← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 11306–11345 · переход к 11311.

стр. 11306

وأحمد (١) والجماهير: يستتاب. ونقل ابن القطان المالكي إجماع الصحابة عليه (٢). وقال طاوس (٣) والحسن (٤) والماجشون المالكي وأبو يوسف (٥): لا يستتاب. والأصح عند الشافعي أن الاستتابة واجبة، وأنها في الحال. وله قول: أنها ثلاثة أيام، وبه قال مالك (٦) وأبو حنيفة (٧) وأحمد (٨). (ثم تذاكرا) فضيلة (قيام الليل، فقال أحدهما معاذ) بالرفع عطف بيان (ابن جبل: أما أنا فأنام وأقوم) أي: أنام بنية القيام للعبادة عند التيقظ وإجمام النفس للعبادة ونشاطها للطاعة. (أو أقوم) يعني: للصلاة (وأنام) شك من الراوي (وأرجو من نومتي) من الأجر والثواب (ما أرجو في قومتي) أي: صلاتي. زاد الطبراني: وكان معاذ أفضل منه. وروى النسائي وابن ماجه بسند صحيح: "من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه فنام حتى يصبح كتب له ما نوى،

стр. 11307

وكان نومه صدقة من اللَّه عليه" (١). [٤٣٥٥] (ثنا الحسن بن علي) بن عفان، قال أبو حاتم: صدوق (٢)، (قال: ثنا الحماني) بكسر الحاء المهملة، وتشديد الميم، وبعد الألف نون، من بني حمان وعامتهم بالكوفة (يعني: عبد الحميد بن عبد الرحمن) (٣) بن طلحة بن عبيد اللَّه القرشي نزيل الكوفة، قال أبو داود: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح الحديث صحيح الحديث (٤). (وبريد) (٥) بضم الموحدة مصغر (ابن عبد اللَّه بن أبي بردة، عن أبي بردة) عامر بن أبي موسى الأشعري (عن) أبيه (أبي موسى) عبد اللَّه بن قيس الأشعري. (قال: قدم عليَّ مُعاذ) بن جبل (وأنا) مقيم (باليمن) زائرًا، وإذا (رجل كان يهوديًّا فأسلم، فارتد) أتى بفاء التعقيب، يدل على أن ردَّته كانت عقب إسلامه (عن الإسلام، فلما قدم معاذ ﵁) ورآه موثقًا بالحديد (قال: لا أنزل عن دابتي حتى يقتل) فيه: امتناع الضيف من النزول عند

стр. 11308

المضيف حتى يزيل ما ظهر له عدم جوازه، وإذا رأى معصية ظاهرة فهو أحرى بعدم جواز النزول عنده. (فقتل) فيه ما تقدم (قال أحدهما) لعله إحدى (١) الروايتين عن أبي موسى (وكان) المرتد (قد استتيب قبل ذلك) فلم يتب. فيه دليل على استتابة المرتد، وهو قول أكثر أهل العلم، منهم عمر (٢) وعلي (٣) وعطاء (٤) والنخعي (٥) ومالك والثوري (٦) والأوزاعي (٧) والشافعي وأصحاب الرأي، وهو الصحيح عند الشافعي وأحمد بن حنبل (٨)، وفي رواية عنهما أن الاستتابة مستحبة للحديث المتقدم، ولم يذكر استتابته، ولأنه لو قبل الاستتابة لم يضمن، ولو حرم قتله لضمن. وقال عطاء: إن كان مسلمًا أصليًّا لم يستتب، وإن أسلم ثم ارتد استتيب (٩).

стр. 11309

[٤٣٥٦] (ثنا محمد بن العلاء قال: ثنا حفص) بن غياث النخعي قال (ثنا) سليمان بن أبي سليمان (الشيباني) الكوفي مولى بني شيبان (عن أبي بردة ﵁ بهذِه القصة) المتقدمة. (قال: فأتي أبو موسى) الأشعري (برجل قد ارتد عن الإسلام، فدعاه عشرين ليلة قبل قدوم معاذ أو قريبًا منها) ويروى أن أبا موسى استتابه شهرين، والصحيح المشهور عند الشافعي استتابة المرتد والمرتدة في الحال، وإن أصرَّا قتلا بلا تأخير؛ لقوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" (١) فأتى بفاء التعقيب. وإذا أردنا قتله بعد الاستتابة وإصراره فقال: أمهلوني حتى تنحل شبهتي. فالصحيح لا يمهل، بل يقال: أسلم ونزيل شبهتك. (فجاء معاذ فدعاه) إلى الإسلام (فأبى؛ فضرب عنقه) هذا هو الصحيح في قتل المرتد أنه تضرب رقبته، لا بالإحراق كما تقدم. (قال أبو داود: رواه عبد الملك بن عمير) الكوفي، رأى عليًّا. (عن أبي بردة ولم يذكر الاستتابة) في روايته (ورواه) محمد (ابن المفضل عن الشيباني، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه) أبي بردة بن أبي موسى (عن أبي موسى، ولم يذكر فيه الاستتابة) أيضًا. [٤٣٥٧] (ثنا) عبيد اللَّه (ابن معاذ) قال (ثنا أبي) معاذ [بن معاذ] (٢) العنبري قال (ثنا) عبد الرحمن بن عبد اللَّه (المسعودي عن القاسم) بن عبد الرحمن (بهذِه القصة، قال: فلم ينزل حتى ضرب عنقه وما

