← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 11271–11310 · переход к 11276.

стр. 11271

(وإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول (١) ما من قوم يعمل) بضم أوله، وفتح ثالثه (فيهم بالمعاصي، ثم يقدروا) كذا الرواية، والقاعدة في العربية ثم يقدرون كما سيأتي في الرواية الآتية (على أن يغيروا، ثم لم يغيروا) المعاصي (إلا يوشك) بضم الياء، وكسر الشين (أن يعمهم اللَّه تعالى منه بعقاب) ولفظ النسائي: إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن القوم إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم اللَّه تعالى بعقاب" (٢). (قال) المصنف (ورواه -كما قال خالد-) الطحان (أبو أسامة) حماد ابن أسامة (وجماعة) كثيرة (وقال شعبة فيه) أي: في هذا الحديث (ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي) و (هم) يعني: من لم يعمل المعاصي بل عمل فيهم غيرهم (أكثر ممن يعمله) إلا أوشك أن يعمهم اللَّه تعالى منه بعقاب. وفي معنى هذِه الرواية ما رواه ابن ماجه عن أبي إسحق عن عبيد اللَّه ابن جرير عن أبيه قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز منهم وأمنع لا يغيرون إلا عمهم اللَّه بعقاب" (٣) فإن معنى أعز وأمنع أي: أكثر قوة، والمراد واللَّه أعلم أن من لم يعمل إذا كانوا أكثر (٤) ممن يعمل كانوا في الغالب قادرين على أن يغيروا المنكر كما سيأتي في الحديث بعده وكما تقدم. [٤٣٣٩] (ثنا مسدد، ثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي (ثنا أبو

стр. 11272

إسحاق (١) عمرو بن عبد اللَّه السبيعي (عن ابن جرير) بفتح الجيم، قال المنذري: لم يسم، وقد روى المنذر بن جرير عن أبيه أحاديث، واحتج به مسلم (٢) (عن جرير) بن عبد اللَّه البجلي. (قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: ما من رجل يكون في قوم يعمل) بضم أوله، وفتح ثالثه (فيهم بالمعاصي، يقدرون على أن يغيروا عليه) معصيته (فلا يغيروا إلا أصابهم اللَّه تعالى بعقاب) من عنده (من قبل أن يموتوا) المعنى: ما من رجل صالح يكون مقيمًا في قوم يعمل بعضهم المعاصي ويقدرون أن يغيروا على بعضهم العاصين معصيتهم، والرجل الصالح مقيم بينهم بين أظهرهم لا ينكر بقلبه، وينهى بلسانه، فإن لم يمنعوا ولا هجروا تلك البلدة وارتحل منها - كما في قصة أصحاب السبت حين هجروا وقالوا: لا نساكنكم. إلا عمه وإياهم العذاب، ثم بعثوا على نياتهم. زاد عماد ابن كثير على "أطراف شيخه المزي": رواه المنذر بن جرير عن أبيه رفعه (٣). انتهى. وليس لمنذر بن جرير عن أبيه في أبي داود غير هذا الحديث، وحديث اللؤلؤي، وحديث: كنت مع جرير بالبوازيج فجاء الراعي (٤). ذكره في اللقطة، وما قاله المنذري هنا غريب (٥)، تقدم عنه أن ابن

стр. 11273

جرير راوي هذا الحديث لم يسم اسمه، ثم قال بعده: وقد روى المنذر ابن جرير عن أبيه أحاديث، واحتج به مسلم. انتهى (١)، وهذا عجيب منه فإنه قال في "الترغيب والترهيب" عقب الحديث: رواه ابن ماجه وابن حبان والأصبهاني وغيرهم عن أبي إسحاق عن عبيد اللَّه بن جرير عن أبيه (٢). ولهذا قال شيخنا الذهبي عن ابن جرير: كأنه عبيد اللَّه (٣). ولعل المنذري رأى أن الذي روى عنه ابن ماجه وابن حبان والأصبهاني غير الذي روى عنه المصنف، وكذا فهمه المزي، فإنه ذكر في "الأطراف" في مسند جرير ابنَه عبيد اللَّه، وعزا لابن ماجه رواية هذا الحديث عنه، ثم في آخر الترجمة: وعن ابن لجرير عن جرير. وذكر هذا الحديث وعزاه للمصنف خاصة (٤)، ومجموع هذِه الأحاديث على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجب إلا للقادر، ومن القدرة على التغيير أن [يكون] (٥) المنكر أكثر قوة وعددًا وأشد منعة حتى يقدر على منع من يريد المعصية وردعه بالفعل، ومن عجز عن ذلك فعليه هجرهم وترك مخالطتهم، فإن لم يرجعوا وإلا ارتحل عنهم إلى أرض اللَّه الواسعة. [٤٣٤٠] (ثنا محمد بن العلاء وهناد بن السري قالا: ثنا أبو معاوية)

стр. 11274

محمد بن خازم الضرير. (عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء) أخرج له مسلم (عن أبيه) رجاء بن ربيعة الزبيدي الكوفي، أخرج له مسلم (عن أبي سعيد) الخدري ﵁ (ح، و) روى شعبة (١) (عن قيس (٢) بن مسلم) الجدلي الكوفي. (عن طارق بن شهاب، عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول) وقد تقدم هذا الحديث بلفظه في كتاب صلاة العيدين في باب الخطبة بهذا المسند، فقال: عن أبي سعيد الخدري قال: أخرج مروان المنبر في يوم عيد، فبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام رجل فقال: يا مروان خالفت السنة، أخرجت المنبر في يوم عيد، ولم يخرج فيه، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة. فقال أبو سعيد الخدري: من هذا؟ قالوا: فلان بن فلان، فقال: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من رأى منكم منكرا: " الحديث (٣)، كما تقدم شرحه. [٤٣٤١] (حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود العتكي) شيخ الشيخين (ثنا عبد اللَّه (٤) ابن المبارك) بن واضح المروزي (عن عتبة بن أبي حكيم الهمداني) بسكون الميم الشامي صدوق، وثقه غير واحد، لكنه يخطئ كثيرًا.

стр. 11275

(حدثني عمرو بن جارية) بالجيم (اللخمي) بسكون الخاء المعجمة، نسبة إلى لخم، قبيلة من اليمن، وهو مقبول (حدثني أبو أمية) بتشديد المثناة تحت، واسمه يُحْمِد بضم المثناة تحت، وسكون الحاء المهملة وكسر الميم. وقيل: بفتح أوله والميم (الشعباني) بفتح الشين المعجمة، وسكون المهملة، وتخفيف الموحدة، نسبة إلى شعبان بن عمرو بن قيس، قبيلة من حمير، وهو ثقة شامي. (قال: سألت أبا ثعلبة) جرثوم (الخشني ﵁ فقلت: يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذِه الآية) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾؟ ) ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (قال: أما) بتخفيف الميم (واللَّه لقد سألت عنها خبيرًا) ثم فسر الخبير (سألت عنها رسول اللَّه ﷺ ) وفي هذا إشارة إلى أن هذِه الآية مما ينبغي السؤال والبحث عنها والتفتيش عما يراد بها، وفيه أن السائل عنها وعن غيرها لا يسأل إلا من يكون عارفا خبيرًا بما يسأل عنه، ويجوز أن ينصب (خبيرًا) على الحال، أي: أسأل عنها في حال كون المسؤول خبيرًا بكل شيء، عالمًا به، كاملًا في العلوم، كقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (١). (فقال: بل) حرف إضراب من إطلاق معنى الآية إلى تقييدها بغاية ينتهى إليها، والمعنى: لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتلزموا أمر أنفسكم فقط. (بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت) ما يأتي وصفه فعليك بخاصة نفسك، الزمها دون غيرها (شحًّا) بخلًا (مطاعًا) مفعول من أطاع. يعني: إذا بلغ الناس في

