا أن رسول الله ﷺ قال: (لا يلبس المحرم

стр. 2813

السراويل)، فننتهي إلى ما سمعنا قيل له: أتخالف النبي ﷺ ؟ فقال: لعن الله من يخالف رسول الله ﷺ ، به أكرمنا الله، وبه استنقذنا" (١). وأما النقطة السادسة: وهي: ما قاله العلماء في ذم رأي أبي حنيفة، والتحذير منه، وما يتعلق بذلك من أخباره-، فقد أطال الخطيب في هذه النقطة، فساق فيها مائة وسبعة وأربعين خبرًا، لا يحتج بها لضعف أسانيد أكثرها, ولمخالفة بعضها صريح القرآن، وما هو مجمع عليه في الدين، واستهلها بأخبار مسندة لعروة بن الزبير، تفيد أن الأمر في بني إسرائيل كان مستقيمًا، حتى نشأ فيهم أبناء سبايا الأمم، فقالوا بالرأي، فهلكوا وأهلكوا. ومراده بسوق هذه الأخبار التعريض بأبي حنيفة، وأنه من سبايا الأمم، ولا أريد الآن البحث في نسب أبي حنيفة، وما يتعلق به، وإنما أذكر القول الفصل في ذلك، وهو قول ربنا سبحانه في كتابه العزيز، الذي أنزله حكمًا بيننا فقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. ثم هذا الحسن البصري، وابن سيرين، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، -وكلهم من الموالي-، ومن يُنْكِر فضلهم على المسلمين، في العلم والفتوى والإرشاد والتدريس؟ ثم أعقبها بأخبار تفيد أن رأي أبي حنيفة دخل كل البلاد، إلا المدينة، وذلك لأن المدينة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال، وأن أبا حنيفة دجال من الدجاجلة. وهذا نص الخبر: قال الخطيب: "أخبرنا ابن الفضل، حدثنا علي بن إبراهيم بن شعيب المغازي، حدثنا محمّد بن إسماعيل البخاري، حدثنا صاحب لنا عن حمدويه، قال قلت لمحمد بن مسلمة: ما لِرَأي النعمان دخل البلدان كلها، إلا المدينة قال: "إن رسول الله ﷺ قال: (لا يدخلها الدجال ولا الطاعون)، وهو دجال من الدجاجلة". وفي سند هذا الخبر: مجهول يسقط الاحتجاج به، وهو (صاحب لنا)، وإن كان نص الحديث قد صح عن النبي ﷺ من وجه آخر. على أن أبا حنيفة، دخل المدينة المنورة، وجالس الإِمام مالكًا وناقشه، فإن كان أبو حنيفة دجالًا، أفيدخل الدجال المدينة، ولا يدخل رأيه إليها؟ . واعجبًا للتناقض المكشوف! ثم ساق أخبارًا فيها أقوال لبعض الأئمة، في ذم أبي حنيفة ورأيه، منها: أن مالك بن أنس قال: "كانت فتنة أبي حنيفة، أكبر على هذه الأمة من فتنة إبليس في الوجهين جميعًا: في الإرجاء، وما وضع من نقض السنن". وفي هذا الخبر: حبيب بن رزق، قال أبو داود عنه: "من أكذب الناس". وقال ابن عدي: "أحاديثه كلها موضوعة". ومنها قول لعبد الرحمن بن مهدي: "ما أعلم فتنة بعد فتنة الدجال أعظم من رأي أبي حنيفة". ومنها قول لشريك: "لأن يكون في كل حي من الأحياء خمار، خير من أن يكون فيه رجل من أصحاب أبي حنيفة". ومنها قول لسفيان الثوري: "حين نَعْيُ أبي حنيفة: الحمد لله الذي أراح المسلمين منه. لقد كان ينقض عُرَى الإِسلام عروة عروة. ما ولد في

стр. 2814

الإِسلام مولود أشأم على أهل الإِسلام منه". وفي هذا الخبر: جرير بن عبد الحميد. قال الخطيب عنه: "كان يروي الموضوعات ويفسد أحاديث الناس" (١). ومنها أقوال كثيرة منسوبة لبعض العلماء، فيها الطعن الشديد على أبي حنيفة وآرائه، لكنها بأسانيد واهية لا تثبت أمام النقد العلمي. ثم لو فرض صحة هذه الأخبار أو بعضها إلى قائليها. فغايتها أنها أقوال لأقرانه ومعاصريه، الذين حسدوه لذكائه وفطنته، ولما أعطاه الله من حسن الاستنباط والفقه في المسائل، التي جعلت الناس يلتفون حوله، ويستفتونه، ويأخذون برأيه، حتى ذاعت سمعته، وطارت في الآفاق شهرته، ندب في قلوب البعض، داء الأمم السابقة: الحسد والبغضاء، فحسدوه وأبغضوه، وربما قالوا فيه وقت الغضب كلمات تلقفها المغرضون والجهلة، فزادوا فيها ونقصوا، وصَحَّفُوا فيها وحرفوا، ونقلوها إلى المؤرخين والأخباريين، فدونوها وسجلوها على أنها أخبار وصلت إليهم، لا على أنها حقائق لا يتطرق إليها الشك. وقد تقرر في علم المصطلح، أن قول الأقران في بعضهم لا يقبل، ولو كان كل منهم إمامًا ثقة ثبتًا، يقبل قوله وحديثه، كما أن قول المخالف في المذهب أو الاعقاد، لا يقبل فيمن خالفه، وكذلك قول من يكون بينهم بغضاء أو عداوة، لسبب من الأسباب. وبناءً على هذا، فلم يقبل الأئمة قول: مالك في محمّد بن إسحاق، إنه دجال الدجاجلة ولا قول ابن معين في الشافعي: إنه ليس بثقة، ولا قول عكرمة في سعيد ابن المسيب، ولا كلام ابن أبي ذئب في الإمام مالك، ولا كلام أهل المدينة في أهل العراق جملة. وقد عقد ابن عبد البر في جامع بيان العلم، بابًا جيدًا جدًّا في هذا الموضوع، سماه "باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض"، استهله بحديث رسول الله ﷺ : "دب إليكم داء الأمم قبلكم، الحسد والبغضاء هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، تحلق الدين ... " (٢). ثم نقل كلام ابن عباس: "استمعوا علم العلماء، ولا تصدقوا بعضهم على بعض، فوالذي نفسي بيده، لهم أشد تغايرًا من التيوس في زربها". ثم عقب على ذلك بكلام جامع طيب له فقال: "هذا باب قد غلط فيه كثير من الناس، وضلت به نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك، والصحيح في هذا الباب، أن من صحت عدالته، وثبتت في العلم إمامته، وبانت ثقته وعنايته بالعلم، لم يلتفت فيه إلى قول أحد، إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة، تصح بها جرحته على طريق الشهادات، والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب قوله من جهة الفقه والنظر. وأما من لم تثبت إمامته، ولا عرفت عدالته، ولا صحت لعدم الحفظ والإتقان روايته، فإنه ينظر

стр. 2815

فيه إلى ما اتفق أهل العلم عليه، ويجتهد في قبول ما جاء به، على حسب ما يؤدي النظر إليه والدليل". ثم يقول: "على أنه لا يُقبل فيمن اتخذه جمهور من جماهير المسلمين، إمامًا في الدين، قول أحد من الطاعنين" (١). ثم ذكر أقوال السلف بعضهم في بعض، وذكر أنها لا تقبل, لأنها قيلت في وقت الغضب غالبًا، أو لسبب كان بينهم لا نعرف خفاياه. ثم ختم الباب بقول أسنده إلى أبي داود السجستاني، صاحب السنن, وهو: "رحم الله مالكًا، كان إمامًا، رحم الله الشافعي، كان إمامًا، رحم الله أبا حنيفة، كان إمامًا". فأبو حنيفة، الذي ثبتت في الدين إمامته، واشتهرت بين المسلمين عدالته وأمانته، وانتشر في أقطار المسلمين علمه ونزاهته، واتبع فقهه أكثر المسلمين على مدى القرون إلى هذا اليوم، لا يقبل فيه قول أحد من الطاعنين، ولا يلتفت فيه إلى حسد الحاسدين". ثم ذكر محمود الطحان: نقدًا للخطيب فيما أورده من مثالب أبي حنيفة حيث قال: "إنه قال مما لا شك فيه، أن الخطيب ﵀ مؤرخ في كتابه الذي ترجم فيه لأبي حنيفة وغيره، ولا لوم عليه، أن يذكر كل ما بلغه عن الأشخاص الذين ترجم لهم في تاريخه من أقوال الناس فيهم، من المناقب والمثالب. ولقد أشار إلى ذلك -قبل إيراده مثالب أبي حنيفة- معتذرًا إلى من وقف عليها وكره سماعها، بأن أبا حنيفة أسوة غيره من العلماء الذين ترجم لهم، وذكر أقوال الناس فيهم على تباينها. لكني ألاحظ على الخطيب في ذلك بعض الملاحظات وهي: أ- ترجيحه لصحة مثالب أبي حنيفة على مناقبه، على غير عادته في باقي التراجم. فإنه بعد أن سرد مناقب أبي حنيفة، عقب عليها بقوله: "وقد سقنا عن أيوب السختياني، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وأبي بكر بن عياش، وغيرهم من الأئمة، أخبارًا كثيرة، تتضمن تقريظ أبي حنيفة، والمدح له، والثناء عليه. والمحفوظ، عند نقلة الحديث من الأئمة المتقدمين-، وهؤلاء المذكورون منهم-، في أبي حنيفة، خلاف ذلك وكلامهم فيه كثير لأمور شنيعة حفظت عليه، متعلق بعضها بأصول الديانات، وبعضها بالفروع، نحن ذاكروها بمشيئة الله، ومعتذرون إلى من وقف عليها وكره سماعها، بأن أبا حنيفة عندنا، مع جلالة قدره، أسوة غيره من العلماء الذين دونا ذكرهم في هذا الكتاب وأوردنا أخبارهم، وحكينا أقوال الناس فيهم على تباينها، والله الموفق للصواب" (٢). ومعلوم أن المحفوظ عند أهل العلم بالحديث يقابله الشاذ. وأن الشاذ مردود في مقابل المحفوظ، فتكون مناقب أبي حنيفة التي ساقها، مردودة سلفًا-، في حكم الخطيب-، كما أن مثالبه مقبولة سلفًا. وهو أمر

