← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 10361–10400 · переход к 10366.

стр. 10361

المنبت (١). والجماع (٢) الضار نوعان: ضار شرعًا، وضار طبعًا. والضار شرعًا: المحرم، وهو مراتب، بعضها أشد من بعض، والتحريم العارض أخف من اللازم الذي هو محل الأذى (٣) اللازم مع زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل، وهو مضر بالرجل؛ ولهذا نهى عنه عقلاء الأطباء من الفلاسفة؛ لأن للفرج خاصية في اجتذاب الماء المحتقن وراحة الرجل منه، والوطء في الدبر لا يعين على اجتذاب جميع الماء، ولا يخرج كل المحتقن؛ لمخالفة الأمر الطبيعي ويورث الهم والغم، ويسود الوجه، ويظلم الصدر، ويطمس نور القلب، ومن أسبابه زوال النعم، وحلول النقم، فإنه يوجب اللعنة والمبرأة من كلام اللَّه المنزل على محمد ﷺ حيث لم يعمل به في إتيان حرثه الذي هو منبت زرعه، بل خالفه بأتيه (٤) غير المزروع. * * *

стр. 10362

٢٢ - باب في النُّجُومِ ٣٩٠٥ - حَدَّثَنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبي شَيْبَةَ وَمُسَدَّدٌ -المَعْنَى- قالا: حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الأَخْنَسِ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ ماهَكَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زادَ ما زادَ" (١). ٣٩٠٦ - حَدَّثَنا القَعْنَبي، عَنْ مالِكٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَني أَنَّهُ قالَ: صَلَّى لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ في إِثْرِ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَلَمّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النّاسِ فَقالَ: "هَلْ تَدْرُونَ ماذا قالَ رَبُّكُمْ". قالُوا: اللَّه وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قالَ: "قالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبادي مُؤْمِنٌ بي وَكافِرٌ، فَأَمّا مَنْ قالَ مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بي كافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمّا مَنْ قالَ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وَكَذا فَذَلِكَ كافِرٌ بي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ" (٢). * * * باب في النجوم [٣٩٠٥] (حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة ومسدد المعنى، قالا: ثنا يحيى) بن سعيد, (عن عبيد (٣) اللَّه) بالتصغير (بن الأخنس) أبي مالك النخعي الخزاز (عن الوليد بن عبد اللَّه) بن أبي مغيث، ثقة. (عن يوسف بن ماهك) قال النووي: بفتح الهاء لا ينصرف؛ لأنه

стр. 10363

أعجمي علم (١)، وفي "المشارق" أنه بفتح الهاء أيضًا (٢). (عن ابن عباس ﵄ قال رسول اللَّه ﷺ : من اقتبس) أي: تعلم (علمًا من النجوم) يقال: قبست العلم واقتبسته إذا تعلمته، وأصل (٣) القبس: الشعلة من النار، واقتباسها الأخذ منها، وفيه حذف تقديره: من اقتبس علمًا من النجوم كان كمن (اقتبس شعبة) أي: قطعة من السحر، فكما أن تعلم السحر والعمل به حرام فكذا تعلم النجوم والكلام فيه حرام، والمنهي عنه ما يدعيه أهل التنجيم من علم الحوادث والكوائن التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان، ثم يجيء ويزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها، وهذا تعاطٍ لعلم استأثر اللَّه تعالى به. وأما علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة وكم مضى وكم بقي فغير داخل فيما نهى عنه، ومن المنهي عنه التحدث بمجيء المطر، ووقوع الثلج، وهبوب الرياح، وتغير الأسعار. و(زاد) من علم النجوم كمثل (ما زاد) من السحر. وفيه: النهي عن الزيادة على قدر الحاجة من القبلة والوقت. [٣٩٠٦] (حدثنا) عبد اللَّه بن محمد (٤) (القعنبي، عن مالك، عن صالح بن كيسان) (٥) المدني، مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز (عن عبيد

стр. 10364

اللَّه) بالتصغير (بن عبد اللَّه) بن عتبة بن مسعود (عن زيد بن خالد الجهني ﵁ أنه قال: صلى لنا رسول اللَّه ﷺ صلاة الصبح بالحديبية) بضم الحاء المهملة وفتح الدال وخفة المثناة تحت التي قبل الهاء عند بعض المحققين، وقال أكثر المحدثين بتشديدها، سميت الغزوة ببئر هناك عند شجرة الرضوان، وهي على مرحلة فأكثر من مكة. (في) وللبخاري: على (١) (إثر) بفتح الهمزة والثاء المثلثة، وبكسر الهمزة وسكون المثلثة (سماء) أي: مطر (كانت من الليل) وسمي المطر سماء، لأنه ينزل من السماء. (فلما انصرف [من الصلاة أقبل على الناس) قال المهلب: استقبال الرسول الناس بوجهه هو عوض من] (٢) قيامه من مصلاه، لأن قيامه إنما هو ليعرف الناس بفراغ الصلاة؛ ولذلك قال مالك في إمام مسجد القبائل والجماعات: لا بد أن يقوم من موضعه ولا يقوم في داره وسفره إلا أن يشاء، وفي بقاء الإمام في موضعه تخليط على الداخلين، وكان إبراهيم النخعي إذا سلم انحرف واستقبل القوم (٣). (فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم) فيه حسن الأدب في مخاطبة المعلم والأستاذ. (قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر) قال القرطبي: ظاهره أنه الكفر الحقيقي؛ لأنه قابل المؤمن الحقيقي، فيحمل على من اعتقد أن

стр. 10365

المطر من فعل الكواكب وخلقها، لا من فعل اللَّه كما يعتقده بعض جهال المنجمين والطبائعيين والعرب، فأما من اعتقد أن اللَّه هو خالق المطر، ثم تكلم بهذا القول، فليس بكافر، لكنه مخطئ من وجهين، أحدهما: أنه خالف الشرع فإنه قد حذر من هذا الإطلاق. وثانيهما: أنه قد تشبه بأهل الكفر في قولهم، وذلك لا يجوز؛ لأنا قد أمرنا بمخالفتهم، فقال: "خالفوا المشركين وخالفوا اليهود" ونهينا عن التشبه بهم، وذلك يقتضي الأمر بمخالفتهم في الأقوال والأفعال، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ (١) (٢). (فأما من قال: مطرنا بفضل اللَّه تعالى ورحمته فذلك مؤمن بي) لأنه صدق أن المطر من خلق اللَّه تعالى ونعمته وبفضله على خلقه كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ (٣). (وكافر بالكوكب) أنه من مخلوقات اللَّه تعالى، ليس له تدبير ولا خلق ولا ضر ولا نفع (وأما من قال: مطرنا بنوء كذا) النوء لغة هو: النهوض بثقل، يقال: ناء بكذا إذا نهض به متثاقلًا، ومنه قوله تعالى: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ (٤) أي: لتثقلهم عند النهوض بها، وكانت العرب إذا طلع نجم من المشرق وسقط آخر من المغرب، فحدث عند ذلك مطر أو ريح، فمنهم من ينسبه إلى الطالع، ومنهم من ينسبه إلى

стр. 10366

الغارب الساقط، فنهى الشارع عن هذا القول؛ لئلا يتشبه بهم في نطقهم. (فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب) في زعمهم أن النجوم تمطرهم وترزقهم، فهذا كفر باللَّه وإيمان بالنجم الذي هو الكوكب. أخرجه النسائي في التفسير من "سننه الكبير" عن إسحاق بن إبراهيم عن محمد ابن عوف (١)، وأخرجه ابن حبان في البيوع، في السادس (٢). * * *