стр. 11276

البخل أن يطيعوه ويعملوا به في منع الحقوق الواجبة وفروض الكفاية والمرغب فيها كالكفارات والزكوات وتجهيز الموتى والمرغب فيه كصدقة التطوع وما أشبه ذلك، وإطعام الجائع، وكسوة العاري، وصلة الرحم، وإكرام الضيف، ونحو ذلك. (وهوًى متبعًا) أي: يتبع كل أحد هوى نفسه فيما تأمره به من سوء في مأكول ومشروب وملبوس ومنكوح وغير ذلك من المستلذات (ودنيا مؤثَرة) بسكون الهمزة، وفتح المثلثة، أي: يختار الناس الحياة الدنيا الفانية، كالإكثار من جمع المال والمواشي والأبنية وغير ذلك؛ لأنها عجلت لهم أطعمتها وأسقيتها ونساؤها على نظير ذلك مما يدخر لهم في الآخرة (وإعجاب كل ذي رأي برأيه) فيرى ما يظهر من الرأي من تلقاء نفسه حسنًا، وإن لم يكن في الشرع حسنًا، ولا يراجع العلماء فيما يحتاج إلى فعله، ولا يزنه بميزان الشرع إن كان عالمًا، بل يرى كل آرائه صوابًا من غير دليل شرعي. وفي هذا رد على المعتزلة في قولهم: إن العقل يحسن ويقبح - زاد البغوي في "شرح السنة" و"المصابيح": "ورأيت أمرًا لا بد لك منه" (١)، ولفظ ابن ماجه "لا يدان لك" (٢) والمراد، ورأيت أمرًا لا بد لك أن تقع فيه إن خالطتهم. (فعليك) يعني: حينئذٍ (بنفسك) توضحه رواية الترمذي: "فعليك بخاصة نفسك" (٣) يعني: مرها بالمعروف وانهها عن المنكر (ودع

стр. 11277

عنك) أمر (العوام) بتشديد الميم، فإنهم لا ينفع فيهم أمر بمعروف ولا نهي عن منكر (فإن من ورائكم) أي: قدامكم وأمامكم، فهو كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ (٢) (أيام) بالنصب ويجوز الرفع. (الصبر) مضاف إليه أي: لا طريق لكم في ذلك الزمان الذي يظهر فيه المنكر وينكر فيه المعروف إلا الصبر على البلاء الذي يصيبكم (الصبر) بالرفع مبتدأ (فيه) أي: صبر المتمسك فيه على دينه يشق عليه ويتأذى ممن ينهاه عن المنكر (مثل) صبر (من يقبض) (٣) بيده (على الجمر) من النار لما يلحقه من عظم المشقة (للعامل فيهم) أي: في أهل ذلك الزمان. وللترمذي وابن ماجه: "للعامل فيهن" (٤) أي: في تلك الأيام من الأجر الكثير (مثل) بالرفع (أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله) ولما كان الضمير في (عمله) مبهما فيما يعود، سألوه عن البيان. قال عبد اللَّه ابن المبارك: (وزادني غيره) أي: غير عتبة بن أبي حكيم الهمداني. (قال) أبو ثعلبة: (يا رسول اللَّه) أ (أجر خمسين) رجلًا (منهم؟ ) أو منا (قال: أجر خمسين رجلًا منكم) أي: من الصحابة ﵃ لقلة من يساعده ويعينه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيره من شرائع الدين، وكثرة من يتعرض لأذاه باللسان واليد لقيامه بالحق.

стр. 11278

[٤٣٤٢] (ثنا) عبد اللَّه (القعنبي أن عبد العزيز بن أبي حازم) المديني (حدثهم عن أبيه) سلمة بن دينار المديني الأعرج، (عن عمارة بن عمرو) ابن حزم الأنصاري وثق. (عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: كيف (١) بكم وبزمان أو) شك من الراوي (يوشك) بضم الشين أي: يشرع (أن يأتي زمان يغربل) مبني للمفعول (الناس غربلة) هو عبارة عن موت الأخيار وبقاء الأشرار الأراذل، والشيء المغربل المنقى، كأنه نقي بالغربال ومنه حديث مكحول: أتيت الشام فغربلتها (٢). أي: كشفت حال من بها من العلماء الأخيار وخيرتهم، كأنه جعلهم في غربال فانتقى الجيد من الرديء وفرق بينهما. (تبقى حثالة) بضم الحاء المهملة وتخفيف الثاء المثلثة (من الناس) وهي الرديء الساقط من كل شيء قشر، ومنه حثالة الشعير والأرز والتمر وكل ذي قشر ومنه الحديث أنه قال لعبد اللَّه بن عمرو (٣): "كيف أنت إذا بقيت في حثالة من الناس" (٤). ويقال: حثالة وحفالة بالثاء المثلثة والفاء معًا. وروى ابن ماجه عن أبي هريرة قال رسول اللَّه ﷺ "لتنتقون كما ينقى التمر من أغفاله وليذهبن خياركم وليبقين شراركم فموتوا إن استطعتم" (٥).

стр. 11279

وخرج البخاري عن مرداس الأسلمي قال رسول اللَّه ﷺ : "يذهب الصالحون الأول فالأول ويبقى حفالة كحفالة الشعير والتمر لا يباليهم اللَّه بالة" (١) وفي رواية: "لا يعبأ اللَّه بهم" (٢). (قد مرجت) بفتح الميم وكسر الراء، والجيم، أي: اختلطت واختلفت (عهودهم و) فشلت وخفت (أماناتهم) ومنه حديث: "كيف أنتم إذا مرج الدين" (٣) أي: فسد وتلفت أسبابه. (فاختلفوا) فيما بينهم (فكانوا هكذا) ولفظ النسائي: "خفت أماناتهم وكانوا هكذا وهكذا" (٤) (وشبك بين أصَابعه)، تشبيك الأصابع كناية عن ملابسة الخصومات والدخول والخوض فيها، كما تدخل الأصابع بعضها في بعض. (فقالوا: كيف بنا) يوضحه رواية النسائي: كيف نصنع عند ذلك (٥) (يا رسول اللَّه؟ ) جعلنا اللَّه فداك، وزاد النسائي: (قال: ) "الْزَم بيتك واملِك (٦) عليك لسانك" (٧) (وتأخذون) من الشريعة (ما تعرفون