стр. 2816

غير صحيح كما مر. ب- عدم التزامه بما ذكره من نقل أقوال الناس على تباينها في كل التراجم: فعلى سبيل المثال، عندما ترجم للإمامين الشافعي وأحمد بن حنبل ﵄، لم يذكر في ترجمتهما إلا المناقب فقط-، وهو الواجب واللائق بهما وبأمثالهما- ولم يذكر ما قاله العلماء فيهما من الطعن، ولو كان غير صحيح (١)، فلم يلتزم بقوله: "إن أبا حنيفة، أسوة غيره من العلماء، في ذكر أقوال الناس فيهم على تباينها". جـ - بيانه ضعف الحديث وعلته، فيما يتعلق بتقريظ أبي حنيفة فقط: فعندما كان يسرد مناقب أبي حنيفة، أورد حديثًا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إن في أمتي رجلًا -وفي حديث القصري- يكون في أمتي رجل اسمه النعمان، وكنيته أبو حنيفة، هو سراج أمتي، هو سراج أمتي، هو سراج أمتي) (٢). ثم عقب عليه بقوله: "قلت: وهو حديث موضوع تفرد بروايته البورقي، وقد شرحنا فيما تقدم أمره، وبينا حاله". مع أن أورد أخبارًا موضوعة في مثالبه، ولم يشر إلى وضعها بل عنون لها بأنها من المحفوظ. وعندما ساق سؤال يحيى بن معين: "هل حدث سفيان عن أبي حنيفة؟ قال: "نعم، كان أبو حنيفة ثقة صدوقًا في الحديث والفقه، مأمونًا على دين الله". ثم علق الخطيب على ذلك بقول: "قلت: أحمد بن أبي الصلت، هو أحمد بن عطية، وكان غير ثقة، وهكذا فعل في عدد من المواضع، فحينما يكون في الرواية ما يشير إلى تبرئة أبي حنيفة، من تهمة أو عيب شائن، كان يبين علة الخبر، ويضعفه ليرد الخبر ولا يقبل. د- ختمه ترجمة أبي حنيفة بخاتمة سيئة جدًّا: فقد ختم ترجمة أبي حنيفة، بإيراد رؤيا لبعض الناس، أنه رأى في المنام جنازة عليها ثوب أسود، وحولها قسيسون، وعندما سأل النائم عن صاحب تلك الجنازة، قيل له: إنها جنازة أبي حنيفة. وأسوق نص القصة كما أوردها الخطيب، ليطلع القارئ على شناعة هذه الرؤيا، التي سطرها الخطيب في تاريخه، وجعل الناس على اختلاف طبقانهم يقرأون مثل هذه الرؤيا السيئة، في خاتمة ترجمة أبي حنيفة. قال الخطيب: "أخبرنا ابن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا عبد الرحمن، قال: سمعت علي بن المديني، قال: قال لي بشر بن أبي الأزهر النيسابوري، رأيت في المنام جنازة عليها ثوب أسود، وحولها قسيسون، فقلت: جنازة من هذه؟ فقالوا: جنازة أبي حنيفة، حدثت أبا يوسف فقال: لا تحدث به أحدًا" (٣). فهل قلّت روايات المثالب في ترجمة أبي حنيفة -وهي زهاء ستين صفحة، حتى اضطر أن

стр. 2817

يكمل المثالب بإيراد الأحلام والرُّؤى الشيطانية! وقد جاء في الحديث، الأمر بإفشاء الرؤيا الحسنة، وعدم إفشاء الرؤيا السيئة بين الناس، والاقتصار على الاستعاذة بالله من الشيطان، والتفل ثلاث مرات عن الشمال، حتى لا تضره تلك الرؤيا. فإذا كان الرائي خالف الحديث، وقصها على الناس-، على فرض صحتها-، فما بال الخطيب يعينه على نشرها وإفشائها، بتسطيرها مسندة في تاريخه الذي سيقرأه الناس على مر الأجيال؟ لعل الخطيب اعتبرها رؤيا حسنة-، في جانب أبي حنيفة، الذي ما ولد في الإِسلام أشأم منه-، فأراد تثبيتها ونشرها، ابتغاء وجه الله واتباعًا للسنة! . وختامًا لهذا البحث، أود أن ألفت النظر إلى أن فضيلة الأستاذ الشيخ محمّد أبو زهو، قد بحث في كتابه: "الحديث والمحدثون"، بحثًا قيمًا يتعلق بما أورده بعض الناس، من الشبه في حق أبي حنيفة، من جهة قلة بضاعته في الحديث أو من جهة عدم إخراج أصحاب الصحيحين له شيئًا في صحيحيهما، ومن نواح أخرى. وأجاب عنها بكلام جيد مقنع. فمن أحب المزيد من الإيضاح فليرجع إلى الكتاب المذكور) أ. هـ. * قلت: ولقد نقلناه بنصه من أجل الفائدة ولعلنا أيضًا سوف ننقل ما قاله أحد الباحثين من خلال رسالته في الدكتوراه بنصه، وليس ذلك للإطالة وإنما لتنوع المصادر والباحثين على مختلف أزمانهم وبحوثهم، وللمقارنة التي بينهم والتقارب لوجوه النقد عندهم، فالتطويل في دفع أمر الشبهات عند الخطيب وغيره عن الإِمام أبي حنيفة هو أحد أهدافنا في الذود عن هذا العلم الشامخ .. والله تعالى المستعان. والآن نذكر بحث (مكانة الإِمام أبي حنيفة بين المحدثين) للدكتور محمّد قاسم عبد الحارثي، وأخذ الأمر في نقده لروايات الخطيب وبقية الأئمة، وسوف ننقله بنصه للفائدة وزيادة العلم حيث قال الدكتور محمّد الحارثي: "سوف نلتزم بادئ ذي بدء بنقل كل ما قيل في تجريح أبي حنيفة ﵀ ولكن سوف نقف بعض الشيء عند كلام الأئمة المعتبرين في هذا الشأن حتى يكون للكلام قيمة. هذا وقبل أن ننقل كلام الأئمة لا بد أن نسوق الأقوال التي ذكرها الخطيب في تاريخه والتي أثارت جدلًا كبيرًا بين العلماء وسوف نرد على كل قول تفصيلًا من ناحية الإسناد والمتن ثم نرجى المناقشة الإجمالية للفصل الذي يليه. قال الخطيب: أخبرنا الحسين بن محمّد بن الحسن أخو الخلال أخبرنا جبريل بن محمّد بن المعدل -بهمذان- حدثنا محمّد بن حيويه النخاس حدثنا محمود بن غيلان حدثنا وكيع قال الثوري يقول: نحن المؤمنون وأهل القبلة عندنا مؤمنون في المناكحة والمواريث والصلاة والإقرار، ولنا ذنوب ولا ندري ما حالنا عند الله؟ قال وكيع: وقال أبو حنيفة: من قال بقول سفيان هذا فهو عندنا شاك، نحن المؤمنون هنا وعند الله حقًّا. قال وكيع: ونحن نقول بقَوْل سفيان وقول أبي حنيفة

стр. 2818

عندنا جرأة (١). أما من ناحية الإسناد فلا داعي لمناقشته لأن القضية نفسها مختلف فيها بين العلماء وموافقو أبي حنيفة كثيرون والقضية معروفة في كتب العقائد بمسألة الاستثناء، والمثير للسخرية في جعل هذه القضية مطعنًا على أبي حنيفة أنهم لا يدرون أن سفيان الثوري نفسه رجع عن قوله وأخذ بقول أبي حنيفة. قال الخطيب: أخبرنا علي بن محمّد بن عبد الله المعدل أخبرنا محمد بن عمرو بن البختري الرزاز حدثنا حنبل بن إسحاق حدثنا الحميدي حدثنا حمزة بن الحارث بن عمير عن أبيه قال: سمعت رجلًا يسأل أبا حنيفة في المسجد الحرام عن رجل قال: أشهد أن الكعبة حق ولكن لا أدري هي هذه التي بمكة, أم لا؟ فقال: مؤمن حقًّا، وسأله عن رجل قال أشهد أن محمّد بن عبد الله بني ولكن لا أدري هذا الذي بالمدينة؟ فقال مؤمن حقًّا، قال الحميدي: ومن قال هذا فقد كفر (٢). وهذه الرواية باطلة من أصلها فلا أبو حنيفة قالها ولا الحميدي كفر قائلها لأنها من انتحال ووضع الحارث بن عمير، فهو من الوضاعين الكذابين قال الذهبي: كذبه ابن خزيمة وقال الحاكم: روى عن الحميدي أحاديث موضوعة، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات. فهؤلاء أئمة الجرح يكذبونه بل ينصون على أنه يكذب على الحميدي ويضع الأخبار على لسانه. وهذا كاف لرد الرواية وإسقاطها حتى من استحقاق المناقشة. ولكن الخطيب مؤاخذ في إيراد هذه القضية لأنه كان يجب أن ينبه إلى كذب الحارث لأنه كذبه في تاريخه (٣). قال الخطيب: وقال الحارث بن عمير: وسمعته يقول: لو أن شاهدين شهدا عند قاض أن فلان بن فلان طلق امرأته وعلما جميعًا أنهما شهدا بالزور ففرق القاضي بينهما، ثم لقيها أحد الشاهدين فله أن يتزوج بها؟ قال: نعم، قال: ثم على القاضي بعد، أله أن يفرق بينهما؟ قال: لا. وهذه الرواية من رواية الحارث الكذاب أيضًا، ولو سلمنا أن الرواية صحيحة فهذا رأي فقهي مستند إلى دليل مشهور في كتب الفقه، أخذه أبو حنيفة عن عمر وعلي ﵄. ووجهة النظر أن طلاق القاضي وتفريقه وقع ونفذ لأن القاضي لم يعلم بالواقع، والإثم على الشهود، والشاهد تزوجها بعد حصول التفريق -وإن كان باطلًا في نظره- لكنها طلقت، وأبو حنيفة متابع هنا ويشترك مع غيره كالشعبي، والكل متفقون أن الشهود آثمون مرتكبون أكبر الكبائر. فالتشهير في هذه المسألة واضح فيه الحقد الدفين من هذا الكذاب الحقود الحسود، الذي لم يجد شيئًا يشين به هذا الإمام إلا ما رآه بنظره الأخرق أنه على غير صواب.

стр. 2819

قال الخطيب: أخبرنا محمد بن الحسين بن الفضل القطان أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه حدثنا يعقوب بن سفيان حدثنا علي بن عثمان بن نفيل حدثنا أبو مسهر حدثنا يحيى بن حمزة وسعيد يسمع أن أبا حنيفة قال: لو أن رجلًا عبد هذه النعل يتقرب بها إلى الله لم أر بذلك بأسًا. فقال سعيد: هذا الكفر صراحًا (١). ورواها مرة أخرى فقال: حدثنا ابن رزق أخبرنا أحمد بن جعفر بن سلم حدثنا أحمد بن علي بن الأبار حدثنا عبد الأعلى بن واصل حدثنا أبي حدثنا ابن فضيل بن القاسم بن حبيب قال: وضعت نعلي في الحصى ثم قلت لأبي حنيفة: أرأيت رجلًا صلى لهذه النعل حتى مات إلا أنه يعرف الله بقلبه؟ فقال: مؤمن، فقلت: لا أكلمك أبدًا. وهاتان الروايتان المضطربتان تنطقان بالكذب الواضح والافتراء الذي لا يخشى الله ففي الأولى عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي، ضعفه اللالكائي وقال البرقاني: ضعفوه (٢). وعلي بن عثمان بن نفيل مجهول لم أجد من ترجم له. ولعله خبط في السند خبط عشواء أو ألصق هكذا. ثم إن يحيى بن حمزة إن كان القاضي المشهور فهو دمشقي، ولم يثبت أن أبا حنيفة رحل إلى الشام ولم يدخل يحيى الكوفة. ولم يلتق بأبي حنيفة وإن كانا متعاصرين (٣). وإن كان غيره فهو مجهول أيضًا. وفي الرواية الثانية: القاسم بن حبيب قال عنه ابن معين: لا شيء وضعفه الذهبي وابن الجوزي عن كثير من العلماء. وأما من ناحية المتن فإننا نحيل أن يصدر مثل هذا عن أبي حنيفة بل نحيل أن يصدر مثل هذا عن أصغر عالم من علماء المسلمين فما لنا عن عالم شهدت له الدنيا بالعلم والعقل فما هذا إلا من التعصب المذهبي قاتل الله دعاته. قال الخطيب: أخبرنا أبو سعيد الحسن بن محمد بن حسنويه الكاتب -بأصبهان- أخبرنا عبد الله بن محمد بن عيسى بن مزيد الخشاب حدثنا أحمد بن مهدي بن محمد حدثنا أحمد ابن إبراهيم حدثني عبد السلام -يعني ابن عبد الرحمن- قال حدثني إسماعيل بن عيسى بن علي قال: قال لي شريك: كفر أبو حنيفة بآيتين من كتاب الله تعالى؛ قال الله تعال: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] وقال الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] وزعم أبو حنيفة أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وزعم أن الصلاة ليست من دين الله. (٤) وهذا كلام باطل سندًا ومتنًا، أما من ناحية الإسناد فهذا إسناد مظلم فيه ضعاف: أولهم عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي فهو متكلم

