التفسير صدوقًا ثقة" أ. هـ.
وفاته: سنة (٢٧٩ هـ) تسع وسبعين ومائتين.
من مصنفاته: صاحب "تفسير".
٨٩٣ - ابن الحَمَامي *
المقرئ: جعفر بن محمَّد بن أسد الضرير النصيبي، ويعرف بابن الحمامي.
من مشايخه: قرأ على الدوري، وهو من جلّة أصحابه وغيره.
من تلامذته: محمَّد بن علي بن الجلندا، ومحمد بن علي بن حسن العطوفي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* غاية النهاية: "حاذق ضابط شيخ نصيبين والجزيرة" أ. هـ.
وفاته: في حدود سنة (٣٠٧ هـ) سبع وثلاثمائة.
٨٩٤ - ابن المَارِسْتَاني *
المقرئ: جعفر بن محمَّد بن الفضل المارستاني البغدادي الدقاق، أبو القاسم، ويعرف بابن المارستاني.
ولد: سنة (٣٠٨ هـ) ثمان وثلاثمائة.
من مشايخه: أبو طاهر بن أبي هاشم، وعمر بن يوسف بن عبدك وغيرهما.
من تلامذته: روى عنه عبد المنعم غلبون، وفارس بن أحمد وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* تاريخ بغداد: "قال التنوخي: وكان صاحب رحلة سمع منه الناس فأكثروا. . . حدثني علي بن محمَّد بن نصر قال سمعت حمزة بن يوسف السهمي يقول: . . . حدث عن ابن مجاهد بكتاب القراءات وحدث عن ابن صاعد وأبي بكر النيسابوري. قيل للدارقطني بحضرتي: إنه يدعى عن هؤلاء المشايخ؟ فقال: يكذب، ما سمع من ابن مجاهد، ولا من هؤلاء قال محمَّد بن علي الصوري: رجع ابن المارستاني إلى مصر فأقام بها إلى أن مات وكان كذابًا. ." أ. هـ.
قلت: وذكر الذهبي في تاريخ الإسلام مثل هذا الكلام.
وفاته: سنة (٣٨٧ هـ) سبع وثمانين وثلاثمائة، وقيل: بضع وثمانين وثلاثمائة.
٨٩٥ - المُسْتَغْفِري *
المفسر المقرئ: جعفر بن محمَّد بن المعتز بن محمَّد بن المستغفر بن الفتح بن إدريس المستغفري النسفي، أبو العباس.
ولد: سنة (٣٥٠ هـ) خمسين وثلاثمائة.
стр. 632
من مشايخه: زاهر بن أحمد السرخسي، وإبراهيم بن لقمان، وأبو سعيد عبد الله بن أحمد بن عبد الوهاب الرازي وغيرهم.
من تلامذته: الحسن بن أحمد السمرقندي، والحسن بن عبد الملك النسفي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* الأنساب: "خطيب نسف، كان فقيهًا فاضلًا ومحدثًا مكثرًا صدوقًا يرجع إلى فهم ومعرفة وإتقان، جمع المجموع وصنف التصانيف وأحسن فيها" أ. هـ.
* السير: "الإمام الحافظ المجود المصنف. ." أ. هـ.
* العبر: "وكان محدِّث ما وراء النهر في زمانه. ." أ. هـ.
* تذكرة الحفاظ: "الحافظ العلامة المحدث" أ. هـ.
* تاج التراجم: "لم يكن بما وراء النهر في عصره مثله. ." أ. هـ.
* طبقات المفسرين للداودي: "وكان صدوقًا، ولكنه يروي الموضوعات في الأبواب ولا يوهيها" أ. هـ.
* معجم المفسرين: "حافظ محدِّث، له اشتغال بالتاريخ، من فقهاء الحنفية" أ. هـ.
وفاته: سنة (٤٣٢ هـ) اثنتين وثلاثين وأربعمائة.
من مصنفاته: "فضائل القرآن"، و"تاريخ نسف" و"معرفة الصحابة" وغيرها.
٨٩٦ - جعفر القَيسي *
اللغوي: جعفر بن محمَّد بن مكي بن أبي طالب بن محمَّد بن مِختار القيسي القرطبي، أبو عبد الله.
ولد: بعد سنة (٤٥٠ هـ) خمسين وأربعمائة بيسير.
من مشايخه: أبوه محمَّد بن مكي، ولزم عبد الملك بن سراج الحافظ وغيرهما.
من تلامذته: ابن بشكوال وغيره.
كلام العلماء فيه:
* بغية الملتمس: "وهو حفيد مكي المقرئ فقيه أديب لغوي متقن" أ. هـ.
* الصلة: "كان عالمًا بالأداب واللغات ذاكرًا لهما متفننًا لما قيده منها ضابطًا لجميعها، عني بذلك العناية التامة وجمع من ذلك كتبًا كثيرة وهو من بيت علم ونباهة وفضل وجلالة" أ. هـ.
* الذخيرة: "الوزير الفقيه النبيه أحد أعيان وقته ذكاءً ونبلًا وسَرْوًا كاملًا وفضلًا" أ. هـ.
* الوافي: "له اليد الطولى الباسطة في علم اللسان. . ." أ. هـ.
* المُغَرَّب: "وأثنى ابن بسام على جعفر. . وذكر الحجاري أنَّه حذو جده في الإقراء. ." أ. هـ.
وفاته: سنة (٥٣٥ هـ) خمس وثلاثين وخمسمائة.
стр. 633
٨٩٧ - الإِربلي *
النحوي: جعفر بن محمَّد بن محمود بن هبة الله بن أحمد بن يوسف الإربلي الشافعي، أبو محمد.
كلام العلماء فيه:
* البداية والنهاية: "كان فاضلًا في علوم كثيرة في الفقه على مذهب الشافعي، والحساب، والفرائض، والهندسة، والأدب والنحو، وما يتعلق بعلوم القرآن العزيز، وغير ذلك" أ. هـ.
وفاته: سنة (٦٠٤ هـ) أربع وستمائة.
٨٩٨ - الأَعْرَجي *
النحوي: جعفر بن محمَّد بن راضي الكاظمي الأعرجي.
ولد: سنة (١٢٧٤ هـ) أربع وسبعين ومائتين وألف.
كلام العلماء فيه:
* أعلام العراق الحديث: "مؤرخ نسابة، مشارك في أنواع من العلوم" أ. هـ.
* قلت: وهو شيعي، مع العلم أن معظم الشيعة المتأخرين هم رافضة اثنا عشرية، والله أعلم.
وفاته: سنة (١٣٣٢ هـ) اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وألف.
من مصنفاته: "معالم اليقين في شرح أصول الدين"، و"غيبة الطلاب في علم الإعراب"، و"شرح قصيدة الحريري في الظاء".
٨٩٩ - الوَزَّان *
المقرئ: جعفر بن محمَّد بن أحمد بن يوسف، أبو القرشي الكوفي الصيرفي، أبو عبد الله المعروف بالوزّان ويعرف أيضًا بصنجة.
من مشايخه: إبراهيم بن علي القصَّار، وعلي بن الحسين بن سلم وغيرهما.
من تلامذته: الحسن بن داود النقَّار، وعلي بن الحسين الرقي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* غاية النهاية: "قال فيه الأهوازي: مقرئ متصدر من أئمة القراءة المشهورين. . قال ابن مجاهد: لا أعلم من الكوفيين أحدًا أعلم بكتاب الله من الوزان" أ. هـ.
٩٠٠ - المُوصِلي *
المقرئ: جعفر بن مكي بن جعفر الموصلي، محب الدين، أبو موسى.
من مشايخه: عبد الله بن إبراهيم الجزري وغيره.
من تلامذته: محمود بن محمَّد السمرقندي، والإمام قوام الدين عبد الله ابن الفقيه نجم وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* غاية النهاية: "شيخ شيراز ونزيلها، إمام
стр. 634
فاضل كامل صالح، قال ابن الجزري: وقفت له على شرح الشاطبية، وأفرد السبعة أيضًا. ." أ. هـ.
* الأعلام: "عالم بالقراءات" أ. هـ.
وفاته: سنة (٧١٣ هـ)، وقيل (٧١١ هـ) ثلاث عشرة، وقيل: إحدى عشرة وسبعمائة في شيراز.
من مصنفاته: "الكامل الفريد في التجويد والتفريد".
٩٠١ - أبو الفضل *
النحوي، اللغوي: جعفر بن موسى يعرف بابن الحداد، أبو الفضل.
من مشايخه: قرأ على ابن المنادى، وأحمد بن يوسف التغلبي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* المنتظم: "وقد كتب الناس عنه شيئًا من اللغة والغريب في الحديث، وما كان من كتب أبي عبيد مما سمعه من أحمد بن يوسف الثعلبي وغير ذلك. . . من ثقات المسلمين وخيارهم. . ." أ. هـ.
وفاته: سنة (٢٨٩ هـ) تسع وثمانين ومائتين.
٩٠٢ - أبو الغَيث المكي *
اللغوي: جعفر بن يحيى بن محمَّد بن عبد القوي الغياث المكي المالكي، أبو الغيث، أخو معمر وفضل، وأبوهما يعرف بابن عبد القوي.
ولد: في ذي الحجة سنة (٨٥٦ هـ) ست وخمسين وثمانمائة.
من مشايخه: يحيى العلمي، والجوجري، والسنهوري وغيرهم.
كلام العلماء فيه:
* الضوء اللامع: "ولد بمكة وحفظ القرآن وكتبًا، عُرض في القاهرة على الشيوخ واشتغل في الفقه والعربية".
وقال: "قدمه البرهان بن ظهيرة للتوقيع ببابه فسبق من قبله لثقته وأمانته وعقله وتواضعه وخفة مؤنته بحيث أقبل عليه أصحاب الاشتغال وتميز في ذلك" أ. هـ.
* وجيز الكلام: "توفي دون ثمان وثلاثين سنة، وكثر الثناء عليه والأسف على فقده" أ. هـ.
وفاته: في شعبان سنة (٨٩٤ هـ) أربع وتسعين وثمانمائة.
٩٠٣ - جُنادة الهُروي *
اللغوي: جنادة بن محمَّد الأزدي الهروي، أبو أسامة.
من مشايخه: أبو أحمد العسكري، وأخذ عن أبي منصور الأزهري وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* وفيات الأعيان: "قتله الحاكم صاحب مصر مع صاحبه أبي الحسن المقرئ الأنطاكي في يوم واحد. . . . حكى ذلك الأمير المختار المعروف بالمسبحي في تاريخه" أ. هـ.
стр. 635
* الوافي: "كان علّامة لغويًّا أديبًا وكان بينه وبين الحافظ عبد الغني الأزدي المصري وأبي الحسن علي بن سليمان الأنطاكي المقرئ النحوي اتحاد ومذاكرة وصحبة مصر" أ. هـ.
* المقفى الكبير: "كان مكثرًا من حفظ اللغة ونقلها، عارفًا بحوشيها ومستعملها حضر مجلس الصاحب إسماعيل بن عبَّاد بشيراز، وهو شعث الزيّ ذو أخمار رثة وسخة فجلس قريبًا من الصاحب وكان مشغولًا، فلما بصر به قطَّب وقال: قم يا كلب من هاهنا! وقال له جُنادة: الكلب هو الذي لا يعرف للكلب ثلاثمائة اسم. فمدّ عند ذلك الصاحب يده وقال: قم إلى هاهنا فما يجب أن يكون مكانك حيث جلست، ورفعه إلى جانبه" أ. هـ.
وفاته: سنة (٣٩٩ هـ) تسع وتسعين وثلاثمائة.
٩٠٤ - الجُنَيد البغدادي *
المفسر: الجنيد بن محمَّد بن الجنيد النهاوندي (١) ثمَّ البغدادي القواريري، أبو القاسم.
ولد: سنة نيف وعشرين ومائتين فيما حسب وأعلم.
من مشايخه: خاله السري سقطي، والحارث المحاسبي، والحسن بن عرفة وغيرهم.
من تلامذته: أبو بكر الشبلي، وجعفر الخلدي، وأبو محمد الجريري وغيرهم.
كلام العلماء فيه:
* تاريخ بغداد: "وصحب جماعة من الصالحين. . ثمَّ اشتغل بالعبادة ولازمها حتى علت سنه، وصار شيخ وقته، وفريد عصره في علم الأحوال والكلام على لسان الصوفية، وطريقة الوعظ وله أخبار مشهورة وكرامات مأثورة. . . حدثنا أحمد بن جعفر بن محمَّد بن عبيد الله المنادى قال: كان الجنيد محمَّد بن الجنيد قد سمع الحديث الكثير من الشيوخ، وشاهد الصالحين وأهل المعرفة ورزق من الذكاء وصواب الإجابات في فنون العلم ما لم يُرَ في زمانه مثله، عند أحد من قرنائه، ولا ممن أرفع سنًّا منه. ممن كان ينسب منهم إلى العلم الباطن والعلم الظاهر في عفاف وعزوف عن الدنيا وأبنائها." أ. هـ.
* العبر: "الزاهد القطب، شيخ العصر. . وله المقامات والكرامات والكلام النافع في الصدق والمعاملات. ﵀" أ. هـ.
* السير: "هو شيخ الصوفية. . أتقن العلم ثمَّ أقبل على شأنه، وتألّه وتعبَّد، ونطق بالحكمة، وقلَّ ما روى.
قال ابن المُنادي: سمعَ الكثير، وشاهدَ
стр. 636
الصَّالحين، وأهلَ المعرفة، ورُزقَ الذَّكاء وصوابَ الجواب. لم يُرَ في زمانِهِ مثلُه في عفَّة وعُزوفٍ عن الدُّنيا.
قِيل لي: إنَّه قال مرَّة: كنتُ أفتي في حَلقة أبي ثور الكَلْبيِّ ولي عشرون سَنَة.
وقال أحمد بن عطَاء: كان الجُنيد يُفتي في حَلقة أبي ثَوْر.
عن الجُنيد قال: ما أخرجَ اللهُ إلى الأرض عِلمًا وجعلَ للخلْق إليه سبيلًا، إلا وقَد جعلَ لي فيه حظًا.
وقيل: إنَّهُ كانَ في سُوقه وورْدُه كلَّ يومٍ ثلاثُ مئة رَكعة، وكذا وكذا ألف تَسْبيحَة.
أبو نُعَيم حدثنا علي بن هارون وآخر قالا: سمعنا الجُنَيدَ غيرَ مرَّة يقول: عِلْمُنا مضبوطٌ بالكتابِ والسُّنَّة من لم يحفظِ الكتابَ، ويكتبِ الحديثَ، ولم يتفقَّهْ، لا يُقْتَدَى به.
قال عَبد الواحد بن علوان: سمعتُ الجُنيدَ يقول: عِلمُنا -يعني التَّصوُّف - مُشبَّكٌ بحديثِ رسولِ اللهِ.
