المذهب وفروعه لا غير، نعم في كثرة روايته عن أهل البيت المعصومين ﵈ وتعبيره عن سيّدنا الإمام الهمام عليّ بن أبي طالب ﵇ دائمًا بأمير المؤمنين المطلق، وعدم نقله عن سائر الخلفاء مهما استطاع، هداية المتدرب الفطن إلى رشده وهدايته إن شاء الله فلا تغفل".
ثم قال ضمن إيراده لمصنفاته:
"-له- كتاب في (الإيمان والكفر) بديع الطراز حسن الفوائد، قيل: ويظهر منه أنه كان أشعري في الأصول ... " أ. هـ.
* قلت: مما سبق من المصادر يتضح اعتقاده الذي ادعاه أصحاب كتب الشيعة، وما ذكره السيوطي في البغية في أنه سُني، واختلف في ذلك، ولذلك سوف نورد بعض التحقيقات من محققي بعض كتب الراغب الأصبهاني في اعتقاده.
ونذكرها بالنص، وإليك أولًا: قول محقق "رسالته في ذكر الواحد الأحد" (١) للدكتور عمر عبد الرحمن الساريسي في اعتقاده:
"لقد تكرر إطلاق الراغب لقب أمير المؤمنين على الإمام علي بن أبي طالب من بين سائر الخلفاء الراشدين الذين قلما ذكرهم في مصنفاته. وهذا دعا بعض مؤلفي تراجم كتب الشيعة أن يعتدّوه من أئمتهم، وحينما صنف بعض مؤلفيهم "بيلوغرافيا" في مصنفات الشيعة جعله واحدًا ممن ذكر آثاره، ولم يفت صاحب أعيان الشيعة أن يدرجه واحدًا منهم، بل يحدد باحث آخر منهم أنه من حكماء الشيعة الإمامية.
وحسبته العامة، وبعض الخاصة، من المعتزلة، وذلك للتوافق في بعض الأصول كما يذكر بعض الباحثين وهكذا كان يظن جلال الدين السيوطي، يقول: "حتى رأيت بخط الشيخ بدر الدين الزركشي .. أن أبا القاسم الراغب من أئمة السنة .. وقرنه بالغزالي ... "، وهذا الذي يذكره كثير من الباحثين حينما يكررون أنه من حكماء الإسلام وأعلامه، بل يحدد بعضهم أنه من الشافعية (كما استفيد من فقه محاضراته).
وقد يرجح الباحث هذا الرأي الأخير، فيما يدين به الراغب من بين الفرق الإسلامية، إذا قرأ مخطوطة له بعنوان (رسالة في الاعتقاد)، واكتفى منها بفقرة واحدة: (الفرق المبتدعة هي: المشبهة ونفاة الصفات والقدرية والمرجئة والخوارج والمخلوقية والمتشيعة.
فالمشبهة ضلت في ذات الله، ونفاة الصفات ضلت في صفات الله، والقدرية في أفعاله، والخوارج في الوعيد، والمرجئة في الإيمان، والمخلوقية في القرآن، والمتشيعة في الإمامة، والفرقة الناجية هم أهل السنة والجماعة الذين اقتدوا بالصحابة. فمعلوم أن الله رضي عنهم حيث قال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، ومعلوم أنه لم يرض عنهم إلا بعد صحة اعتقادهم وصدق مقالهم وصلاح أفعالهم) (٢).
وفي المخطوطة نفسها أن أئمة الإسلام هم:
стр. 807
مالك بن أنس، والليث بن سعد، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وابن عيينة، والشافعي، وأحمد بن حنبل.
على أن للراغب نصيبًا من الحكمة والاشتغال بالأدلة العقلية إلى جانب أدلة الشرع النقلية" أ. هـ.
ثانيًا: قول محقق كتاب "مقدمة جامع التفاسير، مع تفسير الفاتحة" (١) للدكتور أحمد حسن فرحات في مقدمته أيضًا (ص ١٣):
"لقد أوتي الراغب الأصفهاني عقلًا كبيرًا، وقدرة فائقة على الجمع بين الأقوال التي يبدو أنها متعارضة كما يظهر ذلك من خلال كتبه ومؤلفاته، وكتابه هذا (جامع التفاسير) خير مثال لما نقول، وقد جرى في تفسيره على نفس الأصول التي قررها في المقدمة، وهو يحاول دائمًا تصحيح كل قول باعتبار يشهد له إن أمكن، ولا يردُّه إلا إذا كان ظاهر الفساد واضح البطلان، وقد وُفق الراغب في هذا النهج الذي سلكه توفيقًا كبيرًا نتيجة لقدرته الفائقة على السبر والتقسيم وإدراك الدقائق والفروق، ورد الجزئيات إلى كلياته، وعدم تعصبه لمذهب معين، مما جعله صاحب شخصية مستقلة في الفهم يصعب إدراجه ضمن مذهب محدد من المذاهب الكلامية المعروفة وهذا ما دعا المترجمين له إلى الاختلاف في بيان عقيدته".
ثم ذكر الدكتور أحمد فرحات قول السيوطي في بغيته كما ذكرناه سابقًا وعقب عليه قائلًا:
(فالسيوطي رغم اطلاعه الواسع وقراءاته الكثيرة كان يظن أن الراغب معتزلي حتى وجد نصًّا للزركشي يبين أنه من أهل السنة ويفرح لذلك ويعلّق عليه بقوله: "وهي فائدة حسنة فإن كثيرًا من الناس يظنون أنه معتزلي، ومبعث هذا الظن هو ما قدّمناه من عدم التزامه بمذهب معين، ومحاولته الجمع بين الأقوال باعتبارات متعدّدة ما أمكنه ذلك، إلا إذا كان الأمر لا يصح بأي اعتبار فإنه يردّه ولا يقبله.
ويرى صاحب "روضات الجنات" أنه أقرب لأن يكون أشعريًا وذلك حين يقول: "قيل: ويظهر أنه كان أشعريّ الأصول".
ولا يمكن الجزم بذلك نظرًا لعدم الالتزام الكامل كما قلنا بمذهب من المذاهب، نعم قد يستفاد هذا من بعض المواقف أو بعض الأقوال، لكن تعميم ذلك يحتاج إلى استقراء، وذلك يصعب توافره نظرًا لمنهج الراغب الذي يقوم على قبول الأقوال المتعددة باعتبارات مختلفة، ولعلّ الذي ينفي أنه من المعتزلة ويُثْبت أنه من الأشاعرة يعتمد على مثل هذا القول الذي ذكره الراغب في كتابه المفردات حيث قال في معرض تفسيره لمادة جبر:
.. فأما في وصفه تعالى نحو "العزيز الجبار المتكبر": فقد قيل سُمِّي بذلك من قولهم: جبرتُ الفقير لأنه هو الذي يَجْبُر الناس بفائض نعمه.
وقيل: لأنه يَجبُرُ الناس -أي: يقهرهم- على ما يريده، ودَفَع بعض أهل اللغة ذلك من حيث اللفظ فقال: لا يقال من "أفْعَلْتُ": "فَعَّال" فـ"جبّار" لا يبني من "أجبرت" فأجيب عنه بأن
стр. 808
ذلك من لفظ "جَبَرَ" المرويّ في قوله: "لا جبر ولا تفويض" لا من لفظ "الإجبار". وأنكر جماعة من المعتزلة ذلك من حيث المعنى فقالوا: يتعالى الله ذلك، وليس ذلك بمنكر فإن الله تعالى قد أجبر الناس على أشياء لا انفكاك لهم منها حسبما تقتضيه الحكمة الإلهية، لا على ما تتوهمه الغواة الجهلة، وذلك كإكراههم على المرض والموت والبعث، وسخّر كلًّا منهم لصناعة يتعاطاها وطريقةٍ من الأخلاق والأعمال يتحراها، وجعله مُجبرًا في صورة مخيّر فإمّا راضٍ بصنعته لا يريد عنها حِوَلًا، وإما كاره لها يكابدها مع كراهيته لها لا يجد عنها بدلًا، ولذلك قال تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَينَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيهِمْ فَرِحُونَ﴾ وقال : ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَينَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وعلى هذا الحدّ وصف بالقاهر وهو لا يقهر إلّا على ما تقتضي الحكمة أن يقهر عليه.
وواضح من هذا النص ردُّه على قول المعتزلة واستعماله لمصطلح الأشاعرة: مجبر في صورة مخير. وذلك كما قلنا لا يكفي دليلًا جازمًا على أنه كان يلتزم مذهب الأشاعرة دائمًا.
ولم ينحصر الخلاف بين المترجمين للراغب في كونه أشعريًا أو معتزليًا، بل إن بعض كتاب الشيعة ترجم له في طبقات أعلام الشيعة، فقد قال آغا بزرك الطهراني في كتابه طبعات أعلام الشيعة: اختلف في كونه شيعيًا، والعامّة صرّحوا بكونه من عامة المعتزلة، وكذا بعض الخاصة، لكن الشيخ حسن بن علي الطبرسي صاحب كامل بهائي صرح في آخر كتابه أسرار الإمامة أنه من حكماء الشيعة الإمامية.
ويبدو أن الذين حاولوا نسبته إلى التشيُّع اعتمدوا في ذلك على بعض عباراته التي تجلُّ الإمام علي بن أبي طالب ﵁ كأن يقول عنه دائمًا "أمير المؤمنين"، أو أن يقول أحيانًا " ﷺ " بدلًا من " ﵁" وقد صرّح بذلك الدكتور محمّد أحمد خلف الله أثناء تعريفه بالراغب في مقدمة تحقيقه لكتاب المفردات حيث قال: "وكما يختلف الناس في تاريخ وفاته يختلفون في مذهبه الديني فهو سني عند البعض وشيعي عند البعض ومن المعتزلة عند الآخرين" إلى أن يقول: "ويبدو لي من احترامه الشديد للإمام علي -كرّم الله وجهه- أنه كان من الشِّيعة ويذكر الشيخ حسن بن علي الطبرسي أنه كان من حكماء الشيعة الإمامية".
ولا شك أن هذا لايصلح دليلًا يعتمد عليه في مثل هذا المجال، وكما ذهب إلى ذلك صاحب "روضات الجنات" حيث قال: " .. وفي بعض الكتب أنه اختلف في تشيُّعه، وكأنه لما يتراءى من تقويته جانب الحق في بعض مصنّفاته، وأنت خبير بأن مثل ذلك لو كان دليلًا على حقيقة الرجل لما وجد للباطل بعد مصداق. كيف ولما يوجد بحمد الله لأشد النواصب إلى الآن مُصنّف لم يكن فيه شيء من مديح أهل البيت وشطر من مثالب مخالفيهم بالكتابة أو التصريح" ثم يقول بعد ذلك:
"وإذن فالمرجع في تشخيص المذهب الحق إلى الموافقة لأهله في جملة الضروريات والاقتفاء لآثارهم المحمودة في أصول المذهب وفروعه لا غير". ويقصد بذلك أن الراغب لم يكن كذلك بالنسبة للشيعة فهو لا يوافقهم في أصل المذهب كما لا يوافقهم في فروعه، وهذا من أوضح
стр. 809
الواضحات. ثم يقول صاحب "روضات الجنات" عن الراغب: "نعم في كثرة روايته عن أهل البيت المعصومين، وتعبيره عن سيدنا الإمام الهمام علي بن أبي طالب بأمير المؤمنين المطلق وعدم نقله عن سائر الخلفاء مهما استطاع هداية المتدرِّب الفطن إلى رشده وهدايته".
فرجع الأمر كله إلى ما سبق أن أشرنا إليه من إجلال علي ﵁ وتسميته بأمير المؤمنين، فأما عدم نقله عن سائر الخلفاء مهما استطاع، فهذا كلام لا يصح لأنه ينقل عن سائر الخلفاء الراشدين ولا يفرق بين واحد وواحد، كل ما هنالك أن الذي يتحكم في النقل طبيعة الموضوع وطبيعة المروي عن الخلفاء ودلالته بالنسبة لما يستشهد به عليه.
ورغم هذا الاختلاف المذهبي بين الشيعة من جانب والراغب الأصفهاني من جانب آخر فإنهم يقدرونه ويحترمونه لما سبق أن أشرنا إليه من بعض عباراته في تمجيد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بل ربما يستفيدون من كتبه اللغوية خاصة وكما يشير إلي ذلك صاحب "روضات الجنات": "وكفاه منقبة أن له قبول العامة والخاصة وفيما تحقق له من اللغة خاصة"- يريد بقوله: العامة والخاصة: السنة والشيعة.
وكما رجح صاحب "روضات الجنات" أنه أشعري الأصول كذلك رجح أنه كان من الشافعية في الفروع حيث يقول: "وكان من الشافعية كما استفيد لنا من فقه محاضراته".
ورغم أن الراغب سنيٍّ غيرُ شيعي بيقين إلا أنه لا يمكن حصره في واحد من مذاهب أهل السنة والجماعة نظرًا لِسَعَةِ إدراكه وبُعدِ نظراته، وقدرته على استيعاب وجوه الخلاف وتصحيحه للأقوال المتباينة باعتبارات متعددة) أ. هـ.
ثالثًا: قول محقق كتاب "الذريعة إلى مكارم الشريعة" (١) الدكتور أبي اليزيد العجمي، قال في مقدمة حول اعتقاد الراغب الأصبهاني وما اتهم به (ص ٢٦) ما نصه: (اتهام الراغب الأصفهاني بالتشيع والاعتزال:
وضح من الإشارات السابقة أن الراغب لم يكن من رجال الدولة ولا مشايعًا لحزب معين فيها، وقد عرف عن الراغب كذلك أنه لم يمحص كتابًا بعينه ليرد به على مذهب أو طائفة، وإنما كان جل اهتمامه بالإنسان وقضاياه في معاشه ومعاده (٢).
يضاف إلى هذا الغموض الذي شاب سيرة حياته، ولم يكن الغموض خاصًّا بأسفاره وأعماله، وإنما تخطى ذلك إلى مذهبه وانتمائه الفكري، وكان من نتيجة هذا أن عدّه أصحاب التراجم السنية عالمًا من علماء أهل السنة، كما عدّه أصحاب التراجم الشيعية علمًا وحكيمًا من حكمائهم، ونتج عن كل هذه الظروف أن ألصقت به تهمة التشيع حينًا، وتهمة الاعتزال حينًا آخر، وواضح أن هذا الاتهام لم يكن في حياته، وإنما كان بعد موته ولدى من ترجموا له،
стр. 810
ولعله من باب الشغف بتصنيف الناس وكأن الأصل أن يكون المسلمون شيعًا وأحزابًا! !