стр. 10367

٢٣ - باب في الخَطِّ وَزَجْرِ الطَّيْرِ ٣٩٠٧ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى، حَدَّثَنا عَوْفٌ، حَدَّثَنا حيّانُ -قالَ غَيْرُ مُسَدَّدٍ: حيّان بْن العَلاءِ- حَدَّثَنا قَطَنُ بْن قَبِيصَةَ, عَنْ أَبِيهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقول: "العِيافَةُ والطِّيَرَةُ والطَّرْقُ مِنَ الجِبْتِ". الطَّرْق الزَّجْرُ والعِيافَةُ الخَطُّ (١). ٣٩٠٨ - حَدَّثَنا ابن بَشّارٍ قالَ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قالَ عَوْفٌ: العِيافَةُ زَجْرُ الطَّيْرِ والطَّرْقُ الخَطُّ يُخَطُّ في الأَرْضِ (٢). ٣٩٠٩ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنِ الحَجّاجِ الصَّوّافِ، حَدَّثَني يَحْيَى بْنُ أَبي كَثِيرٍ، عَنْ هِلالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ الحَكَم السُّلَمي قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ وَمِنّا رِجالٌ يَخُطُّونَ قالَ: "كانَ نَبي مِنَ الأَنْبِياءِ يَخُطُّ فَمَنْ وافَقَ خَطَّهُ فَذاكَ" (٣). * * * باب في الخط وزجر الطير [٣٩٠٧] (حدثنا مسدد، ثنا يحيى) بن سعيد القطان (ثنا عوف) بن أبي جميلة الأعرابي، سئل عن أبيه فقال: أنا ابن أذينة. (ثنا حيان) بفتح المهملة وتشديد المثناة تحت (قال غير مسدد: ) هو حيان (ابن العلاء) اختلف في اسم أبيه، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٤) ولم يذكر

стр. 10368

المصنف والنسائي (١) له غير هذا الحديث (حدثنا قطن بن قبيصة) ولي إمرة أصبهان (عن أبيه) قبيصة بن مخارق بن عبد اللَّه الهلالي ﵄، من بني هلال بن عامر بن صعصعة، له وفادة، ونزل البصرة. (سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: العيافة) بكسر العين المهملة (٢) وفاء بعد الألف، هي: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها وأصواتها، وهو من عادة العرب كثيرًا، ومنه قول لبيد: لعمرك ما تدري الطوارق بالحصا ... ولا زاجرات الطير ما اللَّه صانع (٣) يقال: عافت تعيف عيفًا إذا زجر وحدس وظن، وبنو أسد يذكرون بالعيافة ويوصفون بها. قيل عنهم: إن قومًا من الجن تذاكروا عيافتهم فأتوهم فقالوا: ضلت لنا ناقة، فلو أرسلتم معنا من يعيف، فقالوا لغليم منهم: انطلق معهم، فاستردفه أحدهم، ثم ساروا فلقيهم عقاب كاسرة أحد جناحيها، فاقشعر الغلام وبكى، فقالوا: مالك؟ فقال: كسرت جناحًا ورفعت جناحًا، وحلفت باللَّه صراحًا ما أنت بإنسي ولا تبغي لقاحًا (٤). (والطيرة) بكسر الطاء، وفتح المثناة تحت، وقد تسكن، وهي

стр. 10369

التشاؤم بالشيء، وهو مصدر تطيَّر مثل تخير خيرة، ولم يجيء من المصادر هكذا غيرهما، وكان هذا يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه، وأبطل أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضر وفي الحديث: "ثلاث لا يسلم منها أحد: الطيرة والحسد والظن" قيل: فما نصنع؟ قال: "إذا تطيرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقق" (١) وفي الحديث عن الطيرة: "ولكن اللَّه يذهبه بالتوكل" (٢) معناه إذا خطر لك خاطر التطير فتوكل على اللَّه وسلم إليه، فمن لم يعمل بذلك الخاطر غفر اللَّه له ولم يؤاخذه به. (والطرق) بالطاء المهملة المفتوحة، وسكون الراء، وهو الضرب بالحصا الذي تفعله النساء (من الجبت) المذكور في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ (٣) وهذا يوافق قول من قال: الجبت: إبليس، والطاغوت: أولياؤه. والمراد أن هذِه الثلاث مما يوسوس به إبليس ويأمر به أولياءهم الذين يطيعونه. (قال: ) المصنف (الطرق) هو (الزجر) للطير كما تقدم، فإذا زجروها

стр. 10370

تيامنوا بها إذا طارت لجهة اليمين، وتشاءموا بها إذا طارت للشمال، وتفاءلوا بطيرانها كالسانح والبارح، وهو نوع من الكهانة. (والعيافة: الخط) في الرمل يخط في الأرض. [٣٩٠٨] (حدثنا) محمد (بن بشار قال محمد بن جعفر: قال عوف) تقدم قبله. (العيافة: زجر الطير) كما تقدم (والطرق الخط يخط في الأرض) أي: في الرمل الذي يكون بالأرض أو يؤخذ منها ويبسط في التخت كما هو معروف للمنجمين. [٣٩٠٩] (حدثنا مسدد، ثنا يحيى) القطان (عن الحجاج) بن أبي عثمان (الصوَّاف) مولاهم البصري، وثقه أحمد وابن معين (١). (قال: حدثني يحيى بن [أبي] (٢) كثير عن هلال) (٣) بن علي، ويقال: هلال (بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي) بضم السين، نسبة إلى بني سليم. (قال) زاد مسلم أوله (٤): بينا أنا أصلي مع رسول اللَّه ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك اللَّه. فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: وَاثكل أُمِّياه ما شأنكم تنظرون إلي؟ ! فجعلوا يضربون أيديهم على

стр. 10371

أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتوني [لكني سكت] (١) فلما صلى (٢) ﷺ قال: "إن هذِه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" قلت: يا رسول اللَّه، إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء اللَّه بالإِسلام، وإنَّ منا (٣) رجالًا يأتون الكهان. قال: "فلا تأتهم" (٤). (قال: قلت: يا رسول اللَّه، ومنا رجال يخطون) لفظ مسلم: وإن منا رجالًا يخطون (٥). قال ابن عباس في تفسير هذا الحديث: هو الخط الذي يخطه الحازي. والحازي بالحاء المهملة والزاي هو الحزاء الذي ينظر في المغيبات بظنه، فيأتي صاحب الحاجة إلى الحازي فيعطيه حلوانًا، فيقول له: اقعد حتى أخط لك، وبين يدي الحازي غلام معه له ميل، ثم يأتي إلى أرض رخوة فيخط فيها خطوطًا كثيرة في أربعة (٦) أسطر عجلًا؛ لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو منها على مهل خطين خطين، وغلامه يقول للتفاؤل: ابني عيان أسرعا البيان، فإن بقي خطان فهي علامة النجح، وإن بقي خط واحد فهو علامة الخيبة، وهذا علم معروف للناس فيه تصانيف كثيرة، وهو معمول به إلى الآن، ويستخرجون به الضمير.

