← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 10501–10540 · переход к 10506.

стр. 10501

بالمسجد. قال: ويدل عليه رواية عمر (١). وروى ابن جرير بسنده إلى قتادة: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا أن يمسحوه. ولقد تكلفت هذِه الأمة [شيئًا ما تكلفته الأمم] (٢) قبلها، ولقد ذكر لنا من رأى أثر عقبه وأصابعه فيها، فما زالت هذِه الأمة يمسحونه حتى انمحى (٣). انتهى، وقد كان المقام ملصقًا بجدار الكعبة قديمًا، ومكانه اليوم معروف إلى جانب الباب مما يلي الحجر منه الداخل من الباب، وإنما أخره عن جدار الكعبة عمر بن الخطاب. وقد روى البيهقي بسنده إلى عائشة أن المقام كان في زمن رسول اللَّه ﷺ وزمان أبي بكر ملتصقًا بالبيت ثم أخره عمر (٤). قال ابن كثير في "تفسيره": وإسناده صحيح (٥). وظاهر الحديث أن قراءة: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. بعد فراغ الركعتين. واستحب بعض العلماء أن تقرأ في كل طوفة إذا حاذى المقام، وقراءة الأكثر بكسر الخاء على الأمر أدل على قراءتها والصلاة خلفه من قراءة نافع وابن عامر بالفتح، ووجه قراءة الكسر أنه معطوف على ﴿وَاذْكُرُوا﴾ وعلى هذا فالمخاطب بالآية بنو إسرائيل، وقيل: هو معطوف على قوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. وهو من العطف

стр. 10502

على المعنى؛ لأن المعنى: ثوبوا إلى البيت (١). [٣٩٧٠] (حدثنا موسى يعني: ابن إسماعيل) المنقري المعروف بالتبوذكي (قال: ثنا حماد) بن سلمة. (عن هشام بن عروة [عن عروة] (٢) عن عائشة ﵂ أن رجلًا قام من الليل يقرأ) (٣) تبينه رواية البخاري عن عائشة: تهجد النبي ﷺ في بيتي فسمع صوت عباد يصلي في المسجد. فقال: "يا عائشة أصوت عباد هذا؟ " قلت: نعم (٤). وعباد هو ابن بشر (٥) الأنصاري، قاله عبد الحق. (فرفع صوته بالقرآن) فيه جواز رفع الصوت بالقراءة في الليل وفي المسجد ولا كراهة فيه إذا لم يؤذ أحدًا ولا تعرض للرياء والإعجاب ونحو ذلك. (فلما أصبح قال رسول اللَّه ﷺ : يرحم اللَّه فلانًا) فيه الدعاء بالرحمة والمغفرة ونحو ذلك لمن أصاب الإنسان من جهته خيرًا، وإن لم يقصده ذلك الإنسان، وفيه أن الاستماع للقرآن سنة، وذكر البخاري هذا الحديث في كتاب الشهادات وترجم عليه: باب شهادة الأعمى (٦). لكونه دعى له ولم يره.

стр. 10503

(كأي) بتشديد الياء، وأصل الكلمة (أي) ثم أدخل عليها كاف التشبيه، وزال معنى التشبيه عنها، هذا مذهب (١) سيبويه والخليل (٢)، قال أبو حيان: الذي يظهر أنه اسم مبني بسيط لا تركيب فيه يأتي للتكثير مثل (كم) (٣). أي: كم (من آية أذكرنيها الليلة) بالنصب، قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٤). (كنت قد أسقطتها) بضم الهمزة وكسر القاف، و (أسقطتها) بفتح الهمزة والقاف (٥). رواية البخاري: "أسقطتهن" (٦) أي: نسيتهن، [ورواية مسلم: "كنت أنسيتها" (٧)] (٨)، وفيه دليل على جواز النسيان عليه ﷺ [فيما قد بلغه إلى الأمة. قال القاضي عياض: جمهور المحققين على جواز النسيان عليه ﷺ ابتداء] (٩) فيما ليس طريقه البلاغ (١٠). [٣٩٧١] (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل الثقفي (قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا خصيف) بضم الخاء المعجمة، وفتح

стр. 10504

الصاد المهملة، مصغر ابن عبد الرحمن الجزري (قال: حدثنا مقسم) بكسر الميم وسكون القاف، ابن يحيى (١) (مولى ابن عباس) فيه رد لمن قال: إنه مولى عبد اللَّه بن الحارث الهاشمي. (قال: قال ابن عباس ﵄: نزلت هذِه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾) (٢) بفتح الياء وضم الغين، وهي قراءة أكثر السبعة، والمراد به نفي الغلول عن النبي ﷺ أن يفعله، وأما قراءة حمزة ونافع (٣) والكسائي وابن عامر بضم الياء وفتح الغين على البناء للمفعول (٤)، فيجوز أن يكون من أغل الرجل إذا وجد غالًّا، أي: ما كان النبي أن يخان، والأول هو مقتضى الحديث. (في قطيفة) وهي كساء ذو خمل، جمعها قطائف، وهي الخميلة أيضًا (حمراء فقدت يوم بدر) وكذا رواه الترمذي وحسنه [وابن أبي حاتم وابن جرير (٥)، ورواه بعضهم عن خصيف، عن مقسم، يعني: مرسلا، وأخرجه الحاكم] (٦) من طريق داود بن حصين، عن عكرمة

стр. 10505

عن ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ قرأ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. بفتح الياء (١) (فقال بعض الناس) ورواية ابن مردويه أنهم المنافقون رسول اللَّه ﷺ [(لعل رسول اللَّه ﷺ ] (٢) أخذها) فأكثروا في ذلك كما في رواية ابن جرير (٣) (فأنزل اللَّه ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ إلى آخر الآية) وهذِه تنزيه له ﷺ عن جميع وجوه الخيانة في قسم الغنيمة وغيرها (٤)، وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي: بأن يقسم لبعض السرايا ويترك بعضًا (٥). وقال محمد بن إسحاق: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ بأن يترك بعض ما أنزل إليه فلا يبلغه (٦). وقال قتادة والربيع بن أنس (٧): نزلت هذِه الآية يوم بدر وقد غل بعض أصحابه (٨). [٣٩٧٢] (حدثنا محمد بن عيسى) بن نجيح البغدادي (حدثنا معتمر) ابن سليمان (عن أبيه) سليمان التيمي. (قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : اللهم إني أعوذ بك من البخل) قرأ حمزة والكسائي بفتح الباء والخاء، والباقون

