أولاً: مؤلفات عامة أو شاملة، استخدمت في كافة العلوم، تجمع تحت طياتها مصطلحات مختلفة في شتى الفنون الإسلامية وغيرها دون تمييز.
ثانياً: مؤلفات خاصة أو تخصصية، شغلت حيز علم واحد، أو مجموعة علوم متقاربة المبحث والمنحي.
ثالثاً: مؤلفات ممزوجة بالمصطلحات وإن كانت لم تؤلف لهذا الغرض.
أولاً: المؤلفات العامة:
١ - لعل أقدم كتاب وقفت عليه في هذا المجال. هو كتاب "الزينة (١) في الكلمات الإسلامية العربية" للعلامة أبي حاتم أحمد بن حمدان الرازي المتوفى (٣٢٢ هـ).
وقد حاول أبو حاتم أن يجمع في هذا الكتاب ألفاظاً شتى تغير مدولها ومعناها في العصر الإسلامي عما كانت عليه في العصر الجاهلي، وبعمله هذا يكون قد وضع اللبنة الأولى في علم معاني الأسماء العربية والمصطلحات الإسلاميّة، فاقد ضم الكتاب تحت طياته كلمات شاعت في كتب التفسير واللغة والفقه والحديث. فهو بحق معلمة لا يستغني عنها الأدباء والفقهاء.
بالإضافة إلى هذا فإن الكتاب يعتبر رافداً مهماً في تاريخ المصطلحات الإسلامية وتطورها. وهذا ما أشار إليه في مقدمته ﵀. (٢)
٢ - ظهر بعد ذلك مؤلف مهم في هذا الباب "مفاتيح العلوم" (٣) للكاتب أبي عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف الخوارزمي المتوفي (٣٨٧ هـ).
стр. 107
قال مؤلفه في مقدمته " ... دعتني نفسي إلى تصنيف كتاب ... يكون جامعاً لمفاتيح العلوم وأوائل الصناعات متضمناً ما بين كل طبقه من العلماء من المواضعات والاصطلاحات التي خلت أو من جلها الكتب الحاصرة لعلم اللغة ... " (١)
وقد ضمَّن الخوارزمي كتابه مقالتين، الأولى في علوم الشريعة والعربية وتحتوي على ستة أبواب كل باب أفرده بفن مستقل. والمقالة الثانية في علوم الحكمة المنقولة عن الأمم الأخرى.
٣ - ويلي ذلك كتاب "التعريفات" (٢) لأبي الحسن على بن محمد علي الحسيني الجرجاني الحنفي المشهور بالشريف الجرجاني المتوفى (٨١٦ هـ).
عمد فيه مؤلفه ﵀ إلى شرح المصطلحات المتنوعة في علوم الشريعة وغيرها، كما تعرض أحياناً للتعريف بالفرق والجماعات والمذاهب.
وقد أجاد الجرجاني في ترتيب معلوماته على حروف الهجاء، وهذا ما جعل الكتاب يفوق من سبقه من الناحية المنهجية والعلمية، وقد أشار إلى السبب في ذلك فقال: " ... فهذه تعريفات جمعتها ... ورتبتها على حروف الهجاء من الألف والباء إلى الياء تسهيلاً لتناولها للطالبين ... " (٣)
والكتاب يمتاز بالدقة والتحديد عن سابقيه وإن كان أقل شمولاً لفروع العلوم المختلفة واهتمامه بالمصطلحات الفقهية آكد ولكن بنزعة الحنفية.
٤ - كما يوجد كتاب لا يعرف مؤلفه محفوظ ضمن المخطوطات بمكتبة جامعة طهران بإيران تحت عنوان، تحفة الخل الودود في معرفة الضوابط
стр. 108
والحدود" كتبت نسخته عام ٨٨٣ هـ أشار إليها حسين علي محفوظ في مقال له عن "نفائس المخطوطات العربية في إيران " بمجلة معهد المخطوطات بالجامعة العربية - المجلد الثالث - سنة ١٩٥٧ م، ص ٨ " ... وفيه اصطلاحات نحوية وصرفية، ومن المعاني والبيان والحديث والمنطق وأصول الفقه والجدل وغير ذلك". (١)
٥ - كتاب "الكليات" (٢) لأبى البقاء الكفوي المتوفى (١٠٩٤ هـ).
رتبه مؤلفه على حروف الهجاء، وجعل لكل حرف فصلاً مع مزيد تفصيل في حرف "الألف"، وختمه بفصل في المتفرقات يتبعه فصل بعنوان "طوبي لمن صدق رسول الله ﷺ ".
وقد أشار أبو البقاء إلى مادته بقوله " ... جمعت فيه ما في تصانيف الأسلاف من القواعد، وتسارعت لضبط ما فيها من الفوائد منقولة بأقصر عبارة وأتمها ... وترجمت هذا المجموع المنقول في المسموع والمعقول، ورتبتها على ترتيب كتب اللغات، وسميتها بالكليات ... " (٣).
والكتاب يعرج في مادته على كثير من المصطلحات في اللغة والفقه والأصول وعلم الكلام والفلسفة، فهو كثيراً ما يعرف المصطلح العلمي بهذه الجوانب المذكورة. فالكتاب ذو فوائد متنوعة يحتوى على معلومات نافعة لجميع المتخصصين في العلوم العربية والشرعية.
٦ - ثم تلى هذه المجموعة كتاب "كشاف اصطلاحات الفنون". (٤)
стр. 109
للعلامة محمد بن علي الفاروقي التهانوي المتوفى في القرن الثاني عشر الهجري. والكتاب أول مؤلف أنتج على شكل مرتب ومنظم ثم شاملاً ومستوعباً لجملة عظيمة من مصطلحات الفنون مع الاستيعاب والدقة.
وفي سبب تأليفه قال التهانوي: "إن أكثر ما يحتاج به في تحصيل العلوم المدونة والفنون المروجة إلى الأساتذة هو اشتباه الاصطلاح، فإن لكل علم اصطلاحاً خاصاً به ...
ولم أجد كتاباً حاوياً لاصطلاحات جميع العلوم المتداولة بين الناس. وقد كان يختلج في صدري أوان التحصيل أن أؤلف كتاباً وافياً لاصطلاحات جمع العلوم كافياً للمتعلم من الرجوع إِلى الأساتذة العالمين بها ... " (١).
والكتاب يحتل مكانة مرموقة في وسط مؤلفات تخصصية لكونه من أكثرها شمولاً ...
فهو بحق معلمة في هذا الميدان، بدون منازع، انتفع به الباحثون على مستويات مختلفة، وتخصصات متباعدة لما حواه من تقريب للعلوم وتسهيل أثناء البحث فيها. وفي بيان أهميته يقول د/ لطفي عبد البديع " ... استقصى فيه التهانوي بحث المواضعات العلمية متدرجاً من الدلالات اللغوية إِلى غيرها من الدلالات في شتى العلوم من نقلية وعقلية، وتوسع في إيراد المسائل التي اقتضاها البحث معتمداً على الكتب المعتبرة في العلوم المختلفة، وعلى آراء الثقات من العلماء ... بحيث أضحى الكتاب معلمة للثقافة في الإسلام". (٢) رتب التهانوي كتابه على طريقة خاصة، فقد قسمه على حسب
стр. 110
الفنون، ثم جعل لكل فن أبواباً وفصولاً، والمراد بالباب أول الحروف الأصلية وبالفصل آخرها، على عكس ما اختاره صاحب الصحاح.
٧ - ومن هذا الصنف كتاب "جامع العلوم في اصطلاحات الفنون" الملقب بـ"دستور العلماء" (١) لمؤلفه العلامة الهندي القاضي عبد رب النبي بن عبد رب الرسول الأحمد نكري. وقد أضاف الكتاب تحت طياته - زيادة على التعريفات الاصطلاحية - بعض القواعد والمسائل الهامة في مختلف العلوم وفي بيان ذلك يقول مؤلفه " ... دستور العلماء جامع العلوم العقلية حاوي الفروع والأصول النقلية ... في تحقيقات اصطلاحات العلوم المتناولة، وتدقيقات لغات الكتب المتداولة وتوضيحات مقدمات مستيسرة مشكلة على المعلمين، وتلويحات مسائل مبهمة متعسرة على المتعلمين ... " (٢). فهو من حيث الاستيعاب يشبه كشاف التهانوي إذ يضم مصطلحات فقهية وأصولية وكلاميه وغيرها بالإضافة إلى مصطلحات العلوم اللغوية وعلوم القرآن الكريم، ومصطلحات فارسية، وشروح باللغة الفارسية رتبه مؤلفه على حروف الهجاء.
ثانياً: المؤلفات الخاصة:
وهي التي عنيت بالبحث في المصطلحات التي تختص بعلم واحد، أو طائفة من العلوم المتقاربة جداً. وهي كثيرة جداً نخص الحديث عن المهم منها.
أ - مؤلفات مصطلحات الفقه وأصوله.
هذا النوع من المؤلفات هو المعني في دراستنا هذه، ذلك أن كتابنا الذي
стр. 111
نقدم له من هذا الصنف، فهو يبحث في المصطلحات الفقهية داخل المذهب الحنبلي.
وللفقهاء على مختلف المذاهب اليد الطولى والباع الشاسع في دراسة المصطلحات الفقهية لما لها من صلة وثيقة بالأحكام الشرعية قضاء وإفتاء وتعليماً، ولكثرة هذه المصنفات وتنوعها درجنا في عملنا على اختيار الأهم منها في كل مذهب.
