Полный текст (1 659 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
ومن النواة حَدِيث عبد الرَّحْمَن بْن عَوْف أَن النَّبِي ﵇ ٦١ / ب رأى عَلَيْهِ وضرا من صفرَة فَقَالَ: مَهْيَمْ قَالَ: تزوجت / امْرَأَة من الْأَنْصَار على نواة من ذهب قَالَ: أولم وَلَو بِشَاة. قَوْله: نواة - يَعْنِي خَمْسَة دَرَاهِم وَقد كَانَ بعض النَّاس يحمل معنى هَذَا أَنه أَرَادَ قدر نواة من ذهب كَانَت قيمتهَا [خَمْسَة -] دَرَاهِم وَلم يكن ثمَّ ذهب إِنَّمَا هِيَ خَمْسَة دَرَاهِم تسمى نواة كَمَا تسمى الْأَرْبَعُونَ أُوقِيَّة وكما تسمى الْعشْرُونَ نشا. وَفِي [هَذَا -] الحَدِيث من الْفِقْه أَنه يرد قَول من قَالَ: لَا يكون الصَدَاق أقل من عشرَة دَرَاهِم أَلا ترى أَن النَّبِي ﵇ لم يُنكر عَلَيْهِ
стр. 562
مَا صنع. وَفِيه من الْفِقْه أَيْضا: أَنه لم يُنكر عَلَيْهِ الصُّفْرَة لما ذكر التَّزْوِيج وَهَذَا مثل الحَدِيث الآخر أَنهم كَانُوا يرخصون فِي ذَلِك للشاب أَيَّام عرسه. وَقَوله: مَهيم كَأَنَّهَا كلة يَمَانِية مَعْنَاهَا: مَا أَمرك أَو مَا هَذَا الَّذِي أرى بك وَنَحْو هَذَا من الْكَلَام. يُقَال: صدَاق وصداق وَصدقَة وَصدقَة.
رِجْس نجس خبث وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ أَنه كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الرجس النَّجس الْخَبيث المخبث الشَّيْطَان الرجيم. قَوْله: الرِّجس النَّجِس زعم الْفراء أَنهم إِذا بدأوا بِالنَّجسِ وَلم يذكرُوا الرجس فتحُوا النُّون وَالْجِيم وَإِذا بدأوا بالرجس ثمَّ أتبعوه
стр. 563
النَّجس كسروا النُّون. وَقَوله: الْخَبيث المخبث فالخبيث هُوَ ذُو الْخبث فِي نَفسه والمخبث هُوَ الَّذِي أَصْحَابه وأعوانه خبثاء وَهُوَ مثل قَوْلهم: فلَان قوي مُقوٍ فالقوي فِي بدنه والمقوي أَن يكون دَابَّته قَوِيَّة - قَالَ ذَلِك الْأَحْمَر وَكَذَلِكَ قَوْلهم: هُوَ ضَعيف مُضعِف فالضعيف فِي بدنه والمضعف فِي دَابَّته وعَلى هَذَا كَلَام الْعَرَب. وَقد يكون أَيْضا المخبث أَن يخْبث غَيره - أَي يُعلمهُ الْخبث ويفسده. وأماالحديث الآخر أَنه كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْخبث والخبائث. قَوْله: الْخبث - يَعْنِي الشَّرّ وَأما الْخَبَائِث فَإِنَّهَا الشَّيَاطِين. وَأما الخَبث - بِفَتْح الْخَاء وَالْبَاء - فَمَا تَنْفِي النَّار من رَدِيء الْفضة وَالْحَدِيد وَمِنْه الحَدِيث الْمَرْفُوع: إِن الْحمى تَنْفِي الذُّنُوب كَمَا يَنْفِي الْكبر الْخبث.
стр. 564
دمث رَود مخر وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ أَنه بَيْنَمَا هُوَ يمشي فِي طَرِيق إِذْ مَال [إِلَى -] دمِث فَبَال [فِيهِ -] وَقَالَ إِذا بَال أحدكُم فليرتد لبوله. قَوْله: دمِث - يَعْنِي الْمَكَان اللين والسهل. وَقَوله: فليرتد لبوله - يَعْنِي أَن يرتاد مَكَانا لينًا منحدرا لَيْسَ بصلب فينتضخ عَلَيْهِ أَو مرتفعا فَيرجع إِلَيْهِ. وَفِي الْبَوْل حَدِيث آخر يُقَال: إِذا أَرَادَ أحدكُم الْبَوْل فليتمخر الرّيح. يَعْنِي: ينظر من أَيْن مجْراهَا فَلَا يستقبلها وَلَكِن يستدبرها كي لَا ترد عَلَيْهِ الْبَوْل وَأما المخر فَهُوَ الجري يُقَال: مخرت السَّفِينَة تمخُّر مخرا - إِذا جرت كَانَ الْكسَائي يَقُول ذَلِك وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَتَرَى الْفلك مواخر فِيهِ﴾
стр. 565
يَعْنِي جواري.
وَقب وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ أَنه لما رأى الشَّمْس قد وَقَبَتْ قَالَ: هَذَا حِين حلَّها. [قَوْله: حِين حلَّها -] يَعْنِي صَلَاة الْمغرب. وَقَوله: وَقَبَتْ - يَعْنِي غَابَتْ وَدخلت موضعهَا وأصل الوقب الدُّخُول يُقَال: وَقب الشَّيْء وقوبا وقبا [إِذا دخل -] وَمِنْه قَول اللَّه [تبَارك و -] تَعَالَى: ﴿وَمِنْ شَرّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ وَهُوَ فِي التَّفْسِير: اللَّيْل إِذا دخل. وَفِي حَدِيث آخر أَنه الْقَمَر عَن عَائِشَة قَالَت: أَخذ النَّبِي صلى الله
стр. 566
عَلَيْهِ وَسلم بيَدي فَأَشَارَ إِلَى الْقَمَر فَقَالَ: تعوَّذي بِاللَّه من هَذَا فَإِن هَذَا هُوَ الْغَاسِق إِذا وَقب. وَقد يجوز أَن يكون وَصفه بذلك لِأَنَّهُ يغيب كَمَا قَالَ فِي الشَّمْس حِين وَقَبَتْ - يَعْنِي غَابَتْ.