стр. 2820

فيه وفي فقهه، والحسد وارد في مثل هذه المواطن (١). وأحمد بن إبراهيم مجهول ليس في الرواة عن عبد السلام كما لم أجده في شيوخ أحمد بن مهدي. وفيه أيضًا شريك -صاحب المقالة- وهو شريك بن عبد الله بن أبي نمر القرشي، وليس النخعي، وإيراد الخطيب له هكذا يوحى بأنه شريك النخعي حتى يصدم القارئ فيظن أن شريكا يكفر أبا حنيفة. والواقع أنه شريك بن أبي نمر وهو من أقران أبي حنيفة في السن وإن كان هذا استقر في المدينة المنورة، ولكنه كان ضعيفًا عند جمهور العلماء فقد ضعفه ابن أبي حاتم وابن عدي وابن الجوزي والذهبي (٢) وهو في نفس الوقت لا يقبل جرحه ولا تعديله لأن الأقران غالبًا ما يعودهم الحسد إلى الخروج عن الاعتدال. وأما من ناحية المتن فإن قضية زيادة الإيمان ونقصانه وهل ينقص أم لا فهي مسألة خلافية، فقال الأشاعرة وأكثر الماتريدية إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وقال المحدثون والمعتزلة والشيعة: إنه يزيد وينقص، وهي مسألة قديمة وسوف نتكلم عنها في الفصل التالي الذي سنعقده خصيصًا للرد على مثل هذه الأمور. وأما قوله: إنه القائل: إن الصلاة ليست من دين فهذا تزوير فالقضية أنها ليست من الإيمان كما سيأتي. قال الخطيب: "أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله السراج -بنيسابور- أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس الطرائفي حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا محمود بن موسى الأنطاكي قال: سمعت أبا إسحاق الفزاري يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: إيمان أبي بكر وإيمان إبليس واحد، قال إبليس: يا رب، وقال أبو بكر الصديق يا رب، ومن كان من المرجئة لم يقل فانكسر عليه قوله (٣). وهذا الكلام باطل سندًا ومتنًا، أما السند ففيه محبوب بن موسى الأنطاكي قال عنه أبو داود: لا يلتفت إلى حكاياته التالفة. وقال الدارقطني: صويلح ليس بالقوي (٤)، وفيه أبو إسحاق الفزاري إبراهيم بن محمّد بن الحارث قال عنه ابن سعد: كان كثير الخطأ وهو ثقة (٥). ولكنه لم يسلم من حسد الأقران فلا يقبل منه هذا الكلام إن صح. وأما من ناحية المتن فكيف يجوز أن يصدر هذا الكلام من مسلم بغض النظر عن كونه إمامًا من الأئمة؟ وكيف يستبيح لنفسه مسلم أن ينسب هذا لأحد من الأئمة العظماء؟ . قال الخطيب: "أخبرني الخلال حدثنا علي بن عمر بن محمد

стр. 2821

المشتري حدثنا محمّد بن جعفر الأدمي حدثنا أحمد بن عبيد حدثنا طاهر حدثنا وكيع قال: اجتمع سفيان الثوري وشريك والحسن بن صالح وابن أبي ليلى فبعثوا إلى أبي حنيفة قال فأتاهم فقالوا له: ما تقول في رجل قتل أباه ونكح أمه وشرب الخمر في رأس أبيه؟ فقال: مؤمن، فقال له ابن أبي ليلى: لا قبلت لك شهادة أبدًا، وقال له سفيان الثوري: لا كلمتك أبدًا، وقال له شريك: لو كان لي من الأمر شيء لضربت عنقك وقال له الحسن بن صالح: وجهي من وجهك حرام أن أنظر إلى وجهك أبدًا" (١). وهذا الكلام -وإن كانت تلوح عليه علامات الوضع والاختلاق فإن كل من دون وكيع ضعفاء ومجهولون- إلا أننا ننظر في الكلام هل هو مثار شبهة أو بدعة أو كفر؟ إن أهل السنة والجماعة مجمعون على أن مرتكب الكبائر مؤمن ليس بكافر. وهل يجوز التشنيع عليه في هذا؟ لا شك أن المقصود هو التمحك فقط لا غير. والأولى أن نقول: إنها حكايته مختلقة. فقد تقدم ثناء الثوري على الإِمام وكذلك وكيع. قال الخطيب: أخبرنا أبو القاسم إبراهيم بن محمّد بن سليمان المؤدب -بأصبهان- أخبرنا أبو بكر بن المقريء قال حدثنا سلامة بن محمود القيسي -بعسقلان- حدثنا عبد الله بن محمّد بن عمرو قال: سمعت أبا مسهر يقول: كان أبو حنيفة رأس المرجئة (٢). وقد روى الخطيب اتهام أبي حنيفة بالإرجاء كثيرًا، وهذا سوف نتعرض له في فصل مستقل إن شاء الله. قال الخطيب: أخبرنا أبو بكر محمّد بن عمر بن بكير المقرئ أخبرنا عثمان بن أحمد بن سمعان الرزاز حدثنا هيثم بن خلف الدوري حدثنا محمود بن غيلان حدثنا محمد بن سعد عن أبيه قال: كنت مع أمير المؤمنين -موسى بجرجان- ومعنا أبو يوسف، فسألته عن أبي حنيفة فقال: وما تصنع به وقد مات جهميًا (٣). وكذلك يروي روايات أخرى أن أبا حنيفة كان جهميًا وسيأتي الرد على هذه الفرية في مبحث مستقل إن شاء الله. قال الخطيب: أخبرنا البرقاني حدثني بن العباس الخزاز حدثنا جعفر بن محمد الصندلي حدثنا إسحاق بن إبراهيم -ابن عم ابن منيع- حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن حدثنا حسن بن أبي مالك عن أبي يوسف قال: أول من قال القرآن مخلوق أبو حنيفة (٤). وهذه الرواية وكثير من الروايات التي ساقها الخطيب ناطقة بالكذب والافتراء فما كان أبو حنيفة ليقول هذا وما كان أبو يوسف ليشهد بهذه الشهادة وإنما هذا من اختلاق جعفر بن

стр. 2822

محمّد الصندلي فهو ضعيف شديد الضعف (١). وإسحاق ابن عم ابن منع مجهول أيضًا والحسن بن أبي مالك أيضًا مجهول. وسوف يأتي الحديث عن رد قول من زعم أن أبا حنيفة يقول بخلق القرآن. قال الخطيب: أخبرنا محمد بن عبيد الله الحنائي أخبرنا محمّد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي حدثني عمر بن الهيثم البزاز أخبرنا عبد الله بن سعد- بقصر ابن (؟ ؟ ) حدثني أبي أن أباه أخبره أن ابن أبي ليلى كان يتمثل بهذه الأبيات: إلى شنآن المرجئين ورأيهم ... عمر بن ذر وابن قيس أعاصر وعتيبة الدباب لا نرضى به ... وأبو حنيفة شيخ سوء كافر (٢) انتهى نقل الخطيب ولم يرض الخطيب ومن في إسناده إلا أن يرموا أبا حنيفة بالكفر وهذا منزلق خطير جدًّا وصل إليه من رضي أن ينقل مثل هذا الكلام وأن يضعه في كتاب تقرأه الأجيال من بعده فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم إن الرواية فيها مجاهيل، حيث لم أعثر على ترجمة لعمر بن الهيثم كما لم أعثر على ترجمة عبد الله بن سعيد الذي يروي عن أبيه عن جده، وظاهر من السند أن الحكاية مختلقة لا أساس لها وهي تدور على الخطيب نفسه الذي يسأل عن إيراد مثل هذه الحكاية. وللأسف فقد أورد ثلاث روايات تتهم أبا حنيفة بالشرك والكفر دون تعليق مع أنه قد علق على الأحاديث التي فيها ذكر أبي حنيفة، أو صفة من صفاته مع أن الرواية المذكورة تحت رقم (٤٦ - ٤٧) فيها كذاب مشهور فلم يعلق عليه حيث يقول: أخبرنا محمّد بن عبد الله الشافعي حدثنا محمّد بن يونس حدثنا ضرار بن ورد قال حدثني سليم المقرئ حدثنا سفيان الثوري قال: "قال لي حماد بن أبي سليمان: أبلغ عني أبا حنيفة المشرك أني بريء منه حتى يرجع عن قوله في القرآن" (٣). وضرار بن ورد كذبه يحيى بن معين وتركه البخاري والنسائي، وقال النسائي: ليس بثقة، وضعفه الدارقطني وقال حسين بن محمد القباني: تركوه، وقال الساجي: عنده مناكير (٤). وإن كان الكذب متهمًا به ضرار بن ورد إلا أن الملامة نقع على الخطيب، كيف يروي مثل هذه الرواية؟ وكيف يسكت إذا رواها, لقد لاحظنا أن أي رواية ترفع من قدر أبي حنيفة فنرى أن الخطيب يسكت ولا يشير، مع شهرة الكذابين في الأسانيد التي يسوقها وهذا مسلك مريب يلقى بظلال من الشكوك الثقيلة حول دوافع الخطيب من إيراد مثل هذه الحكايات -مع العلم أنه قد ذكر الخطيب تكذيب هؤلاء في تاريخه- حتى ولو أسندها وتبرأ من عهدتها فهي

стр. 2823

لاصقة به وبكتابه، ولذا نستطيع أن نقول: إن الكوثري مصيب في معظم ردوده على الخطيب في كتابه الذي ألفه خصيصًا للرد على الخطيب في إيراد المثالب التي قيلت في أبي حنيفة. وقد سبق إلى رد هذه الافتراءات ابن عبد البر حيث قال: قيل لعبد الله بن داود الخريبي يومًا: يا أبا عبد الرحمن إن معاذًا يروي عن سفيان الثوري أنه قال: استتيب أبو حنيفة مرتين، فقال عبد الله بن داود: هذا والله كذب، قد كان بالكوفة عليّ والحسن ابنا صالح بن حي وهما من الورع بالمكان الذي لم يكن مثله وأبو حنيفة يفتي بحضرتهما, ولو كان من هذا شيء ما رضيا به، وقد كنت بالكوفة دهرًا فما سمعت بهذا (١). فهذا نص واضح في اختلاق هذه الحكايات من قبل أعداء أبي حنيفة وتصريح من الثوري بأن ما يثار حول أبي حنيفة لم يكن شيء منه زمن أبي حنيفة، وإنما اخترعه المتعصبون الذين جاءوا من بعدهم أو من الحساد الحاقدين الكاذبين الذين عاصروا الإِمام أبا حنيفة، وأثاروا حوله هذه الشبهة، وسيأتي رد هذه الشبه في فصل مستقل إن شاء الله تعالى. قال الخطيب: "أخبرنا ابن الفضل أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه حدثنا يعقوب بن سفيان حدثني صفوان بن صالح حدثنا عمر بن عبد الواحد قال سمعت الأوزاعي يقول: أتاني شعيب بن إسحاق وابن أبي. مالك وابن علاق وابن ناصح فقالوا: قد أخذنا عن أبي حنيفة شيئًا فانظر فيه، فلم يبرح بي وبهم حتى رأيتهم، فمما جاؤوني به عنه أنه أحل لهم الخروج على الأئمة (٢). ومثل هذه أيضًا روى الخطيب منها تسعة آثار كلها واهية الإسناد يريد منها الخطيب أن يثبت ويلصق هذه الحكايات بأبي حنيفة زورًا وبهتانًا مع أنه يعلم قبل غيره أنها باطلة وأسانيدها واهية. فابن الفضيل مجهول وابن درستويه تقدم ضعفه الشديد. وما جاء في هذه الروايات جميعًا يخالف رأي أبي حنيفة نفسه، ويخالف قواعد فقهه المأخوذ عنه. وسيأتي تفصيل ذلك في فصل مستقل إن شاء الله. قال الخطيب: أخبرنا أبو سعيد الحسن بن محمّد بن عبد الله بن حسنويه الأصبهاني أخبرنا عبد الله بن محمّد بن عيسى الخشاب حدثنا أحمد بن مهدي حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا عبد السلام بن عبد الرحمن حدثني إسماعيل بن عيسى بن علي الهاشمي قال حدثني أبو إسحاق الفزاري قال: كنت آتي أبا حنيفة أسأله عن الشيء من أمر الغزو فسألته فأجاب فيها، فقلت له: إنه يُرْوَى فيها عن النبي ﷺ كذا وكذا؟ قال: دعنا من هذا. قال وسألته يومًا آخر عن مسألة قال: فأجاب فيها، فقلت له: إن هذا يروى عن النبي ﷺ فيه كذا وكذا، فقال: حك هذا بذنب خنزير (٣). وهذه طامة تنضم إلى الطامات السابقة، فإلى

