ويسمونه توسلًا أو نحو ذلك" (١).
وينقل الشيخ عن الآلوسي في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيهِ تَجْأَرُونَ .. ﴾ [النحل: ٥٤، ٥٣] نصًّا يقرع فيه المشركين بالله غيره في الدعاء، المستغيثين بغيره عند النبلاء (٢).
٣ - الذبح لغير الله تعالى:
حمل الشيخ بشدة على الذين يذبحون الضحايا للصالحين وعند أضرحة الأولياء، ولم يدع مجالا للحديث عن هذا المظهر إلا أسهب في ذمه والتحذير منه.
من ذلك:
ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] , قال: (وقد نص الفقهاء على أن كل ما ذكر عليه اسم غير الله ولو مع اسم الله فهو محرم ومثل ذلك ما يفعله العامة في القرى, إذ يقولون عند الذبح: باسم الله الله أكبر يا سيدي يا بدوي، يريدون بذلك أن يتقبل منهم النذر ويقضي حاجة صاحبه" (٣).
وجاءت عبارات الشيخ في هذا الموضوع متقاربة، فتقرأ نحو ما تقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨] (٤)، وفي تفسير قوله سبحانه: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل: ١١٥] (٥).
٤ - العرافة والتمائم والتعويذات:
وصف الشيخ الراجمين بالغيب بأنهم دجالون من أهل الضلال، جاء ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠] قال:
"ويدخل في حكم هؤلاء كل من يتحاكم إلى الدجالين كالعرافين وأصحاب المندل والدجل ومدعي الكشف والولاية" (٦).
- وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ [المائدة: ٣] نعى الشيخ على الذين استنوا بسنة مشركي الجاهلية يستقسمون بالسّبع وغيرها ويسمون ذلك فألًا وأعجب من ذلك -كما يرى الشيخ- هو اعتبار بعض الدجالين الاستقسام من قبيل الاستخارة وجعل بعضهم له من قبيل القرعة المشروعة، وكل ذلك ضلال لا بينة فيه ولا سلطان (٧).
- وفي موضع آخر جعل الشيخ من شيبة أصحاب القلوب الفاهمة ألا تتوجه إلى طلب ما لا تقدر عليه بغير ما يعرف البشر من الأسباب المطردة كالرقى والعزائم والتخيرات (٨).
٥ - الممارسة الخاطئة للعبادة:
يرى الشيخ أن الفهم الخاطئ للعبادة والممارسة المنحرفة لها مظهر من مظاهر الجهل المؤدي للتمسك بالبدعة.
стр. 422
ثم قال صاحب الرسالة: "لم يدع الشيخ مجالًا يمكن الحديث فيه عن خطر البدعة إلا فعل. وإذا كانت المظاهر السابقة قد حوربت بأسمائها لأنها أشهر ما ابتدعه الناس واستشرى في المجتمع. فإن تفسير المراغي لم يخل من تعميم ذم البدعة في جميع المجالات والتحذير من خطرها على الدين".
ثم قال حول تأويله للأسماء والصفات في تفسيره:
"الأسماء والصفات كما يعرفها المراغي:
١. الاستواء والعرش:
أ. الاستواء:
بدراسة المواضع التي ورد فيها ذكر الاستواء في تفسير المراغي، نجد أنه عرفه بما يلي:
١. القصد، وذلك في سورة البقرة (١).
٢. استقامة أمر السماوات والأرض، وذلك في سورة الأعراف (٢).
٣. الاستيلاء، واستشهد يقول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف أو دم مهراق
وذلك في تفسير سورة طه (٣).
٤. تمام التصرف، وذلك في سورة الفرقان (٤).
٥. الارتفاع، وذلك في سورة الحديد (٥).
٦. استواء يليق بعظمته وجلاله، وذلك في سورة يونس (٦) وسورة هود (٧) وسورة الرعد". (٨)
قال بعدها صاحب الرسالة: "ولعل الشيخ المراغي قد ذكر هذه الوجوه جميعًا لإطلاع القارئ على الآراء المختلفة للعلماء في معنى الاستواء، ولكنه بذلك لم يمكن الباحثين من معرفة مذهبه الاعتقادي، حيث أتى برأي السلف في الموضوع مؤيدًا، وبرأي الأشاعرة وغيرهم على الصفة نفسها، وتأييده للرأي وضده اضطراب في منهجه في هذه القضية كما ترى".
ب. العرش:
تكرر تعريف العرش في تفسير المراغي عشر مرات، جاء في ثمان منها أنه مركز تدبير الكون، مع اختلاف بسيط في التعبير عن هذا المعنى أحيانًا، وإن يقول: مركز تدبير شؤون العالم (٩)، أو: عشره الذي جعله مركز هذا التدبير العظيم (١٠)، أو: مركز نظام الملك أو مصدر التدبير (١١) وهكذا (١٢).
أما تعريفه الثاني فقد جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] , قال:
"أي وكان سرير ملكه أثناء هذا الطور من خلق هذا العالم أو من قبله على الماء". (١٣)
стр. 423
فعرف العرش هنا بأنه سرير الملك.
التعريف الثالث: قال الشيخ في شرح مفردات سورة البروج:
"ذو العرش: أي صاحب الملك والسلطان والقدرة النافذة". (١)
١. والتعريف الذي ركز الشيخ عليه وكرره كثيرًا وهو أن العرش مركز تدبير الكون، لم أجده في كتب العقيدة التي اطلعت عليها، غير أنه بالرجوع إلى تفسير المنار الذي عودنا المراغي الاقتباس منه والتأثر بآرائه وجدتُ أن السيد رشيد رضا قد سبق صاحبنا بهذا التعبير، جاء ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ [التوبة: ١٢٩] قال:
"الذي هو مركز تدبير أمور الخلق كلها، كما قال في الآية الثالثة من السورة التالية -يونس-: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ (٢).
وقد استدل المراغي بالآية نفسها (٣) تبعًا لما جاء في المنار.
ومدار هذا التفسير على اعتبار جملة (يدبر الأمر) حالًا من تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ والأقرب أن تجعل هذه الجملة: (يدبر الأمر) ابتدائية لأن تفسيرها على الحالية يوقع في محظور التجسيم الذي حذر منه المراغي وقد نص على كونها للابتداء الشيخ الآلوسي في تفسيره (٤)، وذكر صاحب الكشاف في إعرابها كلامًا يدل على ذلك (٥)، واختار الشيخ العكبري وجهًا أول من وجوه إعرابها.
٢. أما تعريف العرش بأنه سرير الملك، فقد نصّ شارح العقيدة الطحاوية عليه قال:
"والعرش في اللغة عبارة عن السرير الذي للملك" ثم قال عن عرش الرحمن: "فهو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة". (٦)
٣. اعتبر شارح العقيدة الطحاوية تعريف العرش بأنه الملك والسلطان تحريفًا لكلام الله تعالى بقوله:
"وأما من حرّف كلام الله وجعل العرش عبارة عن الملك، كيف يصنع يقول تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] , وقوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] أيقول: ويحمل ملكه يومئذ ثمانية؟ وكان ملكه على الماء! ويكون موسى عليه آخذًا من قوائم الملك؟ هل يقول هذا عاقل يدري ما يقول؟ ! (٧).
وإذا اعتذر عن الشيخ في اضطراب رأيه في الاستواء بأنه يريد اطلاع العامة القراء على مزيد من آراء العلماء، فإن الاعتذار عن اضطراب منهجه في معنى العرش لا يجد له مكانًا هنا، إذ إن الشيخ أصرّ على اعتماد تعريف لم يقل به أحد
стр. 424
من علماء العقيدة المعتبرين، إلى جانب أنه موهم كما سلف.
وأما التعريفان اللذان أورد كلا منهما مرة واحدة، فالأول منهما تعريف لغوي، ولكن إضافته للفظ الجلالة ليصبح (سرير ملك الله) أمر يجب عدم الجرأة عليه إذ لم يرد في سنة صحيحة أو على لسان أحد من السلف.
والثاني رده شارح العقيدة الطحاوية وحجته قوية كما رأيت.
٢. الكرسي:
أوّل الشيخ الكرسي بأنه العلم الإلهي (١).
وقد نسب الإمام البيهقي هذا القول لسعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄, ولكنه قال بعد ذلك: "وسائر الروايات عن ابن عباس وغيره تدل على أن المراد به الكرسي المشهور المذكور مع العرش" (٢).
وقد ذكر شارح الطحاوية هذين المعنيين وأضاف إليهما أن الكرسي هو العرش، ولكنه ردّه، قال: "والصحيح أنه غيره، نقل ذلك عن ابن عباس ﵄ وغيره" (٣).
وآثر شارح الجوهرة عدم القطع بتعيين حقيقة الكرسي لعدم العلم بها (٤).
٣. اليد والقبضة:
في مواضع مختلفة من تفسير المراغي ورد لفظ اليد مضافًا إلى الحق ، وبدراستها نجد ما يلي:
- في سورتي (آل عمران) و (ص) فسّر اليد بالقدرة (٥).
- في سورة (المائدة) نفى أن تكون الجارحة واعتبرها لفظًا مشتركًا، ثم قال: "يداه مبسوطتان: أي هو كثيرٌ العطاء". (٦)
- في سورة الفتح فسرها بالنصرة (٧).
- أما في سورة الزمر فقد اعتبر القبضة من المتشابه، قال:
"وقد علمت أن السلف يجرون المتشابه على ما هو عليه، وأن الخلف يؤولونه، والأول أسلم والثاني أحكم".
قال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه أ. هـ، وقال صاحب الكشاف: والغرض من هذا الكلام إذا أخذته بحملته ومجموعه تصوير عظمته والتوقيف على عنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز أ. هـ (٨)
فالشيخ كما ترى أوَّلَ صفة اليد في أربعة مواضع، أما الخامس فقد ذكر فيه رأي السلف ورأي الخلف، ومال إلى الأول بتقويته مما ورد من كلام سفيان بن عيينة والزمخشري.
стр. 425
وهكذا فإنك تجد الشيح ينقل آراء العلماء المختلفة محاولًا أن يوزعها على الأماكن المختلفة حسب ورودها.
ولا يكفي في اعتبار مذهب السلف مذهبه، إيراده لرأيهم وترجيحه في موضع، مع نقل آراء غيرهم في مواضع أخرى دون التعقيب عليها.
٤. الوجه:
جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢] قوله: "وابتغاء وجه الله: طلب مرضاته". (١)
وفي تفسير قوله سبحانه ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] قال: "وجهه أي رضاه وطاعته لأن من رضي عن شخص يقبل عليه، ومن غضب عليه يعرض عنه" (٢).
وفي قوله سبحانه ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] فسّر الوجه بالذات (٣).
وفي سورة الليل فسّر ابتغاء وجه الله تعالى بأنه قصد رضاه سبحانه (٤).
وهكذا فقد أوّل الشيخ "الوجه بأنه التوجه والقصد، إلا في آية الرحمن فقد أوّله بالذات، كما سلف".
وقد نسب الإمام البيهقي لابن حزم قوله: "وجه الله تعالى إنما يراد به الله وهذا هو الحق الذي قام البرهان بصحته، ليطلان القول بالتجسيم" (٥).
وفيه تأييد لما ذهب إليه المراغي في سورة الرحمن.
٥. العين والبصر:
جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧]: "والمراد بالأعين هنا: شدة الحفظ والحراسة" (٦).
وفي قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] , قال: "أي بمرأى منه، والمراد بحراستنا وحفظنا" (٧).
وعن صفة البصر، جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩]: "أي أنه سبحانه عليم بدقائق الأشياء وجليلها، فيعلم كيف يبدع خلقها على السنن التي هو عليم بفائدتها لعباده". (٨)
وقد سار في معنى (العين) على مذهب المؤولين لعدم احتمالها غير هذه المعاني، وقد أشار الإِمام البيهقي إلى تأويل العين بالحفظ والكلاءة كما هنا (٩).
كذلك في معنى (البصير) فقد أوّله المراغي بلازمه فكونه سبحانه بصيرًا يثبت له صفة العلم بدقائق الأمور وجليلها، وهو ما عبر عنه الإِمام الغزالي بقوله: (وإذا نزه عن ذلك -عن تشبيه بصره ببصر المخلوقات- كان البصر في حقه
стр. 426
عبارة عن الصفة التي ينكشف بها كمال نعوت المبصرات، وذلك أوضح وأجل مما تفهمه من إدراك البصر القاصر على ظواهر المرئيات) (١).
ولكن الإمام البيهقي يرفض تأويل البصر بالعلم، ويرى إثبات كونه سبحانه بصيرًا، له بصر، من غير إثبات جارحة (٢).
٦.العلم:
في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] قال الشيخ:
"وعلم الله تعالى قديم لا يتجدد، ومن ثم قال العلماء: المراد بالعلم في مثل هذا علم الظهور والوقوع. ذلك أنه تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها أنها ستقع، ويعلمها بعد وقوعها أنها وقعت، ويترتب على ذلك الجزاء من ثواب وعقاب". (٣)
وجاء مثل هذا التفسير في قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤٠] (٤)، وقد حكى الإِمام البيهقي رواية المزني عن الشافعي في قوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾، يقول: "إلا لنعلم أنه قد علمتم من يتبع الرسول، وعلم الله تعالى كان قبل اتباعهم وبعده سواء، وقال غيره: إلَّا لنعلم من يتبع الرسول بوقوع الاتباع منه كما علمناه قبل ذلك أنه يتبعه" (٥).
والتفسير الثاني عن الشافعي ﵀-هو الذي أورده المراغي.
٧. الكلام: يقرر الشيخ أن صفة الكلام والتكليم ثابتة لله تعالى بصريح القرآن الكريم في آيات عدة لا تعارض بينها (٦)، ويميل إلى عدم الخوض في صفة تكليمه سبحانه لنبيه موسى ﵇.
ففي تفسير قوله سبحانه ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] يقول: "وليس لنا أن نخوض في معرفة حقيقته -يعني التكليم- لأنا لم نكن من أهله، على أنا لا نعرف حقيقة كلام بعضنا بعضًا، وكيف تحمل ذرات الهواء الأصوات إلى الآذان، فضلًا عن أن نعرف حقيقة كلام الباري" (٧).