١ - في المذهب الحنفي، ألف العلامة الحنفي أبو المحامد بدر الدين محمود. بن زيد اللامشي - الذي كان في القرن الرابع الهجري - كتابه المشهور "بيان كشف الألفاظ" (١) في المصطلحات المتداولة بين الأصوليين والفقهاء. وقد أجاد المؤلف في الكشف عن بعض المصطلحات وشرحها بما يكفي الفقيه لمعرفة الألفاظ المستعملة على ألسنة الفقهاء والأصوليين، وذلك حتى لا يظهر السهو والغلط، لأن أحكام الشرع مبنية على هذه الألفاظ. (٢)
والكتاب اشتمل على (١٢٨) مصطلحاً يغلب عليها الطابع الأصولي وما أظنها إلا مقدمة لكتابه المشهور في أصول الفقه والله أعلم. رتبه مؤلفه على حسب ورود موضوعات أصول الفقه وتصورها في ذهنه.
ثم صنف العلامة نجم الدين بن حفص النسفي الحنفي المتوفى سنة (٥٣٧ هـ) كتابه المشهور "طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية" (٣) ضمه مؤلفه الاصطلاحات والألفاظ الققهية المتداولة في كتب فقهاء الحنفية، وقد رتبه النسفي على أبواب الفقه وهو منهج سلكه بعض الفقهاء في كتبهم. وفي بيان سبب تأليفه قال في مقدمته: "سألني جماعة من أهل العلم شرح ما
стр. 112
يشكل على الأحداث الذين قل اختلافهم في اقتباس العلم والأدب ولم يمهروا في معرفة كلام العرب من الألفاظ العربية المذكورة في كتب أصحابنا ... فأجبتهم إلى ذلك اغتناماً لمسألتهم ورغبة في صالح أدعيتهم ... " (١).
وقد سلك النسفي في ترتيب كتابه طريقة الفقهاء أي على أبواب الفقه. وجاء بعد النسفي، العلامة أبو الفتح ناصر بن عبد السيد المطرزي المتوفى سنة (٦١٠ هـ) الذي صنف كتابه "المغرب في ترتيب المعرب" (٢) وهو معجم لغوي فقهي، عني فيه المطرزي بشرح غريب الألفاظ التي ترد في كتب الفقه الحنفي". (٣)
وقد اهتم المؤلف بالإضافة للمصطلاحات الفقهية - بشرح مزيد من الغرائب اللغوية والأعلام والبلدان، وهو على اختصاره يعد من أنفس الكتب وأقيم المدونات في هذا الموضوع رتبه مؤلفه على حروف الهجاء.
وفي النصف الثاني من القرن العاشر ظهر كتاب "أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء" (٤) للعلامة الفقيه الشيخ قاسم القونوي المتوفى سنة ٩٧٨ هـ، وقد سلك مؤلفه في عرض مادته وترتيبها طريقة الحنفية، فبعد فراغه من تسجيله لمصطلحات العبادات عقبها بمصطلحات المناكحات على خلاف الشافعية والمالكية، والحنابلة، وقد رتبه على الأبواب الفقهية، وهو في منهجه العلمي شبيه بالمؤلفات السالفة الذكر، فبعد عرضه للمعاني اللغوبة فيما يتعرض له من مصطلحات يسوق لها الشواهد من الآي القرآنية والأحاديث النبوية كما التزم في غالب ما يعرض له من مسائل فقهية
стр. 113
ذكر آراء الأئمة الأربعة. وكغيره من المؤلفات المتأخرة، فإن الشيخ القونوي اعتمد على كثير من النقولات التي استقاها من مجموعة من الكتب الفقهية واللغوية والحديثية، فالكتاب كما قال محققه: " ... مبني على دراسة وروية وحكم علميه ورفعة ذوق من الجهة الفنية التأليفية". (١)
٢ - في المذهب المالكي - صنف العلامة أبو عبد الله أصبغ بن الفرج المتوفى سنة (٢٢٥ هـ) كتابه "تفسير غريب الموطأ" أشار إلى ذلك ابن فرحون في "الديباج: ١/ ٣٠٠".
كما شرح غريب الموطأ العلّامة بن عمران بن سلامة الأخفش الذي عاش قبل ٢٥٠ هـ أشار إلى ذلك فؤاد سزكين في كتابه "تاريخ التراث العربي المجلد الأول، الجزء الثالث: ص ١٣٤".
ثم ألف الإمام الحافظ أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي الأندلسي المتوفى (٤٧٤ هـ) كتابه المشهور "الحدود في الأصول" (٢) وهو كتاب اختص بنقل الحدود والمصطلحات الأصولية ثم شرحها، وقد أجاد مؤلفه فيه، وإن كان مختصراً فقد كشف الغطاء عن كثير من الألفاظ ذات الدلالات الغامضة فهو كما قال محققه " ... قيم جليل القدر كثير الفائدة لا يستغني عنه باحث في الأصول ولا مؤلف فيه، فضلاً عن طالب العلم ومبتغي الفائدة". (٣)
وذكر أبو العباس المقري ﵀ أن للقاضي أبي بكر بن العربي المتوفى سنة (٥٤٣ هـ) كتاباً اسمه "شرح غريب الرسالة" لابن أبي زيد القيرواني. (٤)
ثم جاء الجبي فشرح غريب المدونة في كتاب سماه "شرح غريب ألفاظ
стр. 114
المدونة" (١)، عمد فيه مؤلفه إلى شرح ما أشكل من ألفاظ المدونة واحتاج إلى تفسير وبيان ورتبه على أبوابها تسهيلاً في الرجوع إليها إذا اقتضى الأمر ذلك.
والكتاب مهم في بابه غني بالألفاظ والاصطلاحات التي جاءت في المدونة، وإن كان مختصراً فهو بحق مرجع مفيد ومورد هام لا يستغني عنه العالم والمتعلم.
ثم تلى هؤلاء الفقيه المالكي أبو عبد الله محمد بن منصور بن حمامة المغراوي الذي كان حياً في النصف الثاني من القرن السادس فألف كتاباً شرح به غريب الرسالة لابن أبى زيد القيرواني سماه "غرر المقالة في شرح غريب الرسالة" (٢).
تناول فيه مؤلفه شرح الألفاظ الغريبة والمصطلحات الواردة في كتاب "الرسالة" والكتاب نفيس وغني في مادته. أطلعنا على جهد مبذول للعلامة ابن حمامة في خدمة الفقه المالكي، رتبه مؤلفه على أبواب الرسالة.
ثم صنف العلّامة ابن عرفه المالكي المتوفى سنة (٨٠٣ هـ) كتابه المشهور "الحدود" (٣) الذي تناول فيه المصطلحات الفقهية بالشرح والبيان، فكشف الغطاء عن كثير من الألفاظ الواردة في كتب المالكية وشرحها وفق مذهبهم. وهو مرتَّب على الأبواب الفقهية.
٣ - في المذهب الشافعي.
يعتبر كتاب "الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي" (٤) لمؤلفه العلّامة اللغوي
стр. 115
أبي منصور الأزهري المتوفى (٣٧٠ هـ) أول لبنة في محاولة إنشاء علم مستقل يختص بلغة الفقه على مذهب الشافعي ﵀، فكان عمدة للفقهاء في تفسير ما يشكل عليهم من الفقهيات ضمنه مؤلفه شرح الألفاظ والمصطلحات الفقهية الواردة في الجامع الذي اختصره المزني كما عمد فيه إلى الكشف عن بعض الآداب والمعارف، وسجل فيه بعض المواعظ، والأراء الفقهية والخلافات بين المذاهب.
فهو بحق معلمة يحتاج إليها الفقيه واللغوي معاً، كما أنه مورد عذب زلال ينهل منه طلبة العلم من مختلف التخصصات. رتبه مؤلفه على الأبواب الفقهية.
وتلا الأزهري في هذا الميدان العلّامة اللغوي أحمد بن فارس الرازي المتوفى سنة (٣٩٥ هـ) الذي صنف كتابه "حلية الفقهاء" (١)، والذي شرح به غريب الألفاظ الواردة في مختصر المزني فهو بهذا يشبه ما قدمناه عن عمل الأزهري في "الزاهر".
وقد نهج ابن فارس منهجاً حسناً في الشرح صدره بمقدمة ذكر فيها بعض التعريفات والمباحث الأصولية التي يحتاج إليها الفقيه. وقد رتبه على أبواب الفقه.
ثم جاء العلّامة الشافعي محمد بن أحمد بن بطال الركبي المتوفى سنة (٦٣٣ هـ)، الذي صنف مؤلفاً هاماً ومفيداً في غريب مهذب الشيرازي سماه "النظم المستعذب في شرح غريب المهذب" (٢)، بين في مقدمته سبب تأليفه هذا
стр. 116
السفر، والحاجة التي دعته لشرح الغريب من كتاب المهذب. قال ما نصه: "فإِني لما رأيت ألفاظاً غريبة في كتاب المهذب يحتاج إلى بيانها، والتفتيش عليها في مظانها إِذْ كان اعتمادهم على قراءته، واعتدادهم بدراسته، ووقفت على مختصرات وضعها بعض الفضلاء فرأيت بعضهم طَوَّل وعلى أكثر جُمَلها ما عوَّل، وبعضهم توسط ... وبعضهم قصر وما بصر ... دعت الحاجة إلى تتبع هذه الألفاظ من كتب اللسان وغريب الحديث وتفسير القرآن، ونقلها إلى هذه الكراريس لأستذكر بها ما غاب عند التدريس، وأجلو بها صدأ الخاطر من عوارض التلبيس ... " (١).
ثم تلا هؤلاء العلَّامة المحدث الفقيه أبو زكريا محيي الدين بن شرف الدين النووي المتوفى سنة (٦٧٦ هـ) والذي صنف كتابين في هذا الفن كانا لهما الأثر الفعال في اكتمال نضج هذا العلم المسمى بالغريب أو "المصطلحات الفقهية".