وعن أبي العبَّاس بن سُريج: أنَّه تكلَّم يومًا فعجبُوا! فقال: ببَركة مُجالسَتي لأبي القاسم الجُنيد.
وعن أبي القاسم الكَعْبي أنَّه قال مرَّة: رأيتُ لكم شَيخًا ببَغدَاد، يُقال له الجُنَيد، ما رأتْ عيناي مثلَه! كان الكَتَبَةُ -يعني البلغاء- يحضرونَه لألفاظِه، والفلاسفَةُ يحضُرونه لدقَّة معانيه، والمتكلَّمون يحضُرونه لزمِام علمه، وكلامُه بائنٌ عن فَهمهم وعِلمهِم.
قال الخُلْدي: لم نَرَ في شيوخنا من اجتمع له علمٌ وحالٌ غير الجُنيد.
كانت له حالٌ خطيرةٌ، وعلمٌ غزيرٌ، إذا رأيتَ حاله رجَّحْتَهُ على عِلْمِه، وإذا تكلَّم رجَّحْتَ علمَه على حالِه.
أبو سهل الصُّعْلوكي: سمعتُ أبا محمَّد المرتعش يقول: قال الجُنيد: كنتُ بينَ يدي السَّريِّ ألعبُ وأنا ابنُ سبعِ سِنين، فتكلَّموا في الشُّكر، فقال: يا غلامُ ما الشُّكر؟ قلت: أنْ لا يُعْصى الله بنِعمهِ، فقال: أخْشى أن يكون حظَّك من اللهِ لسانُك.
قال الجُنيد: فلا أزال أبكي على قوله.
السُّلمي حدثنا جدِّي ابنُ نُجيد قال: كانَ الجُنيد يَفتح حانوته ويدخل، فَيُسيل السِّتْرَ ويصلِّي أربع مئة ركعة. . .
قال أبو محمد الجَريري: سمعت الجُنيد يقول: ما أخذنا التَّصوُّف عن القال والقيل، بل عن الجوعِ، وترك الدُّنيا، وقطعِ المألوفات.
قلت: هذا حَسن، ومراده: قطعُ أكثر المألوفات، وتركُ فضول الدنيا، وجوعٌ بلا إفراط. أمَّا مَنْ بالغ في الجُوع كما يفعله الرُّهبان، ورفضَ سائر الدُّنيا، ومألوفات النَّفسِ، من الغذاء والنَّومِ والأهل، فقد عرَّض نفسَه لبلاء عريض، وربَّما خُولِط في عقله، وفاته بذلك كثيرٌ من الحنيفيَّة السَّمْحَة، وقد جعل الله لكلِّ شيء قَدرًا، والسَّعادة في مُتابعة السُّنن، فزنِ الأمور بالعدل، وصُمْ وأفْطر، ونمْ وقُمْ، والزمِ الوَرَع في القوت، وارضَ بما قسمَ الله لك، واصمُتْ إلَّا مِن خَير، فرحمةُ اللهِ على الجُنيد، وأين مثلُ الجُنيد في علمه وحاله؟ . . ." أ. هـ.
* الوافي: "قيل إن أباه كان قواريريًا يعني زجَّاجًا
стр. 637
وكان هو خزاز، وكان شيخ العارفين وقدوة السالكين وعَلَم الأولياء في زمانه" أ. هـ.
* طبقات الشافعية للسبكي: "وسئل عن قرب الله تعالى فقال: قريب لا بالتَّلاق، بعيد لا بافتراق" أ. هـ.
* قلت: ومن كتاب "الإمام الجنيد" نذكر ما نصّه: "ولكي نستشف ضياع الجنيد بين هاتين المدرستين (١) نورد رأي الدكتور بسيوني، كونه يمثل طريقةً في تناول الجنيد لعلنا لم نتبعها في كتابنا.
قال في كتابه "نشأة التصوف":
أما الجنيد فأهميته في مجال المعرفة أنَّه أصدق مثل لمرحلة الصحو لا المحو التي شهدنا آثارها وأفكارها وشطحاتها عند البسطامي والحلاج والشبلي.
قال: وصاحب اللمع يصور لنا هذه الفكرة بطريق غير مباشر حيث يشرح الجنيد شطحات الشبلي وأبي يزيد لأنَّ الرجل قد عانى على ما يبدو تجربة المحو ولكنه لزم الصحو، ويصور لنا السراج ذلك بطريق مباشر حين ينسب إلى الجنيد قوله: الشبلي ﵀ سكران، ولو أفاق من سكره لجاء منه إمام ينتفع به.
قال: ولقد وقف الجنيد في تاريخ التصوف موقفًا له خطره إذ أراد فكرة التوفيق بين الحقيقة والشريعة فحاول أن ينظم المذهب الصوفي ويطوره حتى استحق لقب سيد الطائفة، وانتهت جهوده في ذلك إلى أنَّه لا مجافاة بين الحقيقة والشريعة؟ ! .
قال: وعلى الرغم من ذلك فإن الجنيد قد أثر عنه ما ينمُّ عن مروره بمنطقة المحو، وبدرت منه وهو في هذه المنطقة أحاديث لا تخلو من انحاء.
يقول:
قد كان يطربني وجدي فأقعدني ... عن رؤية الوجد ما في الوجد موجود
الوجد يطرب مَنْ في الوجد راحته ... والوجد عند شهود الحق مفقود
قال: ويعرف الجنيد التوحيد فيقول: معنى تضمحل فيه الرسوم وتندرج فيه العلوم، ويكون الله تعالى كما لم يزل.
ويقول: التوحيد الخروج من ضيق رسول الزمانية إلى سعة فناء السرمدية، وهذا الموقف الذي ينمُّ عن السكر لقي عند العطار دهشة لمخالفته لطابع الجنيد المعروف.
قال: ويبدو أنَّ الجنيد كان يحاول أن يوفق بين الشريعة والحقيقة في حياته بحيث ظهر ذلك في بعض أنماط سلوكه فقد كان يلبس لباس الفقهاء لا الصوفية، فلما سئل في ذلك قال: إنما الاعتبار بالحرفة وليس الاعتبار بالخرقة.
قال: والجنيد رغم أنَّه من أهل الصحو لا المحو لا يكتمنا رأيه الحقيقي في هذا الصدد، يقول: قالت النار يا رب لو لم أطعك هل كنت تعذبني
стр. 638
بشيء مني؟ قال: نعم كنتُ أسلط عليك ناري الكبرى، قالت: وهل نارٌ أعظم مني وأشد؟ قال: نعم نار محبتي أسكنتها في قلوب أوليائي المؤمنين! ! .
ونختم بحثنا هذا بلا مناقشة بما يفرِّق به الأستاذ العفيفي بين مذهب الجنيد والبسطامي والحلاج في الصحو والسكر.
قال العفيفي في كتابه "الثورة الروحية في الإسلام":
ويفضل أبو يزيد وأصحابه السكر على الصحو، لأنَّ الصحو في نظرهم يقتضي وجود الصفات البشرية التي هي أعظم حجاب يحول بين العبد وربه، أما السكر فهو محوٌ لهذه الصفات، ورفعٌ لحجب الاختيار والتصرف والتدبير.
أما الجنيد وأصحابه فيفضلون الصحو على السكر، لأنَّ السكر يخرج العبد عن حالته الطبيعية ويفقده سلامة العقل الواعي والقدرة على التصرف والسكر في نظر الجنيد وأصحابه أشبه بميدان لعب الأطفال وأليق بالمبتدئين في الطريق الصوفي.
قال: لما قطع الحلاج صلته بعمرو بن عثمان! ! أتى إلى الجنيد فسأله الجنيد: ما جاء بك إلينا؟ فقال الحلاج: جئت لصحبة الشيخ. فقال الجنيد: أنا لا أصحب المجانين، إن الصحبة تقتضي كمال العقل فإن لم يكن ذلك فالعاقبة كما ترى من مسلكك من سهل بن عبد الله وعمرو بن عثمان المكي. فقال الحلاج: يا شيخ إن الصحو والسكر صفتان للعبد والعبد محجوب عن ربه حتى يفنى عن صفاته! ! فقال الجنيد: يا ابن منصور إنك أخطأت في الصحو والسكر، إن الصحو سلامة الحال مع الله، والسكر المبالغة في الشوق والمحبة، وليس واحد من هذين يُنال بالكسب. يا ابن منصور إن في كلامك حماقة ومخرقة) (١).
ثمَّ يتناول زهير ظاظا مسألة السماع وموقف الجنيد منها ويعرض لذلك كلام شيخ الإِسلام ابن تيمية من مجموع الفتاوى (١١/ ٥٣٤)، فيقول: "وأنا مضطر قبل عرض نماذج مما نسب إلى الجنيد من الأقوال في السماع إلى الإشارة إلى ما فسَّر به ابن تيمية هذا التناقض آملًا أن يكون ذلك مثلًا لمعرفة فهم المسلمين في القرن الثامن الهجري لاضطراب النص الصوفي.
قال ابن تيمية:
وأما الاستماع إلى القصائد الملحنة والاجتماع عليها، فأكابر الشيوخ لم يحضروا هذا السماع، كالفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، وأمثالهم من المتأخرين كالشيخ عبد القادر، والشيخ عديّ بن مسافر، والشيخ أبي مدين، والشيخ أبي البيان، وأمثال هؤلاء المشايخ فإنهم لم يكونوا يحضرون هذا السماع.
وقد حضره طائفة من الشيوخ وأكابرهم ثمَّ تابوا منه ورجعوا عنه، وكان الجنيد رحمه الله تعالى لا يحضره في آخر عمره، ويقول: مَنْ تكلف السماع فُتن به، ومَنْ صادفه السماع استراح به.
قال: والذين حضروا السماع المحدث الذي جعله الشافعي من إحداث الزنادقة لم يكونوا
стр. 639
يجتمعون مع مردان ونسوان، ولا مع مصلصلات وشبابات، وكانت أشعارهم مزهدات مرققات.
وقد حضره من المشايخ طائفة، وشرطوا له المكان والإمكان والخلان والشيخ الذي يحرس من الشيطان، وأكثر الذين حضروه من المشايخ الموثوق بهم رجعوا عنه في آخر عمره كالجنيد، فإنَّه حضره وهو شاب، وتركه في آخر عمره، وكان يقول: من تكلف السماع. . . إلخ. . . فقد ذمّ من يجتمع له ورخص فيمن يصادفه من غير قصدٍ، ولا اعتماد للجلوس له.
قال: وسبب ذلك أنَّه مجمل ليس تفصيل، فإن الأبيات المتضمنة لذكر الحب والوصل والهجر والقطيعة والشوق والتتيُّم والصبر على العذل واللوم ونحو ذلك هو قول مجمل يشترك فيه محب الرحمن، ومحب الإخوان، ومحب النسوان، ومحب المردان" (١).
ثمَّ ينتقل إلى الكلام عن الإرادة وقول الجنيد فيها نقلًا عن شرح كلمات فتوح الغيب لشيخ الإِسلام ابن تيمية، فيقول:
"وقال ابن تيمية:
والناس في الإرادة ثلاثة أقسام: قوم يريدون ما يهوونه فهؤلاء عبيد أنفسهم والشيطان، وقوم يزعمون أنهم فرغوا عن الإرادة مطلقًا، ولم يبق لهم مراد إلا ما يقدَّره الرب وأن هذا المقام هو أكمل المقامات، ويزعمون أن من قام بهذا فقد قام بالحقيقة، وهي الحقيقة القدرية الكونية وأنه شهد القيومية العامة، ويجعلون الفناء في شهود الربوبية هو الغاية، وقد يسمّون هذا الجمع والفناء والاصطلام ونحو ذلك، وكثير من الشيوخ زلقوا في هذا الوضع. وفي هذا المقام كان النزاع بين الجنيد بن محمّد وبين طائفة من أصحابه الصوفية فإنهم اتفقوا على شهود توحيد الربوبية وأن الله خالق كل شيء، وربه ومليكه وهو شهود القدر، وسموا هذا مقام الجمع.
فإنَّه خرج به عن الفرق الأوّل وهو الفرق الطبيعي بإرادة هذا وكراهة ورؤية فعل هذا وترك هذا، فإن الإنسان قبل أن يشهد هذا التوحيد يرى للخلق فعلًا يتفرق به قلبه في شهود أفعال المخلوقات، ويكون متبعًا لهواه فيما يريده فإذا أراد الحق خرج بإرادته عن إرادة الهوى والطبع، ثمَّ يشهد أنَّه خالق كل شيء، فخرج بشهود هذا الجمع عن ذاك الفرق.
فلما اتفقوا على هذا ذكر لهم الجنيد الفرق الثاني وهو بعد هذا الجمع، وهو الفرق الشرعي: ألا ترى أنك تريد ما أمرت به، ولا تريد ما نهيت عنه، وتشهد أن الله هو يستحق العبادة دون ما سواه، وأن عبادته هي بطاعة رسله، فتفرَّق بين المأمور والمحظور، وبين أوليائه وأعدائه وتشهد وتوحد الألوهية. فنازعوه في هذا الفرق، منهم من أنكره، ومنهم من لم يفهمه، ومنهم من ادّعى أن المتكلم فيه لم يصل إليه.
ثمَّ إنك تجد كثيرًا من الشيوخ إنما ينتهي إلى ذلك الجمع، وهو توحيد الربوبية والفناء فيه، كما في كلام صاحب منازل السائرين مع جلالة قدره، مع أنَّه قطعًا كان قائمًا بالأمر والنهي المعروفين لكن قد يدَّعون أن هذا لأجل العامة.
ومنهم من يتناقض، ومنهم من يقول الوقوف مع
стр. 640
الأمر لأجل مصلحة العامة، وقد يُعبّر عنهم بأهل المارستان، ومنهم من يسمِّي ذلك مقام التلبيس (١).
ثمَّ ينقل كلام الجنيد فيما ينسب إليه من معنى التوحيد فيقول:
"ويتوغل المتصوفة في نسبة العبارات الطنانة للجنيد فينقلون أنَّه قال:
التوحيد معنى تضمحل فيه الرسوم، وتندرج فيه العلوم، ويكون الله تعالى كما لم يزل. وأن عقول العقلاء إذا تناهت في التوحيد تناهت إلى الخير.
وأنه مباين لوجوده مفارق لعلمه، قد طوى بساطه منذ عشرين سنة، والناس يتكلمون في حواشيه.