стр. 10506

بضم الباء وسكون الخاء (١)، وبالسلامة من البخل يقوم بحقوق المال وبالجود ومكارم الأخلاق. (والهرم) المراد به الاستعاذة من الرد إلى أرذل العمر كما في رواية (٢)، وسبب ذلك ما فيه من الخرف واختلال العقل والحواس والفهم، والعجز عن كثير من الطاعات. [٣٩٧٣] (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل (قال: حدثنا يحيى بن سليم) بضم السين (عن إسماعيل بن كثير) أبي هاشم المكي، وثقه أحمد (عن عاصم بن لقيط) بفتح اللام وكسر القاف، ابن عامر (بن صبرة) بفتح الصاد المهملة وكسر الباء الموحدة (عن أبيه) لقيط بن صبرة بن عبد اللَّه بن المنتفق. (قال: كنت وافد) بكسر الفاء، جمعه وفد، كزائر وزور، وهم القوم يأتون الملوك ركبانًا. قال اللَّه تعالى: ﴿نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ (٣). (بني المنتفق) قال ابن الأثير: هو بضم الميم وسكون النون وفتح التاء فوقها نقطتان وكسر الفاء وبعدها قاف (٤)، ومنهم من يجعل لقيط بن عامر غير لقيط بن صبرة. قال ابن عبد البر: ليس بشيء (٥). (إلى رسول اللَّه ﷺ . فذكر الحديث) يعني: المتقدم في كتاب الوضوء في باب الاستنثار، وفيه: فبينا نحن مع رسول اللَّه ﷺ جلوس إذ رفع

стр. 10507

الراعي غنمه إلى المراح ومعه سخلة تيعر، فقال: "ما ولدت يا فلان؟ " قال: بهمة. قال: "اذبح لنا مكانها شاة" (١). (فقال: يعني النبي ﷺ : ولا تحسِبن) يعني: بكسر السين، وهي قراءة جمهور السبعة (ولم يقل: لا تحسَبَن) يعني: بفتح السين (٢). قال النووي في "شرح أبي داود": الأولى بكسر السين والثانية بفتحها. قال: ومراد الراوي أن النبي ﷺ نطق بها مكسورة السين ولم ينطق بها في هذِه القصة بفتحها، فلا يظن ظان أني رويتها بالفتح على اللغة الأخرى، أو شككت فيها، بل أنا متيقن [بنطقه ﷺ بالكسر وعدم نطقه بالفتح، ومع هذا فلا يلزم أن لا يكون النبي ﷺ نطق بالمفتوحة في وقت آخر، بل قد نطق بذلك] (٣) كما في. . . (٤) لأنها لغة تميم، بل كسر السين على لغته ولغة أهل الحجاز، لكن الفتح هو القياس فيما كسر عينه في الماضي نحو علم يعلم، فإذا صحت الرواية فلا اعتبار بالقياس. وفتح السين قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة، وتتمة الحديث: لا تحسبن أنا من أجلك ذبحناها، لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد، فإذا ولد الراعي بهمة ذبحنا مكانها شاة. * * *

стр. 10508

[٣٩٧٤] (حدثنا محمد بن عيسى) بن نجيح (قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا عمرو بن دينار) مولى قريش المكي (١). (عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ قال: لحق المسلمون رجلًا في غنيمة) بضم الغين، تصغير غنم. كذا رواية البخاري (٢)، وأوضح منها رواية أحمد عن ابن عباس قال: مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي ﷺ وهو يسوق غنمًا له (٣). وهذا الرجل هو عامر بن الأضبط الأشجعي كما في "المنتقى" لابن الجارود (٤)، وقيل: محلم بن جثامة. وقيل: غالب بن الليثي. وقيل: أبو الدرداء، حكاها أبو عمر في ترجمة محلم بن جثامة من "الاستيعاب" (٥). (فقال: السلام عليكم) زاد أحمد: فقالوا: ما يسلم علينا إلا ليتعوذ منا، فعمدوا إليه (فقتلوه وأخذوا تلك الغنيمة) بالتصغير أيضًا. زاد أحمد: وأتوا بغنمه النبي ﷺ . وكذا رواية الترمذي، وقال: حديث حسن (٦). (فنزلت: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾) قرأ نافع وابن عامر وحمزة (السلم) بقصر اللام، وقرأ الآخرون: ﴿السَّلَامَ﴾ بزيادة الألف

стр. 10509

بعد اللام (١). و ﴿السَّلَامَ﴾ بالألف قال الزجاج: يجوز أن يكون بمعنى التسليم، ويجوز أن يكون بمعنى الاستسلام (٢). وأما (السلم) بغير ألف فهو من الاستسلام، وقرأ أبان بن زيد عن عاصم بكسر السين وإسكان اللام، وهو الانقياد والطاعة، وقرأ الجحدري بفتح السين وسكون اللام (٣). (﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾) قرأ أبو جعفر: (لست مؤمَنًا) بفتح الميم. أي: لا نؤمنك في نفسك، وهي قراءة علي وابن عباس وعكرمة وأبي العالية ويحيى بن يعمر (٤) ومعنى قراءة الجمهور: ليس لإيمانك حقيقة، إنما أسلمت خوفًا من القتل، ورواية الترمذي وأحمد تؤيد قراءة الجمهور (٥). قال أبو بكر: حكم اللَّه تعالى بصحة إسلام من أظهر الإسلام وأمر بإجرائه على أحكام المسلمين، وإن كان في الغيب على خلافه، وهذا مما يحتج به على قبول توبة الزنديق إذا أظهر الإسلام فهو مسلم (٦). (﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾) والعرض ها هنا هو ما كان مع المقتول من غنيمة أو حمل أو متاع، على الخلاف الذي وقع في سبب النزول، والمعنى: يطلبون الغنيمة التي هي حطام سريع الزوال

стр. 10510

ويبتغون حمله في موضع على الحال من ضمير: ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾ وفي ذلك إشعار بأن الداعي إلى ترك التثبت أو التبيين هو طلبهم عرض الحياة الدنيا، والعرض في الآية هو (تلك الغنيمة) بالتصغير أيضًا. [٣٩٧٥] (حدثنا سعيد بن منصور) بن شعبة الخراساني (قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد ح، وحدثنا محمد بن سليمان الأنباري قال: حدثنا حجاج بن محمد، عن) عبد الرحمن (ابن أبي الزناد، وهو أشبع) لعل المراد أن رواية الحجاج بن محمد عن ابن أبي الزناد: أشبع. أي: أقوى من رواية سعيد بن منصور (عن أبيه) عبد اللَّه بن ذكوان (عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه) زيد بن ثابت. (أن النبي ﷺ كان يقرأ: (غَيرَ أُوْلِي الضَّرَرِ) بنصب الراء، وهي قراءة أهل الحرمين (١)، ووجه النصب على الاستثناء من ﴿الْقَاعِدُونَ﴾ أو على الحال منهم، كما تقول: جاءني زيد غير مريض (ولم يقل سعيد: كان يقرأ). قال الواحدي في "البسيط" (٢): الضرر: النقصان، وهو كل ما يضرك وينقصك من حمى ومرض وعلة تضره، تقول: دخل عليه ضرر في ماله. أي: نقصان. وفي قوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ أي: غير من به علة تضره وتقطعه عن الجهاد، كذلك قال أهل اللغة، قال: وهو موافق لما قاله المفسرون (٣).