أولها: كتابه المشهور "تهذيب الأسماء واللغات" (٢) الذى خصص القسم الثاني منه للحديث عن اللغات والغريب منها، وقد رتبه كما أشار على حروف المعجم، وذكر في آخر كل حرف اسم المواضع التي أولها من تلك الحروف. (٣) وللكتاب منهج فريد في استعراض المسائل اللغوية والفقهية اعتمد فيه مؤلفه على جملة من الكتب النفيسة في هذا المجال سردها في مقدمته ﵀. (٤)
أما المؤلف الثاني فهو "لغات التنبيه" (٥) المسمى خَطَأً بـ"تصحيح التنبيه"، الذي شرح فيه الشيخ محيي الدين ﵀ اللغات والألفاظ الغريبة الواردة
стр. 117
في كتاب "التنبيه" وقد التزم فيه طريقة الاختصار المعتدل مع الإيضاح والضبط المحكم المهذب. قال ﵀ في مقدمته: "وهذا الكتاب وإِن كان موضوعاً للتنبيه على ما في التنبيه، فهو شرح لمعظم ألفاظ كتب المذهب". (١)
وفي القرن الثامن الهجري ظهر كتاب نفيس جامع في ميدان الغريب ألّفه العلّامة أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي المتوفى سنة (٧٧٠ هـ) وهو "المصباح المنير في غريب الشرح الكبير" (٢) للإمام الرافعي ﵀ رتبه مؤلفه على حروف المعجم، وسلك فيه منهجاً خاصاً ذكر بعضاً منه في مقدمته (٣) ﵀. واعتمد في ابراز مادته اللغوية والاصطلاحية على جملة كبيرة مهمة من المصادر اللغوية والفقهية المعتبرة.
وقد اكتسب "المصباح المنير" خاصية المعاجم لما حواه من ثراء لغوي واصطلاحي دقيق قل أن تجده في مصنفات هذا الفن، فهو ذخيرة علمية جديرة بأن تقتنى لحياة ثقافية أفضل.
كما صنّف العلَّامة شيخ الإسلام زكريا الأنصاري المتوفى سنة (٩٢٦ هـ) كتاباً في حدود الألفاظ المتداولة في أصول الفقه والدين سماه "الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة" (٤)، ذكر فيه جملة من التعاريف والمصطلحات التي أوردها الأصوليون في كتبهم أوصلها إلى ما يربو على ١٦٢ مصطلحاً حددها ﵀ بالشرح والكشف والبيان لما رآه من توقف معرفة المحدود على معرفة الحد.
стр. 118
والكتاب وإن كان مختصراً في مادته العلمية، فهو غني بتعريفات نفيسة في ميدان الفقه والأصول والعقيدة.
٤ - في المذهب الحنبلي، صنف العلّامة اللغوي محمد بن أبي الفتح البعلي المتوفى سنة (٧٠٩ هـ) كتابه المشهور في لغات المقنع والمسمى بـ"المطلع على أبواب المقنع" (١) ذكر فيه مؤلفه ﵀ الألفاظ الغريبة والمصطلحات المبهمة الواردة في كتاب "المقنع" للشيخ الإمام موفق الدين بن قدامة ﵀ فأبانها بالشرح والضبط.
وقد أشاد ابن بدران بالُمصَنِّف وما صَنَّفَ فقال: "وقد انتدب لشرح لغات "المقنع " العلّامة اللغوي محمد بن أبي الفتح البعلي فألف في هذا النوع كتابه "المطلع على أبواب المقنع" فأجاد في مباحث اللغة، ونقل في كتابه فوائد منها دلَّت على رسوخ قدمه في اللغة والأدب ... ورتب كتابه على أبواب "المقنع " ثم ذيله بتراجم ما ذكر في "المقنع" من الأعلام، فجاء كتابه غاية في الجودة ... " (٢).
وقد أفاد البعلي في كتابه من أمهات المصادر المختلفة في اللغة والفقه والغريب.
وتلا البعلي، العلّامة الحنبلي، يوسف بن حسن بن عبد الهادي المتوفى (٩٠٩ هـ)، الذي أنتج مؤلفاً هاماً في لغات الخرقي والمسمى بـ"الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي " وهو الكتاب الذي قمت بتحقيقه وقدمت له بهذه التقدمة، والحديث عليه يأتي من مكانه. إن شاء الله.
ب - مصطلحات الحديث وعلومه:
لما كان علم الحديث يُمَثِّل ركناً شديداً في التشريع الإسلامي من حيث
стр. 119
استنباط الأحكام والتدليل عليها. سخّر الله رجالاً لخدمة هذا العلم من جميع جوانبه وكافة أطرافه. فظهرت علوم مختلفة في هذا المجال، منها علم "مصطلح الحديث"، الذي اكتسب دائرةً واسعةً، حيث اشتدت العناية به بحيث أصبحت هذه الكلمة إذا قيلت في ميدان علوم الشريعة بإطلاق انصرفت إليه على الفور.
وقد كثر التأليف وتنوّع في هذا العِلْم بَيْن نَثْرٍ وشِعْرٍ .. ومن أبرز ذلك:
كتاب "الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع" (١)، للعلّامة المالكي القاضي عياض بن موسى اليحصبي المتوفى (٥٤٤ هـ). وكتاب "مقدمة ابن الصلاح" (٢) في علوم الحديث، للعلامة الحافظ أبو عمرو بن الصلاح المتوفى (٦٤٢ هـ)، وكتاب "الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث" للحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير المتوفى (٧٧٤ هـ)، كما صنّف زين الدين العراقي المتوفى (٨٠٦ هـ) "ألفية في مصطلح الحديث". وللحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى (٨٥٢ هـ) كتاب "نخبة الفكر في مصطلحات أهل الأثر"، وغيرها من المؤلفات الكثيرة التي يضيق ذكرها في هذه السطور الموجزة.
جـ - مصطلحات علم الكلام والفلسفة:
هناك أعمال في هذا المجال قدمت على فترات زمانية مختلفة، وأبرزت تطوراً للمصطلح الكلامي والفلسفي خلال العصورالمختلفة وعلى رأسها ما سجله العلّامة الكندي المتوفى سنة (٢٥٢ هـ) في رسالته "حدود الأشياء ورسومها". (٣) والرسالة عبارة عن قاموس ضَمَّنَهُ المؤلِّفُ جملةً من المصطلحات
стр. 120
الفلسفية عند العرب وهي تمتاز بالدقة والاختصار وحسن العرض، كما أن تأثر الكندي ببعض المفاهيم الكلامية بدا واضحاً وهو يناقش بعض المصطلحات والألفاظ الواردة في رسالته.
وتلا الكندي، الفارابى الذي ألف جملة من الكتب في هذا المجال منها رسالة في "عيون المسائل" وهي عبارة عن تعريفات مشروحة لبعض المصطلحات الفلسفية، وكتابه "إحصاء العلوم "وكذلك كتاب "الألفاظ المستعملة في الَمنْطِق" وكتاب "الحروف" الذي يعد أبرز عمل للفارابى في دراسة المصطلحات الفنية عامة والفلسفية بخاصة. (١)
كما أن لأبى حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) كتاب مهم في هذا المجال وهو "الحدود" الذي ضمه لكتابه "معيار العلم". (٢) تعرّض فيه مؤلفه لبعض المصطلحات الفلسفية بالشرح والنقد.
وللعلّامة الأصولي سيف الدين الآمدي المتوفى (٦٣١ هـ) كتاب "المبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين" (٣) وهو نفيس، جمع فيه مؤلفه بين المصطلحات الكلامية والفلسفية اتخذ فيه الآمدي موقفاً وسطاً بين الإيجاز والإطناب، كما أنه لم يقصد الجمع بمعنى الإحاطة بكل المصطلحات المتداولة على الإطلاق، بل اقتصر على أشهرها وأكثرها استعمالاً. والكتاب يحتوي على أكثر من مائتي مصطلح ساقها الآمدي في أسلوب رصين يصعب فهمه إلا على المتمرسين به فقط. (٤)
стр. 121
د - مصطلحات الصوفية:
يعتبر كتاب "اللمع" (١) للطوسي المتوفى (٣٧٨ هـ) أقدم ما أنتج القوم في هذا الميدان. فقد عقد المؤلف قسماً خاصاً من كتابه سماه "كتاب البيان عن المشكلات" ضمه بابين الأول عدّد فيه المصطلحات وهي ١٥٧ مصطلحاً، والآخر تصدى فيه لشرحها. (٢)
كما خصّص الغزالي في كتابه "الإحياء" تحت باب: ما يدل من ألفاظ العلوم - فصلاً تحدث فيه عن المصطلحات الصوفية.
ولابن عربي الحاتمي المتوفى (٦٣٨ هـ) كتاب في "مصطلحات الصوفية" (٣)، شرح فيه الاصطلاحات الواردة في كتاب "الفتوحات". احتوى الكتاب على ما يربو من مائتي مصطلح صوفي لم تلق اهتماماً لدلالتها على مفهومات خاصة.
كما يعد كتاب "شرح اصطلاحات القوم" (٤) لعبد الرزاق القاشاني المتوفى (٧٣٠ هـ)، أشهر مصنف في ميدان اصطلاحات الصوفية. قدم فيه مؤلفه شرحاً علمياً لكثير من المصطلحات المستعملة في كتب الصوفية، وقد عقد القاشاني كتابه في (٢٧) باباً وهو في حوالى (١٦٨) صفحة.
ثالثاً: مؤلفات ممزوجة بالمصطلحات وإن كانت لم تؤلف لهذا الغرض ..