قال ابن تيمية:
وأما ما نُقل عن الجنيد أنَّه قال: انتهى عقل العقلاء إلى الحيرة، فهذا لا أعرفه من كلام الجنيد، وفيه نظر هل قاله؟ ولعل الأشبه أنَّه ليس من كلامه المعهود، فإن كان قد قال هذا فأراد عدم العلم بما لم يصل إليه لم يرد بذلك أن الأنبياء والأولياء لم يحصل لهم يقين ومعرفة وهدى وعلم، فإن الجنيد أجل من أن يريد هذا، وهذا الكلام مردود على من قاله لكن إذا قيل إن أهل المعرفة مهما حصلوا من المعرفة واليقين والهدى فهناك أمور لم يصلوا إليها فهذا صحيح، كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند وأبو حاتم في صحيحه (اللهم إني أسألك بكل اسم. . .) فقد أخبر أن لله أسماءُ استأثر بها في علم الغيب عنده، وهذه لا يعلمها مَلَك ولا بشر، فإذا أراد المريد أن عقول العقلاء لم تصل إلى معرفة مثل هذه الأمور فهذا صحيح، وأما إذا أراد أن العقلاء ليس عندهم علم ولا يقين بل حيرة وريب فهذا باطل قطعًا، وما ذكر عن ذي النون في هذا الباب من أنَّ ذا النون قد وقع منه كلام أنكر عليه وعزره الحارث بن مسكين، وطلبه المتوكل إلى بغداد واتهم بالزندقة، وجعله الناس من الفلاسفة فما أدري هل قال هذا أم لا، بخلاف الجنيد فإن الاستقامة والمتابعة غالبة عليه، وإن كان كل أحد يُؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله ﷺ .
بذلك نستطيع أن نستنبط تصور شيخ الإِسلام ابن تيمية للجنيد، وكيف حكم على تلك العبارة بالوضع لأنها (ليست من كلامه المعهود)، ونقف عند قوله (ليست من كلامه المعهود) لأننا وجدنا فيما هو منسوب إلى الجنيد من الآراء والأحكام ما لا يضبطه ضابط ذلك أنَّه ليس فيما بين أيدينا من الكتب المنسوبة إلى الجنيد ما نجد فيه ما هو بين أيدينا من الآراء المنسوبة إليه التي تذخر بها مصادر التصوف الأولى.
وقد جمعنا من ذلك ما هو حجة لنا فيما ذهبنا إليه من أن الذي نَسَب هذه الكتب للجنيد لم يكن مطلعًا تمامًا على مصادر التصوف الأولى، ولو كان لاستعان بها على بلوغ مناه. ولم يكن قصده أن يستكثر الكتب للجنيد، وإنما أن يعطي الكتاب الذي يلقيه على مريديه أهميةً تناسب مكانة الجنيد وبالتالي سيصبح موئلًا للمستجيزين من المتصوفة، وإن كانت كتبه لا تعدو أنها سلائل من حلية الأولياء وغيره من كتب
стр. 641
التصوف بالإضافة إلى كون بعضها تغلب عليه عبارة المتصوفة في القرن السابع الهجري (١).
من آراء الجنيد في بعض العقائد:
هذه مقتطفات من آراء الجنيد في بعض العقائديات مأخوذة من كتاب (التعرُّف) لأنَّ الكلاباذي لم يتعرض في كتابه إلا للتصوف مذهبًا.
قال فيمن نثر علوم الإشارة كتبًا ورسائل:
وللجنيد رسائل وكلام كثير في تكذيب من ادعى رؤية الله من الصوفية. وممن قال إن النبي ﷺ لم ير ربَّه ليلة الإسراء الجنيد والنوري وأبو سعيد الخراز.
وقال الجنيد والنوري وغيرهما من الكبار فيما أضيف إلى الأنبياء من الزلل:
إن ما جرى على الأنبياء إنما جرى على ظواهرهم، وأسرارُهم مستوفاة بمشاهدات الحق، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥].
وقالوا: فلا تصح الأعمال حتى يتقدمها العقود والنيات، وما لا عقد فيه ولا نية فليس بفعل، وقد نفى الله تعالى الفعل عن آدم بقوله: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥].
قال الجنيد: الروح شيءٌ استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه، ولا يجوز العبارة عنه بأكثر من موجود لقوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]. وقال الجنيد وسهل وغيرهما من المتقدمين: إن التصديق يزيد ولا ينقص، ونقصانه يخرج من الإيمان، لأنه تصديق بأخبار الله تعالى وبمواعيده، وأدنى شك فيه كفر وزيادته من جهة القوة واليقين، وإقرار اللسان لا يزيد ولا ينقص، وعمل الأركان يزيد وينقص.
قال الجنيد: وسبيل المكاسب لمن ربط به غيره ممن يلزمه فرضه سبيل الأعمال المقربة إلى الله.
ولأبي العباس بن عطاء كتاب في رد الفاني إلى صفاته سماه (عودة الصفات وبدؤها) وأما الكبار منهم والمحققون فلم يروا رد الفاني إلى بقاء الأوصاف منهم الجنيد والخراز والنوري وغيرهم (٢).
الجنيد في كتاب "مدخل إلى التصوف الإسلامي":
يرى الدكتور الغنيمي صاحب كتاب "مدخل إلى التصوف الإِسلامي": أن الجنيد انتمى إلى المحاسبي مؤسس المدرسة الصوفية ببغداد.
قال (٣): وكان أعمق صوفية القرنين الثالث والرابع وأعظمهم خطرًا.
قال: وكان يمثل الجنيد في تصوف عصره اتجاهًا معتدلًا، وإن شئت قلت: يمثل تصوف الفقهاء المستند إلى الكتاب والسنة بشكل ظاهر، ولعل في عبارته التالية ما يشير إلى منهجه في التصوف: من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يُقتدى به في هذا الأمر.
قال: وقد غلب على الجنيد الكلام في دقائق التوحيد وكتب تراجم الصوفية حافلة بالكثير من أقواله في هذا الصدد، فمن ذلك ما يرويه
стр. 642
القشيري عنه: سُئل الجنيد عن التوحيد فقال: إفراد الموحد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديته بأنّه الواحد الذي لم يلد ولم يولد بنفي الأضداد والأنداد والأشباه وما عبد من دونه بلا تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
قال (١) على أنَّه يتحدث عن التوحيد بمعناه الصوفي فيقول: إن العقل عاجز عن إدراكه لأنه إذا تناهت عقول العقلاء في التوحيد تناهت إلى الحيرة.
وكان يقول: أشرف كلمة في التوحيد ما قاله أبو بكر ﵁: سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلًا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته.
قال: والتوحيد الحقيقي عند الجنيد ثمرة الفناء عن كل ما سوى الله فيقول عن ذلك: التوحيد الذي انفرد به الصوفية هو إفراد القدم عن الحدث والخروج عن الأوطان وقطع المحاب وترك ما علم وجهل وأن يكون الحق سبحانه مكان الجميع.
أما توحيد الخاصة كما يراه الجنيد فهو: أن يكون العبد شبحًا بين يدي الله تجري عليه تصاريف تدبيره وهذا لا يكون إلا بالفناء عن نفسه ودعوة الخلق له بذهاب حسه وحركته لقيام الحق له فيما أراد منه وبهذا الفناء في التوحيد يتحقق للصوفي الخروج من ضيق رسوم الزمانية إلى سعة فناء السرمدية.
قال (٢) وواضح من كلام الجنيد أنَّه يشير إلى توحيد من نوع خاص يقوم على أساس من الفناء عن الإرادة وعما سوى الله بذهاب الحس والحركة مع الثقة التامة بأن الله يقوم للعبد بكل شيء.
وسنجد الصوفية فيما بعد يريدون بهذا المعنى من معاني التوحيد الفناء عن السدى إرادةً وشهودًا.
قال: والفناء في التوحيد معرفة نظرية تحققت بها نفس الإنسان في عالم آخر قبل أن تتصل بالبدن في هذا العالم.
وهذه الفكرة عند الجنيد وعند غيره من الصوفية المتأخرين كابن عطاء الله السكندري شبيهة بفكرة أفلاطون عن سبق وجود النفس الإنسانية في عالم المثل قبل هبوطها إلى البدن وعن تحققها في ذلك العالم بالمعرفة الحقيقية وفي ذلك قال أفلاطون: العلم تذكر والجهل نسيان. فهو فطري في النفس ولكن البدن حجبها عنه.
قال: ويدلنا على أن الجنيد يرى التوحيد فطريًا في النفوس قوله: التوحيد أن يرجع آخر العبد إلى أوله فيكون كما كان قبل أن يكون.
قال: والفناء في التوحيد الذي ظهر القول به عند الجنيد وتابعه فيه الصوفية والسنيُّون! أمر يقره أشد خصوم الصوفية ويرون أن يتمشى مع السنَّة فيقول سعد الدين التفتازاني: إذا انتهى العبد في السلوك إلى الله يستغرق في بحر التوحيد والعرفان بحيث تستمر ذاته في ذاته، وصفاته في صفاته، ويغيب عن كل ما سوى الله، ولا يرى في
стр. 643
الوجود إلا الله وهذا الذي يسمونه -أي الصوفية- الفناء في التوحيد وإليه الإشارة في الحديث القدسي: لا يزال العبد يتقرب إلى الله بالنوافل.
وبالجملة هو طريق علم وعرفان وشأن وكمال لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولا عوج في بدايته ونهايته.
قال (١) وكان الجنيد في الحقيقة شخصية هامة في تاريخ التصوف الإِسلامي، وترجع هذه الأهمية إلى خصوبة آرائه وإلى أنَّه كان يجمع فيها بين الشريعة والحقيقة، وأنه كان من أهل الرسوخ.
والتمكين لا من أرباب الأحوال والشطح، فكان مؤثرًا للصحو على السكر وللبقاء على الفناء وكان أستاذًا قديرًا يجمع حوله المريدين ليعلمهم التصوف ويبصرهم بكمال العلم والعمل وله مدرسة مشهورة في التصوف نهج نهجها فيما بعد الغزالي والشاذلي!
قال (٢) وكان الجنيد يلتمس العذر لأرباب الأحوال المغلوبين على أمرهم والخاضعين للوجد ومن هذا شأنهم يظلون دائمًا في البدايات، ولا يكونون قدوةً لغيرهم وقد قال الصوفية: صاحب الحال لا يُقتدى به".
* قلت: مما سبق يتضح لنا أنَّ ما كان عليه الجنيد من التصوف إنما هو تصوف منضبط بالكتاب والسنَّة كما صرح هو بذلك. أضف إلى ذلك ما قاله شيخ الإِسلام ابن تيمية في الدفاع عنه ونفى بعض شطحات الصوفية عنه بقوله: "فهذا لا أعرفه من كلام الجنيد، وفيه نظر هل قاله؟ ولعل الأشبه أنَّه ليس من كلامه المعهود".
وما قال الإمام الذهبي بحقه:
"فرحمة الله على الجنيد، وابن مثل الجنيد في علمه وحاله".
وفي مجموع الفتاوى لشيخ الإِسلام ابن تيمية (١١/ ٢٣٩) قال: "فإن الجنيد - قدس الله روحه - كان من أئمة الهدى".
من أقواله: "أبو جعفر الفَرغاني: سمعتُ الجنيد يقول: أقلُّ ما في الكلام سقوطُ هيبة الرب ﷻ من القلب، والقلبُ إذا عَرِيَ من الهيبة عَرِيَ من الإيمان" أ. هـ.
وفاته: سنة (٢٩٧ هـ) وقيل (٢٩٨ هـ) سبعٍ وتسعين، وقيل: ثمانٍ وتسعين ومائتين.
من مصنفاته: "أمثال القرآن" و"الرسالة".
٩٠٥ - أبو الكَرَم *
النحوي، اللغوي: جودي بن عبد الرحمن بن جودي بن موسى بن وهب بن عدنان القيسي الليوسي، أبو الكرم.
كلام العلماء فيه:
* إشارة التعيين: "من أهل وادي آش، أستاذ في النحو والأدب، من مشاهير نحاة الأندلس، مع الجودة في الشعر" أ. هـ.
* البلغة: "أستاذ في النحو والأدب" أ. هـ.
* البغية: "قال ابن الزبير: أستاذ في العربية والأدب شاعر مجيد خير فاضل عفيف حَييّ" أ. هـ.
стр. 644
وفاته: سنة (٦٣٠ هـ) ثلاثين وستمائة.
٩٠٦ - العَبْسِي *
النحوي: جوّديّ بن عثمان العبسي الموْدودي.
من مشايخه: الكسائي، والفراء وغيرهما.
من تلامذته: أبو حرشان عبد الله بن نافع وغيره.
كلام العلماء فيه:
* إنباه الرواة: "رحل إلى المشرق ولقي الكسائي والفرّاء وغيرهما، وعاد وقد صار معه طرف من هذا الشأن. وسكن قرطبة من مدن الأندلس بعد قدومه من المشرق، وأخذ الناس عنه وتصدر لإقراء الأدب. . ." أ. هـ.
* بغية الوعاة: "قال في تاريخ غرناطة: كان نحويًا عارفًا، درّس العربية وأدب بها أولاد الخلفاء، وظهر على من تقدمه وقال الزبيدي: . . . وهو أول من أدخل كتاب الكسائي إلى الأندلس، وولي القضاء بالبيرة. ." أ. هـ.
وفاته: سنة (١٩٨ هـ) وقيل (١٩٣ هـ) ثمان وتسعين، وقيل ثلاث وتسعين ومائة.
من مصنفاته: له تأليف في النحو يدعى "مُنبِّه الحجارة".
٩٠٧ - الأَسْدي *
المقرئ: جُوَيَّة بن عائد، وقيل: ابن عاتك، وقيل: ابن أبي أناس (١)، وقيل: ابن عبد الواحد النصري من بني نصر بن معاوية، ويقال: الأسدي (٢) الكوفي.
من مشايخه: روى القراءة عن عاصم وغيره.
من تلامذته: نعيم بن يحيى وغيره.
كلام العلماء فيه:
* غاية النهاية: "روى القراءة عن عاصم وذكر الداني أن له اختيارًا في القراءة. . وهو الراوي عن عاصم (ألم الله) بقطع الهمزة" أ. هـ.
من أقواله: تاريخ دمشق: "وقد على معاوية وسأله. . فقال: يا جوية مالقرابة؟ قلت المودة. قال: فما السرور؟ فقلت: المواتاة. قال: فما الراحة؟ قلت: الجنة. قال: صدقت" أ. هـ.
٩٠٨ - ابن حَاجِر *
النحوي، المقرئ: حاجر بن حسين بن خلف المعافري، أبو عمر، الملقب بابن الحاجر.
من مشايخه: السهيلي، وأبو العباس بن زرقون وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* تكملة الصلة: "تصدر للإقراء ببلده والتعليم بالنحو" أ. هـ.
* البغية: "من أهل الجزيرة الخضراء. قال ابن الزبير: كان نحويًا مقرئًا شاعرًا خطيبًا، ذا حظٍ من الأصول، من أحسن النَّاس خلقًا" أ. هـ.
стр. 645
وفاته: في حدود سنة (٥٩٥ هـ) خمس وتسعين وخمسمائة، وقيل (٥٩٩ هـ) تسع وتسعين وخمسمائة.