стр. 2824

جانب ضعف الراوي -عبد السلام ابن عبد الرحمن الذي تقدم- فإن شيخه إسماعيل بن عيسى بن علي الهاشمي مجهول الحال. وقد حاول الشيخ الألباني أن ينفي عنه الجهالة فلم يأت له بتوثيق أو تعديل وإنما طعن علي الكوثري عدم معرفته، على حين هو لم يأت له بتعريف (١). ثم إن المتن نفسه مرفوض سواء صح السند أو لا، فهل يعقل أن يصدر مثل هذا الكلام عن إمام شهد الأئمة بحسن أدبه مع الناس ثم هو يتردى في مثل هذه المهاوي؟ ثم لماذا لم يذكر الفزاري تلك الأحاديث التي خالفها أبو حنيفة ولم يمتثل الانصياع إليها، ألا يحتمل أن تكون أحاديث باطلة؟ ألا يحتمل أن تكون المسألة كلها مختلقة وليدة ساعتها فلم يستطع المسؤول عن هذه الرواية أن يرتب المسألة ويرتب الحديث، ولكنه بدهاء ومكر لم يحدد المسألة ولم يحدد الحديث حتى يصرف الأنظار عن مناقشته إلى التفكير في مخالفة أبي حنيفة للحديث، وما يزعمه من قلة أدبه مع الحديث. وهذا كلام حتى لو صح سنده إلى الفزاري فلا يجوز أخذه ولا الاعتبار به, لأن كبار الأئمة أثنوا على أبي حنيفة فلا يعقل صدور مثل هذا منه ولا شك أن المتن واضح البطلان، وفيه إفراط في الحقد والتعصب، واجتراء على إلصاق الضلال بالمخالفين، وهذا ليس من عمل العلماء على الإطلاق. قال الخطيب: حدثنا محمَّد بن علي بن مخلد الوراق -لفظا- قال في كتابي عن أبي بكر محمَّد بن عبد الله بن صالح الأسدي الفقيه المالكي قال سمعت أبا بكر بن أبي داود السجستاني يوما وهو يقول لأصحابه: "ما نقول في مسألة اتفق عليها مالك وأصحابه والشافعي وأصحابه، والأوزاعي وأصحابه، والحسن بن صالح وأصحابه وسفيان الثوري وأصحابه وأحمد بن حنبل وأصحابه فقالوا له: يا أبا بكر لا تكون مسألة أصح من هذه فقال: هؤلاء كلهم اتفقوا على تضليل أبي حنيفة" (٢). وهذه الرواية أيضًا باطلة سندًا ومتنا. وأما من ناحية الإسناد فصاحبها والمسؤول عنها ابن أبي داود وهو عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني وأبوه أبو داود صاحب السنن المشهور، قال عنه أبوه: ابني عبد الله هذا كذاب، وقال ابن صاعد: كفانا ما قال أبوه فيه. وقال إبراهيم الأصبهاني: أبو بكر بن أبي داود كذاب (٣). وقد حاول الكثيرون أن ينفوا الكذب عن ابن أبي داود فمنهم من قال إن أباه كذبه في أول طلبه ولكنه كبر وساد وأصبح إماما، ومنهم من

стр. 2825

قال: تفرد أبوه بتكذيبه فلا يقبل، وأكثرهم اعتمد على رد ابن عدي حيث أشار إلى اعتداله ولكنه قال أخيرًا: لا أدري أي شيء تبين له منه. وبعد هذا يأتي الشيخ الألباني (١)، يحاول بشتى أنواع المحاولات وشتى أنواع الطرق لكي ينفى عنه الكذب لكنه لم يستطع أن ينفيه عنه أول شبابه وعليه فنقول: حسنًا نحن نريد هذا فهو إمام بعد ما كبر وكذاب في شبابه وعليه نحن نقول: إن هذه الكلمة صدرت منه في شبابه لأننا لا نتصور إمامًا حافظًا لسنة رسول الله يفترى مثل هذا الافتراء الواضح. فكل هؤلاء الأئمة الذين ذكرهم ابن أبي داود أثنوا على الإمام أبي حنيفة كما تقدم مثل الإمام مالك والثوري. ثم إني أستغرب أشد الغرابة من مسلك الشيخ الألباني في التنكيل يصارع بكل ما أوتي من قوة لإثبات كلام ابن أبي داود وتوثيقه ولم يحاول محاولة واحدة لرد هذا الافتراء وهو واضح جدًّا يريد (٢) أن يسقط إمامًا دانت له الدنيا وعمل بمذهبه المسلمون ألف عام أو يزيد، ولا يريد أن تشك ابن أبي داود شوكة من أجل فرية قالها في شبابه. وماذا يحصل لو رددنا كلام ابن أبي داود وجعلناه من قبيل التعصب أو من قبيل السقطات المعدودات التي لا تنال من الرجل، ونكون ساعتها حفظنا مقام الإِمام أبي حنيفة، ووقفنا عند حد معقول أمام ابن أبي داود خاصة وأن أقرب الناس إليه وأعرف الناس به لم يكن يرضى عنه، فهل هذا هو الإنصاف؟ وهل هذه هي طريقة العلماء المحققين؟ لا شك أنه جانب الصواب، وبعد عن الحق بعدًا كبيرًا. وخلاصة القول: إننا نرفض مثل هذا الافتراء على أبي حنيفة، وأكثر ما نستطيع أن نوجهه إلى ابن أبي داود أن نقول له: سامحك الله، ولا نريد أن ننزلق إلى أي كلمات من كلمات التكذيب، بل نقول إن هذه الكلمات لم تغض من مقام أبي حنيفة. ولم ترفع من مقام ابن أبي داود، وإنما هي سقطة من السقطات المعدودة التي تؤخذ على أي عالم، وسبحان الذي تنزه عن العيب والنقصان. قال الخطيب: "أخبرنا ابن دوما أخبرنا ابن سليم حدثنا الأبار حدثنا الحسن بن علي الحلوانى حدثنا أبو صالح -يعني الفراء- حدثنا أبو إسحاق الفزاري قال: حدثت أبا حنيفة حديثًا في رد السيف، فقال: هذا حديث خرافة" (٣). ثم أورد الخطيب عدة روايات أشنع من هذه ومدارها كلها إن أبا حنيفة يرد الحديث أو يستهزئ به، كل هذا باطل لا أساس له. وفي هذه الرواية ابن دوما -الحسن بن الحسين بن دوما النعالي- قال الذهبي: بغدادي ضعيف ألحق نفسه في طباق أي كان يدعي سماع من لم يسمع منهم ثم قال وهذا تزوير (٤). ويتمادى الخطيب حتى يروي لنا بإسناده أن أبا حنيفة رد أربعمائة حديث وأورد منها "للفرس سهمان وللراجل" وحديث "البيعان بالخيار ما لم

стр. 2826

يتفرقا" و"أن النبي ﷺ أقرع بين نسائه" والباحث في فقه أبي حنيفة يجد أن هذه الأحاديث مأخوذ بها في مذهبه ولا يحاسب الإنسان إلا على ما دون واعتقد دون ما يشك في نسبته إليه. وهذه الروايات جميعها لا تسلم من مطعن وإذا سلم الطريق فإن صاحب الرواية إما حاسد أو جاهل كما قال الأئمة كما تقدم، فالحاسد قد يعذر، والجاهل لا يلتفت إلى كلامه. قال الخطيب: "أخبرنا أبو نعيم الحافظ حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن الصواف حدثنا بشر بن موسى حدثنا الحميدي حدثنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلًا حتى ظهر فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم فقالوا فيهم بالرأي، فضلوا وأضلوا. قال سفيان: ولم يزل أمر الناس معتدلًا حتى غير ذلك أبو حنيفة -بالكوفة، وعثمان البتي بالبصرة، وربيعة الرأي بالمدينة فنظرنا فوجدناهم من أبناء سبايا الأمم" (١). وهذه الرواية -مع ما تقدم من رأى ابن عيينة في أبي حنيفة- تنطق بالانتحال والوضع على لسان سفيان بن عيينة، فسفيان بن عيينة ﵀ أول مقر بفضل أبي حنيفة ورأيه وعلمه وأخبر الناس به عن قرب، كما أن ابن عيينة أجل قدرًا من أن يفوه بمثل هذا الكلام الذي لا يجري إلا على لسان جاهل أو من فقد خوف الله من قلبه. وسيأتي رد هذه الافتراءات كلها في الفصل التالي. قال الخطيب: أخبرنا الفضل حدثنا علي بن إبراهيم بن شعيب الفازي حدثنا محمّد بن إسماعيل البخاري حدثنا صاحب لنا عن حمدويه قال: قلت لمحمد بن مسلمة: ما لرأي النعمان دخل البلدان كلها إلا المدينة؟ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "لا يدخلها الدجال ولا الطاعون" "هو دجال من الدجاجلة" (٢) وكذلك يروى روايات كثيرة بهذا المعنى. وهذه الرواية وإن كان فيها البخاري ﵀ إلا أن شيخه مجهول لم يسم، ومع ذلك لو سمى فلن يزيد في الأمر شيئًا فالحكاية من أصلها موضوعة منتحلة يتطاير منها شرر الحسد والبغضاء والتعصب، والرواية نفسها ترد على من افتراها إذ أن فقه أبي حنيفة دخل المدينة والحجاز في عهد أبي حنيفة وفيما بعده بل قد ظل يحكم بمذهب أبي حنيفة من أواخر أيام هارون الرشيد إلى أن سقطت الدولة العثمانية فأي ورطة أوقع الرواة أنفسهم فيها -وإن كان هناك رواة- فإما أن لا يصدقه الحديث وإما أن يكذبوهم، وحاشا الحديث الصحيح أن يتخلف قيد أنملة عما حدث به النبي ﷺ ، ولم يبق إلا كذب الرواة واختلاقهم هذا الكلام عن محمّد بن مسلمة أو عن غيره من الأئمة. بل إن كثيرًا من أهل المدينة الآن يتمذهبون بمذهب أبي حنيفة ويعملون بموجبه، وخاصة الجالية التي نزحت في مطلع القرن الحالي عندما