لظظ لطط وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ / ألظوابيا ٦٢ / الف ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام. قَوْله: أَلظُّوا [يَعْنِي -] الزموا ذَلِك. والألفاظ: لُزُوم الشَّيْء والمثابرة عَلَيْهِ يُقَال: ألظظت بِهِ ألِظُّ إلظاظا وَفُلَان ملظ بفلان - إِذا كَانَ ملازما لَهُ لَا يُفَارِقهُ - فَهَذَا بالظاء وبالألف فِي أَوله وَأما لططت الشَّيْء ألطه لطا فَمَعْنَاه: سترته وأخفيته قَالَ الْأَعْشَى [الْخَفِيف]
стр. 567
وَلَقَد ساءها الْبيَاض فلطت … بحجاب من دُوننَا مصدوفِ
ويروى: مَصْرُوف. [قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ -] : وَقد يكون اللط فِي الْخَبَر أَيْضا أَن تكتمه وَتظهر غَيره وَهُوَ من السّتْر أَيْضا وَمِنْه قَول عباد بن عَمْرو الذهلي: [الْكَامِل]
وَإِذا أَتَانِي سَائل لم أعتلل … لألط من دون السوام حجابي
стр. 568
قمن وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇: إِنِّي قد نهيت عَن الْقِرَاءَة فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود فَأَما الرُّكُوع فَعَظمُوا اللَّه فِيهِ وَأما السُّجُود فَأَكْثرُوا فِيهِ [من -] الدُّعَاء فَإِنَّهُ قمن أَن يُسْتَجَاب لكم. قَوْله: قمن كَقَوْلِك: جدير وحري أَن يُسْتَجَاب لكم يُقَال: فلَان قَمِن أَن يفعل ذَلِك وقَمَن أَن يفعل ذَلِك فَمن قَالَ: قَمَنْ أَرَادَ الْمصدر فَلم يُثَن وَلم يجمع وَلم يؤنث يُقَال: هما قمن أَن يفعلا ذَلِك وهم قمن أَن يَفْعَلُوا ذَلِك وَهن قمن أَن يفعلن ذَلِك. وَمن قَالَ: قمن أَرَادَ النَّعْت فَثنى وَجمع فَقَالَ: هما قمينان وهم قَمِنون وَيُؤَنث على هَذَا وَيجمع وَفِيه لُغَتَانِ يُقَال: هُوَ قمن أَن يفعل وقمين أَن يفعل ذَلِك قَالَ قيس بْن الخطيم الأنصارى: [الطَّوِيل]
إِذا جَاوز الْإِثْنَيْنِ سر فَإِنَّهُ … بنث وتكثير الوشاة قمين
стр. 569
نحص غدر وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ فِي الْمَغَازِي وَذكر قوما من أَصْحَابه كَانُوا غزَاة فَقتلُوا فَقَالَ رَسُول اللَّه صلي اللَّه عَلَيْهِ وَسلم: يَا لَيْتَني غودرت مَعَ أَصْحَاب نحص الْجَبَل. والنحص: أصل الْجَبَل وسفحه. وَقَوله: غودرت يَعْنِي لَيْتَني تركت مَعَهم شَهِيدا مثلهم. وكل مَتْرُوك فِي مَكَان فقد غودر فِيهِ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿مَا لهَذَا الْكِتابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيْرَةً وَّلَا كَبِيْرَةً إِلَّا أحْصَاهَا﴾ أَي لَا يتْرك شَيْئا وَكَذَلِكَ أغدرت الشَّيْء تركته إِنَّمَا هُوَ أفعلت من ذَلِك قَالَ الراجز:
[الرجز]
هَل لكِ والعارضُ مِنْك عائض … فِي هجمة يغدر مِنْهَا الْقَابِض
стр. 570
قَالَ الْأَصْمَعِي: الْقَابِض [هُوَ -] السَّائِق السَّرِيع السُّوق يُقَال: قبض يقبض قبضا إِذا فعل ذَلِك وَقَوله: يغدر مِنْهَا يَقُول: لَا يقدر على ضَبطهَا كلهَا من كثرتها ونشاطها حَتَّى يغدر بَعْضهَا بِتَرْكِهِ.
جأث جثث زأد وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ فِي المبعث حِين رأى جِبْرِيل ﵇ قَالَ: فجُئِثْتُ مِنْهُ فرقا وَيُقَال: جثثت. قَالَ الْكسَائي: المجثوث والمجؤوث جَمِيعًا المرعوب الفَزع [قَالَ: -] وَكَذَلِكَ المزؤود وَقد جئث وجُث وزُئِد [قَالَ -] فَأتى خَدِيجَة رَحمهَا اللَّه فَقَالَ: زَمِّلُونِي قَالَ: فَأَتَت خَدِيجَة ابْن عَمها ورقة بْن نَوْفَل وَكَانَ نَصْرَانِيّا وَقد قَرَأَ الْكتب فَحَدَّثته بذلك وَقَالَت: إِنِّي أَخَاف أَن يكون قد عرض لَهُ فَقَالَ: لَئِن كَانَ مَا تَقُولِينَ حَقًا إِنَّه ليَأْتِيه الناموس الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى [﵇] .
نمس قمس قَالَ أَبُو عبيد: والناموس هُوَ صَاحب سر الرجل الَّذِي يطلعه على بَاطِن أمره ويخصه بِمَا يسرته عَن غَيره. يُقَال مِنْهُ: نمس الرجلُ ينمس نمسا وَقد نامسته منامسة إِذا ساررته قَالَ الْكُمَيْت: [الطَّوِيل]
стр. 571
فأبلغ يزيدَ إِن عرضتَ ومنذرا … وعميهما والمستسر المنامسا
فَهَذَا من الناموس. ٦٢ / ب وَفِي حَدِيث آخر / فِي غير هَذَا الْمَعْنى: الْقَامُوس وَذَلِكَ قَامُوس الْبَحْر وَهُوَ وَسطه وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوضِع أبعد غورا فِي الْبَحْر مِنْهُ وَلَا المَاء [فِيهِ -] أَشد انقماسا مِنْهُ فِي وَسطه وأصل القمس الغوص وَقَالَ ذُو الرمة يذكر [مَطَرا عِنْد -] سُقُوط الثريا: [الوافر]
أصَاب الأَرْض منقمس الثريا … بساحية وأتبعها طلالا
أَرَادَ أَن الْمَطَر كَانَ عِنْد سُقُوط الثريا وَهُوَ منقمسها وَإِنَّمَا خص الثريا لِأَن الْعَرَب تَقول: لَيْسَ شَيْء من الأنواء أغزر من الثريا فَأبْطل الْإِسْلَام جَمِيع ذَلِك وَقَوله: بساحية يَعْنِي أَن الْمَطَر يسحو الأَرْض يقشرها وَمِنْه قيل: سحوت القرطاس إِنَّمَا هُوَ قشرك إِيَّاه والطلال جمع طل.