стр. 10372

وقال الحربي: الخط في الحديث هو أن يخط ثلاثة خطوط ثم يضرب عليهن بشعير أو نوى، ويقول: يكون كذا وكذا، وهو ضرب من الكهانة (١). (قال: كان نبي من الأنبياء) قيل: هو إدريس (يخط) حكى مكي في "تفسيره" (٢) روي أن هذا النبي كان يخط بإصبعيه السبابة والوسطى في الرمل ثم يزجر (فمن وافق) خطُّه (خطه) بنصب الطاء فذاك. وفي نسخة الخطيب: برفع الطاء، أي: فمن وافق خطه خط النبي. قال الخطابي: هذا يحتمل الزجر عنه إذ كان علمًا لنبوته، وقد انقطعت فنهينا عن التعاطي لذلك (٣). قال القاضي عياض: الأظهر من اللفظ خلاف هذا وتصويب خط من يوافق خطه، لكن من أين نعلم الموافقة، والشرع منع من التخرص (٤) وادعاء علم الغيب جملة، وإنما معناه أن من وافق خطه فذاك الذي يجدون إصابته، لا أنه يريد إباحة ذلك لفاعله، على ما تأوله بعضهم (٥). * * *

стр. 10373

٢٤ - باب في الطِّيَرَةِ ٣٩١٠ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عِيسَى ابْنِ عاصِمٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: "الطِّيَرَةُ شِرْكٌ الطِّيَرَةُ شِرْكٌ -ثَلاثًا- وَما مِنّا إِلَاّ ولكنَّ اللَّه يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ" (١). ٣٩١١ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُتَوَكِّلِ العَسْقَلاني والحَسَنُ بْنُ عَلي، قالا: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْري، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا عَدْوى وَلا طِيَرَةَ وَلا صَفَرَ وَلا هامَةَ". فَقالَ أَعْرابي: ما بالُ الإِبِلِ تَكُونُ في الرَّمْلِ كَأَنَّها الظِّباءُ فَيُخالِطُها البَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيُجْرِبُها قالَ: "فَمَنْ أَعْدى الأَوَّلَ؟ ". قالَ مَعْمَرٌ: قالَ الزُّهْري: فَحَدَّثَني رَجُلٌ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ". قالَ: فَراجَعَهُ الرَّجُلُ فَقالَ أَليْسَ قَدْ حَدَّثْتَنا أَنَّ النَّبي ﷺ قالَ: "لا عَدْوى وَلا صَفَرَ وَلا هامَةَ؟ ". قالَ: لَمْ أُحَدِّثْكُمُوهُ. قالَ الزُّهْري: قالَ أبو سَلَمَةَ: قَدْ حَدَّثَ بِهِ وَما سَمِعْتُ أَبا هريرَةَ نَسي حَدِيثًا قَطُّ غَيْرَهُ (٢). ٣٩١٢ - حَدَّثَنا القَعْنَبي، حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ -يَعْني: ابن مُحَمَّدٍ-، عَنِ العَلاءِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا عَدْوى وَلا هامَةَ وَلا نَوْءَ وَلا صَفَرَ" (٣). ٣٩١٣ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ البَرْقي أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الحَكَمِ حَدَّثَهُمْ قالَ: أَخْبَرَنا يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، حَدَّثَني ابن عَجْلانَ، حَدَّثَني القَعْقاعُ بْنُ حَكِيمٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ

стр. 10374

مِقْسَمٍ وَزَيْدُ بْن أَسْلَمَ، عَنْ أَبي صالِحٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "لا غُولَ" (١). ٣٩١٤ - قالَ أبو داوُدَ: قُرِئَ عَلَى الحارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ وَأَنا شاهِدٌ، أَخْبَرَكُمْ أَشْهَبُ قالَ: سُئِلَ مالِكٌ عَنْ قَوْلِهِ: "لا صَفَرَ". قالَ إِنَّ أَهْلَ الجاهِلِيَّةِ كَانُوا يُحِلُّونَ صَفَرَ يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا فَقالَ النَّبي ﷺ : "لا صَفَرَ" (٢). ٣٩١٥ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُصَفَّى، حَدَّثَنا بَقِيَّةُ قالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ -يَعْني: ابن راشِدِ- قَوْلُهُ: "هامَ". قالَ: كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَقُولُ: لَيْسَ أَحَدٌ يَمُوتُ فَيُدْفَنُ إِلَّا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ هامَةٌ. قُلْتُ: فَقَوْلُهُ: صَفَرَ. قالَ: سَمِعْتُ أَنَّ أَهْلَ الجاهِلِيَّةِ يَسْتَشْئِمُونَ بِصَفَرَ فَقالَ النَّبي ﷺ : "لا صَفَرَ". قالَ مُحَمَّدٌ: وَقَدْ سَمِعْنا مَنْ يَقُول هُوَ وَجَعٌ يَأْخُذُ في البَطْنِ فَكانُوا يَقُولُونَ هُوَ يُعْدي فَقالَ: "لا صَفَرَ" (٣). ٣٩١٦ - حَدَّثَنا مُسْلِمٌ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا هِشامٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبي ﷺ قالَ: "لا عَدْوى وَلا طِيَرَةَ وَيُعْحِبُني الفَأْلُ الصّالِحُ والفَأْلُ الصّالِحُ الكَلِمَةُ الحَسَنَةُ" (٤). ٣٩١٧ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا وُهَيْبٌ، عَنْ سُهَيْلِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبي هريرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ كَلِمَةَ فَأَعْجَبَتْهُ فَقالَ: "أَخَذْنا فَأْلَكَ مِنْ فِيكَ" (٥). ٣٩١٨ - حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنا أبو عاصِمٍ، حَدَّثَنا ابن جُرَيْجٍ، عَنْ عَطاءٍ

стр. 10375

قالَ: يَقُولُ النّاسُ الصَّفَرُ وَجَعٌ يَأْخُذُ في البَطْنِ. قُلْتُ: فَما الهامَةُ؟ قالَ: يَقُولُ النّاسُ: الهامَةُ التي تَصْرُخُ هامَةُ النّاسِ وَلَيْسَتْ بِهامَةِ الإِنْسانِ إِنَّما هي دابَّةٌ (١). ٣٩١٩ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبي شَيْبَةَ المَعْنَى، قالا: حَدَّثَنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثابِتٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عامِرٍ، قالَ أَحْمَدُ القُرَشي: قالَ ذُكِرَتِ الطِّيَرَة عِنْدَ النَّبي ﷺ فَقالَ: "أَحْسَنُها الفَأْلُ وَلا تَرُدُّ مُسْلِمًا فَإِذَا رَأى أَحَدُكُمْ ما يَكْرَهُ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ لا يَأْتي بالحَسَناتِ إِلَّا أَنْتَ وَلا يَدْفَعُ السّيِّئاتِ إِلَّا أَنْتَ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ" (٢). ٣٩٢٠ - حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا هِشامٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبي ﷺ كانَ لا يَتَطيَّرُ مِنْ شَيء وَكانَ إِذا بَعَثَ عامِلًا سَأَلَ عَنِ اسْمِهِ فَإذا أَعْجَبَهُ اسْمُهُ فَرِحَ بِهِ وَرُئي بِشْرُ ذَلِكَ في وَجْهِهِ، وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهُ رُئي كَراهِيَةُ ذَلِكَ في وَجْهِهِ، وَاذا دَخَلَ قَرْيَةً سَأَلَ عَنِ اسْمِها فَإِنْ أَعْجَبَهُ اسْمُها فَرِحَ بِها وَرُئي بِشْرُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِنْ كَرِهَ اسْمَها رُئي كَراهِيَةُ ذَلِكَ في وَجْهِهِ (٣). ٣٩٢١ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا أَبانُ، حَدَّثَني يَحْيَى أَنَّ الحَضْرَمي ابْنَ لاحِقٍ حَدَّثَهُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسيَّبِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: "لا هامَةَ وَلا عَدْوى وَلا طِيَرَةَ، وَإِنْ تَكُنِ الطِّيَرَةُ في شَيء فَفي الفَرَسِ والمَرْأَةِ والدّارِ" (٤).