стр. 11310

استتابه) أي: لم يعرضها عليه. [٤٣٥٨] (ثنا أحمد بن محمد) بن موسى (المروزي) قال (ثنا علي ابن الحسين بن واقد، عن أبيه) الحسين بن واقد قاضي مرو، وثقه ابن معين (١) وغيره (عن يزيد) من الزيادة، ابن أبي سعيد المروزي النحوي، متقن عابد. (عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: كان عبد اللَّه بن سعد بن أبي السرح) بن الحارث العامري القرشي أخو عثمان بن عفان من الرضاعة، أسلم قبل الفتح وهاجر، وكان (يكتب) الوحي (لرسول اللَّه ﷺ ، فأزله الشيطان) قال أبو علي الفارسي [في قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾] (٢): يحتمل تأويلين: أحدهما: ألبسهما الزلة وحملهما عليها. والآخر: أن يكون أزل من زل الذي يراد به غيره وقد نسب للإنسان الزلة إلى الشيطان كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ (٣) (فلحق بالكفار) أي: عاد إلى كفار قريش بمكة بعدما ارتد مشركًا. (فأمر به النبي ﷺ أن يقتل) وأهدر دمه (يوم الفتح) أي: فتح مكة (فاستجار له) أي: طلب له الأمان وأن يجار من القتل (عثمان بن عفان) لأن أم عبد اللَّه أرضعت عثمان، وغيبه عثمان حتى أتى به رسول اللَّه ﷺ بعدما اطمأن الناس (فأجاره رسول اللَّه ﷺ ) من القتل.

стр. 11311

[٤٣٥٩] (ثنا عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا أحمد بن المفضل) الكوفي، شيعي صدوق. قال (ثنا أسباط بن نصر) الهمداني، وثقه ابن معين (١) (قال: زعم السدي عن مصعب بن سعد) بن أبي وقاص (عن) أبيه (سعد) بن أبي وقاص. (قال: لما كان يوم (٢) فتح مكة اختبأ عبد اللَّه بن أبي سرح عند عثمان ابن عفان ﵁) فيه: أمان المشرك الذي يطلب الأمان؛ ليرى حال الإسلام، وإجارته من القتل ما دام في دار الإسلام، وإخفاؤه عند من استجاره، ولهذا كان رسول اللَّه ﷺ يعطي الأمان لمن جاءه مسترشدًا أو حاجة، وجاءه يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش منهم عروة ابن مسعود ومكرز وسهيل وغيرهم واحدًا بعد واحد فرأوا من أحوال المسلمين ما بهرهم، وكان ذلك من أكثر أسباب هداية أكثرهم. (فجاء به) لما دعا رسول اللَّه ﷺ الناس إلى البيعة (حتى أوققه على النبي ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، بايع عبد اللَّه) بن أبي سرح (فرفع) رسول اللَّه ﷺ (رأسه فنظر إليه) ثم خفض رأسه ونظر إلى الأرض، ثم رفع رأسه فنظر إليه، ثم طأطأ رأسه ونظر إلى الأرض يفعل ذلك (ثلاثًا، كل ذلك) يطلب منه المبايعة و (يأبى) أن يبايعه [(فبايعه بعد ثلاث) مرات. (ثم أقبل على أصحابه) يلومهم على تأخرهم عن قتله] (٣) (فقال: أما كان فيكم رجل رشيد؟ ! ) أي: يهتدي إلى سبيل الحق وفعل الجميل،

стр. 11312

وفي ذلك توبيخ لهم حين لم يكن أحد منهم يفهم ما أراده. قال أبو مالك: رشيد. ناهٍ عن المنكر، ورشيد أي: ذو رشد أو مرشد كالحكيم بمعنى المحكم. وفيه دليل على جواز استعمال كلام اللَّه تعالى في كلام في نظم أو نثر. (يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ ) قبل أن يبايعه (فقالوا: ما ندري يا رسول اللَّه ما في نفسك) وفي الرواية المتقدمة في كتاب الحدود: فقال الأنصاري: يا رسول اللَّه، انتظرتك فلم تومض لي (ألا) بالتخفيف والتشديد أي: هلا (أومأت إلينا بعينك؟ فقال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين) وتقدم في الجهاد. قال الضحاك: خائنة الأعين الغمز. قال ابن الأثير: خائنة الأعين كناية عن الرمز والإشارة، كأنها مما تخونه العين، أي: تسرقه، لأنها كالسرقة من الحاضرين (١). وفيه: دليل على ما قاله العلماء أنه كان يحرم عليه ﷺ خائنة الأعين، وهي الإيماء إلى مباح من قتل أو ضرب على خلاف ما يظهر ويشعر به الحال. زاد البغوي في "التهذيب": ثم أبيح له إذا أراد سفرًا أن يوري بغيره وقوله: ثم أبيح له. يشير إلى أنه كان محظورًا ثم أبيح -كما تقدم- الخدعة في الحرب كسائر الناس.

стр. 11313

[٤٣٦٠] (ثنا قتيبة بن سعيد قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن عن أبيه) [عبد اللَّه المسعودي] (١). (عن أبي إسحاق) [سليمان بن أبي سمليمان فيروز الشيباني] (٢). (عن) عامر (الشعبي، عن جرير ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ [يقول] (٣): إذا أبق) بفتح الباء وكسرها لغتان مشهورتان، الفتح أفصح وبها جاء القرآن: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠)﴾ (٤) (العبد) أو الجارية (إلى) أرض (الشرك) وفي رواية لغيره: "أيما عبد أبق من مواليه ولحق بالعدو" (٥) (فقد حل دمه) وفي رواية لمسلم: "إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة" (٦). وفي أخرى موقوفًا عليه: "أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم" (٧). وفي رواية للنسائي: "لم تقبل له صلاة، وإن مات مات كافرًا" (٨) فأبق غلام لجرير فضرب عنقه. انتهى.

