Полный текст (148 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ قَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا الْمُطَرِّزُ , أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْجُرْجَانِيُّ , أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ ⦗٣٩⦘ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ»
стр. 37
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ الْوَاسِطِيُّ , أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ , أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ , أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ , عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ , فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , حَتَّى يَرْجِعَ»
стр. 38
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ , أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ , أَخْبَرَنَا عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ عَلَّاقِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ , عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ , عَنْ أَبِيهِ , عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأَنْبِيَاءُ , ثُمَّ الْعُلَمَاءُ , ثُمَّ الشُّهَدَاءُ»
стр. 39
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصُّوفِيُّ , أَخْبَرَنَا شُجَاعُ بْنُ مَخْلَدٍ , أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ , أَخْبَرَنَا هِشَامٌ , عَنِ الْحَسَنِ , فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] قَالَ: " الْحَسَنَةُ فِي الدُّنْيَا: الْعِلْمُ , وَالْعِبَادَةُ , وَالْجَنَّةُ فِي الْآخِرَةِ " ⦗٤١⦘ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: «فَالْعُلَمَاءُ , فِي كُلِّ حَالٍ , لَهُمْ فَضْلٌ عَظِيمٌ فِي خُرُوجِهِمْ لِطَلَبِ الْعِلْمِ , وَفِي مُجَالَسَتِهِمْ لَهُمْ فِيهِ فَضْلٌ , وَفِي مُذَاكَرَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لَهُمْ فِيهِ فَضْلٌ , وَفِيمَنْ تَعَلَّمُوا مِنْهُ الْعِلْمَ لَهُمْ فِيهِ فَضْلٌ , وَفِيمَنْ عَلَّمُوهُ الْعِلْمَ لَهُمْ فِيهِ فَضْلٌ , فَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لِلْعُلَمَاءِ الْخَيْرَ مِنْ جِهَاتٍ كَثِيرَةٍ , نَفَعَنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُمْ بِالْعِلْمِ»
стр. 40
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ , أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ الدِّمَشْقِيُّ , أَخْبَرَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ , أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ , عَنِ الْقَاسِمِ , عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ , وَقَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ» , ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ: الْوُسْطَى , وَالَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ , وَقَالَ: «الْعَالِمُ وَالْمُتَعَلِّمُ شَرِيكَانِ فِي الْأَجْرِ , وَلَا خَيْرَ فِي سَائِرِ النَّاسِ ⦗٤٢⦘ بَعْدُ»
стр. 41
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْوَاسِطِيُّ , أَخْبَرَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ , أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , أَخْبَرَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ , عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ , عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: «الْعَالِمُ وَالْمُتَعَلِّمُ فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ , وَسَائِرُ النَّاسِ هَمَجٌ لَا خَيْرَ فِيهِمْ»
стр. 42
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ , أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ , أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ , عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ , عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أَرْبَعَةٌ تَجْرِي عَلَيْهِمْ أُجُورُهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ: الْمُرَابِطُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , وَمَنْ عَلَّمَ عِلْمًا أُجْرِيَ لَهُ , مَا عُمِلَ بِهِ , وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَجْرُهُ يَجْرِي مَا جَرَتْ , وَرَجُلٌ تَرَكَ أَوْلَادًا صِغَارًا فَهُمْ يَدْعُونَ لَهُ "
стр. 43
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ الْأُشْنَانِيُّ , أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْأَسْوَدِ الْعِجْلِيُّ , أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ , أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ , أَخْبَرَنَا شَمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ ⦗٤٤⦘: «مُعَلِّمُ الْخَيْرِ وَمُتَعَلِّمُهُ , يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ , حَتَّى الْحُوتُ فِي الْبَحْرِ»
стр. 44