стр. 10376

٣٩٢٢ - حَدَّثَنا القَعْنَبي، حَدَّثَنا مالِكٌ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ حَمْزَةَ وَسالِمِ ابني عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "الشُّؤْمُ في الدّارِ والمَرْأَةِ والفَرَسِ". قالَ أَبُو داوُدَ: قُرِئَ عَلَى الحارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ وَأَنا شاهِدٌ أَخْبَرَكَ ابن القاسِم قالَ: سُئِلَ مالِكٌ عَنِ الشُّؤْمِ في الفَرَسِ والدّارِ قالَ: كَمْ مِنْ دارٍ سَكَنَها ناسٌ فَهَلَكَوا ثُمَّ سَكَنَها آخَرُونَ فَهَلَكوا، فهذا تَفْسِيرُهُ فِيما نَرى، واللَّه أَعْلَمُ. قالَ أَبُو داوُدَ: قالَ عُمَرُ ﵁ حَصِيرٌ في البَيْتِ خَيْرٌ مِنَ امْرَأَةٍ لا تَلِدُ (١). ٣٩٢٣ - حَدَّثَنا مَخْلَدُ بْنُ خالِدٍ وَعَبّاسٌ العَنْبَري، قالا: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَحِيرٍ، قالَ: أَخْبَرَني مَنْ سَمِعَ فَرْوَةَ بْنَ مُسَيْكٍ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أَرْضٌ عِنْدَنا يُقالُ لَها أَرْضُ أَبْيَنَ هي أَرْضُ رِيفِنا وَمِيرَتِنا، وَإِنَّها وَبِئَةٌ أَوْ قالَ: وَباؤُها شَدِيدٌ. فَقالَ النَّبي ﷺ : "دَعْها عَنْكَ فَإِنَّ مِنَ القَرَفِ التَّلَفَ" (٢). ٣٩٢٤ - حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنا بِشْرُ بْن عُمَرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمّارٍ، عَنْ إِسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَجُلٌ يا رَسُولَ اللَّهِ إِنّا كُنّا في دارٍ كَثِيرٌ فِيها عَدَدُنا، وَكَثِيرٌ فِيها أَمْوالُنا، فَتَحَوَّلْنا إِلَى دارٍ أُخْرى فَقَلَّ فِيها عَدَدُنا وَقَلَّتْ فِيها أَمْوالُنا. فَقالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "ذَرُوها ذَمِيمَةً" (٣). ٣٩٢٥ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْن أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنا مُفَضَّلُ بْنُ فَضالَةَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ

стр. 10377

أَخَذَ بِيَدِ مَجْذومٍ فَوَضَعَها مَعَهُ في القَصْعَةِ وقالَ: "كُلْ ثِقَةً باللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ" (١) * * * باب في الطيرة [٣٩١٠] (حدثنا محمد بن كثير) العبدي (ثنا سفيان) الثوري (عن سلمة بن كهيل، عن عيسى بن عاصم) الأسدي، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٢). (عن زر بن حبيش، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ الطيَرة) بكسر الطاء، وفتح الياء كما تقدم (شرك) لفظ الترمذي: "من الشرك" (٣) (الطِّيَرة شرك) قالها (ثلاثًا) وللترمذي وابن ماجه وابن حبان من غير تكرار (٤) (وما منا) أحد (إلا) تفاءل. كذا في "المصابيح"، ولم أجد تفاءل في السنن. قال الحافظ أبو القاسم الأصبهاني والمنذري وغيرهما: في الحديث إضمار، والتقدير: وما منا إلا وقد وقع في قلبه شيء من ذلك، يعني: قلوب (٥) أمته (٦). وقيل: معناه: ما منا إلا من يعتريه التطير، وسبق إلى

стр. 10378

قلبه الكراهة فيه، فحذف اختصارًا واعتمادًا على فهم السامع (١). (ولكن اللَّه تعالى يذهبه) وإنما جعل الطيرة من الشرك؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن التطير يجلب لهم نفعًا، أو يدفع عنهم ضررًا إذا عملوا بموجبه، فكأنهم أشركوه مع اللَّه تعالى، ولكن ابن آدم إذا تطير وخطر له عارض التطير أذهبه (بالتوكلل) على اللَّه ، وأعرض عن هذا الخاطر بالالتجاء إلى اللَّه تعالى والتفويض إليه، ولم يعمل بما خطر له سلم من ذلك، ولم يؤاخذه اللَّه بما عرض له من التطير. قال الترمذي: هذا الحديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث سلمة. قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان سليمان بن حرب يقول في قوله: (وما منا إلا ولكن يذهبه بالتوكل). قال سليمان: هذا عندي قول عبد اللَّه بن مسعود (٢). قال المنذري: الصواب ما ذكره البخاري وغيره أن قوله: (وما منا. . .) إلى آخره من كلام ابن مسعود مدرج آخر الحديث غير مرفوع (٣). [٣٩١١] (حدثنا محمد بن المتوكل) بن عبد الرحمن (العسقلاني) قال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ثقةٌ (٤). وقال ابن حبان في "الثقات": كان من الحفاظ (٥).

стр. 10379

(والحسن بن علي قالا: حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن الزهري، (عن أبي هريرة ﵁: قال رسول اللَّه ﷺ : لا عدوى) أي: المرض، والعاهة، لا تعدي بطبعها، بل بفعل اللَّه. يقال (١): والعدوى اسم من الإعداء، كالرعوى والبقوى من الإرعاء والإبقاء. ويقال: أعداه الداء يعديه إعداء، وهو أن يصيبه مثل ما بصاحب الداء، وذلك أن يكون ببعير جرب مثلًا، فيتقي مخالطته بإبل أخرى حذار (٢) أن يتعدى بما به من الجرب فيصيبها ما أصابه، وقد أبطله الإسلام، لأنهم كانوا يظنون أن الجرب بنفسه يعدي، وأعلمهم النبي ﷺ أنه ليس الأمر كذلك، وإنما اللَّه هو الذي يمرض وينزل الداء، ولهذا جاء في الحديث: "فمن أعدى الأول؟ ! " (٣). (ولا صَفَر) بفتح الفاء، قيل: هو ما كانت الجاهلية تعتقده أن في البطن دابة كالحية تهيج عند جوع الآدمي وتؤذيه، وأبطل الإِسلام هذا. وقيل: أراد به النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، وهو تأخير شهر المحرم إلى صفر، ويجعلون صفرًا هو الشهر الحرام، فأبطله اللَّه في الإِسلام. (ولا هامَة) بتخفيف الميم على المشهور، ورجح القرطبي التشديد (٤)، وفيه تأويلان، أحدهما: أن العرب كانت تتشاءم بالهامة،

стр. 10380

وهي الطائر المعروف من طير الليل، قيل: هي البومة، كانوا إذا سقطت على دار أحدهم رآها ناعية له نفسه أو بعض أهله. هذا تفسير مالك (١). والثاني: أن العرب كانت تعتقد أن روح الآدمي، وقيل: عظامه تنقلب هامة تطير، ويسمونها الصدى، وقيل: روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تفسير هامة، فتقول: اسقوني. فإذا أدرك. بثأره طارت. والثاني قول أكثر العلماء. (فقال أعرابي: ) لم يعرف اسمه (ما بال الإبل تكون في الرمل) لفظ البخاري في رواية: فقام أعرابي فقال: رأيت الإبل تكون في الرمال (٢) (كأنها الظباء) من حسن جسمها وسرعة نشاطها وقوتها وسلامتها من الداء (فيخالطها البعير الأجرب) في كتب الطب أن الجرب خلط غليظ يحدث تحت الجلد يكون معه بثور (فيُجربها) بضم (٣) المثناة تحت، ولفظ مسلم: "فيجيء البعير الأجرب، فيدخل فيها فيجربها كلها" (٤). وبيانه أنهم كانوا يعتقدون أن المريض إذا دخل في الأصحاء أمرضهم وأعداهم، وكذلك في الإبل، فنفى النبي ﷺ ذلك وأبطله، ثم إنهم لما أوردوا على النبي ﷺ الشبهة الحاملة لهم على ذلك في الإبل، فأقطع النبي ﷺ حجتهم وأزاح شبهتهم بكلمة واحدة، وهي أن (قال: فمن