وهذا من الشيخ ميل إلى مذهب السلف.
قال صاحب الطحاوية: "وأن القرآن كلام الله منه بدأ بلا كيفية قولًا" (٨).
قال الشارح في الجملة: "أي ظهر منه ولا ندري كيفية تكلمه به" (٩).
стр. 427
٨. الحب:
يرى الشيخ المراغي أن حب الله تعالى وبغضه شأن من شئوونه لا نبحث عن كنهه ولا عن كيفيته (١)، وفي توضيح أكثر يؤكد الشيخ أن حبه تعالى منزه عن مشابهة حبنا كتنزه ذاته وسائر صفاته عن مشابهة ذواتنا وصفاتنا، ويظهر أثر حبه لعباده في أخلاقهم وأعمالهم ومعارفهم وآدابهم (٢).
فترى الشيخ هنا ترك التأويل، وآثر أن يثبت هذه الصفة بعيدًا عن التشبيه والتمثيل.
٩. السمع:
اكتفى المراغي ﵀ في صفة السمع بتعريفها، قال:
"السمع صفة تدرك بها الأصوات أثبتها الله تعالى لنفسه".
١٠. السّاق:
في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] قال:
"أي فليأتوا بهؤلاء الشركاء ليعاونوهم إذا اشتد الهول وعظم الأمر يوم القيامة".
وهذا تأويل للساق على اعتباره ليس منسوبًا إلى الله ، والمراد به الأمر العظيم.
ومال البيهقي لهذا المعنى، إذ حكم على حديث ينسب الساق للحق سبحانه بالضعف.
وقد وقع الشيخ ﵀ في شيء من التشبيه غير المقصود، وإنما ساق إليه أسلوب التشبيه البلاغي".
ثم ذكر تعدد الزوجات في نظر الشيخ فقال صاحب الرسالة:
"وفي قضية تعدد الزوجات يشدد الشيخ على أن الأصل ألا يلجأ إليه إلا عند الضرورة، وقد سبق بسط هذه القضية في فصل القضايا الفقهية، ويأتي البحث هنا بما يخص موضوع المبحث من علاج لقضايا الأسرة.
استمع إليه وهو يقول:
"إن تعدد الزوجات يخالف المودة والرحمة وسكون النفس إلى المرأة، وهي أركان سعادة الحياة الزوجية، فلا ينبغي لمسلم أن يقدم عليه إلا لضرورة، مع الثقة بما أوجبه الله من العدل، وليس وراء ذلك إلا ظلم لنفسه وامرأته وولده وأمته" (٣).
وعن رأي المراغي في قضايا الغيب وحديث الآحاد قال صاحب الرسالة:
"سبق -القول- عن تأثر الشيخ المراغي بمدرسة المنار، وكان أحد وجوه ذلك التأثر رفضه لحديث الآحاد في العقائد".
ثم نقل صاحب الرسالة نماذج حول قول المراغي في رفض حديث الآحاد: "ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إلا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] يقول: "وفي الآية إشارة إلى أن القول بغير بينة ولا حجة لا ينبغي أن يعوّل عليه، وأن اتباع الظن منكر عند الله" (٤).
стр. 428
وفي قوله سبحانه ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيئًا إ﴾ [يونس: ٣٦] يقول: "إن الظن لا يجعل صاحبه غنيًّا بعلم اليقين فيما يطلب فيه ذلك كالعقائد الدينية" (١) أ. هـ.
• المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات: "الشيخ مصطفى المراغي من العلماء المعاصرين الذين تأثروا بالشيخ محمّد عبده، بل اعتبره البعض من أكابر تلامذة مدرسته، ومن الأزهريين الكبار، له باع كبير في علم اللغة والبلاغة، حاول أن يقرب تفسير القرآن بطريق عصري سهل، إلا أنه أدخل في تفسيره بعض الأمور التي كان ينبغي له أن يتجنبها، ناقلًا ذلك من بعض المجلات الأجنبية وغيرها.
وأما عقيدة الأسماء والصفات في تفسيره:
فهو مؤول في كل الصفات، ومن العجيب أنه أول صفة الاستواء ثم استدل على كلامه بمذهب السلف (٢) الذي نقله عن الحافظ ابن كثير.
١. صفة الرحمة:
قال في تفسير ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: لفظ الرحيم يدل على منشأ هذه الرحمة، وأنها من الصفات الثابتة اللازمة له، فهذا وصف الله جل ثناؤه بالرحمن، استفيد منه لغة أنه المفيد للنعم، ولكن لا يفهم منه أن الرحمة من الصفات الواجبة له دائمًا، وإذا وصف بعد ذلك بالرحيم، علم أن لله صفة ثابتة دائمة، هي الرحمة التي يكون أثرها الإحسان الدائم، وتلك الصفة على غير صفات المخلوقين، وإنما يكون ذكر الرحيم بعد الرحمن كالبرهان على أنه يفيد الرحمة على عباده دائمًا، لثبوت تلك الصفة له على طريق الدوام والاستمرار (٣).
٢. صفة الحياء:
قال عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ أي أن الله جلت قدرته لا يرى من النقص أن يضرب المثل بالبعوضة فما فوقها (٤).
٣. صفة الاستواء:
قال عند قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾.
واستواؤه سبحانه على العرش هو استقامة أمر السماء والأرض، وانفراده بتدبيرهما والإيمان غير موقوف على معرفة حقيقة ذلك التدبير ولا معرفة صفته ولا كيف يكون، فالصحابة رضوان الله عليهم والأئمة من بعدهم لم يثتبه أحد منهم فيه، وقد أثر عن ربيعة شيخ مالك أنه سئل عن قوله: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ كيف استوى؟ فقال: استوى غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الله البلاغ، وعلينا التصديق.
وقال الحافظ ابن كثير: مذهب السلف الصالح، مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث، هو ابن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن
стр. 429
راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا: إمرارها كما جاءت، من غير تكييف، ولا تشبيه.
قال نعيم بن حماد شيخ البخاري: من شبّه الله بخلقه كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت ما وردت به الآثار الصريحة، والأخبار الصريحة على الوجه الذي يليق بحلاله ونفى عن الله النقائص، فقد سلك سبيل الهدى (١).
٤. صفة الوجه:
أما المراغي: فهو مؤول لصفة الوجه في جميع مواردها في القرآن، قال في قوله تعالى: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أي مكان تستقبلونه في صلاتكم. فهناك القبلة التي يرضاها الله لكم ويأمركم بالتوجه إليها، فاينما توجه المصلي في صلاته فهو متوجه إلى الله، لا يقصد بصلاته غيره والله تعالى راضٍ عنه، مقبل عليه.
والحكمة في استقبال القبلة، أنه لما كان من شأن العابد أن يستقبل وجه المعبود، وهو بهذه الطريقة محال على الله، شرع للناس مكانًا مخصوصًا يستقبلونه في عبادته إياه، وجعل استقباله كاستقبال وجهه تعالى (٢).
قلت: وهذا هو الضلال البعيد، والجهل بسنة رسول الله ﷺ التي ورد فيها استقبال العبد وجه ربه، والقول على الله بلا علم ليس من شأن المتورعين، والخائفين من ربهم، وعكس ذلك القول بالظن والتخمين وعدم الاستناد إلى حجة من كتاب وسنة رسوله ﷺ .
وفسر الوجه بالذات عند قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾ (٣) وعند قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٤).
٥. صفة المجيء والإتيان:
قال عند قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾.
أي ها هي ذي قد قامت الحجج، ودلت البراهين على صدق محمد ﷺ ، فهل ينتظر المكذبون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم به من الساعة والعذاب، في ظلل من الغمام عند خراب العالم وقيام الساعة، وتأتي الملائكة وتنفذ ما قضاها الله يومئذ.
والحكمة في نزول العذاب في الغمام إنزاله فجأة من غير تمهيد ينذر به ولا توطئة توطن النفوس على احتماله لأن الغمام مظنة الرحمة، فإذا نزل منه العذاب كان أفظع وأشد هولًا، والخوف إذا جاء من موضع الأمن, كان خطبه أعظم، ونحو الآية قوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ (٥).
وقال عند قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. والمراد بالإتيان: إتيان ما وعد به من
стр. 430
النصر لأحبابه، ووعد به أعداءه من العذاب في الدنيا، كما جاء في قوله: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾. وإتيان أمره هو جزاؤهم على نحو ما جاء في قول: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (١).
وقال عند قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ أي وتجلت لأهل الموقف السطوة الإلهية كما تتجلى أبهة الملك للأعين إذا جاء الملك في جيوشه، ومواكبه ولله المثل الأعلى (٢).
المراغي في تفسيره لهذه الآيات التي وردت فيها صفة المجيء والإتيان تابع لإخوانه من المؤولة، والمعطلة كما هو واضح في عباراته واللهم غفرًا.
٦. تفسير الكرسي:
قال عند قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية. أي أن علمه تعالى محيط بما يعملون مما عبر عنه بقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ وبما لا يعلمون من شئون سائر الكائنات. ويرى جمع من المفسرين منهم القفال والزمخشري أن الكلام تصوير لعظمته وتمثيل لكبريائه ولا كرسي ولا قيام ولا قعود، وقد خاطب سبحانه عباده في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم.
والخلاصة أن الكرسي شيء يضبط السماوات والأرض نسلم به بدون بحث في تعيينه ولا كشف عن حقيقته، ولا كلام فيه بالرأي دون نص عن المعصوم (٣).
٧. صفة النفس:
قال عند قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي عقاب نفسه، وفائدة ذكر نفسه، والإيماء إلى أن الوعيد صادر منه تعالى، وهو القادر على إنفاذه، ولا يعجز شيء عنه.
وفي ذلك تهديد عظيم لمن تعرض لسخطه بموالاة أعدائه؛ لأن شدة العقاب بحسب قوة المعاقب وقدرته (٤).
وقال عند قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾.
أي أن ذلك القول إن كان قد صدر مني فقد علمته، إذ علمك واسع محيط بكل شيء فأنت تعلم ما أسره وأخفيه في نفسي، فكيف لا تعلم ما أظهرته ودعوت إليه، وعلمه مني غيري كما أني لا أعلم ما تخفيه من علومك الذاتية التي لا ترشدني إليها بالكسب والاستدلال، لكني أعلم ما تظهره لي بالوحي بواسطة ملائكتك المقربين إليك (٥).
٨. صفة المحبة:
قال عند قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.
أي قل لهم إن كنتم تريدون طاعة الله وترغبون
стр. 431
في العمل بما يقرب إليه طلبًا للثواب فيما عنده فاتبعوني بامتثال ما نزل به الوحي منه إلى يرضى الله عنكم ويتجاوز عما فرط من الأعمال السيئة والاعتقادات الباطلة (١).
وقال عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.
قال وقد وصف الله تعالى هؤلاء المؤمنين بست صفات. إنه تعالى يحبهم وحبه تعالى وبغضه شأن من شؤونه لا نبحث عن كنهه ولا عن كيفيته (٢).
٩. صفة الرضا:
قال عند قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾.
﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ أي لا يحبه ولا يأمر به لأنه مانع من ارتقاء النفوس البشرية بحعلها ذليلة خاضعة للارباب المتعددة والمعبودات الحقيرة من الخشب، والنصب، وممن يأكل الطعام ويمشي في الأسواق (٣).
١٠. صفة العندية:
قال عند قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ أي بل هم أحياء في عالم آخر غير هذا العالم، هو خير للشهداء، لما فيه من الكرامة والشرف عند الله (٤).
وقال عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾.
أي أن ملائكة الرحمن المقربين عنده لا يستكبرون عن عبادته، كما يستكبر عنها هؤلاء المشركون، وينزهونه عن كل ما يليق بعظمته وكبريائه وجلاله، وعن اتخاذ الند والشريك، كما يفعل الذين اتخذوا من دون الله ضفعاء وأندادًا يحبونهم كحبه، وله وحده يصلّون ويسجدون فلا يشركون معه أحدًا. فالواجب على كل مؤمن أن يجعل خواص الملائكة والمقربين إليه تعالى من حملة عرشه والحافين به أسوة حسنة له في صلاته وسجوده وسائر عبادته (٥).
١١. صفة اليد:
قال عند قوله تعالى: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ثم ردّ سبحانه عليهم ما قالوه وأثبت لنفسه غاية الجود وسعة العطاء وأن كل ما في العالم من خير وهو سجل من ذلك فقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيفَ يَشَاءُ﴾ أي هو الجواد المتصرف وفق حكمته وسننه في الاجتماع.
وتقتير الرزق على بعض العباد لا ينافي سعة الجود وسريانه في كل الوجود، فإن له سبحانه الإرادة والمشيئة في تفضيل بعض الناس على بعض في الرزق بحسب السنن التي أقام بها نظام الخلق وعبر عن سعة الجود ببسط اليدين لأن الجواد السخي إذا أراد أن يبالغ في العطاء جهد استطاعته يعطي بكلتا يديه كما قال الأعشى يمدح جوادًا:
стр. 432
يداك يدا جود فكف مفيدة ... وكف إذا ما ضن بالزناد تنفق
وقال عند قوله تعالى: ﴿قَال يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ واليد، القدرة قال:
تحملت من عفراء ما ليس به ... ولا للجبال الراسيات يدان
وقال عند قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ أي ما عظموه حق التعظيم على الوجه الذي يليق به، والقبضة من القبض وتطلق على المقدار المقبوض بيمينه أي بقدرته (١).
التعليق:
الشيخ المراغي في صفة اليد مؤوّل معطل لم يشم رائحة مذهب السلف في هذه الصفة. غفر الله لنا وله.
١٢. صفة الفوقية:
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ أي أن الرب شأنه العزة والسلطان والعلو، والكبرياء ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ فلا ينبغي للمؤمن أن يتخذ وليًّا من عباده المقهورين تحت سلطان عزته المذللين لسنته التي اقتضتا حكمته، وعلمه بتدبير الأمر في خلقه (٢).
قال عند قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي يخاف هؤلاء الملائكة والدواب التي في الأرض ربهم الذي هو من فوقهم والقهر أن يعذبهم إن عصوه ويفعلون ما أمرهم به فيؤدون حقوقه ويجتنبون سخطه (٣).