стр. 2827

ذبح الملايين من المسلمين في الجمهوريات الإِسلامية في روسيا، وكل من كان يذهب إلى المدينة المنورة قبل خمسين سنة كان يرى بعينه أربعة مشايخ تدرس المذاهب الأربعة أولهم شيخ الحنفية، وما زالت بقاياه حتى الآن وإن لم يكن بتكليف رسمي. فهل يصح الحسد إلى هذه الدرجة من إنكار الأشياء أو المغالطات المتعمدة؟ . قال الخطيب: "أخبرنا ابن الفضل أخبرنا عبيد الله بن جعفر بن درستويه حدثنا يعقوب بن سفيان حدثني الحسن بن الصباح حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني قال: قال مالك: ما ولد في الإِسلام مولود أضر على أهل الإِسلام من أبي حنيفة. قال: وكان يصيب الرأي ويقول: قبض رسول الله ﷺ وقد تم هذا الأمر واستكمل فإنما ينبغي أن نتبع آثار رسول الله ﷺ وأصحابه ولا نتبع الرأي، وإنه متى اتبع الرأي جاء رجل آخر أقوى منك فاتبعته، فأنت كلما جاء رجل غلبك اتبعته، أرى هذا الأمر لا يتم". وهذه الرواية باطلة من ناحية السند لأن فيها ضعيفًا وهو إسحاق بن إبراهيم الحنيني، قال عنه ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: رأيت أحمد بن صالح لا يرضى الحنيني، وقال البخاري: في حديثه نظر، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أبو الفتح الأزدي: أخطأ في الحديث، وضعفه العقيلي، وابن حبان، وابن الجوزي والذهبي وكثيرون (١). وأما من ناحية المتن فهو ضعيف من وجهين لا وجه واحد: الوجه الأول: أن هذا كلام نابع من قرين أو مقارب لأبي حنيفة، وجرح الأقران لا يعتمده العلماء. الوجه الثاني: أنه معارض بما روى عن مالك من أوجه كثيرة وطرق متعددة أنه كان يثنى على أبي حنيفة ورأيه؟ وقد تقدم كثير من هذا. فهذا افتراء على مالك وافتراء على أبي حنيفة رحمهما الله، ولله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله. وسيأتي المزيد من البيان لهذه الافتراءات في مبحث خاص إن شاء الله. قال الخطيب: "أخبرنا ابن رزق أخبرنا عثمان بن أحمد بن حنبل حدثنا الحميدي حدثنا وكيع حدثنا أبو حنيفة أنه سمع عطاء - إن كان سمعه - (٢). ومعنى هذا أنه يشكك في سماع أبي حنيفة من عطاء، وبناء عليه فأحاديثه عنه منقطعة. وهذه الرواية لا داعي أن ننظر في إسنادها -وإن كان الخطيب وشيخه ضعيفين- إلا أننا سوف نفترض

стр. 2828

أن وكيعًا ﵀ قال ذلك أو شكك في سماع أبي حنيفة من عطاء، لكن تقدم معنا أن وكيعًا روى عن أبي حنيفة وأثنى عليه، وأن المصادر جميعًا اتفقت على سماع أبي جنيفة من عطاء بن أبي رباح، ومعظم المصادر تقول (١): إن عطاء توفي سنة أربع عشرة ومائة ومنها من يقول أكثر، والمعروف أن أبا حنيفة أقام بمكة كثيرًا وحج كثيرًا وعطاء مكي وكان مفتي مكة ومفتي الحجيج الرسمي، فأي حاج في تلك السنوات يستطيع أن يسمع عطاء دون مشقة، فأي مانع من سماعه؟ وما الدليل على عدمه؟ . قال الخطيب: "أخبرنا البرقاني أخبرنا أبو بكر الحبابي الخوارزمي -بها- قال سمعت أبا محمّد عبد الله بن أبي القاضي يقول سمعت محمّد بن حماد يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله ما تقول في النظر في كلام أبي حنيفة وأصحابه! ! ! انظر فيها وأعمل عليها؟ قال: لا. لا. لا.-ثلاث مرات- قلت: فما تقول في النظر في حديثك وحديث أصحابك انظر فيها وأعمل عليها؟ قال: نعم. نعم. نعم. -ثلاث مرات- ثم قلت: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به فعلمني دعاء وقاله لي ثلاث مرات فلما استيقظت نسيته" (٢). وهذه رواية يصل بها الخطيب إلى ذروة أدلته في تجريح أبي حنيفة ورفض مذهبه فقد استدل بنص قاطع على النهي عن تقليد مذهب أبي حنيفة والعمل بمذهبه، وهذا كلام مرفوض مردود لعدة وجوه: أولًا: من ناحية إسناده فيه مجاهيل البرقاني شيخ الخطيب وعبد الله ابن أبي القاضي، وأما محمد بن حماد فإن كان الحافظ فالسند إليه غير صحيح وإن كان غيره فضعيف لأن هناك عشرة لهم هذا الاسم كلهم ضعاف ما عدا الرازي ومهما يكن من أمر فالسند غير صحيح. ثانيًا: من ناحية المتن فهذا كلام متناقض لا يقوله رجل يخاف الله ولا يتفوه به عاقل، إذ كيف يحفظ المتحدث لا من النبي ﷺ كم مرة، وينسى دعاء علمه إياه الرسول الله ﷺ ثلاث مرات! ! ! أليس هذا دليلًا على التناقض والغفلة؟ ؟ ومثل هذا لا يؤبه بكلامه. ثم كيف ينهاه النبي ﷺ عن العمل بمذهب أبي حنيفة وقد انتشر في الآفاق وأصبح مذهب الدولة الرسمي حيث إن أبا يوسف من أصحاب أبي حنيفة الذين شملتهم الرؤيا وشملهم المنع، وأبو يوسف آنذاك قاضي القضاة يحكم ويفتي بمذهب أبي حنيفة وآرائه. وقد ظل قاضي القضاة زمنًا، وقضاته معظمهم من أصحاب أبي حنيفة وأتباعه. وجمهور الأمة يعمل بمذهبهم ويحتكم إليه، ثم كيف يكون هذا والنبي ﷺ يقول: لا تجتمع أمتي على ضلالة وجمهور الأمة يعمل برأي أبي حنيفة الذي يزعم الرائي -والله أعلم من يكون- أن النبي ﷺ نهاه نهيًا أكيدًا عن اتباعه والعمل به؟ ؟ . أليست رائحة التعصب الصادرة من هذه الرواية تزكم الأنوف وتثير الدهشة والحيرة، ألم

стр. 2829

ير الراوي غير رسول الله ﷺ ليلصق به هذه الفرية؟ ألم يجد شيئًا آخر ينفس به عن الحسد الذي يغلي بداخله وثورة التعصب التي تتأجج؟ ألا فليتق الله كل مسلم، وعلى الأخص كل عالم، فليس كل ما يسمع يقال وليس كل ما يقال يكتب ويسطر، فمثل هذا يعتبر سبة على جبين صاحبه لا يمحوها الدهر. قال الخطيب: "أخبرنا محمد بن عبد الله الحنائي أخبرنا محمّد بن عبد الله الشافعي حدثنا محمّد بن إسماعيل السلمي حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثنا عبد الله بن المبارك قال: من نظر في كتاب الحيل لأبي حنيفة أحل ما حرم الله وحرم ما أحل الله" (١). "وبإسناد آخر عن النضر بن شميل يقول: في كتاب الحيل كذا وكذا مسألة كلها كفر" (٢). وبإسناد آخر عن ابن المبارك -وما أكثر الزعم عن ابن المبارك- قال: من كان عنده حيل أبي حنيفة يستعمله أو يفتي به فقد بطل حجه وبانت منه امرأته، فقال مولى ابن المبارك: يا أبا عبد الرحمن ما أدري وضع كتاب الحيل إلا شيطان، فقال ابن المبارك: الذي وضع كتاب الحيل أشر من الشيطان (٣). ثم يذكر الخطيب بعد ذلك روايات كثيرة تدور حول نسبة هذا الكتاب -كتاب الحيل- لأبي حنيفة، ثم الحديث عما في كتاب الحيل من الكفر والأباطيل، ونحن إذا أردنا أن نتحدث عن كتاب هذه صفته نجد أنفسنا في كنى عن مناقشته أو الحديث عنه, لأن الموضوع كله ينصب في نسبة هذا الكتاب له، وبغض النظر عن رجال هذه الآثار والطرق الموصلة إليهم. وبادئ ذي بدء نقول: إن الكتاب كتاب وهمي اخترعه واخترع ما فيه أحد هؤلاء الرواة ثم ألصقه بأبي حنيفة ليرضي تعصبه دونما نظر لرض الله ودونما مراعاة لحق مسلم اللهم إلا إذا استحلوا أن يكفروا مؤمنًا فعند ذلك لا حاجة للمناقشة ولا سبيل إلى الحديث عنهم أو معهم لأنه سيكون في أي حال من الأحوال تنابز بالكفر وتشاتم وتسابب نهى عنه الإِسلام ولا يجوز أن نتكلم به ونحن نعيب التعصب ونطلب من الناس الإنصاف. والذي يجعلنا نرفض إلصاق هذا الكتاب بالإمام أبي حنيفة ﵀ أنه لم يذكر أحد من أصحاب التراجم -وهم عشرات- هذا الكتاب من مصنفات أبي حنيفة وأصحاب التراجم هؤلاء منهم الشافعي والحنبلي والمالكي ومع هذا فلم يذكروا كتابًا مثل هذا له، ولم يذكره سوى الخطيب، وكل من ذكره بعده فإنما هو ناقل عن الخطيب. والذي ذكروه من كتب الحيل الشرعية فإنما نسب إلى أبي بكر -أحمد ابن عمر- الحصاف الحنفي المتوفى سنة (٢٦١ هـ) وأبي بكر الصيرفي محمّد بن محمّد الشافعي البغدادي. والمتوفي سنة (٣٣٠ هـ) وأبي حاتم القزويني وأبي عبد الله

стр. 2830

اليزيدي النحوي -محمَّد بن عباس- المتوفى سنة (٣١٣ هـ) ولابن دريد اللغوي -محمَّد بن الحسن- المتوفى سنة (٣٢١ هـ). ولم يقل أحد إن أبا حنيفة ألف في الحيل، أو له كتاب في الحيل، فمن أين جاؤوا بهذا الكتاب وكيف ساغ لهم إلصاقه به، اللهم إلا إرادة التشهير وإثارة الفتن، وكأنهم كما قال الشاعر: رموني بالعيوب ملفقات ... وقد علموا بأني لا أعاب وأني لا تدنسني المخازي .. وأني لا يروعني السباب ولما لم يلاقوا فيَّ عيبا ... كسوني من عيوبهم وعابوا (١) وقد تصدى له للرد على هذه الروايات الإمام ابن تيمية ﵀ -كما نعرفه بأنه أكثر الناس دفاعًا عن مذاهب السلف وأصولهم وقواعدهم- فقال: "ولا يجوز أن ينسب الأمر بهذه الحيل التي هي محرمة بالاتفاق أو هي كفر إلى أحد الأئمة، ومن ينسب ذلك إلى أحد منهم فهو جاهل بأصول الفقهاء" (٢). وقال أيضًا: "وإنما عرضنا هنا أن هذه الحيلة التي هي محرمة في نفسها لا يجوز أن ينسب إلى إمام أنه أمر بها فإن ذلك قدح في إمامته وذلك قدح في الأمة حيث ائتموا بمن لا يصلح للإمامة، وفي ذلك نسبة بعض الأئمة إلى تكفير أو تفسيق، وهو غير جائز" (٣). والإمام ابن تيمية يريد أن يقول لمثل هؤلاء: إن الحق أحق أن يتبع فلا يجوز الطعن في إمام من الأئمة المتبوعين، فمن فعل ذلك فهو جاهل بأصول الفقهاء، لا غير. وهو فوق ذلك يرتكب محرمًا من المحرمات لا يسوغها أي ظرف ولا يجيزها أي عالم. فمن الذي يستحل المحرمات إذن؟ هل الذي اتهم ولم تثبت تهمته ولم يقل إلا ما أداه إليه اجتهاده فيما لا نص فيه؟ أم الذي يتهجم على العلماء دون دليل، ولا يتهجم فحسب! ! بل يكفر من يقول: لا إله إلا الله ومن دانت له الدنيا وأقرت له بالعلم وشهدت له بالإيمان والإمامة؟ فمن يا ترى يحل ما حرم الله ويحرم ما أحل ولماذا لم يقيموا لنا دليلًا واحدًا على نسبة هذا الكتاب إلى الإمام الأعظم؟ ؟ ولو كان لديهم دليل ما تأخروا لحظة ولا توانوا برهة, لأنهم حاولوا جاهدين البحث عن خطأ أو زلل فلما أعياهم ذلك لفقوا التهم واختلقوا الحكايات. وإذا كانوا يرون أن أبا حنيفة خرج عن مسيرة المحدثين، فهل يجوز لمحدث أن يختلق أن يتهم دون دليل؟ وهل يجيز الحديث للمحدثين تكفير الناس؟ نقول بملء الفم: لا، فهذا ليس من شيم المحدثين، وإنما المحدثون الحقيقيون الذين قالوا عندما سئلوا عن الإِمام أبي حنيفة: لا نكذب الله ما رأينا شيئًا. فهذا هو الإنصاف أنه لا يريد أن يمدح ولا يثني ولكنه لم يجد ذمًا فخاف الله أن