стр. 10511

[٣٩٧٦] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء قال: أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك قال: حدثنا يونس بن يزيد) الأيلي، ثقة إمام. (عن أبي علي) الحسن أخي يونس (بن يزيد، عن الزهري، عن أنس ابن مالك ﵁ قال: قرأها رسول اللَّه): ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (والعين بالعين) نصب النفس ورفع العين، كذا رواه الإمام أحمد والترمذي والحاكم في "المستدرك" من حديث عبد اللَّه بن المبارك، وقال الترمذي: حسن غريب. قال البخاري: تفرد ابن المبارك بهذا الحديث (١). وقد استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكي مقررًا ولم ينسخ كما هو المشهور عن الجمهور، وكما حكاه الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني عن نص للشافعي (٢) وأكثر الأصحاب لقيده الآية، حيث كان الحكم عندنا ممثل وفقها في الجنايات عند جميع الأئمة. وقال الحسن البصري: هي عليهم وعلى الناس عامة. رواه ابن أبي حاتم (٣). [٣٩٧٧] (حدثنا نصر بن علي) الجهضمي (قال: أخبرني أبي) علي بن

стр. 10512

نصر بن علي بن نصر الجهضمي، وثقه أبو حاتم وأطنب في ذكره (١) (قال: حدثنا عبد اللَّه بن المبارك قال: حدثنا يونس بن يزيد، عن أبي علي بن يزيد، عن الزهري، عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قرأ: وكلتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين) بالرفع (بالعين) كما تقدم قبله. [٣٩٧٨] (حدثنا النفبلي قال: حدثنا زهير) بن معاوية (قال: حدثنا فضيل بن مرزوق) الكوفي، ثقة. (عن عطية بن سعد العوفي قال: قرأت على عبد اللَّه بن عمر ﵄: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ يعني: بفتح الضاد في الثلاثة (فقال): (اللَّه الذي خَلقَكُم من ضُعف ثُمَّ جَعلَ من بَعدِ ضُعفٍ قوَة ثُمَّ جَعلَ من بَعدِ قوَة ضُعفًا) يعني: بضم الضاد في الثلاثة، ثم قال: (قرأتها على رسول اللَّه ﷺ كما قرأتها) بفتح تاء الخطاب (عليَّ، فأخذ عليَّ) يعني: فرد عليَّ (كما أخذت) أي: كما رددت (عليك) هكذا رواه أحمد (٢)، وإنما رد عليه بضم الضاد؛ لأن الضم لغة قريش والفتح لغة تميم، حكاه الواحدي (٣)، ثم قال: والاختيار بالضم؛ لما روي أن ابن عمر قرأ على النبي ﷺ بالفتح فرد عليه بالضم (٤). [٣٩٧٩] (حدثنا محمد بن يحيى القطعي) بضم القاف وفتح الطاء ابن

стр. 10513

أبي حزم (قال: حدثنا عبيد) بالتصغير (يعني: ابن عقيل) الهلالي البصري. (عن هارون، عن عبد اللَّه بن جابر، عن عطية) العوفي (عن أبي سعيد) الخدري. (عن النبي ﷺ : من ضُعف) أبو بكر وحمزة بالفتح، والباقون بضمها (١). قال الزجاج: الاختيار الضم؛ للحديث (٢). [٣٩٨٠] (حدثنا محمد بن كثير، قال، أخبرنا سفيان، عن أسلم) يكنى أبا سعيد (المنقري) بكسر الميم وإسكان النون بعدها قاف، هكذا ضبطه شيخنا ابن حجر، وقال: هو ثقة، مات سنة اثنتين وأربعين (٣). (عن عبد اللَّه، عن [أبيه] (٤) عبد الرحمن بن أبزى) بفتح الهمزة وإسكان الموحدة الخزاعي مولاهم، مختلف في صحبته (٥)، ولي خراسان لعلي (قال: قال أبي بن كعب ﵁: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾) هو خبر لمبتدأ محذوف، والباء متعلقة به، وحذف لدلالة قوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ﴾ (٦) عليه، والتقدير: فالشفاء الموعظة بفضل

стр. 10514

اللَّه. أي: بإفضال اللَّه، كما أن النبات في معنى الإنبات في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾ (١). (وبرحمته) أعاد حرف الجار على الأصل، كما قال: يا دار عفراء ودار البخدن (٢) وقال الزمخشري: للتأكيد. (فبذلك) الإشارة للقرآن؛ لأن المراد بالموعظة والشفاء القرآن، فترك اللفظ وأشار إلى المعنى. (فلتفرحوا) بتاء الخطاب، قال أبو سعيد الخدري: فضل اللَّه القرآن، ورحمته أن جعلكم من أهله (٣). وعلى هذا الباء في قوله: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ تتعلق بمحذوف يفسره ما بعده، كأنه قال: فلتفرحوا بفضل اللَّه ورحمته، وتقديم الجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ دليل على الاعتناء بشأنهما، كقوله تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (٤). واللام في قوله: (فلتفرحوا) لام الأمر للمؤمنين بالفرح، ومعنى الفرح لذة في الفرح بإدراك المحبوب ونيل المشتهى. والمعنى: افرحوا أيها المؤمنون بفضل اللَّه ورحمته، فإنه خير مما يجمع غيركم من أعراض الدنيا.

стр. 10515

قال الفراء: وقد ذكر عن زيد بن ثابت أنه قرأ بالتاء، وقال: معناه: فبذلك لتفرحوا يا أصحاب محمد، هو خير مما يجمع الكفار. قال: وقوى هذِه القراءة قراءة أبي: (فبذلك فافرحوا) (١). والأصل في الأمر المخاطب، وفي الغائب اللام، نحو: ليقم زيد. يدل على هذا أن الحكمين واحد، إلا أن العرب حذفت اللام من فعل المأمور المواجه؛ لكثرة استعماله، وحذفوا التاء أيضًا وأدخلوا الهمزة، نحو: اضرب. [٣٩٨١] (حدثنا محمد بن عبد اللَّه) بن المبارك المخرمي، أخرج له البخاري (قال: حدثنا المغيرة بن سلمة، حدثنا ابن المبارك، عن) يحيى (الأجلح، حدثني عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه) عبد الرحمن (عن أبي أن النبي ﷺ قرأ) قل (بفضل اللَّه وبرحمته) أجمل في الإشارة ما تقدم قبله من الفضل والرحمة، سواء قل ما قبله أو كثر، ذكرًا كان أو أنثى، واحدًا كان أو اثنين، كما قال تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (٢) أي بين البكر والفارض. (فلتفرحوا) بالتاء الفوقانية، وهو الأصل والقياس وقراءة النبي ﷺ ، أما الأصل فلأن أصل الأمر أن يكون بحرفه وهو اللام، فأصل: اضرب: لتضرب، كما هو للغائب، لكن لما كثر أمر الحاضر حذفوه كما حذفوا حرف المضارعة تخفيفًا، وإنما ألحقوا في الأكثر الهمزة؛ لئلا يقع الابتداء بالساكن، ولم يحذفوا من أمر الغائب؛ لأنه لم يكثر كثرته،

стр. 10516

ولهذا لم يؤمر الغائب بنحو صه ومه، ولذا حسن التاء ههنا على الأصل أنه أمر للحاضرين بالفرح، لأن النفس تقبل الفرح. قال الزمخشري (١): كأن النبي ﷺ إنما آثر القراءة بالأصل؛ لأنه أدل على الأمر بالفرح وأشد تصريحًا. (هو خير مما تجمعون) قرأ ابن عامر بتاء الخطاب، والباقون بالغيبة (٢). قال الواحدي: ووجه الخطاب أنه عنى المخاطبين والغائبين (٣) جميعًا، إلا أنه غلب المخاطب على الغائب كما يغلب التذكير على التأنيث، وكأنه أراد المؤمنين وغيرهم (٤). [٣٩٨٢] (حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد، أنا ثابت) البناني (عن شهر بن حوشب) الأشعري، أصله من دمشق وسكن البصرة، وهو تابعي مشهور. (عن أسماء بنت يزيد) بن السكن بفتح السين المهملة والكاف وبالنون، الأنصارية، إحدى نساء بني عبد الأشهل، وهي من المبايعات، يقال: إنها بنت عم معاذ بن جبل (٥). قال الترمذي: أسماء بنت يزيد هي أم سلمة الأنصارية (٦).