стр. 10381

أعدى) الجمل (الأول؟ ! ) ومعنى ذلك أن البعير الأجرب الذي أجرب هذِه الصحاح -على زعمهم- من أين جاءه الجرب؟ من قبل نفسه أم من بعير آخر؟ ! فيلزم التسلسل، فظهر أن الذي فعل الأول والثاني هو اللَّه تعالى الخالق لكل شيء، وهذِه الشبهة التي وقعت لهؤلاء هي التي وقعت للطبائعيين أولًا وللمعتزلة ثانيًا، فقال الطبائعيون بتأثيرات الأشياء بعضها في بعض وإيجادها إياها، وسموا المؤثر طبيعة. وقالت المعتزلة ذلك في أفعال الحيوانات والمتولدات. وقالوا: إن قدرهم مؤثرة فيها الإيجاد، وأنهم خالقو أفعالهم مستقلون باختراعها كما هو مقرر في علم الكلام، وفيه دليل على جواز مشافهة من وقعت له شبهة في اعتقاده بذكر البرهان العقلي إذا كان السائل أهلًا لفهمه. (قال الزهري: رجل) أبو سلمة أو غيره (عن أبي هريرة ﵁) ولمسلم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف حدثه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا عدوى". وحدثني أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يورد ممرض على مصح". قال أبو سلمة: وكان أبو هريرة يحدث بهما كليهما عن رسول اللَّه ﷺ . ثم صمت أبو هريرة عند ذلك عن قوله: "لا عدوى"، وأقام على أن لا يورد ممرض على مصح (١). (أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: لا يورِدَنَّ) بكسر الراء، وفتح الدال، ونون التوكيد الثقيلة. (مُمْرِض) بضم الميم الأولى، وسكون الثانية، وكسر الراء، ومفعول

стр. 10382

مورد محذوف، التقدير: لا يورد صاحب الإبل المراض إبله المراض (على مصِح) بكسر الصاد، أي: على صاحب الإبل الصحاح، والمراد بالممرض صاحب الإبل المراض، وبالمصح صاحب الإبل الصحاح. قال ابن بطال: قوله (لا عدوى) إعلام بأنها لا حقيقة لها، وأما النهي فلئلا يتوهم المصح أن مرضها حدث من أجل ورد المريض عليها، فيكون داخلًا بتوهمه ذلك في تصحيح ما أبطله النبي ﷺ من العدوى (١). وقال النووي: المراد بقوله: (لا عدوى) نفي ما كانوا يعتقدونه أن المرض يعدي بطبعه، ولم ينف حصول المرض عند ذلك بقدرة اللَّه وفعله، وبقوله: (لا يورد) الإرشاد إلى مجانبة ما يجعل الضرر عنده في العادة بفعل اللَّه وقدره (٢). وقيل: النهي ليس للعدوى بل للتأذي بالرائحة الكريهة ونحوه. (قال: فراجعه) الزهري (الرجل فقال: أليس قد حدثتنا أن النبي ﷺ قال: لا عدوى، ولا صفر، ولا هامة. قال: لم أحدثكموه) تركه التحدث به يحتمل أوجهًا، أحدها: النسيان كما سيأتي، ثانيها: أنهما لما كانا خبرين متعارضين لا ملازمة بينهما جاز للمحدث أن يحدث بأحدهما ويسكت عن الآخر حسبما تدعو إليه الحاجة، ثالثها: أن يكون خاف اعتقاد جاهل يظنهما متناقضين؛ فسكت عن أحدهما،

стр. 10383

حتى إذا أمن من ذلك حدث بهما جميعًا، رابعها: أن يكون حمله على ذلك وجه غير ما ذكرنا لم يطلع عليه أحد. (قال الزهري: قال أبو سلمة) بن عبد الرحمن (فحدث به، وما سمعت أبا هريرة ﵁ نسي حديثًا قط غيره) فإن قلت: تقرر في حديث أبي هريرة وحفظه العلم: قال: فما نسيت شيئًا بعد (١). أي: بعد بسط الرداء بين يدي رسول اللَّه ﷺ . أجيب بأن قوله: (ما سمعت أبا هريرة نسي) لا يلزم من سماعه النسيان نسيانه؛ لما في "صحيح مسلم": لا أدري أنسي أبو هريرة أو نسخ أحد القولين (٢)؟ ! [٣٩١٢] (حدثنا) عبد اللَّه (القعنبي، ثنا عبد (٣) العزيز بن محمد) الدراوردي (عن العلاء) بن عبد الرحمن أبي شبل مولى الحرقة، أخرج له مسلم، أحد علماء المدينة (٤). (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني مولى الحرقة، أخرج له مسلم (عن أبي هريرة ﵁: قال رسول اللَّه ﷺ : لا عدوى) (لا) في هذا الحديث وإن كانت نفيًا لما ذكر بعدها فمعناه النهي عن الالتفات لتلك الأمور والاعتناء بها؛ لأنها في أنفسها ليست بصحيحة، إنما هي من أوهام جهال العرب. (ولا هامة) بتخفيف الميم كما تقدم (ولا نَوْء) بفتح النون وسكون

стр. 10384

الواو ثم همزة يعدها، كقولهم: مطرنا بنوء كذا. وحديث عمر: كم بقي من نوء الثريا (١). والأنواء ثمانية وعشرون [منزلة، ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها، ويسقط في المغرب كل ثلاث عشرة] (٢) ليلة منزلة مع طلوع الفجر، وتطلع أخرى مقابلها ذلك الوقت في الشرق، فيسقط جميعها مع انقضاء السنة، وكانت العرب تزعم أن مع سقوط منزلة وطلوع رقيبها يكون مطر؛ فينسبون إليها ويقولون: [مطرنا بنوء] (٣) كذا (ولا صَفَر) بفتح الفاء كما مر. [٣٩١٣] (حدثنا محمد) بن عبد اللَّه (بن عبد الرحيم) بن سعية بن أبي زرعة مولى بني زهرة (بن البَرْقِي) بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وكسر القاف، نسبة إلى برقة من أول بلاد المغرب، كان محمد وأخواه أحمد وعبد الرحيم يتجرون إلى برقة؛ فنسبوا إليها، ومحمد هذا وثقه ابن يونس (٤) (أن سعيد (٥) بن عبد الحكم) (٦) بن أبي محمد الجمحي (حدثهم قال: أنا يحيى بن أيوب) الغافقي المصري (حدثني) محمد (ابن عجلان قال: حدثني القعقاع بن حكيم) بفتح الحاء -هو الكناني-