стр. 11314

فقد أجرى جرير راوي الحديث [الحديث] (١) على ظاهره، وهذا محمول عند الجمهور على من أبق مستحلا لذلك، فإذا فعله كان كافرًا حقيقة ويضرب عنقه، وإن كان غير مستحل له فتقول بظاهره الخوارج الذين يقولون بتخليد أهل المعاصي في النار، والخوارج يزيدون على التخليد فيحكمون بكفره حقيقة، وشبهتهم ظاهر هذا الحديث وأمثاله، وقد ثبتت الدلائل القاطعة الواضحة على بطلان مذهبهم، وهو محمول على قول الجمهور على كفران النعمة؛ فإنه قابل إحسان سيده وترك حقه بالإساءة، ومن كان كذلك صدق عليه اسم الكافر وعلى فعله أنه كفر لغة، ويحتمل أنه يقال: أطلق الكفر لأنه تشبه بالكفار بذهابه إلى بلادهم، وقصدها دون بلاد الإسلام. * * *

стр. 11315

٢ - باب الحُكْمِ فِيمَنْ سَبَّ النَّبي ﷺ - ٤٣٦١ - حَدَّثَنا عَبّادُ بْنُ مُوسَى الخُتَّليُّ، أَخْبَرَنا إِسْماعِيل بْنُ جَعْفَرٍ المَدَنيُّ، عَنْ إِسْرائِيلَ، عَنْ عُثْمانَ الشَّحَّامِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: حَدَّثَنا ابن عَبّاسٍ أَنَّ أَعْمَى كانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبي ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ فَيَنْهاها فَلا تَنْتَهي وَيَزْجُزها فَلا تَنْزَجِرُ، قالَ: فَلَمّا كانَتْ ذاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ في النَّبي ﷺ وَتَشْتِمُهُ فَأَخَذَ المِغْوَلَ فَوَضَعَهُ في بَطْنِها واتَّكَأَ عَلَيْها فَقَتَلَها فَوَقَعَ بَيْنَ رِجْلَيْها طِفْلٌ فَلَطَخَتْ ما هُناكَ بِالدَّمِ فَلَمّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَمَعَ النّاسَ فَقالَ: "أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا فَعَلَ ما فَعَلَ لي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قامَ". فَقامَ الأَعْمَى يَتَخَطَّى النّاسَ وَهُوَ يَتَزَلْزَل حَتَّى قَعَدَ بَيْنَ يَدي النَّبي ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أَنا صاحِبُها كانَتْ تَشْتِمُكَ وَتَقعُ فِيكَ فَأَنْهاها فَلا تَنْتَهي، وَأَزْجُرُها فَلا تَنْزَجِز، وَلي مِنْها ابنانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، وَكانَتْ بي رَفِيقَةً، فَلَمّا كانَتِ البارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتِمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ، فَأَخَذْتُ المِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ في بَطْنِها، واتَّكَأْتُ عَلَيْها حَتَّى قَتَلْتُها. فَقالَ النَّبي ﷺ : "أَلا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَها هَدَرٌ" (١). ٤٣٦٢ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الجَرّاحِ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبي، عَنْ عَلي ﵁ أَنَّ يَهُودِيَّةً كانَتْ تَشْتِمُ النَّبي ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ فَخَنَقَها رَجُلٌ حَتَّى ماتَتْ فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَمَها (٢). ٤٣٦٣ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ عَنْ يُونُسَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ، عَنِ النَّبي ﷺ ح وَحَدَّثَنا هارُون بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَنُصَيْرُ بْنُ الفَرَجِ قالا: حَدَّثَنا أَبُو أُسامَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ

стр. 11316

مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبي بَرْزَةَ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبي بَكْرٍ ﵁ فَتَغَيَّظَ عَلَى رَجُلٍ فاشْتَدَّ عَلَيْهِ فَقلْتُ: تَأْذَن لي يا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَضْرِبُ عُنُقَهُ قالَ: فَأَذْهَبَتْ كَلِمَتي غَضَبَهُ فَقامَ فَدَخَلَ فَأَرْسَلَ إِلَي فَقالَ ما الذي قُلْتَ آنِفًا؟ قُلْتُ: ائْذَنْ لي أَضْرِبْ عُنُقَهُ. قالَ أَكُنْتَ فاعِلًا لَوْ أَمَرْتُكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: لا واللَّه ما كانَتْ لِبَشَرٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ أَبُو داوُدَ: هذا لَفْظُ يَريدَ قالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: أي: لَمْ يَكُنْ لأَبي بَكْرٍ أَنْ يَقْتلَ رَجُلًا إِلَّا بإِحْدى الثَّلاثِ التي قالَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، كُفْرٌ بَعْدَ إِيمانٍ، أَوْ زِنًا بَعْدَ إِحْصانٍ، أَوْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ، وَكانَ لِلنَّبي ﷺ أَنْ يَقْتُلَ (١). * * * باب الحكم فيمن سب النبي ﷺ [٤٣٦١] (ثنا عباد بن موسى الختلي) بضم الخاء المعجمة، والتاء المثناة المفتوحة، وثق (قال: ثنا إسماعيل بن جعفر المدني، عن إسرائيل) روى له الشيخان (عن عثمان) أبي سلمة (الشحام) يقال: ابن عبد اللَّه. ويقال: ابن ميمون. قال الذهبي: له حديث واحد في "صحيح مسلم" في الفتنة أخرجه شاهدًا (٢). (عن عكرمة قال: ثنا ابن عباس ﵄ أن أعمى كانت له أم ولد تشتم) بكسر التاء الثانية، أي: تسبه (النبي ﷺ وتقع فيه) قال الجوهري: الوقيعة في الناس الغيبة (٣).

стр. 11317

(فينهاها) عن ذلك (فلا تنتهي) قال النووي: ينبغي لمن سمع غيبة مسلم أن يردها ويزجر قائلها، فإن لم ينزجر بالكلام زجره بيده، فإن لم يستطع باليد ولا باللسان فارق ذلك المجلس. فإن سمع غيبة شيخه أو استاذه أو غيرهما ممن له عليه حق أو كان من أهل الفضل والصلاح كان الاعتناء به أكثر (١). فما الظن بمن سمع غيبة النبي ﷺ ؟ ! (ويزجرها فما تنزجر) عما هي عليه (فلما كان ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المعول) بكسر الميم، وسكون العين المهملة، وفتح الواو، وقال ابن الأثير: هو آلة ذات نصل دقيق يكون منحنيا في مثل عكازة ونحوها (٢). وقال الجوهري: المعول: الفأس العظيمة التي ينقر بها الصخر، والجمع المعاول (٣). (فوضعه في بطنها واتكأ) بهمز آخره (فقتلها، ووقع بين رجليها طفل) قال عبد الحق: الطفل هو عبد اللَّه بن يزيد الخطمي (٤). (فلطخت) وفي رواية: فلطخ (ما هناك بالدم) أي: من حركتها وشدة اضطرابها عند القتل. (فلما أصبح ذكر ذلك للنبي ﷺ ) فيه: ذكر الإنسان ما يعرض له من الأمور المهمة لشيخه ووالده ونحوهما، ولا يخفي عليه ذكر شيء يحتاج إلى تعلم أحكامه.