стр. 2831

يتقول على إنسان بما ليس فيه وذلك هو البهتان العظيم. وإلى هنا نكتفي بالقدر الذي نقلناه عن الخطيب في تجريح الإِمام أبي حنيفة والذي سوف نرد عليه بعد تصنيف ذلك الكلام. والرد على هذه الشبهة شبهة ولم يبق إلا أن نورد ألفاظ التجريح المصطلحية التي ذكرها بعض العلماء المشهورين بالجرح والتعديل. وسوف أوردها أولًا مع ذكر مصادرها، ثم أعود فأصنفها ثم نرد عليها واحدة واحدة من أقوال العلماء والأئمة الآخرين، والاستشهاد بالأدلة والقرائن التي تنفي صحة ما نقله هؤلاء الأئمة. أولًا: قول البخاري: قال البخاري في التاريخ الكبير: كان مرجئًا. سكتوا عنه. وقال في التاريخ الصغير (١): سمعت إسماعيل بن عرعرة يقول: قال أبو حنيفة: جاءت امرأة جهم إلينا ها هنا فأدبت نساءنا. وقال: "سمعت الحميدي يقول: قال أبو حنيفة: قدمت مكة فأخذت من الحجام ثلاث سنن: لما قعدت بين يديه قال لي استقبل القبلة، وبدأ بشق رأسي الأيمن، وبلغ إلى العظمين" قال الحميدي: فرجل ليس عنده سنن عن رسول الله ﷺ ولا أصحابه في المناسك وغيرها كيف يقلد أحكام الله في المواريث والفرائض والزكاة والصلاة وأمور الإسلام (٢). أما قوله في التاريخ الكبير: سكتوا عنه فهذه تحسب لأبي حنيفة من حيث اصطلاح البخاري، لأنه إذا قال عن فلان مسكوت عنه فإنه يعني عنده أنه مقبول. كما قال الدارقطني (٣)، وإن كنا في الواقع نأبى على البخاري أن يصدر منه هذا الحكم إلا أننا لا نستطيع مناقشته لأنه نقله عن شيخه الحميدي، والحميدي إنما ضعفه لأجل ما بلغه من أنه كان مرجئًا، وهذه قضية سوف نفرد لها مبحثًا خاصًّا مع الشبه التي أثيرت حول الإِمام. والمسؤول عنها الحميدي لأنه رواها بلا إسناد وعلق عليها بكلامه يطعن بعلم أبي حنيفة وفقهه، وهو ليس من أقران أبي حنيفة (٤) -أقصد الحميدي عبد الله بن الزبير- ولم يذكر لنا عمن روى هذه الحكاية وأنه أخذ سنن المناسك من حجام، ولنفرض أنه صح منه هذا الكلام فلعلها كانت أول حجة حجها وقد كان سنه فيها صغيرًا لم يطلب العلم بعد، وهل يعقل أن يقول هذا بعد أن صار إمامًا يعلم الأمة مناسكها وحلالها وحرامها ثم هو يجهل كيف يحلق شعره على السنة؟ كنا نود ألا ينزلق الإِمام الحميدي إلى مثل هذا -والكلام لاصق به لا محالة- وما كنا نود أن تخرج هذه الكلمات من أئمة الحديث, لأنهم أوقعونا في حرج بالغ، ومع هذا فإن اتهام الحميدي لأبي

стр. 2832

حنيفة بالإرجاء أمر مرفوض. وله مبحث خاص إن شاء الله. ثانيًا: قول ابن أبي حاتم: قال ابن أبي حاتم: أخبرنا صالح بن أحمد بن حنبل أخبرنا علي بن المدني قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: مر بي أبو حنيفة وأنا في سوق الكوفة فلم أسأله عن شيء، وكان جاري بالكوفة فما قربته ولا سألته عن شيء (١). وهذه الرواية -وإن كانت ذكرت على سبيل الطعن- إلا أنها لا تجوز أن تعتبر جرحًا في الإِمام وأن يحيى بن سعيد تركه, لأن عدم سؤاله في العلم ليس معنى ذلك تركه في الحديث، فابن القطان كان إمامًا وعنده علم بأمور دينه فلم يسأل عنها غيره؟ وقد سأل قبل ذلك ورحل وتجول في الآفاق، وأما عدم قربه له فلعله لما بين المحدثين والفقهاء أصحاب الرأي من التجافي بعض الشيء كما هو معروف، ولو صح السند إلى يحيى بن سعيد وصح قصد جرحه فإننا لا نقبله أيضًا لأن جرح الأقران غير مأخوذ به خاصة إذا كان مبنيًّا على التعصب كما سيأتي. وقال ابن أبي حاتم: إن ابن المبارك ترك الرواية عن أبي حنيفة بآخره سمعت أبي يقول ذلك (٢). ولكنه لم يذكر عمن نقل هذا الكلام والمعروف أن أبا حاتم لم يلق ابن المبارك ولا عاصره, لأن أبا حاتم -محمد بن إدريس بن المنذر الرازي- ولد سنة (١٩٥ هـ)، وتوفي سنة (٢٧٧ هـ) (٣) بينما عبد الله بن المبارك توفي سنة (١٨١ هـ)، ونحن لا نقبل كلام أبي حاتم أيضًا لأنه قد اتفق المحدثون على أن ابن المبارك روى عن أبي حنيفة وكان من أخص تلاميذه فهذا ما جاء أحد يقول بخلاف ذلك فإننا نطالبه بالدليل، ولم يذكر لنا أبو حاتم ما دليله على ذلك؟ أليس هذا هو الحق؟ ألا ترى أننا لو ذكرنا شيئًا لأبي حاتم بسند منقطع لسارع إلى رفضه وعدم قبوله، إذن فنحن لا نقبله إلا بدليل، ولم يأت به. وقال ابن أبي حاتم أيضًا: أخبرنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني -فيما كتب إلى- عن أبي عبد الرحمن المقريء قال: كان أبو حنيفة يحدثنا فإذا فرغ من الحديث قال: هذا الذي سمعتم كله ريح وباطل (٤). وهذا كلام مردود سندًا ومتنًا، أما من ناحية السند فإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني دمشقي توفي سنة (٢٥٩ هـ) (٥) وأبو عبد الرحمن المقرى كوفي توفي سنة (١٨٥ هـ) (٦)، فالانقطاع ظاهر بينهما فلا يصح السند، علاوة على أن ابن أبي حاتم يروي ذلك عنه مكاتبة وقد تكلم العلماء في الوجادة

стр. 2833

والمكاتبة حتى إن منهم من ردها، بالإضافة إلى ضعف الجوزجاني فقد ضعفه ابن حبان وتابعه الذهبي (١)، ولكن يكفينا الانقطاع الذي عليه وبه نرد الخبر من أساسه. وأما من ناحية المتن فغير معقول أن يجلس إمام في مسجد ثم يحدث الناس ثم بعد انتهاء كلامه يقول: إن كل ما حدثتكم به ريح وباطل، من هذا الذي يقول ذلك، هل من المعقول أن يقولها رجل شهد له بالذكاء والعقل وبديهة الحجة فطاحل العلماء، ثم إذا حدث الناس قال لهم لا تصدقوا كل ما قلته لكم فكلامي ريح وباطل! ! ماذا حصل؟ هل وصلت الخصومة إلى هذه الدرجة اتهام بالجنون تارة واتهام بالكفر والضلال تارة أخرى؟ . وروى عن إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني أيضًا -كتابه أيضًا- حدثني إسحاق بن راهويه قال: سمعت جريرًا يقول: قال جرير بن محمّد اليمامي: سرق أبو حنيفة كتب حماد مني (٢). وهذا الكلام مردود سندًا ومتنًا، أما من ناحية الإسناد فإن الراوي العمدة هنا ضعيف لا يحتج به -أقصد محمّد بن جابر اليمامي- فقد ضعفه ابن أبي حاتم نفسه وقال عنه: ضعيف كثير الوهم (٣). وضعفه النسائي والعقيلي وابن حبان وابن عدي والذهبي وابن الجوزي وأكثر العلماء (٤). وأما من ناحية المتن فغير مقبول أيضًا من اليمامي هذا الكلام، فماذا يفعل أبو حنيفة بسرقة كتب حماد منه؟ هل سيجد فيها ما لم يسمعه من شيخه حماد الذي لازمه أكثر من عشرين سنة؟ أم سيزداد رفعة عند الناس بادعائه سماعات حماد كلها؟ وهل كانت الصلة الوطيدة بين أبي حنيفة وحماد تمنع أن يعطيه كتبه كلها أو يقرأها عليه، وهل كان أبو حنيفة الغني جدًّا يعدم وسيلة في الحصول على كتب حماد الذي كان أبو حنيفة نفسه يعينه على قضاء حوائجه الدنيوية كما تقدم. وهذا وهم ولا شك صادر من رجل كثير الأوهام كهذا الشيخ الذي يدعي لأن إمامًا كبيرًا أقر له الأكابر بالتقوى والورع، رحم الله اليمامي ما كان أعناه من مثل هذا الادعاء الذي ينال منه قبل أن ينال من أبي حنيفة ولكنه الحسد الذي يعمى ويصم. ثالثًا: قول النسائي: قال النسائي في الضعفاء: "أبو حنيفة النعمان بن ثابت ليس بالقوي في الحديث" (٥). وهذا الكلام نقله عنه الذهبي في ميزان الاعتدال (٦)، وكذلك نقله عنه ابن الجوزي إلا أنه زاد وأربى وغير وبدل في كلام الأئمة المنقول في كتبهم (٧). وكلام النسائي هذا لا يعتبر جرحًا:

стр. 2834

أولًا: لأن كلمة "ليس بالقوي" ليس معناها ضعيف، وإنما هي إشارة إلى وجود أشياء عنده، وإذا قبلنا قول النسائي هذا ليس معناه أنه ضعيف ولكننا في الحقيقة لا نقبله لأنه لم يفسر هذا الجرح -إن اعتبرناه جرحًا- وقد تقدم توثيق العلماء له وثناؤهم على حفظه. ثانيًا: لأن الجرح إذا لم يكن مفسرًا لا يقبل حتى من إمام معاصر إذا عرف وجود تنافس بين الأقران، ومعلوم أن التنافس بين المحدثين وأهل الرأي كان على أشده. ثالثًا: إذا تعارض الجرح الذي لم يفسر مع التعديل المفسر وكان المعدل عارفًا بما قيل فيه فلا شك أننا تقدم التعديل على التجريح دون تردد. وهذا أمر يسري على كل التجريح الذي ذكرناه والذي سنذكره. رابعًا: قول ابن حبان: قال ابن حبان: "حدثنا زكريا بن يحيى الساجي بالبصرة قال: حدثنا بندار ومحمد بن علي المقدمي قال: حدثنا معاذ بن معاذ العنبري قال: سمعت سفيان الثوري يقول: استتيب أبو حنيفة من الكفر مرتين (١). وهذا نص إذا نظر الخبير فيه قال: ليس بعد هذا كلام فهو منقول عن إمام جليل بسند كلهم ثقات. ولكن الأمر ليس على وجهه فهو غير مقبول من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: في الخبر إبهام وإيهام أما الإبهام فإن ابن حبان أو الثوري لم يذكرا من الذي استتاب أبا حنيفة من الكفر وهذه مسؤولية ابن حبان لأنه تبنى تضعيف أبي حنيفة وأصر على ذكر روايات تصل به إلى حد الكفر، ولكنه كان أذكى من الخطيب وأكثر دربة منه على إلقاء الأسانيد والإيقاع بالخصوم وأما الثوري فالمسؤولية تقع عليه إن صح السند إليه، وإن كنت أميل إلى ما مال ابن عبد البر الذي سأنقل كلامه قريبًا. وأما الإيهام فإن ابن حبان ذكر إسنادًا رجاله ثقات، ثم ذكر الأمر مبهما دون تعقيب أو توضيح ليوهم القارئ أن أبا حنيفة كفر واستتيب من الكفر مرتين. ثالثًا: الوهم وقع من ابن حبان في القضية المثارة حيث عمى عليه التصحيف أو تعامى عنه أو لم يشأ أن يرده إلى أصله لحاجة في نفس يعقوب وهي ليست خافية على المطلع على ما بين المحدثين وأصحاب الرأي. ونحن لا يجوز لنا أن نرد على مثل هؤلاء الثقات وإنما يرد عليهم من هو مثلهم أو فوقهم، ولذا يروى لنا ابن عبد البر في الانتقاء قال: قيل لعبد الله بن داود الخريبي يومًا: يا أبا عبد الرحمن إن معاذًا يروي عن سفيان الثوري أنه قال: استتيب أبو حنيفة من الكفر مرتين؟ ؟ فقال عبد الله بن داود: هذا والله كذب، قد كان والله بالكوفة علي والحسن ابنا صالح بن حي -وهما من الورع بالمكان الذي لم يكن مثله- وأبو حنبفة يفتي بحضرتهما, ولو كان من هذا شيء ما رضيا به،

стр. 2835

وقد كنت بالكوفة دهرًا فما سمعت بهذا (١). أقول فجزى الله الخريبي عنا وعن أبي حنيفة خيرًا فقد كفانا مؤونة الرد على مثل هؤلاء (٢). وأما قضية الاستتابة هذه وحقيقتها فإن الكرماني يوضحها تمامًا ويزيل كل غموض فيها فيقول: عن الإمام أبي بكر عتيق بن داود اليماني أن الخوارج لما ظهروا على الكوفة أخذوا أبا حنيفة فقيل لهم: هذا شيخهم -والخوارج يعتقدون كفر من خالفهم- فقالوا: تب يا شيخ من الكفر، فقال: أنا تائب إلى الله من كل كفر، فخلَّوا عنه، فلما ولى قيل لهم: إنه تاب من الكفر وإنما يعني ما أنتم عليه، فردوه، فقال رأسهم: يا شيخ إنما تبت من الكفر وتعني به ما نحن عليه فقال أبو حنيفة: أبظن تقول هذا أم بعلم؟ فقال: بل بظن، فقال أبو حنيفة: إن الله يقول: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (٣) وهذه خطيئة منك، وكل خطيئة عندك كفر فتب أولًا أنت من الكفر، فقال: صدقت أنا تائب من السفر، فتب أنت أيضًا من الكفر، فقال أبو حنيفة ﵀: أنا تائب إلى الله من الكفر. هكذا كان يجب على من يدعي الأمانة والاستيثاق ألا ينقل إلا ما يتأكد منه، ولا يلقى الكلام على عواهنه فكل مسجل علينا. وليس هذا انتقاصًا للعلماء الذين رووا هذا وإنما هذا تنبيه لكل من يريد نبش ما دفنه أسلافنا من تطاحن في الآراء وشدة تعصب للمذاهب فما صدقنا أن مثل هذا يدفن وينسى، ولكننا ما لبثنا أن رأينا كثيرًا من الناس من يصدق هذا الكلام وما أن يلتقط واحدة من هذه الهفوات حتى يرفعها على الملأ، ويذيعها بين الجاهلين وهو جاهل فيصدق كلامه ويسري ذلك بين الجهلة كما تسري النار في الهشيم، يظنون بفعلهم هذا خيرًا ولكنهم كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ وصدق الله العظيم، ومن لم يكن له وزن في الآخرة فلا وزن له في الدنيا. قال ابن حبان: "أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى بالموصل قال حدثنا أبو مشيط محمّد بن هارون قال حدثنا محبوب بن موسى عن يوسف بن أسباط قال: قال أبو حنيفة: لو أدركني رسول الله ﷺ لأخذ بكثير من قولي، وهل الدين إلا الرأي الحسن" (٤). وهذا كلام مرفوض سندًا ومتنًا وموضوعًا. أما من ناحية السند فيوسف بن أسباط كان يغلط في الحديث كثيرًا كما قال الخطيب، وقال البخاري: لا يجيء بحديثه كما ينبغي، كما ضعفه العقيلي وابن عدي والذهبي وابن الجوزي (٥).

стр. 2836

وإن كان قد وثقه ابن معين وابن حبان (١)، فقد نقبل حديثه إن لم يكن هناك تهمة، أما هنا فالتهمة قائمة وهي طعن الأقران، والخلاف المذهبي. ومن هنا فنرد روايته هنا، وإن كانت مقبولة في موضوع آخر. وأما من ناحية المتن فإن ما نقل عن ورع أبي حنيفة وتقواه وشدة ديانته تأبى أن يصدر منه مثل هذا، وهل يتجرأ أحد من الأئمة على هذا الكلام؟ لا شك أن الحسد والخلاف دعا إلى مثل هذا الانزلاق. وأما من ناحية الموضوع فإن التهجم على أهل الرأي واضح وهذا معهود عند المحدثين غير الفقهاء, لأنهم يجهلون غالبًا أصول الرأي وقواعده عند أهل الرأي من أهل السنة، أما فقهاؤهم الذين يعرفون للاجتهاد قيمة وللرأي مقامه فلا ينكرون عليهم، فهذا الإمام أحمد بن حنبل يقول: "ما زلنا نلعن أهل الرأي ويلعنوننا حتى جالسنا الشافعي" وقال أيضًا: "اعلموا رحمكم الله أن الرجل من أهل العلم إذا منحه الله شيئًا من العلم وحرمه قرناؤه وأشكاله حسدوه فرموه بما ليس فيه، وبئست الخصلة في أهل العلم" (٢). فالقضية إذن قضية حسد أقران وهذا اتفق العلماء على أن جرح الأقران وطعنهم غير مقبول، وكذلك إذا كان الجرح مبنيًّا على أساس خلاف مذهبي فإنه غير مقبول أيضًا كما سيأتي في موضعه إن شاء الله). ثم قال ابن حبان نقله الدكتور الحارثي: (كان رجلًا جدلًا ظاهر الورع لم يكن الحديث صناعته، حدث بمائة وثلاثين حديثًا مسانيد ماله حديث في الدنيا غيرها أخطأ منها في مائة وعشرين حديثًا، أمّا أن يكون أقلب إسناده أو غير متنه من حيث لا يعلم، فلما غلب خطأه على صوابه استحق ترك الاحتجاج به في الأخبار. ومن جهة أخرى لا يجوز الاحتجاج به لأنه كان داعيًا إلى الإرجاء، والداعية إلى البدع لا يجوز أن يحتج به عند أئمتنا قاطبة لا أعلم بينهم خلافًا، على أن أئمة المسلمين وأهل الورع في الدين في جميع الأمصار وسائر الأقطار جرحوه وأطلقوا عليه القدح إلا الواحد بعد الواحد. قد ذكرنا ما روى فيه من ذلك في كتاب "التنبيه على التمويه" فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب، غير أني أذكر منها جملًا يستدل بها على ما وراءها" (٣). هذا كلام ابن حبان وهو المسؤول عنه مسؤولية كاملة لأنه يلخص أولًا ما اعتقد وجوده في أبي حنيفة ويدعى ادعاءات كلها مرفوضة وسوف نفصلها واحدة واحدة، ونرد عليها إن شاء الله. أولًا: إن قوله أن أبا حنيفة كان ظاهر الورع، فهذا تعريض برياء أبي حنيفة، ونفاقه، وقد أثبت الأثبات والأئمة أنه لم يكن أورع من أبي حنيفة بالكوفة كما قال ذلك مسعر بن كدام كما تقدم

стр. 2837

وأثنى الكثيرون من الأئمة على ورعه. ثانيًا: وأما قوله: "لم يكن الحديث صناعته" فهذا خلاف ما هو المتعارف عليه عند جميع الأئمة أن الفقيه لا يكون فقيهًا إلا إذا أخذ الكتاب والسنة وتفقه فيهما وعلم أصول ذلك تمامًا وغلا فلا يصلح أن يكون فقيهًا، وكيف يسلم الناس له بالفقه وهو لا يعرف صناعة الحديث؟ . وكيف يقول الشافعي -فيما ثبت عنه- الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة، وأبو حنيفة لا علم له بالحديث؟ هذا كلام متناقض مرفوض. ثالثًا: قوله حدث بمائة وثلاثين حديثًا مسانيد ما له حديث في الدنيا غيرها فهذا خطأ لا يجوز أن يصدر من محدث كابن حبان، فكلامه هذا إما أنه لم يطلع على مسند أبي حنيفة، وإما أنه يتعمد هذا الغض من مكانة أبي حنيفة في علم الحديث، ونحن بمجرد نظرنا فيما طبع فقط من مسند أبي حنيفة نجد أنه أكثر من خمسمائة حديث، كما سنعرض لها في فصل خاص إن شاء الله. رابعًا: قوله: "ما له حديث في الدنيا غيرها" فهذا أيضًا قول باطل يخالفه الواقع المشهور والملموس. خامسًا: قوله: "أخطأ منها في مائة وعشرين حديثًا" هذا أيضًا تهجم بلا دليل وكلام مجمل لا يقبل، فلماذا لم يضع ابن حبان أيدينا على عشرة من هذه الأحاديث التي أخطأ فيها؟ أليس هذا تعمد للتجريح بلا دليل؟ أليس هذا خروجًا عن طريق السلف الذين لا يتهمون إلا بدليل ولا يجرحون إلا من يستحق الجرح؟ وسوف نفصل الرد على هذا في بابه أيضًا إن شاء الله. سادسًا: أما قوله "إما أن يكون قلب إسناده أو غير متنه من حيث لا يعلم" فهذا كلام يستحيي أن يرد عليه لأنه صادر من مثل ابن حبان، ولكن الحق يعلو ولا يعلى عليه، فكيف يقلب أبو حنيفة الأسانيد وهو لم يرو إلا عن تابعي عن صحابي، فهل من المعقول أن يروي أبو حنيفة عن ابن عباس عن عكرمة أو عن أنس عن قتادة أو عن النخعي عن ابن مسعود؟ من يتصور هذا من عامي أو مبتدئ في علم الحديث لا من إمام من الأئمة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله ألم يجدوا غير هذا؟ ولكن هكذا شاءت إرادة الله أن تكون الشبهات حول هذا الإِمام كلها واهية لا يصدقها منصف أبدًا. ثم إنه كيف وهو الفقيه يغير متن الحديث من حيث لا يعلم، هل يحصل هذا من إمام؟ وما هو الدليل على ذلك؟ لماذا لم يذكر لنا ابن حبان حديثًا واحدًا مثالًا على ذلك؟ هذا اتهام خطير دون دليل، بل لا يقوى أحد على إيجاد الدليل. سابعًا: قوله "فلما غلب خطؤه على صوابه استحق الترك والاحتجاج به في الأخبار" هذا مبني على ما تقدم من كلامه وقد بطل كل ما قاله وما بني على باطل فهو باطل. ثامنًا: وقوله: "ومن جهة أخرى لا يجوز الاحتجاج به لأنه كان داعيًا إلى الإرجاء" هذا تمويه وتضليل فكأن الأمر قد ثبت ولصق بأبي حنيفة فهو يقرر حقيقة ثابتة لا تحتمل الخلاف، هل يجوز هذا وهو أول إمام من أئمة أهل السنة الذين اقتدت بهم الأمة الإِسلامية. وسوف يأتي رد المزاعم التي تزعم أن أبا حنيفة كان مرجئًا أو جهميًا مع أنه كان يكفر الجهمية.

