← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 11166–11205 · переход к 11171.

стр. 11166

خراب) وفيه حذف المضاف، تقديره عمارة بيت المقدس أمارة خراب، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ (١) ومنه قول الشاعر: فإنما هي إقبال وإدبار (٢) أي: ذات إقبال وإدبار. ويدل على هذا التقدير ذكر ترجمة المصنف: باب أمارات الملاحم. (يثرب) قد يؤخذ منه جواز تسمية المدينة يثرب، خلافًا لمن كرهه مستدلا بما روي عنه ﵇ أنه قال: "من قال للمدينة يثرب فليستغفر اللَّه ثلاثًا" (٣). وأما تسمية اللَّه لها فأجيب عنه بأن إطلاقه عليها باعتبار أنه إخبار عن مقالة الكفار، وذلك أن مكانًا بالمدينة كان لرجل من العمالقة فسماه يثرب. ويثرب مضارع ثرب بفتح الثاء والراء إذا لام وعتب ووبخ، ثم سميت المدينة باسم ذلك المكان، ولهذا جاءت الكراهة عند من قال؛ لأنه من التثريب كما قال تعالى حكاية عن يعقوب: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ (٤). قال السهيلي: ثرب بالتشديد مبالغة وتكثير من ثرب بالتخفيف، وأما تسميته ﷺ المدينة هنا يثرب؛ لما فيه من مناسبة ذكر التثريب وهو الحزن

стр. 11167

واللوم على خرابها، ألا ترى أنها لما كانت عامرة في زمانه ﷺ سماها طابة؛ لطيب المقام فيها في ذلك الوقت، بخلاف أيام خرابها لما شقت الإقامة في الخرب المستهدم سماها يثرب (وخراب) مدينة (يثرب) أمارة (خروج الملحمة) والملحمة وقوع القتال، سمي بذلك لاشتباك المقتتلين بعضهم في بعض كلحمة الثوب (وخروج الملحمة فتح قسطنطينية) بضم القاف والطاء كما تقدم، وفتح القسطنطينية خروج الدجال، يوافق ترتيب هذا الحديث رواية البخاري عن عوف بن مالك قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم فقال: "اعدد ستًّا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال، حتى يعطى الرجل مئة دينار فيظل ساخطًا، ثم فتنة لا يبقى بيت إلا دخلته" (١). ووفق الموافقة أن فتح بيت المقدس سبب عمرانها، وخراب يثرب وخروج الملحمة سبب موتان القتلى الذي تأخذكم كقعاص الغنم، فإن القعاص هو الموت المعجل، وفتح القسطنطينية هو سبب استفاضة المال حتى يعطى الرجل المال العظيم فيسخط به، ثم الفتنة التي لا تبقي بيتًا إلا دخلته، وهي فتنة المسيح الدجال التي أمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نستعيذ منها. (ثم ضرب) النبي ﷺ (بيده على فخذ الذي حدثه، أو) ضرب (منكبه، ثم قال إن هذا لحق كما أنك هاهنا. أو قال: إن هذا حق كما أنك قاعد)

стр. 11168

عندي الآن (يعني) أن المضروب على فخذه هو (معاذ بن جبل) الذي حدثه بهذا الحديث، فشبه النبي ﷺ تحقيق ما أخبر عنه من أمارات الساعة أنه واقع كتحقيق وقوع وجود معاذ عند النبي ﷺ أو قعوده عنده، وفيه تشبيه المخبر عنه بالمغيبات بما يعلم بالضرورة، وهو نظير قوله تعالى في حق الرزق الذي كتبه اللَّه لابن آدم: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ (١) فشبهه بنطق الآدمي المعلوم بضرورة السمع. * * *

стр. 11169

٤ - باب فِي تَوَاتُرِ المَلاحِمِ ٤٣٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلي، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ ابْنِ أَبِي مَرْيمَ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ سُفْيانَ الغَسَّانِي عَنْ يَزِيدَ بْنِ قُطَيْبٍ السَّكُونِي، عَنْ أَبِي بَحْرِيَّةَ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: قالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "المَلْحَمَةُ الكُبْرى وَفَتْحُ القُسْطَنْطِينِيَّةِ وَخُرُوجُ الدَّجّالِ في سَبْعَةِ أَشْهُرٍ" (١). ٤٣٩٦ - حَدَّثَنَا حَيْوَة بْن شُرَيْحٍ الحِمْصِي، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ بَحِيرٍ، عَنْ خالِدٍ، عَنِ ابن أَبي بِلالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "بَيْنَ المَلْحَمَةِ وَفَتْحِ المَدِينَةِ سِتُّ سِنِينَ وَيَخْرُجُ المَسِيحُ الدَّجَّالُ في السّابِعَةِ". قالَ أَبُو داوُدَ: هَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ عِيسَى (٢). * * * باب تواتر الملاحم [٤٢٩٥] (ثنا عبد اللَّه بن محمد) بن نفيل (النفيلي، ثنا عيسى بن يونس، عن أبي بكر) بن عبد اللَّه (بن أبي مريم) الغساني الشامي. قيل: اسمه بكير. وقيل: عبد السلام. وقيل: اسمه كنيته. كان قد سرق بيته فاختلط (عن الوليد بن سفيان) بن أبي مريم الغساني الشامي، وثق (عن يزيد بن قطيب) بضم القاف مصغر (السكوني) مقبول (عن أبي بحرية) بفتح الباء الموحدة وسكون الحاء المهملة وبعد الراء ياء

стр. 11170

مشددة مثناة تحت، واسمه عبد اللَّه بن قيس السكوني الحمصي، شهد خطبة عمر بالجابية، وثقه ابن معين وغيره (١). (عن معاذ بن جبل ﵁ قال رسول اللَّه ﷺ ) وقوع (الملحمة الكبرى) تأنيث أكبر، يعني: هي أكبر الملاحم التي قبلها وأعظمها مصيبة وأكثر قتلى (وفتح القسطنطينية) ويروى قسطنطينة بحذف الياء، وهو أكثر. قال هشام بن الكلبي في كتاب "البلدان": سميت القسطنطينية باسم ملك من ملوكهم (وخروج الدجال في سبعة أشهر) أي: أنها متقارب بعضها من بعض. [٤٢٩٦] (ثنا حيوة بن شريح) الحضرمي (الحمصي) شيخ البخاري (ثنا بقية) بن الوليد (عن بحير) بفتح الباء الموحدة وكسر الحاء المهملة، وهو ابن سعد السحولي، وهو حجة (عن خالد) (٢) بن معدان الكلاعي (عن) عبد اللَّه (ابن أبي بلال) الخزاعي وثق (عن عبد اللَّه بن بسر) بضم الموحدة وسكون المهملة ﵁. (أن رسول اللَّه ﷺ قال: بين الملحمة الكبرى) ويشبه أن تكون التي جاءت في رواية مسلم: "فيقتتلون مقتلة. إما قال: لا يرى مثلها. وإما قال: لم ير مثلها، حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم فما يخلفهم حتى يخر ميتًا فيتعاد بنو الأب كانوا مئة فلا يجدونه بقي منهم إلا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح أو أي ميراث يقاسم؟ ! فبينما هم كذلك إذ سمعوا بناس هم أكثر من ذلك، فجاءهم الصريخ أن الدجال خلفهم في