стр. 572
عفص وكى وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ أَنه سُئِلَ عَن اللّقطَة فَقَالَ: احفظ عفاصها ووكاءها ثمَّ عرفهَا سنة فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فادفعها إِلَيْهِ. قيل: فضَالة الْغنم قَالَ: هِيَ لَك أَو لأخيك أَو للذئب. قيل: فضَالة الْإِبِل قَالَ: مَالك وَلها مَعهَا حذاؤها وسقاؤها ترد المَاء وتأكل الشّجر حَتَّى يلقاها رَبهَا. أما قَوْله: احفظ عفاصها ووكاءها فَإِن العفاص هُوَ الْوِعَاء الَّذِي يكون فِيهِ النَّفَقَة إِن كَانَ من جلد أَو خرقَة أَو غير ذَلِك وَلِهَذَا سمي الْجلد الَّذِي تلبسه رَأس القارورة: العفاص لِأَنَّهُ كالوعاء [لَهَا -] وَلَيْسَ هَذَا بالصَّمام إِنَّمَا الصمام الَّذِي يدْخل فِي فَم القارورة فَيكون سدادا لَهَا. وَقَوله: ووكاءها يَعْنِي الْخَيط الَّذِي تشد بِهِ يُقَال: [مِنْهُ -] أوكيتها إيكاء وعفصتها عفصا إِذا شددت العفاص عَلَيْهَا وَإِن أردْت أَنَّك فعلت لَهَا عفاصا قلت: أعفصتها إعفاصا.
стр. 573
وَإِنَّمَا أَمر الْوَاجِد لَهَا أَن يحفظ عفاصها ووكاءها ليَكُون ذَلِك عَلامَة للقطة فَإِن جَاءَ من يتعرفها بِتِلْكَ الصّفة دفعت إِلَيْهِ فَهَذِهِ سنة من رَسُول الله صلي اللَّه عَلَيْهِ وَسلم فِي اللّقطَة خَاصَّة لَا يشبهها شَيْء من الْأَحْكَام أَن صَاحبهَا يَسْتَحِقهَا بِلَا بَيِّنَة وَلَا يَمِين لَيْسَ إِلَّا بالمعرفة بصفتها. وَأما قَوْله فِي ضَالَّة الْغنم: هِيَ لَك أَو لأخيك أَو للذئب فَإِن هَذِه رخصَة مِنْهُ فِي لقطَة الْغنم يَقُول: إِن لم تأخذها أَنْت أَخذهَا إِنْسَان غَيْرك أَو ٢ أكلهَا الذِّئْب فَخذهَا.
حذا سقى ميت أَتَى قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَيْسَ هَذَا عندنَا فِيمَا يُوجد مِنْهَا عِنْد قرب الْأَمْصَار وَلَا الْقرى إِنَّمَا هَذَا إِن تُوجد فِي البراري والمفاوز الَّتِي لَيْسَ قربهَا أنيس لِأَن تِلْكَ الَّتِي تُوجد قرب الْقرى والأمصار لَعَلَّهَا تكون لأَهْلهَا قَالَ: فَهَذَا عِنْدِي أصل لكل شَيْء يخَاف عَلَيْهِ الْفساد مثل الطَّعَام والفاكهة مِمَّا إِن ترك فِي الأَرْض ولم يلتقط فسد أَنه لَا بَأْس بِأَخْذِهِ. وَأما قَوْله فِي ضَالَّة الْإِبِل: مَالك وَلها مَعهَا حذاؤها وسقاؤها فَإِنَّهُ لم يغلظ فِي شَيْء من الضوال تغليظة فِيهَا. وَبِذَلِك أفتى عمر بْن الْخطاب ثَابت بْن الضَّحَّاك وَكَانَ يُقَال: وجد
стр. 574
بَعِيرًا فَسَأَلَ عمر فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى الْموضع الَّذِي وجدته فِيهَا فَأرْسلهُ. [و -] قَوْله: مَعهَا حذاؤها وسقاؤها يَعْنِي بالحذاء أخفافها يَقُول: إِنَّهَا تقوى على السّير وَقطع الْبِلَاد. وَقَوله: سقاؤها يَعْنِي أَنَّهَا تقوى على وُرُود الْمِيَاه تشرب وَالْغنم لَا يقوى على ذَلِك. وَهَذَا الَّذِي جَاءَ فِي الْإِبِل من التَّغْلِيظ هُوَ تَأْوِيل قَوْله فِي حَدِيث آخر: ضَالَّة الْمُسلم حرق النَّار لما قَالَ لَهُ رجل: يَا رَسُول اللَّه إِنَّا نُصيبُ هَوَامِىَ الْإِبِل فَقَالَ رَسُول اللَّه صلي اللَّه عَلَيْهِ وَسلم: ضَالَّة الْمُؤمن حرق النَّار. وَهَذَا مثل حَدِيثه / الآخر: لَا يأوي الضَّالة إِلَّا ضال. ٦٣ / الف وَبَعض النَّاس يحمل معنى هذَيْن الْحَدِيثين على اللّقطَة وَيَقُول: وَإِن عرفهَا فَلَا تحل لَهُ أَيْضا. وَأما أَنا فَلَا أرى اللّقطَة من الضَّالة فِي شَيْء لِأَن الضَّالة لَا يَقع مَعْنَاهَا إِلَّا على الْحَيَوَان خَاصَّة الَّتِي هِيَ تضل. وَأما اللّقطَة فَإِنَّهُ يُقَال فِيهَا: سَقَطت أَو ضَاعَت وَلَا يُقَال: ضلت وَمِمَّا
стр. 575
يبين ذَلِك أَنه ﵇ رخص فِي أَخذ اللّقطَة على أَن يعرفهَا وَلم يرخص فِي الْإِبِل على حَال. وَكَذَلِكَ الْبَقر وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحمير وكل مَا كَانَ مِنْهَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فَيذْهب فَهُوَ دَاخل فِي حَدِيث النَّبِي ﵇: ضَالَّة الْمُسلم حرق النَّار وَفِي قَوْله: لَا يأوي الضَّالة إِلَّا ضال. وَأما حَدِيثه فِي اللّقطَة مَا كَانَ من طَرِيق ميتاء فَإِنَّهُ يعرفهَا سنة. فالميتاء الطَّرِيق العامر المسلوك. وَمِنْه حَدِيثه ﵇ حِين توفّي ابْنه إِبْرَاهِيم فَبكى عَلَيْهِ وَقَالَ: لَوْلَا أَنه وعد حق وَقَول صديق وَطَرِيق ميتاء لحزنا عَلَيْك يَا إِبْرَاهِيم أَشد من حزننا. فَقَوله: طَرِيق ميتاء هُوَ الطَّرِيق وَيَعْنِي بِالطَّرِيقِ هَهُنَا الْمَوْت أَي أَنه طَرِيق يسلكه النَّاس كلهم.