стр. 10517

(أنها سمعت النبي ﷺ يقرأ: إنه عمِل) بكسر الميم وفتح اللام من غير تنوين (غيرَ) بالنصب (صالح) وهي قراءة الكسائي (١)، هكذا رواه أحمد، ورواية الترمذي نحوه (٢). قال الواحدي: قراءة الكسائي: (إنه عملَ غيرَ صالح) هي قراءة النبي ﷺ ، روى عنه ذلك عائشة وأسماء بنت يزيد وأم سلمة، ومعناه أن الابن عمل عملًا غير صالح، يعني: الشرك (٣)، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة التي هي (غَيْرَ) مقامه (٤). ويدل على هذا التقدير ما قال عكرمة أن في بعض الحروف (إنه عمل عملا غير صالح) (٥). قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة وغيره، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: هو ابنه، غير أنه خالفه في العمل والنية (٦). [٣٩٨٣] (حدثنا أبو كامل) الفضل بن حسين الجحدري (قال: حدثنا عبد العزيز يعني: ابن المختار، قال: حدثنا ثابت) البناني (عن شهر بن حوشب قال: سألت أم سلمة) قال الترمذي: سمعت عبد بن حميد يقول: أسماء بنت يزيد هي أم سلمة الأنصارية. كلا الحديثين عندي واحد، وقد روى شهر بن حوشب غير حديث عن أم سلمة الأنصارية،

стр. 10518

وهي أسماء بنت يزيد (١). (كيف كان رسول اللَّه ﷺ يقرأ هذِه الآية: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ﴾) بفتح الميم وتنوين اللام (غَيرُ) بالرفع (صالحٍ)؟ [وهي قراءة الجمهور (فقالت: قرأها: (إنه عمِلٌ) بكسر الميم وتنوين اللام مع الرفع (غيرَ) بالنصب (صالح)] (٢) وهي قراءة الكسائي، وعلى قراءة الكسائي يعود الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ على ابن نوح، و (عمِلَ) فعل ماض، هو وما بعده جملة فعلية محلها الرفع على أنها خبر (إن) قال أبو حيان: وهي قراءة علي وأنس وابن عباس (٣). (قال أبو داود: ورواه هارون) بن موسى (النحوي) صاحب القراءة، وهو صدوق علامة (وموسى بن خلف) العمي. (عن ثابت كما قال عبد العزيز) وقال الترمذي: رواه غير واحد عن ثابت البناني نحو هذا (٤). [٣٩٨٤] (حدثنا إبراهيم بن موسى) بن يزيد التميمي قال: (أنا عيسى) بن يونس (عن حمزة) بن حبيب (الزيات، عن أبي إسحاق) السبيعي. (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا دعا بدأ بنفسه قال) يوضح هذا رواية أحمد عن ابن

стр. 10519

عباس، عن أبي بن كعب: كان النبي ﷺ إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: "رحمة اللَّه علينا وعلى موسى" (١). [وهذا الحديث رواه الترمذي (٢)] (٣) ورواه النسائي: كان رسول اللَّه ﷺ إذا دعا بدأ بنفسه وقال: "رحمة اللَّه علينا وعلى صالح، رحمة اللَّه علينا وعلى أخي عاد" (٤) يعني: هودًا. ورواه أبو عوانة في "مسنده". وفي هذِه الروايات دليل على أدب من آداب الدعاء، وهو أن يبدأ الداعي في الدعاء بنفسه ووالديه وإخوانه المسلمين، ويدل عليه قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ (٥). وروى ابن أبي شيبة عن سعيد بن يسار قال: جلست إلى ابن عمر فذكرت رجلًا فترحمت عليه، فضرب صدري وقال: ابدأ بنفسك (٦). (لو صبر لرأى من صاحبه العجب) رواية أحمد: لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب (٧). أي: لرأى موسى من الخضر ما يعظم موقعه عنده ويخفى عليه سببه، ولكنه قال (﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾) أي:

стр. 10520

سؤال توبيخ وإنكار، كما قال في السفينة: ﴿أَخَرَقْتَهَا﴾ وفي الغلام: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ وذلك أن السؤال على وجوه: منه ما هو طلب الإخبار عن المعنى للفائدة، ومنه ما هو للتقرير، ومنه ما هو للتوبيخ. والكناية في قول موسى بعدها تعود إلى النفس المقتولة. (﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾) أي: فأوقع الفراق بيني وبينك. وقرأ عيسى ويعقوب: (فلا تصحبني) (١) مضارع صحب، وقرأ الأعرج بفتح المثناة فوق (٢) والباء الموحدة وتشديد النون (٣). (﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾) أي: قد اعتذرت إليَّ وبلغت إليَّ العذر. قال ابن عباس: قد أعذرت فيما بيني وبينك وأخبرتني أني لا أستطيع معك صبرًا (٤). طولها حمزة. المعروف في قراءة حمزة تشديد النون من ﴿لَدُنِّي﴾ (٥) قال ابن عطية: [هي الدن) اتصلت بها نون الكناية -يعني: نون الوقاية- التي في ضربني ونحوه، فوقع الإدغام، ثم قال] (٦) ابن عطية: وهي قراءة النبي ﷺ (٧). وعلى هذا فلعل المراد (٨) بتطويل النون تشديدها؛ لأن التشديد يطول

стр. 10521

مدة التلفظ به أكثر من التخفيف. [٣٩٨٥] (حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو عبد اللَّه العنبري) البصري قال: (ثنا أمية بن خالد) أخو هدبة، ثقة، كوفي، قال: (أخبرنا أبو جارية العبدي) البصري، وجارية بالجيم. قال الترمذي: أبو الجارية العبدي شيخ مجهول لا يعرف اسمه (١). (عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب ﵁ أنه قرأها: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ وثقلها) يعني: النون، وهو موافق لما قبله. وفي نسخة للترمذي: (بلَّغت) وعلى اللام شدة، ولم أجدها منقولة في الشواذ ولا التفسير فيما رأيت. والتثقيل في النون قراءة الجمهور، وإنما خص حمزة دون غيره؛ لأنه شيخ أهل العراق وعمدتهم، فلهذا اقتصر عليه أبو داود. وقرأ نافع وعاصم: (لدُني) بضم الدال وتخفيف النون، وهي (لدن) اتصلت بها ياء المتكلم التي في غلامي وفرسي. وقرأ أبو بكر عن عاصم (لدني) بفتح اللام وإسكان الدال وتخفيف النون (٢). [٣٩٨٦] (حدثنا محمد بن مسعود) بن يوسف النيسابوري (قال: حدثنا [عبد الصمد بن] (٣) عبد الوارث) التنوري حافظ حجة (قال: حدثنا محمد بن دينار قال: حدثنا سعد) بإسكان العين (بن أوس)