الذي ينبغي أن يتنبه إليه طلاب العلم كافة، والباحثون في مجال المصطلحات خاصة أن هناك كثيراً من المؤلفات في علوم العربية والشريعة
стр. 122
والموسوعات العلمية والبيبلوجرافية، وكتب تقسيم العلوم، لها أهمية بالغة في الكشف عن كثير من المصطلحات العلمية التي ربما لا نعثر عليها في الكتب المتخصصة والمتعلقة بهذا الفن فهذه النوعية من المؤلفات، وإن كانت لم تصنّف لهذا الغرض ولم تقتصر عليه فهي بحق حقل غني وسخي يعطيك الكثير مما تجهله، أو أنت بحاجة إليه في هذا الميدان.
ونحن في هذه الجولة السريعة نعطيك طرفاً مهماً من هذه المؤلفات التي يحسن التعريف بها مرتبة على حسب العلوم.
أ - في العلوم العربية:
يعتبر كتاب "الصاحبي" للعلَاّمة اللغوي أحمد بن فارس (ت ٣٩٥ هـ) أحد الكتب التي لم تصنف لغرض المصطلحات والتعريف بها، ولكن المؤلف ﵀ تطرّق للحديث عنها تحت عنوان "باب في الأسباب الإسلامية" وذلك من ص/٨٦ - ٨٧، فالكتاب جدير بأن يتخذ كمصدر في هذا العلم، وهو من أهم الكتب التي وقفت عليها في ميدان علم الاصطلاح وتاريخه وأسبابه. (١)
كما أشار السيوطي ﵀ (ت ٩١١ هـ) في كتابه "المزهر في علوم العربية" (٢) إلى جملة من المصطلحات الإسلامية نقلاً عن ابن فارس في كتابه "الصاحبي" وذلك في الجزء الأول من ص: ٢٩٤ - ٣٠٣.
كما تعتبر كتب "المعرب، والدخيل في اللغة من أهم روافد علم المصطلحات والألفاظ الغريبة فهي تعنى بالكلمات المنقولة إلى العربية وشرحها وبيان معانيها واستعمالاتها المختلفة في ظل الشريعة السمحاء، فهي حقاً تسعف الباحث بما لا يجده في غيرها.
стр. 123
ومن أبرزها كتاب "المعرب" (١) من الكلام الأعجمي، لأبي منصور الجواليقي (ت ٥٤٠ هـ) وكتاب "المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب" للجلال السيوطي، (٢) و"تفسير الألفاظ الدخيلة" (٣) لطوبيا العنسي الحلبي وغير هذا من الإنتاج الزاخر في ميدان المعرب.
كما لا يخفى ما لكتاب "الزاهر في معاني كلمات الناس" (٤) لأبي بكر بن الأنباري (ت ٣٢٨ هـ) من أهمية في إبراز معاني بعض المصطلحات المستعملة في الفقه الإسلامي، حيث كشف عن معانيها بالشرحِ والبيان ليسهل على الناس معرفتها ومن ثم كيف يتقرب بها إلى المولى . وهذا ما أشار إليه في مقدمته بقوله: "إن من أشرف العلم منزلة، وأرفعه درجة، وأعلاه رتبة، معرفة معاني الكَلام الذي يستعمله الناس في صلواتهم ودعائهم وتسبيحهم وتقربهم إلى الله ... ليكون المصلي إذا نظر فيه عالماً بمعنى الكلام الذي يتقرب به إلى خالقه، ويكون الداعي فهماً بالشيء يسأله ربه، ويكون المسبح عارفاً بما يعظم به سيده ... " (٥).
وعموماً فإن في كتب اللغة والاشتقاق - كالاشتقاق لابن دريد (ت ٣٢١ هـ) والاشتقاق والتعريب للشيخ عبد القادر المغربي، وفي مجلة "الأصالة" التي تصدرها وزارة الشؤون الدينية بالجزائر في عدديها ١٧ - ١٨ لعام ١٣٩٤ هـ - مباحث ذات أهمية بالغة في مجال فن المصطلحات العلمية لا يستغني عنها الباحث والمتخصص في هذا الميدان.
стр. 124
ب - في العلوم الشرعية:
يعد كتاب "المفردات في غريب القرآن" (١) لأبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢ هـ) أحد المدونات النفيسة التي عنيت بلغة القرآن وشرح معاني ألفاظه الغريبة. إلا أنه كما أشار في خطبته "ليس نافعاً في علوم القرآن فقط بل هو نافع في كل علم من علوم الشرع. فألفاظ القرآن هي لب كلام العرب وزبدته وواسطته وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم ... " (٢).
وهذا كما هو واضح بصريح العبارة، فإنه احتوى على كثير من المصطلحات الفنية في مختلف جوانب الثقافة الإسلامية، ولا يستغرب هذا فإن العديد من الألفاظ القرآنية أصبحت بحكم التطور والتوسع ذات مدلولات اصطلاحية مختلفة، استعملها أهل الشرع بعد ذلك في استخدام علم من العلوم.
من هذا المغزى العظيم فإن الراغب ﵀ كان لا يبخل أحياناً ببيان المعنى الذي تطورت إليه الكلمة فيسعفنا بمدلولات اصطلاحية في غاية الأهمية والأمثلة على ما نقول كثيرة انظرها في كتاب "المفردات".
وهذا ما أشار إليه علماء الغريب والمشكل بصفة عامة من أمثال ابن قتيبة، وابن فورك وابن الأثير وابن الجوزي وغيرهم.
وفي كتب ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ أمثال أعلام الموقعين: ١/ ٤٣، ٩٠، ١٠٧، و"مدارج السالكين: ١/ ١٣٩، ٢/ ٤٩، ٧٨، ٩٩، ١٥١، ١٧٣، ٣٠٦ " و"الصواعق المرسلة: ١/ ٢٨٤، ٢/ ٥١٠ , ٥١٥ " و"إغاثة اللهفان: ١/ ٣١ - ٣٢" مباحث نفيسة وممتعة تحدث فيها عن بعض المصطلحات العلمية التي وردت على لسان الشرع واستعملها العلماء في كتبهم.
стр. 125
ولعل في كتب أصول الفقه - كالأحكام لابن حزم الأندلسي (ت ٤٥٦ هـ) و"الأحكام" للسيف الآمدي (ت ٦٣١ هـ) و"شرح الكوكب المنير" لابن النجار الحنبلي (ت ٩٧٢ هـ) مادة اصطلاحية معتبرة وخصوصاً فيما تعرّض له هؤلاء العلماء في فواتح كتبهم للمبادئ اللغوية والتعريفات الاصطلاحية للأحكام التكليفية وغيرها.
كما لا يخفى ما في الكتب "البيلوجرافية" وكتب أسماء المؤلفات والعلوم من المصطلحات العلمية المختلفة الغرض. أمثال كتاب "مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم" (١) للعلامة أحمد بن مصطفى الشهير بطاش كبرى زاده (ت ٩٦٨ هـ)، وكتاب "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون" لمصطفى بن عبد الله المعروف بحاجي خليفة (ت ١٠٦٧ هـ).
وكذا كتب الكلام والفرق والطبقات منها كتاب "غاية المرام في علم الكلام" (٢) للآمدي، وكتاب "مقالات الإسلاميين" للأشعري، و"طبقات الشافعية" لابن السبكي.
ولا ننسى المصنفات الأدبية والفلسفية، ودوائر المعارف المختلفة، فإنها تناولت تحت طيات صفحاتها العديد من غريب الألفاظ والمصطلحات بالكشف والشرح، فهي حقاً بالغة النفع للباحث المتفحص.
هذا ما أحببت الإشارة إليه في غضون هذه الصفحات القليلة، والتي دلَّت في هذه العجالة المحفزة على أهمية فن المصطلحات العلمية، ومدى اهتمام علمائنا به قديماً وحديثاً. فإن الحاجة إليه ماسة، والدعوة إلى البحث فيه وإحياء معالمه مستمرة باستمرار العلوم وتطوّرها.
стр. 126
الفصل الأول
في
أ - في التحقق من صحة اسم الكتاب، ونسبته للمؤلف.
ب - خصائص الكتاب ومزاياه.
стр. 127
أ - التحقق من صحة اسم الكتاب ونسبته للمؤلف ﵀: -
إذا كان العلّامة يوسف بن عبد الهادي ﵀ لم يعرّج على ذكر تسمية الكتاب في مقدمته التي ذكرها كعادة كثير من العلماء. فإن غالب من ترجم لهذا العلم ذكر الكتاب تحت عنوان "الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي"، منهم الشيخ ابن بدران الحنبلي في كتابه الشهير بـ"المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ابن حنبل: ص ٢١٧". وابن الغزي العامري في كتابه "النعت الأكمل لأصحاب الإمام أحمد بن حنبل: ص ٦٩"، ومحمد رضا كحالة في "معجم المؤلفين: ١٣/ ٢٨٩". كما ذكر بهذا الاسم في صفحة العنوان من الكتاب نفسه. إلا أن الأستاذ أسعد طلس في مقدمة "ثمار المقاصد" أطلق على الكتاب اسم "شرح ألفاظ الخرقي" (١) ولعله استقاه من مقدمة المصنف عندما قال: "فهذا كتاب نذكر فيه شرح بعض ألفاظ الخرقي ... " (٢) وهذا كما هو واضح ليس فيه ذكر لعنوان. الكتاب، لكن غاية ما يدل عليه أنه أشار إلى مادة الكتاب وبحثه وموضوعه.
أما نسبة الكتاب للمؤلف ﵀.
فقد ورد ضمن قائمة مؤلفات ابن عبد الهادي لدى جماعة من المؤرخين والمترجمين منهم ابن بدران، وابن الغزي، وكحالة، كما أسلفت الذكر.