٩٠٩ - الحَارِث *
المفسر: الحارث بن عبد الرحمن.
كلام العلماء فيه:
* معجم المفسرين: "عارف بالتفسير" أ. هـ.
من مصنفاته: "تاريخ القرآن ومنسوخه".
٩١٠ - الهَمَداني الأعور *
المقرئ: حارث بن عبد الله الهمداني الكوفي الأعور، أبو زهير.
من مشايخه: عليّ بن أبي طالب، وابن مسعود ﵄ وغيرهما.
من تلامذته: أبو إسحاق السبيعي وغيره.
كلام العلماء فيه:
* ميزان الاعتدال: "قال شعبة: لم يسمع أبو إسحاق منه إلا أربعة أحاديث، وكذلك قال العجلي وزاد: وسائر ذلك كتاب أخذه.
وروى مغيرة، عن الشعبي: حدثني الحارث الأعور - وكان كذابًا.
وقال منصور، عن إبراهيم: إن الحارث اتُّهم. وروى أبو بكر بن عياش، عن مغيرة، قال: لم يكن الحارث يصدق عن عليّ في الحديث.
وقال ابن المديني: كذاب. وقال جرير بن عبد الحميد: كان زيفًا.
وقال ابن معين: ضعيف.
وقال عباس، عن ابن معين: ليس به بأس.
وكذا قال النسائي: وعنه قال: ليس بالقوي.
وقال الدارقطني: ضعيف.
وقال ابن عديّ: عامة ما يرويه غير محفوظ.
وقال يحيي القطان، عن سفيان، قال: كنا نعرف فضل حديث عاصم على حديث الحارث.
وقال عُثْمَان الدارمي: سألت يحيى بن معين عن الحارث الأعور، فقال: ثقة.
قال عثمان: ليس يتابع يحيى على هذا.
حُصَينٌ، عن الشعبي، قال: ما كذب على أحد من هذه الأمة ما كذب على عليّ ﵁.
وقال أيوب: كان ابن سيرين يرى أن عامة ما يروي عن عليّ باطل.
وقال الأعمش، عن إبراهيم: إن الحارث قال: تعلمت القرآن في ثلاث سنين والوحي في سنتين.
وقال مُفَضَّلُ بن مُهَلْهِلٍ، عن مغيرة [سمع الشَّعْبيّ يقول: حدثني الحارث - وأشهد أنَّه أحد الكذابين. وروى محمَّد بن شيبة الضبي، عن أبي إسحاق، قال: زعم الحارث الأعور - وكان كذابًا - جرير، عن مغيرة] عن إبراهيم، عن علقمة قال: قرأت القرآن في سنتين، فقال الحارث
стр. 646
الأعور: القرآن هين، الوحي أشد من ذلك.
وقال بَنْدَارٌ: أخذ يحيى وعبد الرحمن القلم من يدي فضربا على نحوٍ من أربعين حديثًا من حديث الحارث عن علي.
جرير عن الزيات، قال: سمع مرة الهمداني من الحارث أمرًا فأنكره، فقال له: اقعد حتى أخرج إليك، فدخل مرةً فاشتمل على سيفه، فأحس الحارث بالشر، فذهب.
وقال ابن حبَّان: كان الحارث غاليًا في التشيع، واهيًا في الحديث، وهو الذي روى عن علي: قال لي النبي ﷺ : لا تفتحن على الإمام في الصلاة، رواه الفريابي، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه عنه. وإنما هو قولُ علي".
* ثمَّ قال: "قال أبو بكر بن أبي داود: كان الحارث الأعور أفقه الناس، وأفرض الناس، وأحسب الناس، تعلم الفرائض من علي.
وحديث الحارث في السنن الأربعة والنسائيّ مع تعنُّته في الرجال، فقد احتج به وقوَّى أمره، والجمهور على تَوْهين أمره مع روايتهم لحديثه في الأبواب، فهذا الشَّعْبيّ يكذبه، ثمَّ يروي عنه. والظاهر أنَّه كان يكذب في لهجته وحكاياته، وأما في الحديث النبوي فلا [وكان من أوعية العلم.
قال مُرَّةُ بن خالد: أنبأنا محمَّد بن سيرين، قال: كان من أصحاب ابن مسعود خمسة يؤخذ عنهم، أدركت منهم أربعة، وفاتني الحارث، فلم أره. وكان يفضل عليهم، وكان أحسنهم، ويختلف في هؤلاء الثلاثة أيهم أفضل: علقمة، ومسروق وعبيد" أ. هـ.
*- السير: "العلامة الإمام. . ." ثمَّ ذكر عنه بعض الذي ذكره في الميزان ثمَّ قال: "وأنا متحير فيه! " أ. هـ.
* غاية النهاية: "وقد تكلموا فيه، وكان شيعيًا" أ. هـ.
* تهذيب التهذيب: "وقال ابن عبد البر في كتاب العلم له لما حكى عن إبراهيم أنَّه كذب الحارث أظن الشَّعْبيّ عوقب بقوله في الحارث كذاب ولم يبن من الحارث كذبه وإنما نقم عليه إفراطه في حب علي، وقال ابن سعد كان له قول سوء وهو ضعيف في رأيه توفي أيام ابن الزبير وقال ابن شاهين في الثقات قال أحمد بن صالح المصري الحارث الأعور ثقة ما أحفظه وما أحسن ما روى عن عليّ وأثنى عليه. قيل له فقد قال الشَّعْبي كان يكذب قال لم يكن يكذب في الحديث إنما كان كذبه في رأيه" أ. هـ.
* تقريب التهذيب: "كذبه الشَّعْبي في رأيه، ورمي بالرفض، وفي حديثه ضعف، وليس له عند النسائي سوى حديثين" أ. هـ.
وفاته: سنة (٦٥ هـ) خمس وستين.
٩١١ - مجد الدين البَهْنَسي *
اللغوي: الحارث بن مهلب بن عرفات بن عليّ بن غياث ابن القاسم بن أبي صفرة، الأزدي، المهلبي، البهنسي، الشافعي، أبو الأشبال، مجد الدين.
стр. 647
ولد: سنة (٥٥٥ هـ) خمس وخمسين وخمسمائة بمدينة بهنس.
كلام العلماء فيه:
* المقفى: "وكان قد اتصل بالصاحب صفي الدين عبد الله بن عليّ بن شكر وسافر معه إلى الشام، فنّوه به. وكان له يد طولى في اللغة، وله شعر جيد" أ. هـ.
وفاته: سنة (٦٢٨ هـ) ثمان وعشرين وستمائة بدمشق.
٩١٢ - هنئ الدين القَرْطَاجَني *
النحوي، اللغوي: حازم بن محمَّد بن حسن بن محمَّد بن خلف بن حازم الأنصاري، أبو الحسن القرطاجني (٢) الأندلسي.
ولد: سنة (٦٠٨ هـ) ثمان وستمائة.
من مشايخه: أبو حيان، وابن رشيد وغيرهما.
من تلامذته: روى عن جماعة يقاربون ألفًا.
كلام العلماء فيه:
* بغية الوعاة: "شيخ البلاغة والأدب، قال أبو حيان: هو أوحد زمانه في النظم والنثر والنحو واللغة والعروض وعلم البيان. . .".
وقال: -قال أبو حيان-: "حبر البلغاء، وبحر الأدباء، ذو اختيارات فائقة، واختراعات رائقة، لا نعلم أحدًا ممن لقيناه جمع من علم اللسان ما جمع ولا أحكم من معاقد علم البيان ما أحكم، من منقول ومبتدع، وأما البلاغة فهو بحرها العذب والمتفرد بحمل رايتها أميرًا في الشرق والغرب وأما حفظ لغات العرب وأشعارها وأخبارها، فهو حمَّاد راويتها، وحمال أوقارها يجمع إلى ذلك جودة التصنيف وبراعة الخط، ويضرب بسهم في العقليات والدراية أغلب عليه من الرواية" أ. هـ.
* الشذرات: "كان إمامًا بليغًا، ريان من الأدب نزل تونس وامتدح بها المنصور صاحب إفريقية أبا عبد الله محمَّد بن الأمير أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد ابن أبي حفص" أ. هـ.
وفاته: سنة (٦٩٠ هـ) تسعين وستمائة، وقيل (٦٨٤ هـ) أربع وثمانين وستمائة.
من مصنفاته: "سراج البلغاء" في البلاغة، و "القوافي "قصيدة في النحو وغيرهما.
٩١٣ - البَالوي *
النحوي، اللغوي، المفسر، المقرئ: حامد بن عبد الفتاح البالوي.
كلام العلماء فيه:
* الأعلام: "عالم بالقراءات، من فضلاء الروم" أ. هـ.
وفاته: بعد سنة (١١٧٣ هـ) ثلاث وسبعين ومائة وألف.
стр. 648
من مصنفاته: "زبدة العرفان في وجوه القرآن" في القراءات العشر وبهامشه تعليقات كثيرة.
٩١٤ - ابن حَسْنَويه *
المقرئ: حامد بن عليّ بن حسنويه، أبو الفخر الجاجاني القزويني.
من مشايخه: أبو بكر محمَّد بن حامد الأصبهاني وغيره.
كلام العلماء فيه:
* غاية النهاية: "إمام بارع ناقل".
وقال: "روى كثيرًا من كتب القراءات" أ. هـ.
وفاته: بعد سنة (٦٠٠ هـ) ستمائة.
من مصنفاته: "حلية القراء وزينة الإقراء" أتى بكتابه هذا بفوائد. كذا قال ابن الجزري.
٩١٥ - العِمَادي *
المفسر: حامد بن عليّ بن إبراهيم بن عبد الرحيم بن عماد الدين الدمشقي المعروف بالعمادي.
ولد: سنة (١١٠٣ هـ) ثلاث ومائة وألف.
من مشايخه: أبو المواهب بن عبد الباقي مفتي الحنابلة، ومحمد بن عليّ الكاملي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* سلك الدرر: "المحتشم الأجل المبجل العالم الفقيه الفاضل الفرضي كان عالمًا محققًا أديبًا نبيهًا كاملًا مهذبًا" أ. هـ.
* معجم المفسرين: "مفتي دمشق وابن مفتيها، عالم بالفقه والفرائض والأدب من كبار فقهاء الحنفية، مولده ووفاته بدمشق تعلم بها وبمكة واستنبول ودرس بالجامع الأموي وغيره، ثمَّ تولى الإفتاء سنة (١١٣٧ هـ) واستمر إلى أن توفي "أ. هـ.
وفاته: سنة (١١٧١ هـ) إحدى وسبعين ومائة وألف.
من مصنفاته: "التفصيل بين التفسير والتأويل"، وله "الفتاوى" في مجلدين كبيرين نقحها محمَّد أمين بن عابدين وسماها "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية" وغيرهما كثير.
٩١٦ - أبو الغَنائِم الضرير *
النحوي، اللغوي: حَبْشِي بن محمَّد بن شعيب الشيباني، أبو الغنائم الضرير.
من مشايخه: ابن الشجري، وأبو الفضل بن ناصر وغيرهما.
من تلامذته: مصدوق بن شبيب وغيره.
كلام العلماء فيه:
* معجم الأدباء: "كان عارفًا بالنحو واللغة والعربية" أ. هـ.
* تاريخ الإِسلام: "شيخ العربية ببغداد" أ. هـ.
* بغية الوعاة: "من أهل واسط، قرأ القرآن
стр. 649
الكريم واشتغل بشيء من الأدب. . . وأخذ بها - أي بغداد - عن ابن الشجري ولازمه حتى برع في النحو وبلغ فيه الغاية وسمع شيئًا من الحديث وكثيرًا من كتب الأدب. . . وكان متمكنًا في علم النحو قيمًا به وبغوامضه مع حسن طريقة وديانة" أ. هـ.
وفاته: سنة (٥٦٥ هـ) خمس وستين وخمسمائة.
٩١٧ - المَصِّيصي *
المفسر: حجَّاج بن محمَّد المصيصي (١) الأعور، أبو محمَّد مولى أبي جعفر الهاشمي.
من مشايخه: ابن جريج، وشعبة، وحريز بن عُثْمَان وغيرهم.
من تلامذته: يحيى بن معين، وقتيبة بن سعيد وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* تهذيب الكمال: "قال صالح بن أحمد بن حنبل: سُئل أبي: أيُّما أثبت عندك: حجاج الأعور أو الأسود بن عامر؟ فقال: حجاج.
وقال الحسن بن محمَّد الزعفراني: سُئل يحيى بن معين: أيما أحب إليك: حجاج بن محمَّد أو أبو عاصم؟ فقال حجاج".
ثمَّ قال: "قال إبراهيم بن إسحاق الحربي: أخبرني صديق لي قال: لما قَدِمَ حجاج الأعور آخر قَدْمَة إلى بغداد خلط، فرأيت يحيى بن معين عنده فرآه يحيى خلَّط، فقال لابنه: لا تدخل عليه أحدًا، قال: فلما كان بالعشي دخل النَّاس فأعطوه كتاب شعبة فقال: حدثنا شعبة عن عمرو بن مُرّة، عن عيسى بن مريم عن خيثمة بن عبد الله فقال له رجل: يا أبا زكريا علي بن عاصم حدث عن ابن سويقة عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله عبتم عليه، وهذا حدث عن شعبة عن عمرو بن مرة عن عيسى بن مريم عن خيثمة فلم تعيبوا عليه؟ قال: فقال لابنه: قد قلت لك" أ. هـ.
* تاريخ الإِسلام: "قال الإمام أحمد: ما كان أضبطه، وأصح حديثه وأشد تعاهده للحروف ورفع أمره جدًّا وقال: كان صاحب عربية. قال أبو داود: رَحَل أحمد ويحيى إلى الحَجَّاج الأعور قال - أبو داود -: بلغني أن يحيى كتب عنه نحوًا من خمسين ألف حديث.
وقال ابن معين: كان أثبت أصحاب ابن جريج. وقال إبراهيم بن عبد الله السُّلمي الخُشك: حجاج بن محمَّد نائمًا أوثق من عبد الرزاق
стр. 650
يقظانًا" أ. هـ.
* السير: "قال محمَّد بن سعد: قدم حجاج بن محمَّد بغداد في حاجة وكان ثقة إن شاء الله، فمات ببغداد في شهر ربيع الأوّل سنة ست ومائتين، قال: وقد تغير في آخر عمره حين رجع إلى بغداد.
قلت -أي الذهبي- ما هو تغيُّر يضر. كان من أبناء الثمانين وحديثه في دواوين الإِسلام، ولا أعلم له شيئًا أنكر عليه مع سعة علمه" أ. هـ.
* تذكرة الحفاظ: "قال أحمد بن حنبل: الكتب كلها قرأها على ابن جريج سوى التفسير فإنَّه سمعه إملاء من ابن جريج" أ. هـ.