стр. 576
وَبَعْضهمْ يَقُول: طَرِيق مأتيّ. فَمن قَالَ ذَلِك أَرَادَ [أَنه -] يَأْتِي عَلَيْهِ النَّاس فَيَجْعَلهُ من الْإِتْيَان وَكِلَاهُمَا مَعْنَاهُ جَائِز. وَأما قَوْله فِي الحَدِيث الآخر: أشهد ذَا عدل أَو ذَوي عدل ثمَّ لَا يكتِم وَلَا يغيب فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فادفعها إِلَيْهِ وَإِلَّا فَهُوَ مَال اللَّه يؤتيه من يَشَاء. فَهَذَا فِي اللّقطَة خَاصَّة دون الضوال من الْحَيَوَان.
بحح وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇: من سرّه أَن يسكن بحبوحة الْجنَّة فليلزم الْجَمَاعَة فَإِن الشَّيْطَان مَعَ الْوَاحِد وَهُوَ من الِاثْنَيْنِ أبعد. قَوْله: بحبوحة الْجنَّة يَعْنِي وسط الْجنَّة وبحبوحة كل شَيْء وَسطه وخياره وَقَالَ جرير بْن الخطفي: [الْبَسِيط]
стр. 577
قومِي تَمِيم همُ القومُ الَّذين هُمُ … ينفون تغلب عَن بحبوحة الدَّار
وَمِنْه يُقَال: قد تبحبحت فِي الدَّار إِذا توسطتها وتمكنت مِنْهَا.
ملح عضب وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ أَنه ضحى بكبشين أملحين. قَالَ الْكسَائي وَأَبُو زيد وَغَيرهمَا: قَوْله: أملحين الأملح الَّذِي فِيهِ بَيَاض وَسَوَاد وَيكون الْبيَاض أَكثر. وَمِنْه الحَدِيث الآخر: إِذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ وأهلُ النارِ النارَ أُتِي بِالْمَوْتِ كَأَنَّهُ كَبْش أَمْلَح فَيذْبَح على الصِّرَاط وَيُقَال: خُلُود لَا موت. وَكَذَلِكَ كل شعر وصوف وَنَحْوه كَانَ فِيهِ بَيَاض وَسَوَاد فَهُوَ أَمْلَح قَالَ الراجز: [الرجز]
لكل دهر قد لبست أثوُبا … حَتَّى اكتسى الرَّأْس قناعا أشيبا
стр. 578
أَمْلَح لَا لذا وَلَا محبّبا
وَحَدِيثه الآخر فِي الْأَضَاحِي أَنه نهى أَن يُضّحي بالأعضب القرْن وَالْأُذن. قَوْله: الأعضب هُوَ المكسور الْقرن ويروى عَن سعيد بْن الْمسيب أَنه قَالَ: هُوَ النّصْف فَمَا فَوْقه وَبِهَذَا كَانَ يَأْخُذ أَبُو يُوسُف فِي الْأَضَاحِي. وَقَالَ أَبُو زيد: فَإِن انْكَسَرَ الْقرن الْخَارِج فَهُوَ أقصم وَالْأُنْثَى: قصماء فَإِذا انْكَسَرَ الدَّاخِل فَهُوَ أعضب.
قصا نقى قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقد يكون العضب فِي الْأذن أَيْضا فَأَما الْمَعْرُوف فَفِي الْقرن قَالَ الأخطل: [الْكَامِل]
إِن السيوف غدوها ورواحها … تركت هوَازن مثل قرن الأعضبِ
وَالْأُنْثَى عضباء وَأما نَاقَة النَّبِي ﵇ الَّتِي كَانَت تسمى: العضباء فَلَيْسَ من هَذَا إِنَّمَا ذَلِك اسْم [لَهَا -] سميت بِهِ. وَأما
стр. 579
الْقَصْوَاء مَمْدُود فَإِنَّهَا المشقوقة الأذُن وَقَالَ أَبُو زيد: هِيَ المقطوعة طرف الْأذن وَالذكر مِنْهَا مُقصّي ومَقْصُوّ وَهَذَا على غير قِيَاس قَالَه الْأَحْمَر وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: أقْصَى مثل عشوي وأعشى.