١٣. صفة المعية:
قال عند قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ﴾.
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ﴾: أي وهو مطلع على أعمالكم أينما كنتم ويعلم متقلبكم ومثواكم (٤).
١٤. إثبات الرؤية:
قال عند قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾.
أي لا تراه الأبصار رؤية إحاطة تعرف كنهه ، ونحو الآية قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ ونفي إحاطة العلم لا يستلزم نفي أصل العلم، وكذلك نفي إدراك البصر للشيء، والاحاطة به لا يستلزم نفي الرؤية مطلقًا.
وبهذا يعلم أنه لا تنافي بين هذه الآية وبين الأحاديث الصحيحة الدالة على رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، فقد صح أنه ﷺ قال: (إنكم سترون ربكم يوم القيامةكما ترون القمر ليلة البدر كما ترون الشمس ليس دونها سحاب) فالمؤمنون يرونه، والكافرون عنه يو مئذ محجوبون كما قال جل ثناؤه: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ
стр. 433
لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ أي أن تعالى يرى العيون الباصرة رؤية إدراك وإحاطة، فلا يخفى عليه من حقيقتها ولا من علمها شيء.
وقد عرف علماء التشريح تركيب العين وأجزائها، ووظيفة كل منها في ارتسام للمرئيات فيها، كما عرفوا كثيرًا من سنن الله في النور ووظيفته في رسم صور الأشياء في العينين، ولكنهم لم يصلوا بعد إلى معرفة عنه الرؤية، ولا عنه قوة الإبصار ولا حقيقة النور.
قال صاحب اللسان: قال أبو إسحاق في الآية: "أعلَمَ الله أنه يدرك الأبصار، وفي هذا الأعلام دليل على أن خلقه لا يدركون الأبصار وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه فاعلم أن خلقًا من خلقه لا يدرك المخلوقون كنهه ولا يحيطون بعلمه، فكيف به تعالى والأبصار لا تحيط به .. " أ. هـ
• قلت: مما سبق ذكره في رسالة الماجستير وفي كتاب "المفسرون بين التأويل والإثبات" نلاحظ أن المراغي قد سلك مسلك متأخري الأشاعرة في تأويل الأسماء والصفات.
وعلى الرغم من تكرار بعض العبارات في رسالة الماجستير وكتاب المفسرون بين التأويل والإثبات، فإننا قصدنا من ذلك زيادة الفائدة والتنوع في مصادر النقل وخصوصًا في موضوع العقيدة؛ ولأن ذلك أدعى لتوثيق مثل هذا الأمر المهم. وبالله تعالى التوفيق.
وفاته: سنة (١٣٧١ هـ) إحدى وسبعين وثلاثمائة وألف.
من مصنفاته: "تهذيب التوضيح" جزءان أحدهما في النحو والآخر في التصريف و"تفسير المراغي" في ثلاثين جزءًا و"الوجيز في أصول الفقه".
٦٠٥ - المغربي الطائي *
النحوي، المقرئ: أحمد بن مطرف المغربي الطائي.
كلام العلماء فيه:
• إنباه الرواة: "كان واسع النفس في علم العربية واللغة ورأيت كتابًا في القراءات معللًا، ليس بالكبير، لأحمد بن مطرف الطائي، يدل على فضل وتضلع من العربية، شاهدته في حلب يباع في مجلدين متوسطين" أ. هـ
وفاته: بعد سنة (٣٥٠ هـ) خمسين وثلاثمائة ظنًّا.
من مصنفاته: "ديوان الكلم" وهو أكثر من عشرين مجلدًا في اللغة، وله كتاب في القراءات معللًا، ليس بالكبير.
٦٠٦ - أبو الفتح العسقلاني *
النحوي، اللغوي: أحمد بن مطرف بن إسحاق، أبو الفتح العسقلاني.
ولد: سنة نيف وعشرين وثلاثمائة، وقيل: (٣٢٠ هـ) عشرين وثلاثمائة.
стр. 434
من تلامذته: أبو عبد الله الصوري الحافظ وغيره.
كلام العلماء فيه:
• معجم الأدباء: "كان يلي القضاء بدمياط ... وكان أديبًا فاضلًا ... " أ. هـ
• قلت: وهو غير أحمد بن مطرّف بن إسحاق القاضي أبو الفتح المصري، الذي كان في أيام الحاكم كما ذكر ذلك ياقوت في معجم الأدباء (٢/ ٥١٩)، وصاحب روضات الجنات (١/ ٢٤٣) وغيرهما والله أعلم.
وفاته: سنة (٤١٣ هـ) ثلاث عشرة وأربعمائة.
من مصنفاته: له كتب مصنفة في الأدب وفي اللغة منها: "النوائح" ورسالة في الضاد والظاء، وديوان شعره جمعه.
٦٠٧ - العَظْمَة *
المفسر: أحمد مظهر العظمة.
ولد: سنة (١٣٢٩) تسع وعشرين وثلاثمائة وألف.
من مشايخه: المحدِّث الأكبر العلامة الشيخ محمد بدر الحسيني، والشيخ صالح الحمصي، وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• أعلام دمشقَ: "كان حنفي المذهبِ في توسطٍ واعتدال، وله شعر جيد، وكان من الخطباء المجيدين والكُتَّاب البارعين ... انتابه المرض فاقتصر على طبع المقدمات في التفسير لمجلة التمدن الإِسلامي" أ. هـ.
• في كتابه "كلمات" في موضعه المنشور في صحيفة المنار (دمشق) العدد (٧) (١/ ٣ / ١٣٦٩ هـ / ١٩٥٠ م) من مقاصد الذكرى -أي ذكرى المولد النبوي- قال:
"أيها العرب!
وأيها المسلمون!
احتفلوا بذكريات رسولكم الكريم وزعيمكم العظيم بتقدير شريعته، والعمل بها في حياتكم، فأنتم بها أقوياء أغنياء سعداء: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣/ ١٣٩) " أ. هـ.
ثم أذكر للقارئ العزيز بعض المواضع التي تعطي المُعتَقَدَ السليم لدى العظمة وخاصة في الصِّفات، على أنَّنا سوف نذكر ما قاله في معنى الاستواء وكيف جعله على ما هو عليه كما قال السَّلف، وإن العظمة كغيره في هذا القرن وللضعفِ العلمي الذي نعاني منه سنة بعد أخرى وخاصة في معرفة مقاصد الشريعة الغرّاء من ناحية العقيدة والتمييز بين مختلف فِرَق المسلمين في معرفة الاعتقاد الحق كالأشعرية، والماتريديّة، والإباضية، والشيعة، وغيرهم من الفرق الّتي أغرقت في الاعتقاد إن كان في الأسماء والصفات أو غيرها من الإيمان وغيره أيضًا. ولهذا قد ترى في هذا القرن علماء المسلمين يتذبذبون في تلك الفرق على أساس معين كأصحاب اللغة والنحو والبلاغة وغيرها من العلوم العقلية، يجعلون هوى إرشاد القارئ
стр. 435
إلى كلمة لغوية ما أو جملة ما أو عبارة على ما عندهم من العلم والشواهد وغيرها مما يُسنُد اتجاههم في توضيح تلك المعلومة حتى لو كان القول قول المعتزلة أو الأشعرية أو غيرهما من فرق المسلمين الّذين حادوا عن سبيل الاعتقاد الصحيح لدى السلف، ولعل مثالا نسوقه إليك على صاحب الترجمة فإنّه يرشد إلى الاحتفال بالمولد النبوي الشريف الّذي استحدثته الصوفية وبعض عامّة المسلمين لأمور عبادية بدعية وأخرى عدائية وغيرها جاهليَّة، نسأل الله -تعالى- العافية ... هكذا يوجه العظمة الناس لأمر ما كان على عهد رسول الله ﷺ ولا على عهد صحابته من بعده ولا من تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين. هذا منهج اعتمده صاحب الترجمة في موقف ما، ثمّ نذكر أنه تكلّم في صفة الاستواء بما تكلم به السلف الصَّالح والمعتقد الصحيح فيه، ففي وقت يميل إلى بعض بدع الصوفيّة وفي وقت آخر يميل ويتكلم كما قاله السَّلف، ولو أنّ القول بمولد الرَّسول ﷺ لا يوازي القول بصفة من صفات الله -تعالى- وخاصة القول بالاستواء - أي استواء الله تعالى على العرش -كما قالت المعتزلة بأن الاستواء يعني: الاستيلاء ... وغير ذلك مما تبعها من الانحرافات لديهم ولدى غيرهم من فرق المسلمين من بعدهم. وإليك بعض الأقوال للعظمة من كتب مختلفة ألفها في وقته:
قال في كتابه "حديث الثلاثاء" (١) (ص ٨) في بدعة عاشوراء في غير صومه:
"أما ما عدا الصيام فهو بدعة لم يسنّها رسول الله ﷺ ولا خلفاؤه ﵃ ولا استحبّها أحد من أئمّة المسلمين، لكل بعض المتأخرين من أتباع الأئمة كانوا يدعون إلى جملة أعمال ويروون فيها آثارًا لم يصح شيء منها لدى العلماء المحققين، أدى إلى ظهور بعضها الخلاف قديمًا بين جهلة السنة والشيعة".
وقال في الاستعانة بغير الله -تعالى- واستنكارها، وفي الرقى والتعويذات (ص ٧٦):
"فلا شك أن الاستعانة بغير الله ضرب من الشرك في آية صورة من الصور التي يكون عليها، ومن ذلك هذه التمائم التي يعلّقها كثير من العامة ومَن في حكمهم من الخاصة، فهي في حقيقة معناها لجوء إلى غير الله -تعالى- في دفع السوء المتوقع وجلب الخير المرتقب. وكل ما لم يكن شرعيًا من ذلك كان ضربًا من الشرك".
ثم قال (ص ٧٧): "أما ما كان مشروعًا من الرقى (التعويذات) كأن يكون بأسماء الله أو بكلامه أو ما أثر عن النبي ﷺ فهذا غير داخل فيما نستنكره طبعا، فعن عوف بن مالك ﵁ قال: كنا نرقي في الجاهليَّة فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ . فقال: اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك، وقد صرّحت بالتحذير من التمائم أحاديث عديدة".
ويقول بعدها: "ومن العجيب بعد هذا أن ترى في المسلمين في خرافات التمائم ما يُزري بهم، ويصوّر الإِسلام لمن لا يحرفه بصورة دين خرافي
стр. 436
وهو من ذلك بريء".
ثمّ نذكر إليك تفسيره لسورة الحديد وكيف ينزّه الله -تعالى- عما لا يليق به -سبحانه- حيث قال في كتاب "حديث الثلاثاء" (٢) (ص ٧٣):
"تسبيح الله والتسبيح له: تنزيهه عمّا لا يليق به وتعظيمه، وكل ما في السموات والأرض سبح لله بهذا المعنى بلسان حاله ومقاله إن كان عاقلًا، أو بلسان حاله إن كان غير عاقل وهو الأكثر كما عبّرت الآية الكريمة عنه بـ (ما)، وهو العزيز الحكيم في ملكه العظيم، وإرادته الغالبة وتدبيره الذي تصحبه الحكمة الكبرى ثوابًا وعقابًا وخلقًا وتصريفًا ... ".
وقال في تفسير سورة الحديد أيضًا (ص ٧٥): "هو الأول (لأنه الخالق الموجد)، والآخر (أي الباقي بعد فناء خلقه)، والظاهر (بالأدلة الناطقة الكثيرة التي تثبت وجوده)، والباطن (الذي لا تدركه الأبصار والحواس وهو يدرك الأبصار ولا تخفى عليه خافية)، وهو بكل شيء عليم (سواء أكان ظاهرًا أو باطنًا، جليًا أو خفيًّا).
ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ خلقها كذلك تنفيذًا لمقتضيات حكمته وإن يومًا عنده كألف سنة مما تعد من السنين، ثمّ استوى على عرشه استواء يليق بألوهيته، وقد خاض في هذا المعنى الخائضون".
انظر إلى تفسيره لآية الاستواء كيف اتَّخذ من قول السّلف في إيرادها كما يليق بحلاله سبحانه: هي القول لديه وذلك الاعتقاد الصحيح، والله - تعالى- الموفق.
وقال في تفسير نفس السورة (ص ٧٦): "وهو معكم أينما كنتم (لا يبرحكم علمه وقدرته ، والله بما تعملون بصير (من أمور دينكم ودنياكم).
كان الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- ينشد هذين البيتين:
إذا ما خَلَوتَ الدهرَ يوما فلا تقُل ... خَلَوتُ ولكن قُل علي رقيبُ
ولا تحسَبَن الله يَغفَلُ سَاعَةً ... ولا أن ما تخفي عَلَيهِ يَغيبُ"
وقال في كتاب "سبل السلام" (ص ٧٣) يتكلّم على ما حصل من المسلمين من جهل في دينهم ودنياهم من أجل جعلِ ما أنعم الله - تعالى- به للناس ولأمة المسلمين خاصة في خدمة الدين الإِسلامي، وعلو هذا الدين في الأرض لإصلاح البشريّة كما أنزله الله -تعالى- على رسوله ﷺ ليعلمَ به النَّاسَ ويخرجَهم من الظلمات إلى النور:
"والَّذي يحزُّ في النَّفس أيضًا أن الخرافات والبدع والأوهام من طبول وزمور وشموع وبخور وتواكل وانعزال وجمود وجهل باسم توكل أو قضاء وقدر ونحو ذلك مما لم يفهم فهمًا إسلاميًا صحيحًا، كل ذلك كثيرًا ما يعزى زورًا إلى الإسلام, ويستبسل أنصاره في سبيله كل الاستبسال، وهو يشوه الإِسلام الجميلَ الكريمَ
стр. 437
الّذي يتجه إلى معالي الأمور ويكره سفاسفها".