стр. 2838

تاسعًا: وقوله: "والداعية إلى البدع لا يجوز أن يحتج به عن أئمتنا قاطبة لا أعلم بينهم خلافًا" هذا أيضًا تمويه وتضليل، نعم إنهم اتفقوا على ذلك ولكن هل ابن حبان على يقين أن هذا ثابت عن أبي حنيفة وهو الذي قرأ كتبه، وإن لم يكن قرأها فقد حكم على مسلم وهو جاهل وكلا الأمرين مر كما قال الشاعر: إن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... أو كنت تدري فالمصيبة أعظم عاشرًا: وأما قوله: "على أن أئمة المسلمين وأهل الورع في الدين في جميع الأمصار وسائر الأقطار جرحوه وأطلقوا عليه القدح إلا الواحد بعد الواحد" فهذا كلام غير مسلم فقد ذهب المنصفون من أهل عصره إلى الثناء عليه وعلى دينه وورعه وعلمه وإمامته فكيف يدعى هذا؟ لا شك أن ابن حبان قد أخذ به التعصب مأخذه حين كتب هذا, ولم يراجع نفسه ولو مرة واحدة، ولم ينظر فيما قاله غيره إلا من نحا نحوه. نسأل الله السلامة. حادي عشر: يبدو أن ابن حبان مصر جدًّا على قوله هذا كله دون اعتذار بل إنه أخيرًا يريد منا أن نقرأ أكثر من هذا فيدلنا على كتاب ألفه خصيصًا لجرح أبي حنيفة فيطلب منا أن نقرأ كتابه "التنبيه على التمويه" وقد رأينا أن ادعاءاته كلها تمويه تحتاج إلى ألف تنبيه. ثم بعد هذا يسرد ابن حبان أحاديث خالفها الإمام أبو حنيفة، ولكنه يسردها بحكايات تزعم قلة أدب أبي حنيفة مع النبي ﷺ ، كقوله لما ذكر حديث عن رسول الله ﷺ فقال: "هذا حديث خرافة" (١) وقوله: "هذا هذيان" (٢) وقوله: "لا يسوى شيئًا" (٣) وأسوأ من هذا يزعمون أن أبا حنيفة حدثه الأعمش بحديث عن النبي ﷺ فقال: "بل على هذا". ونحن نستغفر الله من هذا النقل، ونستغفر الله لذكره، في هذا الكتاب، ولكن ذكرته لأنبه على تطرف النقلة وتعصبهم ضد أبي حنيفة الذين هم ينقلون عنه أنه كان ورعًا تقيًّا يقوم الليل أربعين سنة، ثم يقول كلمة لا يقولها طفل مسلم ولا يجرأ عليها مهما جهل، حتى الأحاديث الموضوعة لا نجرأ أن نقول عليها هكذا لأننا لا ندري فلعل الكاذب يصدق (٤). فهل كان أبو حنيفة في هذه الدرجة من قلة الأدب -أستغفر الله- هذا لا يجوز بأي حال من الأحوال وما أشك لحظة واحدة في عدم صحة هذا الخبر عنه ولو كان الرواة ثقات علمًا بأن الرواية هذه ليست بصحيحة فإن فيها يحيى بن عبد الله بن ماهان قال عنه الأزدي: لا يحتج له ولا يروى عن أحد إلا عن شيخه محمّد بن سعيد الكريزي وهو متروك أيضًا واتهمه ابن عدي بالكذب، وإنما تعرضت لشيخه لأنه لم يدرك ابن عيينة (٥). أترى يعرف ابن حبان ضعف هذا الرجل واتهامه أو اتهام شيخه أم لا يعرف؟ لا شك أنه

стр. 2839

يعرف ولكنه أصر على هذه الرواية. وقال ابن حبان: "أخبرنا الحسين بن إدريس الأنصاري قال: حدثنا محمَّد بن علي الثقيفي قال: سمعت إبراهيم بن شماس يقول: ترك ابن المبارك أبا حنيفة آخر أمره" (١). وهذا ادعاء لا يصح ولا يقاوم ما تقدم من توثيق ابن المبارك له والدفاع عنه، وأما هذه الرواية فإن فيها من لا يحتج به ويرى الأباطيل، قال ابن أبي حاتم كتب إلى بحزء من حديثه فأول حديث باطل والثاني باطل والثالث ذكرته لعلي بن الجنيد فقال: أحلف إنه حديث باطل وليس له أصل (٢). كما ضعفه الهيثمي أيضًا (٣). ولم يوثقه إلا ابن حبان وذكره في الثقات (٤) والمعروف عند علماء الجرح والتعديل أن ابن حبان لا يؤخذ قوله في هذا لأنه متساهل في التعديل والتجريح كما سيأتي. وقال ابن حبان: "أخبرني محمّد بن المنذر قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا أبو الربيع الزهراني قال سمعت حماد بن زيد يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: لم أكد ألقى شيخًا إلا أدخلت عليه ما ليس من حديثه إلا هشام بن عروة" (٥). ويظن ابن حبان أن هذا اعتراف من أبي حنيفة بالكذب في الحديث والتدليس الخطير وتحريف الكلم عن مواضعه. ولكنه يدري أن هذا الإسناد مظلم أظلم من الظلمات الثلاث، ولا ندري لماذا أوردها وهو يعلم أن كتابه هذا لا يتناوله إلا أهل التخصص في الرجال والرجوع إلى رجال الإسناد أول أمر يقوم به الباحث المنصف المتخصص ولذا فإنك تجد في هذا الإسناد ضعفاء ولكنهم ليسوا مثل أبي الربيع الراوي عن حماد بن زيد فهو ليس ضعيفًا فحسب، وإنما هو متهم بالبواطيل والكذب على رسول الله ﷺ فإن يكذب على حماد بن زيد فهذا ليس بشيء. وبناء على ذلك فإن ابن حبان لا تقوم له حجة مطلقًا في كل ما ذكره من جرح أبي حنيفة وإلصاق التهم الخطيرة به ونسبة الطامات إليه بل إننا نرى أبا حنيفة يظل شامخ الرأس لا تناله حجارة المتعصبين ولا يؤثر فيه الأفاكون المتحللون. خامسًا: قول إمام الحرمين الجويني: وكلام إمام الحرمين في أبي حنيفة من نوع آخر، وفي حماس مختلف عما نقلناه عن أهل الحديث فقد يحرج المحدث أن يقول كلمة في قرينه خشية أن يفهم منها أنه حسود أو متهجم، وأما الذي يتعصب لمذهب ما فإنه يجد لنفسه مندوحة في التهجم تسترًا وراء نصرته للحق والدليل

стр. 2840

والبرهان. ومن هنا فإن الجويني اشتد في التعصب المذهبي حتى خرج عن حد الاعتدال فقال في كتابه "مغيث الخلق" (١) مثله في كتابه البرهان (٢): "بل أصول أبي حنيفة أبعد عن الوفاء من أصول الشافعي ﵁ فإن المذاهب تمتحن بسياقها في قيادها وله يتبين صحتها من فسادها، وكذا المذاهب تمتحن بأصولها فإن الفروع تستند إليها وتشتد باشتدادها" ثم يقول أيضًا: "وأن أبا حنيفة ﵁ كان بضاعته في الحديث مزجاة، والذي يدل عليه أن أصحاب الحديث شددوا النكير عليه قالوا: إن أقوامًا أعوزهم حفظ أحاديث رسول الله ﷺ فاستعملوا الرأي فضلوا وأضلوا" إلى أن يأتي بطامة فيقول في البرهان: وأبو حنيفة لا يعرف القياس أصلًا، ولا دراية له بالأصول. سادسًا: قول ابن عدي: قال ابن عدي: أخبرنا عبد الله بن محمّد بن حبان بن مقير أخبرنا محمود بن غيلان ثنا مؤمل قال: كنت مع سفيان الثوري في الحجر فجاء رجل فسأله عن مسألة فأجاب، فقال الرجل: إن أبا حنيفة قال هذا وكذا فأخذ سفيان نعليه حتى خرق الطواف ثم قال: لا ثقة ولا مأمون (٣). وابن عدي ﵀ يبتدئ ترجمة أبي حنيفة بهذا الخبر على طريقة ابن حبان، ولكنه في الصفحة التي بعدها يذكر رواية تنقض كل ما رواه عن سفيان الثوري - إن صح الكلام عنه - وإن لم يصح فنحن في غنى عن ترجمة رجال الإسناد. فقد قال ابن عدي: حدثنا محمّد بن القاسم سمعت الخليل بن خالد -يعرف بأبي هند- يقول: سمعت عبد الصمد بن حسان يقول: كان بين سفيان والثوري وأبي حنيفة شيء فكان أبو حنيفة أكفهما لسانًا (٤). أليست هذه الرواية تضع لنا كل ما روى عن سفيان الثوري وصح عنه في زاوية واحدة، وهي طعن الأقران وأن ذلك مصدره التنافس، فالطبيعة البشرية لا بد أن تظهر هنا ولا بد أن تؤثر إلا على من عصمه الله. وهكذا نقول في كل الروايات التي ساقها ابن عدي، ولكن الثوري ﵀ يوقع نفسه في حرج بالغ، فإنه لما قال هذا قاله أثناء التنافس ولكنه لما تصدر للعلم روى عن أبي حنيفة دون أن يذكره، فهو وإن أنف من ذكر أبي حنيفة في إسناده حيث أرسل عنه لما ذهب إلى اليمن (٥) فكيف يدعى أن حديث المرتدة لا يروى عن ثقة ثم هو يرسله عن عاصم الذي يروي عنه أبو حنيفة ولا يرويه عنه غيره. أليس هذا دليل على حكم الثوري بصحة الحديث، وإن لم يعتقد صحته فكيف يروي حديثًا ليس صحيحًا فهو وقع بين أمرين لا مفر منهما والنتيجة الظاهرة أنه يصحح الحديث ويثق بأبي حنيفة إلا أن التنافس
следующие страницы →