стр. 580
وَأما / حَدِيثه الآخر الَّذِي [نهى عَن -] الْعَجْفَاء الَّتِي لَا تُنقى فِي ٦٣ / ب الْأَضَاحِي فَإِنَّهُ يَقُول: لَيْسَ بهَا نَقْي من هُزالها وَهُوَ المخ. يُقَال مِنْهُ: نَاقَة منقية إِذا كَانَت ذَات نقي قَالَ الْأَعْشَى: [الْكَامِل]
حاموا على أضيافهم فَشَوَوا لَهُم … من لحم منقية وَمن أكبادِ
و [قَالَ أَبُو -] عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ أَنه لما أَتَاهُ مَاعِز بْن مَالك فَأقر عِنْده بِالزِّنَا رده مرَّتَيْنِ ثمَّ أَمر برجمه فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ قَالَ: يعمد أحدهم إِذا غزا النَّاس فينب كَمَا ينب التيس يخدع إِحْدَاهُنَّ بالكثبة لَا أُوتِيَ بِأحد فعل ذَلِك إِلَّا نكلت بِهِ. وَقيل: رده أَربع
стр. 581
مَرَّات. والكثبة: الْقَلِيل من اللَّبن
كثب قَالَ أَبُو عبيد: والكُثبة عندنَا كل شَيْء مُجْتَمع وَهُوَ مَعَ اجتماعه قَلِيل من لبن كَانَ أَو طَعَام أَو غَيره وَجمع الكثبة: كثب [و -] قَالَ ذُو الرُّمة يذكر أَرْطَاة عِنْدهَا بعر الصيران فَقَالَ: [الْبَسِيط]
مَيْلاءَ مِن مَعْدنِ الصِّيران قاصية … أبعارهن على أهدافها كُثَبُ
فالصيران جمع جماعات الْبَقر وَاحِدهَا صُوار وصِوار أَيْضا. والأهداف جوانبها وَاحِدهَا هدف وَهُوَ المشرف من الرمل والكثب جمع كثبة يَقُول: على كل هدف كثبة من أبعارها. وَفِي هَذَا الحَدِيث من الْفِقْه أَنه رده أَربع مَرَّات كَمَا رُوِيَ عَن سعيد بْن جُبَير وَهُوَ الْمَحْفُوظ عندنَا عَن النَّبِي ﵇ والمعمول بِهِ أَنه لَا يصدق على إِقْرَاره حَتَّى يقر أَربع مَرَّات ثمَّ يُقَام عَلَيْهِ الْحَد.
стр. 582
وَجب وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ أَنه قيل لَهُ: إِن صاحبا لنا أوجب فَقَالَ: مروه فليُعتق رَقَبَة. قَوْله: أوجب يَعْنِي أَنه ركب كَبِيرَة أَو خَطِيئَة مُوجبَة يسْتَوْجب بهَا النَّار يُقَال فِي ذَلِك للرجل: قد أوجب وَكَذَلِكَ الْحَسَنَة يعملها توجب لَهُ الْجنَّة فَيُقَال لتِلْك الْحَسَنَة وَتلك السَّيئَة: مُوجبَة. ومنهه حَدِيثه فِي الدُّعَاء: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك مُوجبَات رحمتك. وَمِنْه حَدِيث إِبْرَاهِيم: كَانُوا يرَوْنَ الْمَشْي إِلَى الْمَسْجِد فِي اللَّيْلَة الْمظْلمَة ذَات الرّيح والمطر أَنَّهَا مُوجبَة.
هيب قَالَ أَبُو عبيد: وَهَذَا من أعجب مَا يَجِيء فِي الْكَلَام أَن يُقَال للرجل: قد أوجب وللحسنة والسيئة: قد أوجبت وَهَذَا مثل قَوْلهم: قد تهيبني
стр. 583
الشَّيْء وَقد تهيبت الشَّيْء بِمَعْنى وَاحِد وَقَالَ الشَّاعِر وَهُوَ ابْن مقبل: [الْبَسِيط]
وَمَا تهيّبني المَوماة أركبها … إِذا تجاوبت الأصداءُ بِالسحرِ
أَرَادَ: وَمَا أتهيبها.
ثعع تيع وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ أَن امْرَأَة أَتَتْهُ فَقَالَت: إِن ابْني هَذَا هَذَا بِهِ جُنون يُصِيبهُ عِنْد الْغَدَاة وَالْعشَاء قَالَ: فَمسح رَسُول الله ﷺ صَدره ودعا لَهُ فثعَّ ثعّة فَخرج من جَوْفه جَرو أسود فسعى. قَوْله: فثعَّ ثعَّة يَعْنِي قاء قيئة يُقَال للرجل: قد ثعّ ثعا وَقد
стр. 584
ثععت يَا رجل إِذا قاء. وَيُقَال أَيْضا للقيء: قد أتاع الرجل بِالتَّاءِ غير مَهْمُوز إتاعة إِذا قاء فَهُوَ مُتيع والقيء مَتَاع قَالَ الْقطَامِي وَذكر الْجِرَاحَات فَقَالَ: [الوافر]
تمج عروقها عَلَقاَ مَتَاعا
ملح وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ حِين قدم عَلَيْهِ وَفد هوَازن يكلمونه فِي سبي أَوْطَاس أَو حنين فقار رجل من بني سعد بْن بكر: يَا مُحَمَّد إِنَّا لَو كُنَّا ملحنا لِلْحَارِثِ بْن أبي شَمِر أَو للنعمان بْن الْمُنْذر ثمَّ نزل مَنْزِلك هَذَا منا لحفظ ذَلِك لنا وَأَنت خير المكفولين فاحفظ ذَلِك. / قَالَ الْأَصْمَعِي: قَوْله: ملحنا يَعْنِي أرضعنا وَإِنَّمَا قَالَ السَّعْدِيّ ٦٤ / الف هَذِه الْمقَالة لِأَن رَسُول الله ﵇ كَانَ مسترضعا فيهم. قَالَ الْأَصْمَعِي: وَالْملح هُوَ الرَّضَاع وأنشدنا لأبي الطمحان وَكَانَت لَهُ إبل
стр. 585
يسْقِي قوما من أَلْبَانهَا ثمَّ أَنهم أَغَارُوا عَلَيْهَا فَأَخَذُوهَا فَقَالَ: [الطَّوِيل]
وَإِنِّي لأرجو مِلحَها فِي بطونكم … وَمَا بسطت من جلد أَشْعَث أغبرا
يَقُول: أَرْجُو أَن تحفظُوا مَا شربتم من أَلْبَانهَا وَمَا بسطت من جلودكم بعد أَن كُنْتُم مهازيل فسمنتم وانبسطت لَهُ جلودكم بعد تقبض وأنشدنا لغيره: [المتقارب]
جزى الله رَبك رب العبا … د وَالْملح مَا ولدت خالدهْ
يَعْنِي بالملح الرَّضَاع وَالرضَاعَة فِي كَلَام الْعَرَب بِالْفَتْح لَا اخْتِلَاف فِيهَا وَإِذا لم يكن فِيهَا الْهَاء قيل: الرضَاع والرِضاع بِالْفَتْح وَالْكَسْر.