стр. 11171

ذراريهم". انتهى (١). فعلى هذا يكون قوله: "فبأي غنيمة يفرح؟ " يكون إشارة إلى غنيمة فتح المدينة المذكورة في قوله: (وفتح المدينة) وهي مدينة القسطنطينية التي لم يصيبوا غنيمة مثل غنيمتها حتى يقتسموا أموالها بالأترسة (ست سنين ويخرج المسيح الدجال في) السنة (السابعة قال: ) المصنف لتعارض هذين الحديثين عنده (هذا) الحديث (أصح من حديث عيسى) ابن يونس الذي قبله. وقد يجمع بين الحديثين بأن المراد في الذي قبله سبعة أشهر من سبع سنين بتكرر الشهر الذي في السنة الأولى في الثانية والثالثة إلى آخرها، وبهذا يزول التعارض، فإن حمل كل حديث على معنًى أولى من إبطال أحدهما. * * *

стр. 11172

٥ - باب فِي تَداعِي الأُمَمِ عَلَى الإِسْلَامِ ٤٢٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْراهِيمَ الدِّمَشْقي، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا ابن جابِرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ السَّلامِ، عَنْ ثَوْبانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَداعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَداعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِها". فَقالَ قائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قالَ: "بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ المَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهَنَ". فَقالَ قائِلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ وَما الوَهَنُ؟ قالَ: "حُبُّ الدُّنْيا وَكَراهِيَةُ المَوْتِ" (١). * * * باب في تداعي الأمم على الإسلام [٤٢٩٧] (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو بن ميمون (الدمشقي) قاضي الأردن وفلسطين شيخ البخاري (ثنا بشر) بكسر الموحدة وسكون الشين (٢) المعجمة (بن بكر) التنيسي، أخرج له البخاري (ثنا) عبد الرحمن بن يزيد (ابن جابر) (٣) الأزدي الداراني (حدثني أبو عبد السلام) صالح بن رستم الهاشمي، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٤) (عن ثوبان) مولى رسول اللَّه ﷺ ، وليس في الكتب الستة لأبي عبد السلام غير هذا الحديث فقط.

стр. 11173

(قال رسول اللَّه ﷺ : يوشك الأمم) قال بعضهم: المراد بالأمم أمم الكفر يدعو بعضهم بعضًا إلى قتالكم، كما يدعى الآكلون للأكل (أن تداعى عليكم) في المجيء إليكم (كما تداعى) أصله في كلا الموضعين تتداعى بتاءين حذفت إحداهما تخفيفًا. أي: تجتمع عليكم الأمم ويدعو بعضهم بعضًا في [المجيء عليكم كما تتداعى (الأكلة) بفتح الهمزة والكاف جمع آكل بالمد (١) كذا قال بعضهم أنه] (٢) الرواية مثل: كملة جمع كامل، وبررة جمع بار، ولعله مطرد في جمع فاعل (إلى قصعتها) بفتح القاف، فيقال: القصعة لا تكسر، والجراب لا يفتح، والمراد أن الأمم يدعو بعضهم بعضًا إلى هذِه الأمة كما يدعو الأكلون بعضهم بعضًا إلى الأكل من القصعة الموضوعة لأكل ما فيها كما في المأدبة الجفلى. (فقال قائل) من الحاضرين (ومن قلة) أهل الإسلام (نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم يومئذ غثاء) بضم الغين المعجمة وتخفيف المثلثة، كقوله تعالى: ﴿غُثَاءً أَحْوَى﴾ (٣) وهو ما يبقى فوق السيل يحمله من الزبد والوسخ والبؤورات والهشيم، فشبه ﷺ أراذل الناس وسقطهم بالذين يكونون في ذلك الزمان بغثاء (السيل) الذي يحمله إذا جرى مما لا ينتفع به [كما لا ينتفع] (٤) بأراذل ذلك الزمان

стр. 11174

(ولينزعن) أي: واللَّه ليخرجن (اللَّه من صدور عدوكم المهابة) يعني الإجلال والتعظيم والخوف الذي كان في قلوب العدو (منكم) والرعب الذي كان يصدع قلوبهم (١) ويرهبها. (وليقذفن) اللَّه تعالى (في قلوبكم الوهن) وهو الضعف. يعني: ضعف القلب والجبن عن قتال الكفار (٢) والفشل (فقال قائل) من الحاضرين، يحتمل أن يكون هو القائل الأول أو غيره (وما الوهن؟ ) أي: وما سبب هذا الوهن الذي يحصل للمسلمين؟ (قال) سببه (حب الدنيا وكراهية الموت) لأن من أحب الدنيا وركن إلى مساكنها وملابسها وشهواتها كره مفارقة ذلك، وكان ذلك سبب كراهية حلول الموت بساحته، فإنه قاطع للذاته مفرق بينه وبين أحبابه، فجبن بذلك عن القتال المؤدي إلى إزهاق روحه، ومهما قلل من الدنيا واستعمل فيها الخشونة وإن عليه الموت، فأحب لقاء اللَّه. * * *

стр. 11175

٦ - باب فِي المَعْقِلِ مِنَ المَلَاحِمِ ٤٢٩٨ - حَدَّثَنَا هِشامٌ بْنُ عَمّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا ابْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَرْطَاةَ قالَ: سَمِعْتُ جُبَيْرَ بْنَ نُفَيْرٍ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبي الدَّرْداءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "إِنَّ فُسْطاطَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ المَلْحَمَةِ بِالغُوطَةِ إِلَى جانِبِ مَدِينَةٍ يُقالُ لَها دِمَشْقُ مِنْ خَيْرِ مَدائِنِ الشّامِ" (١). ٤٢٩٩ - قالَ أَبُو داوُدَ: حُدِّثْتُ، عَنِ ابن وَهْبٍ، قالَ: حَدَّثَنِي جَرِيرُ بْن حَازِم، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُوشِكُ المُسْلِمُونَ أَنْ يُحاصَرُوا إِلَى المَدِينَةِ حَتَّى يَكُونَ أَبْعَدَ مَسالِحِهِمْ سَلاحُ" (٢). ٤٣٠٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْري قالَ: وَسَلاحُ قرِيبٌ مِنْ خَيْبَرَ (٣). * * * باب كراهية المعقل (٤) المعقل: الحصن، واحدة معاقل، وفي حديث ظبيان أن ملوك حمير ملكوا معاقل الأرض وقرارها (٥). أي: ملكوا ما يتحصنون به من

стр. 11176

المخاوف، وهي الحصون. [٤٢٩٨] (ثنا هشام بن عمار) السلمي الدمشقي، شيخ البخاري (ثنا يحيى بن حمزة) بفتح الحاء المهملة والزاي الحضرمي، قاضي دمشق (ثنا) عبد الرحمن بن يزيد (ابن جابر) الأزدي (حدثني زيد بن أرطاة) الفزاري، ثقة (قال: سمعت جبير بن نفير يحدث عن أبي الدرداء) عويمر ﵁. (أن رسول اللَّه ﷺ قال: إن فسطاط) بضم الفاء (المسلمين) أصل الفسطاط الخيمة الكبيرة، والمراد به هنا معقل المسلمين، كما بوب عليه المصنف. أي: ملجؤهم وحصنهم الذي يتحصنون به من الفتن دمشق. وقد جاء مبينًا في رواية أبي بكر ابن أبي شيبة: "معقل المسلمين من الملاحم" (١). (يوم الملحمة) دمشق، ومعقلهم من الدجال بيت المقدس، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج الطور [(بالغوطة) قال في "النهاية": الغوطة اسم البساتين والمياه التي حول دمشق، وهي غوطتها (٢)] (٣). (إلى جانب مدينة يقال لها: دمشق) بفتح الميم، وهي عربية أو معربة؟ قولان: قال أبو عبيد البكري في "معجم البلدان": سميت بدماشق بن نمروذ بن كنعان، فإنه هو الذي بناها، وكان آمن بإبراهيم