* معجم المفسرين: "من رجال الحديث، عارف بالتفسير، ترمذي الأصل من أهل بغداد. . . أخرج له أصحاب الكتب الستة، ووثقه جميع النقاد، وأثنى عليه الإمام أحمد بن حنبل" أ. هـ.
وفاته: سنة (٢٠٦ هـ) ست ومائتين.
من مصنفاته: "ناسخ القرآن ومنسوخه".
٩١٨ - ابن أبي حرْشُن *
النحوي، اللغوي: حُرْشُن بن أبي حُرشن.
كلام العلماء فيه:
* البلغة: "أديب، لغوي بارع، وكان شديد التعصب للقحطانية، ودارت بينه وبين أحمد بن نعيم السلمي في ذلك أهاجٍ" أ. هـ.
* بغية الوعاة: "ذكره الزبيدي في الطبقة الثالثة من نحاة الأندلس" أ. هـ.
٩١٩ - الطُّرَيحي *
المفسر: حسام الدين بن جمال الدين بن محمَّد بن عليّ بن أحمد بن طريح المسيلمي العزيزي الطريحي الرماحي.
ولد: سنة (١٠٠٥ هـ) خمس وألف.
كلام العلماء فيه:
* أمل الآمل: "من فضلاء المعاصرين، عالم ماهر محقق جليل شاعر" أ. هـ.
* معجم المفسرين: "فقيه إمامي، عارف بالتفسير والأصول والحديث واللغة، شاعر من أهل النجف مولدًا ووفاة" أ. هـ.
وفاته: سنة (١٠٩٥ هـ) خمس وتسعين وألف.
من مصنفاته: "الوجيز في تفسير القرآن العزيز"، و"جامع الشتات في فروق اللغات".
٩٢٠ - الإستجيّ *
النحوي، اللغوي: حسان بن عبد الله بن حسان الإستجي، أبو علي.
من مشايخه: عبيد الله بن يحيى، وسعد بن معاذ وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* تاريخ ابن الفرضي: "كان نبيلًا في الفقه، وحافظًا للرأي ومعتنيًا بالحديث والآثار ومتصرفًا في علم اللغة والإعراب والعروض ومعاني
стр. 651
الشعر وربما صنعه، مع بصره بالفرض وعلم العدد" أ. هـ.
وفاته: سنة (٣٣٤ هـ) أربع وثلاثين وثلاثمائة.
٩٢١ - أبو عَبدة الوزير *
اللغوي: حسان بن مالك بن أبي عبدة، أبو عبدة الوزير.
من مشايخه: القاضي أبو العباس أحمد بن عبد الله بن ذكوان وغيره.
من تلامذته: أبو محمَّد بن حزم وغيره.
كلام العلماء فيه:
* بغية الملتمس: "من الأئمة في اللغة والأدب ومن أهل بيت جلالة ووزارة" أ. هـ.
* الصلة: "وكان من جلّة الأدباء وعلمائهم" أ. هـ.
وفاته: قبل سنة (٣٢٠ هـ) (١) عشرين وثلاثمائة.
من مصنفاته: كتاب "ربيعة وعقيل" وهو على غرار كتاب أبي السري سهل بن أبي غالب، الذي ألفَّه في أيام الرشيد.
٩٢٢ - المَدَارِي *
المفسر: حسان المداري.
من مشايخه: عليّ بن الحسين زين العابدين وغيره.
من تلامذته: ابن جريج وغيره.
كلام العلماء فيه:
* لسان الميزان: "ذكره الكشي في رجال الشيعة وقال: ثقة مستقيم الطريق" أ. هـ.
* معجم المفسرين: "محدث، عارف بالتفسير، أدرك بعض الصحابة" أ. هـ.
وفاته: في القرن الثاني الهجري.
٩٢٣ - المالقي *
النحوي، اللغوي: الحسن بن إبراهيم بن محمَّد بن مفرّج بن الغيث أبو عليّ الجذامي المالقي.
ولد: سنة (٤٧٣ هـ) ثلاث وسبعين وأربعمائة.
من مشايخه: أبو محمَّد بن عتَّاب، وابن سكرة الصدفي.
كلام العلماء فيه:
* بغية الوعاة: "قال القفطي في تاريخ النحاة (٢):
رحل فسمع بالإسكندرية من ابن المشرف الأنماطي، ثمَّ حج. . . وكان حافظًا للحديث قيمًا باللغة والنحو، محققًا ضابطًا ورعًا صدوقًا دينًا
стр. 652
وقورًا ساكنًا على قانون السَّلف .. " أ. هـ.
وفاته: سنة نيف وعشرين وخمسمائة.
٩٢٤ - ابن عيّاش الخُزاعي *
النحوي، اللغوي: الحسن بن إبراهيم بن الحسن، المعروف بابن عياش، الخزاعي يلقب بقريعات، أبو علي.
من مشايخه: أبو القاسم السهيلي، وابن ملكون وغيرهما.
من تلامذته: أبو الحسن الغافقي وغيره.
كلام العلماء فيه:
* تكملة الصلة: "وإن محققًا ماهرًا" أ. هـ.
* بغية الوعاة: "قال ابن الزبير: أستاذ نحوي جليل ... وكان حسن العبادة في إلقائه، سهل الإلقاء، فاعتقد ناس أنه أعرف بالعربية من أبي عليّ الرَّندي فمالوا إليه وتركوا الرندي، فكان ذلك سبب خروج الرندي من سبتة إلى مالقة "أ. هـ.
وفاته: سنة (٥٩٥ هـ) خمس وتسعين وخمسمائة.
٩٢٥ - ابن الحانِك *
النحوي، اللغوي: الحسن (وقيل الحسين) بن أحمد بن يعقوب بن يوسف بن داود ابن سليمان الهمداني، ويعرف بابن الحائك.
كلام العلماء فيه:
* إنباه الرواة: "الأديب النحوي الطبيب المنجم الأخباري اللغوي ... نادرة زمانه وفاضل أوانه الكبير القدر، الرفيع الذكر صاحب الكتب الجليلة والمؤلفات الجميلة، لو قال قائل إنه لم تُخرج اليمن مثله لم يزل لأن المنجم من أهلها لا حظّ له في الطب، والطبيب لا يد له في الفقه وهو قد جمع هذه الأنواع كلها وزاد عليها" أ. هـ.
* البلغة: "كان نادرة زمانه ووتد أوانه، وكان جده يعرف بالحائك لأن وإن شاعرًا وعند أهل اليمن: الشاعر الحايك، لأنه يحوك الكلام" أ. هـ.
* البغية: "قال الخزرجي: هو الأوحد في عصره، الفاضل على من سبقه المبرز على من لحقه، لم يولد في اليمن مثله علمًا وفهمًا، ولسانًا وشعرًا ورواية وفكرًا وإحاطة العرب من النحو والبلاغة والغريب والشعر والأيام والأنساب والسير والمناقب والمثالب مع علوم العجم من النجوم والمساحة والهندسة والفلك.
ولد بصنعاء ونشأ بها ثم ارتحل وجاور بمكة فنزل صعدة وهاجى شعراءها، فنسبوه إلى أنه هجا النبي ﷺ "أ. هـ.
* الأعلام: "مؤرخ عالم بالأنساب عارف بالفلك والفلسفة والأدب شاعر مكثر. من أهل اليمن كان يعرف بابن الحائك، وبالنسابة وبابن ذي الدَّمينة- نسبة إلى أحد أجداده: ذي الدمينة عمرو" أ. هـ.
قلت: وهذا يفسر سبب ذكره مرتين في معجم الأدباء وبغية الوعاة.
стр. 653
وفاته: سنة (٣٣٤ هـ) أربع وثلاثين وثلاثمائة.
من مصنفاته: "الإكليل في الأنساب"، "الحيوان"، "القوس"، "الأيام" وغيرها.
٩٢٦ - أبو عليّ الفَارسي *
النحوي، اللغوي، المفسر المقرئ: الحسن بن أحمد بن عبد الغفّار، الفارسي الفَسَوي، أبو عليّ، صاحب التصانيف.
ولد: سنة (٢٨٨ هـ) ثمان وثمانين ومائتين.
من مشايخه: عليّ بن الحسين بن معدان، وأخذ عن الزجّاج وغيرهما.
من تلامذته: عبيد الله الأزهري، وأبو محمّد الجوهري، وأخذ عنه ابن جِنِّي وغيرهم.
كلام العلماء فيه:
* تاريخ بغداد: "صنف كتبًا عجيبة حسنة لم يسبق إلى مثلها واشتهر ذكره في الآفاق، وكان متهمًا بالاعتزال" أ. هـ.
* إنباه الرواة: "كان متهمًا بالاعتزال وقال أبو عليّ الفارسي ما أعلم أن لي شعرًا إلا ثلاثة أبيات في الشيب هي:
خضبت الشيبَ لمَّا كان عيبًا ... وخضب الشيب أولى أن يعابا
ولم أخضب مخافة هَجْرِ خِلٍّ ... ولا عيبًا خشيت ولا عتابا
ولكنَّ المشيبَ بَدا ذميمًا ... فَصيَّرتُ الخضاب له عقابا
* وفيات الأعيان: "كان إمام وقته في علم النحو، وعلت منزلته حتى قال عضد الدولة: أنا غلام أبي عليّ الفسوي في النحو" أ. هـ.
* الوافي: "وحكى ابن جني عن أبي عليّ أنه كان يقول: أخطئ في مائة مسئلة لغوية ولا أخطئ في واحدة قياسية" أ. هـ.
* السير: "ومصنفاته كثيرة نافعة، وكان فيه اعتزال" أ. هـ.
* ميزان الاعتدال: "كان متهمًا بالاعتزال لكنه صدوق في نفسه" أ. هـ.
* تاريخ الإسلام: "ولد بفَسَا وقدم بغداد وسكنها .. ودخل الشام وأقام بطرابلس ثم بحلب، وقدم سيف الدولة، ثم رجع إلى بغداد وأقبل على الاشتغال والتصنيف، وعلت منزلته في النحو حتى فضَّله بعض تلامذته على المبرد، وخدم الملوك ونفق عليهم ... وكان مُتهمًا بالاعتزال" أ. هـ.
* البداية والنهاية: "اتهمه قوم بالاعتزال، وفضله قوم من أصحابه على المبرَّد" أ. هـ.
стр. 654
* نفخ الطيب: "ذكر أبو حيان التوحيدي: أنه كان يشرب ويتخالع ويفارق هدى أهل العلم" أ. هـ.
* قلت: وقد ذكر الدكتور رفيدة في كتابه "النحو وكتب التفسير" نصوصًا على ميله للاعتزال، مع الهوامش بقوله: "أغلب المراجع التي ترجمت لأبي علي تقول: وكان متهمًا بالاعتزال، وهي عبارة تتفق عليها هذه المراجع ولا تزيد، فيبدو أن اعتزاله لم يكن معلنًا ولا ظاهرًا وقد رأيت في الإغفال ما يوحي بأنه كان يميل إلى هذا المذهب وذلك في تعليقه على ما ذكره أبو إسحاق في تفسير قوله تعالى: ﴿قَال رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيكَ قَال لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَال سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). فقد فسر مفردات هذه الآية تفسيرًا عامًا بالمعروف عن عقيدة أهل السنة والجماعة، دون نقاش، ففسر- تجلى مثلًا "بان" فقال: "فلما تجلى ربه للجبل وبان .. " (٢) ثم أجمل معنى الآية بما يؤكد هذه العقيدة وحكى عن قوم أن سؤال موسى ﵇ ربه كان متعلقًا بأمر عظيم لا برؤيته سبحانه وأن معنى "تجلى ربه" تجلى أمر ربه، وقد رد أبو إسحاق هذا التأويل وقال: إنه غير معروف في اللغة قال: "وأنا أول المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا، وقال قوم: "وهذا معنى أرني أنظر إليك أرني أمرًا عظيمًا لا يرى مثله في الدنيا مما لا يحتمله نبيه موسى، قالوا فاعلمه الله أنه لا يرى ذلك الأمر، ومعنى فلما تجلى ربه للجبل أي تجلى أمر رب، وهذا خطأ لا يعرفه أهل اللغة ولا في الكلام دليل على أن موسى ﵇ أراد أن يرى أمرًا عظيمًا من أمر الله تعالى وقد آتاه الله من الآيات ما لا غاية له بعده" (٣).
وهذا التأويل الذي رفضه أبو إسحاق هو معنى قول المعتزلة في تأويل هذه الآية وعليه يدور نظرهم لاعتقادهم استحالة الرؤية في الدنيا والآخرة وهي إحدى المسائل الأساسية في الخلاف بينهم وبين أهل السنة، وقد نسب الإمام القرطبي (٤) تقدير المضاف في "تجلى ربه" على النحو السالف إلى قطرب وغيره، وقطرب معروف باعتزاله (٥) والمذهبان يتفقان على استحالة الرؤية الجسمية المحددة الحاصرة.
وقد أثار قول أبي إسحاق في هذه الرواية أبا علي فوصفه بالتحامل وعرض به ولم أره يصفه بذلك في غير هذا الموضع، مما يدل على أن القوم الذين رد عليهم أبو إسحاق يعنيه أمرهم بهم ارتباط وهم المعتزلة، قال: "قال أبو علي أقول: إنّ ما ذهب إليه من تخطئة من قال: إن معنى "فلما تجلى ربه للجبل" تجلى أمر ربه للجبل وأن ذلك لا يعرفه أهل اللغة فاسد، وفشو هذا في اللغة وكثرته واشتهاره فيها أظهر وأوضح من أن يخفى على المبتدئين بالنظر في اللغة وفضلًا عن
стр. 655
المتوسطين ومن جاوزهم، أنه لتعريض واضح، ثم "وفي التنزيل من هذا ما لا يضبط كثرة، وقد حكى النحويون وأهل اللغة من هذا ما أغنوا عن إكثارنا فيه وإثباتنا له في هذا الكتاب" ثم ذكر بعض الآيات التي جاء فيها "أمر" مصرحًا به مضافًا للباري مثل ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ (١) وبعض الآيات التي لم يصرح فيها بالأمر وهو مراد بدليل نظائرها إلى أن قال: "والمضاف إليه في هذه المواضع قد أقيم مقام المضاف، وما أرى هذا الذي قاله في هذا إلا تحاملًا، ودافع هذا في اللغة كدافع الضرورات وجاحد المحسوسات في غير اللغة، وأبيات الكتاب لاشتهارها يستغني عن ذكرها، ثم ذكر شواهد شعرية بلغت سبعة من غير الكتاب لحذف المضاف، وهو على حق فيما قرره ومعروف.
ويظهر أن أبا إسحاق يعني الحذف في هذه الآية بالذات لقوله: "وهذا خطأ لا يعرفه أهل اللغة ولا في الكلام دليل ... " فمنعه لعدم الدليل لا لأنه لا يقول بجواز حذف المضاف عند وجود الدليل، ولكن أبا علي جعلها قضية عامة في حذف المضاف وشن حملته عليه، وهو من الاختلاف في الاجتهاد والتفسير لاختلاف البواعث.