стр. 11280

وتذرون) أي: تتركون (ما تنكرون) من أحكام الشريعة (وتقبلون على) عمل ما (أمر) تم به في (خاصتكم) أي: خاصة أنفسكم (وتذرون أمر عامتكم) أي: تتركون الأمر الذي يتعلق بغيركم من عامة الناس كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك. [٤٣٤٣] (ثنا هارون بن عبد اللَّه) بن مروان البغدادي شيخ مسلم، (ثنا الفضل بن دكين، ثنا يونس بن أبي إسحاق) [أبو] (١) إسرائيل السبيعي الكوفي، أخرج له مسلم (عن هلال بن خباب) بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الموحدة الأولى (أبي العلاء) العبدي مولاهم البصري ثقة. (قال: حدثني عكرمة، قال: حدثني عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ قال: بينما نحن حول رسول اللَّه ﷺ إذ ذكر) أمر (الفتنة التي في آخر الزمان) من أمارات الساعة (فقال: إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم) لعل العهد هنا هو حفظ الدين ورعاية حرمته (وخفت) وقلت (أماناتهم وكانوا هكذا) وهكذا (وشبك بين أصابعه) كما تقدم، (قال: فقمت إليه فقلت: كيف أفعل عند ذلك؟ ) يا رسول اللَّه (جعلني اللَّه تعالى فداك) فيما يطرأ من المكاره (قال: الزم بيتك) لا تخرج منه إلا لحاجة أكيدة (واملك) بكسر اللام (عليك لسانك) أي: أمسكه عما لا يعنيك ولا تخرجه من فيك وتجره إلا بما يكون لك لا عليك. وللطبراني "طوبى لمن ملك لسانه" (٢) (وخذ ما تعرف) من أمورك

стр. 11281

(ودع ما تنكر) من أحوالك (وعليك بأمر خاصة) بتشديد الصاد (نفسك ودع عنك أمر العامة) أي: اعتزل عن عامة الناس واعمل بما تختص به دون غيرك، وتثبت في الفتن ما استطعت. [٤٣٤٤] (ثنا محمد بن عبادة) بفتح العين المهملة والباء الموحدة (الواسطي) شيخ البخاري، (ثنا يزيد بن هارون) السلمي الواسطي (ثنا إسرائيل، ثنا محمد بن جحادة) بضم الجيم (عن عطية) بن سعد (العوفي) أبي الحسن. قال الحافظ ابن حجر: صدوق يخطئ كثيرًا (١). (عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال رسول اللَّه ﷺ : أفضل الجهاد) وفي رواية للترمذي: "إن من أعظم الجهاد" (٢) (كلمة عدل عند سلطان) قيل: إنما صار أفضل الجهاد؛ لأن من جاهد العدو مترددًا بين رجاء وخوف، فلا يدري هل يغلب العدو أو يغلب، والمتكلم بما يغضب السلطان الظالم مقهور في يده فهو إذا قال الحق في النهي عن الظلم متعرض للتلف والهلاك، فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف. قلت: والأظهر أن فيه (من) التبعيضية مقدرة، والتقدير: من أفضل الجهاد، بدليل رواية الترمذي: "إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان" (٣)، ونظيره قوله ﷺ : "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" (٤) فإن

стр. 11282

التقدير: من خيركم من تعلم القرآن وعلمه. (جائر) الجور في الحكم هو: الظلم (أو) قال: عند (أمير جائر) وروى أبو الشيخ ابن حيان من حديث جابر: "سيد الشهداء حمزة ابن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله" (١). [٤٣٤٥] (ثنا محمد بن العلاء، ثنا أبو بكر) بن عياش الكوفي (المقرئ) أخرج له البخاري (ثنا مغيرة بن زياد) البجلي (الموصلي) قال جماعة عن ابن معين: ثقة (٢). وقال المصنف: صالح. (عن عدي (٣) بن عدي) بن عميرة بفتح العين، الكندي، ثقة، ناسك، فقيه (عن العرس) بضم العين المهملة وسكون الراء بعدها سين مهملة، وهو ابن عميرة بفتح العين الكندي، أخو عدي وهو صحابي، العرس هذا والعرس بن قيس صحابيان. (عن النبي ﷺ ) لم يرو للعرس من الكتب الستة سوى المصنف هذا الحديث خاصة (إذا عملت) بضم العين (الخطيئة في الأرض كان من شهدها) أي: حضرها (فكرهها. وقال مرة) أخرى (أنكرها) ورواية ابن عدي عن أبي هريرة: "من حضر معصية فكرهها" (٤) قال الغزالي:

стр. 11283

معنى الحديث أن يحضر لحاجة ويتفق جريانها بين يديه، فأما الحضور قصدًا فممنوع بدليل الحديث المتقدم: "ما من قوم عملوا المعاصي، وفيهم من يقدر أن ينكر عليهم فلم يفعل إلا يوشك أن يعمهم اللَّه بعذاب من عنده" انتهى (١). والمراد أن يكرهها بقلبه، والأفضل أن يضيف إلى القلب اللسان، فيقول: اللهم إن هذا منكر لا أرتضيه. أو يقول كما حكاه اللَّه تعالى: ﴿أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ﴾. يعني: من كذا وكذا، كما تقدم في الحديث؛ حيث لم يقدر على إبطاله. (كمن غاب عنها) وكرهها (ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها) ولابن عدي: "ومن غاب عنها فأحبها كان كمن حضرها" (٢) يعني: في مشاركة إثم المعصية، وإن بعدت المسافة بينهما، والصورة الأولى فيها إعطاء الموجود حكم المعدوم [والثانية فيها حكم المعدوم] (٣) حكم الموجود. [٤٣٤٦] (ثنا أحمد) بن عبد اللَّه (بن يونس) اليربوعي (ثنا أبو شهاب) الأصغر واسمه عبد ربه بن نافع الحناط الكوفي، نزيل المدائن (عن [معاوية] (٤) بن زياد) تابعي (عن عدي بن عدي) تقدم هو ابن عميرة ابن أخي العرس (عن النبي ﷺ ) كما تقدم (نحوه) بفتح الواو.

стр. 11284

و (قال: ) في هذِه الرواية (من شهدها) أي: حضرها (فكرهها) من غير شك (كان كمن غاب عنها) وفيه أنه يتعين على المكلف أن يغيب عن مكان الظلم والمعصية. قال الغزالي: لا يجوز حضور المواضع التي يشاهد فيها المنكر، ولا يقدر على تغييره (١). [٤٣٤٧] (ثنا سليمان بن حرب) قاضي مكة (وحفص بن عمر قالا: ثنا شعبة وهذا لفظه عن عمرو بن مرة عن أبي البختري) (٢) بفتح الموحدة وسكون الخاء المعجمة وفتح المثناة فوق، وهو سعيد بن فيروز الطائي مولاهم الكوفي. (قال: أخبرني من سمع النبي ﷺ وقال سليمان: ) بن حرب (قال: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: لن يهلك الناس حتى يَعْذِروا أو يُعْذِروا) شك من الراوي. قال في "الفائق": يجوز ضم الياء وفتحها (٣) (من أنفسهم) يقال: أعذر فلان من نفسه: إذا أمكن منها، يعني: أنهم لا يهلكون حتى تكثر ذنوبهم وعيبوهم فيستوجبون العقوبة، ويكون لمن يعذبهم عذر، كأنهم قاموا بعذره في ذلك، ومن فتح الياء فهو من عذرته، وهو بمعناه، وحقيقة عذرت: محوت الإساءة وطمستها، ويجوز مع ضم الياء فتح الذال وكسرها، فأما كسر الذال فمن أعذر، أي: صار ذا ذنب، محتاج إلى العذر، يعني: لن يهلك الناس حتى تكثر ذنوبهم

стр. 11285

[ومن معناها التبيين] (١) أي: حتى تكثر ذنوب أنفسهم لا ذنوب غيرهم. وأما فتح الذال فهو مضارع المجهول مِنْ أُعذر إذا أزال عذر أحد، يعني: جعلهم اللَّه بحيث لا يقدرون على العذر، بأن يبعث لهم الرسل، ويبين لهم الرشاد من الضلال، والحرام من الحلال ولم يؤمنوا، أو آمنوا إلا أنهم أكثروا الذنوب ولم يتوبوا، فحينئذٍ أهلكهم. قال الإمام التوربشتي: عذر وأعذر. إذا كثرت ذنوبه. ولفظ الحديث: (يَعذروا أو (٢) يُعذروا) من الإعذار، بذلك يروونه، ويجوز فيه فتح المضارعة. * * *