стр. 11177

-﵇ وصار معه، وكان أبوه نمروذ دفعه إليه لما رأى له من الآيات (١). وهذا يدل على أنها معربة. وقيل: هي من قول العرب: ناقة دمشق اللحم. إذا كانت خفيفة. والمرأة السريعة في العمل الخفيفة، ويقال: دمشق الضرب دمشقة: إذا ضرب ضربًا خفيفًا سريعًا. وهذا الحديث يدل على فضيلة دمشق وعلى فضيلة سكناها في آخر الزمان، وأنها حصن من الفتن، ومن فضائلها أنه دخلها عشرة آلاف عين رأت النبي ﷺ كما أفاده ابن عساكر في "تاريخه" (٢). ومن فضائلها ما شهد به قوله (من خير مدائن الشأم) بهمزة ساكنة مثل رأس، وتجوز مخففة بحذفها، وفيه لغة أخرى بمد الهمزة، وعن ابن الكلبي: سمي بذلك لأن قومًا من بني كنعان بن حام شاموا إليها. وقيل: سميت شامًا بسام بن نوح، واسمه بالسريانية شام، وحد الشام طولًا من العريش إلى الفرات، وجزم ابن حبان في "صحيحه" بأن أول الشام بالس، ولآخره العريش. وأما عرضه فمن جبل طيء من نحو القبلة إلى بحر الروم. ونقل النووي في القطعة التي على "سنن أبي داود" (٣) أن باب الكعبة مستقبل مطلع (٤) الشمس، فمن استقبله كان اليمن على يمينه والشام على شماله، فسمي بذلك، ودخله نبينا ﷺ قبل النبوة، ودخله بعدها مرتين

стр. 11178

إحداهما ليلة الإسراء والثانية في غزوة تبوك (١). [٤٢٩٩] (قال: ) المصنف (حدثت) مبني لما لم يسم فاعله (عن) عبد اللَّه (ابن وهب قال: حدثني جرير) بفتح الجيم، وهو ابن حازم، رأى جنازة أبي الطفيل (عن عبد اللَّه بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب. قال ابن عدي: لا بأس به صدوق (٢). (عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال رسول اللَّه ﷺ : يوشك المسلمون أن يحاصروا) بفتح الصاد (إلى المدينة) وينضمون إليها، ولا يستطيعون الخروج إلى حصن غيرها (حتى يكون أبعد مسالحهم) جمع مسلح أو مسلحة، وهو كالثغر والمرقب، يكون فيه أقوام يرقبون العدو؛ لئلا يطرقهم على غفلة، سموا بذلك؛ لأنهم يكونون ذوي سلاح كما تقدم. وتقدم أن سلاح بكسر السين موضع قريب من خيبر. [٤٣٠٠] (حدثنا أحمد بن صالح) المصري (عن عنبسة، عن يونس، عن الزهري قال) و (سلاح) موضع (قريب من خيبر) فليراجع. * * *

стр. 11179

٧ - باب ارْتِفاعِ الفِتْنَةِ فِي المَلاحِمِ ٤٣٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهّابِ بْن نَجْدَةَ، حَدَّثَنَا إِسْماعِيلُ، ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْن سَوّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْماعِيلُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمانُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ جابِرٍ الطّائي -قالَ هَارُونُ في حَدِيثِهِ- عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "لَنْ يَجْمَعَ اللَّهُ عَلَى هذِه الأُمَّةِ سَيْفَيْنِ سَيْفًا مِنْهَا وَسَيْفًا مِنْ عَدُوِّها" (١). * * * [٤٣٠١] (حدثنا عبد الوهاب بن نجدة) بفتح النون، وسكون الجيم الحوطي من جبلة الساحل، وثقه يعقوب بن شيبة (٢) (ثنا إسماعيل بن عياش) بالمثناة والشين المعجمة (٣)، قال دحيم: إذا حدث عن الشاميين فهو غاية (٤). وحديثه هنا عن الشاميين. (ح، وحدثنا هارون بن عبد اللَّه) بن مروان البغدادي، شيخ مسلم (ثنا الحسن بن سوار) بفتح المهملة، وتشديد الواو، وحدث عنه أحمد وصدقه (ثنا إسماعيل) بن عياش (ثنا سليمان بن سليم) مصغر الشامي القاضي بحمص، ثقة، عابد (عن يحيى بن جابر الطائي) قاضي حمص، أخرج له مسلم.

стр. 11180

(قال هارون) بن عبد اللَّه (في حديثه: عن عوف بن مالك) بن أبي عوف الأشجعي، كانت معه راية أشجع يوم فتح مكة. (قال رسول اللَّه ﷺ : لن يجمع اللَّه تعالى على هذِه الأمة سيفين: سيفًا) بدل مما قبله (منها) أي: من هذِه الأمة في قتال بعضهم لبعض في أيام الفتن والملاحم، وكل باغ من البغاة (وسيفا من عدوها) من الكفار الذين يقاتلونهم في الجهاد، فمن خصائص هذِه الأمة ورحمة اللَّه تعالى لها أن لا يجتمع قتال كفار ومسلمين في وقت واحد بل إما كفارًا وإما مسلمين، ولو كانوا في قتال مسلمين ووقع قتال كفار رجع المسلمون عن القتال واجتمعوا على قتال الكفار، لتكون كلمة اللَّه هي العليا. * * *

стр. 11181

٨ - باب فِي النَّهْي عَنْ تَهْيِيجِ التُّرْكِ وَالحَبَشَةِ ٤٣٠٢ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّمْليّ، حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ، عَنِ السَّيْباني، عَنْ أَبي سُكَيْنَةَ -رَجُلٍ مِنَ المُحَرَّرِينَ- عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحابِ النَّبِيّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قالَ: "دَعُوا الحَبَشَةَ ما وَدَعُوكُمْ، واتْرُكُوا التُّرْكَ ما تَرَكُوكُمْ" (١). * * * باب في النهي عن تهييج الترك والحبشة [٤٣٠٢] (ثنا عيسى بن محمد) أبو عمير ابن النحاس (الرملي) حافظ، عابد، فقيه (ثنا ضمرة) بن ربيعة الفلسطيني الرملي، روى له البخاري في "الأدب" والأربعة (عن) يحيى بن أبي عمرو (السيباني) بفتح المهملة نسبة إلى سيبان بطن من حمير، وهو ثقة (عن أبي سكينة) بضم السين المهملة مصغر، سماه عبد الحق في "الأحكام الكبرى" زياد بن مالك (٢)، وكذا سماه الذهبي (٣)، وقال: الأظهر أن حديثه مرسل. (رجل) بالجر (من المحررين) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء المفتوحة بعدها، وكسر التي بعدها يعني: الموالي، وكان النبي ﷺ إذا جاءه شيء لم يبدأ بأول من المحررين؛ لأنهم قوم لا ديوان لهم، وإنما يدخلون في جملة مواليهم (عن رجل من أصحاب