وذكر أبو علي بعدما سبق اعتراضه على إنكار أبي إسحاق أن يكون طلب موسى رؤية أمر عظيم هو في غنى عنه لما أراه الله سبحانه من الآيات العظام مثل جعل العصا ثعبانًا، قال: "وأما دفعه أن يسأل موسى أمرًا عظيمًا لما آتاه الله من الآيات العظيمة فمن ذلك لا ينكر لموسى أن يطلبه وإن كان الله قد آتاه من الآيات آيات باهرة لأنهم كانوا يقترحون عليه الآيات مع هذه الآيات التي أوتيها وشقالونه إياها" وقد ذكر لذلك بعض الأدلة والنظائر ولكنه ختم كلامه بالقول: "إن هذا التقدير -تقدير المضاف- إنما يحتاج إليه إذا كان السؤال أو الطلب لرؤية أمر عظيم أما إذا كان "إنما سأله عما سأله فلا حذف في الكلام" (٢) والمعتزلة يجيزون أيضًا -أن يطلب موسى رؤية الله سبحانه وإن كانت مستحيلة عندهم، يقول القاضي عبد الجبار في حديثه عن هذه الآية: "وقد يسأل السائل عما لا يجوز إذا كان في ورود الجواب غرض يتعلق به أو بغيره" (٣).
وعلى أي حال فإن حديث أبي علي في هذه الآية وحملته على تأويل أبي إسحاق لها يدعواني إلى الاعتقاد بأن به ميلًا إلى الاعتزال.
وقد ذكر ابن هشام أن أبا علي الفارسي قال في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ (٤) أن رهبانية منصوب بفعل يفسره المذكور من باب الاشتغال وأن ابن الشجري اعترض عليه بأن المنصوب في هذا الباب شرطه أن يكون مختصًا ليصح رفعه
стр. 656
بالابتداء والمشهور أنه عطف على ما قبله وابتدعوها صفة ولا بد من تقدير مضاف أي وحب رهبانية، ثم قال ابن هشام: "وإنما لم يحمل أبو علي الآية على ذلك لاعتزاله، فقال: "لأن ما يبتدعونه لا يخلقه الله" (١) وقد ذكر ذلك أبو حيان أيضًا وأضاف إليه قوله: "واتبعه الزمخشري فقال: (٢) وانتصابها بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره وابتدعوا رهبانية ابتدعوها يعني وأحدثوها من عند أنفسهم ونذروها -انتهى- وهذا إعراب المعتزلة وكان أبو علي معتزليًا وهم يقولون: "ما كان مخلوقًا لله لا يكون مخلوقًا للعبد" (٣) فأبو علي معتزلي وأبو إسحاق سني سليم العقيدة وكما سلف في مبحثه -ولعل ذلك من أسباب هجومه عليه، كما هو واضح في هذا النموذج الأخير" أ. هـ.
وفاته: سنة (٣٧٧ هـ) سبع وسبعين وثلاثمائة.
من مصنفاته: كتاب "الحجة" في علل القراءات، و "الإيضاح"، و "التكملة". وكتاب "التذكرة" وهو كتاب عزيز كبير الفائدة تكلم فيه على معاني آيات من القرآن وأحاديث ومعاني أبيات من أشعار العرب ومسائل في النحو والتصريف.
٩٢٧ - ابن الليث الشيرازي *
المفسر، المقرى: حسن بن أحمد بن محمد بن الليث، أبو علي الكشي، ثم الشيرازي.
من مشايخه: إسماعيل الصفار، وعبد الله بن درستويه وغيرهما.
من تلامذته: أبو عبد الله الحاكم وغيره.
كلام العلماء فيه:
* الأنساب: "قال محمد بن عبد العزيز الشيرازي: وكان أبو علي بقية الإسناد والقراء والشهود، عالما بالتفسير والمعاني ومعرفة الرجال وغيرهما" أ. هـ.
* تاريخ الإسلام: "كان جليل القدر من أهل القرآن".
ثم قال: "قال -أبو عبد الله الحاكم- هو متقدم في معرفة القراءات حافظ للحديث، رحال. قدم علينا أيام الأصم".
وقال: "وذكره أبو عبيد الله القصار في (طبقات أهل شيراز) وأثنى عليه كثيرا" أ. هـ.
وفاته: سنة (٤٠٥ هـ) خمس وأربعمائة.
стр. 657
٩٢٨ - الغُنْدَجاني *
اللغوي: الحسن بن أحمد الأعرابي، المعروف بالأسود الغُنْدَجاني (١)، النسّابة، أبو محمد.
كلام العلماء فيه:
* الوافي: "كان الأسود صاحب دُنيا وثروة، تصدى للأخذ على الأئمة القدماء، وكان لا يقنعه أن يَرُدَّ على أئمة العلم ردًّا جميلًا حتى يجعله من باب السخرية والتهكم والظن بهم" أ. هـ.
* البغية: "قال أبو يعلى بن الهبارية الشاعر يعيره ويقول: ليت شعري، من هذا الأسود الذي تصدى للرد على العلماء والأخذ على القدماء! بماذا نصحح قوله ونبطل قول الأوائل ولا تعويل له في الرواية إلا على أبي الندى! ومن أبو الندى في العالم لا شيخ مشهور ولا ذو علمٍ منشور" أ. هـ.
وفاته: نحو سنة (٤٣٠ هـ) ثلاثين وأربعمائة.
من مصنفاته: كتاب "فرحَةِ الأديب في الردّ على يوسف بن أبي سعيدٍ السيرافي في شرح أبيات سيبويه"، وله مؤلفات كثيرة في الرد على العلماء.
٩٢٩ - ابن البَنَّاء *
النحوي، المقرئ: حسن بن أحمد بن عبد الله، أبو عليّ بن البناء الحنبلي.
ولد: سنة (٣٩٦ هـ) ست وتسعين وثلاثمائة.
من مشايخه: أبو الحسن عليّ بن أحمد الحمامي وغيره.
من تلامذته: أبو عبد الله الحسين بن محمّد البارع، وأبو العز محمّد بن الحسن بن بندار القلانسي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* طبقات الحنابلة: "كان متقنًا في العلوم .. وكان أديبًا شديدًا على أهل الأهواء" أ. هـ.
* المنتظم: "وقد حكى أبو سعد السمعاني: قال سمعت أبا القاسم السمرقندي يقول: كان واحد من أصحاب الحديث اسمه الحسن بن أحمد بن عبد الله النيسابوري وكان سمع الكثير، وكان ابن البناء يكشط من التسميع بوري ويمد السين".
فقال: "وهذا القول بعيد الصحة لثلاث أوجه:
стр. 658
أحدهما: أنه قال (كذا قيل) ولم يحل عن علمه بذلك فلا ينسب هذا، والثاني: أن الرجل مكثر لا يحتاج إلى الاستزادة لما يسمع، ومتدين ولا يحسن أن يظن بمتدين الكذب. والثالث: أنه قد اشتهرت كثرة رواية أبي عليّ بن البناء .. " أ. هـ.
* معجم الأدباء: "وقال السمعاني: المقرئ الحافظ، أبو عليّ أحد الأعيان، والمشار إليه في الزمان، له في علوم القرآن والحديث والفقه والأصول والفروع عدة مصنفات .. وكان حلو العبارة .. " أ. هـ.
* إنباه الرواة: "كان متصدرًا للإفادة في كل علم عاناه، وكان حنبلي المعتقد، وقد تكلموا فيه. وسأل: هل ذكره الخطيب في التاريخ؟ ومع من ذكره؟ أمع الكذابين أم مع أهل الصدق؟
فقيل له: ما ذكرك أصلًا، فقال: ليته ذكرني ولو مع الكذابين" أ. هـ.
* السير: "قال ابن النجار: كان ابن البناء يؤدب بني جَرْدَة ... وكتب الكثير وتصانيفه تدل على قلة فهمه، كان يُصحف وكان قليل التحصيل وحدث ودرس وأفتى وشرح "الإيضاح" لأبي عليّ الفارسي وإذا نظرت في كلامه بأن لك سوء تصرفه، ورأيتُ له ترتيبًا في "الغريب" لأبي عبيد، قد خبط وصحف".
وقال: "قال المؤتمن الساجي: كان له رواء ومنظر، ما طاوعتني نفسي للسماع منه".
ثم قال: "هذا جرح بالظن، والرجل في نفسه صدوق، وكان من أبناء الثمانين ﵀ وما التحنبل بعار -والله- ولكن آل منده وغيره يقولون في الشيخ: إلا أنه فيه تمشعر، نعوذ بالله من الشعر" أ. هـ.
* تاريخ الإسلام: "ما تكلم فيه إلا أهل الكلام لكونه كان لهجًا بمخالفتهم كثير الذم لهم، معنيًا بأخبار الصفات" أ. هـ.
* لسان الميزان: "قال السلفي: كان يتصرف في الأصول بالتغيير والحك".
وقال: "وقال السلفي في (أسئلة شجاع): سألته عن ابن البناء فقال: كان أحد القراء المجودين والشيوخ المذكورين سمعنا منه ولا أذكر عنه كثر من هذا، قال السلفي: كأنه أشار إلى ضعفه" أ. هـ.
* المقصد الأرشد: "قال ابن شافع: وكان نقي الذهن جيد القريحة، تدل مجموعاته على تحصيله لفنون من العلم، وقد صنف في زمن شيخه القاضي أبي يعلى في المعتقدات وغيرها. وكتب له خطه بالإصابة والاستحسان ولقد رأيت في بعض مجاميعه في المعتقدات ما يوافق بين المذهبين الشافعي وأحمد ويقصد به تأليف القلوب واجتماع الكلمة وكان من شيوخ الإسلام الفصحاء الفقهاء النبلاء ويبعد أن يجتمع في شخص من التفنن في العلوم ما اجتمع فيه" أ. هـ.
قلت: وما اختلف فيه العلماء محاله إلى فيما نقل عنه .. كما في المقصد الأرشد ... على التوافق بين مذاهب المسلمين لاجتماع الكلمة، وما قاله الذهبي في السير هو الصواب في أنه صدوق في نفسه، ولعل الاختلافات في منهج معتقده حول التوافق بين مذهب الإمام الشافعي وأحمد هو الذي قدح في ابن البناء عند بعض العلماء كما قال ابن شافع والله أعلم.
* الشذرات: "قال ابن شافع: كتب الحديث عن
стр. 659
نحو ثلاثمائة شيخ، ما رأيت فيهم من كتب بخطه كثر من ابن البناء. قال: وقال لي هو ﵀، ما رأيت بعيني من كتب أكثر مني. وقال: وكان طاهر الأخلاق، حسن الوجه والشيبة محبًا لأهل العلم، مُكرمًا لهم" أ. هـ.
وفاته: سنة (٤٧١ هـ) إحدى وسبعين وأربعمائة.
٩٣٠ - أبو العلاء العَطَّار *
اللغوي، المقرى: الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمّد بن سهل الهمذاني العّطار.
ولد: سنة (٤٨٨ هـ) ثمان وثمانين وأربعمائة.
من مشايخه: عبد الرحمن بن حمد الدُّوني، ومحمد بن الفضل الفراوي وغيرهما.
من تلامذته: عبد القادر الرُّهاوي، وأبو المواهب بن صَصْري وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* السير: "قال أبو سعد السمعاني: هو حافظ متقن ومقرئ فاضل، حسن السيرة، جميل الأمر، مَرْضي الطريقة، عزيز النفس، سخي بما يملكه، مكرم للغرباء، يعرف الحديث والقراءات والآداب معرفة حسنة ... قال عبد القادر الرهاوي: وكان مهينًا للمال، باع جميع ما ورثه، وكان من أبناء التجار، فانفقه في طلب العلم ... وكان لا يأكل أموال الظلمة، ولا قبل منهم مدرسة قط ولا رباطا" إلى أن قال: "وكان يقرئ نصف نهاره الحديث، ونصفه القرآن والعلم ولا يخشى السلاطين، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يمكن أحدا في محبته أن يفعل منكرا، ولا سماعا، وكان ينزل كل إنسان منزلته، حتى تألفت القلوب على وحسن الذكر له في الآفات البعيدة، حتى أهل خوارزم الذين هم معتزلة مع شدته في الحنبلة .. إلى أن قال: وكانت السنة شعاره ودثاره اعتقادا وفعلا، بحيث إنه كان إذا دخل مجلسه رجل فقدم رجله اليسرى كلفه أن يرجع فيقدم اليمنى، ولا يمس الأجزاء إلا على وضوء" أ. هـ.
* البداية والنهاية: "واشتغل بعلم القراءات واللغة حتى صار أوحد زمانه في علمي الكتاب والسنة وصنف الكتب الكثيرة المفيدة، وكان على طريقة حسنة. سخيا عابدا زاهدا صحيح الاعتقاد، حسن السمت له ببلده المكانة والقبول التام" أ. هـ.
* الأعلام: "وكان لا تأخذه في الله لرمة لائم، مع التقشف في الملبس" أ. هـ.
* غاية النهاية: " ... أحد حفاظ العصر ثقة دين خير كبير القدر" أ. هـ.
وفاته: سنة (٥٦٩ هـ) تسع وستين وخمسمائة.
من مصنفاته: "زاد المسافر" في التفسير، و"الوقف والابتداء" في القراءات، و"معرفة القراءة".
стр. 660
٩٣١ - الأستراباذي النحوي *
النحوي، اللغوي: الحسن بن أحمد الأستراباذي، أبو علي.
كلام العلماء فيه:
* معجم الأدباء: "حسنة طبرستان، وأوحد ذلك الزمان" أ. هـ.
وفاته: سنة (٧١٧ هـ) سبع عشرة وسبعمائة.
من مصنفاته: "شرح الفصيح" في اللغة، و "شرح الحماسة".
٩٣٢ - ابن هُبَل *
المقرى: حسن بن أحمد بن هلال بن فضل الله الصرخدي الأصل، ثم الدمشقي، الشهير بابن هُبَل الصالحي الدقاق.
ولد: سنة (٦٨٣ هـ) ثلاث وثمانين وستمائة.
من مشايخه: الفخر بن البخاري، والتقي الواسطي وغيرهما.
من تلامذته: ابن الجزري، والفخر بن الكويك وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* غاية النهاية: "المعمر الرحلة .. وكان رجلًا جيدًا صالحًا صدوقًا صبورًا على السماع .. " أ. هـ.
* الشذرات: "حدث بالكثير ورحل إليه الناس" أ. هـ.
وفاته: سنة (٧٧٩ هـ) تسع وسبعين وسبعمائة.
٩٣٣ - الجَلال اليمني *
النحوي، المفسر: الحسن بن أحمد بن محمّد بن عليّ بن صلاح بن أحمد بن الهادي، الحسني، العلوي المعروف بالجلال.