وانظر إلى قوله في علم التاريخ وجعله لخدمة الإِسلام لا للفتن والخلاف بين المسلمين حيث قال (ص ٣٠): "وكان السلف الصَّالح لهذا ونحوه من الإرشاد الصحيح يتعلمون مع العلم العمل، فيغنمون الثمرات النفيسة والحيوية الكثيرة، فقد كانت السورة من القرآن مثلًا تحفظ بعد العلم والعمل بها، وكان من الصّحابة الكرام من يُروون أبناءهم المغازي النبوية كما يُحفظونهم السورة من القرآن ليكون التّاريخ الرشيد للاقتداء الصحيح، وشتان بين هذا وأن يُدرس التاريخ للوقوف على أساليب المكر والغدر والفساد في الأرض" أ. هـ
قلت: هذه النقولات من بعض كتبه -وكما أسلفنا سابقًا- توضح للقارئ مدى محاربة "العظمة" للبدع والانحرافات الّتي عليها المسلمون اليومَ، إن كان في وقته أو في يومنا هذا، وكيف هو يميل، بل يتحرى القول الصحيح في توضيح شيء ما من آية أو سورة أو صفة من صفات الله -تعالى- أو إلى جعلِ مصب العلوم في خدمة الدين الإسلامي عمومًا، وفي تثبيت العقيدة الصحيحة الخالية من الوثنية والانحرافات وغيرها من مساوئ أهل البدع والشرك وأهوائهم، خصوصًا، ما ذكرناه سابقًا من أنه قد دعا إلى بدعة المولد. نقول: إنّ النهر العذبَ لا يضره إنْ وضع فيه حفنة من ملح، ولعل النفس في ما تتوق إليه من صفاء الناس ورؤية الفرَق الضالة تجعل من صاجها الاجتهاد والنفور ضدّ الضلال ولو كان فيها شيئًا من قشور، وعليه فالعظمة مصلح خيّر صاحب دين وتقوى. نسأل الله -تعالى- أن يلهمنا الصواب، إنَّه مجيب رحيم.
وفاته: سنة (١٤٠٣ هـ) ثلاث وأربعمائة وألف.
من مصنفاته: له تفسير أجزاء من القرآن الكريم منفردة: "جز عم، وتبارك، وقد سمع، والذاريات". و "سبل السلام" كلمات أذيعت تبيانا لمناهج الإِسلام.
٦٠٨ - الأُقليشي الداني *
النحوي، اللغوي: أحمد بن معد بن عيسى بن وكيل، أبو العباس التجيبي الإسكندري المعروف بالأقليشي (١) الداني.
من مشايخه: أبو الحسن بن طارق، وأبو بكر بن العربي، وأبو طاهر السلفي، وغيرهم كثير ...
من تلامذته: ابن عياد، وأبو الحسن بن كوثر بن بُيبَش وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• تكملة الصلة: "كان عالمًا عاملًا متصوفًا شاعرًا مجودًا مع التقدم في الصلاح والزهد والعزوف عن الدنيا وأهلها، والإقبال على العلم والعبادة" أ. هـ
• السير: "له تصانيف ممتعة، وشعر، وفضائل،
стр. 438
ويد في اللغة" أ. هـ
• الديباج: "كان عالمًا عاملًا متصوفًا شاعرًا" أ. هـ
• بغية الوعاة: "كان عالمًا بالحديث واللغة .. عاقلًا متضلعا في الأدب والورع والمعرفة بعلوم شتى والزهد والإقبال على العبادة والعروض عن الدنيا وأهلها" أ. هـ.
وفاته: سنة (٦٥١ هـ) إحدى وخمسين وستمائة في بغية الوعاة: قال ابن الأبار: مات بصوص في سنة (٥٥١ هـ) وقد نيف على الستين، وجزم الصفدي بأنه مات سنة خمسين، وقال السلفي والأدفوي، مات سنة (٤٤٩ هـ) وقيل (٥٥٠ هـ).
من مصنفاته: كتاب "النجم من كلام سيد العرب والعجم" و"الغرر من كلام سيد البشر" و"ضياء الأولياء" وغير ذلك.
٦٠٩ - ابن المُعَذَّل *
المفسر أحمد بن المعذل (١) بن غيلان بن الحكم العبدي -من بني عبد قيس- أبو الفضل.
من مشايخه: بشر بن عمر الزهراني، وعبد الملك بن الماجشون وغيرهما.
من تلامذته: إسماعيل القاضي، وأخوه حماد، ويعقوب بن شيبة السَّدوسي.
كلام العلماء فيه:
• ترتيب المدارك: "قال أبو عمر الصدفي: هو ثقة، كان أبو حَاتِم يثني عليه، قال أبو سليمان الخطابي: أحمد بن المعذل مالكي المذهب يعد في زهاد البصرة وعلمائها ... قال أبو القاسم الشافعي المعروف بعبيد: كان ابن المعذل من العلماء الأدباء الفصحاء النظار. قال ابن حارث: كان فقيهًا بمذهب مالك، ذا فضل وورع ودين وعبادة ...
وقال ابن الجراح في كتابه (الورقة): كان ابن المعذل فقيهًا نبيلًا له أشعار ملاح.
قال أبو إسحاق الحضرمي وغيره: كان أحمد بن المعذل من الفقه والنسك والأدب والحلاوة في غاية، وكان أخوه عبد الصمد يؤذيه ويهجوه.
كان أحمد بن المعذل: من الأبهة والتمسك بالمنهاج والتجنب العيب والتعرض له في أيدي الناس، وضمار الزهد فيه على غاية ...
وذكر ابن الحارث عنه أنه كان يقف في القرآن، ولعله ذلك تقية، ولعله في وقت المحنة أو كراهة للكلام فيما لم يتكلم فيه السلف كما ذكرنا عن غيره، وأما أبو الفرج الأصبهاني في كتابه الكبير (٢) فنحله ما لا يقوله ولا يعرف له
стр. 439
بوجه .. " أ. هـ
• تاريخ الإِسلام: "قال أبو إسحاق الشيرازي: كان من أصحاب عبد الملك ابن الماجشون ومحمد بن سلمة وكان ورعًا متبعًا للسنة، وكان مفوهًا له مصنفاته.
وقال أبو بكر النقاش: قال لي أبو خليفة الجمحي: أحمد بن المعذل أفضل من أحمدكم، يريد أحمد بن حنبل.
وقال أبو إسحاق الحضرمي: كان أحمد بن المعذل من الفقه والسكينة والأدب والحلاوة في غاية، وكان أخوه عبد الصمد بن المعذل الشاعر يؤذيه ويهجوه، وكان أحمد يقول له: أنت كالإِصبع الزائدة، إن تركت شانت، وإن قطعت آلمت.
ولأحمد بن المعذل أخبار. وكان أهل البصرة يسمونه الراهب لدينه وتعبده.
قال أبو داود: وإن ابن المعذل ينهاني عن طلب الحديث.
وقال حرب الكرماني: سألت أحمد بن حنبل: أيكون من أهل السنة من قال: لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق. قال: لا, ولا كرامة. وقد بلغني عن ابن معذل الذي يقول بهذا القول أنه فتن الناس من أهل البصرة كثير.
وقال أبو قلابة الرقاشي: قال لي أحمد بن حنبل: ما فعل ابن معذل؟
قلت: هو على نحو ما بلغك.
فقال: أما إنه لا يفلح.
وقال نصر بن علي: قال الأصمعي، ومر به أحمد بن معذل فقال: لا تنتهي أو تفتق في الإِسلام فتقًا.
قلت: قد كان ابن المعذل من بحور العلم، لكنه لم يطلب الحديث، ودخل في الكلام، ولهذا توقف في مسألة القرآن، ﵀" أ. هـ
• الوافي: "كان فقيهًا عفيفًا ورعًا عالمًا بمذهب مالك بن أنس متكلمًا، له مصنفات، وكان بعيدًا من الهزل مؤثرًا للجد، نبيهًا خطيرًا، وله أشعار زهدية، وأشعار حكمية .. " أ. هـ
• قلت: إن الوقف في فتنة خلق القرآن، هو كالذي قال بخلقه كالجهمية في وقتها وأتباعهم.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (١٢/ ٣٥٨): "الجهمية: هم نفاة صفات الله، المتبعون للصابئة الضالة، وصارت فروع التجهم تجول في نفوس كثير من الناس فقال بعض من كان معروفًا بالسنة والحديث: ولا نقول مخلوق ولا غير مخلوق بل نقف، وباطن أكثرهم موافق للمخلوقية ولكن وإن المؤمنون أشد رهبة في صدورهم من الله .. " أ. هـ
وقال الشيخ حافظ الحكمي في "معارج القبول" (١/ ٢٨٠): "قضى السلف الصالح ﵏ على الطائفة الواقفة وهم القائلون: لا نقول القرآن مخلوق ولا غير مخلوق بأن من كان منهم يحسن الكلام فهو جهمي، ومن لم يحسن الكلام فهو منهم، بل علم أنه كان جاهلًا جهلًا بسيطًا، فهذا تقام عليه الحجة بالبيان والبرهان، فإن تاب وآمن أنه كلام الله تعالى وإلا فهو شر من الجهمية" أ. هـ
ومما نقلناه عن شيخ الإِسلام ابن تيمية والشخ حافظ الحكمي نعلم أن: (الواقفة) في خلق
стр. 440
القرآن يقولون: إن القرآن كلام الله تعالى ولا نعلم كيف صفة كلام الله تعالى أهو مخلوق أم غير مخلوق وخاضوا في ذلك! وهذا مردود عليهم وهم في ذلك كالذي يقول بخلق القرآن، وأهل السنة والسلف يقولون: إن كلام الله غير مخلوق وهو المعتقد الصحيح والصواب الذي ما دونه كفر وضلال وانحراف عن الطريق القويم؛ لذلك فإن ابن المعذل كما ذكر الذهبي في تاريخه نقلًا عن الجماعة التي ذكرت حاله للإمام أحمد: أنه يقف في القرآن! وما قال القاضي عياض في (ترتيب المدارك) بأن ذلك كان تقية في وقت المحنة وكراهة الكلام لعل له وجهة في ذلك، ولكن ما جاء عن الذهبي هو أحرى وأولى بالأخذ به لما كان عليه ابن المعذل من العلم رغم قلة الحديث وعدم طلبه، ودخوله في علم الكلام، وهذا ما وقعت فيه الواقفة وقتها.
ورحم الله تعالى ابن أبي داود حيث قال في حائيته:
وقيل غيرُ مخلوقٍ كلامُ مليكنا ... بذلك دانَ الأتقياءُ وأفصحوا
ولا تكُ في القرآن بالوقف مائلًا ... كما قال أتباع لجهم وأسجحوا (١)
ولا تقل القرآنُ خلقًا قرأئه ... فإن كلام الله باللفظ يوضحُ
ونذكر قول المعلمي في "التنكيل" (١/ ٢١٠) حول أحمد المعذل صاحب الترجمة ما نصه بعد ذكر ما قاله فيه أخوه:
أضاع الفريضة والسنة ... فتاه على الأنس والجنة
وما بعده من الأبيات.
"أما البيت فالرواية فيه (أطاع الفريضة .. ) كما شرحته في (الطليعة) (ص ٦٣) فتجلد الأستاذ وقال في (الترحيب) (ص ٤): "هذا تمحل لو كان مراده هذا لقال: أقام، وإنما الطاعة لله ولرسوله لا للعمل، وهذا ظاهرا، كذا قال ولو لم يوجد هذا الشعر إلا في كتاب واحد وفيه "أطاع" ولم يكن في السياق وغيره ما يدل على صحة ذلك ما ساغ لعالم تغييره لأن العربية لا تضيق بمن "أطاع الفريضة" بل يمكن تخريجها على عدة أوجه كالمجاز والتضمين وغير ذلك فكيف بالتغيير إلى أضاع مع إبطال الأدلة المعنوية كعجز البيت، والبيت الثاني وسبب قول ذلك الشعر وما هو معلوم من حال أحمد. هذا كله توضيح للواضح، وقابل هذا بما يأتي في ترجمة الشافعي في الكلام على ما وقع في (مختصر المزني): "وليست الأذنان من الوجه فيغسلان".
وأما عبد الملك فلم يزهدوا فيه لاستجازته الغناء فقد سبقه إليه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الجمع على توثيقه، وإنما زهدوا في عبد الملك لمنكرات في روايته ولاتهامه برأي جهم كما ترى ذلك في ترجمته من (التهذيب)، وأحمد بن المعذل لم يطعن أحد في روايته ولا عقيدته ولا عرف بالترخيص في الغناء فيما علمت وقد وثق، ولا يضر العالم أن يكون في شيوخه مطعون فيه، ومن شيوخ أحمد من
стр. 441
أصحاب مالك محمّد بن مسلمة الذي تجاهله الأستاذ في (التأنيب)، ونبهت عليه في (الطليعة) (ص ٨٧ - ٨٩) فاعترف الأستاذ في (الترحيب)، وسمع أحمد أيضًا من بشر بن عمر وإسماعيل بن أبي أويس وغيرهما من أصحاب مالك.
وذكر الأستاذ ما يتعلق بمذهب مالك من الأخذ بالقياس، وسألم بذلك في ترجمة مالك إن شاء الله تعالى" أ. هـ
قلت: قد وثق في الرواية من جانب، ولكن اتهم بالوقف في خلق القرآن، كما أوردنا ذلك سابقًا وليس كما ذكر المعلمي -رحمه الله تعالى- أنه لم يطعن في عقيدته، على ما ذكر من كلام الإِمام أحمد فيه .. والله تعالى أعلم.
من أقواله:
وقال يموت بن المزرع، عن المبرد، عن أحمد بن المعذل قال: كنت عند ابن الماجشون، فجاء بعض جلسائه فقال: يا أبا مروان أعجوبة.
قال: وما هي؟
قال: خرجت إلى حائطي بالغابة، فعرض لي رجل فقال: اخلع ثيابك، فأنا أولى بها.
قلت: لِمَ؟
قال: لأني أخوك وأنا عريان.
قلت: فالمؤآساة؟
قال: قد لبستها برهةً.
قلت: فتعريني وتبدو عورتي؟
قال: قد روينا عن مالك أنه قال: لا بأس للرجل أن يغتسل عريانًا.
قلت: يلقاني الناس فيرون عورتي.
قال: لو كان أحد يلقاك في هذه الطريق ما عرضت لك.
قلت: أراك ظريفًا، فدعني حتى أمضي إلى حائطي فأبعث بها إليك.
قال: كلا، أردت أن توجه عبيدك فيمسكوني.