стр. 11182

النبي ﷺ عن النبي ﷺ ، قال: دعوا الحبشة) أي: اتركوهم (ما ودعوكم) أي: مدة ما تركوا محاربتكم. قال ابن سيده في "المحكم": الحبش جنس من السودان. قال: والحبشة ليس بصحيح في القياس؛ لأنه لا واحد له على مثال فاعل، فيكون على فعلة (١). وقال ابن دريد: الحبشة على غير قياس (٢). والحديث حجة عليهما، وقد حكى الجوهري حبشة (٣). وفي قوله ﷺ رد على ما زعمت النحاة أن العرب أماتت ماضي ودع ومصدره واسم الفاعل، وقد ورد الماضي عن أفصح العرب في هذا الحديث، وكذا جاء في كلام اللَّه تعالى في قراءة مجاهد وابن أبي عبلة (٤) ويزيد النحوي: (ما وَدَعَك ربك) بتخفيف الدال كما في الحديث، وكذا جاء المصدر في الحديث: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات" (٥)، وكلام اللَّه وكلام أفصح الفصحاء متبوع لا تابع، بل فصحاء العرب عن آخرهم بالإضافة إليه كلا شيءٍ. (واتركوا الترك ما تركوكم) أي: ما داموا في ديارهم ولم يتعرضوا لكم، ووجه تخصيص جهتي الحبشة والترك أن الحبشة بلادهم وعرة ذات حر عظيم، ويقال: إن نهر النيل الواصل إلى مصر من بلادهم

стр. 11183

يأتي، فإذا شاؤوا حبسوه، وبين المسلمين وبينهم مهاد عظيمة ومفاوز شاقة، فلم يكلف الشارع المسلمين دخول ديارهم؛ لعظم ما يحصل لهم من التعب والمشقة في ذلك، ولأن الحبشة ستأتي إلى الكعبة وتستخرج كنز الكعبة كما سيأتي في الباب الذي بعده، فلا يطاقون. وأما الترك فبأسهم شديد، وبلادهم أيضًا بعيدة، وطباعهم غليظة، وقلوبهم قاسية لا تفقه ذوائق الإيمان، وبلادهم باردة جدًّا لا تخلو غالبًا عن الثلوج، والعرب بلادهم حارة جدًّا، فلم يكلفهم تلك البلاد التي لا يستطيعون الإقامة بها ولا معاشرة ما لا يوافق طباعهم، فلهذا ترك هذين الجنسين دون غيرهم، وأما إذا دخلوا بلاد الإسلام قهرًا والعياذ باللَّه تعالى، واستباحوا دماء المسلمين وأموالهم كما وقع من الططر وغيرهم، فلا يباح لأحد ترك قتالهم والذب عن أبضاعهم وأنفسهم، فإن قتالهم في هذِه الحالة فرض عين، وفي الحالة الأولى غير فرض، واللَّه أعلم. * * *

стр. 11184

٩ - باب في قِتَالِ التُّرْكِ ٤٣٠٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -يَعْني الإِسْكَنْدَراني- عَنْ سُهَيْل -يَعْني ابن أَبي صالِحٍ- عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "لَا تَقُومُ السّاعَةُ حَتَّى يُقاتِلَ المُسْلِمُونَ التُّرْكَ قَوْمًا وُجُوهُهُمْ كالمَجانِّ المُطْرَقَةِ يَلْبَسُونَ الشَّعْرَ" (١). ٤٣٠٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وابْنُ السَّرْحِ وَغَيْرُهُما، قالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عَنِ الزُّهْري، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوايَةً -قالَ ابن السَّرْحِ- أَنَّ النَّبي ﷺ قالَ: "لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتَّى تُقاتِلُوا قَوْمًا نِعالُهُمُ الشَّعْرُ وَلا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقاتِلُوا قَوْمًا صِغارَ الأَعْيُنِ ذُلْفَ الأَنُفِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجانُّ المُطْرَقَةُ" (٢). ٤٣٠٥ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْن مُسافِرٍ التِّنِّيسيّ، حَدَّثَنَا خَلَادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا بَشِيرُ ابْن المُهاجِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْن بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ: "يُقاتِلُكُمْ قَوْمٌ صِغَارُ الأَعْيُنِ". يَعْني التُّرْكَ قالَ: تَسُوقُونَهُمْ ثَلاثَ مِرارٍ حَتَّى تُلْحِقُوهُمْ بِجَزِيرَةِ العَرَبِ فَأَمَّا فِي السِّياقَةِ الأُولَى فَيَنْجُو مَنْ هَرَبَ مِنْهُمْ وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَيَنْجُو بَعْضٌ وَيَهْلِكُ بَعْضٌ وَأَمَّا فِي الثّالِثَةِ فَيُصْطَلَمُونَ". أَوْ كَما قالَ (٣). * * * باب في قتال الترك [٤٣٠٣] (حدثنا قتيبة) بن سعيد (ثنا يعقوب) بن عبد الرحمن القاري

стр. 11185

(الإسكندراني) أخرج له الشيخان (عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه) أبي صالح ذكوان السمان (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك، قومًا) بدل نكرة من معرفة كقوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ﴾ (١). (وجوههم كالمجان) بفتح الميم، وتخفيف الجيم، وتشديد النون جمع مجن بكسر الميم وهو الترس (المطرقة) بضم الميم، وإسكان الطاء وتخفيف الراء، هذا هو المشهور في الرواية، وحكي فتح الطاء، وتشديد الراء، وصوبه في "المشارق" (٢) والمعروف الأول، وهو إلباس الجلد فوق الجلد، يقال: طارقت النعل: إذا ركبت جلدًا على جلد وخرزته عليه، ومعناه: وجوه الترك في عرضها ونتوء وجناتها كالأتراس (٣) المطرقة (يلبسون) أي: نعالهم (الشعر) أي: ينتعلون في لبس أرجلهم الشعر ويمشون فيه، وهو أنهم يصنعون من الشعر حبالا ويخيطونها نعالًا كما يصنعون منها ثيابًا لما في بلادهم من الثلج العظيم. [٤٣٠٤] (ثنا قتيبة) بن سعيد (و) أحمد بن عمرو (ابن السرح وغيرهما قالوا: ثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ رواية) الأصح أنه بمعنى الرفع. (قال ابن السرح: ) في روايته (أن النبي ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى

стр. 11186

تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر) قال القرطبي: يحتمل أن شعورهم كثيفة طويلة، فهي إذا سدلوها صارت ذوائبها -لوصولها إلى أرجلهم- كالنعال (١). وإذا سدلوها على أبدانهم صارت كاللباس الذي يلبسوه، قال: والقول المتقدم أظهر من هذا، يعني: لكونه حملًا على الحقيقة. قال ابن دحية: إنما كانت نعالهم من ضفائر الشعر أو من جلود مشعرة لما في بلادهم من الثلج العظيم الذي لا يكون في بلد كبلادهم، ويكون من جلد الذئب وغيره. (ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا صغار الأعين، ذلف) بالذال المعجمة والمهملة والمعجمة أصوب، وهي مضمومة، واللام ساكنة (الآنُف) بمد الهمزة المفتوحة، وضم النون، هكذا في بعض النسخ المعتمدة وفي بعضها "الأنوف" (٢)، وكلاهما جائز، فإن الأنف يجمع على أنف كفلس وأفلس وعلى أنوف كفلس وفلوس، والمراد بـ (ذلف الأنف): فطس الأنوف قصارها مع انبطاح، يقال: أنف أذلف: إذا كان فيه غلظ وانبطاح. قال النووي: وقد وجدوا في زماننا بهذِه الصفات (٣). وقاتلهم المسلمون ثلاث مرات. (كأن وجوههم المجان المطرقة) حكى القرطبي عن شيخه أبي إسحاق