стр. 11286

١٨ - باب قيامِ السّاعَةِ ٤٣٤٨ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْري، قالَ: أَخْبَرَني سالِمُ بْن عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرِ بْن سُلَيْمانَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قالَ: صَلَّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ لَيْلَةٍ صَلاةَ العِشاءِ في آخِرِ حَياتِهِ فَلَمّا سَلَّمَ قامَ فَقالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَيْلَتَكُمْ هذِه فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِئَةِ سَنَةٍ مِنْها لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ". قالَ ابن عُمَرَ: فَوَهَلَ النّاسُ في مَقالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ فِيما يَتَحَدَّثُونَ، عَنْ هذِه الأَحادِيثِ عَنْ مِئَةِ سَنَةٍ وَإِنَّما قالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ، يُرِيدُ أَنْ يَنْخَرِمَ ذَلِكَ القَرْن (١). ٤٣٤٩ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنا حَجّاجُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ، حَدَّثَني مُعاوِيَةُ بْنُ صالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ الخُشَني قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَنْ يَعْجِزَ اللَّهُ هذِه الأُمَّةَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ" (٢). ٤٣٥٠ - حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ، حَدَّثَنا أَبُو المُغِيرَةِ، حَدَّثَني صَفْوانُ، عَنْ شُرَيْحِ ابْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقّاصٍ أَنَّ النَّبي ﷺ قالَ: "إِنّي لأَرْجُو أَنْ لا تُعْجِزَ أُمَّتي عِنْدَ رَبِّها أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ". قِيلَ لِسَعْدٍ: وَكَمْ نِصْفُ يَوْمٍ؟ قالَ: خَمْسُمِئَةِ سَنَةٍ (٣). * * *

стр. 11287

[٤٣٤٨] (ثنا أحمد بن حنبل، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري قال: أخبرني سالم بن عبد اللَّه) بن عمر (وأبو بكر بن سليمان) بن أبي خيثمة القرشي أخرج له الشيخان. (أن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: صلى بنا رسول اللَّه ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء) وفي بعض نسخ (١) البخاري: صلاة العشاء وهي التي يدعو الناس العتمة ثم انصرف فأقبل علينا فقال: "أرأيتكم ليلتكم هذِه" (٢) (في آخر حياته) قال القرطبي: أخبر قبل موته بشهر (٣). وقد صرح به مسلم في رواية جابر (٤). (فلما سلم من صلاته قام فقال) استدل لما قاله ﵇ في هذا الحديث على ما بوب عليه، فقال: باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء (٥). وفي هذا التبويب: (والخير) [ما يدل] (٦) على أن السمر المنهي عنه إنما هو فيما لا ينبغي من الباطل واللغو. (أرأيتكم ليلتكم هذِه، فإن على رأس مئة سنة منها) وفي رواية مسلم: عن جابر أنه سمع النبي ﷺ قبل وفاته بشهر يقول: "ما من نفس منفوسة اليوم تأتي عليها مئة سنة وهي حية يومئذ" (٧) وفي رواية له قال ذلك لما

стр. 11288

رجع من تبوك (١)، والأحاديث يفسر بعضها بعضًا. (لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد) وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة بإخباره عن المغيبات التي لم تحدث، والمراد أن كل نفس منفوسة كانت تلك الليلة على الأرض لا تعيش بعدها أكثر من مئة سنة، سواء قل عمرها قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي عيش أحد (٢) يوجد بعد تلك الليلة فوق مئة سنة، ومعنى "نفس منفوسة" أي: مولودة. وفيه احتراز من الملائكة. وقد احتج بهذِه الأحاديث من شذ من المحدثين فقال: الخضر ميت. والجمهور على حياته، وتأولوا هذا الحديث على أنه كان في البحر لا على وجه الأرض، وأن الحديث عام مخصوص. قال القرطبي في قوله في رواية مسلم: "نفس منفوسة": أراد بني آدم، ولا يتناول هذا الملائكة ولا الجن؛ إذ لم يصح عنهم أنهم كذلك ولا الحيوان غير العاقل إذ قد قال في الحديث: (على وجه الأرض)، وهذا إنما يقال بأصل وضعه على من يعقل، فتعين أن المراد بنو آدم. قال: والخضر وإن كان حيًّا كما يقال فليس مشاهدًا للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبتهم، فمثل هذا العموم لا يتناول عيسى ابن مريم ﵇؛ لأنه حي بنص القرآن ومعناه، وكذا لم يتناول الدجال مع أنه حي؛ بدليل ما تقدم من حديث الجساسة، وقد يقال: لم يتناول هذا العموم عيسى ﵇؛ لأن اللَّه قد رفعه، فليس على ظهر الأرض،

стр. 11289

والألف واللام في قوله: (على وجه الأرض) للعهد، ليست للجنس؛ لأن الأرض التي يتخاطبون بها ويخبرون عن الكون فيها هي أرض العرب دون يأجوج ومأجوج وأقاصي جزائر المسند والهند مما لا يعلم علمه (١). (قال عبد اللَّه بن عمر ﵄: فوهل) بفتح الهاء (الناس) أي: غلطوا، يقال: وهل. بفتح الهاء يهل بكسرها وهلًا، كضرب يضرب ضربًا، أي: غلط وذهب وهمه إلى خلاف الصواب، وأما وهلت بكسر الهاء أوهل بفتحها وهلًا بفتحها فمعناه: فزعت (في مقالة رسول اللَّه ﷺ ، تلك فيما يتحدثون عن هذِه الأحاديث عن مئة سنة) والمراد بها (وإنما قال رسول اللَّه ﷺ : لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض. يريد) بذلك (أن ينخرم ذلك القرن) أي: ينقطع وينقضي، وقد رفع الصحابي، وهو ابن عمر إشكال الحديث بقوله هذا، وقد جاء في مسلم من حديث جابر بلفظ (٢) لا إشكال فيه، فقال: "ما من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مئة سنة وهي حية يومئذٍ" (٣) وهذا صريح في المراد. [٤٣٤٩] (ثنا موسى بن سهل) الرملي، شامي الأصل، ثقة (ثنا حجاج بن إبراهيم) الأزرق البغدادي، نزيل طرسوس ومصر، ثقة (ثنا) عبد اللَّه (ابن وهب، حدثني معاوية بن صالح) بن حدير الحمصي،