قلت: أحلف لك.
قال: لا، روينا عن مالك قال: لا تلزم الأيمان التي يحلف بها اللصوص.
قلت: فاحلف أني لا أحتال في يمني.
قال: هذه يمين مركبة.
قلت: دع المناظرة، فوالله لأوجهن بها إليك طيبة بها نفسي.
فأطرق ثم قال: تصفحت أمر اللصوص من عهد رسول الله ﷺ إلى وقتنا، فلم أجد لصًا أخذ بنسيئة، وأكره أن ابتدع في الإِسلام بدعة يكون علي وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، اخلع ثيابك.
فخلعتها، فأخذها وانصرف.
وفاته: نحو سنة (٢٤٠ هـ) أربعين ومائتين.
من مصنفاته: "أحكام القرآن".
٦١٠ - الصَّدفي *
النحوي، المفسر أحمد بن مغيث بن أحمد بن
стр. 442
مغيث الصدفي الطليطلي، أبو جعفر.
ولد سنة (٤٠٦ هـ) ست وأربعمائة.
من مشايخه: أبو بكر خلف بن أحمد، وأبو محمد بن عباس وغيرهما.
من تلامذته: صاعد بن أحمد بن صاعد، وأبو محمد الشارقي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• الصلة: "هو من جلة علمائها -طليطلة-، من أهل البراءة والفهم والرياسة في العلم، متفننًا، عالمًا بالحديث وعلله، وبالفرائض والحساب واللغة والإعراب والتفسير وعقد الشروط، وكان كلفًا بجمع المال ... " أ. هـ
• شجرة النور: "الصدفي: كبير طليطلة وفقيهها، كان حافظًا بصيرًا بالفنون والأحكام نظارًا فصيحًا أديبًا ... " أ. هـ.
وفاته: سنة (٤٥٩ هـ) تسع وخمسين وأربعمائة.
من مصنفاته: "المقنع في عقد الشروط".
٦١١ - ابن مكتوم *
المقرئ: أحمد بن مكتوم بن أحمد بن محمد بن سليم القيسي، الدمشقي، أبو العباس ابن أبي البشر الشافعي، تاج الدين.
من مشايخه: سمع من أبيه وأبي محمد الحسن بن علي بن الحسين ابن البن، وأبي عبد الله الحسين بن المبارك بن الزبيدي وغيرهم.
من تلامذته: سمع منه قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة وغيره.
كلام العلماء فيه:
• المقفى الكبير: "الفقيه، المقرئ، الصالح، العدل".
وقال: "كان صالحًا خيرًا عدلًا فاضلًا، مقبلًا على شأنه كثير العبادة، سمحا" أ. هـ
وفاته: سنة (٦٧٠ هـ)، سبعين وستمائة.
٦١٢ - الأَزْدِي *
المقرئ: أحمد بن منذر بن جهور (١) بن أحمد الأزدي الإشبيلي المالكي، أبو العباس.
من مشايخه: أخذ القراءات عن أبي بكر بن صاف، وروى عن أبي عبد الله بن المجاهد وغيرهما.
من تلامذته: قرأ على إبراهيم بن وثيق وغيره.
كلام العلماء فيه:
• تكملة الصلة: "لم يكن يداخل الولاة ولا أصحابهم ولا يقوم لأحد منهم إن رآه" أ. هـ
• الديباج المذهب: "كان مقرئًا بالسبع، متقدمًا في الصلاح، موصوفًا بالزهد فقيهًا على مذهب مالك" أ. هـ
• شجرة النور: "المعروف بالصلاح والزهد وإجابة الدعوة" أ. هـ
وفاته: قيل سنة (٦١٥ هـ) خمس عشرة وستمائة، وقيل قبل سنة (٦١٨ هـ)، ثمان عشرة وستمائة.
стр. 443
من مصنفاته: له في رواية ورش عن نافع تأليفًا.
٦١٣ - القاضي *
النحوي: أحمد منير القاضي، ابن السيد خضر بن محمد بن خضر بن عبد الله بن خلف بن أحمد الشهير بالشقاقي، ينتمي نسبه إلى السيد أحمد الحموي.
ولد: سنة (١٣١٢ هـ) اثنتي عشرة وثلاثمائة وألف.
وفاته: سنة (١٣٨٨ هـ) ثمان وثمانين وثلاثمائة وألف.
من مصنفاته: "الإظهار في النحو"، و"نظم حروف المعاني"، و "أدب القصة في القرآن الكريم".
٦١٤ - ابن مُجاهِد *
المقرئ: أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد العطشي البغدادي التميمي، أبو بكر.
ولد: سنة (٢٤٥ هـ) خمس وأربعين ومائتين.
من مشايخه: سعدان بن نصر، والرمادي، وتلا على قُنبل وغيرهم.
من تلامذته: ابن شاهين، والدارقطني، وتلا عليه أبو بكر الشذاني وغيرهم.
كلام العلماء فيه:
• السير: "شيخ المقرئين. وقد انتهى إليه علم الإقراء في وقته، قال أبو عمرو الداني: فاق ابن مجاهد سائر نظائره مع اتساع علمه، وبراءة فهمه، وصدق لهجته، وظهور نسكه، وقيل: كان صاحب لطف وظرف يجيد معرفة الموسيقى" أ. هـ
• تاريخ الإِسلام: "وكان ثقة مأمونا. وقال علي بن عمر المقريء: كان لابن مجاهد في حلقته أربعة وثمانون خليفة يأخذون على الناس.
وقيل: كان ابن مجاهد يجيد الغناء والموسيقى، وفيه ظرف البغاددة مع الدين والخير.
وسمعت فارس بن أحمد يقول: انفرد ابن مجاهد عن قنبل بعشرة أحرف لم يتابع عليها" أ. هـ
• البداية والنهاية: "وكان ثقة مأمونًا، وكان ثعلب يقول: ما بقي في عصرنا أحد أعلم بكتاب الله منه، وقد رآه بعضهم في المنام وهو يقرأ فقال له: أما مت؟ فقال: بلى ولكن كنت أدعو الله عقب كل ختمة أن أكون ممن يقرأ في قبره فأنا ممن يقرأ في قبره" أ. هـ
• غاية النهاية: "شيخ الصنعة ... ولا أعلم أحدًا من شيوخ القراءات أكثر تلاميذ منه ولا بلغنا ازدحام الطلبة على أحد كازدحامهم عليه" أ. هـ
وفاته: سنة (٣٢٤ هـ) أربع وعشرين وثلاثمائة.
من مصنفاته: "القراءات السبعة" أو "الأحرف السبعة" وهو مطبوع مشهور، و"قراءة ابن كثير"،
стр. 444
و"الياءات"، و"الهاءات".
٦١٥ - ابن مَردَويه *
المفسر: أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك بن موسى بن جعفر الأصبهاني، أبو بكر، ويقال له ابن مردويه الكبير.
ولد: سنة (٣٢٣ هـ) ثلاث وعشرين وثلاثمائة.
من مشايخه: أبو سهل بن زياد القطان، وعبد الرحمن بن متُّويه البلخي وغيرهما.
من تلامذته: عبد الرحمن بن منده وأخوه عبد الوهاب، ومحمد بن أحمد بن شكرويه وغيرهم.
كلام العلماء فيه:
• السير: "عمل المستخرج على صحيح البخاري وكان قيما بمعرفة هذا الشأن بصيرًا بالرجال طويل الباع، مليح التصانيف .. كان من فرسان الحديث، فهما يقظا متقنًا، كثير الحديث جدًّا، ومن نظر في تواليفه عرف عليه من الحفظ ... قال أبو بكر بن علي: هو أكبر أن ندل عليه وعلى فضله وعلمه وسيره وأشهر بالكثرة والثقة من أن يوصف حديثه ... وقال الإمام إسماعيل لو كان ابن مردويه خراسانيا لكان حديثه أكثر من حديث الحاكم ... " أ. هـ
• الشذرات: "وإن إمامًا في الحديث بصيرًا بهذا الشأن" أ. هـ
• الأعلام: "حافظ مؤرخ، مفسرا". هـ
فائدة من أقواله:
في السير: "وجاز لي أبو نعيم الحداد: سمعت أبا بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن مردويه يقول: رأيت من أحوال جدي من الديانة في الرواية ما قضيت منه العجب من تثبته وإتقانه، وأهدى له كبيرة حلاوة، فقال: إن قبلتها، فلا آذن لك بعد في دخول داري وإن ترجع به تزد علي كرامة" أ. هـ
وفاته: سنة (٤١٠ هـ) عمر وأربعمائة، وله نحو من تسعين سنة.
من مصنفاته: "التفسير"، و"التاريخ"، و"الأبواب" و"الشيوخ".
٦١٦ - ابن طَاوُوس *
المفسر: أحمد بن موسى بن جعفر بن محمد بن أحمد بن عبد بن طاووس (١) العلوي الحسني الفاطمي الشيعي، جمال الدين.
من مشايخه: نجيب الدين بن نما، ويحيى بن محمد بن يحيى بن الفرج السوراوي وغيرهما.
من تلامذته: الحسن بن داود الحلي، والعلامة الحلي وغيرهما.
стр. 445
كلام العلماء فيه:
• أمل الآمل: "كان عالمًا فاضلًا صالحًا زاهدًا عابدًا ورعًا فقيهًا محدثًا ثقة شاعرًا جليل القدر عظيم الشأن" أ. هـ
• أعيان الشيعة: "قال تلميذه الحسن بن داود في كتاب رجاله: أحمد بن موسى بن جعفر بن محمد بن أحمد بن محمّد بن أحمد بن محمّد الطاووس العلوي الحسني سيدنا الطاهر الإِمام المعظم فقيه أهل البيت جمال الدين أبو الفضائل مصنف مجتهد كان أورع فضلاء أهل زمانه قرأت عليه أكثر البشرى والملاذ وغير ذلك من تصانيفه، وأجاز لي جميع تصانيفه ورواياته وكان شاعرًا مطلقًا بليغًا منشئًا مجيدًا وحقق الرجال والرواية والتفسير تحقيقًا لا مزيد عليه، رباني وعلمني وأحسن إلى وأكثر فوائد هذا الكتاب ونكته من إشاراته وتحقيقه جزاه الله تعالى عني أفضل جزاء المحسنين".
وقال أيضًا: "وقد وصفه العلامة في إجازاته وأخاه عليًّا بالسيدين الكبيرين السعيدين الزاهدين العابدين الورعين ووصفهما الشهد في بعض إجازاته بالإمامين المرتضيين ووصف الشهد الثاني صاحب الترجمة في إجازته لوالد البهائي بالسيد الإِمام العلامة جمال الدين أبي الفضائل، وكان مجتهدًا واسع العلم إمامًا في الفقه والأصولين والأدب والرجال ومن أورع فضلاء أهل زمانه وأتقنهم وأثبتهم وأجلهم وهو أول من قسم الأخبار من الإمامية إلى أقسامها الأربعة المشهورة: "الصحيح والموثق والحسن والضعيف" واقتفى أثره في ذلك تلميذه العلامة وسائر من تأخر عنه من المجتهدين إلى اليوم وزيد عليها في زمن المجلسيين على ما قيل بقية أقسام الحديث المعروفة من المرسل والمضمر والمعضل والمسلسل والمضطرب والمدلس والمقطوع والموقوف والمقبول والشاذ والمعلق وغيرهما. والصحيح أن ذلك كان قبل المجلسيين كما لا يخفى، ولذلك الذي تقدم من أن هذا التقسيم حادث أنكر الأخباريون هذا التقسيم وهذا الاصطلاح الجديد حتى أفرط بعضهم سامحه الله فقال إن الدين هدم مرتين أحدهما يوم أحدث هذا الاصطلاح وبعضهم يقول يوم ولد العلامة الجلي صاحب هذا الاصطلاح وهو إنكار في غير محله كما حقق في الأصول وذكرناه في مقدمات كتابنا البحر الزخار في شرح أحاديث الأئمة الأطهار وفق الله لإكماله" أ. هـ
• الأعلام: "من فقهاء الإمامية ومحدثيهم، من أهل الحلة، لقبه بعض المؤرخين بفقيه أهل البيت ... وهو مصنف مجتهد" أ. هـ
من أقواله: أعيان الشيعة:
"قال وقال المصنف عند عزمه على التوجه إلى مشهد أمير المؤمنين صلوات الله عليه لعرض الكتاب الميمون عليه مستجديًا سبب يديه:
أتينا نباري الريح منا عزائم ... إلى ملك يستثمر الغوث آمله
كريم المحيا ما أظل سحابه ... فأقشع حتى يعقب الخصب هاطله
إذا آمل أشفت على الموت روحه ... أعادت عليه الروح فاتت شمائله
стр. 446
من الغرر الصيد الأماجد سنخه ... نجوم إذا ما الجو غابت أوافله
إذا استنجدوا للحادث الضخم سددوا ... سهامهم حتى تصاب مقاتله
وها نحن من ذاك الفريق يهزنا ... رجاء تهز الأريحي وسائله
وأنت الكمي الأريحي فتى الورى ... فرو سحابا ينعش الجدب هامله
وإلا فمن يجلو الحوادث شمسه ... وتكفى به من كل خطب نوازله
وفاته: سنة (٦٧٣ هـ) ثلاث وسبعين وستمائة.
من مصنفاته: "ملاذ علماء الإمامية" في الفقه، و "التفسير" و"شواهد القرآن".
٦١٧ - البَطَرْني *
المقرئ: أحمد بن موسى بن عيسى بن أبي الفتح البطرني (١) الأنصاري، أبو العباس.
من مشايخه: قرأ على عبد الأعلى بن عبد الأعلى الشبارتي، ومحمد بن محمد بن أحمد بن مشليون الأنصاري وغيرهما.
من تلامذته: قرأ عليه محمّد بن سعد بن أحمد بن برّال الأنصاري، وأحمد بن فرحون بن عبد الله النفزي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• الدرر الكامنة: "كان ماهرًا في القراءات والحديث مشاركًا في فنون" أ. هـ
• شجرة النور: "شيخ الشيوخ بها، وعمدة أهل التحقيق والرسوخ الصالح الراوية" أ. هـ
• تراجم المؤلفين التونسيين: "شيخ تونس في القراءات" أ. هـ
وفاته: سنة (٧٠٣ هـ)، وقيل (٧١٠ هـ) ثلاث وقيل عشر وسبعمائة.