اتهامه بالتشيع:
بدهي أن الذين أثاروا هذه التهمة هم مترجمو الشيعة وإن بدا عندهم بعض الاضطراب كما في روضات الجنات حين ذكر صاحبه أن الراغب شافعي المذهب كما بدا في فقه محاضراته، وذكر أنه أشعري الأصول، ثم يذكر كذلك أنه مختلف في تشيعه، والدليل عنده على ذلك: حب الراغب لآل بيت رسول الله ﷺ ، وروايته عنهم ومديحه إياهم، ثم تبلغ المبالغة بالخوانساري حدًّا يحتاج إلى نظر حين يقرر أن الراغب لم ينقل في كتبه عن الخلفاء غير علي وحاول ذلك جاهدًا.
أما العاملي فيقول مثل سابقه بأنه مختلف في تشيع الرجل ثم يقول: "ولكن الشيخ حسين الطبرسي قد صرح في آخر كتابه أسرار الإمامة بأنه كان من حكماء الشيعة".
ويربط العاملي بين هذا وبين اتهام الراغب بالاعتزال ليخلص من ذلك إلى أن هذا يؤكد شيعيته "أقول يؤيد تشيعه قول من قال إنه معتزلي فإنهم كثيرًا ما يخلطون بين الشيعي والمعتزلي للتوافق في بعض الأصول".
وكأني به يوضح -عن غير قصد- اضطراب الخوانساري حين ذكر أنه أشعري الأصول ثم ذكر أنه شيعي وقيل إنه معتزلي، لأنه ما دامت -كما يقول العاملي- أصول الشيعة والمعتزلة متفقة في بعضها فليس من المنطقي أن تتفق أصول الأشاعرة مع واحدة منهما.
أما دليل تشيعه الأكيد فهو كثرة رواياته عن أهل البيت وإيراده لبعض الأحاديث في فضل عليّ ﵁.
وليت الأمر وقف عند هؤلاء الشيعة، فإن باحثًا معاصرًا حاول أن يفسر شيعية الراغب كما حاول أن يفسر اعتزاله، ومحاولته تتسم في نظرنا بالتوفيق المضطرب بين الآراء. إذ يرى هذا الباحث أنه -الراغب- كان شيعيًا معتدلًا بعيدًا عن المغالاة مستشهدًا على ذلك بكونه من أصفهان -وهي بيئة شيعية- وبروايته عن آل البيت رضوان الله عليهم، وبكونه اتهم بالاعتزال لقربه من التشيع -ولنلاحظ هنا كلام العاملي فيما سبق- ويورد عدة نقاط لا تخرج عن هذا الذي ذكرنا.
ويرى أنه وضع بين أهل السنة لأنه لم يكفر الخلفاء ولم يشطح في تفسيره شطحات الشيعة.
أما اعتزال الرجل فلأنه -كما يقول الباحث- اهتم بالعقل وبالإنسان ثم يقول: "كذلك سار الراغب على منهجهم -المعتزلة- في نفي الصفات عن الله وهو أحد الأصول الهامة في مذهب المعتزلة، وإن لم يفرد لها بابا خاصًّا في كتاباته، ولكنه جعلها في مفترق كلامه" ويشير الباحث إلى صفحة معينة في كتاب الذريعة. ويحاول الباحث أن يعتذر عن فهمه السابق حين يذكر أن الاهتمام بالعقل عند الراغب لعله من عدوى الفكر اليوناني، فكان عذره هذا أقبح من الذنب، لأنه -كما سنذكر- ليس غريبًا على الإسلام اهتمامه بالعقل.
تعقيب:
لعله وضح من أدلة هؤلاء أنهم يركزون على
стр. 811
حب الرجل لآل البيت، وعلى نقله عن الإمام عليّ ﵁، وهذا أمر لا يخلو منه قلب مؤمن بكتاب الله وسنة رسوله، فليس لهم في هذا دليل دامغ.
أما أن الراغب ركز روايته عن علي متعمدًا عدم روايته عن غيره فهذا لا يتفق وحقيقة ما جاء في كتب الرجل، ففي "الذريعة" و"تفصيل النشأتين" روايات عن أبي بكر وعمر ﵄، كما أن الرجل يروي عن الزهاد كالحسن البصري والفضيل بن عياض وغيرهما، ولعل هذا يرد على سؤال لماذا يكثر النقل عن عليّ ﵁؟ إذ الأمر مرتبط بمناسبة النقطة التي يبحثها، هذا إلى جانب أن للإمام عليّ كلامًا مجموعًا يسهل الاستدلال منه.
كذلك فإن أهل السنة الذين ترجموا للشيخ الراغب لم يشيروا إلى هذه النقطة، ولو كانت واردة كشائعة أو متضمنة في كتبه لما سكتوا عنها، بل ربما ما ترجموا للرجل ولا اهتموا به. وما أظن أن هناك مسوغًا لمحاولة افتعال موقف متوسط للرجل بين السنة والشيعة، وحسبنا أن نتذكر ما أجمع عليه المترجمون له، من عدم تمذهبه، ولا تورطه في فكر حزبي بل كان مشغولًا باستخراج طريق شرعي للإنسان من خلال فهمه للكتاب والسنة) أ. هـ.
ثم ذكر المحقق اتهامه بالاعتزال، وأورد أيضًا "قول السيوطي في البغية" ثم قال المحقق معقبًا على قول السيوطي:
(واستخدام كلمة "في ظني" من السيوطي العالم المؤرخ أمر له دلالته، فلم يكن الأمر عنده محققًا وبالغًا حد الاعتقاد مع معرفته بالفكر وغوصه في أبوابه وفروعه.
كذلك نلحظ أن "كثيرًا من الناس يظنون" عبارة تدل على أن الأمر بين الناس كان في دائرة الشائعات التي تدور بين العامة، ربما عن قصد ممن أثارها لغرض بعيد، وربما لكلمة أطلقت بحسن قصد.
ويبدو أن الاتهام بالاعتزال في هذا العصر كان شيئًا مألوفًا حتى بين العلماء أنفسهم أحيانًا، فقد اتهم ابن الصلاح الماوردي صاحب أدب الدنيا والدين (ت ٤٥٠ هـ) بالاعتزال، كما جاء في طبقات السبكي، وبنى ابن الصلاح اتهامه على فهم فهمَه من كلام الماوردي، وإن كان قد أنصف الرجل حين قال "رجل لا يتظاهر بالانتساب إلى المعتزلة ... ثم هو ليس معتزليًا مطلقًا فإنه لا يوافقهم في جميع أصولهم مثل خلق القرآن كما دل عليه تفسيره في قوله : ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ وغير ذلك". ويدفع هذه التهمة محقق أدب الدنيا والدين فيقول: "غير أنا نقول أن اتهام المحدثين للعلماء بالإعتزال والتشيع وبما هو أكبر من ذلك. وقد كثر وشاع. ولعل هذا الذي ذكره ابن الصلاح كان نوعًا من اجتهاد الماوردي، وترجيحه بين الآراء العلمية ترجيحًا عقليًا، يوافق بعض آراء المعتزلة أحيانًا. وهو بريء من الإعتزال جملة، وكل ما في الأمر أنه غلبت عليه صفة الفقيه العالم الذي يوازن بين الآراء، ويرجح بعضها على بعض، دون نظر إلى القائل بهذا
стр. 812
الرأي أو ذاك" (١).
ويؤكد هذا بأن موافقة عالم من العلماء لطائفة ما في بعض آرائهم لا يسوغ عده منهم بل الموضوعية تقضي بأن نتحرى الموقف العلمي، وغاية ما نرتضيه أن نحكم على الرجل أنه حاد في كذا عن سمته الفكري.
هذا والأمر لا يزال في دائرة الظن، والظن هنا لا يغني عن الحق شيئًا، لأن الأمر لا يخص واحدًا من عامة الناس، بل يخص عالمًا يملأ دنيا عصره، فكيف يقبل أن يكون فكره ومذهبه فيه مجهولين إلى حد الظن الذي يستوي فيه هنا العلماء والعامة.
أما أن هذه التهمة ألصقت بالراغب لاهتمامه بالعقل في كتاباته، ونفي الصفات عن الله كما يقول البعض فهذا أمر يحتاج إلى وقفة ولو موجزة) أ. هـ.
ثم ذكر المحقق الدكتور أبو اليزيد العجمي ثلاث نقاط جعل منها منطلقًا حول قيمة العقل بالإسلام، وجعله الله تعالى له ليكرمه عن بقية المخلوقات، ثم ذكر أقوال العلماء في ذلك، وكيف اهتم علماء المسلمين بذلك على مختلف الأزمان ثم تكلم المحقق حول أنواع العقل وجعل العقل عقلان: عقل غريزي وهو القوة المتهيئة لقبول العلم من حيث القوة موجود في كل خليفة من الآدميين.
والثاني عقل مستفاد وهو الذي تقوى به تلك القوة. (٢)
ثم ذكر المحقق كما أنه قد اهتم الراغب بالعقل والكلام فإن شيخ الإسلام ابن تيمية قد اهتم بهذا الأمر فوق كل اهتمام سبقه، وقد أفرد لذلك سفرًا ضخمًا عديدة وهو "درء تعارض العقل والنقل"، ثم ينقل المحقق بعض النقولات من كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية لإسناد تفصيل ذلك حول اتهام الراغب بالاعتزال، ثم قال المحقق (ص ٣٥) عند نهاية النقطة الثانية:
(فبعد هذه الإشارات الدالة على اهتمام العلماء يصلح أن نبني حكمًا بالاعتزال على عالم مسلم لمجرد أنه اهتم بالعقل في بحوثه؟ يغلب على الظن أن أمانة البحث تقضي بالإجابة بـ لا يصح هذا، وإلا اتهمنا الجميع بالاعتزال حتى أشد الناس سلفية وارتباطًا باهل السنة) أ. هـ.
ثم بدأ المحقق بالنقطة الثالثة قائلًا:
(بعد أن تداعت حجة الاهتمام بالعقل سببًا لاتهام الراغب بالاعتزال، نقول: أما بالنسبة لما ذكره أحد الباحثين من أن الشيخ الأصفهاني يوافق المعتزلة في نفيهم الصفات عن الله سبحانه. نقول: تفرد بهذا الزعم هذا الباحث، فلم نجده عند غيره ممن ذكرنا تعريفاتهم بالرجل شيئًا كهذا.
وإلى جانب تفرده به فهو محض افتراء لأن الصفحة التي أشار إليها من "الذريعة، ليس بها
стр. 813
ما نسبه إلى الرجل، فضلًا عن أن دراستنا للذريعة تثبت أن الراغب الأصفهاني يذكر في أكثر من موضع أن صفات الله سبحانه نعلمها من الكتاب والسنة، ويقرر أنه لو لم ترد صفات كالرؤف والرحيم في القرآن وصفا لله لما تجاسر أحد على وصفه بها لأن البشر يصفون أنفسهم بها، وهو العالم اللغوي يدرك الفرق بين إطلاق اللفظ بالنسبة لله سبحانه وبينه صفة للبشر المخلوقين.
وبهذا لم يبق لزاعم حجة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. والله من وراء القصد) أ. هـ.
ثم قال الدكتور أبو اليزيد العجمي في الهامش معقبًا:
(الذريعة إلى مكارم الشريعة مبحث ذكر المكر والحيل والخديعة، وكذا الفصل السابع بمباحثه كلها هذا فضلًا عن عبارات عديدة تؤكد أنه ليس من النفاة للصفات كما زعم الزاعم) أ. هـ.
* قلت: لقد نقلنا قول بعض محققي كتب الراغب الأصبهاني، والذي يُلخص من بحثهم أن الراغب هو نسيجٌ وحده، فإنه يدور مع العلم أو الدليل الذي يظنه يقع بالصحيح عند مسألة ما، ولذلك لغزارة علمه وذكائه فإنه لا يقف عند مذهب ما في تحرير مسألة أو تحقيقها، فهو ليس شيعيًا كما ذكره أصحاب تراجم الشيعة ومصنفيهم، ولا هو معتزليًا كما قال محققو الكتب آنفًا، وليس هو بأشعري فمن غير المعقول أن تتلاقى أصول المعتزلة مع الأشعرية فإن بينهما لتنافرًا، وما كان أبو الحسن الأشعري قد حرر مذهبه قبل رجوعه إلا ردًّا على كثير من أصول وكلام المعتزلة، وإنما الراغب هو خليطًا بينهم، يأخذ بقول أحد على أساس الإقتناع بالدليل في تلك المسألة إن وافق الأشعرية وإن وافق أصل من أصول الشيعة، وهكذا. والذي قاله السيوطي في "البغية" نقلًا عن الزركشي في القواعد الصغرى لابن عبد السلام: حول ما ذكره - عن الإمام فخر الدين الرازي، وهو أحد علماء الأمة على مذهب الأشعرية في (تأسيس التقديس) في الأصول: أن الراغب من أئمة السنة انتهى أي -من الأشعرية-، وهكذا قول آخر يؤيد ما يذهب إليه القراء إلى أن الراغب نسيجٌ وحدهُ في أمر معتقدهِ. والله أعلم بالصواب.
إذًا فالرجل يأتي بالعلم وبمذهب على ما يقدمه من القول الذي يرتايه، وسوف ننقل إليك بعض المواضع من كتابه "مفردات ألفاظ القرآن" في تأويل بعض الصفات.
قال في مادة سوا (١): " ... ومتى عُدّيَ بعلى اقتضى معنى الاستيلاء، كقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقيل معناه استوى له ما في السموات وما في الأرض، أي: استقام الكل على مراده بتسوية الله تعالى إياه، كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾، وقيل: معناه استوى كل شيء في النسبة إليه، فلا شيء أقرب إليه من شيء، إذ كان تعالى ليس كالأجسام الحالة في مكان دون مكان، وإذا عُدّيَ بإلى اقتضى معنى الانتهاء إليه إما بالذات أو بالتدبير وعلى الثاني قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾.
стр. 814
وفاته: في المائة الخامسة للهجرة، وقيل سنة (٥٠٢ هـ) اثنتين وخمسمائة وقيل غير ذلك (١).
من مصنفاته: "مفردات ألفاظ القرآن"، "الذريعة في مكارم الشريعة"، "مقدمة جامع التفاسير مع تفسير الفاتحة"، ورسالة في ذكر الواحد الأحد، وغير ذلك.
١١١٨ - البَارِع *
النحوي، اللغوي، المقرئ: الحسين بن محمّد بن عبد الوهاب بن أحمد بن محمّد بن الحسين بن عبيد الله بن القاسم بن عبد الله بن سليمان بن وهب الوزير الحارثي من بني الحارث ... المعروف بالبارع أبو عبد الله البغدادي الدباس البكري.
ولد: سنة (٤٤٣ هـ) ثلاث وأربعين وأربعمائة.
من مشايخه: أبو بكر محمّد بن علي الخيّاط، وروى عن أبي جعفر بن المسلمة وغيرهما.
من تلامذته: سمع منه الحافظ أبو الفرج بن الجوزي، وأبو عبد الله الحسين بن علي بن مهجل الضرير الباقدرائي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* المنتظم: "كان شيخنا ابن ناصر -أي شيخ ابن الجوزي- يقول: فيه تساهل وضعف" أ. هـ.