стр. 11318

(فجمع الناس) هذا تشريع من النبي ﷺ لأمته ليقتدوا به (فقال: أنشد اللَّه) بضم الشين ونصب (اللَّه) (رجلًا) أي: أسأله باللَّه أو أذكر اللَّه تعالى رجلًا (فعل) البارحة (ما فعل) و (لي عليه حق) التعظيم (إلا قام) في هذا المجلس (فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل) أي: يضطرب في مشيته (حتى قعد بين يدي رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، أنا صاحبها) يعني: الذي تولى قتلها، و (كانت تشتمك) بكسر التاء (وتقع فيك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل) بالرفع (اللؤلؤتين) بهمزتين بعد اللامين تثنية لؤلؤة (وكانت بي رفيقة) أي: ترفق به في الخدمة، وفي بعض النسخ: وكانت لي رفيقة. باللام بدل الباء. (فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المعول، فوضعته في بطنها واتكأت عليه حتى قتلتها) به (فقال النبي ﷺ : ألا) بالتخفيف (اشهدوا) بما أقول (أن دمها هدر) بفتح الدال كما ضبطه النووي بخطه في "المنهاج" وحكى إسكانها، وهو الذي وجوده مثل عدمه، يقال: ذهب دمه هدرًا وأهدر دمه إذا لم يأخذ بثأره ولا تمكن غريمه من أخذ ثأره. وفيه: أن سب النبي ﷺ ارتداد عن الإسلام؛ فيجب قتله سواء كان مازحًا أو جادًّا، وإذا وجب قتل من سب النبي ﷺ فمن سب اللَّه تعالى أولى بالارتداد ووجوب القتل. واختلفوا في قبول توبة المرتد هل تقبل توبته [أم لا] (١)؛ فقال أبو حنيفة في أظهر الروايتين عنه ومالك وأحمد

стр. 11319

في أظهر الروايتين: لا تقبل (١). وقال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة في الروايتين الأخريين عنهما: تقبل توبته، وإذا قبلت توبته فلا يترك حتى يؤدب أدبًا يزجره عن ذلك. [٤٣٦٢] (ثنا عثمان بن أبي شيبة، و [عبد الرحمن] (٢) الجراح) وثقه النسائي وغيره (عن جرير) بفتح الجيم وهو ابن عبد الحميد. (عن المغيرة، عن الشعبي، عن علي أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت) فيه: جواز القتل بالخنق لمن أهدر دمه. (فأبطل النبي ﷺ دمها) نقل الإمام أن من سب النبي ﷺ بما هو قذف صريح كفر باتفاق العلماء، وأن أبا بكر الفارسي قال في كتاب "الإجماع": إنه لو تاب لم يسقط القتل عنه؛ لأن حد قذفه ﷺ القتل، وحد القذف لا يسقط بالتوبة، وادعى فيه الإجماع. ووافقه الشيخ أبو بكر القفال، وقال الأستاذ أبو إسحاق: إنه كفر بالسب، فإذا تاب سقط القتل عنه. وقال الصيدلاني: إذا تاب زال القتل وجلد ثمانين. قال الإمام: ولا يتجه عندنا إلا مسلكان: أحدهما: ما قاله الفارسي، وهو في نهاية الحسن؛ فإنه متعلق بتعظيم النبي ﷺ ، ولا تصح التوبة عما يتعلق بحق آدمي، وهذا مراد الفارسي. والمسلك الآخر: أنه ردة، والتوبة عنه كالتوبة عن الردة، والوقيعة

стр. 11320

فيه ﷺ كذكر اللَّه تعالى بالسوء. ثم أشار إلى ضعف قول الصيدلاني (١). والذي اقتضاه كلام الفارسي (٢) وغيره ما نسبه إلى الأستاذ أبي إسحاق، وهو ظاهر المذهب. [٤٣٦٣] (ثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا حماد) بن سلمة (عن يونس) بن عبيد (عن حميد بن هلال) التابعي (عن النبي ﷺ وثنا هارون ابن عبد اللَّه) بن مروان البغدادي الحمال، سمي بذلك لأنه حمل رجلًا على ظهره انقطع بطريق مكة (ونصير) مصغر (ابن الفرج) الثغري الزاهد الثقة (قالا: ثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن يزيد بن زريع) الحافظ، قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة (٣). (عن يونس بن عبيد) أحد أئمة البصرة الأثبات. ([عن عبيد] (٤)، عن حميد بن هلال، عن عبد اللَّه بن مطرف) بن عبد اللَّه العامري، قيل: مات قبل أبيه (عن أبي برزة) نضلة الأسلمي (قال: كنت) يومًا (عند أبي بكر) الصديق ﵁ (فتغيظ على رجل، فاشتد عليه) أي: رفع صوته عليه أو حمل عليه. (فقلت: تأذن) أصله بهمزة الاستفهام، أي: أتأذن (لي يا خليفة رسول اللَّه ﷺ أضرب) بالجزم (عنقه؟ قال: فأذهبت [كلمتي غضبه]) (٥)