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْوَاسِطِيُّ , أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ , أَخْبَرَنَا هِشَامٌ , أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ , عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِنَّ مُعَاذًا كَانَ أُمَّةً قَانِتًا , قِيلَ لَهُ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّا كُنَّا نُشَبِّهُ مُعَاذًا بِإِبْرَاهِيمَ قَالَ: قِيلَ لَهُ: " فَمَا الْقَانِتُ؟ قَالَ: الْمُطِيعُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ "
стр. 45
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ
стр. 46
بْنِ صَاعِدٍ , أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ , أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ , أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ ذَكْوَانَ , عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ ﷺ : «إِنَّ مِنَ الصَّدَقَةِ أَنْ تَتَعَلَّمَ الْعِلْمَ , ثُمَّ تُعَلِّمَهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ » قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: " قَدِ اخْتَصَرْتُ مِنْ فَضْلِ الْعُلَمَاءِ , وَمَا خَصَّهُمُ اللَّهُ بِهِ عَلَى سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ مَا فِيهِ بَلَاغٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ , فَأَلْزَمَ نَفْسَهُ الطَّلَبَ لِلْعِلْمِ , لِيَكُونَ مَعَهُمْ , وَذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ , فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَنْ عَلَّمَ الْعِلْمَ , وَحَفِظَهُ , وَنَاظَرَ فِيهِ , يَدْخُلُ فِي هَذَا الْفَضْلِ الَّذِي ذَكَرْتَ؟ قِيلَ لَهُ: أَرْجُو أَنْ لَا يُخْلِيَ اللَّهُ كُلَّ مُسْلِمٍ طَلَبَ الْخَيْرَ وَالْعِلْمَ مِنْ خَيْرِهِ الَّذِي وَعَدَ بِهِ الْعُلَمَاءَ , وَلَكِنْ قَدْ ذُكِرَتْ لَهُمْ أَوْصَافٌ وَأَخْلَاقٌ , فَنَحْنُ نَذْكُرُهَا , فَمَنْ تَدَبَّرَهَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ , فَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ شَكَرَ اللَّهَ عَلَى مَا خَصَّهُ بِهِ , وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَوْصَافُهُ مِنْهُمْ , وَكَانَ مِمَّنْ عِلْمُهُ حُجَّةً عَلَيْهِ , اسْتَغْفَرَ اللَّهَ , وَرَجَعَ إِلَى الْحَقِّ مِنْ قَرِيبٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ
стр. 47
بَابُ أَوْصَافِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ نَفَعَهُمُ اللَّهُ بِالْعِلْمِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: لِهَذَا الْعَالِمِ صِفَاتٌ وَأَحْوَالٌ شَتَّى , وَمَقَامَاتٌ لَابُدَّ لَهُ مِنِ اسْتِعْمَالِهَا , فَهُوَ مُسْتَعْمِلٌ فِي كُلِّ حَالٍ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ. فَلَهُ صِفَةٌ فِي طَلَبِهِ لِلْعِلْمِ: كَيْفَ يَطْلُبُهُ؟ وَلَهُ صِفَةٌ فِي كَثْرَةِ الْعِلْمِ إِذَا كَثُرَ عِنْدَهُ: مَا الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ فَيُلْزِمَهُ نَفْسَهُ. وَلَهُ صِفَةٌ إِذَا جَالَسَ الْعُلَمَاءَ: كَيْفَ يُجَالِسُهُمْ؟ . وَلَهُ صِفَةٌ إِذَا تَعَلَّمَ مِنَ الْعُلَمَاءِ: كَيْفَ يَتَعَلَّمُ؟ وَلَهُ صِفَةٌ: كَيْفَ يُعَلِّمُ غَيْرَهُ؟ . وَلَهُ صِفَةٌ إِذَا نَاظَرَ فِي الْعِلْمِ: كَيْفَ يُنَاظِرُ؟ . وَلَهُ صِفَةٌ إِذَا أَفْتَى النَّاسَ: كَيْفَ يُفْتِي؟ وَلَهُ صِفَةٌ: كَيْفَ يُجَالِسُ الْأُمَرَاءَ , إِذَا ابْتُلِيَ بِمُجَالَسَتِهِمْ؟ وَمَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُجَالِسَهُ , وَمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ؟ . وَلَهُ صِفَةٌ عِنْدَ مُعَاشَرَتِهِ لِسَائِرِ النَّاسِ مِمَّنْ لَا عِلْمَ مَعَهُ. وَلَهُ صِفَةٌ: كَيْفَ يَعْبُدُ اللَّهَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ؟ قَدْ أَعَدَّ لِكُلِّ حَقٍّ يَلْزَمُهُ مَا يُقَوِّيهِ عَلَى
стр. 48
الْقِيَامِ بِهِ , وَقَدْ أَعَدَّ لِكُلِّ نَازِلَةٍ مَا يَسْلَمُ بِهِ مِنْ شَرِّهَا فِي دِينِهِ , عَالِمٌ بِمَا يَجْتَلِبُ بِهِ الطَّاعَاتِ , عَالِمٌ بِمَا يَدْفَعُ بِهِ الْبَلِيَّاتِ , قَدِ اعْتَقَدَ الْأَخْلَاقَ السَّنِيَّةَ , وَاعْتَزَلَ الْأَخْلَاقَ الدَّنِيَّةَ
стр. 49
ذِكْرُ صِفَتِهِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ
فَمِنْ صِفَتِهِ لِإِرَادَتِهِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِ عِبَادَتَهُ , وَالْعِبَادَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا بِعِلْمٍ , وَعَلِمَ أَنَّ الْعِلْمَ فَرِيضَةٌ عَلَيْهِ , وَعَلِمَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَحْسُنُ بِهِ الْجَهْلُ , فَطَلَبَ الْعِلْمَ لِيَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ الْجَهْلَ , وَلِيَعْبُدَ اللَّهَ كَمَا أَمَرَهُ , لَيْسَ كَمَا تَهْوَى نَفْسُهُ. فَكَانَ هَذَا مُرَادَهُ فِي السَّعْيِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ , مُعْتَقِدًا لِلْإِخْلَاصِ فِي سَعْيِهِ , لَا يَرَى لِنَفْسِهِ الْفَضْلَ فِي سَعْيِهِ , بَلْ يَرَى لِلَّهِ الْفَضْلَ عَلَيْهِ , إِذْ وَفَّقَهُ لِطَلَبِ عِلْمِ مَا يَعْبُدُهُ بِهِ مِنْ أَدَاءِ فَرَائِضِهِ , وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ
стр. 50
ذِكْرُ صِفَتِهِ فِي مَشْيِهِ إِلَى الْعُلَمَاءِ
" يَمْشِي بِرِفْقٍ وَحِلْمٍ , وَوَقَارٍ , وَأَدَبٍ , مُكْتَسِبٌ فِي مَشْيِهِ كُلَّ خَيْرٍ , تَارَةً يُحِبُّ الْوَحْدَةَ , فَيَكُونُ لِلْقُرْآنِ تَالِيًا , وَتَارَةً بِالذِّكْرِ مَشْغُولًا , وَتَارَةً يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ , وَيَقْتَضِي مِنْهَا الشُّكْرَ , يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ سَمْعِهِ , وَبَصَرِهِ , وَلِسَانِهِ , وَنَفْسِهِ , وَشَيْطَانِهِ , فَإِنْ بُلِيَ بِمُصَاحَبَةِ النَّاسِ فِي طَرِيقِهِ , لَمْ يُصَاحِبْ إِلَّا مَنْ يَعُودُ عَلَيْهِ نَفْعُهُ , قَدْ أَقَامَ الْأَصْحَابَ مَقَامَ ثَلَاثَةٍ: إِمَّا رَجُلٌ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ خَيْرًا , إِنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ. أَوْ رَجُلٌ هُوَ مِثْلُهُ فِي الْعِلْمِ , فَيُذَاكِرُهُ الْعِلْمَ لِئَلَّا يَنْسَى مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْسَاهُ. أَوْ رَجُلٌ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ فَيُعَلِّمُهُ , يُرِيدُ اللَّهَ بِتَعْلِيمِهِ إِيَّاهُ. لَا يَمَلُّ مِنْ أَصْحَابِهِ لِكَثْرَةِ صُحْبَةٍ , بَلْ يُحِبُّ ذَلِكَ لِمَا يَعُودُ عَلَيْهِ مِنْ بَرَكَتِهِ , قَدْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِهَذِهِ الْخِصَالِ , خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِغَيْرِ الْحَقِّ , قَدْ أَجْمَعَ الْحَذَرَ مِنْ عَدُوِّهِ الشَّيْطَانِ , كَرَاهِيَةَ أَنْ يُزَيِّنَ لَهُ قَبِيحَ
стр. 51
مَا نُهِيَ عَنْهُ , يُكْثِرُ الِاسْتِعَاذَةَ بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ , وَيَسْأَلُهُ عِلْمًا نَافِعًا , هَمُّهُ فِي تِلَاوَةِ كَلَامِ اللَّهِ الْفَهْمُ عَنِ اللَّهِ فِيمَا أَمَرَ وَنَهَى , وَفِي حِفْظِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ الْفِقْهُ , لِئَلَّا يُضَيِّعَ مَا أُمِرَ بِهِ , وَلِأَنْ يَتَأَدَّبَ بِالْعِلْمِ , طَوِيلُ السُّكُوتِ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ , حَتَّى يَشْتَاقَ جَلِيسُهُ إِلَى حَدِيثِهِ , إِنِ ازْدَادَ عِلْمًا خَافَ مِنْ ثَبَاتِ الْحُجَّةِ , فَهُوَ مُشْفِقٌ فِي عِلْمِهِ , كُلَّمَا ازْدَادَ عِلْمًا ازْدَادَ إِشْفَاقًا , إِنْ فَاتَهُ سَمَاعُ عِلْمٍ قَدْ سَمِعَهُ غَيْرُهُ فَحَزِنَ عَلَى فَوْتِهِ , لَمْ يَكُنْ حُزْنُهُ بِغَفْلَةٍ حَتَّى يَوَاقِفَ نَفْسَهُ , وَيُحَاسِبَهَا عَلَى الْحُزْنِ , فَيَقُولُ: لِمَ حَزِنْتِ؟ احْذَرِي يَا نَفْسُ أَنْ يَكُونَ الْحُزْنُ عَلَيْكِ , لَا لَكِ , إِذْ سَمِعَهُ غَيْرُكِ , فَلَمْ تَسْمَعِيهِ أَنْتِ , فَكَانَ أَوْلَى بِكِ أَنْ تَحْزَنِي عَلَى عِلْمٍ قَدْ قَرَعَ السَّمْعَ , وَقَدْ ثَبَتَتْ عَلَيْكِ بِهِ الْحُجَّةُ فَلَمْ تَعْمَلِي بِهِ , فَكَانَ حُزْنُكِ عَلَى ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ حُزْنِكِ عَلَى عِلْمٍ لَمْ تَسْمَعِيهِ , وَلَعَلَّكِ لَوْ قُدِّرَ لَكِ سَمَاعُهُ كَانَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْكِ أَوْكَدَ , فَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنْ حُزْنِهِ , وَسَأَلَ مَوْلَاهُ الْكَرِيمَ أَنْ يَنْفَعَهُ بِمَا قَدْ سَمِعَ "
стр. 52
صِفَةُ مُجَالَسَتِهِ لِلْعُلَمَاءِ
" فَإِذَا أَحَبَّ مُجَالَسَةَ الْعُلَمَاءِ جَالَسَهُمْ بِأَدَبٍ , وَتَوَاضُعٍ فِي نَفْسِهِ , وَخَفَضَ صَوْتَهُ عَنْ صَوْتِهِمْ , وَسَأَلَهُمْ بِخُضُوعٍ , وَيَكُونُ أَكْثَرُ سُؤَالِهِ عَنْ عِلْمِ مَا تَعَبَّدَهُ اللَّهُ بِهِ , وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ فَقِيرٌ إِلَى عِلْمِ مَا يَسْأَلُ عَنْهُ , فَإِذَا اسْتَفَادَ مِنْهُمْ عِلْمًا أَعْلَمَهُمْ: أَنِّي قَدْ أُفِدْتُ خَيْرًا كَثِيرًا , ثُمَّ شَكَرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ. وَإِنْ غَضِبُوا عَلَيْهِ لَمْ يَغْضَبْ عَلَيْهِمْ , وَنَظَرَ إِلَى السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ غَضِبُوا عَلَيْهِ , فَرَجَعَ عَنْهُ , وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ , لَا يُضْجِرُهُمْ فِي السُّؤَالِ , رَفِيقٌ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ , لَا يُنَاظِرُهُمْ مُنَاظَرَةً يُرِيهِمْ: أَنِّي أَعْلَمُ مِنْكُمْ. وَإِنَّمَا هِمَّتُهُ الْبَحْثُ لِطَلَبِ الْفَائِدَةِ مِنْهُمْ , مَعَ حُسْنِ التَّلَطُّفِ لَهُمْ , لَا يُجَادِلُ الْعُلَمَاءَ , وَلَا يُمَارِي السُّفَهَاءَ , يُحْسِنُ التَّأَنِّي لِلْعُلَمَاءِ مَعَ تَوْقِيرِهِ لَهُمْ , حَتَّى يَتَعَلَّمَ مَا يَزْدَادُ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ فَهْمًا فِي دِينِهِ "
стр. 53
صِفَتُهُ إِذَا عُرِفَ بِالْعِلْمِ