стр. 815
* وفيات الأعيان: "البارع المشهور الأديب النديم البغدادي، كان نحويًا لغويًّا مقرئًا، حسن المعرفة بصنوف الآداب خصوصًا بإقراء القرآن الكريم.
وهو من بيت الوزارة ... وله مصنفات حِسان وتواليف غريبة وديوان شعر جيد، .. ومن شعره في قصيدة طويلة دالية يعاتب فيها صديقه ورفيقه الشريف أبا يعلى ابن الهبارية ويشير إلى أنه تغير عليه بسبب الخدمة، وأولها:
يا ابن رُدِّي وابن متي ابنُ ردِّي ... غيّرتْ طرفَهُ الرياسةُ بَعْدي
* معرفة القراء: "ذكره العماد الكاتب، فقال: من أهل السؤدد، كريم المحتد، نحوي زمانه، عديم النظر في أوانه، وسئل ابن عساكر عنه، فقال: ما كان به بأس" أ. هـ.
* البداية والنهاية: "قرأ القراءات وسمع الحديث وكان عارفًا بالنحو واللغة والأدب، وله شعر حسن" أ. هـ.
وفاته: سنة (٥٢٤ هـ) أربع وعشرين وخمسمائة.
من مصنفاته: "الشمس المنيرة" في القراءات، وله ديوان شعر.
١١١٩ - الطَرْطُوشي *
النحوي، اللغوي، المقرئ: الحسين بن محمّد بن الحسين بن علي بن عَريِب -بالمهملة-، أبو علي الأنصاري الأندلسي الطرطوشي.
ولد: سنة (٤٧٧ هـ) سبع وسبعين وأربعمائة.
من مشايخه: أبو علي بن سُكرة الصّدفي, وابن مؤمن الطرطوشي وغيرهما.
من تلامذته: أبو الخطاب بن واجب، وأبو محمد بن غلبون وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* تكملة الصلة: "تصدر لإقراء القراءات ببلده ... وانفرد في وقته في طريقة الإقراء. وأخذ عنه الناس وكانت له حلقة عظيمة وكان ربما علم العربية. والغالب عليه التجويد والتحقيق والإفادة للقراءة ... كان أديبًا حسن البلاغة سَلِسَ القياد في الخطابة، حسن الخط" أ. هـ.
* بغية الملتمس: "فقيه مقرئ مشهور، خطيب مرسية، كان من المقرئين المجودين" أ. هـ.
* معرفة القراء: "المقرى الفقيه ... وقد أقرأ بجامع مرسية وولي خطابتها. وكان رأسًا في الإقراء، ذا حلقة عظيمة، وذا صلاح ولُطف، ولين .. توفى ... وكانت جنازته مشهودة" أ. هـ.
* تاريخ الإسلام: "الإمام أبو علي الأنصاري الطرطوشي المقرئ ... سمع (أدب الكاتب) لابن قتيبة بطرطوشة من أبي العرب الصّقلي الشاعر بقراءته عليه، ورواه بعلوّ عن أبي عمر بن عبد البر ... وتصدر للإقراء ببلده والخطابة. وأقرأ بجامع المريّة فلما دخلها الفرنج، استوطن مُرسية
وتصدّر بها للإقراء" أ. هـ.
وفاته: سنة (٥٦٣ هـ) ثلاث وستين وخمسمائة.
стр. 816
١١٢٠ - الطيِّبي *
اللغوي، المفسر: الحسين (١) بن محمّد بن عبد الله الطيبي، شرف الدين.
من مشايخه: أبو حفص السهروردي وغيره.
كلام العلماء فيه:
* الدرر: "عقد مجلسًا عظيمًا لقراءة كتاب البخاري فكان يشتغل من بكرة إلى الظهر في التفسير ومن ثم إلى العصر لإسماع البخاري إلى أن كان يوم مات فإنه فرغ من وظيفة التفسير وتوجه إلى مجلس الحديث فدخل مسجدًا عند بيته فصلى النافلة قاعدًا وجلس ينتظر الإقامة للفريضة فقضى نحبه متوجهًا إلى القبلة.
كان كريمًا متواضعًا حسن المعتقد شديد الرد على الفلاسفة والمبتدعة مظهرًا فضائحهم مع استيلائهم في بلاد المسلمين حينئذ، شديد الحب لله ولرسوله كثير الحياء، ملازمًا للجماعة ليلًا ونهارًا شتاءً وصيفًا مع ضعف بصره بآخرة عمره ملازمًا لأشغال الطلبة في العلوم الإسلامية بغير طمع بل يجد لهم ويعينهم ويعير الكتب النفيسة لأهل بلده وغيرهم من أهل البلدان من يعرف ومن لا يعرف محبًا لمن عرف منه تعظيم الشريعة مقبلًا على نشر العلم آية في استخراج الدقائق من القرآن والسنن" أ. هـ.
* طبقات المفسرين للداودي: "الإمام المشهور العلّامة في المعقول والعربية والمعاني والبيان " أ. هـ.
* بغية الوعاة: "ذكر في شرحه على "الكشاف" أنه أخذ من أبي حفص السهروردي وأنه قبيل الشروع في هذا الشيء رأى النبي ﷺ وقد ناوله قدحًا من اللبن فشرب منه" أ. هـ.
* قلت: ذكره الشمس الأفغاني في كتابه "الماتريدية" ضمن: "أسماء بعض كبار أئمة الإسلام الذين صرحوا بإجماع السلف على إثبات الصفات، وتقرير نصوصها بلا تأويل ولا تعطيل، وبلا تكييف، ولا تمثيل، ولا يختلف فيه منهم اثنان، ولم يتناطح في ذلك ... ".
ثم أورد صاحب الترجمة من ضمنهم وقال: "علامة المعقول، والمنقول الإمام حسن بن محمّد الطيبي" أ. هـ.
قال ابن حجر في "فتح الباري" من كتاب التوحيد نقلًا عن الطيبى في الصفات قوله: "قال الشيخ شهاب الدين السهروري في كتاب (العقيدة) له، أخبر الله في كتابه وثبت عن رسوله إخبار الله ورسوله الاستواء والنزول والنفس واليد والعين، فلا يتصرف فيها بتشبيه ولا تعطيل، إذ لولا إخبار الله ورسوله ما تجاسر عقل أن يحوم حول ذلك الحمى. قال الطيبي: هذا هو المذهب المعتمد وبه يقول السلف الصالح " أ. هـ.
* قلت: قال محقق كتاب "شرح الطيبي على
стр. 817
مشكاة المصابيح" (١) في مقدمته ذاكرًا لعقيدة صاحب الترجمة بعد قول ابن حجر، وابن خلدون فيه (١/ ١٩): "وهذا يدلنا على أن الطيبي كان على عقيدة أهل السنة والجماعة، مجانبًا مذاهب أهل الأهواء والبدع، وقد ظهر ذلك جليًا في مؤلفات الطيبي عامة، وفي حاشيته خاصة، بل لعل من أهم أهدافه في الحاشية هو الرد على الزمخشري في اعتزاله، وبيان أن البلاغة تتنزل على مذهب أهل السنة، لا على مذهب المعتزلة، كما يقول ابن خلدون، وإن لم يصرح الطيبي بذلك في مقدمة حاشيته.
هذا، وقد كان لهذه العقيدة أثرها فيما كان عليه الطيبي من الورع والتقوى، والميل إلى الزهد في الدنيا، مع قدرته وغناه، فظل ينفق في وجوه الخيرات، حتى صار إلى الفقر في آخر عمره ... أما مذهب الطيبي التعبدي أو الفقهي فقد رجح محقق حاشيته (فتوح الغيب) أنه شافعي، غير أنه لم يذكر في طبقات الشافعية أو غيرها، ولم يتعرض لهذا الأمر أحد من الذين ترجموا له، ولا يبعد عندي أن يكون الطيبي غير ملتزم مذهبًا بعينه" أ. هـ.
* قلت: أما قول المحقق: أنه من أهل السنة والجماعة ... هذا بعيد نسبيًا، لأن القارئ سوف يقرأ بعد قليل ما نقلناه عنه في "شرح الطيبي على مشكاة المصابيح" لتأويله للصفات وقوله على مذهب الأشاعرة، وميله لهم لأسباب كثيرة -قد تكون- الرد على المعتزلة، فالأشعرية هم أحد أقوى المذاهب التي تصدت إلى المعتزلة كلامهم، وأيضًا نقل الطيبي الكثير لأقوال أئمة الأشعرية، كالإمام الفخر الرازي، والخطابي، وأبوحامد الغزالي وغيرهم، وسوف تنقل بالنص ما وجدناه في شرحه حول تأويله للصفات، أما رده على غير المعتزلة، مثل الزنادقة والرافضة، والخوارج، والحلولية، وأهل التجسيم والتشبيه ومنحرفي الصوفية وغيرهم، فذلك واضح لديه كما في: (٨/ ٢٤٥٤) و (٨/ ٢٤٩٧) وغيرهما.
وأما مذهبه الفقهي، فهو كأنه يميل إلى الشافعية، وقد يكون ذلك واضحًا خلال كلامه على قنوت الفجر، الذي أوجبه الإمام الشافعي، دافع عنه الطيبي وقال (٤/ ١٢٣٢): "وقد شهد جماعة بالإثبات .. " أ. هـ. وتصحيح الرواية وثباتها .. مع ما يذكره في مواضع كثيرة من شرحه لقول الشافعي وتبنيه كما في مواضع: (٤/ ١٢٥٢) و (٤/ ١٢٥٧) وغيرها.
وقد تكلم الطيبي أيضًا عن التصوف والمتصوفة، ذاكرًا أقوال الأئمة التصوف ومشايخهم، كذكره لكلام شيخه أبو جعفر السهروري في أهل التصوف، وأهل التصوف الأول: الذين علومهم كلها البناء عن وجدان، وانجراف إلى عرفان .... إلى آخر كلامه، واندراسهم في حقائقهم وأسرارهم.
ثم قال الطيبي بعد إيراد قول أبو حامد الغزالي في تصوفه أهل الزمان على مختلف أزمانهم وأحوالهم، كمتصوفة السلف كالجنيد والشيخ عبد القادر الجيلاني وغيرهما من أهل العلم
стр. 818
والخير والاتباع لكتاب الله ورسوله ﷺ ، ومن جاء بعدهم على مدى القرون والسنين ممن خاض في الانحرافات والانحلال، وسوء الفعل كالموسيقى والرقص والأمور المشينة للدين والنفس والجسد: " ... وأصناف غرور أهل الإباحة من المشتبهين بالصوفية لا تحصى، وأنواع الغرور في طريق السلوك إلى الله تعالى لا تحصر في مجلدات، ولا تستقصى إلا بعد شرح علوم المكاشفة، وذلك مما رخصة في ذكره، إذ السالك لهذا الطريق لا يحتاج إلى أن يسمعه من غيره، والذي لم يسلكه لم ينتفع بسماعه، بل ربما يستضر به، إذ يورثه ذلك دهشة من حيث يسمع ما لا يفهم" أ. هـ.
وهذا كلامه يدلنا على أن له سلوكًا صوفيًا جيدًا معتدلًا، لا يرضى فيه إلا ما كان عليه أهل التصوف الأول الممدوح ... وقد تكلم عن آداب العزلة وكلام العلماء فيها كالإمام الغزالي وشيخه السهروري فلتراجع (١٠/ ٣٢٣٨).
والآن وبعد الكلام السابق ننقل مواضع تأويله للصفات وغيرهما ... والله ولي التوفيق.
وإليك أولًا قول الطيبي عن مشايخه الصوفية في حديث أبي هريرة ﵁، قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًّا فقد أذنته بالحرب ... " الحديث: "ولسلفنا من مشايخ الصوفية في هذا الباب فتوحات غيبية، وإشارات ذوقية، تهتز منها العظام البالية، غير أنها لا تصلح إلا لمن سلك سبيلهم، فعلم مشربهم، وأما غيرهم فلا يؤمن عليه عند سماعها من الأغاليط التي تهوي بصاحبها إلى مهواة الحلول والاتحاد. وتعالى الله الملك الحق عن صفات المخلوقين، ونعوت المربوبين. وحسب ذوي الألباب من شواهد هذا الباب، أن الله ﵎ لما أراد أن يقرر في قلوب السامعين عنه الواقفين معه أن عقد الميثاق مع الرسول ﷺ كعقده معه، أضاف المبايعة معه إلى نفسه بآكد الألفاظ وأخص المعاني، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠].
وقال في الإيمان (٢/ ٤٢٩): "فإن قيل: إذا جعل الإيمان عبارة عن مجموع التصديق، والإقرار والعمل، فمن أخلَّ بواحدة منها، يلزم أن يكون مؤمنًا، لأن الكل ينتفي بانتفاء الجزء. قلت: المراد بالإيمان ها هنا: هو الإيمان الكامل، وإذا كان المراد ذلك فإذا انتفى بعض منها ينتفي الإيمان الكامل، لا مطلق الإيمان" أ. هـ.
وقال في (٢/ ٦٠٣) من حديث عائشة ﵂: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه بد فهو رد): "الأمر حقيقة في القول الطالب للفعل، مجاز في الفعل والشأن والطريق، وأطلق على الذين من حيث أنه طريقه ... " أ. هـ.
وقال في (٤/ ١٢٠٨) من حديث أبي إمامة ﵁: (قال: قيل: يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ ... ) الحديث: "قوله: "أسمع" "تو": أي أرجى للإجابة، فالسمع هو الذي يرد بمعنى الإجابة مجازًا، لأن القول المسموع على الحقيقة هو ما يقترن بالقبول من السامع، وقد فسر الحديث في باب الذكر بعد الصلاة وذكر أن لا بد من مقدر إما في السؤال أي أيُّ أوقات الدعاء أقرب إلى الإجابة؟ وإما في الجواب أي الدعاء في جوف الليل" أ. هـ.
стр. 819
وقال في (٦/ ١٧٩٦): ""الواسع" مشتق من السعة، وهي تستعمل حقيقة باعتبار المكان، وهي لا يمكن إطلاقها على الله تعالى بهذا المعنى، ومجازًا في العلم والإنعام، والممكنة والمغني، قال تعالى: ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٢) ولذلك فسر الواسع بالعالم المحيط علمه بجميع المعلومات كليها وجزئيها، موجودها ومعدومها، وبالجواد الذي عمت نعمته، وشملت رحمته كل بر وفاجر، ومؤمن وكافر، وبالغنى التام الغنى المتمكن مما يشاء وعن بعض العارفين: الواسع الذي لا نهاية لبرهانه، ولا غاية لسلطانه، ولا حد لإحسانه" أ. هـ.
وقال في الاستواء، في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢/ ٦١٩)، ذاكرًا قول الإمام مالك: "قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" أ. هـ. وهذا ما واجه به قول المعتزلة وهو رد صحيح، وحجة بالغة.