من مصنفاته: نظم قراءة يعقوب من طريق الداني نظمًا حسنًا.
٦١٨ - أبو القاسم الحنبلي *
المقرئ: أحمد بن موسى الموصلي، أبو القاسم الحنبلي.
من مشايخه: عبد الصمد بن أبي الجيش، والشيخ إبراهيم الرقي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• معرفة القراء: "شيخ صالح عاقل عارف بالقراءات كان فصيحًا عارفًا بالتجويد ... " أ. هـ
• غاية النهاية: "صالح، عارف، مجود، فصيح" أ. هـ.
وفاته: سنة (٧١٠ هـ) عشر وسبعمائة، وقد جاوز الستين.
стр. 447
٦١٩ - ابن قرصة الفيُّومي *
النحوي: أحمد بن موسى بن محمد بن أحمد عُرف بابن قرصة الفيومي ثم القُوصي، عز الدين، الشافعي.
من مشايخه: أبو محمّد بن عبد السلام وغيره.
كلام العلماء فيه:
• الطالع السعيد: "كان يصدر عنه عجائب يحكيها أصحابنا لا يختلفون فيها، منها ما حكاه شيخنا تاج الدين أبو الفتح محمد بن الدشناوي، أنه كان قد تأخر طلوع النيل، وحصل للناس منه ضرر، قال: فمررت به، فقال: يا شيخ تاج الدين، رأيت النيل وقد طلع ووصل إلى المكان الفلاني، فقلت له: في النوم؟ فقال: في اليقظة يا فقيه ... فما جاء وقت العصر حتى زاد ونودي عليه بالزيادة ووصل إلى ما قال ... ! وأخبر جمال الدين ابنه عنه، وكان فقيهًا ثقة، وغيره، أنه قال لزوجته: قومي الحقي أمك تخاصمت مع زوجها، وخرجت إلى برا الشارع، وعليها قميص صفته كذا وكذا، فكان كما قال ... ! وأنه قال مرة: أخبرني هذا الباب أن ابن عمي مات في هذه الساعة أرخوا، فكان كذلك. ... ! " أ. هـ.
• المقفى: "وكان فقيهًا أديبًا شاعرًا، وكان قليل الكلام يتكلم بإعراب .. وتصدر منه عجائب كالمكاشفات" أ. هـ.
• الدرر: "ولي نظر قوص والإسكندرية وصادره الشجاعي ثم كرمه، وكان لا يتكلم إلا بالإعراب، وله مسائل فقهية ونحوية ودروس بالأفرمية بقوص" أ. هـ.
وفاته: سنة (٧١١ هـ) وقيل (٧٠١ هـ) وقيل (٧١٠ هـ) إحدى عشر وقيل إحدى وقيل عشر وسبعمائة.
من مصنفاته: له كتاب سماه "نتف المحاضرة" أو "نتف المذاكرة وتحف المحاضرة".
٦٢٠ - ابن الوكيل *
اللغوي: أحمد بن موسى بن علي بن الوكيل، شهاب الدين.
من مشايخه: صلاح الدين العفيفي ونجم الدين بن الجابي، وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• إنباء الغمر: "كان يتوقد ذكاء" أ. هـ.
• البغية: "وقال الفاسي: . . وحصل علمًا جمًا، ولولا معاجلة المنية له لبهرت فضائله" أ. هـ.
وفاته: في صفر سنة (٧٩١ هـ) إحدى وتسعين وسبعمائة.
من مصنفاته: مختصر "المهمات" في الفقه، ومختصر "ملحة الإعراب" للحريري وشرحها.
стр. 448
٦٢١ - المَتْبولي *
المقرئ: أحمد بن موسى بن أحمد بن عبد الرحمن القاهري الحسني الشافعي ويعرف بالمتبْولي نسبة لشيخه البرهان، أبو الفتح الشهاب.
من مشايخه: اشتغل على العلم البلقني، والعز بن عبد السلام البغدادي، وصحب البرهان المتبولي وعرف به وغيرهم.
كلام العلماء فيه:
• الضوء اللامع: "خطب وقرأ على العامة، وتصدر لقراءة الجوق، وتكسب بذلك وكذا بالشهادة، وحج وتنزل في سعيد السعدا وغيرها ... واستنابه الزين زكريا في القضاه وباشر ذلك غير متحول عن طريقته، وجمع حينئذ في آداب القضاء تصانيف وكثر تردده إلى وإقباله علي وغالب ما أثبته مما أعلمني به" أ. هـ.
• الأعلام: "مقرئ من الشافعية، أفتى ودرس، واستنيب في القضاء" أ. هـ.
• قلت: إن من مصنفاته: "المدد الفائض في الذب عن ابن الفارض" هو ابن الفارض هذا هو: عمر بن علي بن المرشد بن علي الحموي، المتوفى سنة (٦٣٢ هـ)، الصوفي، حجة أهل وحدة الوجود، وحامل لواء الشعراء، وقد تكم العلماء في حاله، وانحراف عقيدته انحرافًا -نسأل الله العافية مما قال في تائيته، وما اعتقد من سوء الاعتقاد فيها- والذب عنه كما فعل صاحب الترجمة لا يزيد في الكلام عنه حرفًا، بل جعل من يذب عنه في مصاف اعتقاده، والدفاع عنه من عالم ما أو مسلم يقدح في منهج اعتقاده، بل قد يؤدي إلى عدم فهمه وقوله المحضور من سوء الاعتقاد والنحول ... نسأل الله تعالى العفو والعافية.
وفاته: كان حيًّا قبل سنة (٩٠٢ هـ) اثنتين وتسعمائة.
من مصنفاته: مما صنفه الرد على البقاعي في إنكار قول يا دائم المعروف وعمل "المدد الفائض في الذب عن ابن الفارض"، و"آداب القضاء".
٦٢٢ - اللبان *
المقرئ: أحمد بن مؤمن بن أبي نصر، أبو العباس الأسعردي المعروف باللبان.
من مشايخه: أبو شامة، والشيخ زين الدين النواوي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• معرفة القراء: "الإمام المقرئ الجود ... وكان من خيار الشيوخ دينًا وتواضعًا وفضيلة، ومعرفة بالقراءات ... " أ. هـ.
• غاية النهاية: "مقرئ حاذق مجود ... وجلس تحت قبة النسر فأقرأ وكان دينًا متواضعًا وهو والد الشيخ أبي عبد الله بن اللبان الفقيه الشافعي الصوفي الشاذلي" أ. هـ.
وفاته: سنة (٧٠٦ هـ) ست وسبعمائة عن سبعين سنة.
стр. 449
٦٢٣ - أحمد النويلاتي *
النحوي، اللغوي: أحمد النويلاتي.
ولد: سنة (١٢٨٥ هـ) خمس وثمانين ومائتين وألف.
من مشايخه: أخذ علوم النحو والصرف والمنطق عن الشيخ بكري العطار، والشيخ عمر البيطار وغيرهما.
من تلامذته: الأستاذ سعيد الأفغاني (مدرس العلوم العربية في الجامعة السورية)، والدكتور كامل نصري وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• تاريخ علماء دمشق: "كان مدرسا دينًا وواعظا جليلًا في الجامع الأموي يجتمع عليه الكثير من المستمعين، ويحتشدون حوله فيفسر الآيات ويعظ بحماس، ويسرد الأحاديث الشريفة ويذكر الأمثلة العملية المقتبسة من الأمراض الاجتماعية وكانت موضوعات دروسه حديث المجالس العامة والخاصة. تأثر بالأستاذ طاهر الجزائري وصار يهاجم الخرافات المدسوسة على الدين، ويستنكر الأشياء التي نشوه نقاوته؛ فاتهموه بالخروج عن الدين" أ. هـ.
وفاته: سنة (١٣٥٧ هـ) سبع وخمسين وثلاثمائة وألف.
٦٢٤ - الحُسَيني *
المفسر: أحمد بن ناصر الحسيني، برهان الدين أبو المعالي.
كلام العلماء فيه:
• معجم المفسرين: "قال الصفدي إمام محراب الحنفية الذي بمنصورة الحلبيين الأموي بدمشق، كان مفتيًا عالمًا زاهدًا .. " أ. هـ.
وفاته: سنة (٦٨٩ هـ) تسع وثمانين وستمائة.
٦٢٥ - الباعُوني *
النحوي، المفسر: أحمد بن ناصر بن خليفة بن فرج بن عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن المقدسي الناصري الباعوني (١)، القاضي شهاب الدين نزيل دمشق.
ولد: سنة (٧٥١ هـ) إحدى وخمسين وسبعمائة.
من مشايخه: تاج الدين السبكي، هو ابن خطيب يبرود، هو ابن قاضي الزبداني، وأخذ النحو عن العنابي وغيرهم.
من تلامذته: ولده، هو ابن حجر وجماعة.
كلام العلماء فيه:
• المنهل الصافي: "قال تقي الدين المقريزي في
стр. 450
تاريخه: وباعونة (قرية من قرى) عجلون سميت بذلك من أجل أنه كان موضعها دير للنصارى واسم راهب الدير باعونة، فلما أزيل الدير وعمل مكانه القرية عرفت بباعونة، وكان أبو أحمد هذا -يعني صاحب الترجمة- حائكًا بباعونة ثم اتجر في البز، وركض به في البلاد، وولد له إسماعيل وأحمد فتعلق إسماعيل بصحبة الفقراء وسكن صفد، ونظر في التصوف، وولي قضاء الناصرية نيابة عن قاضي صفد، فتخرج به أخوه أحمد صاحب الترجمة وقرأ كتاب المنهاج ولازم الاشتغال، وكان فيه ذكاء وفطنة ... " أ. هـ.
• الضوء: "اشتغل بالفقه وسمع الحديث وكان ذكيًا فطنًا فقال الشعر وكتب الخط الجيد ... وكان قوي الذكاء.
قال القاضي تقي الدين الشهبي: كان يكاتب السلطان فيما يريد فيرجع الجواب بما يختار. وكان خطيبًا بليغًا، له اليد الطولى في النظم والنثر والقيام التام في الحق. طلب منه برقوق اقتراض مال الأيتام فامتنع فعزل في سنة (٧٩٦ هـ) .... وكان إمامًا بارعًا دينًا فاضلًا آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر شكلًا حسنًا منور الشيبة طوالا ذا نظم ونثر فائقين ... جميل المحاضرة وحسن المذاكرة وكثرة الفوائد وسرعة البكاء والعفة الزائدة لكنه كان شديد الإعجاب بنفسه" أ. هـ.
من أقواله: له قصيدة في العقيدة أولها:
أثبت صفات العلى وانف الشبيه فقد ... أخطأ الذين على ما قد بدا جمدوا
وضل قوم على التأويل قد عكفوا ... فعطلوا وطريق الحق مقتصد
وفاته: سنة (٨١٦ هـ) ست عشرة وثمانمائة.
من مصنفاته: نظم كتابًا في التفسير.
٦٢٦ - أحمد بن نصر *
المقرئ: أحد بن نصر بن زياد، أبو عبد الله القرشي النيسابوري الزاهد.
من مشايخه: عبد الله بن نمير، والنضر بن شميل، وأبو عبيد القاسم بن سلام وغيرهم.
من تلامذته: روى عنه الترمذي، والنسائي في كتابيهما، هو ابن خزيمة وغيرهم.
كلام العلماء فيه:
• تاريخ دمشق: "قال أحمد بن نصر المقرئ: سألت أبا مسهر الدمشقي قلت: من يقول الإيمان قول؟ قال: مرجئ مبتدع. قلت: فالإيمان قول وعمل؟ قال: نعم. قلت: ويزيد وينقص؟ قال: نعم، كان الأوزاعي يقول: ما من شيء يزيد إلا وينقص" أ. هـ.
• تهذيب الكمال: "قال أحمد بن سيار المروزي في ذكر مشايخ نيسابور: وأبو عبد الله أحمد بن نصر المقرئ، كان ثقة، أبيض الرأس واللحية، قصيرًا أصلع صاحب سنة محبًا لأهل الخير كتب العلم وجالس الناس" أ. هـ.
• السير: "وكان ثقة مأمونًا، صاحب سنة، كبير
стр. 451
الشأن" أ. هـ.
• المقفى: "وقال محمد بن عبد الوهاب: أحمد بن نصر ثقة مأمون، وكان يقرئ ... وقال الحاكم: أحمد بن نصر المقرئ فقيه أهل الحديث في عصره ... " أ. هـ.
• تهذيب التهذيب: "وقال أبو أحمد الفراء: هو ثقة مأمون، وقال النسائي في أسماء شيوخه: ثقة, وقال أبو حاتم، وأبو زرعة: أدركناه ولم نكتب عنه، وقال الخليلي: ثقة متفق عليه، وذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال: كان من خيار عباد الله، وأصلب أهل بلده في السنة، ومنه تعلم ابن خزيمة أصل السنة" أ. هـ.
وفاته: سنة (٢٤٥ هـ) خمس وأربعين ومائتين.
٦٢٧ - الشَذَاني *
اللغوي، المقرئ: أحمد بن نصر بن منصور بن عبد الجيد بن عبد المنعم، أبو بكر الشذائي (١) البصري.
من مشايخه: أبو بكر بن مجاهد، وأبو الحسن بن شنبوذ، ونفطويه وغيرهم.
من تلامذته: أبو الفضل الخُزاعي، وأبو عمرو بن سعيد البصري وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• معرفة القراء: "قال أبو عمرو الداني: مشهورٌ بالضبط والإتقان، عالم بالقراءة، بصير بالعربية .. ".
وقال: "قال فارس بن أحمد: الكبراء من أصحاب ابن مجاهد أربعة: أبو طاهر بن أبي هاشم، وأبو بكر بن أشتة، وأبو بكر الشذائي بالبصرة، ونسي الرابع" أ. هـ.
• غاية النهاية: "إمام مشهور" أ. هـ.
وفاته: سنة (٣٧٣ هـ) ثلاث سبعين وثلاثمائة، وقيل (٣٧٠ هـ) سبعين، وقيل (٣٧٦ هـ) ست وسبعين وثلاثمائة، والأول أصح.