стр. 11187

الحمزي أن الصواب فيه: المطْرقة. بسكون الطاء، وفتح الراء أي: التي أطرقت بالعقب. أي: البست حتى غلظت كأنها ترس على ترس. ثم قال: وهذا ما نقلناه عن الخطابي (١) وقاله أهل اللغة (٢). [٤٣٠٥] (ثنا جعفر بن مسافر) بن راشد (التنيسي) بكسر التاء المثناة فوق، وكسر النون المشددة، نسبة إلى بلدة بديار مصر، وسميت بتنيس ابن حام بن نوح، وهو صدوق (ثنا خلاد بن يحيى) بن صفوان السلمي، روى عنه البخاري في الغسل والصلاة والذبائح (ثنا بشير) بفتح الموحدة، وكسر المعجمة (بن المهاجر) الغنوي أخرج له مسلم في الحدود (٣) (ثنا عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه) بريدة بن الحصيب ﵁ (عن النبي ﷺ في حديث: يقاتلكم قوم صغار الأعين. يعني: الترك) ثم (قال: تسوقونهم ثلاث مرات) سوق الدواب (حتى تلحقوهم بجزيرة العرب). قال الأصمعي: هي ما بين عدن إلى (٤) أطراف الشام طولًا، ومن جدة وما والاها من شاطئ البحر إلى ريف العراق عرضًا. وقال أبو عبيدة: هي ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى تهامة طولًا، وأما العرض فما بين يبرين إلى منقطع السماوة. ونقل البكري أن جزيرة العرب مكة والمدينة واليمن واليمامة (٥).

стр. 11188

(فأما في السياقة الأولى فينجو من هرب منهم، و) أما السياقة (الثانية فينجو بعض) من هرب منهم (ويهلك) بكسر اللام (بعض، وأما في) السياقة (الثالثة فيصطلمون) بضم (١) الياء، وسكون الصاد، وفتح الطاء المهملتين، ثم لام مفتوحة مبني لما لم يسم فاعله، والاصطلام افتعال من الصلم، وهو القطع المستأصل، يقال: اصطلمت أذنه إذا استأصلت قطعها، ومنه حديث الهدي والضحايا: "ولا المصطلمة" (٢). ورواه الإمام أحمد في "مسنده" بزيادة ولفظه: حدثنا أبو نعيم، ثنا بشير بن المهاجر قال: حدثني عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ فسمعت النبي ﷺ يقول: "إن أمتي يسوقها قوم عراض الوجوه، صغار الأعين، كأن وجوههم الحجف ثلاث مرات، حتى تلحقوهم بجزيرة العرب، أما السياقة الأولى فينجو من هرب منهم، وأما السياقة الثانية فيهلك بعض وينجو بعض، وأما السياقة الثالثة فيصطلمون كلهم من بقي منهم" قالوا: يا رسول اللَّه من هم؟ قال: "هم الترك. قال: أما والذي نفسي بيده ليربطون خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين". قال: فكان بريدة لا يفارقه بعيران أو ثلاثة ومتاع السفر والأسقية بعد ذلك للهرب مما سمع من النبي ﷺ من البلاء من الترك (٣).

стр. 11189

قال أبو الخطاب عمر بن دحية: هذا سند صحيح، أسنده إمام السنة والصابر على المحنة أحمد بن حنبل، عن الإمام المجتمع على ثقته أبي نعيم الفضل بن دكين، وبشير بن المهاجر ثقة، رأى أنس بن مالك (١). قال القرطبي: والحديث يدل على خروجهم وقتالهم المسلمين وقتلهم، وقد وقع ذلك على نحو ما أخبر به ﷺ ، فخرج منهم في هذا الوقت أمم لا يحصيهم إلا اللَّه، ولا يردهم عن المسلمين إلا اللَّه، حتى كأنهم يأجوج ومأجوج أو مقدمتهم (٢). قال الحافظ ابن دحية: فخرج في جمادى الأولى سنة سبع عشرة وستمئة جيش من الترك يقال لهم: الططر. عظم في قتلهم الخطب والخطر، وقضي لهم من قتل النفس المؤمنة الوطر. (أو كما قال) هذا مما يستعمله المحدثون إذا شك الراوي في شيء من ألفاظ الحديث. * * *

стр. 11190

١٠ - باب فِي ذِكْرِ البَصْرَةِ ٤٣٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فارِسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الوارِثِ، حَدَّثَنِي أَبي، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْن جُمْهانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ بْنُ أَبي بَكْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "يَنْزِلُ ناسٌ مِنْ أُمَّتِي بِغَائِطٍ يُسَمُّونَهُ البَصْرَةَ عِنْدَ نَهْرٍ يُقالُ لَهُ دِجْلَةُ يَكُونُ عَلَيْهِ جِسْرٌ يَكْثُرُ أَهْلُها وَتَكُونُ مِنْ أَمْصارِ المُهاجِرِينَ". قالَ ابن يَحْيَى: قالَ أَبُو مَعْمَرٍ: "وَتَكُونُ مِنْ أَمْصارِ المُسْلِمِينَ فَإِذا كانَ في آخِرِ الزَّمانِ جاءَ بَنُو قَنْطُوراءَ عِراضُ الوُجُوهِ صِغارُ الأَعْيُنِ حَتَّى يَنْزِلُوا عَلَى شَطِّ النَّهْرِ فيَتَفَرَّقُ أَهْلُها ثَلاثَ فِرَقٍ فِرْقَةٌ يَأْخُذُونَ أَذْنابَ البَقَرِ والبَرِّيَّةِ وَهَلَكُوا وَفِرْقَةٌ يَأْخُذُونَ لأَنْفُسِهِمْ وَكَفَرُوا وَفِرْقَةٌ يَجْعَلُونَ ذَرارِيَّهُمْ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ وَيُقاتِلُونَهُمْ وَهُمُ الشُّهَداءُ" (١). ٤٣٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبّاحِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا مُوسَى الحَنَّاط -لا أَعْلَمُهُ إِلَّا ذَكَرَهُ- عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: "يا أَنَسُ إِنَّ النَّاسَ يُمَصِّرُونَ أَمْصارًا وَإِنَّ مِصْرًا مِنْها يُقالُ لَهُ البَصْرَةُ أَوِ البُصَيْرَةُ فَإِنْ أَنْتَ مَرَرْتَ بِها أَوْ دَخَلْتَها فَإِيَّاكَ وَسِبَاخَها وَكِلاءَهَا وَسُوقَها وَبابَ أُمَرائِها وَعَلَيْكَ بِضَواحِيها فَإنَّهُ يَكُونُ بِها خَسْفٌ وَقَذْفٌ وَرَجْفٌ وَقَوْمٌ يَبِيتُونَ يُصْبِحُونَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ" (٢). ٤٣٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ المُثَنَّى حَدَّثَنِي إِبْراهِيمُ بْن صَالِحِ بْنِ دِرْهَمٍ قالَ:

стр. 11191

سَمِعْتُ أَبي يَقُول انْطَلَقْنَا حَاجِّينَ فَإِذا رَجُلٌ فَقالَ لَنَا إِلَى جَنْبِكُمْ قَرْيَةٌ يُقَال لَها الأُبُلَّةُ قُلْنا نَعَمْ. قالَ مَنْ يَضْمَن لي مِنْكُمْ أَنْ يُصَلِّي لي في مَسْجِدِ العَشّارِ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا وَيَقُولَ هذِه لأَبي هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ خَلِيلي أَبا القاسِمِ ﷺ يَقُول: "إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مِنْ مَسْجِدِ العَشّارِ يَوْمَ القِيامَةِ شُهَداءَ لا يَقُومُ مَعَ شُهَداءِ بَدْرٍ غَيْرُهُمْ". قالَ أَبُو داوُدَ: هَذَا المَسْجِدُ مِمّا يَلي النَّهْرَ (١). * * * باب ذكر البصرة [٤٣٠٦] (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس) الذهلي (ثنا عبد الصمد (٢) بن عبد الوارث) التنوري الحافظ (حدثني أبي) عبد الوارث ابن عبد الصمد التنوري، أخرج له مسلم (حدثنا سعيد (٣) بن جمهان) بضم الجيم وإسكان الميم، الأسلمي صدوق (ثنا مسلم بن أبي بكرة) الثقفي أخرج له مسلم في الفتن (٤). (قال: سمعت أبي) أبا بكرة نفيع بن الحارث الثقفي ﵁ (يحدث أن رسول اللَّه ﷺ يقول: ينزل ناس من أمتي بغائط) أي: ببطن مطمئن من الأرض (يسمونه البصرة) ويقال لها: المؤتفكة؛ لأنها ائتفكت بأهلها

стр. 11192

في أول الدهر. أي: انقلبت. ويقال لها: قبة الإسلام، والبصرة: مدينة السلام بغداد؛ لأنها شط الدجلة وجسرها في وسطها وسماها بصرة؛ لأن ببغداد موضعا (١) خارج المدينة قريبًا من بابها يسمى باب البصرة، فسمى النبي ﷺ بغداد باسم بعضها، ويقال لها: البصيرة. ويقال لها: قبة الإسلام. وهي في الأصل الحجارة الرخوة تضرب إلى البياض، وسميت البصرة؛ لأن المسلمين لما قدموها رئي الحصا من بعيد، فقالوا: إن هذِه أرض بصرة. يعني: حصبة. وبنى البصرة عتبة بن غزوان في سنة تسع عشرة من الهجرة في خلافة عمر، قيل: إنه لم يعبد بأرضها صنم (عند نهر) بفتح الهاء (يقال له: دجلة) بكسر الدال، وهو النهر المشهور بالعراق ولا يدخلها الألف واللام؛ لأنه معرفة بخلاف الفرات. قال أبو الفتوح الهمذاني: سميت دجلة لكثرة مائها، ومنه اشتقاق الدجال لكثرة جموعه. وقيل: المراد بالنهر نهر بغداد، فإنها شط الدجلة وجسرها في وسطها (يكون عليه جسر) عظيم تمشي عليه القوافل (يكثر أهلها) أي: أهل البصرة أول ما سكنها الناس سنة ثمان عشرة من الهجرة (وتكون من أمصار المهاجرين). و(قال) محمد (ابن يحيى) بن فارس (قال أبو معمر) عبد اللَّه بن عمرو ابن أبي الحجاج ميسرة المقرئ، مولاهم البصري المقعد حدث عنه المصنف والبخاري، وهو روى هذا الحديث عن عبد الوهاب

стр. 11193

(وتكون) البصرة (من أمصار المسلمين) أعصرا كثيرة (فإذا كان في آخر الزمان جاء بنو قنطورا) بفتح القاف وسكون النون وضم الطاء المهملة. قال المنذري: وهو مقصور غير ممدود كما حكاه ابن قوطية، وكانت قنطورا جارية إبراهيم الخليل ﵇، ولدت له أولادًا منهم الترك والصين والبصرة، وهم من ولد يافث، وهم أصناف كثيرة أصحاب حصون ومدن، منهم قوم في رؤوس الجبال والبراري، ليس لهم عمل غير الصيد، وهم يأكلون الرخم والغربان، وليس لهم دين، وملكهم يقال له: خاقان. (عراض الوجوه صغار الأعين حتى ينزلوا على شط النهر فيتفرق) بفتح المثناة تحت، ثم المثناة فوق وتشديد الراء (أهلها) أي: أهل بغداد من أعيانهم وعلمائهم (ثلاث فرق: فرقة) بالنصب بدل من ثلاث، ويجوز رفعها على حذف خبر مبتدأ (يأخذون أذناب البقر) يقال: أخذ في الشيء الفلاني إذا شرع فيه. والمراد أن فرقة منهم إذا لقوا العدو هربوا بأبقارهم ومواشيهم، واستاقوها أمامهم، وأخذوا حال سوقها طالبين النجاة لهم ولمواشيهم وأبقارهم من عدوهم (و) طالبين (البرية) القفراء؛ لينجوا من عدوهم، ويجوز أن يكون المراد أنهم يشتغلون بالزراعة خلف أذناب البقر، ويشتغلون عن القتال بالزراعة في البرية القفراء. قيل: وقعت هذِه الوقعة في زمن المعتصم باللَّه ومن معه من أهل بغداد سنة ست وخمسين وستمئة، كما ذكر في الحديث. (وفرقة يأخذون لأنفسهم) الأمان من عدوهم؛ ليسلموا من القتل

стр. 11194

(وكفروا) باللَّه تعالى ودخلوا في دينهم، وفي بعض النسخ كما في رواية: "وهلكوا" بدل (كفروا) وسبب هلاكهم أنهم سلموا أنفسهم وطلبوا أمان من لا وفاء له، بل شيمتهم الغدر (وفرقة يجعلون ذراريهم) بتشديد الياء وتخفيفها، وأصلها الهمز، لكنهم لم يستعملوه إلا بغير همز (خلف ظهورهم) ويجعلون أنفسهم وقاية أزواجهم وذراريهم (ويقاتلونهم) حتى استشهدوا فقتلوا في سبيل اللَّه (وهم الشهداء) وفيه: أن من قتل في الدفع عن أولاده وأولاد أولاده المذكور والإناث فهو شهيد، وكذا من قتل في الدفع عن زوجته. [٤٣٠٧] (ثنا عبد اللَّه بن الصباح) البصري العطار، شيخ البخاري في الصلاة والبيوع والتعبير (١) (ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد) العمي (ثنا موسى) بن أبي عيسى (الحناط) بفتح الحاء المهملة وتشديد النون، واسم أبيه ميسرة، أخرج له مسلم (لا أعلمه ذكره إلا عن موسى بن أنس) بن مالك الأنصاري، قاضي البصرة، مات بعد أخيه النضر، وهو تابعي، وثقه ابن سعد وغيره، وهو قليل الحديث (٢). (عن) أبيه (أنس بن مالك ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال له: يا أنس، إن الناس يمصرون) بتشديد الصاد المكسورة، أي: يضعون أساس مصر من الأمصار ويبنونه مثل: يمدنون المدن (أمصارا) جمع مصر (وإن مصرا منها يقال له: البصرة) يدل على أنها محدثة إسلامية، كما تقدم أنها بنيت في خلافة عمر بعد وقف السواد، ولهذا دخلت في حده.