стр. 10385

أخرج له مسلم (١) (وعُبَيْد اللَّه) بالتصغير (ابن مِقْسَم) بكسر الميم، وفتح السين، مولى ابن أبي نَمِر القرشي المدني، أخرج له الشيخان (وزيد ابن أسلم، عن أبي صالح) ذكوان السمان. (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﵁ قال: لا) زاد مسلم فقال: "لا عدوى ولا طيرة ولا" (٢) (غُول) بضم الغين المعجمة، كانت العرب تتحدث أن الغيلان تتراءى للناس في الفلوات، فتتغول لهم، أي: تتلون لهم تلونًا؛ فتضلهم عن الطريق فتهلكهم. قال الجوهري: الغُول بالضم: السعالي، الجمع أغوال وغيلان، وكل ما اغتال الإنسان فأهلكه فهو غول (٣). ومقصود الحديث إبطال ما كانت العرب تقوله وتعتقده في هذِه الأمور، فلا يلتفت لشيء من ذلك لا بالقلب ولا باللسان. [٣٩١٤] (قال) المصنف (قرئ على الحارث بن مسكين) أبي عمرو الأموي مولى مروان المصري الفقيه. قال الخطيب: كان ثبتًا في الحديث، فقيهًا على مذهب مالك (٤). (وأنا شاهد) عنده، فقيل (أخبركم أشهب) بن عبد العزيز بن داود القيسي المصري (٥) الفقيه، أحد الأعلام (قال: سئل مالك) بن أنس (عن قوله ﷺ : لا صفر) ما معناه؟ (قال: إن أهل الجاهلية كانوا

стр. 10386

يحلون) بضم أوله شهر (صفر) كانت العرب تحرم الأشهر الأربعة، وكانوا أصحاب حروب وغارات، وربما كان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغيرون فيها، فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه، ثم يردون التحريم إلى المحرم، ولا يفعلون ذلك إلا في ذي الحجة إذا اجتمعت العرب للموسم، فينادي منادٍ أن افعلوا ذلك لحرب أو لحاجة (يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا) قال ابن عباس: إذا قاتلوا فيه أحلوه وحرموا مكانه صفرًا، وإذا لم يقاتلوا فيه حرموه ليواطئوا عدة ما حرم اللَّه (فقال النبي ﷺ ) عند ذلك (لا صفر) أي: لا تؤخروا المحرم إلى صفر. [٣٩١٥] (حدثنا محمد بن المُصفَّى) بضم الميم، وتشديد الفاء، ابن بهلول القرشي الحمصي، قال أبو حاتم: صدوق (١). قال محمد بن عوف الطائي: رأيته في النوم، فقلت: إلام صرت؟ فقال: إلى خير، ونرى اللَّه كل يوم مرتين، فقلت: صاحب سنة في الدنيا، وصاحب سنة في الآخرة، فتبسم (٢). (ثنا بقية) بن الوليد (قال: قلت لمحمد بن راشد) المكحولي الدمشقي: ما معنى (٣) (قوله: هام؟ قال: كانت (٤) الجاهلية تقول: ليس أحد يموت فيدفن) في قبره (إلا خرج من قبره هامة) تشبه الحية (قلت:

стр. 10387

فقوله) لا (صفر. قال: سمعت أن أهل الجاهلية يستشْئمون) وزنه يستفعلون من الشؤم، فإنه بهمزة مكسورة بعد سكون الشين المعجمة (بصفر) ويكرهونه كما يكرهون الشتم، ويتخذون فيه الشؤم، فأبطله النبي ﷺ بقوله: (لا صفر) أي: لا شؤم فيه، فلا تتخذوا الشؤم فيه. (قال محمد) بن راشد (وقد سمعنا من يقول: ) عن الصفر (هو وجع يأخذ في البطن) أي: بطن الإنسان عند الجوع يجد كأن دودًا ينهش في بطنه (فكانوا يقولون: هو يَعْدِي) بفتح أوله، بل كانت تراه أعدى من الجرب، وأنه يعدي كما يعدي الجرب، وأنشدوا: ولا يتأرى لما في القِدْر يرقبه ... ولا بعض على شرسوفه الصفر (١) وإلى هذا التفسير ذهب مطرف وابن وهب وابن حبيب (٢)، وهو اختيار أبي عبيدة (٣). [٣٩١٦] (حدثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي (ثنا هشام) الدستوائي (عن قتادة، عن أنس ﵁، أن النبي ﷺ قال: لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأْل) بسكون الهمزة بعد الفاء، جمعه فُؤول بضم الفاء والهمزة (٤)، وقد أولع الناس بترك الهمز في المفرد، والفأل يكون في

стр. 10388

الخير، كما أن الطيرة تكون في الشر. وذكر الأصمعي: قلت لابن عون (١): ما الفأل؟ قال: أن تكون مريضًا، فتسمع من يقول: يا سالم. فتتفاءل به، أو تكون طالب ضالة، فتسمع من يقول: يا واجد. فتتفاءل به (٢). ولهذا جاء في الحديث: "ويعجبني الفأل الصالح" (٣). قيل: (و) ما (الفأل الصالح؟ ) قال: هو (الكلمة الحسنة) يسمعها الإنسان وإنما كان يعجبه الفأل؛ لأن الناس إذا أملوا فائدة اللَّه ورجوا عائدته عند كل سبب ضعيف أو قوي فهم حينئذٍ على خير ولو غلطوا في جهة الرجاء، فإن الرجاء لهم خير، وإذا قطعوا أملهم ورجاءهم من اللَّه كان ذلك من الشر، والطيرة فيها ظن السوء باللَّه وتوقع البلاء. [٣٩١٧] (حدثنا موسى بن إسماعيل) الأزدي (٤) (ثنا وهيب) (٥) بن خالد الباهلي (عن سهيل) بن أبي صالح، ذكوان (عن رجل، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ سمع كلمة فأعجبته) لكونها حسنة [(فقال: أخذنا فألك من فيك) فيه حذف تقديره: قد أخذنا فألك

стр. 10389

الحسن يا أيها المتكلم] (١) من فيك، وإن لم تقصد خطابنا. وروى ابن السني عن كثير بن عبد اللَّه، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: يا خضرة. قال: "أخذنا فألك من فيك" (٢). [٣٩١٨] (حدثنا يحيى بن خلف) الباهلي، أخرج له مسلم (٣) (حدثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد النبيل (ثنا) عبد الملك (ابن جريج، عن عطاء) بن أبي رباح (قال: يقول الناس): إن (الصفر) هو (وجع يأخذ في البطن. قلت): فما (الهامة؟ قال: يقول الناس: الهامة التي تصرخ) هي (هامة الناس) التي تصرخ لهم وتنزل في بيوتهم يتشاءمون بها (وليست بهامة الإنسان) التي تخرج من عظام الميت أو رأسه وتنقلب فتصير هامة تطير، ويسمى ذلك الطائر الصدى، قال لبيد: فليس الناس بعدك في نقير ... ولا هم [غير] (٤) أصداء وهام (٥) (إنما هي دابة) معروفة تسمى البوم. [٣٩١٩] (حدثنا أحمد بن حنبل وأبو بكر بن أبي شيبة، قالا: ثنا وكيع، عن سفيان) بن سعيد الثوري (عن حبيب (٦) بن أبي ثابت)

стр. 10390

الأسدي مولاهم الكوفي (عن عروة بن عامر) القرشي، ذكره ابن حبان في "الثقات" (١) (قال أحمد) بن حنبل في روايته عروة بن عامر (القرشي) وقيل فيه: الجهني. حكاه البخاري (٢)، ذكر البخاري وغيره أنه سمع من ابن عباس (٣)؛ فعلى هذا يكون الحديث مرسلًا. (قال: ذُكرت الطِيَرة) بكسر الطاء وفتح الياء (عند النبي ﷺ فقال: أحسنها) أي: أحسن أنواع الطيرة، فجعل الطيرة جنس تحته أنواع، وأحسن هذِه الأنواع (الفأل) بالكلمة الحسنة يسمعها. والطيرة جنس، والفأل نوع من هذا الجنس. (ولا ترُدّ) بضم الراء وتشديد الدال المهملة (مسلمًا) فمن كامل الإِسلام فرأى شيئًا يتطير منه فلا يرجع عن حاجته، لما روى ابن السني في "عمل اليوم والليلة" عن عبد اللَّه بن عمرو: قال رسول اللَّه ﷺ : "من رجعته الطيرة من حاجته فقد أشرك". قالوا: وما كفارة ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: "يقول أحدكم: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك" (٤). ورواه البيهقي وزاد في آخره: "ولا حول ولا قوة إلا بك". قال كعب: والذي نفسي بيده، إنها لرأس التوكل، وكنز العبد في الجنة، ولا يقول ذلك ثم يمضي إلا لم يضره شيء (٥).