" فَإِذَا نَشَرَ اللَّهُ لَهُ الذِّكْرَ عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ , وَاحْتَاجَ النَّاسُ إِلَى مَا عِنْدَهُ , أَلْزَمَ نَفْسَهُ التَّوَاضُعَ لِلْعَالِمِ وَغَيْرِ الْعَالِمِ , فَأَمَّا تَوَاضُعُهُ لِمَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي الْعِلْمِ , فَإِنَّهَا مَحَبَّةٌ تَنْبُتُ لَهُ فِي قُلُوبِهِمْ. وَأَمَّا تَوَاضُعُهُ لِلْعُلَمَاءِ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ , إِذْ أَرَاهُ الْعِلْمُ ذَلِكَ. وَأَمَّا تَوَاضُعُهُ لِمَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْعِلْمِ , فَشَرَفُ الْعِلْمِ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ أُولِي الْأَلْبَابِ , وَكَانَ مِنْ صِفَتِهِ فِي عِلْمِهِ وَصِدْقِهِ وَحُسْنِ إِرَادَتِهِ يُرِيدُ اللَّهَ بِعِلْمِهِ , فَمِنْ صِفَتِهِ أَنَّهُ لَا يَطْلُبُ بِعِلْمِهِ شَرَفَ مَنْزِلَةٍ عِنْدَ الْمُلُوكِ , وَلَا يَحْمِلُهُ إِلَيْهِمْ , صَائِنٌ لِلْعِلْمِ إِلَّا عَنْ أَهْلِهِ , وَلَا يَأْخُذُ عَلَى الْعِلْمِ ثَمَنًا , وَلَا يَسْتَقْضِي بِهِ الْحَوَائِجَ , وَلَا يُقَرِّبُ أَبْنَاءَ الدُّنْيَا , وَيُبَاعِدُ الْفُقَرَاءَ , وَيَتَجَافَى عَنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا , يَتَوَاضَعُ لِلْفُقَرَاءِ وَالصَّالِحِينَ لِيُفِيدَهُمُ الْعِلْمَ. وَإِنْ كَانَ لَهُ مَجْلِسٌ قَدْ عُرِفَ بِالْعِلْمِ , أَلْزَمُ نَفْسَهُ
стр. 54
حُسْنَ الْمُدَارَاةِ لِمَنْ جَالَسَهُ , وَالرِّفْقَ بِمَنْ سَاءَلَهُ , وَاسْتِعْمَالَ الْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ , وَيَتَجَافَى عَنِ الْأَخْلَاقِ الدَّنِيَّةِ. فَأَمَّا أَخْلَاقُهُ مَعَ مُجَالِسِيهِ: فَصَبُورٌ عَلَى مَنْ كَانَ ذِهْنُهُ بَطِيئًا عَنِ الْفَهْمِ حَتَّى يَفْهَمَ عَنْهُ , صَبُورٌ عَلَى جَفَاءِ مَنْ جَهِلَ عَلَيْهِ حَتَّى يَرُدَّهُ بِحِلْمٍ , يُؤَدِّبُ جُلَسَاءَهُ بِأَحْسَنِ مَا يَكُونُ مِنَ الْأَدَبِ , لَا يَدَعُهُمْ يَخُوضُونَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِمْ , وَيَأْمُرُهُمْ بِالِإنْصَاتِ مَعَ الِاسْتِمَاعِ إِلَى مَا يَنْطِقُ بِهِ مِنَ الْعِلْمِ. فَإِنْ تَخَطَّى أَحَدُهُمْ إِلَى خُلُقٍ لَا يَحْسُنُ بِأَهْلِ الْعِلْمِ , لَمْ يَجْبَهْهُ فِي وَجْهِهِ عَلَى جِهَةِ التَّبْكِيتِ لَهُ. وَلَكِنْ يَقُولُ: لَا يَحْسُنُ بِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ كَذَا وَكَذَا , وَيَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَتَجَافَوْا عَنْ كَذَا وَكَذَا , فَيَكُونُ الْفَاعِلُ لِخُلُقٍ لَا يَحْسُنُ , قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِهَذَا , فَيُبَادِرُ بِرِفْقِهِ بِهِ , إِنْ سَأَلَهُ مِنْهُمْ سَائِلٌ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ رَدَّهُ عَنْهُ , وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ عَمَّا يَعْنِيهِ , فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُمْ فُقَرَاءُ إِلَى عِلْمٍ قَدْ غَفِلُوا عَنْهُ أَبْدَاهُ إِلَيْهِمْ , وَأَعْلَمَهُمْ شِدَّةَ فَقْرِهِمْ إِلَيْهِ ,
стр. 55
لَا يُعَنِّفُ السَّائِلَ بِالتَّوْبِيخِ الْقَبِيحِ فَيُخْجِلَهُ , وَلَا يَزْجُرُهُ فَيَضَعُ مِنْ قَدْرِهِ , وَلَكِنْ يَبْسُطُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ لِيَجْبُرَهُ فِيهَا , قَدْ عَلِمَ بُغْيَتَهُ عَمَّا يَعْنِيهِ , وَيَحُثُّهُ عَلَى طَلَبِ عِلْمِ الْوَاجِبَاتِ مِنْ عِلْمِ أَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ. يُقْبِلُ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى عِلْمِ مَا يَسْأَلُ عَنْهُ , وَيَتْرُكُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُ الْجَدَلَ وَالْمِرَاءَ , يُقَرِّبُ عَلَيْهِمْ مَا يَخَافُونَ بُعْدَهُ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ. يَسْكُتُ عَنِ الْجَاهِلِ حِلْمًا , وَيَنْشُرُ الْحِكْمَةَ نُصْحًا , فَهَذِهِ أَخْلَاقُهُ لِأَهْلِ مَجْلِسِهِ وَمَا شَاكَلَ هَذِهِ الْأَخْلَاقَ. وَأَمَّا مَا يَسْتَعْمِلُ مَعَ مَنْ يَسْأَلُهُ عَنِ الْعِلْمِ وَالْفُتْيَا , فَإِنَّ مِنْ صِفَتِهِ إِذَا سَأَلَهُ سَائِلٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ أَجَابَ , وَجَعَلَ أَصْلَهُ أَنَّ الْجَوَابَ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ. فَإِذَا أُورِدَتْ عَلَيْهِ مَسْأَلَةٌ قَدِ اخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الْعِلْمِ اجْتَهَدَ فِيهَا , فَمَا كَانَ أَشْبَهَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ , وَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْ قَوْلِ الصَّحَابَةِ وَقَوْلِ الْفُقَهَاءِ بَعْدَهُمْ قَالَ بِهِ , إِذَا كَانَ مُوَافِقًا لِقَوْلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَقَوْلِ
стр. 56
بَعْضِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ بِهِ. وَإِنْ كَانَ رَآهُ مِمَّا يُخَالِفُ بِهِ قَوْلَ الصَّحَابَةِ وَقَوْلَ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَخْرُجَ عَنْ قَوْلِهِمْ لَمْ يَقُلْ بِهِ , وَاتَّهَمَ رَأْيَهُ , وَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ أَوْ مِثْلُهُ , حَتَّى يَنْكَشِفَ لَهُ الْحَقُّ , وَيَسْأَلَ مَوْلَاهُ أَنْ يُوَفِّقَهُ لِإِصَابَةِ الْخَيْرِ وَالْحَقِّ. وَإِذَا سُئِلَ عَنْ عَلِمٍ لَا يَعْلَمُهُ لَمْ يَسْتَحِ أَنْ يَقُولَ: لَا أَعْلَمُ. وَإِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَعَلِمَ أَنَّهَا مِنْ مَسَائِلِ الشَّغَبِ , وَمِمَّا يُورِثُ الْفِتَنَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ , اسْتَعْفَى مِنْهَا , وَرَدَّ السَّائِلَ إِلَى مَا هُوَ أَوْلَى بِهِ , عَلَى أَرْفَقِ مَا يَكُونُ. وَإِنْ أَفْتَى بِمَسْأَلَةٍ فَعَلِمَ أَنَّهُ أَخْطَأَ لَمْ يَسْتَنْكِفْ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهَا. وَإِنْ قَالَ قَوْلًا فَرَدَّهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ - مِمَّنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ أَوْ مِثْلُهُ أَوْ دُونَهُ - فَعَلِمَ أَنَّ الْقَوْلَ كَذَلِكَ , رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ , وَحَمِدَهُ عَلَى ذَلِكَ وَجَزَاهُ خَيْرًا. وَإِنْ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ اشْتَبَهَ الْقَوْلُ عَلَيْهِ فِيهَا قَالَ: سَلُوا غَيْرِي , وَلَمْ يَتَكَلَّفْ مَا لَا يَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ , يَحْذَرُ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُحْدَثَاتِ فِي الْبِدَعِ , لَا يُصْغِي إِلَى أَهْلِهَا بِسَمْعِهِ , وَلَا يَرْضَى بِمُجَالَسَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ , وَلَا يُمَارِيهِمْ. أَصْلُهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ , وَمَا كَانَ
стр. 57
عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ , وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ , وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ , يَأْمُرُ بِالِاتِّبَاعِ , وَيَنْهَى عَنِ الِابْتِدَاعِ. لَا يُجَادِلُ الْعُلَمَاءَ , وَلَا يُمَارِي السُّفَهَاءَ. هَمُّهُ فِي تِلَاوَةِ كَلَامِ اللَّهِ الْفَهْمُ , وَفِي سُنَنِ الرَّسُولِ ﷺ الْفِقْهُ لِئَلَّا يُضَيِّعَ مَا لِلَّهِ عَلَيْهِ , وَلِيَعْلَمَ كَيْفَ يَتَقَرَّبُ إِلَى مَوْلَاهُ , مُذَّكِرٌ لِلْغَافِلِ , مُعَلِّمٌ لِلْجَاهِلِ , يَضَعُ الْحِكْمَةَ عِنْدَ أَهْلِهَا , وَيَمْنَعُهَا مَنْ لَيْسَ بِأَهْلِهَا , مَثَلُهُ مَثَلُ الطَّبِيبِ: يَضَعُ الدَّوَاءَ بِحَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْفَعُ. فَهَذِهِ صِفَتُهُ , وَمَا يُشْبِهُ هَذِهِ الْأَخْلَاقَ الشَّرِيفَةَ , إِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ نَشَرَ لَهُ الذِّكْرَ بِالْعِلْمِ فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ , فَكُلَّمَا ازْدَادَ عِلْمًا ازْدَادَ لِلَّهِ تَوَاضُعًا , يَطْلُبُ الرِّفْعَةَ مِنَ اللَّهِ , مَعَ شِدَّةِ حَذَرِهِ مِنْ وَاجِبِ مَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْعِلْمِ "
стр. 58
ذِكْرُ صِفَةِ مُنَاظَرَةِ هَذَا الْعَالِمِ
إِذَا احْتَاجَ إِلَى مُنَاظَرَةٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: " اعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ , وَوَفَّقَنَا وَإِيَّاكُمْ لِلرَّشَادِ , أَنَّ مِنْ صِفَةِ هَذَا الْعَالِمِ الْعَاقِلِ الَّذِي فَقَّهَهُ اللَّهُ فِي الدِّينِ , وَنَفَعَهُ بِالْعِلْمِ , أَنْ لَا يُجَادِلَ , وَلَا يُمَارِيَ , وَلَا يُغَالِبَ بِالْعِلْمِ إِلَّا مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَغْلِبَهُ بِالْعِلْمِ الشَّافِي , وَذَلِكَ يَحْتَاجُ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ إِلَى مُنَاظَرَةِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الزَّيْغِ , لِيَدْفَعَ بِحَقِّهِ بَاطِلَ مَنْ خَالَفَ الْحَقَّ , وَخَرَجَ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ , فَتَكُونَ غَلَبَتُهُ لِأَهْلِ الزَّيْغِ تَعُودُ بَرَكَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ , عَلَى الِاضْطِرَارِ إِلَى الْمُنَاظَرَةِ , لَا عَلَى الِاخْتِيَارِ لِأَنَّ مِنْ صِفَةِ الْعَالِمِ الْعَاقِلِ أَنْ لَا يُجَالِسَ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ , وَلَا يُجَادِلَهُمْ , فَأَمَّا فِي الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ فَلَا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى عِلْمِ مَسْأَلَةٍ قَدْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ مَعْرِفَتُهَا , لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا , لَابُدَّ لَهُ أَنْ
стр. 59
يُجَالِسَ الْعُلَمَاءَ وَيُنَاظِرَهُمْ حَتَّى يَعْرِفَ الْقَوْلَ فِيهَا عَلَى صِحَّتِهِ , وَإِنْ لَمْ يُنَاظِرْ لَمْ تَقْوَ مَعْرِفَتُهُ؟ قِيلَ لَهُ: بِهَذِهِ الْحِجَّةِ يَدْخُلُ الْعَدُوُّ عَلَى النَّفْسِ الْمُتَّبِعَةِ لِلْهَوَى , فَيَقُولُ: إِنْ لَمْ تُنَاظِرْ وَتُجَادِلْ لَمْ تَفْقَهْ , فَيَجَعَلُ هَذَا سَبَبًا لِلْجِدَالِ وَالْمِرَاءِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ , الَّذِي يَخَافُ مِنْهُ سُوءَ عَاقِبَتِهِ , الَّذِي حَذَّرَنَاهُ النَّبِيُّ ﷺ , وَحَذَّرَنَاهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ صَادِقٌ , بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ» وَعَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ , أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «إِيَّاكُمْ وَالْمِرَاءَ , فَإِنَّهَا سَاعَةُ جَهْلِ الْعَالِمِ , وَبِهَا يَبْتَغِي الشَّيْطَانُ زَلَّتَهُ»