стр. 10522

العبسي بفتح العين المهملة وإسكان الموحدة، ذكره ابن حبان في "الثقات" (١) (عن مصدع) بكسر الميم وإسكان الصاد وفتح الدال ثم عين مهملات (أبي يحيى) اشتهر بكنيته، قال يحيى بن معين: اسمه زياد الأعرج الأنصاري (٢). (قال: سمعت ابن عباس ﵁ يقول: أقرأني أبي بن كعب كما أقرأه رسول اللَّه ﷺ : ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾) بترك الألف وبالهمز مكان الياء (مخففة) الهمزة مقصورة، وهي قراءة ابن عباس ونافع وابن كثير وأبي (٣) عمرو وحفص وشيبة وحميد وابن أبي ليلى ويعقوب وأبي (٤) حاتم، والزهري يلين الهمزة (٥)، يقال: حمئت البئر تحمأ حمأً فهي حمئة، وحمأتها: نزعت حمأتها. والحمأ بفتح الميم وقصر الهمزة: الطين الأسود، قال اللَّه تعالى: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (٦) وكذلك الحمئة بالتسكين وفتح الهمزة. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن مثنى، ثنا يزيد بن هارون، أنا العوام، حدثني مولى لعبد اللَّه بن عمرو عن عبد اللَّه قال: نظر رسول اللَّه ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال: "في نار اللَّه الحامية، في نار

стр. 10523

اللَّه الحامية، لولا ما نزعها من أمر اللَّه لأحرقت ما على الأرض" (١)، ورواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون (٢). قال ابن كثير: وفي صحة رفع هذا الحديث نظر، ولعله من كلام عبد اللَّه بن عمرو من زاملتيه اللتين وجدهما يوم اليرموك (٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا حجاج بن حمزة، ثنا محمد، حدثنا عمرو بن ميمون، أنبأنا حاضر أن ابن عباس ذكر له أن معاوية بن أبي سفيان قرأ الآية التي في سورة الكهف: (تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَامِيةٍ) قال ابن عباس: فقلت لمعاوية [ما يقرؤها إلا ﴿حَمِئَةٍ﴾. فسأل معاوية عبد اللَّه بن عمرو: كيف تقرؤها؟ فقال عبد اللَّه: كما قرأتها، قال ابن عباس: فقلت لمعاوية: ] (٤) في بيتي نزل القرآن. فأرسل إلى كعب فقال له: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ قال: في ماء وطين. وأشار إلى المغرب. انتهى (٥). وقال ابن عباس في رواية الوالبي والحسن في قوله: (في عين حامية): حارة (٦). قال الواحدي: ويرجح هذِه القراءة أنها تجمع القراءتين، وهو ما

стр. 10524

ذكره أبو إسحاق فقال: قد تكون حارة ذات حمأة، وقال أبو علي: يجوز أن تكون حامية فاعلة من الحمأة فخففت الهمزة (١). [٣٩٨٧] (حدثنا يحيى بن الفضل، قال: حدثنا وهيب) بالتصغير (يعني: ابن عمرو النمري) بفتح النون، وثق (٢) (قال: أخبرنا هارون) بن موسى (أخبرني أبان بن تغلب) القارئ، ثقة، شيعي (عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن الرجل من أهل عليين) مشتق من العلو، وكلما علا الشيء وارتفع عظم قدره، ولهذا قال اللَّه تعالى معظما لقدره: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩)﴾ (٣) ويدل عليه ما بعده (ليشرف) بضم الياء وكسر الراء، أي: (على) من تحته من (أهل الجنة) ويدل عليه ما رواه الترمذي عن أبي سعيد أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون (٤) النجم الطالع من أفق السماء" (٥). قال الراغب: (عليون) اسم أشرف الجنات كما أن سجين اسم شر النيران، وعلى هذا فعليون اسم (٦) مكان، وهو أقرب في العربية إذا كان

стр. 10525

هذا الجمع يختص بالناطقين، والواحد عِلِّي، فعلى هذا يكون أصحابه كما قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ (١) ومن كان كتابه في عليين نزل في هذا المكان. (فتضيء) يعني: (الجنة لوجهه كأنها كوكب دري) أي: كأن وجوه أهل عليين (قال: وهكذا جاء الحديث: دري. مرفوعة الدال لا تهمز) أي: مضمومة مشددة الياء آخره، وهي قراءة نافع وابن عامر وحفص عن عاصم وابن كثير (٢)، نسب الكوكب إلى الدر لبياضه وصفائه، أي: كأنها كوكب من در، قال أبي بن كعب: كوكب دري (٣)، أي: مضيء (٤). (وإن أبا بكر وعمر ﵄ لمنهم) أي: من أهل عليين (وأنعما) بفتح الهمزة والعين، وحكى الطيبي عن صاحب "الجامع": أنعم فلان النظر في الأمر. إذا بالغ في تدبره والتفكر فيه وزاد فيه تفكرًا، وأحسن فلان إليَّ وأنعم. أي: أفضل وزاد في الإحسان، ومن هذا قوله في الحديث (وأنعما) أي: زادا في هذا الأمر والنعمة التي حصلت لهم وتناهيا فيه إلى غايته. * * *

стр. 10526

[٣٩٨٨] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة وهارون بن عبد اللَّه) بن مروان البزاز، يعرف بالحمال. (قالا: حدثنا أبو أسامة (١) قال: حدثني الحسن بن الحكم النخعي، حدثنا أبو سبرة) يقال: عبد اللَّه (النخعي عن فروة) بفتح الفاء (بن مسيك) بضم الميم وفتح السين وسكون المثناة تحت وبالكاف، ويقال: مسيكة. والأول أكثر، ابن الحارث بن سلمة بن الحارث من أهل اليمن، قدم على رسول اللَّه ﷺ سنة تسع، فأسلم وانتقل إلى الكوفة زمن عمر وسكنها، وكان فروة من وجوه قومه، وكان شاعرًا محسنًا (٢). (الغطيفي) (٣) بضم الغين المعجمة وفتح الطاء المهملة وسكون المثناة تحت وبالفاء، هكذا ضبطه ابن الأثير (٤) [وابن حجر في "مشتبه النسبة" (٥)] (٦). (قال: أتيت النبي ﷺ . . فذكر الحديث) يعني: الذي رواه الترمذي، عن فروة بن مسيك المرادي قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ فقلت: يا رسول اللَّه، ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم؟ فأذن لي في قتالهم