стр. 10391

وروى الطبراني عن أبي الدرداء: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا ينال الدرجات العلى من تكهن، أو استقسم، أو رجع من سفره تطيرًا" (١). وفي "مراسيل أبي داود" أن النبي ﷺ قال: "ليس عبد إلا سيدخل قلبه طيرة، فإذا أحس بذلك فليقل: أنا عبد اللَّه، ما شاء اللَّه، لا قوة إلا باللَّه، إن اللَّه على كل شيء قدير" (٢). (فإذا رأى أحدكم ما يكره) لفظ البيهقي في "الدعوات": "فإذا رأيت من الطيرة ما تكره فقل" (٣). (فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات) أي: بالأشياء الحسنة من منفعة تحدث وخير يتجدد (إلا أنت) ليس لما تطير منه شيء من ذلك، بل كله من اللَّه، فهو موجده ومقدره. (ولا يدفع السيئات) الأشياء السيئة من المضار والمكروهات (إلا أنت) وقد كان قوم موسى إذا أصابهم الخصب والأشياء المحبوبة قالوا: نحن مستحقوها. وإن أصابهم الضيق والجدب وما يكرهونه تطيروا بموسى ﵇ وقالوا: هذا بشؤم موسى (٤)، ولولاه ما أصابنا

стр. 10392

هذا. كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ (١) (ولا حول) عن المعاصي والسيئات (ولا قوة) على الطاعات والحسنات (إلا بك) إلا بقدرتك وتوفيقك لعمله. [٣٩٢٠] (حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا هشام) الدستوائي (عن قتادة، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه) بريدة بن الحصيب بن عبد اللَّه بن الحارث الأسلمي ﵁ (أن النبي ﷺ كان لا يتطير من) رؤية (شيء) يتطير به غيره من العرب وغيرهم، ويقولون: من لي بالسانح بعد البارح. والسانح من الصيد ما ولاك ميامنه، وذلك إذا مر من مياسرك إلى ميامنك، والعرب تتيمن به وتتشاءم بالبارح، وهو الصيد الذي ولاك مياسره، يمر من ميامنك إلى مياسرك، وإنما تشاءمت بالبارح؛ لأنه لا يمكنك أن ترميه حتى تنحرف إليه. (وكان إذا بعث عاملًا) من عماله، أي: إذا أراد أن يبعت عاملًا على الزكاة إلى جهة (سأل عن اسمه، فإذا أعجبه اسمه فرح به) واستبشر (ورُئي) بضم الراء مبني للمجهول (بشر) أي: علامة الاستبشار (في وجهه) وكان إذا سر استنار وجهه. قال محيي السنة: ينبغي أن يختار الرجل لأولاده وخدمه الأسماء الحسنة، فإن الأسماء المكروهة قد توافق القدر (٢). يعني: لو سمى ابنه بخسار فربما جرى قضاء اللَّه بأن يلحق خسار ذلك المسمى بخسار، فيعتقد بعض الناس أنه بسبب اسمه، فيتشاءم به فيحترزون عنه

стр. 10393

ويصير معروفًا بالشؤم، فلا ينبغي أن يسمى باسم يصير بسببه مبغوضًا، وكراهيته ﵊ (وإذا دخل) أي: أراد دخول (قرية) أو بلدة (سأل عن اسمها، فإن أعجبه فرح بها) واستبشر (ورئي بشر ذلك في وجهه) باستنارة وجهه (وإن كره اسمها ربي كراهية ذلك في وجهه) وسبب كراهيته الاسم القبيح؛ لئلا يحصل لهم في القرية مكروه (١)، فيحدث لهم التشاؤم والتطير المنهي عنه، فإن الاسم القبيح مبغوض في الطباع، كما أن الاسم الحسن محبوب في الطباع. [٣٩٢١] (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبان) لا ينصرف على الأكثر (قال: حدثني يحيى) بن أبي كثير (أن الحضرمي (٢) بن لاحق) التميمي السعدي، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٣)، وقال ابن معين: ليس به بأس (٤) (حدثه عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن مالك) أبي وقاص ابن وهيب الزهري ﵁ (أن النبي ﷺ كان يقول: لا هامة ولا عدوى) تقدما (ولا طيرة، وإن تكن الطيرة) المنهي عنها (في شيء ففي الفرس والمرأة والدار) قال القرطبي: لا نظن أن الذي رخص فيه من الطيرة هذِه الثلاثة هو على نحو ما كانت الجاهلية تعتقد وتفعل، فإنها كانت لا تقدم على ما تطيرت به ولا تفعله بوجه، فإن هذا ظن خطأ، وإنما

стр. 10394

معنى ذلك أن هذِه الثلاثة المذكورة أكثر ما يتشاءم الناس بها ويتطيرون بها لملازمتهم الفرس التي يرتبطونها للجهاد ونحوه، والمرأة التي يتزوجونها خصوصًا إن جاء منها أولاد، والدار التي يسكنونها، فمن وقع له شيء من ذلك فقد أباح الشرع له أن يتركه ويستبدل به غيره مما تطيب به نفسه ويسكن له خاطره، ولم يلزمه الشرع أن يقيم في موضع يكرهه، أو يستمر مع امرأة يكرهها، بل قد فسح له في ترك ذلك كله ببيع وعتق وطلاق ونحو ذلك (١). [٣٩٢٢] (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن) أبي عمارة (حمزة) (٢) أحد الفقهاء بالمدينة (و) شقيقه (سالم ابني عبد اللَّه ابن عمر) بن الخطاب ﵄ (عن) أبيهما (عبد اللَّه بن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال) زاد البخاري: "إنما" (٣) (الشؤم في) ثلاث، والشؤم بهمزة ساكنة، ويجوز تخفيفها، وهو ضد اليمن، تقول: ما أشأم فلانًا. قال في "الصحاح": والعامة تقول: ما أيشمه (٤). وهي (الدار والمرأة والفرس) قال معمر: سمعت من يقول: شؤم المرأة أن لا تلد، وشؤم الدابة إذا لم يغز عليها، وشؤم الدار جار السوء (٥). وهذا حسن، لكن مع اعتقاد أن اللَّه تعالى هو الفَعَّال لما يريد، وليس

стр. 10395

لشيء من هذِه (١) الأشياء أثر في الوجود، وهذا قريب من المجذوم، فإن قيل: هذا يجري في كل متطير به، فما وجه خصوصية هذِه الثلاثة بالذكر؟ . إن أكثر ما يقع التطير في هذِه الثلاثة، فخصت بالذكر. فإن قيل: فما الفرق بين الدار وبين موضع الوباء؟ فإن الدار إذا تطير منها فقد وسع له الارتحال منها، وموضع الوباء فقد منع من الخروج منه. وأجاب بعض العلماء أن الأمور بالنسبة إلى هذا المعنى ثلاثة أقسام: أحدها: ما لم يقع التطير منه لا نادرًا ولا مكررًا، فهذا لا يصغى إليه، وقد أنكر الشارع الالتفات إليه كنعي الغراب في السفر أو صراخ بومة في دار، ففي مثل هذا قال ﵇: "لا طيرة" وهذا كانت العرب تعتبره. ثانيها: ما يقع به الضرر، ولكنه [يعم و] (٢) لا يخص، ويندر ولا يتكرر كالوباء، فهذا لا يقدم عليه ولا يفر منه. وثالثها: سبب يخص ولا يعم، ويلحق به الضرر بطول الملازمة كهذه الثلاثة، فيباح له الاستبدال والتوكل على اللَّه والإعراض عما يقع في النفس. (قال) المصنف (قرئ على الحارث بن مسكين) مولى مروان، الفقيه المالكي (وأنا شاهد: أخبرك عبد الرحمن بن القاسم) العتقي، صحب مالكًا عشرين سنة، ومات بمصر.