стр. 11290

قاضي الأندلس، أخرج له مسلم (عن عبد الرحمن بن جبير) أخرج له مسلم في غير موضع (عن أبيه) جبير بن نفير الحضرمي، أخرج له مسلم. (عن أبي ثعلبة) جرثوم (الخشني ﵁: قال رسول اللَّه ﷺ : لن يُعجز) بضم الياء وكسر الجيم (اللَّه هذِه الأمة) المراد به أغنياؤها كما سيأتي في الحديث بعده، (من نصف يوم) وهو خمسمئة كما سيأتي بعده. [٤٣٥٠] (ثنا عمرو بن عثمان) بن سعيد الحمصي، صدوق حافظ (ثنا أبو (١) المغيرة) عبد القدوس بن الحجاج الخولاني (حدثني صفوان) بن عمرو بن هرم السكسكي، أخرج له البخاري في "الأدب" والباقون (عن شريح بن عبيد) الشامي الحمصي، قال النسائي: ثقة (٢) (عن سعد بن أبي وقاص ﵁، عن النبي ﷺ قال: إني لأرجو أن لا يعجز) بفتح الياء وكسر الجيم، يقال: عجز عن الشيء عجزًا كضربَ يَضربُ ضربًا، وأعجزه الشيء، وأعجزت زيدًا وجدته عاجزًا (أمتي) أي: لا يعجز أغنياء أمتي عن الصبر على الوقوف للحساب (عند ربها أن) بفتح الهمزة وسكون النون (يؤخرهم) عن لحاق فقراء أمتي السابقين إلى الجنة (نصف يوم) من أيام الآخرة. (قيل لسعد: ) بن أبي وقاص (وكم نصف ذلك اليوم؟ ) الذي ذكرته (قال: خمسمئة سنة) تمسك الطبري بهذا الحديث على أنه بقي من الدنيا بعد هجرة المصطفى نصف يوم، وهو خمسمئة سنة، قال:

стр. 11291

وتقوم الساعة ويعود الأمر إلى ما كان قبل أن يكون شيء غير الباري ولم يبق غير وجهه. ورد عليه الداودي قال: وقت الساعة لا يعلمه إلا اللَّه، ويكفي في الرد عليه أن الأمر بخلاف قوله: فقد مضت خمسمئة وثلاثمئة، لكن حديث أبي داود ليس صريحًا في أنها لا تؤخر أكثر من ذلك، واللَّه أعلم. كما قال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (١) يعني من عددكم، فإن هذا اليوم الذي هو كألف سنة [مما تعدون] (٢) بالنسبة إلى الكفار قليل، فإن مقداره عليهم خمسون (٣) ألف سنة، وإنه ليخفف على من اختاره اللَّه تعالى حتى يصير كمقدار ركعتي الفجر المسنونة. وهذا آخر (كتاب الملاحم) بحمد اللَّه تعالى ذي الفضائل والمراحم، وصلى اللَّه على سيدنا محمد البشير النذير الفاتح الخاتم، وصلى اللَّه على محمد وآله وسلم يتلوه كتاب الحدود * * *

стр. 11292

كتاب الحدود

стр. 11293

٣٩ - الحدود ١ - باب الحُكْمِ فِيمَنِ ارْتَدَّ ٤٣٥١ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا إِسْماعِيلُ بْنُ إِبْراهِيمَ، أَخْبَرَنا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ عَلِيّا ﵇ أَحْرَقَ ناسًا ارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلام فَبَلَغَ ذَلِكَ ابن عَبّاسٍ فَقالَ: لَمْ أَكُنْ لأَحْرِقَهُمْ بِالنّارِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "لا تُعَذِّبُوا بِعَذابِ اللَّهِ". وَكُنْتُ قاتِلَهُمْ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ". فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيّا ﵇ فَقالَ: وَيْحَ ابن عَبّاسٍ (١). ٤٣٥٢ - حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنا أَبُو مُعاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "لا يَحِلُّ دَمُ رَجُلٍ مُسْلِم يَشْهَدُ أَنْ لا إله إِلَّا اللَّهُ وَأَنّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدى ثَلاثٍ الثَّيِّبُ الزّاني والنَّفْسُ بِالنَّفْسِ والتّارِكُ لِدِينِهِ المُفارِقُ لِلْجَماعَةِ" (٢).

стр. 11294

٤٣٥٣ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنانٍ الباهِلي، حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْنُ طَهْمانَ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إله إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدى ثَلاثٍ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصانٍ فَإِنَّهُ يُرْجَمُ وَرَجُلٌ خَرَجَ مُحارِبًا للَّه وَرَسُولِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ أَوْ يُصْلَبُ أَوْ يُنْفَى مِنَ الأَرْضِ أَوْ يَقْتُلُ نَفْسًا فَيُقْتَلُ بِها" (١). ٤٣٥٤ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُسَدَّدٌ قالا: حَدَّثَنا يَحْيَى بْن سَعِيدٍ -قالَ مُسَدَّدٌ- حَدَّثَنا قُرَّة بْن خالِدٍ قالَ: حَدَّثَنا حُمَيْدُ بْن هِلالٍ، حَدَّثَنا أَبُو بُرْدَةَ قالَ: قالَ أَبُو مُوسَى أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبي ﷺ وَمَعي رَجُلانِ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ أَحَدُهُما عَنْ يَمِيني والآخَرُ عَنْ يَساري فَكِلاهُما سَأَلَ العَمَلَ والنَّبي ﷺ ساكِتٌ فَقالَ: "ما تَقُولُ يا أَبا مُوسَى". أَوْ: "يا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ". قُلْتُ: والَّذي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما أَطْلَعاني عَلَى ما في أَنْفُسِهِما وَما شَعَرْتُ أَنَّهُما يَطْلُبانِ العَمَلَ. قالَ: وَكَأنّي أَنْظُرُ إِلَى سِواكِهِ تَحْتَ شَفَتِهِ قَلَصَتْ قالَ: "لَنْ نَسْتَعْمِلَ -أَوْ لا نَسْتَعْمِلُ- عَلَى عَمَلِنا مَنْ أَرادَهُ ولكن اذْهَبْ أَنْتَ يا أَبا مُوسَى أَوْ يا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ". فَبَعَثَهُ عَلَى اليَمَنِ ثمَّ أَتْبَعَهُ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ قالَ: فَلَمّا قَدِمَ عَلَيْهِ مُعاذٌ قالَ انْزِلْ. وَأَلْقَى لَهُ وِسادَةً فَإِذا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ قالَ: ما هذا؟ قالَ: هذا كانَ يَهُودِيّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ راجَعَ دِينَهُ دِينَ السُّوءِ. قالَ: لا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ قَضاء اللَّهِ وَرَسُولِهِ. قالَ: اجْلِسْ نَعَمْ. قالَ: لا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ قَضاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. ثَلاثَ مَرّاتٍ فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ، ثمَّ تَذاكَرا قِيامَ اللَّيْلِ فَقالَ أَحَدُهُما مُعاذُ بْن جَبَلٍ أَمّا أَنا فَأَنامُ وَأقُومُ -أَوْ أَقُومُ وَأَنامُ- وَأَرْجُو في نَوْمَتي ما أَرْجُو في قَوْمَتَي (٢). ٤٣٥٥ - حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلي، حَدَّثَنا الحِمّاني -يَعْني عَبْدَ الحَمِيدِ بْنَ