стр. 11321

الذي كان به (فقام فدخل) بيته (فأرسل إلي) فجئته (فقال (١) ما الذي قلت) لي (آنفًا) بالمد، ويجوز القصر، أي: قريبًا (قلت: ائذن لي أضرب) بالجزم جواب الأمر (عنقه. قال: أكنت فاعلًا لو أمرتك؟ ) بضرب عنقه (قلت: نعم. قال: لا واللَّه، ما كان) ينبغي (لبشر بعد محمد ﷺ ). فيه: أنه لا يكفر من سب أحدًا من الصحابة، ولا يضرب عنقه، لمن يعزر تعزيزا بالغًا، ويطال سجنه. ونقل القاضي حسين في باب إمامة المرأة في الصلاة أن من سب الشيخين أو الختنين هل يكفر أو يفسق؟ وجهان: قال: ومن لم يكفره من أهل الأهواء والبدع لا يقطع بخلوده في النار، وهل يقطع بدخوله إياها؟ قال الأذرعي: والقطع بالدخول (٢) بعيد، واللَّه أعلم. (قال أبو داود: وهذا لفظ يزيد) بن زريع. * * *

стр. 11322

٣ - باب ما جاءَ في المُحارِبَةِ ٤٣٦٤ - حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ أَنَّ قَوْمًا مِنْ عُكْلٍ -أَوْ قالَ: مِنْ عُرَيْنَةَ- قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاجْتَوَوُا المَدِينَةَ فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بلِقاحٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوالِها وَأَلْبانِها، فانْطَلَقُوا فَلَمّا صَحُّوا قَتَلُوا راعي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واسْتاقُوا النَّعَمَ فَبَلَغَ النَّبيَّ ﷺ خَبَرُهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهارِ فَأَرْسَلَ النَّبيُّ ﷺ في آثارِهِمْ فَما ارْتَفَعَ النَّهارُ حَتَّى جِيءَ بِهِمْ فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِم وَأَرْجُلُهُمْ وَسُمِّرَ أَعْيُنُهُمْ وَأُلْقُوا في الحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلا يُسْقَوْنَ. قالَ أَبُو قِلابَةَ: فهؤلاء قَوْمٌ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَحارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ (١). ٤٣٦٥ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ بِإسْنادِهِ بهذا الحَدِيثِ قالَ فِيهِ: فَأَمَرَ بِمَسامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَلَهُمْ وَقَطَّعَ أَيْدِيَهُم وَأَرْجُلَهُمْ وَما حَسَمَهُمْ (٢). ٤٣٦٦ - حَدَّثَنا مُحَمَّد بْنُ الصَّبّاحِ بْنِ سُفْيانَ قالَ: أَخْبَرَنا، ح وَحَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ، حَدَّثَنا الوَلِيدُ، عَنِ الأَوْزاعيُّ، عَنْ يَحْيَى -يَعْني: ابن أَبي كَثِيرٍ-، عَنْ أَبي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ بهذا الحَدِيثِ قالَ فِيهِ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في طَلَبِهِمْ قافَةً فَأُتي بِهِمْ. قالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ في ذَلِكَ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآيَةَ (٣). ٤٣٦٧ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، أَخْبَرَنا ثابِتٌ وَقَتادَةُ وَحُمَيْدٌ

стр. 11323

عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ ذَكَرَ هذا الحَدِيثَ قالَ أَنَسٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمْ يَكْدِمُ الأَرْضَ بِفِيهِ عَطَشًا حَتَّى ماتُوا (١). ٤٣٦٨ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْن بَشّارٍ، حَدَّثَنا ابن أَبي عَديٍّ، عَنْ هِشامٍ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ بهذا الحَدِيثِ نَحْوَهُ زادَ: ثمَّ نَهَى عَنِ المُثْلَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ خِلافٍ. وَرَواهُ شُعْبَةُ، عَنْ قَتادَةَ وَسَلَّامِ بْنِ مِسْكِينٍ عَنْ ثابِتٍ جَمِيعًا عَنْ أَنَسٍ لَمْ يَذْكُرا: مِنْ خِلافٍ. وَلَمْ أَجِدْ في حَدِيثِ أَحَدٍ: قَطَعَ أَيْدِيَهُم وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلافٍ. إِلَّا في حَدِيثِ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ (٢). ٤٣٦٩ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن صالِحٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَني عَمْرٌو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبي هِلالٍ، عَنْ أَبي الزِّنادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ -قالَ أَحْمَدُ: هُوَ يَعْني عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ- عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ ناسًا أَغارُوا عَلَى إِبِلِ النَّبيِّ ﷺ فاسْتاقُوها وارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلامِ وَقَتَلُوا راعي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُؤْمِنًا فَبَعَثَ في آثارِهِمْ فَأُخِذُوا فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ. قالَ: وَنَزَلَتْ فِيهِمْ آيَةُ المُحارَبَةِ وَهُمُ الذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَسُ بْن مالِكٍ الحَجّاجَ حِينَ سَأَلَهُ (٣). ٤٣٧٠ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، أَخْبَرَنا ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَني اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ العَجْلانِ، عَنْ أَبي الزِّنادِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا قَطَعَ الذِينَ سَرَقُوا لِقاحَهُ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ بِالنّارِ عاتَبَهُ اللَّهُ تَعالَى في ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ الآيَةَ (٤).

стр. 11324

٤٣٧١ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قالَ: أَخْبَرَنا ح وَحَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا هَمّامٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: كانَ هذا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الحُدُودُ. يَعْني: حَدِيثَ أَنَسٍ (١). ٤٣٧٢ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثابِتٍ، حَدَّثَنا عَليُّ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْويِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قالَ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ نَزَلَتْ هذِه الآيَة في المُشْرِكِينَ فَمَنْ تابَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أَنْ يُقامَ فِيهِ الحَدُّ الذي أَصابَهُ (٢). * * * باب في المحاربة [٤٣٦٤] (ثنا سليمان بن حرب قال: ثنا حماد) بن زيد الأزدي الحمصي أبو إسماعيل البصري (عن أبي قلابة) (٣) عبد اللَّه بن زيد التابعي المشهور. (عن أنس بن مالك ﵁ أن قومًا من عكل) بضم العين، وإسكان الكاف، زاد البخاري في كتاب الجهاد: فقال: أن رهطًا من عكل ثمانية (٤).