стр. 11195

وأنكر الزجاج فتح الباء مع حذف الهاء، ومع إثباتها يجوز فتح الباء وكسرها، وكذا البصري في الإضافة (أو البصيرة) بالتصغير، ويقال لها: تدمر، والمؤتفكة؛ لأنها ائتفكت بأهلها في أول الدهر، قاله صاحب "المطالع" (١). قال أبو سعد السمعاني: ويقال لها: قبة الإسلام، وخزانة العرب (٢). قال ابن دريد: وتسمى الرعناء؛ لأنها تشبه برعن الجبل (٣). (فإن أنت مررت بها أو دخلتها فإياك وسباخها) بالنصب على التحذير. أي: أحذر نفسك من سباخها، فحذف الفعل، فصار الضمير المتصل منفصلًا، وهو (إياك) المعنى: يا أنس، إن الناس ينشئون أمصارًا كثيرة ويسكنون فيها، وإن مصرًا منها يقال له: البصرة. فإن اتفق نزولك فيها فاحذر سباخها وكلاءها. والسباخ جمع سبخة بإسكان الباء ككلاب جمع كلبة، والسبخة هي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر (وكلاءها) بالتشديد والمد، وهو شاطئ النهر، والموضع الذي تربط فيه السفن. وقال المهلبي: كلاء يصرف ولا يصرف. وقال الجوهري: وناس يجعلون كلاء البصرة اسمًا (٤) من كلَّ على فعلاء ولا يصرفونه. والمعنى أنه موضع تكل فيه الريح عن عملها في غير هذا الموضع. انتهى كلام الجوهري (٥).

стр. 11196

والمعنى أنه يدفع الريح عن السفن، وقيل: سمي بذلك لأنهم يحلون سفنهم هناك. أي: يحبسونها، وروي في غير أبي داود: "وجبلها" بدل: (كلاءها) ومنه الحديث: "من مشى على الكلاء قذفناه في الماء" (١)، ومنه: سوق الكلاء بالبصرة، وهذا مثل ضربه لمن عرض بالقذف شبهة في معارضة التصريح بالماشي على شاطئ النهر، وإلقاؤه في الماء إيجاب القذف عليه وإلزامه بالحد. قال سيبويه: كلاء فعال: مثل خباز بالتشديد (٢)، وعلى هذا فهو مذكر مصروف. (و) إياك و (سوقها وأبواب أمرائها) وتحذير رسول اللَّه ﷺ أنسًا من هذِه المواضع المذكورة في البصرة إشارة إلى أن تلك المواضع فيها أقوام من أهل القدر، والخسف وغيره من العذاب يكون للمكذبين بالقدر، والدليل على ما روي عنه ﷺ يكون في أمته خسف ومسخ، وذلك في المكذبين بالقدر (٣). (وعليك بضواحيها) إغراء كقوله ﵇: "فعليه بالصوم" (٤) فضواحيها مفعول به، والباء زائدة عند الأخفش، جمع ضاحية، وهي الناحية البارزة للشمس، يقال: هم ينزلون بالضواحي. أي: ظاهر البلدة، ومنه قيل: قريش بالضواحي. أي: نازلون بظاهر مكة.

стр. 11197

وروي أنه ﷺ قال لأنس: "البصرة إحدى المؤتفكات فانزل في ضواحيها" (١) (فإنه يكون بها) الباء بمعنى (في) أي: يكون فيها. أي: بنفس مدينة البصرة دون ضواحيها (خسف) الخسف هاهنا هو الذهاب في الأرض كما قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ (٢) ويحتمل أن يراد بالبصرة بغداد كما تقدم، وسماها البصرة؛ لأن في بغداد موضعًا (٣) يقال له: باب البصرة، فسمى النبي ﷺ بغداد باسم بعضها، ويدل على ذلك ما ذكره أرطاة بن المنذر كما حكاه القرطبي، قال رجل لابن عباس وعنده حذيفة بن اليمان: أخبرني عن تفسير قوله تعالى: ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ فأعرض عنه حتى أعاد عليه ثلاثًا، فقال: يا (٤) حذيفة، أنا أنبئك بها، نزلت في رجل من أهل بيته يقال له: عبد الإله، أو عبد اللَّه، ينزل على نهر من أنهار المشرق يبني عليه مدينتين يشق النهر بينهما شقا، فإذا أراد اللَّه زوال ملكهم وانقطاع دولتهم بعث على إحداهما نارًا ليلًا، فتصبح سوداء مظلمة، ثم يخسف اللَّه بها وبهم (٥). قيل: هذا الخسف يكون للمكذبين؛ لما روي في الحديث: "يكون في أمتي خسف ومسخ" وذلك في المكذبين بالقدر، ولم يقع بعد،

стр. 11198

فليحذر، فذلك قوله: ﴿حم (١) عسق﴾ أي: عزيمة من عزائم اللَّه وفتنة وقضاء حتم. أي: حم ما هو كائن، عين عدلًا منه، سين سيكون، ق واقع في هاتين المدينتين (١). ونظير هذا التفسير ما روى جرير بن عبد اللَّه البجلي، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "تبنى مدينة بين دجلة ودجيل يجتمع فيها جبابرة الأرض يجبى إليها الخزائن يخسف بها" (٢). وفي رواية: "يخسف بأهلها" (٣) فهي أسرع ذهابًا في الأرض من الوتد الجيد في الأرض الرخوة. وقرأ ابن عباس: (حم سق) بغير عين، وكذلك هو في مصحف عبد اللَّه بن مسعود (٤)، حكاه الطبري (٥)، وذكر القشيري والثعلبي (٦) في تفسيرهما أن النبي ﷺ لما نزلت هذِه الآية عرفت الكآبة في وجهه، فقيل له: ما أحزنك؟ قال: "أخبرت ببلايا تنزل بأمتي من خسف وقذف ونار تحشرهم ونار (٧) تقذفهم في البحر،

стр. 11199

وآيات متتابعات بنزول عيسى، وخروج الدجال" (١). (وقذف) القذف المراد الريح الشديدة الباردة، أو قذف الأرض للموتى بعد الدفن بالحجارة، الرمي بها من السماء كما فعل بقوم لوط، ويحتمل أن يراد بالقذف النار كما تقدم في رواية الثعلبي: "ونار (٢) تقذفهم في البحر". (ورجف) بسكون الجيم، والرجفة الزلزلة، والرجفان: الاضطراب، والتحرك أن تتحرك الأرض وترجف بأهلها، وقد وقع كثيرًا كما تقدم (وقوم يبيتون) بضم أوله وفتح ثالثه. أي: يأتيهم العذاب ليلًا والتبييت هو أن يقصد في الليل بغتة من غير أن يعلم و (يصبحون) وقد مسخوا (قردة وخنازير) قال ابن قيم الجوزية في "إغاثة اللهفان": إن المسخ على صورة القردة والخنازير واقع في هذِه الأمة ولا بد، وهو واقع في طائفتين علماء السوء الكاذبين على اللَّه ورسوله الذين قلبوا دين اللَّه وشرعه، فقلب اللَّه صورهم كما قلبوا دينه (٣)، والمجاهرين المتهتكين بالفسق والمحارم، ومن لم يمسخ في الدنيا مسخ في قبره، أو يوم القيامة (٤). قال: وفي حديث أبي هريرة: "يمسخ قوم في هذِه الأمة في آخر