ولد: سنة (١٠١٤ هـ)، وقيل: (١٠١٣ هـ) أربع عشرة، وقيل: ثلاث عشرة وألف.
من مشايخه: أخذ عن القاضي الحسن بن يحيى حابس، والسيد الإمام محمّد بن عز الدين المفتي الصنعاني وغيرهما.
من تلامذته: ولده محمّد بن الحسن، والقاضي الحسين بن عبد الحفيظ المهلا الشرفي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* البدر الطالع: "برع في جميع العلوم العقلية والنقلية، وصنف التصانيف الجليلة، فمنها (ضوء النهار) جعله شرحًا للأزهار للامام المهدي، وحرر اجتهاداته على مقتضى الدليل، ولم يعبأ بمن وافقه من العلماء أو خالفه، وهو شرح لم تشرح الأزهار بمثله، بل لا نظير له في الكتب المدونة في الفقه، وفيه ما هو مقبول وما هو غير مقبول، وهذا شان البشر، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا المعصوم، وما أظن بسبب كثرة الوهم في ذلك الكتاب إلا أن هذا السيد كالبحر الزخار، وذهنه كشعلة نار فيبادر إلى تحريم ما
стр. 661
يظهر له، واثقًا بكثرة علمه وسعة دائرته وقوة ذهنه".
ثم قال: "ولكن مع اعترافي بعظيم قدره وطول باعه وتبريزه في جميع أنواع المعارف، وكان له مع أبناء دهره قلاقل وزلازل كما جرت به عادة أهل القطر اليمني من وضع جانب أكابر علمائهم المؤثرين لنصوص الأدلة على أقوال الرجال" أ. هـ.
* نشر المعارف: "السيد الإمام الحافظ الناقد البارع المجتهد النظار .. وقد ترجمه السيد الحافظ إبراهيم بن القاسم بن المؤيد في الطبقات فقال: كان عالمًا متبحرًا منطقيًا أصوليًا، محققًا جدليًا، لا يجارى، له أنظار ثاقبة، ومسائل معروفة متناقلة، وحلاوة عبارته، ورشاقة مقالته، مما لم يسبق إليه.
وكان مبرزًا في الفنون على أنواعها".
ثم قال: "وترجمة السيد إبراهيم الحوئي الحسيني في نفحات العتب فقال:
المحلى في حلية العلوم والفضائل، والأخير الذي أتى بما لم تستطعه الأوائل، برز في جميع العلوم العقلية والنقلية، وحقق جميع الفنون الأصلية والفرعية، والآلية واجتهد ونظر وأنصف، وترقى في مدارج السالكين إلى رب العالمين، حتى وصل إلى درجة الواصلين وأشرقت إليه الأنوار، وانفتحت له أبواب الأسرار، وكان ذا همة علية، ونفس أبية، وذكاء متوقد، وألمعية وفطانة، وسمات نبوية، وأخلاق مصطفوية، وشمائل علوية، واختلط لنفسه هجرة في الجراف، واستمر بها عامة عمره، معتزلًا" أ. هـ.
من أقواله: ومن شعره في رسول الله ﷺ من قصيدته البائية:
يا راكبًا يهوى لقبر محمّد ... عرج به متمسكلًا بزابه
واقر السلام عليه من حب به ... يبلغ إليه القدس في محرابه
ولك الشفاعة والكرامة عنده ... فاشفع بجاهك ماله منجا به
وفاته: سنة (١٠٨٤ هـ) أربع وثمانين وألف.
من مصنفاته: "شرح الكافية" في النحو، و"تكملة الكشف على الكشاف" و"شرح الفصول في أصول الدين".
٩٣٤ - حسن المُغرَبل *
النحوي، اللغوي: حسن بن أحمد، المعروف بالمغربل، الشافعي الدمشقي.
من مشايخه: الشيخ إسماعيل العجلوني، وقرأ على الشيخ حسن المصري نزيل بني السفرجلاني بالآلات التفسيرية والعلوم العقلية والشرعية وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* سلك الدرر: "النحوي" اللغوي، كان كاتبًا حافظًا، له فضيلة سيما بالنحو والعربية، مشتغلًا في صنعة غربلة القمح. وكان عفيفًا دينًا له شرف نفس ووقار ... وكان له شعر قليل" أ. هـ.
من أقواله: ومن نثره الذي كتبه إلى أحمد المنيني
стр. 662
الدمشقي قوله: " ... سيدنا ومولانا بعد حمد الله تعالى مؤلف القلوب وإن كانت لأجساد نائية، والجامع بينها بعد بينها فأصبحت بقدرته في عيشة راضية، ولا برحت مرقاة السيادة مشرفة بلثم قدميه وأهد به سلامًا تتناسب جداول المحبة في رياض أسراره ... " وفيه كلام آخر يدل على تعلقه بالشيخ تعلق المريد بشيخه.
وفاته: بعد سنة (١١٥٠ هـ) خمس ومائة وألف.
من مصنفاته: كتب تاريخ الأمين مرات، وشرح دلائل الخيرات، وشرح تاريخ العتبي للشيخ أحمد المنيني.
٩٣٥ - الطَّويل *
المفسر حسن بن أحمد بن عليّ، أبو محمّد الطويل.
ولد: سنة (١٢٥٠ هـ)، وقيل (١٢٥٦ هـ) خمسين، وقيل: ست وخمسين ومائتين وألف.
من مشايخه: حسن العدوي الحمزاوي، والبرهان السقا، والشيخ محمّد الأشموني وغيرهم.
من تلامذته: أحمد تيمور، والشيخ أحمد أبو خطوة وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* معجم المفسرين: "مفسر، محدث، أصولي من فقهاء المالكية ... درّس الحديث والتفسير والأصول بمدرسة دار العلوم، وكان شديد الإنكار على المبتدعة" أ. هـ.
* شجرة النور: "العالم المتفنن في العلوم كان صالحًا تقيًا ورعًا زاهدًا متبعًا أوامر الشرع متجنبًا نواهيه عالمًا بموارد السنة متين الدين ... وتمهر في العلوم العقلية وصار في ذلك إمامًا وتحصن بحصن الشريعة الإسلامية في جميع تعاليمه وكان إليه المرجع في حل المشكلات تخرج عليه أغلب علماء الأزهر ...
وأخذ الطريقة الخلوتية وكان على قدم متين فيها" أ. هـ.
* الأعلام الشرقية: "كان آخذًا بمذهب الإمام ابن تيمية في مسألة الاستغاثة بالقبور والاستشفاء بالموتى، منكرًا على المبتدعة أشد الإنكار" أ. هـ.
وفاته: سنة (١٣١٧ هـ) سبع عشرة وثلاثمائة وألف.
من مصنفاته: "عنوان البيان في تفسير القرآن".
٩٣٦ - حسن بانْدُوج *
النحوي، المفسر: حسن بن أحمد باندُونج الأندونيسي الجاوي.
ولد: سنة (١٣٠٤ هـ) أربع وثلاثمائة وألف في سنغافورة.
كلام العلماء فيه:
* الأعلام: "من رجال الإصلاح الإسلامي ... تلقى مبادئ الدين والعربية، واستقر في مدينة
стр. 663
باندونج، ونسب إليها، وعمل في الدعوة إلى فهم حقيقة الإسلام، وحارب التقليد، وكان ضليعًا في الفقه والحديث وعلم الكلام، حاذقًا للعربية والإنكليزية وقواعدها وأدبيهما، إلى جانب لغته" أ. هـ.
وفاته: سنة (١٣٧٨ هـ) ثمان وسبعين وثلاثمائة وألف.
من مصنفاته: أنشأ مجلة باسم "الدفاع عن الإسلام". وله "الفرقان في تفسير القرآن" بالأندونيسية، و"النبوة" وغيرها.
٩٣٧ - حسن بن أحمد *
النحوي: حسن بن أحمد بن عبد الله.
من مشايخه: أبو الفتح بن أبي الفوارس، والدارقطني وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* بغية الوعاة: "قال القفطي (١) وابن النجار: ذكره عبد الواحد بن برهان فقال: كان يحسن الكتاب، ولم يقرأ إلا القليل على المتأخرين، وكان في التصريف ناقصًا، وفي فهم الكتاب صحفيًا، لأنه لم يقرؤه، وتتلمذ به جماعة، ولم يتخرجوا حق التخريج ... ووإن ثقة ثبتًا عدلًا رضيًا، لم يقل إلا الخير" أ. هـ.
من مصنفاته: "الترجمان" في النحو، و "غيث التصريف"، وكتاب "الألف واللام".
٩٣٨ - ابن أبي عُبادة *
النحوي: الحسن بن إسحاق اليمني، المعروف بابن أبي عباد، أبو محمد.
من مشايخه: صحب الفقيه يحيى بن أبي الخير وغيره.
كلام العلماء فيه:
* معجم الأدباء: "من وجوه اليمن، كان يصحب الفقيه يحيى بن أبي الخير" أ. هـ.
وفاته: سنة (٥٩٠ هـ) تسعين وخمسمائة.
من مصنفاته: مختصرًا في النحو يقرأه المبتدعون، ألفه في الحرم المكي، وله شعر.
٩٣٩ - أبو نصر الفَارقي *
النحوي، اللغوي: الحسن بن أسد بن الحسن الفارقي (٢)، أبو نصر.
كلام العلماء فيه:
* معجم الأدباء: "كان في أيام نظام الملك والسلطان فلكشاه، وشمله منهما الجاه بعد أن قبض عليه وأساء إليه، فمنه كان مستوليًا على أحد وأعمالها مستبدًا باستئناء أموالها، فخلصه
стр. 664
الكامل الطبيب، وكان نحويًا رأسًا وإمامًا في اللغة يعتدى، وصنف في الآداب تصانيف تقوم له مقام شاهدي عدل بفضله، وعظم قدره" أ. هـ. ثم ذكر ياقوت قصة جرت بينه وبين الملك ابن مروان، فكتب الأمر بصلبه فصلب رحمه الله تعالى ...
* الوافي: "شاعر رقيق حواشي النظم، كثير التجنيس، وإن رأسًا وإمامًا في اللغة وكان نحويًا" أ. هـ.
* بغية الوعاة: "قال ياقوت: كان نحويًا إمامًا لغويًّا، شاعرًا مليح النظم كثير التجنيس" أ. هـ.
وفاته: سنة (٤٨٧ هـ) سبع وثمانين وأربعمائة.
من مصنفاته: "شرح اللُّمَع" كبير، و "الإفصاح"، و "الألغاز".
٩٤٠ - الشيخ حَسن *
النحوي، المقرئ: حسن بن إسكندر بن حسن النصيبى الحلبي، ثم المصري الضرير الشافعي، المعروف بالشيخ حسن، بدر الدين.
ولد: سنة (٨٧٢ هـ) اثنتين وسبعين وثمانمائة.
من مشايخه: محمد بن محمد بن أحمد الغزي والد صاحب الكواكب السائرة وغيره.
كلام العلماء فيه:
* الشذرات: "كان عالما بارعا في الفقه، والقراءات، والنحو والتجويد.
قال الشعراوي: شيخي وقدوتي إلى الله تعالى، العلامة الورع الزاهد ... مواظبا على الطهارة الظاهرة والباطنة، غزير الدمعة ...
قال: وكان كريم النفس، جميل المعاشرة، أمارا بالمعروف، لا يداهن أحدا في دين الله تعالى، وهو من أكثر أشياخي نفعا لي ... " أ. هـ.
* الكواكب السائرة: "قال شيخ الإسلام الوالد -أي والد صاحب الكواكب- وحضر دروسي في تقسيم الحاوي وغيره ... ورام الإقامة بدمشق فضاعت له دراهم، فتغير بسببها واضطرب ظاهرا وباطنا .. " أ. هـ.
وفاته: سنة (٩٥١ هـ) إحدى وخمسين وتسعمائة.
٩٤١ - البدر الهندي *
النحوي، اللغوي: حسن بن البدر الهندي، الدمشقي، الحنفي، نزيل حماة.
من مشايخه: الركن الخوافي وغيره.
من تلامذته: الجمال بن السابق، وأخوه فرج وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* الضوء: "عالم علامة بحر محقق مدقق ذو فنون عديدة وأقوال سديدة متمكن من العقليات، كان متزهدا يلبس اللباد ونحوه. انتفع به الطلبة في النحو والصرف والأصلين وغيرها.
وكان على نمط رفيقه الشرواني في تربية الطلبة وحدة الخلق" أ. هـ.
وفاته: في جمادى الآخرة سنة (٨٣٣ هـ) ثلاث وثلاثين وثمانمائة عن نحو السبعين ظنا.
стр. 665
٩٤٢ - الآمِدي *
النحوي، اللغوي: الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي الكاتب، أبو القاسم.
من مشايخه: الأخفش، والزجَّاج وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* الفهرست: "مليح التصنيف جيد التاليف" أ. هـ.
* إنباه الرواة: "إمام في الأدب، وله شعر حسن واتساع تام في علم الشعر ومعانيه رواية ودراية وحفظًا وصنف كتابًا في ذلك حسنًا".
ثم قال: "كان يتعاطى مذهب الجاحظ فيما يعلمه من كتب" أ. هـ.
* تاريخ الإسلام: "كان من أئمة الأدب" أ. هـ.
* البلغة: "إمام في اللغة والأدب والمعاني" أ. هـ.
* بغية الوعاة: "كان حسن الفهم، جيد الرواية والدراية" أ. هـ.
وفاته: سنة (٣٧٠ هـ)، وقيل: (٣٧١ هـ) سبعين، وقيل: إحدى وسبعين وثلاثمائة.
من مصنفاته: كتاب "الموازنة بين الطائيين" و "المختلف والمؤتلف" وغيرهما.
٩٤٣ - البُوراني *
النحوي: أبو الحسن البُوراني.
كلام العلماء فيه:
* معجم الأدباء: "هو من نحاة المعتزلة ووصف بالتدقيق في مسائل الكتاب لسيبويه، وكان من طبقة أبي عليّ الفارسي" أ. هـ.
٩٤٤ - الإسكندراني *
النحوي: الحسن بن جعفر بن حسن بن عبد الرحمن بن مروان الإسكندراني، أبو علي.
من مشايخه: أبو الحسن مكي بن محمّد بن عيسى بن مروان، وعمر بن يعيش وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* البغية: "قال ابن مكتوم في تذكرته: له كتاب في النحو" أ. هـ.
وفاته: كان حيًّا سنة (٥١٧ هـ) سبع عشرة وخمسمائة.
من مصنفاته: "المذهب" في النحو.
٩٤٥ - العَبَّاسي *
المقريء: الحسن بن جعفر بن عبد الصمد بن المتوكل على الله، العباسي، الهاشمي، الحنبلي،
стр. 666
أبو علي
ولد: سنة (٤٧٧ هـ) سبع وسبعين وأربعمائة ببغداد.