٦٢٨ - النحوي المقوّم *
النحوي، اللغوي: أحمد بن نصر، المعروف بالمقوم، أبو الحسن.
من تلامذته: أبو عمر الزاهد وغيره.
من مصنفاته: "الياقوتة في غريب اللغة".
٦٢٩ - ابن نَصْر الله *
النحوي، اللغوي، المفسر: أحمد بن نصر الله بن أحمد بن محمد بن عمر بن أحمد التستري الأصل البغدادي الحنبلي، ثم المصري، أبو الفضائل, المعروف بابن نصر الله محب الدين.
стр. 452
ولد: سنة (٧٦٥ هـ) خمس وستين وسبعمائة.
من مشايخه: أبوه، والشيخ شمس الدين محمّد بن يوسف بن عليّ الكرماني وغيرهما.
من تلامذته: برهان الدين إبراهيم بن محمّد بن مفلح، والسخاوي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* إنباء الغمر: "قرر في درس الحنابلة بالمدرسة الظاهرية البرقوقية أول ما فتحت بعد أن كان درس قبله فيها, لأهل الحديث الشيخ زادة العجمي وكان يحفظ قطعة كبيرة من البخاري ويسردها مع فنون كثيرة .. " أ. هـ.
* رفع الإصر: "قرأت بخط العزيز البرهان بن نصر الله: وافق القاضي محب الدين عمِّي موفق الدين، يعني ... في اسمه واسم أبيه وجده ومذهبه ومنصبه، وسكنه بالصالحية. قلت: وفارقه في اللقب، وأصل البلد، والنسبة إلى الجد الأعلى وطول المدة، وسعة العلم والتبسط في بيع الأوقاف، ونحو ذلك ... " أ. هـ.
* المنهل الصافي: "وكان شيخًا للطول أقرب منور الشيبة، فقد أجدى عينيه في شبيبته، بارعًا متقنًا، دينًا، خيرًا، كثير التلاوة، والعبادة، فقيهًا نحويًا، لغويًّا انتهت إليه رئاسة الحنابلة في زمانه بلا مدافعة، أقام مدة قبل موته، والمعول على فتاويه، وكانت كتابته على الفتوى لا نظير لها، يجيب عما يقصده المستفتي. وكان كثير التواضع حسن الأخلاق، حلو المحاضرة، اجتمعت به غير مرة، ومات ولم يخلف بعده مثله .. " أ. هـ.
* المقصد الأرشد: "ولي تدريس الظاهرية البرقوقية فدرس بها وبغيرها وناظر وأفتى وانتفع به الناس. وكان متضلعًا بالعلوم الشرعية من تفسير وحديث وفقه، وكان له يد طولى في الأصول ... وانتهت إليه مشيخة الحنابلة ... وأثنى عليه أهل عصره منهم شيخنا قاضي القضاة شهاب الدين الأرموني ... قال شيخنا قاضي القضاة تقي الدين ابن قاضي شهبة: اجتمعت به، وهو أهل أن يتكلم معه، وكان شكلًا حسنًا، وكان لا ينظر بإحدى عينيه .. " أ. هـ.
* الضوء: "وممن قرأ عليه أحد شيوخ أبيه الشمس الكرماني وأجاز له في سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة، ووصفه بالولد الأعز الأعلم الأفضل صاحب الاستعدادات والطبع السليم والفهم المستقيم، أكمل أقرانه وحيد العصر شهاب الدين أحمد بلغه الله غاية الكمال في شرائف العلوم وصوالح الأعمال في ظل والده الشريف الشيخ العلامة قدوة الأئمة جامع فنون الفضائل الفاخرة، ومجموع علوم الدنيا والآخرة، بقية السلف استظهار المسلمين جلال الملة والدين زاده الله جلالة في معارج الكمالات، ونصره ممدودًا في مدارج السعادات وأنه بحمد الله في عنفوان شبابه وريعان عمره على طريقة الشيوخ الكرام وطبقة الأئمة الأعلام والسيل في المخبر مثل الأسد والمرجو من فضل الله وكرمه أن يجعله من العلماء الصالحين والفضلاء الكاملين.
فاستخرت الله تعالى واخترت له أن يروي عني جميع ما صح عنه مني من التفاسير والأحاديث والأصول والفروع والأدبيات وغير ذلك خصوصًا الصحاح الخمسة التي هي أصول الإسلام ودفاتر الشرريعة وشرحي صحيح
стр. 453
البخاري المسمى بالكواكب الدراري وناهيك بهذا جلالة مع صغر سن المجاز إذ ذاك ...
وكان إمامًا فقيهًا مفتيًا نظارًا علامة متقدمًا في فنون خصوصًا مذهبه فقد انفرد به وصار عالم أهله بلا مدافعة، كل ذلك مع الذهن المستقيم والطبع السليم، وكثرة التواضع والخلق الرضي والأبهة والوقار والفقد لإحدى كريمتيه، والتودد والقرب من الكل وسلوك طريق السلف، والمداومة على الأوراد والعبادة والتهجد والصيام، وكثرة البكاء والخوف من الله تعالى والحرص على شهود الجماعات والاتباع للسنة، وإحياء ليلة من كل شهر في جماعة بتلاوة القرآن وإهدائه، ذلك في صحيفة إمامه وغيره، مع إنشاد قصيدة يبتكرها في تلك الليلية غالبًا، وعظم الرغبة في العلم والمذاكرة والمحبة في الفائدة حتى إنه اعتنى بضبط ما يقع في مجالس الحديث ونحوها بالقلعة من المباحث، وشبهها أيام قضائه على ما بلغني وفتاويه مسددة وحواشيه في العلوم وسائر تعاليقه مفيدة ...
ذكره العلاء بن خطيب الناصرية فقال وهو صاحبي اجتمعت به مرارًا بالقاهرة وحلب، وتكلمت معه وهو رجل فاضل عالم دين فقيه جيد، ويكتب على الفتاوى كتابة حسنة مليحة، وأخلاقه حسنة وانفرد برياسة مذهب أحمد بالقاهرة، وقال ابن قاضي شهبة: سألت عنه الشهاب بن المحمرة، فقال: له فضل في الفقه والحديث وغيرهما، ثم اجتمعت به بدمشق فرأيته من أهل العلم الكبار يتكلم بعقل وتؤدة، مع حسن الشكالة، ولكنه مصاب بإحدى عينيه، ولم ير في زماننا أحسن من عبارته على الفتوى، وقال التقى المقريزي: إنه لم يخلف في الحنابلة بعده مثله. قال: ولا أعلم فيه ما يعاب.
وذكر نحو ذلك في عقوده، وأنه لم يزل منذ قدم الديار المصرية مصاحبًا له فما علمه إلا صوامًا قوامًا صاحب حظ من قيام وأوراد وأذكار، واتباع للسنة ومحبة لها ولأهلها، وصدر ترجمته أنه كان أول حنبلي ولي القضاء، حين عمل الظاهر بيبرس البندقداري القضاة أربعة الشمس محمّد بن إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي، بل كان أول من درس المذهب الحنبلي بالمدارس الصالحية، وأما قبله فكان في تقليد الشرف أبي المكارم محمّد بن عبد الله بن عين الدولة بن أبي المجد بن عين الدولة الشافعي لقضاة مصر من الكامل أنه لا يستنيب لكثرة نسكه، ومتابعته للسنة إلا أنه ولي القضاء فالله يرضي عنه أخصامه" أ. هـ.
وفاته: سنة (٨٤٤ هـ) أربع وأربعين وثمانمائة.
من مصنفاته: حواشي على "تنقيح الزركشي" في الحديث، وفروع ابن مفلح والوجيز وغير ذلك.
٦٣٠ - ابن مَنْصُور المخْزُومي *
النحوي، اللغوي: أحمد بن الشيخ الصالح أبي المعالي هبة الله بن العلاء بن منصور المخزومي البغدادي، المعروف والده بالزاهد، ببغداد.
стр. 454
من مشايخه: قرأ الأدب على الشيخ أبي محمّد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن الخشاب، وسمع من أبي البركات عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي وغيرهما.
من تلامذته: ابن الدبيثي، وابن النجار وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* معجم الأدباء: "كان كيسًا مطبوعًا خفيف الروح حسن الفكاهة. ذكره العماد في الخريدة فقال: هو من الفقهاء بالنظامية، ذو الخاطر الوقاد والقريحة والانتقاد، وله يد في العربية والنحو" أ. هـ.
* تاريخ الإسلام: "أديب بارع، وشاعر محسن، تأدَّب على ابن الخشاب" أ. هـ.
* التكملة لوفيات النقلة: "حدّث، وكان عالمًا بالنحو واللغة وأسفار العرب" أ. هـ.
وفاته: سنة (٦١١ هـ)، إحدى عشرة وستمائة.
٦٣١ - الجَبْراني *
النحوي، اللغوي: أحمد بن هبة الله بن سعد الله بن سعيد الجبراني. تاج الدين، أبو القاسم.
ولد: سنة (٥٦١ هـ) إحدى وستين وخمسمائة.
من مشايخه: أبو السخاء فتيان الحلبي، وأبو الرجاء محمّد بن حرب وغيرهما.
من تلامذته: المجد بن العديم، وسنقر القضائي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* معجم البلدان: "النحوي، المقرئ، فاضل، إمام، شاعر، له حلقة بجامع حلب يقرأ بها العلم والقرآن، وله ثورة ترجع إلى ثناية واسعة.
قال الذهبي (١): كان بصيرًا باللغة والعربية" أ. هـ.
وفاته: سنة (٦٦٨ هـ) ثمان وستين وستمائة.
٦٣٢ - أبو الفَضْل بن عَسَاكر *
المقرئ: أحمد بن هبة الله بن أحمد بن محمّد بن الحسين بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين، شرف الدين، أبو الفضل بن عساكر الدمشقي.
ولد: سنة (٦١٤ هـ) أربع عشرة وستمائة.
من مشايخه: المؤيد بن محمّد بن عليّ الطوسي، وزينب ابنة عبد الرحمن بن الحسن الشعرية وغيرهما.
من تلامذته: الذهبي، ومحمد بن عبد الله الصوفي الصفوي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* المعجم المختص: "من بيت الحديث والرواية" أ. هـ.
* غاية النهاية: "ثقة مسند صالح أصيل ... " أ. هـ.
* النجوم: "كان من بقايا المسندين تفرد سماعًا
стр. 455
وإجازةً" أ. هـ.
وفاته: سنة (٦٩٩ هـ) تسع وتسعين وستمائة.
من مصنفاته: له مشيخة في أربعة أجزاء.
٦٣٣ - ابن مُهَاجِر *
اللغوي: أحمد بن يحيى الوزير بن سليمان بن مهاجر، أبو عبد الله التُّجيبي، مولاهم المصري الحافظ. مولى قبيسة بن كلثوم السَوْمي (١).
ولد: سنة (١٧١ هـ) إحدى وسبعين ومائة.
من مشايخه: أحمد بن زياد المُرادي ثم السهمي، وأحمد بن عيسى بن عبد الله بن لهيعة الحضرمي وغيرهما.
من تلامذته: النسائي، وأحمد بن حماد بن سفيان القاضي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* تهذيب الكمال: "قال النسائي: ثقة. قال أبو سعيد بن يونس: كان فقيهًا من جلساء ابن وهب، وكان عالمًا بالشعر، والأدب، والأخبار، وأيام الناس" أ. هـ.
* تاريخ الإسلام: "قال أبو عمر الكندي: كان فقيهًا من أصحاب ابن وهب، كان أعلم أهل زمانه بالشعر والغريب وأيام الناس، وكان يتقبل فأنكر عليه خراج فسجنه أحمد بن محمّد بن مدبر، فمات في حبسه ... ﵀" أ. هـ.
* تهذيب التهذيب: "قال مسلمة بن القاسم الأندلسي: كان كثير الحديث، تفقه للشافعي وصحبه وكان عنده مناكير ... وذكره الدارقطني في الرواة عن الشافعي" أ. هـ.
* تقريب التهذيب: "ثقة" أ. هـ.
وفاته: سنة (٢٥١ هـ) إحدى وخمسين ومائتين، وقيل (٢٥٠ هـ) خمسين ومائتين.
قلت: وقال ابن حبان في "الثقات": "قديم الموت" أ. هـ.
٦٣٤ - ثعلب *
النحوي، اللغوي، المقرئ: أحمد بن يحيى بن زيد بن يسار الشيباني الملقب بثعلب، أبو العباس، مولاهم العبسي البغدادي.
ولد: سنة (٢٠٠ هـ) (٢)، وقيل (٢٠١ هـ)، وقيل (٢٠٤ هـ) مائتين،
стр. 456
وقيل إحدى، وقيل أربع ومائتين، والأول أصح.
من مشايخه: القواريري، وإبراهيم بن المنذر، وابن الأعرابي وغيرهم.
من تلامذته: نِفطَوَيه، واليزيدي والأخفش الصغير وغيرهم.
كلام العلماء فيه:
* تاريخ بغداد: "ثقة حجة، دين صالح، مشهور بالحفظ" أ. هـ.
* المنتظم: "قال أبو محمّد عبد الرحمن بن محمّد الزهري كان بيني وبين أبي العباس مودة وكيدة وكنت أستشيره في أموري فجئته يومًا أشاوره في الانتقال من محلة إلى أخرى لتأذي الجوار، فقال: أبا محمّد العرب تقول صبرك على أذى من تعرفه خير لك من استحداث من لا تعرف" أ. هـ.
* السير: "قال المبرد: أعلم الكوفيين ثعلب،
فذكر له الفراء فقال لا يعشرُهُ ... وكان يزري نفسه، ولا يعد نفسه ... قال ابن مجاهد: فرأيت النبي ﷺ في المنام فقال في: أقرئ أبا العباس السلام، وقل له: إنك صاحب العلم المستطيل" أ. هـ.
* تاريخ الإسلام: "وقال إبراهيم الحربي: قد تكلم الناس في الاسم والمسمى، وقد بلغني أن أبا العباس أحمد بن يحيى قد كره الكلام في ذلك، وكرهت لكم ما كره العباس".