وقال الطيبي في صفة الممل من حديث عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا). (٤/ ١٢١٢): "قوله: "لا يمل" (قض": الملال فتور يعرض للنفس من كثرة مزاولة شيء، فيوجب الكلال في الفعل والإعراض عنه. وأمثال ذلك على الحقيقة إنما يصدق في حق من يعتريه التغير والانكسار، فأما من تنزه عن ذلك فيستحيل تصور هذا المعنى في حقه، فإذا أسند إليه، أول بما هو منتهاه وغاية معناه، كإسناد الرحمة، والغضب، والحياء، والضحك إلى الله تعالى، فالمعنى -والله أعلم- اعملوا حسب وسعكم وطاقتكم، فإن الله تعالى لا يعرض عنكم إعراض الملول، ولا ينقص ثواب أعمالكم ما بقي لكم من نشاط وأريحية. فإذا فترتم فاقعدوا، فإنكم إذا مللتم عن العبادة وأتيتم بها على كلال وفتور، كانت معاملة الله معكم حينئذ معاملة الملول عنكم" أ. هـ.
وقال في (٤/ ١٢١٧) من حديث: (عجب ربنا .. ): "أي عظم ذلك عنده، وكبر لديه، وإطلاق التعجب على الله مجاز، لأنه لا يخفى عليه أسباب الأشياء، والتعجب تغيير يعتري إنسان من رؤية ما خفى عليه سببه، وقيل: (عجب ربنا) أي رضي وأناب، والأول أوجه، لقوله تعالى للملائكة: (انظروا إلى عبدي) على سبيل المباهاة" أ. هـ.
وقال في (٤/ ١٢٥٢) من حديث أبي أمامة: (قال رسول الله ﷺ : ما أذن الله لعبد في شيء أفضل من الركعتين يصليهما .. ): "قوله: "بمثل ما خرج منه قال ابن فورك: الخروج على وجهين: أحدهما خروج الجسم، وذلك بمفارقة مكانه واستبداله مكانا آخر، وذلك محال على الله تعالى، والثاني ظهور الشيء من الشيء كقوله: خرج لنا من كلامك نفع وخير، أراد ظهر لنا من كلامك خير. وهذا هو المراد. فالمعنى: ما أنزل الله على نبيه ﷺ ، وأفهم عباده. ثم قال ابن فورك: وقد قال قائلون: إن الهاء في قوله "خرج منه" عائد إلى العبد وخروجه منه وجوده على لسانه، محفوظا في صدره، مكتوبا بيده. "شف": أي ظهر الحق
стр. 820
من شرائعه بكلامه، أو خرج من كتابه المبين -وهو اللوح المحفوظ- وذكر عكرمة أنه شهد جنازة رجل مع ابن عباس ﵄، فقال رجل: اللهم يارب القرآن اغفر له، فقال له ابن عباس: منه، أما علمت أن القرآن منه؟ قال: فغطى الرجل رأسه، كأنه أتى كبيرة. ومعنى "منه": أن القرآن صفة لله تعالى القائمة بذاته، فلا يجوز أن يوصف بما يصبر مربوبًا محدثًا. فإن قيل: فما معنى قول السلف "إن كلام الله منه خرج، وإليه يعوده؟ قلت: معناه: أنه تعالى به أمر، ونهى، وإليه يعود، يعني هو الذي يسألك عما أمرك، ونهاك. أقول: معنى قولهم: "منه بدأ" أنه أنزل على الخلق ليكون حجة لهم وعليهم قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا﴾ وقولهم "وإليه يعود" أن مآل أمره وعاقبته من تبين حقيقته، وظهور صدق ما نطق به، من الوعد والوعيد إلى الله تعالى. قال سبحانه: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْويلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾. وإذا تقرر هذا، فليس شيء من العبادات يتقرب العبد به إلى الله، ويجعله وسيلة له أفضل من القرآن" أ. هـ.
وقال في (٤/ ١٣١٢) حول صفة الغيرة: "قوله: "أغير من الله" "نه": الغيرة هي الحمية والأنفة، يقال: غرت على أهلي، أغار غيرة، فأنا غائر. غيور للمبالغة. "نه": "أن يزني" متعلق بـ"أغير" -وحذف الجار من "أن" قياس مستمر- ونسبة الغيرة إلى الله تعالى مجاز محمول على غاية إظهار غضبه على الزاني، وإنزال نكاله عليه. ووجه اتصال هذا المعنى بما قبله هو أنه ﷺ لما خوف أمته من الكسوفيين، وحرضهم على الفزع والالتجاء إلى الله تعالى بالتكبير والدعاء، والصلاة، والتصدق، أراد أن يردعهم عن المعاصي كلها، فخص منها الزنا، وفخم شأنها في الفظاعة، وندب أمته بقوله: "يا أمة محمد" ونسب الغيرة إلى الله تعالى. ولعل تخصيص العبد والأمة بالذكر رعاية لحسن الأدب، لأن أصل الغيرة أن يستعمل في الأهل والزوج، فامتنع من نسبة ذلك إلى الله تعالى تنزيهًا لجنابة الأقدس عنه. ويجوز أن تكون نسبة هذه الغيرة إلى الله الانتقام وحلول العقاب المصرحة التبعية، شبه حالة ما يفعل تعالى مع عبده الزاني من الانتقام وحلول العقاب عليه بحالة ما يفعل السيد بعبده الزاني من الزجر والتعزيز، ثم كرر الندبة ليتعلق به ما ينتسبه به على الندبة، والفزع إلى الله تعالى من علم بالله تعالى وبغضبه" أ. هـ.
وقال في (٥/ ١٥٦٦) في الوجه من حديث: (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة): (قال: (وجه الله). ذاته، والوجه يعبر به عن الجملة والذات" أ. هـ.
وقال في (٥/ ١٧٢٨): "قوله: وما ترددت عن شيء": التردد تعارض في الرأيين، وترادف الخاطرين، وهو وإن كان محالًا في حقه تعالى إلا أنه أسند إليه باعتبار غايته ومنتهاه الذي هو التوقف والتأني في الأمر، كذلك سائر ما يسند إلى الله تعالى من صفات المخلوقين كالغضب والحياء والمكر (١). فالمعنى: ما أخرت وما توقفت
стр. 821
توقف المتردد في أمر أنا فاعله إلا في قبض نفس عبدي المؤمن، أتوقف فيه حتى يُسهل عليه، ويمل قلبه إليه شوقًا إلى أن ينخرط في سلك المقربين، ويتبوأ في أعلى عليين" أ. هـ.
قال في النزول (٤/ ١٢٠٤): "قوله: "ينزل ربنا" "قض": لما ثبت بالقواطع العقلية والنقلية أنه ﵎ منزه عن الجسمية والتحيز، والحلول، امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع أعلى إلى ما هو أخفض منه، بل المعنى به على ما ذكره أهل الحق دنو رحمته، ومزيد من لطفه على العباد، وإجابة دعوتهم، وقبول معذرتهم، كما هو ديدن الملوك الكرماء، والسادة الرحماء، إذا نزلوا بقرب قوم محتاجين، ملهوفين فقراء مستضعفين. وقد روى: "يهبط من السماء العليا إلى الدنيا" أي ينتقل من مقتضى صفات الجلال التي تقتضي الأنفة من الأرذال، وعدم المبالاة، وقهر العداة، والانتقام من العصاة، إلى مقتضى صفات الإكرام المقتضية للرأفة والرحمة، وقبول المعذرة، والتلطف بالمحتاج، واستعراض الحوائج، والمساهلة والتخفيف في الأوامر والنواهي، والإغضاء عما يبدو من المعاصي. انتهى كلامه. وقوله: "﵎" جملتان معترضتان بين الفعل والظرف، لما أسند ما لا يليق إسناده ما لا يليق إسناده بالحقيقة إليه، أتى بما يدل على التنزيه معترضًا، كقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] " أ. هـ.
وقال في الضحك (٤/ ١٢٠٦): "قوله: "يضحك الله إليهم" الضحك من الله محمول على غاية الرضا والرأفة. وفي "إلى" معنى الدنو والقرب، كأنه قيل: إن الله تعالى يرضى عنهم، ويدنو إليهم برأفته ورحمته، وإليه ينظر قوله في الحديث السابق: "وهو قربة لكم إلى ربكم" ويجوز أن يضمن الضحك معنى النظر، ويعدى تعديته بإلى، فالمعنى أنه تعالى ينظر إليهم ضاحكًا، أي راضيًا عنهم متعطفًا عليهم؛ لأن الملك إذا نظر إلى بعض رعيته بعين الرضا، لا يدع من إنعام وإكرام إلا فعل في حقه. وفي عكسه قوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]. وعلى الوجه الأول: "يضحك" مستعار للرضا على سبيل التبعية، والقرينة الصارفة نسبة الضحك إلى من هو متعال عن صفات المخلوقين) (١) أ. هـ.
وقال في صفة النفس (٦/ ١٩٣٢): "قال: "اجعل حبك أحب إلى نفسي" بدل اجعل نفسك، مراعاة للأدب حيث لم يرد أن يقابل بنفسه نفسه ، فإن قيل: لعله إنما عدل؛ لأن النفس لا تطلق على الله تعالى، قلت: بل إطلاقه صحيح، وقد ورد في التنزيل مشاكلة؛ قال تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]. وقوله: "ومن الماء البارد" أعاد "من" هنا ليدل بذلك على استقلال الماء البارد في كونه محبوبًا، وذلك في بعض الأحيان، فإنه يعدل بالروح، وعن بعض الفضلاء: ليس للماء قيمة، لأنه يباع إذا وجد، ولا يباع إذا فقد" أ. هـ.
стр. 822
وقال في صفة (العلي) (٦/ ١٧٩٢): ""العلي" فعيل من العلو، ومعناه البالغ في علو الرتبة إلى حيث لا رتبة إلا وهي منحطة عنه، وهو من الأسماء الإضافية. قال بعض الصالحين: العلي الذي علا عن الدرك ذاته، وكبر عن التصور صفاته. وقال آخر: هو الذي تاهت الألباب في جلاله، وعجزت العقول عن وصف كماله. وحظ العبد منه: أن يذل نفسه في طاعة الله ويبذل جهده في العلم والعمل، حتى يفوق جنس الإنس في الكمالات النفسانية، والمراتب العلمية والعملية" أ. هـ.
وقال في الاسم والمسمى (٦/ ١٧٦٦): "روى الشيخ محيي الدين النواوي عن الإمام أبي القاسم القشيري: في الحديث دليل على أن الاسم هو المسمى، إذ لو كان غيره لكانت الأسماء لغيره. لخصَّ هذا المعنى القاضي، وأجاب عنه حيث قال: فإن قيل: إذا كان الاسم عين المسمى لزم من قوله (إن لله تسعة وتسعين اسمًا) الحكم بتعدد الإله؛ فالجواب من وجهين: الأول: أن المراد من الاسم هاهنا اللفظ، ولا خلاف من تعدد الأسماء تعدد المسمى. والثاني: أن كل واحد من الألفاظ على الله سبحانه يدل على ذاته باعتبار صفة حقيقية، أو غير حقيقية، وذلك يستدعي التعدد في الاعتبارات والصفات دون الذات، ولا استحالة في ذلك" أ. هـ.
وقال في صفة القبضة (١٠/ ٣١٦١): "وقوله: "بحقوى الرحمن": استعارة أخرى مثلها. والقول الثاني على الكتابة الإيمانية. وهي أخذ الزبدة والخلاصة من مجموع الكلام من غير نظر إلى مفردات التركيب حقيقتها ومجازها.
الكشاف في قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] الغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه تصوير عظمته والتوقف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز. ثم قال: ولا ترى بابا في علم البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب، ولا أنفع ولا أعون على تعاطي تأويل المتشابهات من كلام الله في القرآن وسائر الكتب السماوية وكلام الأنبياء! فإن أكثره وأغلبه تخيلات قد زلت فيها الأقدام قديمًا وحديثًا. والله أعلم بالصواب" أ. هـ.
وقال في قول القائل: (أين كان عرش ربنا؟ ) أو (أين الله)؟ : "ولا بد في قوله: "أين كان ربنا؟ " مضاف محذوف كما حذف في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ﴾ [البقرة: ٢١٠] ونحوه، فيكون التقدير: "أين كان عرش ربنا؟ " يدل عليه قوله تعالى: ﴿كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧].
قال الأزهري: نحن نؤمن به ولا نكيفه بصفة، أي نجري اللفظ على ما جاء عليه من غير تأويل. أقول: لم يفتقر إلى التقدير، ولا بد لقوله: "في عماء" بالمد، من التأويل حتى يوافق الرواية الأخرى: "عمى" مقصورًا، وأما ما ورد في الصحاح عن عمران بن الحصين ﵁: "كان الله ولم يكن شيء وكان عرشه على الماء" وذلك أن قوله: "ما تحته هواء وما فوقه هواء" جاء تتميمًا وصونًا لما يفهم من قوله: "في عماء" من المكان فإن الغمام المتعارف محال أن يوجد بغير هواء فهو نظير قوله: "كلتا يديه يمين" على ما سبق،
стр. 823
فالجواب من الأسلوب الحكيم، سئل عن المكان فأجاب عن أن لا مكان، يعني إن كان هذا مكانًا فهو في مكان، وهو إرشاد له في غاية اللطف" أ. هـ.
وقال في صفة الرحمة (١١/ ٣٥٩٦): "قال: "أرحم بك من أشاء" وإلا فرحمة الله من صفاته التي لم يزل بها موصوفًا، ليس الله تعالى صفة حادثة ولا اسم حادث فهو قديم بجميع أسمائه وصفاته ﷻ وتقدست أسماؤه، والقدم والرجل المذكوران في هذا الحديث من صفات الله تعالى المنزهة عن التكييف والتشبيه، وكذلك كل ما جاء من هذا القبيل في الكتاب والسنة كاليد والأصبع والعين والمجيء والإتيان والنزول، فالإيمان بها فرض، والامتناع عن الخوض فيها واجب، فالمهتدى من سلك فيها طريق التسليم، والخائض فيها زائغ، والمنكر معطل، والمكيف مشبه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] " أ. هـ.
وقال في صفة الرؤيا (١١/ ٣٥٧٤): "اعلم أن مذهب أهل السنة قاطبة أن رؤية الله تعالى ممكنة غير مستحيلة عقلًا، وأجمعوا أيضًا على وقوعها في الآخرة، وأن المؤمنين يرون الله تعالى دون الكافرين، وزعمت طوائف من أهل البدع (المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة) أن الله تعالى لا يراه أحد من خلقه، وأن رؤيته مستحيلة عقلًا، وهذا الذي قالوه خطأ صريح وجهل قبيح، تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة فمن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين، ورواها نحو من عشرين صحابيًّا عن رسول الله ﷺ ، وآيات القرآن فيها مشهورة، واعتراضات المبتدعة عليها لها أجوبة مشهورة في كتب المتكلمين من أهل السنة.