стр. 10527

وأمَّرني، فلما خرجت من عنده سأل عني: "ما فعل الغطيفي؟ " فأخبر أني قد سرت، فأرسل في أثري، فردني، فأتيته وهو في نفر من أصحابه، فقال: "ادع القوم، فمن أسلم منهم فاقبل منه، ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث إليك". وأنزل في سبأ ما أنزل (١). (فقال رجل من القوم) وفي رواية لأحمد أن فروة هو السائل (٢)، وفي رواية ابن أبي حاتم أن فروة بن مسيك الغطيفي قدم على رسول اللَّه ﷺ فقال: يا نبي اللَّه، إن سبأ قوم كان لهم عز في الجاهلية، وإني أخشى أن يرتدوا عن الإسلام، أفأقاتلهم؟ قال: "ما أمرت فيهم بشيء بعد" فأنزلت هذِه الآية: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْاكَنِهِمْ) (٣). (يا رسول اللَّه، أخبرنا عن سبأ) قرأ نافع وعاصم وأبو جعفر وشيبة والأعرج: (لسبإ) بهمزة مكسورة منونة على معنى الحي، وقرأ أبو عمرو والحسن بهمزة مفتوحة غير مصروف (٤) على معنى القبيلة (ما هو أرض أم امرأة؟ ) رواية أحمد: أرجل أم امرأة أم أرض (٥)؟ (قال: ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل). قال ابن إسحاق: اسم سبأ: عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وإنما سمي سبأ؛ لأنه أول من سبا من العرب (٦). وكان يقال له الرائش؛ لأنه أول من غنم في الغزو، فأعطى قومه فسمي الرائش،

стр. 10528

والعرب تسمي المال ريشًا ورياشًا، وذكروا أنه بشر برسول اللَّه ﷺ في زمانه المتقدم، فقال: سيملك بعدنا ملكًا عظيما ... نبي لا يرخص في الحرام ويملك بعده منهم ملوك ... يدينون العباد بغير دام ويملك بعدهم منا ملوك ... يصير الملك فينا باقتسام ويملك بعد قحطان نبي ... تقي خَبُتَةٌ خير الأنام يُسمى أحمدًا يا ليت أني ... أُعَمَّر بعد مبعثه بعام فَأَعْضُدُه وأَحْبُوه بنصري ... بكل مُدَجَّج وبكل رام متى يظهر فكونوا ناصريه ... ومن يلقاه يُبْلِغُه سلامي (١) ذكر ذلك الهمداني في كتاب "الإكليل". (ولد) بفتح الواو (عشرة من العرب، فتيامن) منهم (ستة، وتشاءم) بالشين المعجمة (٢). رواية أحمد: سكن البصرة منهم ستة وبالشام

стр. 10529

منهم (١) (أربعة) زاد الترمذي وأحمد (٢): فأما الذين تشاءموا لخم -بفتح اللام وإسكان الخاء المعجمة- وجذام -بضم الجيم وتخفيف الذال المعجمة- وغسان -بفتح الغين المعجمة- وعاملة -بعين مهملة وبعد الألف ميم- وأما الذين تيامنوا فالأزد والأشعرون وحمير وكندة ومذحج وأنمار، فقال رجل: يا رسول اللَّه، وما أنمار؟ قال: "الذين منهم خثعم وبجيلة" ثم قال الترمذي: حديث حسن غريب (٣). وقد رواه الحافظ أبو عمر ابن عبد البر في كتاب "القصد والأمم بمعرفة أنساب العرب والعجم" من حديث ابن لهيعة عن علقمة ابن وعلة عن ابن عباس، فذكر نحوه (٤). (قال عثمان: الغطفاني) بفتح الغين المعجمة (مكان) لفظ (الغطيفي) نسبة إلى جده غطيف بن عبد اللَّه بن ناجية -بالنون والجيم- بن مراد المرادي (وقال: حدثنا الحسن بن الحكم النخعي) الكوفي، قال أبو حاتم: صالح الحديث (٥). [٣٩٨٩] (حدثنا أحمد بن عبدة) بسكون الموحدة، ابن موسى الضبي (وإسماعيل بن إبراهيم) بن معمر الهروي (أبو معمر، عن سفيان، عن عمرو، عن عكرمة) كذا في البخاري في تفسير سورة الحجر عن سفيان، عن عمرو، عن عكرمة (٦).

стр. 10530

(قال: ثنا أبو هريرة عن النبي ﷺ . قال إسماعيل) بن إبراهيم، دون أحمد بن عبدة (عن أبي هريرة) وكذا في البخاري (رواية (١)، فذكر حديث الوحي) ورواية البخاري: "إذا قضى اللَّه الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كالسلسلة على صفوان ينفذهم ذلك" (٢). (قال: فذلك قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾) ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِير﴾ فيسمعها مسترقو السمع. وفي البخاري: قال سفيان: هكذا قرأ عمرو، فلا أدري سمعه هكذا أم لا. قال سفيان: وهي قراءتنا (٣). انتهى، وقراءة الجمهور (٤): ﴿فُزِّعَ﴾ بالتشديد من الفزع مبنيًّا للمفعول، أي: زال الفزع عن قلوبهم، وفُعِّل يأتي لمعان منها الإزالة، وهذا منه نحو قردت البعير: أزلت القراد منه. وقرأ ابن مسعود وابن عباس وطلحة (فَزَّعَ) مبنيًّا للفاعل، من الفزع أيضًا، أي: فزع اللَّه عن قلوبهم. وقرأ الحسن وأبو المتوكل وقتادة ومجاهد (فَرَّغ) مشددًا مبنيًّا للفاعل [من الفراغ، وقرأ عبد اللَّه ابن عمر والحسن أيضًا وقتادة (فُرِّغ) من الفراغ مشددًا مبنيًّا للمفعول] (٥)، ويرجع معناه إلى الأول (٦). [٣٩٩٠] (حدثنا محمد بن رافع النيسابوري، حدثنا إسحاق بن

стр. 10531

سليمان الرازي، قال: سمعت أبا جعفر) عيسى بن ماهان الرازي، وثقه أبو حاتم (١) (يذكر عن الربيع بن أنس) بصري، نزل خراسان، قال أبو حاتم: صدوق (٢). قال ابن أبي داود: حبس بمرو ثلاثين سنة (٣) (عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: قراءة النبي ﷺ : بلى) قال ابن عطية: حق (بلى) أن تجيء بعد نفي عليه تقرير. وقوله: (بلى) جواب لنفي مقدَّر، كأن النفس قالت: إني لم يتبين لي الأمر في الدنيا (٤). فرد اللَّه عليها (قد جاءتكِ) بكسر الكاف (آياتي فكذبتِ) بكسر التاء (بها واستكبرتِ) بكسر التاء أيضًا. (وكنت من الكافرين) خطاب للنفس، وهي قراءة ابن يعمر والجحدري وأبي حيوة والزعفراني وابن مقسم ومسعود بن صالح والشافعي عن ابن كثير ومحمد بن عيسى في اختياره (٥). قال الفراء: التأنيث له وجه حسن؛ لأنه ذكر النفس فخاطبها (٦). وقال المبرد: العرب تقول: هو نفس واحد. معناه: إنسان واحد. لكن أكثر ما جاء في القرآن من ذكر النفس على التأنيث، كقوله: ﴿سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ (٧) و ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (٨) (٩). قال أبو عبيدة: لو صح هذا الحديث عن النبي ﷺ كان حجة لا