ثم قال: "وقيل: إن ثعلبًا كان بخيلًا، وخلف ثلاثة آلاف دينار، وملِكًا بثلاث آلاف دينار" أ. هـ.
* الوافي: "إمام الكوفيين في النحو واللغة والثقة والديانة ثقل سمعه قبل موته" أ. هـ.
* البداية والنهاية: "إمام الكوفيين في النحو واللغة وكان ثقة حجة دينًا صالحًا مشهورًا بالصدق والحفظ وذكر أنه سمع من القواريري مائة ألف حديث" أ. هـ.
* البغية: "كان ثقة متقنًا يستغنى بشهرته عن نعته وكان ضيق النفقة وكان بينه وبين المبرد منافرات.
وقال أبو بكر بن مجاهد قال لي ثعلب: يا أبا بكر، اشتغل أصحاب القرآن بالقرآن ففازوا، وأصحاب الحديث بالحديث ففازوا، وأصحاب الفقه بالفقه ففازوا واشتغلت أنا بزيد وعمرو، فليت شعري ماذا يكون حالي، فانصرفت من عنده فرأيت النبي ﷺ تلك الليلة فقال لي: أقرئ أبا العباس مني السلام وقل له: أنت صاحب العلم المستطيل.
وسبب موته أنه كان يطالع كتابًا في الطريق فرمته فرس فأوقعته في بئر فاختلط، وأخرج ومات في اليوم الثاني" أ. هـ.
* الشذرات: "شيخ اللغة والعربية وكان حنبليًا" أ. هـ.
وفاته: سنة (٢٩١ هـ) إحدى وتسعين ومائتين.
من مصنفاته: "الفصيح"، و"اختلاف النحويين"، و"القراءات".
٦٣٥ - النَّاصِر العَلَوي *
المفسر: أحمد بن يحيى بن الحسين بن القاسم
стр. 457
الحسني العلوي، الناصر لدين الله.
كلام العلماء فيه:
* بلوغ المرام: "قام بأمر الإمامة الإمام الناصر لدين الله أحمد بن يحيى بن الحسين، وأجمع عليه علماء مذهبه في سنة ٣٠١، وكان من أهل العلم والعمل، ومن أهل المجد والفضل، وله التصانيف الدقيقة، والأقوال المشروحة، والجد، والاجتهاد، في نكال أعداء رب العباد، وساعدته الأيام، ووالته السنون والأعوام، وعضده نصر الله التام، فكانت أيامه غرة في جبين الزمان، وبيانًا لأهل البيان، قاد الجيوش والعساكر، وجحفل الأجناد والدساكر، ودخل (عدن) في ثلاثين ألفًا، وقاتل الباطنية في وجه، وقتلهم في (جهة)، وفل حديدهم، وقلل عديدهم، وكان بينه وبينهم وقعات، ومن أعظمها (وقعة نعاش) وصاحب القرامطة (عبد الحميد المسوري) و (ابن أبي الملاحف)، وغيرهما، وصاحب الناصر (أحمد بن محمّد بن الضحاك الحاشدي) وقتل من القرامطة في هذه الوقعة سبعة آلاف، ولم يقتل من أصحابه سوى رجل من همدان، غلط به أصحابه، قالوا: ولمّا التقى الجمعان، وتراءت الفئتان، وأقاموا أيامًا لا يتقاتلون، خرج رجل من حزب الناصر، فتوسط المجلسين، ونادى بأعلى صوته: "اللهم إن كنّا على حق، وهم على باطل، فانصرنا عليهم، وإن كانوا على حق، ونحن على باطل، فانصرهم علينا"، فقال كل من العسكرين: "آمين" فكان ما ترى ... " أ. هـ.
* الأعلام: "إمام زيدي (١) يماني، من علمائهم وبسلائهم، ولي الإمامة سنة (٣٠١ هـ) بعد اعتزال أخيه (محمد بن يحيى)، وجهز جيشًا في (٣٠) ألفًا دخل به "عدن" وقاتل القرامطة فظفر بهم واستمر موفقًا إلى أن توفي بصعدة" أ. هـ.
وفاته: سنة (٣٢٥ هـ) خمس وعشرين وثلاثمائة.
من مصنفاته: "الرد على الإباضية" و"الرد على القدرية" وكتاب "علوم القرآن" و"تفسير القرآن" وغيرها.
٦٣٦ - ابن ناقد المُسَيكي *
النحوي: أحمد بن يحيى بن أحمد بن زيد بن ناقد المسيكي أبو العباس.
ولد: سنة (٤٧٧ هـ) سبع وسبعين وأربعمائة.
من مشايخه: أبوه، وأبو البقاء الحبّال وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* الوافي: "كانت له يد في النحو وكان يقرئ النحو ويحدث بالكوفة، وقد صنف في النحو وخرّج أحاديث من مسموعاته في فنون وكتبها الناس عنه ... وكان حسن الطريقة صدوقًا" أ. هـ.
وفاته: سنة (٥٥٩ هـ) تسع وخمسين وخمسمائة.
стр. 458
من مصنفاته: "المسائل الكوفية للمتأدبة الكرخية" وهي عشر مسائل في النحو على وجه الألغاز ثم شرحها.
٦٣٧ - ابن بدر الجزري *
المقرئ: أحمد بن يحيى بن محمّد بن بدر الجزري الأصل الدمشقي الصالحي شهاب الدين، أبو العباس الحنبلي.
ولد: في حدود سنة (٦٧٠ هـ) سبعين وستمائة.
من مشايخه: الشيخ جمال الدين البدوي، والشيخ مجد الدين وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* غاية النهاية: "حاذق مجود دين ... قال الذهبي: وهو من خيار عباد الله ... وكان قوّالًا بالحق زاهدًا" أ. هـ.
* الدرر (١): "مهر بالفن وأقرأ بسفح قاسيون ... وهو من خيار النّاس دينًا وعقلًا وحياء ومروءة وتعففًا، يعيش من التسبب ... وحدث وكان قوالًا بالحق زاهدًا" أ. هـ.
وفاته: سنة (٧٢٨ هـ) ثمان وعشرين وسبعمائة.
٦٣٨ - المهدي لدين الله *
النحوي: أحمد بن يحيى بن المرتضى بن مفضل بن منصور الحسني، من سلالة الهادي إلى الحق.
ولد: سنة (٧٧٥ هـ) خمس وسبعين وسبعمائة، وقيل سنة (٧٦٤ هـ) أربع وستين وسبعمائة.
من مشايخه: الهادي، والقاضي يحيى بن محمّد المذحجي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* البدر الطالع: "قرأ في علم العربية فلبث في قراءة النحو والتصريف والمعاني والبيان قدر سبع سنين ... الإمام الكبير المصنف في جميع العلوم" أ. هـ.
* الأعلام: "عالم بالدين والأدب من أئمة الزيدية في اليمن" أ. هـ.
* مصادر الفكر: "له الأزهار في فقه الأئمة الأطهار أختصره مؤلفه من كتاب الأنتصار للامام يحيى بن حمزة، وهو عمدة المذهب الزيدي وعليه شروح كثيرة.
وله كتاب تكملة الأحكام والتصفية من بواطن الآثار (في التصوف) ألفه وهو في قلعة أبي زيد" أ. هـ.
* قلت: ومن كتاب "طبقات المعتزلة" (٢) للمترجم، وبعد مراجعته تبين: أنه يدافع عن المعتزلة، وقد قسم الكتاب إلى طبقات وجعل الطبقة الأولى الخلفاء الراشدين وبعض الصحابة وإضافة إلى ذلك فإنه قدم عليًّا ﵁ على بقية الخلفاء الراشدين. حيث ذكر صفحة (٩): الطبقة الأولى الخلفاء الأربعة وهم عليّ ﵇
стр. 459
وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃ ... " أ. هـ.
* قلت: وقال محققه في مقدمته بعد ما ذكر كتاب "طبقات المعتزلة" هذا الذي هو جزء من كتاب اسمه "كتاب المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل" وبيَّن المحقق أقسامه ومنه هذا الجزء الذي هو "طبقات المعتزلة" قال: "يعتمد المؤلف في كثير من ذلك -أي في إحالاته في طبقاته هذه- على "كتاب الملل والنحل" للشهرستاني ... بذكر من قال بالاعتزال من آل النبي والخلفاء والزهاد والفقهاء والشعراء (ص ١٢٠ - ص ١٣٢) ثم يعود إلى بيان الفرق ويذكر فرق المعتزلة بالتفصيل مع ذكر ما انفردت به كل واحدة منها من القول ... ثم يتكلم عن أبي الفرق تكون "الناجية" ويقول: إن الزيدية هي الفرقة الناجية أ. هـ. ودليله على هذا أن المعتزلة وإن اجتمعت على العدل والتوحيد والقول بإمامة زيد، وقع من بعضهم اعتقادات أخر تقتضي الهلكة ... وكذلك وقع من كثير منهم اعتقادات تمثل الهلكة فهؤلاء ليسوا على صفة خلف الزيدية في سلامة اعتقادهم من الشوائب المهلكة من الاعتقادات الدينية .. ألا ترى أن كثيرًا من الخوارج يقولون بالعدل والتوحيد، ولم يسلموا من شائب في اعتقادهم، وكذلك بعض الرافضة وكذلك نقول في بعض المعتزلة. انتهى قول المترجم" أ. هـ. قول المحقق.
وقال صاحب كتاب "الأصول التي بني عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات" (١) في هامشه عند تعريفه بالمترجم له (١/ ٣٥٧): "زيدي المذهب، معتزلي المعتقد، اعتمد على كتب الحاكم الجشمي الكلامية اعتمادًا كليًّا، حتى لا تكاد تلمح أدنى اختلاف بين آرائهما الكلامية" أ. هـ.
قلت: هذا يكفي في بيان اعتقاده على مذهب الزيدية أحد أكبر فرق الشيعة كما عرفنا بها -أي الزيدية- سابقًا مع اعتزاله ... والله الموفق لخير السبيل.
وفاته: سنة (٨٤٠ هـ) أربعين وثمانمائة.
من مصنفاته: "معيار العقول وشرحه منهاج الوصول" في علم النحو، و "الشافية شرح الكافية" و "طبقات المعتزلة".
٦٣٩ - حفيد التفتازاني *
المفسر: أحمد بن يحيى بن محمّد بن سعد الدين مسعود، المعروف بحفيد التفتازاني (٢) الهروي الحنفي سيف الدين.
كلام العلماء فيه:
* روضات الجنات: "الشهير بشيخ الإسلام، وبأحمد الحفيد أيضًا باعتبار كونه من أحفاد المحقق التفتازاني ... كان وحيد زمانه وفريد عصره في أكثر العلوم، وخصوصًا الفقه والحديث
стр. 460
والتفسير، ومن كبار قضاة العامة (١)، ومشايخ إسلامهم، وقد تولى القضاء بهراة المحمية منذ ثلاثين سنة في دولة السلطان حسين ميرزا البايغرا إلى أن توجه إليها عسكر السلطان المظفر الغازي في سبيل الله الشاه إسماعيل بن السلطان حيدر الصفوي الموسوي، أوّل ملوك الصفوية الثمانية العادلة المنصورة، وفتحوها بالميمنة والإقبال في شهور سنة ست عشرة وتسعمائة، فصدر أمر السلطان المعظم المومى إليه بقتل هذا الرجل في جماعة أخرى من علماء الهراة المتعصبين، مع أنه كان من جملة علمائها الستة الذين اجتمعوا، وجلسوا في دار الإمارة لأجل انتظام النزال، وتعيين المنزل لحضرة الشاه من قبل ورود موكبه المبارك عند وصول خبر فتحه، وقتله الشاه بيك خان ملك الأوزبكية في مرو، وأخذه ببلاد ما وراء النهر.
ومنهم الأمير نظام الدين عبد القادر المشهدي، والسيد غياث الدين محمّد بن يوسف الرازي، والقاضي صدر الدين محمّد الإمامي، والقاضي اختيار الدين حسين التربتي، والأمير جمال الدين المحدث الدشتكي ...
وفي بعض كتب التواريخ أنه لما دخل الشيخ المحقق خاتم المجتهدين علي بن عبد العالي الكركي العاملي ﵀ الهراة، وقد كان في موكب السلطان شاه طهماسب المذكور اعترض عليهم في قتل شيخ الإسلام، وقال: إنه لو لم يقتل لأمكن أن يلزم عليه بإقامة الحجج القاطعة، والبراهين الساطعة حقية مذهب الإمامية، وبطلان مذاهب غيرهم، فيكون ذلك سببًا لهداية سائر أهالي تلك البلاد، فكان الشيخ على المذكور في ذلك التأسف أبدًا مدة حياته.
ثمّ إن لهذا الرجل من المصنفات مجموعة من الفوائد المتفرقة المتعلقة بحل المشكلات وكشف المعضلات، ودفع المنافات المتوهمة بين الأحاديث والآيات، ونوادر كثيرة من الملح والحكايات، والأمور المخفية على غالب الجماعات تشتمل على نحو من ثلاثمائة فايدة يذكر كل واحدة منها في فصل على حدة، كألوان الأطعمة الموضوعة على أطراف المائدة .. " أ. هـ.
* هدية العارفين: "شيخ الإسلام، ورئيس العلماء بهراة .. " أ. هـ.
* الأعلام: "شيخ الإسلام، من فقهاء الشافعية ... كان قاضي هراة مدة ثلاثين عامًا، ولما دخلها الشاه إسماعيل بن حيدر الصفوي، كان الحفيد ممن جلسوا لاستقباله في دار الإمارة، ولكن الوشاة اتهموه عند الشاه بالتعصب، فأمر بقتله مع جماعة من علماء هراة، ولم يعرف له ذنب، ونعت بالشهيد" أ. هـ.
وفاته: سنة (٩١٦ هـ) ست عشرة وتسعمائة مقتولًا، وقيل (٩٠٦ هـ) ست وتسعمائة.
من مصنفاته: "تعليقه على أوائل الهداية" للمرغيناني في الفروع، و"حاشية على شرح العقائد" للقاضي الإيجي، و"تعليقه على أوائل الكشاف" للزمخشري في التفسير، وصل فيها إلى أواسط سورة البقرة، وغير ذلك.