وأما رؤية الله تعالى في الدنيا فممكنة، ولكن الجمهور من السلف والخلف من المتكلمين وغيرهم على أنها لا تقع في الدنيا، وحكى الإمام أبو القاسم القشيري في رسالته المعروفة عن أبي بكر بن فورك أنه حكى فيها قولين للإمام أبي الحسن الأشعري، أحدهما وقوعها، والثاني لا تقع.
ثم مذهب أهل الحق أن الرؤية قوة يجعلها الله تعالى في خلقه، ولا يشترط فيها اتصال الأشعة، ولا مقابلة المرئى ولا غير ذلك، ولكن جرت العادة في رؤية بعضنا بعضًا بوجود ذلك على جهة الاتفاق لا على سبيل الاشتراط، وقد قرر أئمتنا المتكلمون ذلك بالدلائل الجلية.
ولا يلزم من رؤية الله تعالى إثبات جهة له -تعالى عن ذلك- بل يراه المؤمنون لا في جهة كما يعلمونه لا في جهة" أ. هـ.
وفاته: سنة (٧٤٣ هـ) ثلاث وأربعين وسبعمائة.
من مصنفاته: "شرح الكشاف" شرح كبير، وصنف في المعاني و"التبيان في المعاني والبيان" وشرحه وأمر بعض تلامذته باختصاره على طريقة نهجها له وسمَّاه "المشكاة" و"التفسير".
١١٢١ - المِرْعَشِي الآمُلِي *
المفسر: حسين بن محمّد بن محمود بن علي
стр. 824
الحسيني نسبًا المرعشي الآملي أصلًا الأصفهاني منشئًا وموطنًا، أبو طالب، علاء الدين، سلطان العلماء أو خليفة السلطان.
ولد: سنة (١٠٠١ هـ) إحدى وألف.
كلام العلماء فيه:
* أمل الآمل: "عالم محقق مدقق عظيم الشأن جليل القدر صدر العلماء" أ. هـ.
* روضات الجنات: "كان من أعاظم الفضلاء الأعيان وأفاخم النبلاء في أفنان، محققًا في كل ما أتى عليه حق التحقيق ومدققًا في حل ما توجه إليه كل التدقيق عجيب الفطرة والوجدان. غريب الفكرة والإمعان بديع التصرف في العلوم. رفيع التدريب في الرسوم مالك أزمّة الحكومة بين الخلائق في زمانه وصاحب صدارة الأئمة والعلماء في أوانه مفوّضًا إليه أمر النصب والعزل من أهل العلم والفضل" أ. هـ.
* معجم المفسرين: "وزير من أكابر علماء الشيعة الإمامية" أ. هـ.
وفاته: سنة (١٠٦٤ هـ) أربع وستين وألف.
من مصنفاته: حاشية على الكشاف للزمخشري في التفسير، وحاشية على معالم الأصول، في أصول الفقه، وغير ذلك.
١١٢٢ - الحدّادي *
اللغوي، المفسر: حسنين بن محمّد الحدادي، البيله جوكي الرومي.
وفاته: بعد سنة (١٢٠٧ هـ) سبع ومائتين وألف.
من مصنفاته: "معراج الدراية" رسالة في تفسير القرآن و"جامع الكليات" في اللغة وغير ذلك.
١١٢٣ - البالي *
اللغوي: حسين بن محمّد بن مصطفى البالي الغزي.
ولد: سنة (١٢٣٥ هـ) خمس وثلاثين ومائتين وألف.
من مشايخه: محمّد المغربي وغيره.
من تلامذته: الشيخ أحمد الكواكبي، والشيخ أحمد الزويتيني، والشيخ طاهر الطيار الكيالي وغيرهم.
كلام العلماء فيه:
* الأعلام: "كان مشاركًا في علوم الشريعة والأدب، تخرج به كثير من العلماء" أ. هـ.
* أعلام النبلاء: "أخذ الطريقة النقشبندية (١) على ولي الله محمّد المغربي ... واختلى معه بالخلوة النقشبندية وأخفى ما لديه من علم" أ. هـ.
* أعلام فلسطين: "أخذ الفقه عن علماء عصره، وأجاد نظم الشعر" أ. هـ.
من أقواله ومن شعره:
بجاه إمام الأنبيا أتوسل ... ومن جوده الأوفى شفائي أؤمل
وأعرض للجاه العريض شكايتي ... وبثي وأحزاني وما أتجمل
стр. 825
وأطلب منه كشف ضري وكربتي ... وعلمي يقينًا أنني لست أخذل
وفاته: سنة (١٢٧١ هـ) إحدى وسبعين ومائتين وألف.
من مصنفاته: "رسالة في المجاز"، و"رسالة في إعراب لا سيما"، و"الكشف الوافي على متن الكافي" في العروض.
١١٢٤ - أبو عبد الله الصّوري *
النحوي، اللغوي: حُسين بن محمّد بن الحسين، أبو عبد الله الصوري (١) الضّرّاب (٢).
من مشايخه: يوسف الميائجي، وأبو جعفر حفص عمر بن علي وغيره.
من تلامذته: أبو زكريا عبد الرحيم بن أحمد البخاري الحافظ وغيره.
كلام العلماء فيه:
* تاريخ دمشق: "كان في وقته نحوي البلدة ومدرسها، وكانت له حال واسعة حسنة، ومذهبه حسن في السنة" أ. هـ.
١١٢٥ - البغوي *
المفسر: الحسين بن مسعود بن محمّد المعروف بالفراء (٣) البغوي الشافعي، الملقب ظهير الدين، محيي السنة.
ولد: سنة (٤٣٦ هـ) ست وثلاثين وأربعمائة.
من مشايخه: القاضي حسين بن محمد، وأبو عمر المليحي وغيرهما.
من تلامذته: أبو منصور محمّد بن أحمد القطاريّ المعروف بحفده، وأبو الفتوح محمّد بن محمّد الطائي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* السير: "ولم يحج وأظنه جاوز الثمانين. رحمه الله تعالى" أ. هـ.
* البداية: "كان علامة زمانه فيها، وكان دينًا ورعًا زاهدًا عابدًا صالحًا" أ. هـ.
* طبقات المفسرين للداودي: "قد بورك في تصانيفه، ورزق القبول الحسن بنيته، وكان لا يلقي الدرس إلا على طهارة، وكان قانعًا يأكل الخبز وحده، ثم عُذِل في ذلك فصار يأكل بالزيت" أ. هـ.
* الشذرات: "المحدث المفسر صاحب التصانيف وعالم أهل خراسان .. وكان سيدًا زاهدًا قانعًا ... وكان لا يلقي الدرس إلا على طهارة" أ. هـ.
стр. 826
* قلت: ومن مقدمة "تفسير البغوي" (١) بقلم المحقق خالد عبد الرحمن صفحة (١٨) وفي معرض كلامه عن (مكانته العلمية):
"نُدرك مكانة الإمام البغوي من ظَفَرهِ بلقب "الإمام" و"مُحيي السنة" و "شيخ الإسلام"، وغير ذلك من النعوت التي أطلقها عليه بحق علماء زمانه ومن ترجم له، فهو حافظ لكتاب الله تعالى، ومُلِمٌّ بالقراءات، وعالم بما أثر عن الصحابة والتابعين في التفسير والفقه، وهو من أئمة الحديث وحفاظه، واسع المعرفة بمتونه وأسانيده، وأحوال رجاله ورواته، وهو ذو حافظة واعية، وشغف بالبحث والاطلاع، يجمع إلى صحة النقل وصدق الرواية، دِقّة التعبير ونَصاعَةِ الرأي، وجزالة البيان، وهو ذو أفقٍ واسع باللغة العربية وفقهها، عالم بعلومها وأساليبها ودقائقها، كما أنه واسع الاطلاع على المسائل الفقهية وخلافات الفقهاء، إذا أخذ بذكرها تجده بارعًا في جميعها وكأنه صاحب مذهب فيها، وهو لا يتعصب لمذهب ولا يندد بغيره من فقهاء المذاهب، حريص على نشر معارف وعلوم الكتاب والسنة، وتعميم تعاليمهما القويمة الصحيحة، والرجوع إلى الطريقة التي جرى عليها الصحابة والتابعون، ومن جاءوا بعدهم من الأئمة والسلف الصالح".
وقال عندما تكلم عن مذهب البغوي في العقيدة: "الإمام البغوي من أئمة السلف الصالح الذي كانوا لا يألون جُهدًا في نشر مذهب الصحابة الكرام في العقيدة وآيات الصفات.
وذلك دَأبُ السلف في نشر الإسلام وهديه، فهو من أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة، الذين يؤمنون بصفات الله تعالى التي نطق بها كتابه وتنزيلُه، وشهد بها رسولُه ﵊، على ما ورَدَت به الأخبارُ الصحاح، ونقلَهُ العدولُ الثقات، ولا يعتقدون تشبيهًا لصفات الرحمن ولا يكيّفونها بتكييف المُشبّهة والمؤوّلة.
والإمام البغوى في ذلك كباقي السلف ﵃، فهذا الإمام محمّد بن الحسن الشيباني صاحب الإمام أبي حنيفة، ثبت عنه أنه قال: "اتفق الفقهاء من الشرق والغرب على أن الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفات الربّ ، من غير تفسير -أي: تأويل- ولا تشبيه، فمن فسّر شيئًا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ ، وفارق الجماعة، فإنهم لم يَصِفوا ولم يُفسّروا، ولكن آمنوا بما في الكتاب والسنة، فَمَن قال بقولِ جهَمٍ فارق الجماعة".
فلم يشتغل الإمام البغوى نفسه بحشو المتفلسفة والمتكلمين من أمثال الجهمية والمعتزلة والجبرية، ومن ماثلهم ممّن نهج نهجهم ... وإنما كان حريصًا كل الحرص على اعتماد منهج الصحابة الكرام في الصفات والمُعتقَد .. ".
وقال المحقق تحت عنوان أقوال العلماء فيه: "لقد أجمع علماء أهل السنة على جلالة قدّر الإمام البغوي ورسوخ علمه في الكتاب والسنة وعلومهما، لإمامته في التفسير والسنة والفقه.
١ - قال فيه الحافظ الذهبي: "الإمام العلّامة
стр. 827
القدوة الحافظ، شيخ الإسلام، محيي السنة، صاحب التصانيف".
٢ - وقال الحافظ السيوطي فيه: "هو إمامٌ في التفسير، إمامٌ في الحديث، إمامٌ في الفقه".
٣ - وقال العلامة المؤرخ ابن العماد الحنبلي فيه: "المحدث، المفسّر، صاحب التصانيف، وعالم أهل خراسان".
٤ - وقال العلامة المؤرخ ابن خلكان فيه: "كان بحرًا في العلوم، وصنّف في تفسير كلام الله تعالى، وأوضح المشكلات من قول النبي ﷺ ، وروى الحديث، ودرّس، وكان لا يُلقي الدرس إلا على طهارة".
٥ - وقال فيه العلامة السبكي: "وكان البغوي يُلقب بمحيي السنَّة، وبركن الدين ... وقدرُهُ عالي في الدين، وفي التفسير، وفي الحديث، وفي الفقه .. فإنه جامع لعلوم القرآن والسنة والفقه".
٦ - وقال فيه الحافظ ابن كثير: "برع في العلوم، وكان علّامة زمانه فيها، وكان ديّنًا ورعًا زاهدًا عابدًا صالحًا".
٧ - وقال فيه العلامة المؤرخ ابن قاضي شهبة: "كان إمامًا في التفسير، إمامًا في الحديث، إمامًا في الفقه".
٨ - وقال فيه العلامة الطيبي: "كان إمامًا في الفقه والحديث، متورعًا ثبْتًا حُجّة، صحيح العقيدة".
٩ - وقال فيه العلامة ابن نقطة: "إمامٌ، حافظٌ, ثقةٌ، صالحٌ" أ. هـ.
* مجلة "الحكمة" (١) العدد السابع صفحة (٢٢١): "أ) سُئل شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (١٣/ ٢٨٦) السؤال التالي: أي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة الزمخشري، أم القرطبي، أم البغوي، أم غير هؤلاء؟
"أما التفاسير الثلاثة المسؤول عنها فأسلمها من البدعة، والأحاديث الضعيفة البغوي، لكنه مختصر من تفسير الثعلبي، وحذف منه الأحاديث الموضوعة، والبدع التي فيه، وحذف أشياء غير ذلك".
(ب) في مقدمة أصول التفسير في "مجموع الفتاوى"، (١٣/ ٣٥٤): "والبغوي تفسيره مختصر من الثعلبي لكن صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة، والآراء المبتدعة".
(جـ) "منهاج السنة":
"البغوي اختصر تفسيره من تفسير الثعلبي والواحدي لكن هما أخبر بأقوال المفسرين منه، والواحدي أعلم بالعربية من هذا وهذا، والبغوي أتبع للسنة منهما".
(د) "منهاج السنة":
"ولهذا لما اختصره أبو محمّد الحسين بن مسعود البغوي, وكان أعلم بالحديث، والفقه منه: والثعلبي أعلم بأقوال المفسرين، والنحاة، وقصص الأنبياء، فهذه الأمور نقلها البغوي من الثعلبي.
стр. 828
وأما الأحاديث فلم يذكر في تفسيره شيئًا من الموضوعات التي رواها الثعلبي، بل يذكر الصحيح منها، ويعزوه إلى البخاري وغيره، فإنه مصنف كتاب "شرح السنة"، و"كتاب المصابيح" وذكر ما في الصحيحين والسنن، ولم يذكر الأحاديث التي تظهر لعلماء الحديث أنها موضوعة، كما يفعله غيره من المفسرين كالواحدي صاحب الثعلبي، وهو أعلم بالعربية منه، وكالزمخشري، وغيرهم من المفسرين الذي يذكرون من الأحاديث ما يعلم أهل الحديث أنه موضوع" أ. هـ.
ملاحظة:
ذكر الدكتور رمزى نعناعة في كتابه "الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير" صفحة (٢٨٠)، منتقدًا شيخ الإسلام في تقييمه للبغوي فقال:
"إن ابن تيمية لم يكن دقيقًا في حكمه على البغوي بأنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة .. ولعله لم يطلع (١) على تفسير البغوي، ولكنه حكم عليه بما حكم، لما يعرفه عنه من أنه من رجال الحديث البارزين، ومن كان هذا شأنه يستبعد عليه -عادة- أن يغتر بموضوع فيرويه على أنه صحيح لا غبار عليه ... ".