стр. 11325

(أو قال: من عرينة) بضم العين المهملة، وفتح الراء، وبعد ياء التصغير نون، قبيلة معروفة، وهم ناس من بني سليم، وناس من بجيلة، وناس من بني عرنة (قدموا على رسول اللَّه ﷺ ) من البحرين، وروى ابن جرير -مسند- عن أنس: كانوا أربعة من عرينة، وثلاثة من عكل. انتهى (١)، وعلى ما تقدم يكون واحد من بجيلة تتمة الثمانية. وذكر في رواية أخرى عن جرير: قدم على رسول اللَّه ﷺ قوم من عرينة حفاة مضرورين (٢). وروى ابن أبي حاتم بسنده عن أنس: كان رهط من عرينة أتوا رسول اللَّه ﷺ وبهم جهد، مصفرة ألوانهم، عظيمة بطونهم (٣). (فاجتووا المدينة) بالجيم والمثناة فوق، أي: استوخموها كما في الرواية الأخرى (٤)، يعني: لم توافقهم، يعني: وكرهوها، مشتق من الجوى، وهو داء في الجوف (٥). وفي رواية لمسلم: أتى رسول اللَّه ﷺ نفر من عرينة، فأسلموا وبايعوا وقد وقع بالمدينة الموم وهو البرسام (٦) (فأمر لهم رسول اللَّه ﷺ بلقاح) جمع لقحة بكسر اللام،

стр. 11326

وهي الناقة ذات الدر. وفي رواية: من إبل الصدقة (١). (وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلما صحوا قتلوا راعي (٢) رسول اللَّه ﷺ ). وفي رواية أبي بكر ابن مردويه عن سلمة بن الأكوع: كان للنبي ﷺ غلام يقال له: يسار. فنظر إليه يحسن الصلاة، فأعتقه، فبعثه في لقاح له بالحرة، فكان بها، قال: فأظهر قوم الإسلام من عرينة وجاؤوا وهم مرضى موعوكون، قد عظمت بطونهم. قال: فبعث النبي ﷺ إلى يسار، فكانوا يشربون أبوال الإبل حتى أنطوت بطونهم، ثم عدوا على يسار فذبحوه، وجعلوا الشوك في عينيه (٣). (واستاقوا النعم، فبلغ النبي ﷺ خبرهم من أول النهار، فأرسل النبي ﷺ في آثارهم) زاد ابن مردويه: خيلًا من المسلمين أميرهم كرز بن جابر الفهري (٤) (فما ارتفع النهار حتى) لحقهم و (جيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم) بسكون الياء قبل الهاء (وأرجلهم) بالرفع (وسمر) بفتح السين

стр. 11327

والميم المخففة، قال النووي: ضبطناه في بعض المواضع في البخاري: سمَّر، بتشديد الميم، ومعنى: (سمر أعينهم) أي: كحلها بمسامير محمية (١) (أعينهم) وفي "صحيح مسلم" أنهم سملوا أعين الرعاء (٢). فكان ما فعل بهم قصاصًا. وقيل: كان هذا قبل نزول الحدود والنهي عن المثلة. (وألقوا في الحرة) بفتح الحاء المهملة، وأصلها الحجارة السود. وفي رواية ابن جرير عن أنس: سمل أعينهم ولم يحسمهم، وتركهم يتلقمون الحجارة بالحرة (٣). (يستسقون فلا يسقون) أي: يطلبون الماء فلا يسقون (٤). وليس فيه أن النبي ﷺ أمر بذلك. قال القاضي: أجمع المسلمون على أن من وجب عليه القتل فاستسقى لا يمنع الماء قصدًا؛ فيجتمع عليه عذابان (٥). لمن المرتد لا حرمة له في سقي الماء ولا غيره. وقيل: عاقبهم اللَّه بذلك لإعطاشهم آل بيت محمد ﷺ ، ومن دعائه: "عطَّش اللَّه من عطش آل محمد" (٦). (قال أبو قلابة) عبد اللَّه بن زيد الراوي (فهؤلاء قوم سرقوا) لقاح النبي

стр. 11328

- ﷺ (وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم) أي: قتلوا راعي النبي ﷺ ، وكفروا باللَّه بعد أن أسلموا كما تقدم. (وحاربوا اللَّه ورسوله) والمحاربة هي المضادة والمخالفة، وهي صادقة على الكفر وعلى قطع الطريق وإخافة السبل. [٤٣٦٥] ثنا موسى (١) بن إسماعيل قال: ثنا وهيب) (٢) مصغر، ابن خالد الباهلي (عن أيوب) بن أبي تميمة (بإسناده، بهذا الحديث) المذكور فيه (قال فيه: فأمر بمسامير، فأحميت بالنار، فكحلهم) بها (وقطع أيديهم وأرجلهم) من خلاف (وما حسمهم) أي: كواهم، والحسم: كي العرق بالنار لينقطع الدم. [٤٣٦٦] (ثنا محمد بن الصباح بن سفيان) الجرجرائي، وجرجرايا بين واسط وبغداد، وثقه أبو زرعة (٣) وغيره (٤). (قال: أنا. وثنا عمرو بن عثمان) الحمصي، صدوق حافظ (عن الوليد) بن مسلم (عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أنس بهذا الحديث، قال فيه: فبعث رسول اللَّه ﷺ في طلبهم، فأتي بهم) فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم (فأنزل اللَّه في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾) استدل به على أن هذِه الآية نزلت في المرتدين من العرنيين حين ارتدوا كما تقدم، وجاء