стр. 60
وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: «مَا رَأَيْنَا فَقِيهًا يُمَارِي» وَعَنِ الْحَسَنِ , أَيْضًا قَالَ: «الْمُؤْمِنُ يُدَارِي , وَلَا يُمَارِي , يَنْشُرُ حِكْمَةَ اللَّهِ , فَإِنْ قُبِلَتْ حَمِدَ اللَّهَ , وَإِنْ رُدَّتْ حَمِدَ اللَّهَ» وَرُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أَحْبَبْتَ أَخًا
стр. 61
فَلَا تُمَارِهْ , وَلَا تُشَارِهْ , وَلَا تُمَازِحْهُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: " وَعِنْدَ الْحُكَمَاءِ: أَنَّ الْمِرَاءَ أَكْثَرُهُ يُغَيِّرُ قُلُوبَ الْإِخْوَانِ , وَيُوَرِّثُ التَّفْرِقَةَ بَعْدَ الْأُلْفَةِ , وَالْوَحْشَةَ بَعْدَ الْأُنْسِ , وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ»
стр. 62
فَالْمُؤْمِنُ الْعَالِمُ الْعَاقِلُ يَخَافُ عَلَى دِينِهِ مِنَ الْجَدَلِ وَالْمِرَاءِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا يَصْنَعُ فِي عِلْمٍ قَدْ أُشْكِلَ عَلَيْهِ؟ قِيلَ لَهُ: إِذَا كَانَ كَذَلِكَ , وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَنْبِطَ عِلْمَ مَا أُشْكِلَ عَلَيْهِ , قَصَدَ إِلَى عَالِمٍ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُ بِعِلْمِهِ اللَّهَ , مِمَّنْ يُرْتَضَى عِلْمُهُ وَفَهْمُهُ وَعَقْلُهُ , فَذَاكَرَهُ مُذَاكَرَةَ مَنْ يَطْلُبُ الْفَائِدَةَ وَأَعْلِمْهُ أَنَّ مُنَاظَرَتِي إِيَّاكَ مُنَاظَرَةَ مَنْ يَطْلُبُ الْحَقَّ , وَلَيْسَتْ مُنَاظَرَةَ مُغَالِبٍ , ثُمَّ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْإِنْصَافَ لَهُ فِي مُنَاظَرَتِهِ , وَذَلِكَ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يُحِبَّ صَوَابَ مُنَاظِرِهِ , وَيَكْرَهَ خَطَأَهُ , كَمَا يُحِبُّ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ , وَيَكْرَهُ لَهُ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ , وَيُعْلِمُهُ أَيْضًا: إِنْ كَانَ مُرَادُكَ فِي مُنَاظَرَتِي أَنْ أُخْطِئَ الْحَقَّ , وَتَكُونَ أَنْتَ الْمُصِيبَ وَيَكُونُ أَنَا مُرَادِي أَنْ تُخْطِئَ الْحَقَّ وَأَكُونُ أَنَا الْمُصِيبُ , فَإِنَّ هَذَا حَرَامٌ عَلَيْنَا فِعْلُهُ , لِأَنَّ هَذَا خُلُقٌ لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ مِنَّا , وَوَاجِبٌ عَلَيْنَا أَنْ نَتُوبَ مِنْ هَذَا. فَإِنْ قَالَ: فَكَيْفَ نَتَنَاظَرُ؟ قِيلَ لَهُ: مُنَاصَحَةً , فَإِنْ قَالَ: كَيْفَ الْمُنَاصَحَةُ؟ أَقُولُ لَهُ: لَمَّا كَانَتْ
стр. 63
مَسْأَلَةٌ فِيمَا بَيْنَنَا أَقُولُ أَنَا: إِنَّهَا حَلَالٌ , وَتَقُولُ أَنْتَ: إِنَّهَا حَرَامٌ , فَحُكْمُنَا جَمِيعًا أَنْ نَتَكَلَّمَ فِيهَا كَلَامَ مَنْ يَطْلُبُ السَّلَامَةَ , مُرَادِي أَنْ يَنْكَشِفَ لِي عَلَى لِسَانِكَ الْحَقُّ , فَأَصِيرَ إِلَى قَوْلِكَ , أَوْ يَنْكَشِفَ لَكَ عَلَى لِسَانِيَ الْحَقُّ , فَتَصِيرَ إِلَى قُولِي مِمَّا يُوَافِقُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ , فَإِنْ كَانَ هَذَا مُرَادَنَا رَجَوْتُ أَنْ تُحْمَدَ عَوَاقِبُ هَذِهِ الْمُنَاظَرَةِ , وَنُوَفَّقَ لِلصَّوَابِ , وَلَا يَكُونَ لِلشَّيْطَانِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ نَصِيبٌ. وَمِنْ صِفَةِ هَذَا الْعَالِمِ الْعَاقِلِ إِذَا عَارَضَهُ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ وَالْمُنَاظَرَةِ بَعْضُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُ مُنَاظَرَتَهُ لِلْجَدَلِ , وَالْمِرَاءِ وَالْمُغَالَبَةِ , لَمْ يَسَعْهُ مُنَاظَرَتُهُ , لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَدْفَعَ قَوْلَهُ , وَيَنْصُرَ مَذْهَبَهُ , وَلَوْ أَتَاهُ بِكُلِّ حُجَّةٍ مِثْلِهَا يَجِبُ أَنْ يَقْبَلَهَا , لَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ , وَنَصَرَ قَوْلَهُ. وَمَنْ كَانَ هَذَا مُرَادَهُ لَمْ تُؤْمَنْ فِتْنَتُهُ , وَلَمْ تُحْمَدْ عَوَاقِبُهُ. وَيُقَالُ لِمَنْ مُرَادُهُ فِي الْمُنَاظَرَةِ الْمُغَالَبَةُ وَالْجَدَلُ: أَخْبِرْنِي , إِذَا كُنْتُ أَنَا حِجَازِيًّا , وَأَنْتَ عِرَاقِيًّا , وَبَيْنَنَا مَسْأَلَةٌ عَلَى مَذْهَبِي , أَقُولُ: إِنَّهَا حَلَالٌ , وَعَلَى
стр. 64
مَذْهَبِكَ إِنَّهَا حَرَامٌ , فَسَأَلْتَنِي الْمُنَاظَرَةَ لَكَ عَلَيْهَا , وَلَيْسَ فِي مُنَاظَرَتِكَ الرُّجُوعُ عَنْ قَوْلِكَ , وَالْحَقُّ عِنْدَكَ أَنْ أَقُولَ فِيهَا قَوْلَكَ , وَكَانَ عِنْدِي أَنَا أَنْ أَقُولَ , وَلَيْسَ مُرَادِي فِي مُنَاظَرَتِي الرُّجُوعَ عَمَّا هُوَ عِنْدِي , وَإِنَّمَا مُرَادِي أَنْ أَرُدَّ قَوْلَكَ , وَمُرَادُكَ أَنْ تَرُدَّ قُولِي , فَلَا وَجْهَ لِمُنَاظَرَتِنَا , فَالْأَحْسَنُ بِنَا السُّكُوتُ عَلَى مَا تَعْرِفُ مِنْ قَوْلِكَ , وَعَلَى مَا أَعْرِفُ مِنْ قُولِي , وَهُوَ أَسْلَمُ لَنَا , وَأَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ نَسْتَعْمِلَهُ. فَإِنْ قَالَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قِيلَ: لِأَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ أُخْطِئَ الْحَقَّ , وَأَنْتَ عَلَى الْبَاطِلِ , وَلَا أُوَفَّقَ لِلصَّوَابِ , ثُمَّ تُسَرَّ بِذَلِكَ , وَتَبْتَهِجَ بِهِ , وَيَكُونَ مُرَادِي فِيكَ كَذَلِكَ , فَإِذَا كُنَّا كَذَلِكَ , فَنَحْنُ قَوْمُ سُوءٍ , لَمْ نُوَفَّقْ لِلرَّشَادِ , وَكَانَ الْعِلْمُ عَلَيْنَا حُجَّةً , وَكَانَ الْجَاهِلُ أَعْذَرَ مِنَّا " قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: " وَأَعْظَمُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ رُبَّمَا احْتَجَّ أَحَدُهُمَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى خَصْمِهِ , فَيَرُدُّهَا عَلَيْهِ بِغَيْرِ تَمْيِيزٍ , كُلُّ ذَلِكَ