من مشايخه: أبو غالب بن الباقلاني وغيره.
كلام العلماء فيه:
* العبر: "كان أديبًا شاعرًا صالحًا" أ. هـ.
* في ذيل طبقات الحنابلة: "كان فيه لطف وظرف وأدب ويقول الشعر الحسن، مع دين وخير. قال ابن النجار: وكان صالحًا متدينًا صدوقًا. وذكره ابن السمعاني، وقال: كان صالحًا فاضلًا له معرفة بالأدب والشعر" أ. هـ.
* الأعلام: "مؤرخ، أديب، مقرئ، حنبلي" أ. هـ.
وفاته: سنة (٥٥٤ هـ)، وقيل: (٥٥٣ هـ) أربع، وقيل: ثلاث وخمسين وخسمائة.
من مصنفاته: جمع "سيرة المسترشد"، و "سيرة المقتفي "، و"سرعة الجواب ومداعبة الأحباب"، وله شعر.
٩٤٦ - بَدر الدِّين العَامِلي *
النحوي، المقرئ: الحسن بن جعفر بن فخر الدين الأعرجي الحسيني الموسوي، العاملي الكركي.
من مشايخه: عليّ الميسي وغيره.
كلام العلماء فيه:
* روضات الجنات: "أستاذ شيخنا الشهيد الثاني، شيخنا الفقيه الكبير العالم فخر السيادة وبدرها، ورئيس الفقهاء ... " أ. هـ.
* الأعلام: "فقيه إمامي ... " أ. هـ.
وفاته: سنة (٩٣٣ هـ) ثلاث وثلاثين وتسعمائة.
من مصنفاته: "المحجة البيضاء والحجة الغراء" جمع فيه بين فروع الشيعة والحديث والتفسير للآيات الفقهية، و "مقنع الطلاب فيما يتعلق بكلام الأعراب" في علم العربية.
٩٤٧ - ابن الحُبَاب *
المقرئ: الحسن بن الحُبَاب بن مخلد بن محبوب الدقاق، البغدادي، أبو علي.
من مشايخه: محمّد بن سليمان، ومحمد بن حميد الرازي، وكان يقرأ بقراءة أبي عمرو وغيرهم.
من تلامذته: ابن المنادى، وأحمد بن كامل القاضي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* تاريخ بغداد: "قال حمزة بن يوسف سألت الدارقطني عنه فقال: ثقة" أ. هـ.
* غاية النهاية: "شيخ متصدر ثقة ضابط من كبار الحذاق" أ. هـ.
* تاريخ الإسلام: "وكان من شيوخ المقرئين وثقاتهم" أ. هـ.
* معرفة القراء: "وهو الذي انفرد بزيادة لا إله
إلا الله مع التكبير عن البزي قاله الذهبي: كان
стр. 667
ثقة" أ. هـ.
وفاته: سنة (٣٠١ هـ) إحدى وثلاثمائة، وقد قارب التسعين.
٩٤٨ - الحَصَائري *
المقرئ: الحسن بن حبيب بن عبد الملك، الدمشقي، الحَصَائري، الشافعي، أبو علي.
ولد: سنة (٢٤٢ هـ) اثنتين وأربعين ومائتين.
من مشايخه: بكار بن قتيبة، وصالح بن أحمد بن حنبل، وتلا على هارون الأخفش وغيرهم.
من تلامذته: عمر بن شاهين، وأبو بكر بن المقرئ، وتمام الرازي وغيرهم.
كلام العلماء فيه:
* تاريخ دمشق: "إمام مسجد باب الجابية، أحد الثقات الأثبات" أ. هـ.
* السير: "قال عبد العزيز الكناني: هو ثقة نبيل حافظ لمذهب الشافعي" أ. هـ.
* غاية النهاية: "فقيه مقرئ ثقة" أ. هـ.
وفاته: سنة (٣٣٨ هـ) ثمان وثلاثين وثلثمائة.
٩٤٩ - الحسن البصري *
المفسر الحسن بن أبي الحسن يُسار، أبو سعيد البصري، مولى زيد بن ثابت.
ولد: سنة (٢١ هـ) إحدى وعشرين.
من مشايخه: عمران بن حصين، والمغيرة بن شعبة، وأبو بَكْرة، وخلق كثير من الصحابة.
من تلامذته: يونس بن عون، وحُميد الطويل، وجرير بن حازم وأمم لا يُحصون.
كلام العلماء فيه:
* السير: "سيد أهل زمانه علمًا وعملًا قال معتمر بن سليمان. كان أبي يقول: الحسن شيخ أهل البصرة".
وقال: "والحسن مع جلالته فهو مدلس، ومراسيله ليست بذاك، ولم يطلب الحديث في صباه، وكان كثير الجهاد وصار كاتبًا لأمير خراسان الربيع بن زياد".
وقال: "قال محمّد بن سعد: كان الحسن رحمه
стр. 668
الله جامعًا، عالمًا رفيعًا فقيهًا ثقة حجة مأمونًا، عابدًا، ناسكًا كثير العلم فصيحًا جميلًا وسيمًا وما أرسله فليس بحجة".
ثم قال: "كان رجلًا تام الشكل، مليح الصورة، بهيًا، وكان من الشجعان الموصوفين" أ. هـ.
قلت: وقد ردّ الذهبي في تاريخه على من رماه بالقدر وغلطه. حيث قال الذهبي: "قال حّماد بن زيد، عن أيوب قال: لا أعلم أحدًا يستطيع أن يَعِيب الحَسَن إلَّا به -يعني القدر- أنا نازَلْتُهُ في القَدَر غيرَ مرّةٍ حتى خوَّفْتُهُ السلطان فقال: لا أعود فيه بعد اليوم، وقد أدركتُ الحسن واللهِ ما يقولُهُ.
وقال أبو سلمة التبوذكي: ثنا أبو هلال، سمعت حُمَيدًا وأيّوب يقولان، فسمعت حُميدًا يقول لأيوب: لَوَدِدْتُ أنه قُسّم علينا غُرْمٌ، وأن الحسن لم يتكلم بالذي تكلم به.
وقال حماد بن زيد أيضًا، عن أيوب قال: كذب على الحسن ضربان من الناس: قوم القدر رأيهم لينفقوه بين الناس بالحسن، قوم في صدورهم شنآن وبغض للحسن، وأنا نازلته غير مرة في القدر حتى خوفته بالسلطان، فقال: لا أعود ..
وقال حماد بن سلمة، عن حميد: سمعت الحسن يقول: الله خلق الشيطان وخلق الخير والشر.
وقال سليمان بن حرب: ثنا أبو الأشهب، عن الحسن: ﴿وَحِيلَ بَينَهُمْ وَبَينَ مَا يَشْتَهُونَ﴾. قال حيل بينهم وبين الإيمان.
قال حماد بن سلمة، عن حميد قال: قرأت القرآن كله على الحسن، ففسره لي أجمع على الإثبات، وسألته عن قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾. قال: الشرك سلكه في قلوبهم. وسألته عن قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾. قال: أعمال سيعملونها لم يعملوها.
وقال حماد بن زيد، عن خالد الحذاء قال: سأل رجل الحسن فقال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾. قال: أهل رحمته لا يختلفون: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. فخلق هؤلاء لجنته وهؤلاء لناره. قال خالد الحذاء: فقلت: يا أبا سعيد آدم خلق للسماء أم للأرض؟ قال: للأرض خلق. قلت: أرأيت لو اعتصم فلم يأكل من الشجرة، قال: لم يكن بد من أن يأكل منها، فقلت: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ بِفَاتِنِينَ * إلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾. قال: نعم، الشياطين لا يضلون إلا من أحب الله له أن يصلى الجحيم.
قال سليمان بن حرب: ثنا أبو هلال قال: دخلت على الحسن يوم جمعة ولم يكن جمع، فقلت: يا أبا سعيد أما جمعت؟ قال: أردت ذاك ولكن منعني قضاء الله.
قال سليمان، وثنا حماد، عن حبيب بن الشهيد، ومنصور بن زاذان، قالا: سألنا الحسن عن ما بين ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾، إلى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. ففسره على الإثبات.
قلت: على إثبات أن الأقدار لله.
وقال ضمرة بن ربيعة، عن رجاء، عن ابن عون، عن الحسن قال: من كذب بالقدر فقد كفر.
قال ابن عون: قيل لمحمد بن سيرين في الحسن وما كان ينحل إليه أهل القدر فقال: كانوا يأتون الشيخ بكلام مجمل لو فسره لهم لساءهم.
стр. 669
قال أبو سعيد بن الأعرابي في كتاب "طبقات النُّسّاك": كان يجلس إلى الحسن طائفة من هؤلاء، وكان هو يتكلم في الخصوص حتى نسَبَتْه القدريّة إلى الجبْر، وتكلم في الاكتساب حتى نسبته السُّنَّة إلى القدر، كل ذلك لافتنانه وتفاوت الناس عنده، وتفاوتهم في الأخذ عنه، وهو بريء من القدر، ومن كل بدعة، فلما تُوُفي تكشَّفت أصحابه وبانت سرائرهم وما كانوا يتوةمونه من قوله بدلائل يُلزمونه بها لا نصًّا من قوله، فأما عمْرو بن عُبيد فأظهر القدر.
وقال عبد الرزّاق، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن، قال: الخير بقدر والشر ليس بقدر، هكذا رواه أحمد بن علي الأبار في تاريخه، قال: ثنا مُؤمِّل بن إهاب، ثنا عبد الرزاق قلت: هذه هي الكلمة التي قالها الحسن ثمّ أفاق على نفسه ورجع عنها وتاب منها.
وقال ابن الأعرابي أيضًا: كان عامّة نُسّاك البصرة يأتونه ويسمعون كلامَه، وكان عمرو بن عُبيد، وعبد الواحد بن زيد من المُلازمين له، وكان للحسن مجلسُ خاصٌّ في منزله، لا يكاد يتكلّم فيه إلا في معاني الزُّهد والنُّسُك وعلوم الباطن، فمن سأله إنسانٌ غيرَها تبرم به، وقال: إنما خَلَوْنا مع إخواننا نتذاكر، فأمّا حلقتُه في المسجد فكان يمرّ فيها الحديث، والفقه، وعلوم القرآن، واللغة، وسائر العلوم، وكان ربما يُسأل عن التصوُّف فيُجيب، وكان منهم من يصحبه للبلاغة، ومنهم من يصحبُهُ للإخلاص وعلم الخصوص.
قال أبو زُرعة الرازي: كلُّ شيءٍ قال الحسن قال رسول ﷺ وجدت له أصلًا ثابتا ما خلا أربعة أحاديث" أ. هـ.
* ميزان الاعتدال: "كان ثقة في نفسه، حجة رأسًا في العلم والعمل، وقد بدت منه هفوة في القدر لم يقصدها لذاتها فتكلموا فيه، فما التفت إلى كلامهم، لأنه لما هو حوقق عليها تبرًا منها" أ. هـ.
* تهذيب التهذيب: "قال حماد بن سلمة عن حميد قرأت القرآن عن الحسن ففسره على الإثبات، يعني على إثبات القدر، وكذا قال حبيب بن الشهيد، ومنصور بن زاذان، وقال رجاء بن أبي سلمة عن ابن عون سمعت الحسن يقول من كذب بالقدر فقد كفر ... " أ. هـ.
* قلت: وقد نقلنا قول الذهبي في غلط هذه النسبة وأن الإمام الحسن البصري قد تبرأ منها ورد عنها، لقصد لم يكن لذاتها ... والله أعلم بالصواب.
* تقريب التهذيب: "ثقة فقيه فاضل مشهور وكان يرسل كثيرًا ويدلس. قال البزار: كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم فيتجوز، ويقول: حدثنا وخطبنا: يعني قومه الذين حُدِّثوا وخُطبوا بالبصرة ... " أ. هـ.
وفاته: سنة (١١٠ هـ) عشر ومائة.
من مصنفاته: كتاب "التفسير للقرآن" روى عنه جماعة، وكتاب إلى عبد الملك ابن مروان في الرد على القدرية.
стр. 670
٩٥٠ - السُّكَري *
النحوي، اللغوي، المقرئ: الحسن بن الحسين بن عبد الله بن عبد الله بن عبد الرحمن بن العلاء المهلي السُّكري، أبو سعيد.
ولد: سنة (٢١٢ هـ) اثنتي عشرة ومائتين.
من مشايخه: يحيى بن معين، وأخذ العربية عن أبي حاتم السجستاني والرياشي وغيرهم.
من تلامذته: أبو سهل بن زياد، ومحمد بن أحمد الحكيمي، وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* تاريخ بغداد: "كان ثقة دَيّنًا صادقًا، يُقرئ القرآن، وانتشر عنه شيء كثير من كتب الأدب" أ. هـ.
* معجم الأدباء: "الراوية الثقة المكثر" أ. هـ.
* السير: "العلامة البارع شيخ الأدب" أ. هـ.
* البداية والنهاية: "صاحب التصانيف النحوي اللغوي كان من أخصاء أصحاب الإمام أحمد، وعنده اختفى أحمد في زمن المحنة، وقال ابن الأثير: كان كثير الحديث، معدلًا عند الحكام" أ. هـ.
* البلغة: "كان ثقة راوية للبصريين له مصنفات" أ. هـ.
وفاته: سنة (٢٧٥ هـ) خمس وسبعين ومائتين.
من مصنفاته: كتاب "الوحوش"، و "النبات" و"شرح شعر أبي نواس".
٩٥١ - أبو علي الصَّوَّاف *
المقرئ: الحسن بن الحسين بن علي بن عبد الله بن جعفر، أبو علي الصواف البغدادي.
من مشايخه: أبو حمدون الطيب بن إسماعيل، ومحمد بن غالب وغيرهما.
من تلامذته: بكار بن أحمد، وعبد الواحد بن أبي هشام وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* تاريخ بغداد: "أخبرنا أبو بكر محمّد بن علي الخياط قال سمعت أحمد بن عبد الله بن الخضر يقول سمعت أبا عيسى بن بكار بن أحمد يقول سمعت أبا بكر الجهبذ يقول ابن أبي القاسم الغزال يقول: رأيت في النوم كأن قائلًا يقول يا ملك الموت اقبض روح الرجل الصالح -يعني أبا علي الصواف- قال فخرجت في السحر فإذا الناس يقولون: قد مات أبو علي الصواف" أ. هـ
* المنتظم: "كان ثقة فاضلًا نبيلًا" أ. هـ.
* معرفة القراء: "مقرئ، كبير القدر، عارف بالفن متصدر للإقراء، متصدر للإفادة" أ. هـ.
* غاية النهاية: "شيخ متصدر ماهر عارف بالفن" أ. هـ.
وفاته: سنة (٣١٠ هـ)، وقيل: (٣١٨ هـ) عشر، وقيل: ثمان عشرة وثلاثمائة.