مقل وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇: إِذا وَقع الذُّبَاب
стр. 586
فِي الطَّعَام وَفِي غير هَذَا الحَدِيث: فِي الشَّرَاب فامقلوه فَإِن فِي أحد جناحيه سما (سُمَّا) وَفِي الآخر شِفَاء وَإنَّهُ يقدم السم وَيُؤَخر الشِّفَاء. قَوْله: امقلوه يَقُول: اغمسوه فِي الطَّعَام أَو الشَّرَاب ليخرج الشِّفَاء كَمَا أخرج الدَّاء [و -] الْمقل: هُوَ الغمس. يُقَال للرجلين: هما يتماقلان إِذا تغاطا فِي المَاء. والمقل فِي غير هَذَا النظرُ يُقَال: مَا مقلته عَيْني مُنْذُ الْيَوْم. والمقلة [أَيْضا -] الْحَصَاة الَّتِي يقدر بهَا المَاء وَذَلِكَ إِذا قل المَاء فيشربونه بِالْحِصَصِ كَأَنَّهُ قَالَ: تلقى الْحَصَاة فِي الْإِنَاء ثمَّ
стр. 587
يصبّ عَلَيْهَا المَاء حَتَّى يغمرها فيشربونه فَيكون [ذَلِك -] حِصَّة لكل إِنْسَان وَذَلِكَ فِي المفاوز.
خيل وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ أَنه كَانَ إِذا رأى مخيلة أقبل وَأدبر وَتغَير قَالَت عَائِشَة ﵂: فَذكرت ذَلِك لَهُ فَقَالَ: [و -] مَا يُدْرِينَا فعله كقوم ذكرهم اللَّه تَعَالَى ﴿فَلَمَّا رَاَوْهُ عَارِضْا مُّسْتَقْبِلَ أوْدَيِتِهِمْ﴾ إِلَى قَوْله ﴿عَذَاب أَلِيم﴾ . قَوْله: مخيلة المخيلة: السحابة [و -] جمعهَا مخايل و [قد -] يُقَال للسحاب أَيْضا: الْخَال فَإِذا أَرَادوا أَن السَّمَاء [قد -] تغيمت قَالُوا: قد أخالت فَهِيَ مخيلة بِضَم الْمِيم فَإِذا أَرَادوا السحابة نَفسهَا
стр. 588
قَالُوا: هَذِه مخيلة _ بِالْفَتْح.
أجر وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ إِن رجلا قَالَ: يَا رَسُول اللَّه: إِنِّي أعمل الْعَمَل أسره فَإِذا أطلع عَلَيْهِ سرني فَقَالَ: لَك أَجْرَانِ: أجر السِّرّ وَأجر الْعَلَانِيَة. قَالَ ابْن مهْدي: وَجهه أَنه إِنَّمَا يُسر بِهِ إِذا اطُّلع عَلَيْهِ ليستنّ بِهِ من بعده. قَالَ أَبُو عبيد: يَعْنِي أَنه لَيْسَ يسر بِهِ ليزكّي ويثني عَلَيْهِ خير وَلَيْسَ للْحَدِيث عِنْدِي وَجه إِلَّا مَا قَالَ عبد الرَّحْمَن لِأَن الْآثَار كلهَا تصدقه. وَمن ذَلِك الحَدِيث الْمَرْفُوع: من سنّ سُنَّة حَسَنَة كَانَ لَهُ أجرهَا وَأجر من عمل بهَا. أفلست ترى أَن الْأجر الثَّانِي إِنَّمَا لحقه بأنْ عمل بسنّته وَمِمَّا يُوضح ذَلِك حَدِيث آخر أَن رجلا قَامَ من اللَّيْل يُصَلِّي فَرَآهُ جَار لَهُ فَقَامَ يُصَلِّي فغفر للْأولِ يَعْنِي لِأَن هَذَا اسْتنَّ بِهِ. وَقد حمل
стр. 589
بعض النَّاس هَذَا الحَدِيث على أَنه إِنَّمَا يوجر الْأجر الثَّانِي لِأَنَّهُ يفرح بالتزكية والمدح وَهَذَا من شرّ مَا حمل عَلَيْهِ الحَدِيث أَلا ترى أَن الْأَحَادِيث كلهَا إِنَّمَا جَاءَت بِالْكَرَاهَةِ لأنْ يُزكي الرجل فِي وَجهه وَمن ذَلِك حَدِيث النَّبِي ﵇ أَنه سمع رجلا يثني على آخر فَقَالَ: قطعت ظَهره لَو سَمعهَا مَا أَفْلح. وَمن ذَلِك قَوْله: إِذا رَأَيْتُمْ المداحين فاحثوا فِي وُجُوههم التُّرَاب. وَمِنْه حَدِيث عمر حِين كم (كُمِ) وَهُوَ يثني عَلَيْهِ وَهُوَ جريح فَقَالَ: الْمَغْرُور من غررتموه لَو أَن لي مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا لافتديت بِهِ من هول المطلع. وَفِي هَذَا من الحَدِيث مَا لَا يُحْصى. ٦٤ / ب
طبع / وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ: استعيذوا
стр. 590
بِاللَّه من طمع يهدي إِلَى طبع. قَوْله: إِلَى طبع الطَّبْع الدنس وَالْعَيْب وكل شين فِي دين أَو دنيا فَهُوَ طبع يُقَال مِنْهُ: رجل طبع. وَمِنْه حَدِيث عمر بن عبد الْعَزِيز: لَا يتَزَوَّج من الموَالِي فِي الْعَرَب إِلَّا الأشر البَطِر وَلَا يتَزَوَّج من الْعَرَب فِي الموَالِي إِلَّا الطمِع الطَّبْع وَقَالَ الْأَعْشَى يمدح هَوْذَة بْن عَليّ الْحَنَفِيّ: [الْبَسِيط]
لَهُ أكاليل بالياقوت فصّلها … صواغها لَا ترى عيّبا وَلَا طبعا
بذعر وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ أَنه مر على أَصْحَاب
стр. 591
الدَّركلة فَقَالَ: خُذُوا يَا بني أرفدة حَتَّى يعلم الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَن فِي ديننَا فسحة قَالَ: فبيناهم كَذَلِك إِذْ جَاءَ عمر فَلَمَّا رَأَوْهُ ابذعّروا. قَوْله: ابذعرّوا يَعْنِي تفَرقُوا وفرّوا وَيُقَال: ابذعرّ الْقَوْم ابذعرارا [و -] قَالَ الأخطل: [الطَّوِيل]
فطارت شِلالا وابذعرّتْ كَأَنَّهَا … عِصابة سبي خَافَ أَن تُتقسما
وَالَّذِي يُرَاد من هَذَا الحَدِيث الرُّخْصَة فِي النّظر إِلَى اللَّهْو وَلَيْسَ
стр. 592
فِي هَذَا حجَّة للنَّظَر إِلَى [الملاهي الْمنْهِي -] عَنْهَا من المزاهر والمزامير إِنَّمَا هَذِه لُعبة للعجم. قَالَ أَبُو عبيد: اللُعبة الشَّيْء الَّذِي يلْعَب بِهِ الصّبيان واللعبة: اللَّوْن من اللّعب.