стр. 11295

عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى وَبُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي بُرْدَةَ، عَنْ أَبي بُرْدَةَ، عَنْ أَبي مُوسَى قالَ: قَدِمَ عَلي مُعاذٌ وَأَنا بِاليَمَنِ وَرَجُلٌ كانَ يَهُودِيّا فَأَسْلَمَ فارْتَدَّ عَنِ الإِسْلامِ فَلَمّا قَدِمَ مُعاذٌ قالَ: لا أَنْزِلُ عَنْ دابَّتي حَتَّى يُقْتَلَ. فَقُتِلَ. قالَ أَحَدُهُما: وَكانَ قَدِ اسْتُتِيبَ قَبْلَ ذَلِكَ (١). ٤٣٥٦ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْن العَلاءِ، حَدَّثَنا حَفْصٌ، حَدَّثَنا الشَّيْباني، عَنْ أَبي بُرْدَةَ بهذِه القِصَّةِ قالَ: فَأُتي أَبُو مُوسَى بِرَجُلٍ قَدِ ارْتَدَّ، عَنِ الإِسْلامِ فَدَعاهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْها فَجاءَ مُعاذٌ فَدَعاة فَأَبَى فَضرِبَ عُنُقُهُ. قالَ أَبُو داوُدَ: وَرَواهُ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبي بُرْدَةَ لَمْ يَذْكر الاسْتِتابَةَ، وَرَواهُ ابن فضَيْلٍ عَنِ الشَّيْباني عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي مُوسَى وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الاسْتِتابَةَ (٢). ٤٣٥٧ - حَدَّثَنا ابن مُعاذٍ، حَدَّثَنا أَبي، حَدَّثَنا المَسْعُودي، عَنِ القاسِم بهذِه القِصَّةِ قالَ: فَلَمْ يَنْزِلْ حَتَّى ضُرِبَ عُنُقُهُ وَما اسْتَتابَهُ (٣). ٤٣٥٨ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن مُحَمَّدٍ المَرْوَزي، حَدَّثَنا عَلي بْن الحُسَيْنِ بْنِ واقِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوي عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْن سَعْدِ بْنِ أَبي سَرْحٍ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فأَزَلَّهُ الشَّيطانُ فَلَحِقَ بِالكُفّارِ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُقْتَلَ يَوْمَ الفَتْحِ فاسْتَجارَ لَهُ عُثْمان بْن عَفّانَ فَأَجارَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٤). ٤٣٥٩ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ المفَضَّلِ، حَدَّثَنا أَسْباطُ بْنُ نَصْرٍ قالَ: زَعَمَ السُّدّي، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ

стр. 11296

اخْتَبَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْن سَعْدِ بْنِ أَبي سَرْحٍ عِنْدَ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ فَجاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى النَّبي ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ بايعْ عَبْدَ اللَّهِ. فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى فَبايَعَهُ بَعْدَ ثَلاثٍ ثمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحابِهِ فَقالَ: "أَما كانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هذا حَيْثُ رَآني كَفَفْتُ يَدي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلَهُ". فَقالُوا ما نَدْري يا رَسُولَ اللَّهِ ما في نَفْسِكَ أَلا أَوْمَأْتَ إِلَيْنا بِعَيْنِكَ قالَ: "إِنَّهُ لا يَنْبَغي لِنَبي أَنْ تَكُونَ لَهُ خائِنَةُ الأَعْيُنِ" (١). ٤٣٦٠ - حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْن سَعِيدٍ، حَدَّثَنا حُمَيْدُ بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي إِسْحاقَ، عَنِ الشَّعْبي، عَنْ جَرِيرٍ قالَ: سَمِعْنَا النَّبي ﷺ يَقُولُ: "إِذا أَبَقَ العَبْدُ إِلَى الشِّرْكِ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ" (٢). * * * كتاب الحدود باب ما جاء في الحكم فيمن ارتد [٤٣٥١] (ثنا أحمد بن حنبل) قال (ثنا إسماعيل بن إبراهيم) ابن علية الإمام قال (أخبرنا أيوب) بن جدعان (٣) (عن عكرمة أن عليًّا ﵁ أحرق ناسًا ارتدوا عن الإسلام). رواية البخاري: أتي علي بزنادقة فأحرقهم (٤). (فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لم أكن لأُحرقَهم) بضم الهمزة ونصب

стр. 11297

القاف بـ (أن) المقدرة (بالنار؛ إن (١) رسول اللَّه ﷺ ) نهى عن ذلك فـ (قال: لا تعذبوا بعذاب اللَّه) وروى البيهقي في "المعرفة" من حديث عمران (بن نوفل) (٢) بن يزيد بن البراء عن أبيه، عن جده، عن رسول اللَّه ﷺ : "من حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه" (٣) وإنما أحرق بالنار؛ لأنه لم يبلغه حديث النهي (كنت قاتلهم) رواية الترمذي: لو كنت أنا لقتلتهم (٤). (بقول رسول اللَّه ﷺ : من بدل دينه) سواء (٥) كان التبديل إلى دين أهل الكتاب أو غيرهم، وسواء في المبدل الحر والعبد والذكر والأنثى، بشرط أن يكون مكلفًا، نص عليه الشافعي (٦)، لأن اللفظ يدخل فيه، فإن لفظة (مَنْ) شاملة للجميع؛ لأنها من ألفاظ الجنس، فاستغرقت الجنس، فشمل الذكور والإناث، وقال اللَّه تعالى في حكم الإناث: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ (٧) ولو قال: مَنْ دخل داري فله درهم. استحقه من دخل من ذكر أو أنثى حر أو عبد. (فاقتلوه) أي: بضرب الرقبة كما دلت عليه رواية "الموطأ": "من غير

стр. 11298

دينه فاضربوا عنقه" (١). والمباشر لقتله الإمام أو نائبه، فإن قتله غيره عزر لافتئاته، نص عليه الشافعي في "المختصر" (٢). (فبلغ ذلك عليًّا، فقال: وَيْحَ) بالنصب: كلمة ترحم، قال الخطابي: معناه المدح والإعجاب بقوله (٣) (ابن) بالجزم (أم عباس) زاد الترمذي: فبلغ ذلك عليًّا، فقال: صَدَقَ ابن عباس (٤). ويح أم ابن عباس، وهو الأصل. قال بعضهم: واعجبًا من علي؛ فقول ابن عباس يدل على أنه لم يكن قد بلغه النسخ، ولو بلغه قال به، ولولا ذلك لأنكر على ابن عباس. [٤٣٥٢] (ثنا عمرو بن عون) الواسطي البزاز. الحافظ شيخ البخاري، قال أبو زرعة: قل من رأيت أثبت منه (٥)! . (قال: ثنا أبو معاوية) محمد بن خازم (عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن مرة) الخارفي ثقة (عن مسروق، عن عبد اللَّه) بن مسعود ﵁ (قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه). قوله: (دم امرئ) فيه حذف مضاف، أي: إجراء دم امرئ.

стр. 11299

وقوله: (يشهد أن لا إله إلا اللَّه) كالتفسير لقوله: (مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب) الذكر والأنثى فيه سواء، قال ابن السكيت: وذلك إذا كانت المرأة دخل بها، أو كان الرجل قد دخل بامرأته (١). (الزاني) أكثر النسخ بغير ياء بعد النون، وهي لغة صحيحة، قرئ بها في السبع في قوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (٢) وغيره. (والنفس بالنفس) النفس: تذكر وتؤنث، قال اللَّه تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ ثم قال: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ (٣) فأول الآية يدل على التأنيث، وآخرها يدل على التذكير. وقد تعلق أبو حنيفة وأصحابه بهذا العموم فقالوا: يقتل المسلم بالذمي والحر بالعبد (٤)، والجمهور على خلافه، وأنه عموم أريد به الخصوص في المماثلين، وهذا مذهب مالك (٥) والشافعي (٦) وأحمد (٧)، وقد وافقنا الحنفية على تخصيص هذا العموم، وأخرجوا منه صورًا، منها: إذا قتل السيد عبده فإنه لا يقتل به عندهم (٨)، وإن