стр. 10532

يجوز لأحد تركه، ولكنه ليس بمسند. (قال أبو داود: هذا) الحديث (مرسل) (١) لأن الربيع لم يدرك أم سلمة؛ لأن الربيع توفي سنة تسع وثلاثين ومائة (٢)، وأم سلمة ماتت سنة تسع وخمسين، وقيل: سنة اثنتين وستين (٣). [٣٩٩١] (حدثنا مسلم بن إبراهيم) الأزدي الفراهيدي (قال: حدثنا هارون بن موسى النحوي، عن بديل بن ميسرة) العقيلي، ثقة (عن عبد اللَّه بن شقيق) بفتح الشين وكسر القاف العقيلي من بني عقيل بن كعب، من مشاهير التابعين. (عن عائشة ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ يقرؤها) أي: يقرأ هذِه الآية (فَرُوْحٌ) بضم الراء. قال أبو الحسن ابن غلبون: قرأ النبي ﷺ في رواية عبد اللَّه بن شقيق عن عائشة ﵂ (فروح) بضم الراء. قال أبو حيان: وهي قراءة ابن عباس والحسن وقتادة ونوح القارئ والضحاك والأشهب وسليمان التيمي والربيع بن خثيم وأبي (٤) عمران الجوني والكلبي وفياض وعبيد وعبد الوارث عن أبي عمرو ويعقوب ابن حسان ورويس. قال الحسن: الروح: الرحمة؛ لأنها كالحياة للمرحوم. وقال أيضًا: روحه تخرج في ريحان. (وريحان) قال أبو [العالية و] (٥) قتادة والحسن: الريحان هذا الشجر

стр. 10533

المعروف في الدنيا، يلقى المقرب (١) ريحانًا من الجنة. وقال الخليل: هو كل بقلة طيبة (٢). قال ﵇ عن الحسن والحسين: "هما ريحانتاي من الدنيا" (٣) قال ابن عطية (٤): الريحان مما تنبسط إليه النفس (٥). والفاء في قوله (فَرُوْحٌ) جواب إما لأنها في تقرير الشرط، فإذا اجتمع شرطان فالجواب للسابق منهما، وجواب الشرط الثاني وهو (إن) محذوف أغنى عنه جواب (إما) هذا مذهب سيبويه؛ لأن جواب (إن) يحذف كثيرًا. * * * [٣٩٩٢] (حدثنا أحمد بن حنبل وأحمد بن عبدة قالا: حدثنا سفيان) ابن عيينة (عن عمرو، عن عطاء، قال ابن حنبل: لم أفهمه) يعني: الحديث (جيدًا) أو السند صفة لموصوف محذوف، أي: فهمًا جيدًا. (عن صفوان) بن يعلى و (قال) أحمد (ابن عبدة) وفي البخاري: عن عمرو، عن عطاء، عن صفوان (٦) (ابن يعلى، عن أبيه) يعلى بن أبي عبيدة التميمي. (قال: سمعت النبي ﷺ على المنبر يقرأ) رواية البخاري: يقرأ على المنبر (٧) (﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾) قال ابن غلبون: روي عن علي وعبد اللَّه ابن مسعود: (ونادوا يا مال) بضم اللام من غير كاف، وذلك ترخيم مالك، جعل (مال) اسمًا على حياله فضمه، وهي قراءة أبي سوَّار الغنوي.

стр. 10534

وقرأ الأعمش: (يا مال) على لغة من ينتظر الحرف، كذا قال أبو حيان (١)، قال ابن جني: وللترخيم في هذا الموضع سر، وذلك أنهم لعظم ما هم عليه خفت قواهم وذلت أنفسهم وصغر كلامهم، فكان هذا من موضع الاختصار ضرورة (٢). [٣٩٩٣] (حدثنا نصر بن علي) الجهضمي (قال: أنا أبو أحمد) الحسين بن محمد المروزي، سكن بغداد، وكان يحفظ (٣) قال: (أنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد) النخعي (عن عبد اللَّه) بن مسعود ﵁ (قال: أقرأني رسول اللَّه ﷺ : (إني أنا الرزاق ذو القوة المتين) رواه الترمذي بهذا اللفظ عن إسرائيل، عن أبي إسحاق وقال: حديث حسن صحيح (٤). قرأ ابن محيصن (الرازق) (٥) كما قرأ: (وفي السماء أرزاقكم) اسم فاعل (٦)، وهي قراءة حميد. وقرأ الأعمش وابن وثاب (المتينِ) بالجر صفة لـ ﴿الْقُوَّةِ﴾ على معنى الاقتدار (٧)، قاله الزمخشري (٨)، وكأنه قال: ذو الأيد. وأجاز أبو الفتح أن يكون صفة لـ ﴿ذُو﴾ وخفض على الجوار كقولهم: هذا جحر ضب خرب (٩).

стр. 10535

[٣٩٩٤] (حدثنا حفص بن عمر) بن الحارث بن سخبرة الأزدي (قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد اللَّه قال: كان رسول اللَّه ﷺ يقرأ ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾) هكذا رواه البخاري عن شعبة (١)، وأخرجه مسلم وأصحاب السنن إلا ابن ماجه من حديث أبي إسحاق (٢). (قال [أبو داود]) (٣): يعني: (مضمومة الميم) أوله (مفتوحة الدال) يعني: المهملة (مكسورة الكاف) أصله: مذتكر. قال أبو حيان (٤): قرئ هكذا على الأصل، فأبدلوا من التاء دالًا لقرب المخرج وتناسب الدال في النطق، ثم أدغموا الذال المعجمة في الدال المهملة، فشددت المهملة. قال أبو حاتم: ورويت عن النبي ﷺ بإسناد صحيح. قال ابن غلبون: وقرأ قتادة والضحاك: (فهل من مذكر) بالذال المعجمة، فأدغم الثاني في الأول، وليس هذا على كلام العرب، إنما يدغمون الأول في الثاني. قال أبو حاتم: وذلك رديء، ويلزمه أن يقرأ: واذَّكر بعد أمة، وتذخرون في بيوتكم. يعني بالذال المعجمة، والمعنى في قوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ استدعاء وحض على ذكره وحفظه لتكون زواجره وعلومه، وهذا بآية حاضرة في النفس. قال مطر: معناه هل من طالب علم فيعان عليه؟ [٣٩٩٥] (حدثنا أحمد بن صالح قال: حدثنا عبد الملك بن