ذبح وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ أَنه نهي عَن ذَبَائِح الْجِنّ. قَالَ: وذبائح الْجِنّ أَن يَشْتَرِي الدَّار أَو يسْتَخْرج الْعين وَمَا أشبه ذَلِك فَيذْبَح لَهَا ذَبِيحَة للطيرة. قَالَ أَبُو عبيد: وَهَذَا التَّفْسِير فِي الحَدِيث وَمَعْنَاهُ أَنهم يَتَطَيَّرُونَ إِلَى هَذَا الْفِعْل مَخَافَة أَنهم إِن لم يذبحوا ويطعموا أَن يصيبهم فِيهَا شَيْء من الْجِنّ يؤذيهم فَأبْطل النَّبِي ﵇ ذَلِك وَنهى عَنهُ.
عوه وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇: لَا يوردنّ ذُو عاهة على مصح.
стр. 593
قَوْله: ذُو عاهة يَعْنِي الرجل [يُصِيب -] إبِله الْحَرْب أَو الدَّاء فَقَالَ: لَا يوردنها على مصح وَهُوَ الَّذِي إبِله وماشيته صِحَاح [بريئة من العاهة -] . وَقد كَانَ بعض النَّاس يحمل هَذَا الحَدِيث على أَن النَّهْي فِيهِ للمخافة على الصَّحِيحَة من ذَوَات العاهة أَن تعديها وَهَذَا شَرّ مَا حمل الحَدِيث عَلَيْهِ لِأَنَّهُ رخصَة فِي التطير وَكَيف ينْهَى النَّبِي ﵇ عَن هَذَا التطير وَهُوَ يَقُول: الطَّيرَة شرك وَيَقُول: لَا عدوى وَلَا هَامة فِي آثَار عَنهُ كَثِيرَة. [قَالَ -] وَلَكِن وَجهه عِنْدِي وَالله أعلم أَنه خَافَ أَن ينزل بِهَذِهِ الصِّحَاح من أَمر اللَّه مَا نزل بِتِلْكَ فيظن المصح أَن تِلْكَ أعدتها فيأثم فِي ذَلِك أَلا ترَاهُ يَقُول فِي حَدِيث آخر وَقَالَ لَهُ
стр. 594
أَعْرَابِي: النُقبة تكون بمشفر الْبَعِير فتجرب لَهُ الْإِبِل كلهَا قَالَ: فَمَا أعدي الأول فَهَذَا مُفَسّر لذَلِك الحَدِيث. قَالَ: وَقد بَلغنِي عَن مَالك فِي حَدِيث لَهُ رَوَاهُ فِي هَذَا فَقَالُوا: ومَا ذَاك يَا رَسُول الله قَالَ: إِنَّه أَذَى. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَمعنى الْأَذَى عِنْدِي المأثم أَيْضا لما ظن من الْعَدْوى.
كرم وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇: يَأْتِي على النَّاس زمَان يكون أسعد النَّاس بالدنيا لُكَع بْن لُكَع [و -] خير النَّاس يَوْمئِذٍ مُؤمن بَين كريمين. وَقَوله: بَين كريمين قد أَكثر النَّاس فِيهِ فَمن قَائِل يَقُول: بَين الْحَج وَالْجهَاد وَقَائِل يَقُول: بَين فرسين يَغْزُو عَلَيْهِمَا وَآخر يَقُول: بَين بَعِيرَيْنِ يَسْتَقِي عَلَيْهِمَا ويعتزل أَمر النَّاس وكل هَذَا لَهُ وَجه حسن.
لكع قَالَ [أَبُو عُبَيْدٍ -] : وَلَكِنِّي لم أجد أول الحَدِيث يدل على هَذَا أَلا ترَاهُ يَقُول: [يكون -] أسعد النَّاس / بالدنيا لُكَع بن لكع وَهُوَ ٦٥ / الف عِنْد الْعَرَب العَبْد أَو اللَّئِيم.
ربب قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَكِنِّي أرى وَجهه:
стр. 595
بَين أبوين مُؤمنين كريمين فَيكون قد اجْتمع لَهُ الْإِيمَان وَالْكَرم فِيهِ وَفِي أَبَوَيْهِ. وَمِمَّا يصدق هَذَا الحَدِيث الآخر أَنه قَالَ: من أَشْرَاط السَّاعَة أَن يُرى رِعاء الْغنم رُؤُوس النَّاس وَأَن يرى العراة الْجُوع يتبارون فِي الْبُنيان وَأَن تَلد الْمَرْأَة رَبهَا أَو ربتها. قَوْله: رَبهَا أَو ربتها يَعْنِي الْإِمَاء اللواتي يلدن لمواليهن وهم ذَوُو أَحْسَاب فَيكون وَلَدهَا كأبيه فِي الْحسب وَهُوَ ابْن أمة.