стр. 11300

كان متعمدًا كما يقوله مالك والشافعي وأحمد، ومنها إذا قتل الأب ابنه، قال أبو حنيفة: لا يقتل به (١). (والتارك لدينه المفارق للجماعة) يتناول كل [من يرتد] (٢) عن الإسلام وكل خارج عن الجماعة ببدعة أو بغي أو غيرهما، وكذا الخوارج، وهذا عام يختص منه الصائل وغيره، واختلف العلماء في المرأة هل تقتل بالردة أم لا؟ ومذهب أبي حنيفة: لا تقتل (٣)، ومذهب غيره: تقتل (٤). وقد يكون قوله: (المفارق للجماعة) بمعنى المخالف لأهل الإجماع، فيكون متمسكًا لمن يقول: مخالف الإجماع كافر. ونسب هذا إلى بعض الناس، وليس هذا بالهين. [٤٣٥٣] (ثنا محمد بن سنان الباهلي قال: ثنا إبراهيم بن طهمان) الخراساني، من أئمة الإسلام، فيه إرجاء. (عن عبد العزيز (٥) بن رفيع) بالكوفة (عن عبيد (٦) بن عمير) الليثي (عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه إلا بإحدى ثلاث: رجل) بالجر، ويجوز الرفع (زنى بعد إحصان) والإحصان عبارة عن

стр. 11301

ثلاث خصال: التكليف، والحرية، والإصابة في نكاح صحيح، فلا تقوم الإصابة في ملك اليمين مقامه في النكاح. والإحصان في اللغة المنع، قال اللَّه تعالى: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ (١)، وقال: ﴿فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ (٢) والإحصان قيد للثيب المطلق في الحديث قبله، وكذا مقيد لرواية مسلم (٣): "الثيب الزاني" (٤). (فإنه يرجم) والرجم هنا مطلق، وهو مقيد بما في الحديث قبله: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني" (٥) فإنه يقتضي القتل إلى أن يموت (ورجل خرج محاربًا للَّه ورسوله) أي: عاصيًا لهما غير طائع، وكل من عصاك فهو حرب، والمراد بالمحاربين الخارجين على الإمام وعلى جماعة المسلمين، يخيفون السبيل، ويسعون في الأرض الفساد (فإنه يقتل) إن سفك الدماء وكف عن الأموال. (أو) ليست للإباحة بل هي قرينة للحكم باختلاف الجناية، فكل واحد بقدر فعله (يصلب) ثلاثًا بعد القتل ويترك إذا قتل وأخذ المال. قال أبو عبيد: سألت محمد بن الحسن عن قوله: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ (٦) قال: هو أن يصلب حيًّا ثم يطعن بالرماح حتى يقتل، وهو رأي أبي حنيفة (٧).

стр. 11302

(أو ينفى من الأرض) إذا أخاف السبيل ولم يأخذ المال ولم يقتل، والأصح عند الشافعي أن النفي راجع إلى رأي الإمام بما فيه المصلحة من حبس وتغريب، وقيل: يغربه بنفسه إلى حيث يرى، وإن عين صوبا منع من العدول إلى غيره. قال ابن الأنباري: وأكثر اللغويين أن المراد بالنفي الحبس والسجن، واحتجوا بأن المسجون بمنزلة المخرج من الدنيا، وأنشدوا من قول بعض المسجونين: خرجنا عن الدنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى إذا جاءنا السجان يومًا بحاجةٍ ... عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا (١) (أو قتل نفسًا) بغير حق (فيقتل بها) كما قال اللَّه تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٢). [٤٣٥٤] (ثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا: ثنا يحيى (٣) بن سعيد) القطان (قال مسدد) و (ثنا قرة بن خالد) السدوسي الثبت (قال: ثنا حميد بن هلال) العدوي، قال قتادة: ما كانوا يفضلون عليه أحدًا في العلم (٤).

стр. 11303

(قال: ثنا أبو بردة) [عامر بن قيس أخو] (١) أبي موسى الأشعري، عن أبي موسى (قال أبو موسى) الأشعري (أقبلنا إلى النبي ﷺ ومعي رجلان) رواية مسلم: دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من [بني] (٢) عمي (٣). (من الأشعريين، أحدهما عن يميني والآخر عن يساري) فيه أن من الأدب إذا مشى ثلاثة أن يكون كبيرهم في الوسط ويكتنفه الآخران، ومن يليه في الرتبة يكون على يمينه والآخر على يساره. (فكلاهما سأل العمل) وفي رواية لمسلم: فقال أحد الرجلين (٤): يا رسول اللَّه، أمرنا على بعض ما ولاك اللَّه تعالى. وقال الآخر مثل ذلك (٥). (والنبي ﷺ ساكت) رواية مسلم: والنبي ﷺ يستاك (٦). (فقال: [ما تقول] يا أبا موسى أو يا عبد اللَّه بن قيس؟ ) الشك من الراوي. قال (قلت: والذي بعثك بالحق نبيًّا ما أطلعاني على ما في أنفسهما) فيه جواز اليمين من غير استحلاف (وما شعرت أنهما يطلبان العمل) يشبه أنهما سألا أن يكونا عاملين على الصدقة. وفيه الاعتذار عما يظن به أنه فعله، والحلف على أنه لم يفعله. قال (وكأني انظر إلى سواكه تحت شفته) العليا وقد (قَلَصَتْ) بفتح اللام، أي: ارتفعت لاستياكه على لحم أسنانه العُليا.

стр. 11304

وفيه استحباب إجراء السواك الرطب على لثة الأسنان العليا، ثم على السفلى، وعلى اللسان. (قال: لن نستعمل أو لا نستعمل على عملنا من أراده) رواية مسلم: فقال: "إنا واللَّه لا نولي على هذا العمل أحدا سأله، ولا أحدا حرص عليه" (١) قال العلماء: والحكمة في أنه لا يولي من سأل الولاية أنه يوكل إليها، ولا يكون معه إعانة كما صرح به في حديث عبد الرحمن (٢)، وإذا لم يكن معه إعانة لا يكون كفؤا، ولا يولى غير الكفؤ؛ لأن فيه تهمة للطالب والحريص. (ولكن اذهب أنت (٣) يا أبا موسى أو يا عبد اللَّه (٤) بن قيس. فبعثه على اليمن، ثم أتبعه معاذ بن جبل) زاد الطبراني: فأمرهما أن يعلما الناس القرآن (٥). (فلما قدم معاذ) بن جبل (عليه) ليزوره (قال: انزل. وألقى له وسادة) فيه إكرام الضيف بالوساد والفراش والمطهرة ونحو ذلك مما يحتاج إليه. (فإذا رجل عنده موثق) زاد الطبراني: بالحديد (٦). فيه حبس من وجب قتله في قصاص أو ردة ونحوهما، وربطه وإيثاقه بالحديد ونحوه؛ لئلا

стр. 11305

يهرب (قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديًّا فأسلم، ثم راجع دينه دين السوء) زاد مسلم: فتهوَّد (١). (قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء اللَّه ورسوله) مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا قضاء اللَّه وقضاء رسوله، أو يكون مبتدأ حذف خبره، أي: قضاء اللَّه ورسوله بالتقديم على حقي. (ثلاث مرات ثلاث مرات) تكرر ذلك. زاد الطبراني: فقال -يعني: أبا موسى-: أوبعثنا نعذب الناس، إنما نعلمهم دينهم ونأمرهم بما ينفعهم (٢). (فأمر به فقتل) أوضح الطبراني كيفية القتل فقال: والذي بعث محمدًا بالحق لا أبرح حتى أحرقه بالنار (٣). فقال أبو موسى: إن لنا عنده بقية. فقال: واللَّه لا أبرح أبدًا. قال: فأتي بحطب، فألهب فيه، وكتفه وطرحه. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (٤). وفيه دليل على وجوب قتل المرتد، وقد أجمعوا على قتله، وقتله بضرب الرقبة كما تقدم، ورواية الطبراني بالتحريق يقوي ما تقدم عن علي أول الباب. واختلفوا في استتابته وفي قدرها، فقال مالك (٥) والشافعي (٦)