كما يثبت نسبة الكتاب للمصنف ﵀ ما سجله ابن بدران الحنبلي
стр. 128
في نقله عنه بقوله: "قال العلّامة يوسف بن عبد الهادي في كتابه الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي .. " (١). وفي موضع آخر قال: "وألف في لغات الخرقي وشرح مفرداتها يوسف بن حسن بن عبد الهادي كتاباً سماه الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي ... " (٢).
ومما يؤكد ذلك صحة هذه النسبة أنَّ الجمال ﵀ نقل في عدّة مواضع عن شيوخه أمثال تقي الدين بن قندس، وعز الدين المصري، وابن الحبال، وكان يقول عند كل نقل عنهما قال (شيخنا): (٣) وقد ثبت أن هؤلاء من شيوخه البارزين كما ذكر ذلك بنفسه. (٤)
كما لا يخفى أن فهارس المكتبات التي ذكر فيها الكتاب لم تختلف في نسبته إلى مؤلفه ابن عبد الهادي ﵀.
ب - خصائص الكتاب ومزاياه:
يعد كتاب "الدر النقي" معلمة لغوية وفقهية نفيسة، فهو بحق واحد من الكتب القليلة ذات الأهمية البالغة وسط زحمة المؤلفات في فن المصطلحات والغريب الفقهي.
فإن ابن عبد الهادي ﵀ جاء والطريق ممهد أمامه، فأدلى دلوه واغترف من معين معرفته. فإن الخبرة اللغوية، والكياسة الفقهية لدى أبى المحاسن باتت جليّة في الكتاب حيث أضفت عليه صبغة علمية خاصة، جعلته يختص وينفرد بمميزات قل أن تجدها في كتب من سبقه في هذا المجال.
ومن أبرز هذه الخصائص والمميزات:
стр. 129
١ - اهتمام المؤلف ﵀ بالناحية اللغوية للمصطلح، فهو كثيراً ما يطنب في بيان المعنى اللغوي للكلمة فيعرج على اشتقاقها وتصريفها، وكذا إعرابها إن اقتضى الأمر ذلك. وهذا ملموس بشكل واضح، والأمثلة عليه كثيرة.
٢ - كما حظي الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، والشعر والأمثال بالنصيب الأوفر، والاهتمام الأكبر في الكتاب، وهذا فيه زيادة تدليل على تمرس الشيخ الجمال ﵀ في العربية وشواهدها.
٣ - كما لا يخفى أن ابن عبد الهادي زيادة على ما أولاه للناحية اللغوية من اهتمام، فهو فقيه بارع جمع في كتابه العديد من المسائل الفقهية المختلف فيها مع بيان الراجح منها داخل المذهب الحنبلي، كل ذلك بإيجاز معتدل.
٤ - وللمصطلحات غير الفقهية مكانة بارزة في كتاب "الدر النقي" فإن ابن عبد الهادي ﵀ أضاف في كتابه زيادة على شرح الغريب الفقهي، جملة من الكلمات والمصطلحات الغريبة في المنطق والأصول واللغة مع بيانها بالشرح والإيضاح وهذه مزية حميدة للمؤلف وكتابه.
٥ - وقد اهتم ابن المبرد ﵀ بالرجال الذين أوردهم الخرقي فى مختصره فخص كل واحد منهم بترجمة بيانية، وذلك في فصل خاص في آخر الكتاب، وهذه مزية نادرة لم يسبقه إليها إلا البعلي في المطلع بالنسبة للأعلام الواردة في كتب الحنابلة والنووي في "تهذيب الأسماء واللغات" "فيما يخص أعلام الشافعية".
٦ - كما أن هناك كثيراً من الفوائد العلمية والنكت اللغوية التي زين بها أبو المحاسن كتابه "الدر النقي" فهي بحق قطوف يانعة لا يستغني عنها طالب العلم في حياته التعليمية، كما تعتبر من الاستطرادات المحمودة التي انفرد بها كتابنا هذا.
٧ - كما أن ابن عبد الهادي ﵀ لم يكتف بالنقل أثناء العرض في
стр. 130
توثيق معلوماته اللغوية والاصطلاحية، بل كثيراً ما يتعقب آراء من سبقه من العلماء، فيدلي دلوه في نقدها مغترفاً من معين معرفته، وحنكته وغرسه في مختلف الفنون والعلوم. فشخصيته ﵀ بدت واضحة جلية زادت الكتاب وما حواه من معلومات، قوة ومتانة علمية قلَّ أن تجدها في مثل هذا النوع من الكتب.
أولاً: الموازنة بين "الدر النقي" وبين الكتب العامة في مصطلحات الفنون مثل "التعريفات" للجرجاني، و"الكليات" لأبي البقاء الكفوي" و "كشاف اصطلاحات الفنون" للتهانوي و"دستور العلماء" للانكرلي.
ليس هناك ما يقال حول هذه الموازنة بعدما عرجنا سابقاً - بالدراسة والبيان - على الكتب العامة في مصطلحات الفنون، حيث توصلنا من خلال التعريف بها وبمادتها العلمية والمصطلحات التي شملتها بالشرح والإيضاح، إلى أنها مؤلفات عامة جمعت تحت طياتها شتاتاً من المصطلحات المستخدمة في كافة العلوم الإسلامية دون تمييز.
فمثلاً كتاب "التعريفات" للشريف الجرجاني (ت ٨١٦ هـ) تعرض في دراسته للعديد من المصطلحات والغريب في اللغة والبلاغة وعلم الكلام والفلسفة والفقه والأصول والمنطق والرياضيات، كما تعرض أحياناً للتعريف بالفرق والجماعات والمذاهب وغيرها. فهو بهذه الخاصية اكتسب صفة الموسوعية التي تضمنت في ثناياها الكثير من التعريفات المختلفة والمتنوعة.
وعلى هذا المنوال درج الكفوي (ت ١٠٩٤ هـ) في "كلياته" حيث قال في مقدمته: " ... جمعت فيه ما في تصانيف الأسلاف من القواعد، وتسارعت لضبط ما فيها من الفوائد ... منقولة بأقصر عبارة وأتمها ... " (١) وهذا فيه إشارة إلى مضمون الكتاب وما حواه تأمل ذلك.
كما لا يخفى علينا هذا الاستيعاب والشمول للمصطلحات العلمية في
стр. 131
كتاب "الكشاف" للتهانوي، فقد استقصى فيه مؤلفه بحث المواضعات العلمية متدرجاً من الدلالات اللغوية إلى غيرها من الدلالات في شتى العلوم من نقلية وعقلية .. (١).
وشبهاً بهذا الأخير كتاب "دستور العلماء" للانكرلي (ت هـ) الذي جمع فيه مؤلفه الفروع والأصول النقلية ... في تحقيقات اصطلاحات العلوم المتناولة، وتحديقات لغات الكتب المتداولة .. (٢).
هذه لقطات موجزة في بيان المسلك العلمي لهذه الكتب. فهي باختصار موسوعات علمية في مجال المصطلحات على مختلف التخصصات.
أما كتابنا "الدر النقي" فهو على خلاف هذا النمط بالجملة، حيث اختص: بجانب خاص من المباحث التي تناولتها هذه الموسوعات، إذ جمع أبوالمحاسن بين دفتيه عدداً كبيراً من الألفاظ الغريبة، التي ترد في كتب الفقه الحنبلي، والمصطلحات الفقهية النفيسة التي تناولتها كتب الفقه عامة، وأضْفَى عليها ﵀ شرحاً أزال به الغموض وأبان بواسطته المعنى، والكتاب كما قلنا سابقاً إن كان حنبلي المورد والمنهج، فهو معجم في لغة الفقهاء لا يستغني عنه الباحث في ميدان الغريب عامة. هذا هو الطابع الغالب للكتاب، والمنهج المهيمن على موضوعاته، ولا يفوتنا ما غشي الكتاب من مصطلحات غير فقهية بشكل ضيق في العقيدة والمنطق والأصول وهذا مما لا شك فيه لا يخرجه عن غرضه العام الذي أنجز من أجله (والله أعلم).
ثانياً: بين "الدر النقي والمطلع".
إن أوجه الشبه الكبيرة بين الدر النقي، والمطلع للبعلي (ت ٧٠٩ هـ) والمحاكاة الجلية بين مَادتَيْهِما، تجعل الباحث يرسل حكمه بكل اقتناع أنهما من بعض، أو على الأقل مواردهما متفقة في غالب بحوثهما.
стр. 132
وعلى ضوء هذه النظرة الأولية للكتابين ننطلق في بيان جوانب الاتفاق والاختلاف بشكل دقيق.
أ - أوجه الاتفاق:
١ - الوحدة الانتسابية للكتابين، فهما حنبليّا المذهب، كما أنهما اختصا بشرح لغات كتابين هما من أبرز وأنفس الكتب الفقهية عند الحنابلة فالمطلع في لغات "المقنع" والدر النقي في لغات "الخرقي".
٢ - ثم أن الألفاظ والمصطلحات المشروحة في كلا الكتابين تكاد تكون مشتركة فيهما في غالب الكتب والأبواب. وهذا مما يشجع على القول بأن ابن عبد الهادي كان على اتصال وثيق بما أنتجه البعلي، ولا يستبعد أن "المطلع" كان من محفوظاته ﵀. والأمثلة على ما ذكرنا كثيرة نجدها في مكانها.
٣ - اهتم كلا الكتابين بشرح الكلمة والمصطلح وبيان وجوه استعماله واشتقاقه وإعرابه إن اقتضى الأمر ذلك، مع استيعاب أقوال أئمة اللغة في وجوه استعماله وهذا فيه حجة على تمرس الفقيهين لغوياً وعربياً.