стр. 10536

عبد الرحمن الذماري) ليس بالقوي، ذبح صبرًا (قال: ثنا سفيان قال: حدثني محمد بن المنكدر) بن عبد اللَّه بن الهدير، بضم الهاء مصغر، التيمي، تابعي كبير (١)، جمع بين العلم والزهد والعبادة والثقة والصدق (عن جابر قال: رأيت النبي ﷺ يقرأ (يحسب)) أي: بكسر السين كما تقدم في حديث لقيط، قال ابن عطية: قرأ ﴿يَحْسَبُ﴾ بفتح السين الأعرج وأبو جعفر وشيبة (٢) (﴿أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾). قال الزمخشري: أي: طول المال أمله ومناه الأماني البعيدة حتى أصبح لفرط غفلته وطول أمله يحسب أن المال تركه خالدًا في الدنيا لا يموت (٣). [٣٩٩٦] (حدثنا حفص بن عمر قال: حدثنا شعبة، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة) عبد اللَّه بن زيد الجرمي، تابعي معروف مشهور (عمن أقرأه رسول اللَّه ﷺ : ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾) قال ابن الحاجب في "الأمالي": العامل في الظرف ﴿يُعَذِّبُ﴾ وقد جاء ما بعد النفي عاملًا في الظرف في مواضع (٤) (لا يعذب) بفتح الذال (﴿عَذَابَهُ﴾) العذاب مضاف إلى الضمير الذي هو مفعول به، مثل قوله تعالى: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ (٥) قال أبو علي: وضع العذاب موضع التعذيب، والوثاق موضع الإيثاق كما وضع العطاء في موضع الإعطاء في قول الشاعر: وبعد عطائك المائة الرتاعا (٦) أي: لا يعذب أحد مثل عذابه، أو لا يحمل أحد عذاب الإنسان عنه

стр. 10537

لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١). (ولا يوثق) بفتح المثلثة، وهذِه قراءة ابن سيرين وابن أبي إسحاق وأبي (٢) حيوة والكسائي (٣) ويعقوب. قال الواحدي: اختار أبو عبيد قراءة الكسائي لما روى خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عمن سمع النبي ﷺ قرأهما بالفتح (٤). (﴿وَثَاقَهُ﴾) قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع بخلاف عنهم (وِثاقه) بكسر الواو، والجمهور بفتحها، والمعذب هو الكافر على العموم، وقيل: المراد به إبليس؛ لأن الدليل قام على أنه أشد من الناس عذابًا في قوله تعالى: ﴿لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾. وقيل: المعنى أن كل واحد من الزبانية يعذب أهل النار أنواعًا من الأعذبة، لكن لا يعذب أحد منهم عذابًا مثل عذاب هذا الإنسان الذي قابل إكرام اللَّه بالكفران. [٣٩٩٧] (حدثنا محمد بن عبيد) بالتصغير ابن حساب الغبري بضم الغين المعجمة وفتح الباء الموحدة (قال: حدثنا حماد، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة قال: أنبأني من أقرأه النبي ﷺ [أو من أقرأه من أقرأه النبي ﷺ ] (٥) فيومئذ لا يعذَّب) بفتح الذال، ولم يذكر الفاعل والذي يراد بـ ﴿أَحَدٌ﴾ الملائكة الذين يتولون تعذيب أهل النار. [٣٩٩٨] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء أن محمد بن أبي عبيدة) بالتصغير، المسعودي (حدثهم قال: حدثنا أبي) أبو عبيدة

стр. 10538

ابن معن، ذكره مسلم في "الكنى" ولم يسمه (١)، وثقه ابن معين (٢). (عن الأعمش، عن سعد) بن فيروز (٣) (الطائي) مولاهم، قال حبيب ابن أبي ثابت: كان أعلمنا وأفقهنا. (عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: حدث رسول اللَّه ﷺ حديثًا ذكر فيه جبريل وميكائيل) قال ابن الأثير: كأنه طرف من حديث (٤) (فقرأ جبرئيل) بفتح الجيم والراء وكسر الهمزة مع ياء (وميكائيل) بكسر الميم وبهمزة بعد الألف وياء بعدها. ولم أقف على نقل في قراءة النبي ﷺ : (جبريل وميكائيل) كيف تلفظ بها، فإن العرب تصرفت في هاتين اللفظتين على عادتها في تغيير الأسماء الأعجمية حتى بلغت إلى ثلاث عشرة (٥) لغة، وإذا اختلفت الروايات فالمرجع في ذلك إلى أصله وقاعدته إلى لغة قريش؛ لأن النبي ﷺ قرشي، ولهذا قال عثمان: إذا اختلفتم في شيء فاكتبوه بلغة قريش (٦). ومعناه: إذا اختلفتم فيما روي فاكتبوه بلغة قريش، ولما اختلفوا في التابوت [فقال زيد: التابوه. بالهاء، وقال ابن الزبير وسعيد بن العاص: التابوت. بالتاء] (٧) قال عثمان: اكتبوه بالتاء؛ فإنه نزل بلغة

стр. 10539

قريش. أخرجه البخاري والترمذي (١). وعلى هذا فجِبرِيل بكسر الجيم والراء على وزن قِندِيل، فإنها لغة الحجاز. وهي قراءة ابن عامر وأبي عمرو ونافع وحفص (٢). وقال حسان: وجبريل رسول اللَّه فيهم ... وروح القدس ليس له كفاء (٣) ويحتمل فتح الجيم مع كسر الراء من غير همز أيضًا، وهي قراءة ابن كثير (٤)، وروي عنه أنه قال: رأيت النبي ﷺ في النوم وهو يقرأ: جبريل وميكال. فلا أزال أقرأهما أبدًا. وأما ﴿وَمِيكَالَ﴾ فبالقصر مع حذف الهمز على وزن مفعال، وهي قراءة أبي عمرو و [حفص عن عاصم، ورويت عن ابن كثير منذ رآها في النوم، وهي لغة الحجاز (٥)] (٦). قال كعب بن مالك: وبوم بدر (٧) لقيناكم لنا مدد ... فيه مع النصر ميكال وجبريل (٨) [٣٩٩٩] (حدثنا زيد بن أخزم) بالخاء والزاي المعجمتين الطائي،

стр. 10540

روى عنه البخاري، قال: (ثنا بِشْر) بكسر الباء وسكون الشين المعجمة (بن عمر) الزهراني، ثقة. قال: (حدثنا محمد بن خازم) أبو معاوية الضرير، وهو بخاء وزاي معجمتين. (قال: ذُكِر) بضم الذال وكسر الكاف (كيف قراءة جبريل وميكائل عند) سليمان (الأعمش) وكان محمد بن خازم من رواته (فحدثنا الأعمش عن سعد) بن فيروز (١) (الطائي، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ذكر رسول اللَّه ﷺ صاحب الصُّور) وهو إسرافيل، والصور كالقرن، وهو على هيئة البوق (فقال: عن يمينه جبريل، وعن يساره ميكائيل)، وقرأه الأعمش: (جبرئييل) بياءين بعد همز، و (ميكائييل) بياءين أيضًا. [٤٠٠٠] (حدثنا أحمد بن حنبل) قال: (ثنا عبد الرزاق) بن همام، أحد الأعلام، قال: (أنا معمر، عن الزهري، قال معمر: وربما ذكر) الزهري سعيد (ابن المسيب) و (قال: كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان (٢) ﵃ يقرؤون ﴿مَالِكِ﴾) يعني بالألف (﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾) وروى أبو بكر بن أبي داود في ذلك شيئًا غريبًا حيث قال: حدثنا أبو عبد الرحمن الأذرمي قال: ثنا عبد الوهاب عن عدي بن الفضل، عن أبي المطرف، عن ابن شهاب أنه بلغه أن رسول اللَّه ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان ومعاوية وابنه يزيد بن معاوية كانوا يقرؤون: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣). قال ابن شهاب: (وأول من قرأها: (مَلِكِ)) (٤) يعني بحذف الألف
следующие страницы →