стр. 11329

في رواية عمر أيضًا. قال به الإمام من أصحابنا، وزعم أن العرنيين قطاع الطريق؛ وحينئذ فيتجه ما قاله الشافعي أن الآية نزلت في قطاع الطريق، وهو قول الفقهاء وجمهور المفسرين كما حكاه في "المطلب" قال: وعلى هذا فالآية كما قال الإمام تبعًا للقاضي ناسخة للمثلة (١). ويؤيده أنه جاء في الرواية الآتية: ثم نهى عن المثلة. ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ﴾ يحتمل أن يكون المعنى: يسعون في الأرض بمحاربتهم، أو يضيفون فسادًا إلى المحاربة ﴿فَسَادًا﴾ منصوب على أنه مفعول له، أو هو مصدر في موضع الحال، أي: يسعون في الأرض في حال فسادهم، أو مصدر من معنى: يسعون، على معنى أنَّ ﴿يَسْعَوْنَ﴾ في الأرض يفسدون، ولما كان السعي في الأرض للفساد جعل فسادًا، أي: إفسادًا (الآية) إلى آخرها. [٤٣٦٧] (ثنا موسى (٢) بن إسماعيل) التبوذكي الحافظ قال (ثنا حماد) ابن سلمة (قال: ثنا ثابت، وقتادة، وحميد) بن هلال. (عن أنس بن مالك ﵁) و (ذكر هذا الحديث) المتقدم و (قال) فيه (فلقد رأيت أحدهم يكدم) بضم الدال، ويجوز الكسر (الأرض بفيه) أي: يعض على الأرض بفيه كما يكدم الحمار (عطشًا) منصوب على أنه مفعول له، أي: لكثرة ما به من العطش. ويجوز أن يكون مصدرًا في موضع الحال، أي: يكدم الأرض في حال عطشه الشديد (حتى

стр. 11330

ماتوا) من شدة العطش. قال طائفة من السلف: كان هذا قبل نزول الآية في المحاربين، ثم نزلت الحدود بعد ذلك على النبي ﷺ ، ونهي عن المثلة كما سيأتي، فنسخ هذِه الآية حديث العرنيين، روي هذا عن ابن سيرين (١) وسعيد بن جبير (٢) وأبي الزناد (٣). وقالت طائفة: حديث العرنيين غير منسوخ، وفيهم نزلت آية المحاربين، وإنما فعل ذلك بهم قصاصًا؛ لأنهم فعلوا مثل ذلك في الرعاء. ذكره جماعة. [٤٣٦٨] (ثنا محمد بن بشار قال: ثنا) محمد بن إبراهيم (ابن أبي عدي) البصري، وثقوه (عن هشام) بن أبي عبد اللَّه الدستوائي. (عن قتادة، عن أنس بن مالك ﵁ بهذا الحديث نحوه) و (زاد: ثم نهى عن المثلة) بضم الميم، وهي تشويه الخلقة، كقطع الأنف والأذن والأيدي، وفيه دليل على جواز نسخ السنة بالقرآن، قال (٤) ابن السمعاني وذكر الشافعي في "الرسالة" ما يدل على أن نسخ السنة بالقرآن لا يجوز (٥). ولوح في موضع آخر بالجواز، فخرجه أكثر أصحابنا على قولين: أحدهما: لا يجوز، وهو الأظهر من مذهبه.

стр. 11331

والثاني: يجوز. وهو الأولى بالحق (١). قال الزركشي: ولو تأمل عقب كلامه بأن له غلط هذا [الفهم] (٢)، وإنما مراد الشافعي أدن الرسول إذا سن سنة -كما في قصة العرنيين أنه سمر أعينهم كما تقدم- ثم أنزل اللَّه في كتابه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، ففيه نسخ الحديث في سمل الأعين وغيره، فلا بد أن يسن النبي ﷺ سنة أخرى موافقة للكتاب تنسخ سنته الأولى -وهي هنا نهيه عن المثلة، فإنها موافقة لآية المحاربة- لتقوم الحجة على الناس في كل حكم بالكتاب والسنة. كما في نسخ سمل الأعين وغيره في العرنيين بآية المحاربة وحديث: نهى عن المثلة. ومراد الشافعي أنه لا تكون سنة منفردة تخالف الكتاب. والحاصل أن الشافعي يشترط لوقوع نسخ السنة بالقرآن سنة معاضدة للكتاب ناسخة، فكأنه يقول: لا تنسخ السنة إلا بالكتاب والسنة معًا؛ لتقوم الحجة على الناس بالأمرين، ولئلا يتوهم متوهم انفراد أحدهما عن الآخر، فإن الكل من اللَّه، والأصوليون لم يقعوا على مراد الشافعي ذلك، وهذا أدب عظيم من الشافعي (٣). [٤٣٦٩] (ثنا أحمد بن صالح، ثنا عبد اللَّه (٤) بن وهب) قال يونس بن عبد الأعلى: عُرض على ابن وهب القضاء، فجنن نفسه ولزم بيته، فاطلع

стр. 11332

عليه زيد بن سعد وهو يتوضأ في صحن داره، فقال له: يا أبا محمد، لم لا تخرج إلى الناس تقضي بينهم بكتاب اللَّه وسنة رسوله؟ ! فرفع رأسه وقال: إلى هاهنا انتهى عقلك! أما علمت أن العلماء تحشر مع الأنبياء، وأن القضاة يحشرون مع السلاطين (١). وقرئ على ابن وهب كتابه في أهوال يوم القيامة، فخر مغشيًّا عليه، فلم يتكلم بكلمة حتى مات بعد أيام (٢). (قال: أخبرني عمرو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاري مولاهم، أحد الأعلام (عن سعيد بن أبي هلال) الليثي، نشأ بالمدينة ثم رجع إلى مصر في خلافة هشام (عن أبي الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان (عن عبيد اللَّه) مصغر (ابن عبد اللَّه) بن عتبة بن مسعود الفقيه الأعمى. (قال أحمد) إنما (هو) يعني (عبد اللَّه بن عبيد اللَّه) بالتصغير (ابن عمر ابن الخطاب. عن) عبد اللَّه (بن عمر ﵄ أن ناسًا) من عكل وعرينة (أغاروا على إبل النبي ﷺ فاستاقوها، فارتدوا عن الإسلام وقتلوا) يسارا، رواية الطبراني: فذبحوه وجعلوا الشوك في عينيه، ثم طردوا الإبل (٣). (راعي رسول اللَّه ﷺ مؤمنًا) منصوب على الحال من راعي، والحال في الحقيقة صفة لصاحبه، وفي "أحكام عبد الحق": أنهم كانوا قطعوا