стр. 10396

(قال: سئل مالك ﵁ عن الشؤم في حديث الفرس والدار والمرأة. قال: كم من دار سكنها ناس فهلكوا) فذكر في كتاب الجامع من "العتبية": رب دار سكنها قوم فهلكوا (ثم سكنها) قوم (آخرون فهلكوا) (١) بفتح اللام. قال القرطبي: حمل الحديث على ظاهره ولم يتأوله (٢). (فهذا تفسيره فيما نرى) بضم النون (واللَّه تعالى أعلم) ويعضد ما قاله مالك الحديث (٣) الآتي بعده، وهو: [٣٩٢٣] (حدثنا مخلد بن خالد) الشعيري العسقلاني نزيل مصر (٤) شيخ مسلم (وعباس) بالموحدة والسين المهملة ابن عبد العظيم (العنبري) شيخ مسلم، والبخاري تعليقًا (٥). (قالا: حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن يحيى بن عبد اللَّه بن بكير) بفتح الباء الموحدة وكسر الحاء المهملة القاص، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٦). (قال: أخبرني من سمع فروة) بفتح الفاء والواو (بن مسيك) بضم الميم وفتح السين المهملة بالتصغير، ابن الحارث المرادي، أصله من

стр. 10397

اليمن، قدم على النبي ﷺ سنة تسع وأسلم، فبعثه على قومه (قال: قلت يا رسول اللَّه، أرض عندنا) باليمن (يقال لها أرض أبين) غير منصرف، ذكره سيبويه بكسر الهمزة على وزن إفعل مع إصبع وإشفى، قال الطبري: أبين وعدن ابنا عدنان سميت بهما البلدتان (١). وقال أبو حاتم: سألت أبا عبيدة: كيف تقول: إبين أو أبين؟ فقال: إبين وأبين جميعًا، وهو عدن أبين من بلاد اليمن، نسب إلى أبين بن زهير بن الهميسع بن حمير بن سبأ. (هي أرض ريفنا) بكسر الراء وسكون المثناة تحت ثم فاء، والريف كل أرض فيها زرع ونخل، وقيل: هو ما قارب الماء من أرض العرب ومن غيرها، ومنه حديث العرنيين: كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف (٢). أي: إنا من أهل البادية لا من أهل المدن وفي رواية "المصابيح": هي أرض ريعنا (٣). [بفتح الراء] (٤) وبالعين بدل الفاء، والريع: الزيادة والنماء. يعني: يحصل لنا فيها الثمار والنبات. (وميرتنا) بكسر الميم، والميرة هي: القمح والشعير وغيرهما من الأطعمة ونحوها مما يجلب للبيع، قال اللَّه تعالى: ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ (٥). (وإنها وبيئة) بالمد، الوباء بالقصر والمد والهمز: الطاعون والمرض

стр. 10398

العام، وقد وبئت الأرض فهي وبئة، ووبئت أيضًا فهي موبوءة، وأوبأت فهي موبئة (أو قال: وباؤها) بالقصر والمد كما ذكر وبؤها (شديد. فقال النبي ﷺ : دعها عنك) أي: لا تأتها (فإن من القرف) بفتح القاف والراء ثم فاء، وهو ملابسة الداء ومقاربة الوباء ومداناة المرضى، وكل شيء قاربته فقد قارفته. (التلف) هو الهلاك، يعني: من قارب متلفًا يتلف، يعني: إذا لم يكن هواء تلك الأرض موافقًا لك فاتركها, وليس هذا من باب العدوى، إنما هو من باب الطب، فإن استصلاح الهواء من أعون الأشياء على صحة الأبدان، وفساد الهواء من أسرع الأشياء إلى الإسقام، وفي حديث عمر قال له رجل من البادية: متى تحل لنا الميتة؟ قال: إذا وجدت قرف الأرض فلا تقربها. أراد ما يقترف من بقل الأرض وعروقه، أي: يقتلع، وأصله: أخذ القشر منه، وفي حديث ابن الزبير: ما على أحدكم إذا أتى المسجد أن يخرج قرفة أنفه (١). أي: قشرته، يريد المخاط اليابس اللازق به. واعلم أن في المنع من الدخول إلى الأرض الوبئة حِكمًا: أحدها: تجنب الأسباب المؤدية والبعد منها. الثاني: الأخذ بالعاقبة التي هي مادة مصالح المعاش والمعاد. الثالث: أن لا يستنشقوا الهواء الذي قد عفن وفسد، فيكون سببًا للتلف.

стр. 10399

الرابع: أن لا يجاوروا المرضى الذين قد مرضوا بذلك، فيحصل لهم بمجاورتهم من جنس أمراضهم. والحديث يدل على هذا. [٣٩٢٤] (حدثنا الحسن (١) بن يحيى) بن هشام البصري الرازي (٢). قال ابن حبان في "الثقات": كان صاحب حديث (٣). أخرج له المصنف حديثين (٤)، أحدهما هذا (٥) (حدثنا بشر) (٦) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، ابن [الزهراني البصري. (عن عكرمة بن عمار) الحنفي اليمامي، أخرج له مسلم، وكان مجاب الدعوة (عن] (٧) إسحاق (٨) بن عبد اللَّه بن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري (عن) عمه لأمه (أنس بن مالك ﵁ قال: قال رجل: يا رسول اللَّه، إنا كنا في دارٍ كثيرٌ) بالجر [(فيها عددنا، وكثير) بالرفع] (٩). (فيها أموالنا) ورواية مالك في "الموطأ" عن يحيى بن سعيد: جاءت امرأة إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: دار سكناها والعدد كثير والمال وافر،

стр. 10400

فقل العدد وذهب المال. فقال: "دعوها فإنها ذميمة" (١) (فتحولنا) عنها (إلى دار أخرى، فقل فيها عددنا، وقلت فيها أموالنا، فقال رسول اللَّه ﷺ : ذروها) هذا ليس من الطيرة ولا العدوى، بل من الطب، فإن الهواء والماء والنبات مختلف، فبعضها يوافق الطباع وبعضها يخالفها، والأرض الأولى كان هواؤها وماؤها ونباتها موافقة لهم، والدار الثانية التي انتقلوا إليها مخالفة لهم، فأمرهم أن يتركوها إرشادًا إلى المصالح الدنيوية والدينية. (فإنها ذميمة) أي: اتركوا هذِه الدار فإنها مذمومة، فعيلة بمعنى مفعولة، أي: هواؤها غير موافق لكم. وإنما أمرهم بالتحول عنها؛ إبطالا لما وقع في نفوسهم من أن المكروه إنما أصابهم بسبب سكنى الدار، فإذا تحولوا عنها انقطعت مادة ذلك الوهم وزال ما خامرهم من الشبهة. [٣٩٢٥] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا يونس (٢) بن محمد) المؤدب البغدادي (حدثنا مفضل بن فضالة) بن أبي أمية البصري مولى زيد بن الخطاب، قال أبو حاتم: يكتب حديثه (٣). وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤)، وله هذا الحديث عندهم. (عن حبيب (٥) بن الشهيد) الأزدي البصري (عن محمد بن المنكدر،
следующие страницы →