٤ - اتفق كل من البعلي وابن عبد الهادي في ترتيب كتابيهما، فمنهجهما واحد في استعراض مادتيهما فالمطلع مرتب على أبواب المقنع، والدر النقي مرتب على مختصر الخرقي، وكلاهما رتبا الأبواب على النسق الحنبلي الواحد.
٥ - اتحدت في غالب الأحيان موارد الكتابين ومصادرهما سواء في اللغة وذلك مثل "الصحاح " للجوهري، والمحكم "لابن سيدة" و"تهذيب اللغة" للأزهري وغيرها، وفي الفقه "كالمغني" و"المقنع" و"الكافي"، وفي الغريب "كالزاهر" للأزهري، و"مشارق الأنوار" للقاضي عياض، و "النهاية" لابن الأثير و"المطالع" لابن قرقول وغيرها.
٦ - في الكتابين ألْفَاظٌ ومصطلحاتٌ كثيرةٌ أعيد شرحها في أكثر من موضع وذلك بحكم تكرارها في مناسبات متعددة وباعتبارات مختلفة. والأمثلة على ذلك كثيرة.
стр. 133
٧ - اعتمد كل من الفقيهين الجليلين في ضبط الكلمات والألفاظ المعنية بالشرح بالحروف دون الحركات، وهذا فيه دليل على الاعْتنَاء والاهْتِمَام بالمصطلح كأداة فهم يجب ضبطها لغوياً لبيان معناها الموضوعة له.
٨ - لقد اعتنى كل من البعلي وابن عبد الهادي برجال أصولهما، فقد خصص صاحب "المطلع" فصلاً كاملاً في ذكر تراجم من ورد ذكره في كتاب "المقنع"، كما فعل ذلك صاحب "الدر النقي" مع رجال "مختصر الخرقي"، وهذه منقبة قل من اهتم بها في فن التأليف في هذا المجال.
ب - أوجه الاختلاف:
١ - اهتمام ابن عبد الهادي بالناحية الفقهية في كتابه، ويظهر هذا جلياً في تعريفاته الشرعية للمصطلح، فهو كثيراً ما يعدد الآراء ووجهات نظر فقهاء الحنابلة في تعريف المصطلح شرعياً مع تعقيبه لها بالنقد والتوجيه الحسن، كما أنه جمع جملة كبيرة من المسائل الفقهية التي تعددت فيها الروايات مع بيان الراجح منها، وكل هذا كان ضئيلاً أو مفقوداً عند البعلي في "المطلع".
٢ - كما كان لعامل الاستشهاد في الاستناد لتثبيت القضايا العلمية عند أبى، المحاسن أثر واضح وكبير في تفوق كتابه وبروزه عن غيره، فلا يَكاد يَذْكر مصطلحاً ولا بياناً لمعنى كلمة غريبة إلا أفاض على ذلك بشواهد من الآيات القرآنية أو الأحاديث الشريفة أو من الشعر الفصيح لدعم رأيه وتقوية حجته. وهذا ما لا نجده في المطلع إلا نادراً.
٣ - هناك كثيراً من النكت العلمية والفقهية واللغوية زين بها صاحب "الدر النقي" كتابه، فهو غالباً ما يستطرد في ذكر هذه المحسنات اللطيفة ترويحاً على القارئ واستكمالاً للفائدة العلمية المرجوة، فهو بهذا قد فاق صاحب "المطلع" الذي اكتفى بالكشف اللغوي للمصطلح.
ثالثاً: بين "الدر النقي"، وكل من "تهذيب الأسماء اللغات للنووي" و"الزاهر" للأزهري، و"النظم المستعذب" لابن بطال، و"لغات التنبيه" للنووي، و"المصباح المنير" للفيومي.
стр. 134
أ - بالنسبة لـ"تهذيب الأسماء واللغات" فهو كتاب على مذهب الشافعي، جمع فيه النووي (ت ٦٧٦ هـ) ﵀ الألفاظ الفقهية الغريبة والاصطلاحات الشرعية النفيسة الواردة في كل من "مختصر المزنى، والمهذب، والتنبيه، والوسيط، والوجيز، والروضة" ثم ضم إلى اللغات ما في هذه الكتب من أسماء الرجال والنساء والملائكة والجن وغيرهم. (١)
وقد رتب الشيخ محيي الدين ﵀ كتابه هذا على قسمين:
الأول: وجعله في الأسماء وقدم فيه ذكر الرجال على النساء.
أما الثاني: فقد خصصه لـ"اللغات" ورتبها على حروف المعجم.
كما اهتم ﵀ في آخر كل حرف بذكر اسم المواضع التي أولها من تلك الحروف. هذه هي طريقة النووي ﵀ على الجملة في جمع مادة الكتاب وعرضها، وهي لا شك تكاد تكون متميزة في حد ذاتها عن بقية المؤلفات الأخرى في مجال الغريب وعلى رأسها كتابنا "الدر النقي" فهو يختلف عنه في كثير من الجوانب، سواء من ناحية جمع المادة العلمية للكتاب أو في طريقة عرضها، فقد اصطفى ابن عبدِ الهادي ﵀ كتابه من أصل واحد وهو "مختصر الخرقي" كما نهج فيه سبيل الفقهاء في العرض، فقد رتبه على أبواب الفقه، إضافة إلى الترتيب والتقسيم الذي ارتضاه النووي في كتابه فإن ابن عبد الهادي كان بعيداً على هذا المسلك في مصنفه.
هذا ما يمكن اعتباره أوجه افتراق بين الكتابين، وهناك أوجه أخرى تجعل كلا الكتابين على خط الوفاق والمحاكاة منها:
١ - اهتمام كل من النووي وابن عبد الهادي بتراجم رجال ونساء أصولهما، وذلك بتخصيص ترجمة بيانية لكل واحد من هؤلاء الرجال والنساء في قسم خاص، صدر به الشيخ محيي الدين أول كتابه، كما ذيله أبو المحاسن بآخر مصنفه.
стр. 135
٢ - عمد كل من صاحبي "تهذيب الأسماء واللغات" و "الدر النقي" إلى ضبط المصطلحات الشرعية والألفاظ الفقهية - المعني بشرحها - بالحروف دون الحركات، وهذا فيه زيادة اعتناء من العالمين قلَّ أن تجد مثله في كتب الغريب الأخرى.
٣ - تكاد تكون موارد الكتابين ومصادرهما في اللغة والغريب والمعاجم متحدة في غالب الأحيان إن لم تكن في كله. (١)
٤ - كما زخر كلا الكتابين برصيد وافر من الشواهد القرآنية والحديثية، والشعر والأمثال، غير أن صاحب "الدر النقي" أتى بزيادة عن النووي في هذا المجال.
ب - بالنسبة لـ "الزاهر" لمؤلفه أبى منصور الأزهري (ت ٣٧٠ هـ) فإنه على منوال كتابنا "الدر النقي" في جوانب شتى منها:
١ - ترتيب الكتاب، فقد رتبه الأزهري على أبواب الفقه، وهو ما سلكه أبو المحاسن في كتابه، وإن كان هناك اختلاف في ترتيب الكتب والأبواب على حسب عادة المصنفين من أرباب المذاهب.
٢ - أكثر أبو منصور من الاستشهاد بالقرآن والحديث والشعر والأمثال، وزاد على ما حوى "الدر النقي" منها.
٣ - كما أورد صاحب "الزاهر" رأيه الفقهي في كثير من المسائل التي تعرض لها، وهو ما لمسناه في كتاب أبى المحاسن ابن عبد الهادي.
٤ - لم يكتف الأزهري بسرد غريب الألفاظ الفقهية واللغوية، وإنما تعدى ذلك إلى ذكر مجموعة من الطرق الأدبية، والنكت العلمية، وهو ديدن ابن عبد الهادي في كتابه كما أشرنا إلى ذلك سابقاً.
стр. 136
أما ما يمكن اعتباره اختلافاً وتبايناً بين الكتابين فهو قليل يمكن حصره في هذه العبارات. وهي:
١ - تعرض أبو منصور في كتابه "الزاهر" للخلاف الفقهي بين المذاهب، وهو ما خلا منه كتاب "الدر النقي" إلا ما ذكره في المقدمة وهو بعيد عن المجال الفقهي.
٢ - كما اقتصر الأزهري في كتابه على شرح وبيان الغريب الفقهي واللغوي فقط دون سواه. بخلاف الشيخ الجمال ﵀ فقد تعرض لمصطلحات مختلفة في ثنايا الفقهيات كالمنطق والأصول وغيرهما.
٣ - لم يول صاحب "الزاهر" الاهتمام برجال أصله "مختصر المزني" ولم يعرف بهم. بخلاف ابن عبد الهادي الذي خصص لرجال الخرقي فصلاً ذيل به كتابه.
ج - أما كتاب "النظم المستعذب في شرح غريب المهذب" لمصنفه العلّامة محمد بن بطال الركبي (ت ٦٣٣ هـ) فهو واحد من أهم وأنفع المدوّنات في مجال الغريب عند الفقهاء عامة، والشافعية على الخصوص. حيث جمع فيه مؤلفه ﵀ الألفاظ الفقهية الواردة في كتاب "المهذب" ثم أبانها بالشرح والإيضاح.
صب فيه المؤلف جل اهتمامه على المعنى اللغوي للمصطلح، فهو نادراً ما يتعرض للناحية الشرعية فيه، بخلاف مصنفنا في "الدر النقي" الذي جمع شتاتاً من الجمل والمسائل الفقهية مع ذكر الخلاف والترجيح من حين لآخر.
كما يعتبر "النظم المستعذب" كتاب تخصص في ميدان الغريب فقط. فقد اقتصر فيه مصنفه على ما في "المهذب" بالإيجاز والاختصار كما وعد بذلك في مقدمته، بخلاف ابن عبد الهادي الذي طرح في كتابه العديد من الفوائد والنكت العلمية والأدبية والفقهية فهو بحق مورد هام لا يستغني عنه طلاب علم على مختلف التخصصات.