وقد ردّ هذا الانتقاد الدكتور الفاضل عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي في كتابه البديع "شيخ الإسلام ابن تيمية وجهوده في الحديث وعلومه" الذي نال فيه الشهادة العالمية (الدكتوراه) قال:
"كلام شيخ الإسلام في هذا التفسير كان كلام خبير، ومطلع على ما فيه من حسن وقبح، وليس هو بالظن والتخمين كما يظنه الباحث، لأن مثل هذا الكلام لايستطيع أن يقوله أحد في أي كتاب مستقل، أو تلخيص إلا بعد قراءة متأنية، وكلام شيخ الإسلام حول هذا التفسير في أماكن متعددة يفيدنا بأن هذا التفسير اختصار من تفسير الثعلبي والواحدي، وأنه حذف منه الأحاديث الضعيفة والموضوعة، والآراء المبتدعة، كما حذف أشياء أخرى، وسبب حذف هذه الأشياء ثقافته الواسعة في الدين، والعقيدة، والحديث والفقه.
وأما ما اعتمد فيه على الثعلبي هو أقوال المفسرين، والنحاة، وقصص الأنبياء، فهذه الأمور نقلها منه.
وقصص الأنبياء مما لم ينكر شيخ الإسلام وجوده في هذا التفسير، بل لم ينكر وجود الأحاديث الضعيفة، والموضوعة، وإنما ذكر أن تفسيره أحسن من هذه التفاسير في الجملة، لا النفي عن وجود بعض المآخذ سواء كان سبب وجود هذه الأشياء متابعة للثعلبي والواحدي، أو رأي رآه المؤلف فذكره بإسناده، فبرأ عن نفسه العهدة.
وهناك كلام صريح منه في وجود الضعاف والموضوعات في تفسير البغوي لما في ذلك من تأييد لما ذكرته أن الكلام فيه في الجملة، ونظرًا إلى التفاسير الأخرى لا البت في أمر لا يمكن البتّ
стр. 829
فيه في غير الصحيحين، فذكر حديث: "من يجيبني إلى هذا الأمر، ويؤازرني على القيام به يكن أخي، ووزيري، ووصيي، وخليفتي من بعدي".
وقال: كلام مفترى على النبي ﷺ ، وقال: فإن قيل: فهذا الحديث قد ذكره طائفة من المفسرين، والمصنفين في الفضائل، كالثعلبي والبغوي وأمثالهما، والمغازلي.
وقيل له: مجرد رواية هؤلاء لا توجب ثبوت الحديث باتفاق أهل العلم بالحديث، فإن في كتب هؤلاء من الأحاديث الموضوعة ما اتفق أهل العلم على أنه كذب موضوع، وفيها شيء كثير يعلم بالأدلة اليقينية السمعية العقلية أنها كذب بل فيها ما يعلم بالاضطرار أنه كذب) أ. هـ.
قلت: وبعدما نقلنا من أقوال العلماء والمحققين في مكانته العلمية واعتقاده، نذكر الآن ما يوجه كلامنا، وما رأيناه من خلال تفسير البغوي، وما كتبه المغراوي في كتابه: "المفسرون بين التأويل والإثبات في إثبات الصفات" عن معتقده استخراجًا من تفسيره هذا حيث قال المغراوي:
(الإمام البغوي، سلفي في عقيدة الأسماء والصفات يثبت لله ما أثبت لنفسه، له مقدمة مفيدة في كتابه شرح السنة بين فيها عقيدة السلف في الأسماء والصفات.
قال في شرح حديث ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع رب العالمين (١).
قال الشيخ الإمام: والأصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله ، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى، كالنفس، والوجه، والعين، واليد، والرجل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك والفرح.
وقال في شرح حديث "ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير" (٢).
ثم ذكر أحاديث "لا تزال جهنم يلقى فيها، وتقول هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها قدمه" (٣) وفي رواية أبي هريرة "حتى يضع الله رجله فيها".
وفي حديث أبي هريرة في آخر من يخرج من النار فيضحك الله منه ثم يأذن له في دخول الجنة (٤).
وفي حديث جابر "فيتجلى لهم فيضحك" (٥).
وفي حديث أنس وغيره: "لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم يستيقظ على بعيره". فهذه ونظائرها صفات الله تعالى ورد بها السمع يجب الإيمان بها وإمرارها على ظاهرها معرضًا فيها عن التأويل مجتنبًا عن التشبيه معتقدًا أن الباري لا يشبه شيء من صفاته صفات
стр. 830
الخلق كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق.
قال الله سبحانه: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وعلى هذا مضى سلف الأمة وعلماء السنة تلقوها جميعًا بالإيمان والقبول وتجنبوا فيها التمثيل والتأويل ووكلوا العلم فيها لله كما أخبر الله عن الراسخين في العلم فقال : ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]، ثم ذكر أقوال السلف في إثبات الصفات لله تعالى (١).
وأما تفسيره فالغالب عليه في الصفات الإثبات، وقد أوّل في بعضها تبعًا للثعلبي وسكت عن البعض وأجمل في البعض كما هو مبين في صفاته التي أثبتها) أ. هـ.
قلت: هذا ما قاله المغراوي حول معتقد البغوي في الأسماء والصفات وما تميز به من النهج السلفي كما ضرب بذلك -المغراوي- الأمثلة السابقة من الحديث الشريف في كتاب البغوي "شرح السنة"، ونقلًا عن تفسيره أيضًا كما سنذكر ذلك نصًّا وبالله التوفيق.
ذكر المغراوي عدة صفات أورد البغوي تفسيرها وتأويل بعضها في تفسيره وتعليق المغراوي عليها، وهي كالآتي:
١ - صفة الرحمة: "قال عند قوله تعالى من سورة الفاتحة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ والرحمة إرادة الله الخير لأهله وقيل: هي ترك عقوبة من يستحقها، وإسداء الخير إلى من لا يستحقه، فهي على الأول صفة ذات، وعلى الثاني صفة فعل (٢).
التعليق:
وهذا هو التأويل المذموم، والصواب إثبات صفة الرحمة على ما يليق بالله تعالى، دون تأويل بإرادة الإحسان أو بالإحسان والإنعام".
٢ - صفة الغضب: "قال عند قوله تعالى: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ والغضب، هو إرادة الانتقام من العصاة، وغضب الله تعالى لا يلحق عصاة المؤمنين، إنما يلحق الكافرين (٣).
التعليق: وهذا هو التأويل المذموم، والصواب إثبات صفة الغضب على ما يليق بالله تعالى، دون تكييف أو تمثيل أو تحريف".
٣ - صفة الاستهزاء: "قال عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي يجازيهم جزاء استهزائهم سمي الجزاء باسمه، لأنه بمقابلته، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ قال ابن عباس: هو أن يفتح له بابا من الجنة، فإذا انتهوا إليه سد عنهم وردوا إلى النار، وقيل: هو أن يضرب المؤمنين نور يمشون على الصراط، فإذا وصل المنافقون إليه، حيل بينهم وبين المؤمنين، كما قال الله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَينَهُمْ وَبَينَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ وقال الله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَينَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾.
وقال الحسن: معناه الله يظهر المؤمنين على
стр. 831
نفاقهم (١).
التعليق:
والمختار إثبات صفة المكر والخداع، والاستهزاء على ما يليق به تعالى وذلك ومنه تعالى، عدل بين عباده".
٤ - صفة الحياء: "قال عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾. أي لا يتركه ولا يمنعه الحياء أن يضرب مثلًا.
التعليق:
والصواب إثبات صفة الحياء، ومن لوازم الإثبات الترك، وأما تفسير الصفة بلازمها، فليس مذهبًا للسلف".
٥ - صفة الاستواء: "ذهب الشيخ البغوي في تفسيره، عند قوله تعالى من سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ مذهب السلف الصالح فقال ﵀ (٢): قال الكلبي، ومقاتل: استقر، وقال أبو عبيدة: صعد، وأولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء، وأما أهل السنة يقولون الاستواء على العرش صفة لله تعالى بلا كيف، يجب على الرجل الإيمان به، ويكل العلم فيه إلى الله ، وسأل رجل مالكًا عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فأطرق رأسه مليًا وعلاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أظنك إلا ضالًا، ثم أمر به فأخرج.
وروى عن سفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهات أمررها كما جاءت بلا كيف".
٦ - صفة الوجه: "قال عند قوله تعالى: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ يعني أينما تحولوا وجوهكم فثم، أي هناك وجه الله.
قال الكلبي: فثم الله، يعلم ويرى، والوجه صلة، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾ أي إلا هو.
وقال الحسن، ومجاهد وقتادة، ومقاتل بن حيان، فثم قبلة الله، والوجه والوجهة، والجهة، القبلة، وقيل: رضا الله تعالى (٣).
وقال عند قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾ أي إلا هو وقيل: إلا ملكه، قال أبو العالية ما أريد به وجهه (٤).
وقال عند قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ (*) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ذو العظمة والكبرياء (٥).
وقال عند قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي يريدون الله لا يريدون عرضًا من الدنيا (٦).
стр. 832
وقال عند قوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (*) إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ يعني لا يفعل ذلك مجازاة لأحد بيد له عنده، ولكنه يفعله ابتغاء وجه ربه الأعلى وطلب رضاه (١).
التعليق:
فالبغوي في كل تفسيراته لم يظهر من الآية صفة الوجه، وغاية ما عنده بعض التفسيرات الإجمالية التي ربما يستأنس بها، أما معظم التفسيرات فهي على طريقة المؤولة".
٧ - صفة المجيء والإتيان: "قال عند قوله تعالى من سورة البقرة: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾.
والأولى في هذه الآية وفيما شاكلها، أن يؤمن الإنسان بظاهرها، أو يكل علمها إلى الله تعالى، أو يعتقد أن الله عز اسمه، منزه عن سمات الحدوث، على ذلك مضت أئمة السلف، وعلماء السنة، قال الكلبي: هذا من المكتوم الذي لا يفسر، وكان مكحول، والزهري، والأوزاعي، ومالك، وابن المبارك، وسفيان، والثوري، والليث بن سعد، وأحمد، وإسحاق، يقولون فيه وفي أمثاله: أمررها كما جاءت بلا كيف، قال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه، فتفسيره قراءته والسكوت عليه ليس لأحد أن يفسره إلا الله تعالى ورسوله (٢).
وقال عند قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ بلا كيف لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة) (٣).
وقال عند قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (*) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ قال الحسن: جاء أمره وقضاؤه، وقال الكلبي: ينزل حكمه (٤).
التعليق:
والصواب ما أثبته الإمام البغوي في تفسيره آية البقرة، والأنعام من إتيان ومجيء بلا كيف منزه عن سمة الحدوث والتشبيه بالمخلوق.
وأما ما ذكره عن الحسن فهو موجود ومنقول عن تفسير الثعلبي، وتفسير الثعلبي، مشحون بالموضوعات على الأنبياء والرسل، فكيف على الصحابة والتابعين، وهذه الرواية لو كان فيها خير لنقلها ابن جرير وغيره من أهل الخبرة بالأخبار والآثار، ولكن الثعلبي ينقل كل ما هبّ ودب. وهذه الرواية هي التي عوّل عليها بعض المعاصرين فجعلها حجة في التأويل وينبغي كما قيل: (إثبات العرش قبل النقش).
وأما إطلاق الروايات عن الصحابة والتابعين فهذا مما لا ينبغي أن يجعل مكان الحجة إلا بعد إثباته والله المستعان".
٨ - تفسير الكرسي: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾.
أي ملأ وأحاط به، واختلفوا في الكرسي فقال
стр. 833
الحسن: هو العرش نفسه. وقال أبو هريرة ﵁: الكرسي موضوع أمام العرش، ومعنى قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي سعته مثل سعة السموات والأرض وفي الأخبار أن السموات والأرض في جنب الكرسي، كحلقة في فلاة، والكرسي في جنب العرش كحلقة في فلاة.
ويروى عن ابن عباس ﵄: أن السموات السبع، والأرضين السبع في الكرسي، كدراهم سبعة ألقيت في ترس (١).
وقال علي، ومقاتل كل قائمة من الكرسي، طولها مثل السموات السبع، والأرضين السبع، وهو بين يدي العرش ويحمل الكرسي أربعة أملاك، لكل ملك أربعة وجوه، وأقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة السفلى، مسيرة خمسمائة عام، ملك على صورة سيد البشر، آدم ﵇، وهو يسأل للآدميين الرزق والمطر، من السنة إلى السنة، وملك على صورة سيد الأنعام وهو الثور، وهو يسأل للأنعام الرزق من السنة إلى السنة، على وجهه غضاضة منذ عبد العجل، وملك على صورة سيد السباع، وهو الأسد، يسأل للسباع الرزق من السنة إلى السنة، وملك على صورة الطير وهو النسر، يسأل الرزق للطير من السنة إلى السنة، وفي بعض الأخبار، أن ما بين حملة العرش، وحملة الكرسي سبعين حجابًا من ظلمة وسبعين حجابًا من نور، غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام، لولا ذلك لاحترقت حملة الكرسي من نور حملة العرش.
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ﵄ قال: أراد بالكرسي علمه، وهو قول مجاهد، ومنه قيل لصحيفة العلم كراسة، وقيل كرسيه ملكه وسلطانه، والعرب تسمى الملك القديم كرسيًا (٢).
التعليق:
والصواب في الكرسي أنه موضع القدمين، كما صحت الرواية بذلك عن ابن عباس وغيره.
صفة النفس: "قال عند قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيءٍ إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾.
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي يخوفكم الله عقوبته على موالاة الكفار، وارتكاب المنهى، ومخالفة المأمور (٣).
قال عند قوله تعالى: ﴿قَال سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.
قال ابن عباس: تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك، وقيل: تعلم سري ولا أعلم سرك.
وقال أبو روق: تعلم ما كان مني في دار الدنيا، ولا أعلم ما يكون منك في الآخرة.
وقال الزجاج: النفس عبارة عن جملة الشيء
стр. 834
وحقيقته، يقول تعلم جميع ما أعلم من حقيقة أمري، ولا أعلم حقيقة أمرك (١).
التعليق:
ما ذكره من التفسير بالعقاب فيه تأويل والصواب، إما التفسير بالذات، أو أنها صفة للذات كما ذكرت عند القرطبي".
١٠ - صفة المحبة: "قال عند قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (*) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾.
(فإن الله لا يحب الكافرين) لا يرضى فعلهم، ولا يغفر لهم (٢) ".
١١ - صفة العندية: "قال عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾.
يعني الملائكة المقربين بالفضل والكرامة.
التعليق:
مع علوهم على أهل الأرض هم أهل فضل وكرامة، فينبغي إثبات صفة العلو ثم لوازمها.
١٢ - صفة اليد: "قال عند قوله تعالى من سورة المائدة: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾.
ويد الله صفة من صفات ذاته كالسمع، والبصر، والوجه، وقال جل ذكره: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وقال النبي ﷺ "كلتا يديه يمين" والله أعلم بصفاته، فعلى العبد فيها الإيمان والتسليم.
وقال أئمة السلف من أهل السنة في هذه الصفات: أمررها كما جاءت بلا كيف (٣).
التعليق:
فهذا الذي قرره الإمام البغوي في تفسير هذه الآية، في إثبات صفة اليد وغيرها، هو مذهب السلف الصالح، الذين يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه من غير تكييف ولا تحريف، ولا تمثيل، ولا تعطيل، ولا تشبيه".