стр. 65
يَخْشَى أَنْ تَنْكَسِرَ حُجَّتُهُ , حَتَّى إِنَّهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَقُولَ بِسُنَّةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَابِتَةٍ , فَيَقُولَ: هَذَا بَاطِلٌ , وَهَذَا لَا أَقُولُ بِهِ , فَيَرُدَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِرَأْيِهِ بِغَيْرِ تَمْيِيزٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَجُّ فِي مَسْأَلَةٍ بِقَوْلِ صَحَابِيٍّ , فَيَرُدُّ عَلَيْهِ خَصْمُهُ ذَلِكَ , وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى مَا يَحْتَجُّ عَلَيْهِ , كُلُّ ذَلِكَ نُصْرَةً مِنْهُ لِقَوْلِهِ , لَا يُبَالِي أَنْ يَرُدَّ السُّنَنَ وَالْآثَارَ " قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: " مِنْ صِفَةِ الْجَاهِلِ , الْجَدَلُ , وَالْمِرَاءُ , وَالْمُغَالَبَةُ , نَعُوذُ بِاللَّهِ مِمَّنْ هَذَا مُرَادُهُ وَمِنْ صِفَةِ الْعَالِمِ الْعَقْلُ وَالْمُنَاصَحَةُ فِي مُنَاظَرَتِهِ , وَطَلَبُ الْفَائِدَةِ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ , كَثَّرَ اللَّهُ فِي الْعُلَمَاءِ مِثْلَ هَذَا , وَنَفَعَهُ بِالْعِلْمِ , وَزَيَّنَهُ بِالْحِلْمِ
стр. 66
ذِكْرُ أَخْلَاقِ هَذَا الْعَالِمِ وَمُعَاشَرَتِهِ لِمَنْ عَاشَرَهُ مِنْ سَائِرِ الْخَلْقِ
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: «مَنْ كَانَتْ صِفَاتُهُ فِي عِلْمِهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ مِنْ أَخْلَاقِهِ ـ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ـ أَنْ يَأْمَنَ شَرَّهُ مَنْ خَالَطَهُ , وَيَأْمَلَ خَيْرَهُ مَنْ صَاحَبَهُ , لَا يُؤَاخِذُ بِالْعَثَرَاتِ , وَلَا يُشِيعُ الذُّنُوبَ عَنْ غَيْرِهِ , وَلَا يَقْطَعُ بِالْبَلَاغَاتِ , وَلَا يُفْشِي سِرَّ مَنْ عَادَاهُ , وَلَا يَنْتَصِرُ مِنْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ , وَيَعْفُو وَيَصْفَحُ عَنْهُ , ذَلِيلٌ لِلْحَقِّ , عَزِيزٌ عَنِ الْبَاطِلِ , كَاظِمٌ لِلْغَيْظِ عَمَّنْ آذَاهُ , شَدِيدُ الْبُغْضِ لِمَنْ عَصَى مَوْلَاهُ , يُجِيبُ السَّفِيهَ بِالصَّمْتِ عَنْهُ , وَالْعَالِمَ بِالْقَبُولِ مِنْهُ , لَا مُدَاهِنٌ , وَلَا مُشَاحِنٌ وَلَا مُخْتَالٌ , وَلَا حَسُودٌ , وَلَا حَقُودٌ , وَلَا سَفِيهٌ , وَلَا جَافٍ , وَلَا فَظٌّ , وَلَا غَلِيظٌ , وَلَا طَعَّانٌ , وَلَا لَعَّانٌ , وَلَا مُغْتَابٌ , وَلَا سَبَّابٌ. يُخَالِطُ مِنَ الْإِخْوَانِ مَنْ عَاوَنَهُ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ , وَنَهَاهُ عَمَّا يَكْرَهُ مَوْلَاهُ , وَيُخَالِقُ بِالْجَمِيلِ مَنْ
стр. 67
لَا يَأْمَنُ شَرَّهُ , إِبْقَاءً عَلَى دِينِهِ , سَلِيمُ الْقَلْبِ لِلْعِبَادِ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ , يَغْلِبُ عَلَى قَلْبِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي كُلِّ مَا أَمْكَنَ فِيهِ الْعُذْرُ , لَا يُحِبُّ زَوَالَ النِّعَمِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْعِبَادِ , يُدَارِي جَهْلَ مَنْ عَامَلَهُ بِرِفْقِهِ , إِذَا تَعَجَّبَ مِنْ جَهْلِ غَيْرِهِ ذَكَرَ أَنَّ جَهْلَهُ أَكْثَرُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ , لَا يَتَوَقَّعُ لَهُ بَائِقَةً , وَلَا يَخَافُ مِنْهُ غَائِلَةً , النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ , وَنَفْسُهُ مِنْهُ فِي جَهْدٍ»
стр. 68
ذِكْرُ أَخْلَاقِ هَذَا الْعَالِمِ وَأَوْصَافِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: " جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ , مِمَّا يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مِنَ الْأَخْلَاقِ الشَّرِيفَةِ , كُلُّهَا تَجْرِي لَهُ بِتَوْفِيقٍ مِنْ مَوْلَاهُ الْكَرِيمِ , وَمَنْ جَرَى لَهُ التَّوْفِيقُ بِمَا ذَكَرْنَا كَانَ اسْتِعْمَالُهُ لِلْأَخْلَاقِ الشَّرِيفَةِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ , أَعْظَمَ شَأْنًا مِمَّا ذَكَرْتُ , مِمَّا قَدْ أَوْصَلَهُ مَوْلَاهُ الْكَرِيمُ إِلَى قَلْبِهِ , يُمَتِّعُهُ بِهَا شَرَفًا لَهُ بِمَا
стр. 69