стр. 137
هذه أوجه الافتراق بين الكتابين على الجملة.
وفي المقابل هناك أوجه اتفاق نوجزها فيما يلي:
١ - كلا الكتابين كان لهما اعتناء كبير وواضح بالناحية اللغوية للمصطلح، وذلك بذكر اشتقاقه وتصريفه، وإعرابه أن استدعى المقام ذلك، وكل ذلك بالاعتماد والاستناد على كتب اللغة المعتبرة.
٢ - ثم أن الاستشهاد بالآيات القرآنية والحديث والشعر حظي بالاهتمام الوافر في كلا الكتابين، وذلك لتدعيم الناحية اللغوية لمعاني المصطلح، وفي هذا منقبة حميدة تبرز جلال الشيخين وتمكنهما في هذا الميدان.
٣ - كما لا يخفى أن "النظم المستعذب" رتبه مؤلفه على أبواب الفقه، وهذا ما انتهجه ابن المبرد في كتابه.
د - كتاب "لغات التنبيه" للإمام شرف الدين النووي هو جزء من سلسلة النفائس في ميدان الغريب. صنفه الشيخ محيي الدين لضبط ألفاظ "التنبيه" وبيان غريبه.
ولكتاب "لغات التنبيه" أوجه شبه متعددة بمصنف ابن عبد الهادي "الدر النقي" منها:
١ - ترتيب الكتاب، فهو على الأبواب الفقهية الواردة في "التنبيه" وهو اختيار صاحب "الدر النقي" في منهجه.
٢ - الاهتمام البالغ من النووي في الكتاب بالجانب اللغوي للمصطلح.
حيث تعرض لجميع ما يتعلق بالألفاظ من بيان اللغات العربية والمعربة، والألفاظ المولدة والمقصور منها والممدود، وما يجوز في هذه الألفاظ من التذكير والتأنيث، واشتقاق الكلمة وبيان المشترك منها ومرادفاتها وتصريفها وغير ذلك وكل هذا بالرجوع والاقتباس من مصادر اللغة المعتبرة. وهذا ما سجلناه عن صاحب "الدر النقي" آنفاً.
стр. 138
٣ - اهتم كل من النووي وابن عبد الهادي بالتعريفات الفقهية والحدود الشرعية المهمة للمصطلحات، وهذا مما يضفي على الكتابين الناحية الشرعية والفقهية، ومن ثم بيان قدرة هذين العالمين في المجال الفقهي.
٤ - ضبط المصطلحات والألفاظ الفقهية المشروحة بالحروف دون العلامات دليل قاطع على الاهتمام الذي أولاه كل من الشيخ محيي الدين وأبي المحاسن للمصطلح العلمي الوارد في كتابيهما.
غير أن هناك أوجهاً فرقت بين الكتابين نحصرها فيما يلي:
١ - اتسم كتاب "لغات التنبيه" بالاختصار المعتدل، والتهذيب المحكم من غير تجاوز لما هو معنى بشرحه، بخلاف كتاب "الدر النقي" الذي امتاز بالنكت الفقهية والعلمية والاستطرادات المختلفة لبحوثه المتنوعة.
٢ - يلاحظ على كتاب "لغات التنبيه" خلوه من عامل الاستشهاد على الجملة رغم عناية النووي بالمعنى اللغوي للمصطلح، فإنه نادراً ما تعثر على شاهد من القرآن والسنة أو غيرهما. بخلاف صاحب "الدر النقي" الذي كان مكثراً في هذه الشواهد.
٣ - الاهتمام الذي خصه أبو المحاسن في كتابه، لرجال أصله "مختصر الخرقي" والذي تمثل في الترجمة البيانية لكل من ورد اسمه في المختصر. هذا الاهتمام لم نلحظه في "لغات التنبيه" مع أن النووي له السبق في هذا، وذلك في كتابه السالف الذكر "تهذيب الأسماء واللغات".
هـ - كتاب "المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي" تأليف العلّامة أحمد بن محمد المقري الفيومي (ت ٧٧٠ هـ).
واحد من المعاجم اللغوية الفقهية المعتبرة، ومرجع هام في ميدان اللغة والغريب لا يستغني عنه الباحث في معظم مجالات الدراسة. ومقارنته بكتاب "الدر النقي" من عدة جوانب. فهو يختلف عنه من حيث الترتيب والتنظيم، فقد جعل الفيومي الترتيب الهجائي للكلمة كجزء من منهجه في كتابه، حيث
стр. 139
أسَبغ عليه صبغة المعاجم التي اكتسبها بعد ذلك، بخلاف ابن عبد الهادي الذي سلك في كتابه طريقة الفقهاء في أبواب الفقه.
ثم أن كتاب "المصباح المنير" معجم لغوي اهتم مؤلفه فيه بالجانب اللغوي فقط، وذلك بذكر اشتقاق الكلمة وتصاريفها، وإعرابها، ونادراً ما يتعرض للمعنى الشرعي والفقهي للمصطلح فهو بعكس "الدر النقي" الذي أظهره مؤلفه بثوب اللغة والفقه في آن واحد.
لم يهتم الفيومي في كتابه بسرد الشواهد المختلفة لتثبيت معاني المصطلح اللغوية بخلاف صاحب "الدر النقي" الذي أسهب في هذا المجال وأولاه العناية الكبيرة. حيث احتوى كتابه على المئات من الشواهد القرآنية والحديثية والشعرية وغيرها.
رابعاً: بين الدر النقي وتنبيه الطالب عند المالكية:
كتاب "تنبيه الطالب لفهم ابن الحاجب" (١) لمؤلفه محمد بن عبد السلام ابن إسحاق الأموي المالكي الذي كان حياً قبل منتصف القرن التاسع (انظر الضوء اللامع: ٨/ ٥٦، توشيح الديباج للبدر القرافي: ص ٢١٠).
اهتم فيه المصنف ﵀ بشرح الغريب من الألفاظ الواردة في "مختصر ابن الجاجب الفقهي". وللكتاب خصائص ومميزات جعلته يختلف عما لمسناه في كتاب "الدر النقي" لابن عبد الهادي. منها: -
١ - ترتيب الكتاب، فقد سلك فيه ابن عبد السلام ﵀ منهج اللغويين في معاجمهم وعلى رأسهم الجوهري في "الصحاح" حيث اعتبر آخر حرف في الكلمة بدلاً من الأول. وجعله الباب للحرف الأخير، والفصل للأول، مثل كلمة "شزف"، يبحث عنها في باب "الفاء" فصل "الشين"
стр. 140
وهكذا، فهو بحق أول كتاب في الغريب الفقهي انفرد بهذه الخاصية، ولم أر له في ذلك سمياً.
٢ - نتيجة لما سبق، كان الاهتمام اللغوي للمصطلح عند صاحب "تنبيه الطالب" آكد وأبرز من الفقهيات التي اعتنى بها أبو المحاسن في كتابه.
٣ - الذي يجدر الانتباه إليه أن الأموي ﵀ رغم اقتفائه طريقة الجوهري في ترتيب مادة كتابه، إلا أنه كان بعيداً عنه عندما جرد مؤلفه من الشواهد المختلفة التي كان يمكن أن يدعم بها آراءه واستفساراته اللغوية التي أودعها كتابه. وهذا ما أسرع إليه ابن عبد الهادي في "الدر النقي" الذي اكتنف العديد من الشواهد المتنوعة.
٤ - اهتم صاحب "تنبيه الطالب" بضبط المصطلح الفقهي بالحروف دون الحركات، وهو دليل على اهتمام المصنف ﵀ بالمصطلحات وشرحها وبيان معانيها، وهذا ما فعله ابن المبرد في كتابه.
٥ - بعد الذي ذكر يمكن تعداد كتاب "تنبيه الطالب" ضمن المعاجم اللغوية العامة وذلك للخصائص والمميزات التي انفرد بها، وشابه فيها كثيراً من كتب اللغة المتخصصة بخلاف كتاب "الدر النقي" الذي جمع بين اللغة والفقه، بل وزاد على ذلك بما أضافه ابن عبد الهادي من النكت الفقهية والعلمية المتنوعة، فهو معلمة في شتى العلوم والفنون ينهل منه اللغوي والفقيه وغيرهما من رواد العلم والمعرفة.
خامساً: بين الدر النقي وطلبة الطلبة عند الحنفية:
كتاب "طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية" لمؤلفه الشيخ نجم الدين ابن حفص النسفي (ت ٥٣٧ هـ) جمع فيه مصنفه ﵀ غريب الألفاظ والمصطلحات الواردة في كتب الحنفية، ثم أوسعها شرحاً وبياناً شافياً أزال به الغموض والإشكال الوارد عليها.
وللكتاب منهج واضح سلكه النسفي، وارتضاه في عرض مادته العلمية
стр. 141
- يتفق فى بعض بنوده ويختلف في أخرى مع كتاب "الدر النقي" لمؤلفه ابن عبد الهادي ﵀ منها:
١ - الوحدة الموضوعية في ترتيب الكتابين، فهما على منوال كتب الفقه في استعراض المادة العلمية.
٢ - كما أن كلا الكتابين كان لهما الاهتمام البالغ بالناحية اللغوية للمصطلح وذلك بذكر اشتقاقه ومعانيه، وضبطه وتصريفه، وهذا جانب مهم حفلت به كتب الغريب عامة.
٣ - زخر كل من الكتابين بجملة كبيرة من الشواهد المختلفة، وذلك لتثبيت المعاني الواردة على المصطلح، وهذا فيه دلالة قوية على التمرس اللغوي للمصنف وتمكنه من العربية.