١٣ - صفة الفوقية: "قال عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ القاهر، الغالب، وفي القهر زيادة معنى على القدرة وهو منع غيره عن بلوغ المراد، وقيل: هو المفرد بالتدبير، يجبر الخلق على مراده ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ هو صفة الاستعلاء الذي تفرد به الله (٤).
التعليق: فعلوه على خلقه مما أجمع عليه السلف، وينبغي أن يثبت لأن النصوص تواترت بذلك، وأجمع على ذلك أهل الفطرة السليمة.
وأما تفسير البغوي، فإن قصد بالاستعلاء العلو المطلق، فذاك هو الصواب وإن كان غير ذلك، فهو تفسير مرفوض عند من ينهج نهج السلف، ومن لوازمه العلو المطلق، كل ما ذكر من التفسيرات.
١٤ - إثبات الرؤية: "قال عند قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ
стр. 835
الْخَبِيرُ﴾.
يتمسك أهل الاعتزال بظاهر هذه الآية في نفي رؤية الله ومذهب أهل السنة إثبات رؤية الله عيانًا، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (*) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ قال مالك ﵁: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الله الكفار بالحجاب، وقرأ النبي ﷺ : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وفسره بالنظر إلى وجه الله .
أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمّد بن يوسف حدثنا محمّد بن إسماعيل، حدثنا يوسف بن موسى حدثنا عاصم بن يوسف اليربوعي، أنبأنا أبو شهاب عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله قال النبي ﷺ : "إنكم سترون ربكم عيانًا".
وأما قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ علم أن الإدراك غير الرؤية، لأن الإدراك هو الوقوف على كنه الشيء والإحاطة به، والرؤية المعاينة وقد تكون الرؤية بلا إدراك.
قال الله تعالى في قصة موسى ﵇: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. قال كلا وقال: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ فنفي الإدراك مع إثبات الرؤية، فالله يجوز أن يرى من غير إدراك وإحاطة، كما يعرف في الدنيا ولا يحاط به.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ فنفي الإحاطة مع ثبوت العلم. قال سعيد ابن المسيب: لا تحيط به الأبصار، وقال عطاء: كلّت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به.
وقال ابن عباس ومقاتل: لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة" (١).
١٥ - صفة العين: "قال عند قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾.
قال ابن عباس: بمرأى منا، وقال مقاتل: بعلمنا، وقيل: بحفظنا (٢).
التعليق:
والصواب إثبات صفة العين على ما يليق به تعالى، ولا شك أنهم بمرأى وبحفظ وعلم منه تعالى.
١٦ - صفة المعية: "قال عند قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ﴾.
﴿هُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ﴾ (بالعلم) (٣).
التعليق:
نعم، معنا بالعلم دون توهم تأويل في الآية".
١٧ - صفة الرضا: "قال عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧].
قال ابن عباس، والسدي: ولا يرضى لعباده
стр. 836
المؤمنين الكفر، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ﴾ فيكون عامًا في اللفظ خاصًّا في المعنى، كقوله تعالى: ﴿عَينًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ يريد بعض العباد، وأجراه قوم على العموم، وقالوا: لا يرضى لأحد من عباده الكفر، ومعنى الآية لا يرضى لعباده الكفر أن يكفروا به ويروى ذلك عن قتادة، وهو قول السلف، قالوا: كفر الكافر غير مرضي لله ، وإن كان بإرادته ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ تؤمنوا بربكم وتطيعوه فيثيبكم عليه (١).
التعليق:
إثبات الرضا لله تعالى صفة، كما قال البغوي هو مذهب السلف وتأويلها بلوازمها هو مذهب الخلف) أ. هـ.
وفاته: سنة (٥١٠ هـ) وقيل (٥١٦ هـ) عشر وقيل ست عشرة وخمسمائة.
من مصنفاته: "التهذيب" في الفقه، و"شرح السنة" في الحديث، و"لباب التأويل في معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم".
١١٢٦ - الحلَّاج *
المفسر: الحسين بن منصور بن محمى البيضاوي، أبو المغيث، وقيل: أبو عبد الله، المعروف بالحلَّاج (٢).
كان جده مجوسيًا "محمى" من أهل بيضاء فارس.
من مشايخه: الجنيد، وعمرو بن عثمان المكي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* تاريخ بغداد: "أخرج الحلَّاج إلى رحبة المجلس وأمر الجلاد بضربه بالسوط، واجتمع من العامة خلق كثير لا يحصى عددهم فضرب إلى تمام الألف سوط، وما استعفى ولا تأوه، ... ولما بلغ ألف سوط قطعت يده ثم رجله ثم يده ثم رجله ثم جُز رأسه وأحرقت جثته .. ولما صارت رمادًا ألقيت في دجلة. ونصب الرأس يومين ببغداد على الجسر" أ. هـ.
* المنتظم: "أفعال الحلاج وأقواله وأشعاره كثيرة، وقد جمعت أخباره في كتاب سميته (القاطع لمحال اللجاج القاطع بمحال الحلَّاج) فمن أراد أخباره فلينظر فيه، وقد كان هذا الرجل يتكلم بكلام الصوفية فتبدو له كلمات حسان، ثم يخلطها بأشياء لا تجوز وكذلك أشعاره" أ. هـ.
* السير: "كان يصحح حاله أبو العباس بن عطاء، ومحمد بن خفيف، وإبراهيم أبو النصر آبادي وتبرأ منه سائر الصوفية والمشايخ والعلماء ... من سوء سيرته ومروقه، ومنهم من
стр. 837
نسبه إلى الحلول، ومنهم من نسبه إلى الزندقة وإلى الشعوذة والزوكرة وقد تستر به طائفة من ذوي الضلال والانحلال وانتحلوه وروجوا به على الجهال" أ. هـ.
تاريخ الإسلام: "ومن نظر في مجموع أمره علم أن الرجل كان كذابًا مموّهًا ممخرقًا حُلُوليا، له كلام حلو يستحوذ به على نفوس جةال العوام, حتى ادعوا فيه الربوبية وقد اعتذر أبو حامد الغزالي عنه في كتاب (مشكاة الأنوار) وتأول أقواله على محامل حسنة" أ. هـ.
* ميزان الاعتدال: "المقتول على الزندقة. ما روى ولله الحمد شيئًا من العلم وكانت له بداية جيدة وتألّه وتصوف، ثم انسلخ من الدين وتعلم السحر، واداعى المخاريق، أباح العلماء دمه" أ. هـ.
* البداية والنهاية: "ونحن نعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يكن قاله، أو نتحامل عليه في أقواله وأفعاله" أ. هـ.
* لسان الميزان: "والناس مختلفون فيه، وأكثرهم على أنه زنديق هالك" أ. هـ.
* قلت: وما اختلف فيه إلا بعض الناس كما نقلنا ذلك عن السير سابقًا من الصوفية وأصحابه الذين خدعهم ببعض القصص والمخاريق، وقد أوردها الخطيب في تاريخه، وهي كلها ضلال وزندقة .. نسأل الله العافية والسلامة.
وقال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني في كتابه: "الشامل": على أن طائفة من الأثبات الثقات قالوا: إن هؤلاء الثلاثة -الحلاج وأبو ظاهر سليمان بن أبي سعيد القرمطي الجنابي وابن المقفع- تواصوا على قلب الدولة، والتعرض لإفساد المملكة: واستعطاب القلوب واستمالتها، وارتاد كلُّ واحدٍ منهم قطرًا ... إلى آخر نقلًا من "وفيات الأعيان" فقال ابن خلكان تعقيبًا على ذلك: "وهذا كلام لا يستقيم عند أرباب التواريخ، لعدم اجتماع الثلاثة المذكورين في وقت واحد، أما الحلاج والجنابي فيمكن اجتماعهما لأنهما كانا في عصر واحد ولكن لا أعلم هل اجتمعا أم لا؟ ... " ثم ذكر فصلًا مختصرًا تاريخيًا عنهم نقلًا من ابن الأثير شيخه (الكامل في التاريخ) وتكلم عن الثلاثة ضمن هذا الفصل, فمن أراد المزيد فليراجع وفيات الأعيان (٢/ ١٤٧) وبالله التوفيق.
وفاته: سنة (٣٠٩ هـ) تسع وثلاثمائة.
من مصنفاته: "تفسير سورة الإخلاص" و"الذاريات ذروًا" في تفسير الذاريات وغيرهما.
١١٢٧ - الجَّلِيس *
النحوي: حسين بن موسى بن هبة الله الدينوري، الجليس، أبو عبد الله.
كلام العلماء فيه:
* البغية: "أكثر أبو حيان في التذكرة من النقل عنه .. " أ. هـ.
* قلت: وقد وصفه الشيخ مجد الدين في "البلغة" بـ: "الإمام". وذكر مصنفه الآنف الذكر.
وفاته: بعد سنة (٤٣٠ هـ) ثلاثين وأربعمائة.
стр. 838
من مصنفاته: "ثمار الصناعة" في النحو.
١١٢٨ - النُّوري الضرير *
النحوي، اللغوي: حسين بن هُدّاب بن محمّد بن ثابت الدّيّري (١)، أبو عبد الله الضرير النوري (٢).
من مشايخه: أبو العز محمّد بن الحسين بن بُندار الواسطي، وأبو بكر محمّد بن الحسين بن علي المزرفي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* معجم الأدباء: "كان نحويًا لغويًّا مقرئًا فقيهًا شاعرًا متفننًا ... سكن بغداد منعكفًا على نشر العلم والإقراء، فكان يقرئ النحو واللغة والقراءات، وكان يحفظ عدة دواوين من شعر العرب، وكان كثير الإفادة والعبادة عفيفًا دينًا .. " أ. هـ.
وفاته: سنة (٥٦٢ هـ) اثنتين وستين وخمسمائة.
١١٢٩ - المرْوَزي *
المفسر, المقرئ: حسين بن واقد القرشي المروزي القاضي، أبو عبد الله، وقيل: أبو علي، مولى الأمير عبد الله بن عامر.
من مشايخه: عبد الله بن بُريدة ومحمد بن زياد وجماعة.
من تلامذته: ابنه علي بن الحسين، والفضل السّيناني وآخرون.
كلام العلماء فيه:
* الجرح والتعديل: "حدثنا عبد الرحمن قال: سُئل أبو زُرعة عن حسين بن واقد؟ - قال: ليس به بأس" أ. هـ.
* تهذيب الكمال: "قال أحمد بن شَبويه عن علي بن الحسن بن شقيق، قيل لابن المبارك: من الجماعة؟ فقال: محمّد بن ثابت والحسين بن واقد وأبو حمزة السُّكري.
قال أحمد بن شبويه: ليس فيهم شيء من الإرجاء".
وقال: "قال أبو بكر الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: ما تقول في الحسين بن واقد؟
فقال: لا بأس به وأثنى عليه.
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين: وقال أبو زرعة والنسائي: ليس به بأس" أ. هـ.
* السير: "الإمام الكبير، قاضي مرو وشيخها".
وقال: "وقيل: كان يحمل الحاجة من السوق، وله جلالة وفضل بمرو" أ. هـ.
* تقريب التهذيب: "ثقة له أوهام" أ. هـ.
وفاته: سنة (١٥٩ هـ)، وقيل: (١٥٧ هـ) تسع وخمسين، وقيل: سبع وخمسين ومائة.
стр. 839
من مصنفاته: "كتاب التفسير"، و"كتاب الوجوه في القرآن".
١١٣٠ - ابن العَرِيف *
النحوي: الحسين بن الوليد بن نصر، المعروف بابن العريف، أبو القاسم.
من مشايخه: ابن القوطيّة، وأبو طاهر الذهلي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* تاريخ علماء الأندلس: "كان نحويًا عارفًا بالعربية متقدّمًا فيها" أ. هـ.
* جذوة المقتبس: "إمام في العربية، أستاذ في الآداب، مقدم في الشعر، له في الأدب مؤلفات، وقد رأيت له كتابًا يشتمل على مسائل في النحو" .. " أ. هـ.
* روضات الجنات: "وله حظ من الكلام" أ. هـ.
وفاته: سنة (٣٩٠ هـ) تسعين وثلاثمائة.
من مصنفاته: له شرح على الجمل، وله في الآداب مؤلفات، وله كتاب يشتمل على مسائل في النحو اعترض يها على أبي جعفر أحمد بن محمّد النحاس النحوي، ذكرها أبو جعفر في كتابه المعروف بالكافي.
١١٣١ - ابن زُلال *
المقرئ: الحسين بن يوسف بن أحمد بن يوسف بن فتوح، الشيخ أبو علي, ابن زلال البلنسي الضرير.
ولد: سنة (٥٤٧ هـ) سبع وأربعين وخمسمائة.
من مشايخه: أبو الحسن بن هذيل، وطارق بن موسى، وأبو طاهر السلفي وغيرهم.
من تلامذته: سعيد بن علي بن زاهر.
كلام العلماء فيه:
* معرفة القراء: "انتهت إليه أستاذية الإقراء لإتقانه وتحقيقه وتجويده وعلو إسناده وتفننه وذكائه وكان ضريرًا" أ. هـ.
* الوافي: "كان محققًا مشاركًا في فنون كثيرة آية من آيات الله في الفطنة والذكاء والحَدس" أ. هـ.
* غاية النهاية: "أستاذ علامة ... انتهت إليه أستاذية الإقراء لإتقانه وتحقيقه وتجويده" أ. هـ.
وفاته: سنة (٦١٣ هـ) ثلاث عشرة وستمائة.
١١٣٢ - ابن أبي السَّرِّي *
النحوي، اللغوي، المقرئ: الحسين (١) بن يوسف بن محمّد بن أبي السري الدُّجَيلي. نسبة إلى دُجيل نهر كبير بنواحي بغداد على قرى كثيرة.
стр. 840
البغدادي الحنبلي.
ولد: سنة (٦٦٤ هـ) أربع وستين وستمائة.
من مشايخه: إسماعيل بن الطبال، ومفيد الدين الضرير، وابن الدواليني وغيرهم.
من تلامذته: جمال الدين يوسف السرمري، والشرف قاضي حرف وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* ذيل طبقات الحنابلة: "كان خيرًا فاضلًا، متمسكًا بالسنة، كثير الذكاء حسن الشكل، دمث الأخلاق، متواضعًا".
وقال: "كان في مبدأ أمره يسلك طريق الزهد والتقشف البليغ والعبادة الكثيرة، ثم فتحت عليه الدنيا وكان له مع ذلك أوراد ونوافل" أ. هـ.
* المقصد الأرشد: "عني باللغة العربية" أ. هـ.
* الشذرات: "الفقيه المقرئ الفرضي النحوي الأديب ... وكان في مبدأ أمره يسلك طريق الزهد والتقشف البليغ والعبادة الكثيرة، ثم فتحت عليه الدنيا" أ. هـ.