стр. 596
سمع وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇: من سمع النَّاس بِعِلْمِهِ سمع اللَّه بِهِ سامع خلقه وحقّره وصغّره. قَالَ أَبُو زيد [الْأنْصَارِيّ -] : يُقَال: سَمِعت بِالرجلِ تسميعا إِذا نددت بِهِ وشهرته وفضحته. وَرَوَاهُ بَعضهم: سمع اللَّه بِهِ أسامع خلقه. فَإِن كَانَ هَذَا مَحْفُوظًا فانه أَرَادَ جمع السّمع أسمع ثمَّ جمع الأسمع أسامع يُرِيد أَن اللَّه تَعَالَى يُسمع أسامع النَّاس بِهَذَا الرجل يَوْم الْقِيَامَة. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَمن قَالَ: سامع [خلقه -] جعله من نعت اللَّه ﵎. وَقَالَ [أَبُو عُبَيْدٍ -] : أسامع [خلقه -] أَجود وَأحسن فِي الْمَعْنى.
فرأ وزغ بور جلهم وقا أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِيّ ﵇ حِين اسْتَأْذن عَلَيْهِ أَبُو سُفْيَان فحجبه ثمَّ أذن لَهُ فَقَالَ: مَا كدت تَأذن لي حَتَّى تَأذن لحجارة الجُلهُمتين فَقَالَ رَسُول الله ﵇: يَا با سُفْيَان أَنْت كَمَا قَالَ الْقَائِل:
стр. 597
كل الصَّيْد فِي بطن الفرا أَو قَالَ: فِي جَوف الفرا شكّ أَبُو عبيد. قَالَ الْأَصْمَعِي: الفرأ مَقْصُور مَهْمُوز قَالَ: وَهُوَ حمَار الْوَحْش قَالَ: وَجمع الفرأ فِراء مَهْمُوز مَمْدُود وأنشدنا فِي نعت الْحَرْب: [الطَّوِيل]
بِضَرْب كآذان الْفراء فضوله … وَطعن كإيزاغ الْمَخَاض تبورها
أَرَادَ أَن الضَّرْب بِالسَّيْفِ يَقع فِي الأجساد فيكشط عَنْهَا اللَّحْم فَيبقى متدليا كآذان الْحمر يُقَال: كَشَط يكشِط ويكشُط لُغَتَانِ. وَقَوله: كإيزاغ الْمَخَاض يَعْنِي قذف الْإِبِل بأبوالها فَهِيَ توزغ بِهِ [و -] ذَلِك إِذا كَانَت حوامل شبه الطعْن بِهِ. وَقَوله: تبورها تختبرها أَنْت. وَإِنَّمَا مَذْهَب هَذَا الحَدِيث [أَنه أَرَادَ -] ﵇ [أَن -] يتألفه بِهَذَا الْكَلَام وَكَانَ من الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم فَقَالَ: أَنْت فِي النَّاس كحمار الْوَحْش فِي الصَّيْد يَعْنِي أَنَّهَا كلهَا دونه.
стр. 598
وَقَول أبي سُفْيَان: حِجَارَة الجلهمتين أَرَادَ جَانِبي الْوَادي وَالْمَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب الجلهتان قَالَ الْأَصْمَعِي: والجلهة مَا استقبلك من حُرُوف الْوَادي وَجَمعهَا: جلاه قَالَ لبيد: [الْكَامِل]
فَعَلا فُروعَ الأيهُقان وأطفلت … بالجلهتين ظباؤها ونعامها
وَقَالَ الشماخ: [الزّجر]
كَأَنَّهَا وَقد بدا عوارضُ … وَاللَّيْل بَين قنوين رابضُ
بجلهة الْوَادي قطا نواهُض
[قَالَ: -] وَلم أسمع بالجلهمة إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث وَمَا جَاءَت إِلَّا وَلها
стр. 599
أصل وَالْمَعْرُوف فِي هَذَا جلهة وَالْجمع جلاه.
فَوت وَقَالَ أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِي ﵇ أَن رجلا تفوت على أَبِيه فِي مَاله فَأتى النَّبِي ﵇ أَو أَبَا بكر أَو عمر فَذكر ذَلِك لَهُ فَقَالَ: ارْدُدْ علىابنك [مَاله -] فَإِنَّمَا هُوَ سهم من كنانتك. قَوْله: تفوت مَأْخُوذ من الْفَوْت إِنَّمَا هُوَ تفعّل مِنْهُ كَقَوْلِك من القَوْل: تَقول وَمن الْحول: تحوّل وَمَعْنَاهُ أَن الابْن فَاتَ أَبَاهُ بِمَال نَفسه فوهبه وبذره وَمن ذَلِك قَالَ: ارْدُدْ على ابْنك فَإِنَّمَا هُوَ سهم
стр. 600
من كنانتك يَقُول: ارتجعه من مَوْضِعه فَرده إِلَى ابْنك فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَن يفتات عَلَيْك بِمَالِه. وَمِنْه حَدِيث عبد الرَّحْمَن بْن أبي بكر حِين زوّجت عَائِشَة ابْنَته من الْمُنْذر بْن الزبير وَهُوَ غَائِب فَأنْكر ذَلِك وَقَالَ: أمثِلي يفتات عَلَيْهِ فِي بَنَاته أَي يفات بِهن وَهُوَ غير مَهْمُوز وَكَذَلِكَ كل من أحدث دُونك شَيْئا فقد فاتك بِهِ قَالَ معن بْن أَوْس يُعَاتب امْرَأَته: [الوافر]
فَإِن الصُّبْح منتظر قريب … وَإنَّك بالملامة لن تفاتي
وَفِي [هَذَا -] الحَدِيث من الْفِقْه أَن الْوَلَد وَمَاله من كسب الْوَالِد. ٦٥ / ب وَمِمَّا يصدقهُ الحَدِيث الآخر عَن النَّبِي ﵇ أَن أفضل مَا أكل لرجل من كَسبه وَأَن وَلَده من كَسبه. وَكَانَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة يحْتَج فِي ذَلِك بآيَات من الْقُرْآن: قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ ولَا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الَمَرِيْضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أنْفُسِكُمْ أنْ تأكُلُوْا مِنْ بُيُوِتكُمْ أوْ بُيُوْتِ آبَائِكُمْ أوْ بُيُوْتِ أُمَّهَاتكُم﴾
следующие страницы →