стр. 11306

وأحمد (١) والجماهير: يستتاب. ونقل ابن القطان المالكي إجماع الصحابة عليه (٢). وقال طاوس (٣) والحسن (٤) والماجشون المالكي وأبو يوسف (٥): لا يستتاب. والأصح عند الشافعي أن الاستتابة واجبة، وأنها في الحال. وله قول: أنها ثلاثة أيام، وبه قال مالك (٦) وأبو حنيفة (٧) وأحمد (٨). (ثم تذاكرا) فضيلة (قيام الليل، فقال أحدهما معاذ) بالرفع عطف بيان (ابن جبل: أما أنا فأنام وأقوم) أي: أنام بنية القيام للعبادة عند التيقظ وإجمام النفس للعبادة ونشاطها للطاعة. (أو أقوم) يعني: للصلاة (وأنام) شك من الراوي (وأرجو من نومتي) من الأجر والثواب (ما أرجو في قومتي) أي: صلاتي. زاد الطبراني: وكان معاذ أفضل منه. وروى النسائي وابن ماجه بسند صحيح: "من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه فنام حتى يصبح كتب له ما نوى،

стр. 11307

وكان نومه صدقة من اللَّه عليه" (١). [٤٣٥٥] (ثنا الحسن بن علي) بن عفان، قال أبو حاتم: صدوق (٢)، (قال: ثنا الحماني) بكسر الحاء المهملة، وتشديد الميم، وبعد الألف نون، من بني حمان وعامتهم بالكوفة (يعني: عبد الحميد بن عبد الرحمن) (٣) بن طلحة بن عبيد اللَّه القرشي نزيل الكوفة، قال أبو داود: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح الحديث صحيح الحديث (٤). (وبريد) (٥) بضم الموحدة مصغر (ابن عبد اللَّه بن أبي بردة، عن أبي بردة) عامر بن أبي موسى الأشعري (عن) أبيه (أبي موسى) عبد اللَّه بن قيس الأشعري. (قال: قدم عليَّ مُعاذ) بن جبل (وأنا) مقيم (باليمن) زائرًا، وإذا (رجل كان يهوديًّا فأسلم، فارتد) أتى بفاء التعقيب، يدل على أن ردَّته كانت عقب إسلامه (عن الإسلام، فلما قدم معاذ ﵁) ورآه موثقًا بالحديد (قال: لا أنزل عن دابتي حتى يقتل) فيه: امتناع الضيف من النزول عند

стр. 11308

المضيف حتى يزيل ما ظهر له عدم جوازه، وإذا رأى معصية ظاهرة فهو أحرى بعدم جواز النزول عنده. (فقتل) فيه ما تقدم (قال أحدهما) لعله إحدى (١) الروايتين عن أبي موسى (وكان) المرتد (قد استتيب قبل ذلك) فلم يتب. فيه دليل على استتابة المرتد، وهو قول أكثر أهل العلم، منهم عمر (٢) وعلي (٣) وعطاء (٤) والنخعي (٥) ومالك والثوري (٦) والأوزاعي (٧) والشافعي وأصحاب الرأي، وهو الصحيح عند الشافعي وأحمد بن حنبل (٨)، وفي رواية عنهما أن الاستتابة مستحبة للحديث المتقدم، ولم يذكر استتابته، ولأنه لو قبل الاستتابة لم يضمن، ولو حرم قتله لضمن. وقال عطاء: إن كان مسلمًا أصليًّا لم يستتب، وإن أسلم ثم ارتد استتيب (٩).

стр. 11309

[٤٣٥٦] (ثنا محمد بن العلاء قال: ثنا حفص) بن غياث النخعي قال (ثنا) سليمان بن أبي سليمان (الشيباني) الكوفي مولى بني شيبان (عن أبي بردة ﵁ بهذِه القصة) المتقدمة. (قال: فأتي أبو موسى) الأشعري (برجل قد ارتد عن الإسلام، فدعاه عشرين ليلة قبل قدوم معاذ أو قريبًا منها) ويروى أن أبا موسى استتابه شهرين، والصحيح المشهور عند الشافعي استتابة المرتد والمرتدة في الحال، وإن أصرَّا قتلا بلا تأخير؛ لقوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" (١) فأتى بفاء التعقيب. وإذا أردنا قتله بعد الاستتابة وإصراره فقال: أمهلوني حتى تنحل شبهتي. فالصحيح لا يمهل، بل يقال: أسلم ونزيل شبهتك. (فجاء معاذ فدعاه) إلى الإسلام (فأبى؛ فضرب عنقه) هذا هو الصحيح في قتل المرتد أنه تضرب رقبته، لا بالإحراق كما تقدم. (قال أبو داود: رواه عبد الملك بن عمير) الكوفي، رأى عليًّا. (عن أبي بردة ولم يذكر الاستتابة) في روايته (ورواه) محمد (ابن المفضل عن الشيباني، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه) أبي بردة بن أبي موسى (عن أبي موسى، ولم يذكر فيه الاستتابة) أيضًا. [٤٣٥٧] (ثنا) عبيد اللَّه (ابن معاذ) قال (ثنا أبي) معاذ [بن معاذ] (٢) العنبري قال (ثنا) عبد الرحمن بن عبد اللَّه (المسعودي عن القاسم) بن عبد الرحمن (بهذِه القصة، قال: فلم ينزل حتى ضرب عنقه وما

стр. 11310

استتابه) أي: لم يعرضها عليه. [٤٣٥٨] (ثنا أحمد بن محمد) بن موسى (المروزي) قال (ثنا علي ابن الحسين بن واقد، عن أبيه) الحسين بن واقد قاضي مرو، وثقه ابن معين (١) وغيره (عن يزيد) من الزيادة، ابن أبي سعيد المروزي النحوي، متقن عابد. (عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: كان عبد اللَّه بن سعد بن أبي السرح) بن الحارث العامري القرشي أخو عثمان بن عفان من الرضاعة، أسلم قبل الفتح وهاجر، وكان (يكتب) الوحي (لرسول اللَّه ﷺ ، فأزله الشيطان) قال أبو علي الفارسي [في قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾] (٢): يحتمل تأويلين: أحدهما: ألبسهما الزلة وحملهما عليها. والآخر: أن يكون أزل من زل الذي يراد به غيره وقد نسب للإنسان الزلة إلى الشيطان كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ (٣) (فلحق بالكفار) أي: عاد إلى كفار قريش بمكة بعدما ارتد مشركًا. (فأمر به النبي ﷺ أن يقتل) وأهدر دمه (يوم الفتح) أي: فتح مكة (فاستجار له) أي: طلب له الأمان وأن يجار من القتل (عثمان بن عفان) لأن أم عبد اللَّه أرضعت عثمان، وغيبه عثمان حتى أتى به رسول اللَّه ﷺ بعدما اطمأن الناس (فأجاره رسول اللَّه ﷺ ) من القتل.
следующие страницы →