وفاته: سنة (٧٣٢ هـ) اثنتين وثلاثين وسبعمائة.
من مصنفاته: "الوجيز في الفقه"، و"نزهة الناظر"، و"تنبيه الغافلين".
١١٣٣ - ابن مُخارِق *
المفسر: حصين بن مخارق بن عبد الرحمن بن ورقاء بن حبشي بن جنادة السلولي الكوفي، أبو جنادة.
من مشايخه: الأعمش وغيره.
كلام العلماء فيه:
* الفهرست لابن النديم: "من الشيعة المتقدمين" أ. هـ.
* ميزان الاعتدال: "قال الدارقطني: يضع الحديث، ونقل ابن الجوزي أن ابن حبان قال: لا يجوز الاحتجاج به" أ. هـ.
* لسان الميزان وتعليقًا على كلام الذهبي في الميزان: "وهو كما قال".
ثم قال: "وأخرج الطبراني في المعجم الصغير من طريقه حديثًا وقال: حصين بن مخارق كوفي ثقة، ونسبه ابن النجاشي في مصنفي الشيعة فقال: ... وذكر أنه ضعيف، وأخرج الخليلي في فوائده من طريقه حديثًا وقال: غريب من حديث حصين بن مخارق .. " أ. هـ.
* هدية العارفين: "السلولي الكوفي الشيعي من الإمامية" أ. هـ.
وفاته: بعد سنة (٢٠٠ هـ) مائتين.
من مصنفاته: "تفسير القرآن"، و"جامع العلم".
١١٣٤ - الرَّقَاشِي *
المقرئ: حِطّان بن عبد الله الرقاشي، ويقال:
стр. 841
السدوسي.
من مشايخه: قرأ على أبي موسى الأشعري ﵁.
من تلامذته: قرأ عليه الحسن البصري، ويونس بن جبير وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* تهذيب الكمال: "قال الحسن بن البراء عن علي بن المديني: ثبت روى له الجماعة سوى البخاري" أ. هـ.
* معرفة القراء: "وكان كبير القدر صاحب ورع وعلم" أ. هـ.
* تقريب التهذيب: "ثقة من الثانية مات في ولاية بشر على العراق بعد السبعين" أ. هـ.
* مشاهير علماء الأمصار: "من المتقشفة" أ. هـ.
وفاته: قال الذهبي: أحسبه مات سنة نيف وسبعين.
١١٣٥ - حُفَيص *
المقرئ: حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي بالولاء، البزاز، ويعرف بحفيص، أبو عمر.
ولد: سنة (٩٠ هـ) تسعين.
من مشايخه: عاصم بن أبي النجُود، وسمّاك بن حرب وغيرهما.
من تلامذته: عبيد بن الصباح، وابن أبي إياس وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* تاريخ بغداد: "قال الإمام أحمد: هو صالح ... متروك الحديث.
قال علي بن المديني: متروك ضعيف الحديث.
وقال عنه مسلم بن الحجاج متروك الحديث" أ. هـ.
* معرفة القراء: "قال الداني: وهو الذي أخذ قراءة عاصم على الناس تلاوة ...
قال الذهبي: أما في القراءة فثقة ثبت ضابط لها بخلاف حاله في الحديث ... وكان الأولون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر بن عياش، ويصفونه بضبط الحروف التي قرأ بها على عاصم" أ. هـ.
* ميزان الاعتدال: "قال البخاري: تركوه. وقال أبو حاتم: متروك لا يُصدق. وقال ابن خِراش: كذّاب يضع الحديث" أ. هـ.
* تاريخ الإسلام: "قال أحمد بن حنبل: ما به بأس.
وقال البخاري: تركوه.
قال صالح جزَرة: لا يُكتب حديثه.
وقال زكريا الساجي: حدث حفص عن قيس بن مسلم وجماعة أحاديث بواطيل.
وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة.
وقال أبو هشام الرفاعي: كان حفص أعلمهم بقراءة عاصم.
قلت: إنما دخل عليه الدّاخل في الحديث لتهاونه به.
стр. 842
وروى عبد الله بن أحمد عن أبيه قال: وحفص متروك الحديث.
وقال ابن معين: ليس بشيء" أ. هـ.
* تقريب التهذيب: "متروك الحديث مع إمامته في القراءة" أ. هـ.
* الأعلام: "قارئ أهل الكوفة ... نزل بغداد، وجاور بمكة ... وكان أعلم أصحاب عاصم بقراءته، وهو ابن امرأته وربيبه، ومن طريقه قراءة أهل المشرق".
وفاته: سنة (١٨٠ هـ) ثمانين ومائة.
١١٣٦ - أبو عمر الدُّوري *
المقرئ: حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صُهْبان، ويقال: صهيب الأزدي، مولاهم الدُّوريّ (١) الضرير، أبو عمر (٢) نزيل سامراء.
ولد: سنة بضع وخمسين ومئة.
من مشايخه: ابن عيينة، وإسماعيل بن عياش، وتلا على الكسائي بحرفه، واليزيدي بحرف أبي عمرو، وسليم بحرف حمزة وغيرهم.
من تلامذته: أحمد، ونصر بن علي الجهضمي، وروى هو عنهما، وأبو زرعة الرازي. وغيرهم.
كلام العلماء فيه:
* تاريخ بغداد: "قال أحمد بن فرح: قلت للدوري: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله غير مخلوق ... قال أبو حاتم: صدوق" أ. هـ.
* السير: "قال أبو علي الأهوازي: رحل أبو عمر في طلب القراءات، وقرأ سائر حروف السبعة، وبالشواذ، وسمع من ذلك الكثير، وصنف القراءات وهو ثقة، وعاش دهرًا، وفي آخر عمره ذهب بصره، وكان ذا دين. وجمع القراءات وصنفها وهو فيها ثبت إمام" أ. هـ.
* تاريخ الإسلام: "صدّقه أبو حاتم".
قال أبو داود: "رأيت أحمد بن حنبل يكتب عن أبي عمر الدُّوري" أ. هـ.
* الوافي: "قال الشيخ شمس الدين: لولا تأخر وفاته لذكرته مع قالون وأقرانه نزيل سر من رأى وشيخ المقرئين بالعراق" أ. هـ.
* غاية النهاية: "إمام القراءة وشيخ الناس في زمانه ثقة ثبت كبير ضابط أول من جمع بالقراءات" أ. هـ.
* تهذيب التهذيب: "قال الدارقطني: ضعيف، وقال العقيلي: ثقة، وقال ابن سعد: كان عالمًا بالقرآن وتفسيره، وقال الذهبي مات عن بضع وتسعين سنة" أ. هـ.
* قلت: وهناك فائدة من السير في قول الدارقطني: أبو عمر الدوري، يقال له: الضرير،
стр. 843
ضعيف.
قال الذهبي: "يريد في ضبط الآثار -يعني الحديث- أما في القراءات، فثبت إمام وكذلك جماعة من القرّاء أثبات في القراءة دون الحديث، كنافع والكسائي وحفص، فإنهم نهضوا بأعباء الحروف وحررّوها، ولم يصنعوا ذلك في الحديث، كما أن طائفة من الحفاظ أتقنوا الحديث ولم يُحكموا القراءة، وكذا شأن كل من برز في فن، ولم يعتَنِ بما عداه، والله أعلم" أ. هـ.
وفاته: سنة (٢٤٦ هـ)، وقيل: (٢٤٨ هـ) ست وأربعين، وقيل: ثمان وأربعين ومائتين.
من مصنفاته: "ما اتفقت ألفاظه ومعانيه في القرآن"، و"أحكام القرآن"، و"السنن".
١١٣٧ - حفني ناصف *
النحوي: حفني إسماعيل خليل ناصيف.
ولد: سنة (١٢٧٢ هـ) اثنتين وسبعين ومائتين وألف.
من مشايخه: جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الله نديم وغيرهم.
من تلامذته: طه حسين، وأحمد لطفي السيد وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* أعلام نهضة العرب: "شاعر وأديب وقاص.
شارك في الثورة العرابية، وهو أديب يعد أحد أركان نهضة مصر الحديثة" أ. هـ.
* الأعلام: "وكان يتجنب المدح والاستجداء والفخر في شعره ... وشارك في إنشاء المجمع اللغوي الأول ... وتولى منصب النائب العمومي والقضاء الأهلي (٢٠) عامًا" أ. هـ.
* قلت: وفي مقدمة كتاب "شعر حفني ناصف- جمع ولده مجد الدين" بقلم والده (١): "كان وكيلًا لجمعية الاعتدال التي أنشأها أصحاب المقتطف في أول وفودهم على مصر لمحاربة الخمر وحث الناس على الاعتصام بالآداب القويمة .. وأسس محافل ماسونية موقرة في أغلب البلاد التي اشتغل فيها ... وأنشأ نادي دار العلوم ومن أهم آثار حفني في هذا النادي المناظرة التي أقامها والتي نجم عنها عدم تحريم إنشاء البنوك، ففتح الطريق لإنشاء بنك مصر فيما بعد، بعد أن قضى على المعارضة التي قامت باسم الدين لمناهضة فكرة إنشاء البنك ولعلها كانت من وحي الاحتلال" أ. هـ.
إذا دجت الغياهب واكفهرت ... ولاذ الناس بالقطب الشمالي
ألوذ بقطب أهل الله قطب الو ... رى قطب الهدى قطب الكمال
دليل عشيرتى في أي أمر ... وقدوة جيرتي في كل حال
وفاته: سنة (١٣٣٨ هـ) ثمان وثلاثين وثلاثمائة وألف.
стр. 844
من مصنفاته: "تاريخ الأدب"، و"مميزات لغة العرب"، و"الدروس النحوية" أربعة أجزاء.
١١٣٨ - الحِمَّاني *
المقرئ: حمّاد بن أبي زياد شعيب، أبو شعيب التميمي الحماني الكوفي.
ولد: سنة (١٠١ هـ) إحدى ومائة.
من مشايخه: عاصم، وأبو بكر بن عيّاش وغيرهما.
من تلامذته: يحيى بن محمّد العليمي، وروح بن عبد المؤمن بن قرة وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* ميزان الاعتدال: "ضعفه ابن معين وغيره وقال يحيى بن قرة: لا يكتب حديثه وقال البخاري: فيه نظر. وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن عدي: أكثر حديثه مما لا يتابع عليه، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي" أ. هـ.
* غاية النهاية: "مقرئ جليل ضابط. قال ابن قرة: وكان فاضلًا جليلًا أدركته وقد نيف على الثمانين سنة" أ. هـ.
* لسان الميزان: "قال ابن عدي: يكنى أبا شعيب، ويكتب حديثه مع ضعفه، وقال أبو زرعة: ضعيف. ونقل ابن الجارود عن البخاري أنه قال فيه: منكر الحديث.
وقال أبو داود: ضعيف. وفي موضع آخر: تركوا حديثه. وقال الساجي: فيه ضعف. قلت -ابن حجر- وأخرج له مع هذا الحاكم في مستدركه" أ. هـ.
وفاته: سنة (١٩٠ هـ) تسعين ومائة.
من مصنفاته: كتاب "حلية القراء".
١١٣٩ - حمَّاد بن سَلَمة *
النحوي: حماد بن سلمة بن دينار، البصري، مولى آل ربيعة بن مالك. ولد في حياة أنس بن مالك ولم يلقه. شيخ الإسلام، الإمام القدوة.
من مشايخه: ابن أبي مليكة، وثابت البُناني، وقرأ على عاصم وابن كثير وخلق.
من تلامذته: ابن جريح، وابن المبارك، ويحيى القطان وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* درء تعارض العقل والنقل (١): "قال الشيخ أبو نصر السجزي في كتاب -الإبانة- فأئمتنا
стр. 845
كسفيان الثوري ومالك وابن عيينه وحماد بن سلمة وعبد الله بن المبارك .. وأحمد بن حنبل ... متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش وأن علمه بكل مكان، وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش وأنه ينزل إلى سماء الدنيا وأنه يغضب ويرضى ويتكلم بما شاء فمن خالف شيئًا من ذلك فهو منهم برئ وهم منهم براء.
وذكر الأوزاعي (١): أئمة أهل الحجاز ومصر وأهل الكوفة وأهل البصرة ومنهم حماد بن سلمة قال -أي الأوزاعي- وهؤلاء ونحوهم أئمة الإسلام شرقًا وغربًا في ذلك الزمان وهو قولهم إن الله فوق عرشه ويؤمنون بما وردت به السنة من صفاته" أ. هـ.
* السير: "قال علي بن المديني: من تكلم في حماد فاتهموه في الدين ... وكان مع إمامته في الحديث، إمامًا كبيرًا في العربية، فقيهًا فصيحًا، رأسًا في السنة، صاحب تصانيف.
وعن يحيى بن معين قال: إذا رأيت إنسانًا يقع في عكرمة وحماد بن سلمة فاتهمه في الإسلام.
قال أحمد: إذا رأيت الرجل يغمز حماد بن سلمة، فاتهمه على الإسلام، فإنه كان شديدًا على المبتدعة.
إن حمادًا كان يحدث بحديث نزول الرب ، فقال: من رأيتموه يُنكر هذا فاتهموه ... قال يونس النحوي: منْ حماد بن سلمة تعلمت العربية ورثاه يحيى اليزيدي النحوي بمرثيه قال فيها:
يا طالب النحو ألا فابكه ... بعد أبي عمرو وحماد".
وقال أيضًا: "وكان حماد يمر بالحسن البصري في المسجد فيدعه ويذهب إلى أصحاب العربية ليتعلم منهم " أ. هـ.
* تاريخ الإسلام: "وقال شهاب بن معمر البلخي: كان حماد بن سلمة يُعَدُّ من الأبدال، وقال غيره. كان إمامًا رأسًا في العربية فقيهًا فصيحًا، بليغًا، كبير القدر، شديدًا على المبتدعة، صاحب أثر وسنة. له تصانيف قال حمّاد بن زيد: ما كنا نرى أحدًا بنيّة غير حمّاد بن سلمة، وما نرى اليوم من يعلم بنيّته غيره" أ. هـ.
* تقريب التهذيب: "ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره من كبار الثامنة" أ. هـ.
* الأعلام: "كان حافظًا ثقة مأمونًا إلا أنه لما كبر ساء حفظه فتركه البخاري ... قال ابن نصر: هو أول من صنّف التصانيف المرضية" أ. هـ.
من أقواله: السير: "إذا دعاك الأمير لتقرأ عليه (قل هو الله أحد) فلا تأته ... من طلب الحديث لغير الله تعالى، مُكِر به" أ. هـ.
قلت: ونذكر فائدة ذكرها الذهبي في السير حيث قال: "ألطف عبد الله بن معاوية الجهمي حيث قال: حدثنا حماد بن سلمة بن دينار وحماد بن زيد بن درهم، وفضل ابن سلمة على ابن زيد كفضل الدينار على الدرهم" أ. هـ.
وفاته: سنة (١٦٧ هـ) سبع وستين ومائة.