٤ - اهتم النسفي ﵀ بالناحية الشرعية للمصطلح، فهو كثيراً ما يلجأ للتعريفات الشرعية للألفاظ الفقهية، شأنه في ذلك شأن ابن عبد الهادي في كتابه، وإن كان هذا الأخير قد انفرد بتوسعه وتشعبه.
هذا ما يمكن اعتباره نقاط ائتلاف بين الكتابين.
أما بنود الاختلاف فهي قليلة نوجزها فيما يلي:
١ - الاهتمام بالاختلاف الفقهي واستعراض الروايات والآراء، الذي لمسناه في كتاب "الدر النقي" لم نعثر له على أثر في مضمون كتاب "طلبة الطلبة".
٢ - كما أن الاستطرادات التي زيَّن بها أبو المحاسن كتابه والمتمثلة في النكت الفقهية المختلفة لم يكن لها نصيب في مؤلف النسفي ﵀، فإن جلّ اهتمامه كان منصباً على الجانب اللغوي للمصطلح لا غير.
٣ - اختص "الدر النقي" بذكر المصطلحات والغريب الفقهي الذي أورده الخرقي في "مختصره بخلاف النسفي في كتابه الذي جمع هذه
стр. 142
المصطلحات من مدونات فقهاء الحنفية المعتبرة والمشهورة.
٤ - كما أن المشرح الفقهي للمصطلحات الفقهية جاء عند النسفي وفق مذهب الحنفية أما بالنسبة لابن عبد الهادي في الدر النقي فقد جاء وفق المذهب الحنبلي.
سادساً: بين الدر النقي والمغرب:
كتاب "المغرب فى ترتيب المعرب" لمؤلفه العلّامة اللغوي أبى الفتح ناصر الدين المطرزي الحنفي، معجم مهم في لغة الفقهاء، اعتنى فيه مصنفه بجمع وشرح غريب الألفاظ الواردة في كتب الحنفية.
سلك فيه المطرزي منهجاً اجتمع في بعضه مع "الدر النقي" كما افترق معه في البعض الآخر.
أ - بالنسبة لما اجتمع معه فيه:
١ - اعتناء أبى الفتح في كتابه بالجانب اللغوي للمصطلح وذلك بذكر اشتقاقه وإعرابه مع بيان مصدره وتصريفه. وقد اتضح من هذا فضل المطرزي وسعة باعه في اللغة وقوة تحقيقه. وكل هذا قد أثبتناه عند صاحب "الدر النقي".
٢ - اهتم صاحب "المغرب" بالإضافة للناحية اللغوية - بشرح مزيد من غرائب اللغة وأعلام البلدان والرجال، كما عرج على ذكر بعض النكت الفقهية واللغوية، وهذا ما تبناه أبو المحاسن في منهجه العام للكتاب.
٣ - احتج المطرزي في إثبات تحقيقاته اللغوية بالكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأمثال وأقوال أئمة العربية. وهذا مسلك ابن عبد الهادي في كتابه "الدر النقي" كما أوضحناه سابقاً.
ب - أما ما افترق فيه الكتابان:
١ - من حيث الترتيب والعرض، فالمطرزي رتب كتابه ونسقه وفق
стр. 143
الطريقة الهجائية أي على حسب أوائل الكلمات كما فعل الفيومي في "المصباح" والنووي في "تهذيب الأسماء واللغات"، وهذا المنهج أهل "المغرب" لأن يكون معجماً لغوياً كبقية المعاجم الأخرى.
بخلاف ابن المبرد الذي ارتضى الترتيب الفقهي في عرض مادة كتابه.
٢ - أسس المطرزي كتابه على جمع ألفاظ الفقهاء الحنفية في كتبهم الشهيرة المعتمدة، بخلاف صاحب "الدر النقي" الذي اختص بجمع غريب الألفاظ الواردة في كتاب واحد وهو "مختصر الخرقي".
٣ - امتاز كتاب "الدر النقي" بجمع شتات لا بأس به من الفقهيات والأراء المختلفة في المسائل المطروحة، بخلاف "المغرب" الذي وجه مؤلفه اهتمامه فيه إلى الجانب اللغوي فقط.
٤ - إذا كان المطرزي ذيل لمعجمه وذلك بسرد كثير من الضوابط اللغوية ومسائل النحو والصرف، وحروف المعاني وما إلى ذلك مما يحتاج إليه اللغوي والفقيه وذلك كالفيومي في "المصباح" والفيروز آبادي في "القاموس". فإن ابن عبد الهادي ﵀ خصص الذيل في كتابه لذكر تراجم الأعلام الذين وردوا في سياق مختصر الخرقي.
جـ - منهج ابن عبد الهادي في "الدر النقي" وبيان موارده فيه:
لقد ارتضى العلّامة أبو المحاسن مسلك الفقهاء في تأليفه كتابه، فقد رتبه على أبواب الفقه، فكان بذلك كالنسفي ق كتاب "طلبة الطلبة" والمغراوي في "غرر المقالة" والأزهري في "الزاهر"، والبعلي في "المطلع".
وفي ترتيب الموضوعات وعرضها، فقد تابع ﵀ الحنابلة بخاصة، وذلك بحكم انتسابه لهم مذهبياً.
فبعد فراغه من ذكر مصطلحات العبادات وغربيها، شرع في بيان
стр. 144
المتعلق منها بالمعاملات، وذلك على خلاف الحنفية فإنهم يذكرون المناكحات عقب العبادات.
أما المالكية فعندهم الجهاد بعد العبادات.
كما أنه ﵀ عكف على إدماج بعض الأبواب في بعض.
ولست أدري أكان منهجاً ارتضاه لنفسه وذلك بحكم تداخل هذه الأبواب في موضوعاتها، أم كان في ذلك تبعًا للنسخة التي اعتمد عليها وهو ما أرجحه والله أعلم، كما خصص ابن عبد الهادي ﵀ فصلاً كاملًا ذيل به كتابه وأملاه بذكر تراجم بيانية للأعلام الذين أوردهم الخرقي عرضًا في كتابه. وهذه منقبة جليلة تابع فيها صاحبي "المطلع" و "تهذيب الأسماء واللغات".
هذا ما يمكن عده من منهجه في العرض والترتيب والشكل.
وأمَّا دقائق منهجه العلمي في كتابه فهي كما يلي:
١ - فقد دأب أبو المحاسن على إيراد المعاني اللغوية أولاً فيما يعرض له من "مصطلحات" وألفاظ غربية، ثم يسندها بالشواهد القرآنية والنبوية والعربية ويثني بعد ذلك بالمصطلح من حيث معناه شرعًا.
ويكثر من الأدلة فيما يثبته أو ينقله من مصطلحات وذلك بعرض آراء كبار اللغوين من المختصين، والاعتماد على مدونات معتبرة في ميدان اللغة والغريب، يأتي بيانها عند ذكر موارد الكتاب.
٢ - غالبًا ما يبدأ المصنف ﵀ بمصطلح الباب في الشرح، ثم يتناول بعده المصطلحات المهمة والألفاظ الغريبة في الباب.
٣ - بلغ اهتمام المصنف ﵀ بالجانب اللغوي للمصطلح إلى أنه يعرج على اشتقاقاته واستعمالاته اللغوية وإعرابه وتصريفه، وكل هذا فيه دليل على الإجادة والتمكن، والتمرس الذي اتسم به ابن المبرد في كتابه.
стр. 145
٤ - نستطيع أن نتلمس شخصية ابن عبد الهادي الفقهية، وذلك من خلال عرضه للمسائل الفقهية المتنوعة، وخصوصاً ما تعددت فيه الروايات والآراء فإنه كثيرًا ما يظهر بالقدرة التي تجعله يرجح ويختار، ولا ريب في ذلك فإنه فقيه متمكن ومؤلفاته دالة على ذلك.
٥ - لقد اعتمد ابن عبد الهادي في تأليف كتابه على النقل المستمر، وهذا ليس بدعاً فيه، شأنه في ذلك شأن غالب الأئمة المتأخرين.
٦ - ظهر تكرار كثير من المصطلحات فأعيد شرحها وبيانها مرات مختلفة والأمثلة على ذلك كثيرة تأملها في الكتاب، كما لجأ المصنف من حين لآخر إلى العزو والاكتفاء بما سبق.
٧ - لقد امتزج النقل عند ابن عبد الهادي بين الدقة والتثبت من حرفية الأخذ وبين التساهل في العزو، والتصرف بما يورده من نصوص، وما فتحناه من أقواس معكوفة لدليل على ذلك، وهو كثير تأمل ذلك في الكتاب.
٨ - دعم المؤلف ﵀ المصطلحات التي أوردها في كتابه بجملة من الشواهد القرآنية والحديثية والشعر المعتبر والأمثال وغير ذلك، كما أن معظم ما سرده من أحاديث هي من قبيل الصحيح وقلّما يستشهد بالضعيف منها، ولا شك أن هذا المسلك ليضفي على الكتاب الطابع العلمي الشرعي الرصين، كما يكسب مادته التي أوردها القوة والثقة.
٩ - إن كانت مادة البحث الرئيسية في الكتاب هي المصطلحات الفقهية، فإنه اشتمل كذلك على جملة من الفوائد والنكت والتنبيهات العلمية اللطيفة التي زين بها ابن عبد الهادي كتابه، وجعله يتألق بها بين مصنفات هذا الفن. فهو بحق "در نقي" في المصطلحات الفقهية المتداولة في كتب الفقه عامة.
١٠ - بدت شخصية أبن عبد الهادي العلمية بارزة وقوية، وذلك من خلال تعقيباته وتصويباته النفيسة لما يورده من آراء وأقوال لكبار الأئمة،