خَصَّهُ مِنْ عِلْمِهِ , إِذْ جَعَلَهُ وَارِثَ الْأَنْبِيَاءِ , وَقُرَّةَ عَيْنِ الْأَوْلِيَاءِ , وَطَبِيبًا لِقُلُوبِ أَهْلِ الْجَفَاءِ. فَمِنْ صِفَتِهِ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ شَاكِرًا , وَلَهُ ذَاكِرًا , دَائِمَ الذِّكْرِ , بِحَلَاوَةِ حُبِّ الْمَذْكُورِ , فَنَعَّمَ قَلْبَهُ بِمُنَاجَاةِ الرَّحْمَنِ , يَعُدُّ نَفْسَهُ مَعَ شِدَّةِ اجْتِهَادِهِ خَاطِئًا مُذْنِبًا , وَمَعَ الدُّؤُوبِ عَلَى حُسْنِ الْعَمَلِ مُقَصِّرًا , لَجَأَ إِلَى اللَّهِ فَقَوِيَ ظَهْرُهُ , وَوَثِقَ بِاللَّهِ فَلَمْ يَخَفْ غَيْرَهُ , مُسْتَغْنٍ بِاللَّهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ , وَمُفْتَقِرٌ إِلَى اللَّهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ , أُنْسُهُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ , وَحَشَتُهُ مِمَّنْ يَشْغَلُهُ عَنْ رَبِّهِ , إِنِ ازْدَادَ عِلْمًا خَافَ تَوْكِيدَ الْحُجَّةِ , مُشْفِقٌ عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ , هَمُّهُ فِي تِلَاوَةِ كَلَامِ اللَّهِ الْفَهْمُ عَنْ مَوْلَاهُ , وَفِي سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْفِقْهُ , لِئَلَّا يُضَيِّعَ مَا أُمِرَ بِهِ , مُتَأَدِّبٌ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ , لَا يُنَافِسُ أَهْلَ الدُّنْيَا فِي عِزِّهَا , وَلَا يَجْزَعُ مِنْ ذُلِّهَا , يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا بِالسَّكِينَةِ , وَالْوَقَارِ , وَمُشْتَغِلٌ قَلْبُهُ بِالْفَهْمِ وَالِاعْتِبَارِ , إِنْ فَرَغَ قَلْبُهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَمُصِيبَةٌ عِنْدَهُ عَظِيمَةٌ , وَإِنْ أَطَاعَ
стр. 70
اللَّهَ بِغَيْرِ حُضُورِ فَهْمٍ فَخُسْرَانٌ عَنْهُ مُبِينٌ , يَذْكُرُ اللَّهَ مَعَ الذَّاكِرِينَ , وَيَعْتَبِرُ بِلِسَانِ الْغَافِلِينَ , عَالِمٌ بِدَاءِ نَفْسِهِ , وَمُتَّهِمٌ لَهَا فِي كُلِّ حَالٍ , اتَّسَعَ فِي الْعُلُومِ , فَتَرَاكَمَتْ عَلَى قَلْبِهِ الْفُهُومُ , فَاسْتَحَى مِنَ الْحَيِّ الْقَيُّومِ. وَشُغْلُهُ بِاللَّهِ فِي جَمِيعِ سَعْيِهِ مُتَّصِلٌ , وَعَنْ غَيْرِهِ مُنْفَصِلٌ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ لِهَذَا النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَّ بِهِ الْعُلَمَاءَ , وَوَصَفْتَهُمْ بِهِ أَصْلٌ فِي الْقُرْآنِ أَوِ السُّنَّةِ , أَوْ أَثَرٌ عَمَّنْ تَقَدَّمَ؟ قِيلَ لَهُ: نَعَمْ , وَسَنَذْكُرُ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٨] أَفَلَا تَرَى , رَحِمَكَ اللَّهُ , كَيْفَ وَصَفَ الْعُلَمَاءَ بِالْبُكَاءِ وَالْخَشْيَةِ وَالطَّاعَةِ وَالتَّذَلُّلِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ؟
стр. 71
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ , أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ ⦗٦٨⦘ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ , أَخْبَرَنَا أُسَامَةُ , عَنْ مِسْعَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْأَعْلَى التَّيْمِيَّ يَقُولُ: " مَنْ أُوتِيَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَا يُبْكِيهِ , فَخَلِيقٌ أَنْ لَا يَكُونَ أُوتِيَ عِلْمًا يَنْفَعُهُ , لِأَنَّ اللَّهَ نَعَتَ الْعُلَمَاءَ وَقَرَأَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] "
стр. 72
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ السَّقَطِيُّ , أَخْبَرَنَا أَبُو هَمَّامٍ , أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ , أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ , عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁: " مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: صَاحِبُ الْعِلْمِ , وَصَاحِبُ الدُّنْيَا , وَلَا يَسْتَوِيَانِ , أَمَّا صَاحِبُ الْعِلْمِ , فَيَزْدَادُ رِضَا اللَّهِ , وَأَمَّا ⦗٦٩⦘ صَاحِبُ الدُّنْيَا , فَيَزْدَادُ فِي الطُّغْيَانِ. قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] , ثُمَّ قَرَأَ لِلْآخَرِ: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٧] "
стр. 73
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ , أَخْبَرَنَا قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ , أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ , عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ , فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ «الْحِكْمَةَ خَشْيَةُ اللَّهِ , وَالْعِلْمُ بِهِ»
стр. 74
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصُّوفِيُّ , أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ , أَخْبَرَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ قَالَ: قَالَ مَسْرُوقٌ: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَخْشَى اللَّهَ , وَبِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الْجَهْلِ أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ»
стр. 75
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ , أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ الدِّمَشْقِيُّ , أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , أَخْبَرَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ يَقُولُ: «الْعَالِمُ مَنْ خَشِيَ اللَّهَ , وَخَشْيَةُ اللَّهِ الْوَرَعُ»
следующие страницы →