стр. 11200

الزمان قردة وخنازير" قالوا: يا رسول اللَّه، أليس يشهدون أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه؟ قال: "بلى، ويصلون ويصومون ويحجون" قالوا: فما بالهم؟ قال: "اتخذوا المعازف والدفوف والقينات، فباتوا على شربهم ولهوهم، فأصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير" وفي حديث جبير بن نفير: "ليبتلين آخر هذِه الأمة بالرجف، فإن تابوا تاب اللَّه عليهم، وإن عادوا عاد اللَّه عليهم بالرجف والقذف والمسخ". وقال مالك بن دينار: بلغني أن ريحًا تكون في آخر الزمان وظلمة، فيفزع الناس إلى علمائهم فيجدونهم وقد مسخوا قردة وخنازير (١). ذكر هذِه الأحاديث والآثار بأسانيدها ابن أبي الدنيا في كتاب "ذم الملاهي" (٢) وقد تقدم شيء من ذلك. [٤٣٠٨] (ثنا محمد بن المثنى، حدثني إبراهيم بن صالح بن درهم) بفتح الهاء، وسيأتي، الباهلي البصري، فيه لين (قال: سمعت أبي) صالح ابن درهم أبا الأزهر البصري، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٣) وليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث. (يقول: انطلقنا حاجين) بتشديد الجيم المكسورة. أي: قاصدين الحج (فإذا) للمفاجأة (رجل) بالرفع مبتدأ نكرة، فإن من مسوغات الابتداء بالنكرة أن تقع بعد (إذا) الفجائية؛ لأنها من خواص الابتداء، وشاهده:

стр. 11201

حَسِبْتُكَ فِي الوَغَى بُرْدَي (١) حُرُوبٍ ... إذَا خَوَرٌ لَدَيكَ فَقُلْتُ سُحْقَا (٢) وخبر هذا النكرة الذي في الحديث محذوف تقديره: فإذا رجل جالس بين القوم. (فقال لنا) إن (إلى جنبكم قرية يقال لها: الأبلة) بضم الهمزة والباء الموحدة وتشديد اللام المفتوحة، ثم تاء تأنيث، بلد معروفة إلى جانب البصرة، سميت باسم امرأة كانت تسكنها [يعني: تنزل فيها] (٣). قال الحازمي: هي قرب البصرة [في جانبها البحري، وهي أقدم من البصرة (٤). والأبلة واحدة جنان الدنيا وهي أربعة: الأبلة، البصرة] (٥) وغوطة دمشق وسلعة سمرقند وشعب بواد كرمان. وقال الأصمعي: هو اسم نبطي في الأصل، وذلك أنهم كانوا يصنعون فيها، فإذا كان الليل وضعوا أدواتهم عند امرأة يقال لها: هوبى أو لبى. فماتت المرأة، فسميت الأبلة بذلك، هكذا قال القالي في "البارع". وقال يعقوب: الأبلة الفِدرة من التمر (٦). وقال البكري: هي من طساسيج دجلة، وأصل الأبلة المتلبد من

стр. 11202

التمر، فهو إذا فعلة من قوله تعالى: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ (١) أي: جماعات، ومثله الأفرة من أفر إذا قفز ووثب (٢). ونسب إلى الأبلة جماعة من المحدثين، منهم شيبان بن فروخ الأبلي (٣). (قلنا: نعم. قال: من يضمن لي) برفع (يضمن) و (من) للاستفهام الذي للطلب والسؤال لا للشرط فهي كما يقول الفقير: من يعطيني درهما؟ (منكم أنه يصلي) ولو ركعتين (في مسجد العشار) وذكر المصنف هذا الحديث في باب البصرة يدل على أنه في أرضها، وكذا قوله: (إلى جنبكم (٤) إلى قرية يقال لها: الأبلة) وهي إلى جانب البصرة. كما تقدم. (قال) المصنف: (هذا المسجد مما يلي النهر) وهو بفتح العين المهملة وتشديد الشين المعجمة وبعد الألف راء. (ركعتين أو أربعًا) أو أكثر من ذلك (ويقول) بالرفع عطف على (يصلي هذِه لأبي هريرة) فيه: دلالة على جواز الصلاة عن الغير وبه قال [. . . .] (٥) والقاعدة أن العبادات البدنية لا تصح النيابة في شيء منها كالصلوات والتسبيح والتحميد والتكبير والأذان وقراءة القرآن، وكذا القولية والقلبية كالعرفان والإيمان باللَّه تعالى، وكل ما يجب الإيمان به لا تصح النيابة فيه؛ لأن الغرض بها تعظيم الإله وليس

стр. 11203

المستنيب غيره معظما بتعظيم النائب عنه، واستثني من ذلك الحج والعمرة في حق العاجزين إما بالموت أو الهرم أو مرض لا يرجى زواله، وعلى قول الجمهور يحتمل أن يكون التقدير: مثل أجر هذِه الصلاة (١) لأبي هريرة الذي دلني على الصلاة في هذا المسجد، ورغبني فيه، ودعاني إلى فعله. لرواية مسلم وغيره: "من دعا إلى هدًى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص من أجورهم شيئًا" (٢) لا سيما وأبو هريرة هو راوي هذا الحديث فعمل به هنا، واللَّه أعلم. ثم قال (سمعت خليلي ﷺ يقول: إن اللَّه تعالى يبعث من مسجد العشار يوم القيامة شهداء) قد يؤخذ منه جواز دفن الشهداء والصالحين في رحبات المسجد، ويحتمل أن يكون المسجد جعل بعد دفنهم (لا يقوم مع شهداء) أهل (بدر غيرهم) وذكر البخاري هذا الحديث في "التاريخ الكبير" في ترجمة إبراهيم وقال: لا يتابع عليه (٣). تقدم في الحديث قبله أن الفرقة الذين يجعلون ذراريهم خلف ظهورهم ويقاتلون عنهم أنهم شهداء، وذكر في هذا الحديث زيادة فضيلتهم، وأن شهداء آخر الإسلام يحشرون مع شهداء أوله وإن كانوا دونهم في الفضيلة. * * *

стр. 11204

١١ - باب النَّهْي عَنْ تهْيِيجِ الحَبَشَةِ ٤٣٠٩ - حَدَّثَنَا القَاسِمُ بْنُ أَحْمَدَ البَغْدادي، حَدَّثَنَا أَبُو عامِرٍ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبي ﷺ قالَ: "اتْرُكُوا الحَبَشَةَ ما تَرَكُوكُمْ فَإِنَّهُ لا يَسْتَخْرِجُ كَنْزَ الكَعْبَةِ إِلَّا ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ" (١). * * * باب النهي عن تهييج الحبشة [٤٣٠٩] (ثنا القاسم بن أحمد البغدادي) مقبول (ثنا أبو (٢) عامر) عبد الملك بن عمرو العقدي (عن زهير (٣) بن محمد) التميمي المروزي (عن موسى بن جبير) الأنصاري الحذاء، ثقة. (عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف) واسم أبي أمامة أسعد ولد زمن النبي ﷺ (عن عبد اللَّه بن عمرو) بن العاص ﵄. (عن النبي ﷺ قال: اتركوا الحبشة ما تركوكم) تقدم، ثم بين علة تركهم (فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة) أي:

стр. 11205

وتخرب الكعبة كما في الصحيحين (١). و(السويقتين) تصغير الساق وإحداهما سويقة وصغرهما لدقتهما ورقتهما، وهي صفة سوق الحبشة غالبًا، وقد وصفه النبي ﷺ في حديث آخر بقوله: "كأني به أسود أفحج يقلعها حجرًا حجرًا" (٢) ويأخذ الكنز مع ما فيها من الآلات، والفحج: تباعد ما بين الساقين. ولا يعارض هذا قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ (٣) لأن تخريب الكعبة على يدي هذا الحبشي إنما يكون عند خراب الدنيا، ولعل هذا الوقت الذي لا يبقى فيه إلا شرار الناس فيكون حرمًا أَمنًا مع بقاء الدين وأهله. * * *
следующие страницы →