стр. 11333

أيدي الراعي ورجليه وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات، وكان عبدًا نوبيًّا رآه النبي ﷺ يصلي فأعتقه (١). (فبعث في آثارهم) زاد الطبراني: خيلًا من المسلمين، أميرهم كرز ابن جابر الفهري، فلحقوهم (٢). (فأخذوا، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل) بفتح السين المهملة والميم، أي: فقأ (أعينهم) وأذهب ما فيها. وقيل: هو بمعنى سمر، والراء تبدل من اللام. (قال: ونزلت فيهم آية المحاربة) ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (وهم الذين أخبر عنهم أنس بن مالك الحجاج) بن يوسف الثقفي (حين سأله) عن أشد ما عاقب به النبي ﷺ . [٤٣٧٠] (ثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: أنا ابن وهب قال: أخبرني الليث بن سعد، عن محمد بن العجلان) المدني الفقيه، ثقة (عن أبي الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان ﵁ (أن رسول اللَّه ﷺ لما قطع الذين سرقوا لقاحه، وسمل أعينهم بالنار) أي: كحلها بمسامير محمية كما تقدم (عاتبه اللَّه تعالى في ذلك) أي: في سمل أعينهم بالنار. (فأنزل اللَّه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾) قال ابن عطية: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ تبيين للحرابة، أي: ويسعون بحرابتهم. قال: ويجوز أن يكون ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ مضافًا إلى الحرابة (﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾) ﴿أَوْ تُقَطَّعَ﴾ التشديد

стр. 11334

في هذِه الثلاثة قراءة الجمهور، وهو للتكثير بالنسبة إلى الذين يوقع بهم الفعل. والتخفيف في ثلاثتها قراءة الحسن ومجاهد وابن محيصن (١). (الآية) إلى آخرها. [٤٣٧١] (ثنا محمد بن كثير قال: أنا. وثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا همام) بتشديد الميم، ابن يحيى العوذي الحافظ، قال أحمد: ثبت في كل المشايخ (٢). (عن قتادة، عن محمد بن سيرين قال: كان هذا) الحكم (قبل أن تنزل الحدود. يعني: حديث أنس) المتقدم في العرنيين. [٤٣٧٢] (ثنا أحمد بن محمد بن ثابت) الخزاعي، ثقة قال: (حدثنا علي بن حسين، عن أبيه) الحسين بن واقد قاضي مرو (عن يزيد) بن أبي سعيد (النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ محاربة اللَّه غير ممكنة، فيحتمل على حذف مضاف، أي: يحاربون أولياء اللَّه (﴿وَرَسُولَهُ﴾) أو تجعل المحاربة بمعنى المخالفة، أي: يخالفون أحكام اللَّه ورسوله، وإلا لزم أن تكون محاربة اللَّه ورسوله جمعًا بين الحقيقة والمجاز، فإذا جعل ذلك على حذف مضاف، أو حملًا على قدر مشترك اندفع ذلك. وقال ابن عباس: المحاربة هنا الشرك (٣) (﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾) أي: تقطع اليد اليمنى من الرسغ، والرجل الشمال من المفصل.

стр. 11335

وروي عن علي أنه كان يقطع اليد من الأصابع، ويبقي الكف، والرجل من نصف القدم، ويبقي العقب (١). (﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾) قال ابن عطية: الظاهر أن الأرض في هذِه الآية هي الأرض التي وقعت فيها النازلة، وقد جنب الناس قديمًا الأرض التي أصابوا فيها الذنب، ومنه حديث الذي ناء بصدره نحو الأرض المقدسة (٢). قال السدي: هو أن يطالب المحارب بالخيل والرجل حتى يؤخذ فيقام عليه حد اللَّه أو يخرج من دار الإسلام. قال مالك: لا يضطر مسلم إلى دار الشرك (٣). (إلى قوله تعالى: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ نزلت هذِه الآية في المشركين) وبه قال الحسن وعطاء (٤). (فمن تاب منهم) بالإسلام (قبل أن يقدر عليه؛ لم يمنعه ذلك من أن يقام عليه الحد الذي أصابه) قال ابن عطية: هذا من حيث رأيا (٥) الوعيد بعد المتاب، وهذا ضعيف، والعلماء [على] (٦) أن الآية في المؤمنين،

стр. 11336

وأن المحارب إذا تاب قبل القدرة عليه فقد أسقط (١) عنه حكم المحاربة، ولا نظر للإمام فيه إلا كما ينظر في سائر المسلمين، فإن طلبه أحد بدين أو دم نظر فيه وأقاد منه إذا كان الطالب وليًّا، ولذلك يتبع بما وجد عنده من مال الغير وبقيمة ما استهلك من الأموال، وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي (٢). وروى ابن جرير عن عامر الشعبي قال: جاء رجل من مراد إلى أبي موسى وهو على الكوفة في إمرة عثمان بعدما صلى المكتوبة، فقال: يا أبا موسى، هذا مقام العائذ بك، أنا فلان ابن فلان المرادي، وإني كنت حاربت اللَّه ورسوله، وسعيت في الأرض فسادًا، وإني تبت من قبل أن يقدر علي. فقام أبو موسى فقال: إن هذا فلان، وإنه كان حارب اللَّه وسعى في الأرض فسادًا، وإنه تاب من قبل أن يقدر عليه، فمن لقيه فلا يتعرض له إلا بخير، فإن يك صادقًا فسبيل من صدق، وإن يك كاذبًا تدركه ذنوبه. فأقام الرجل ما شاء اللَّه، ثم إنه خرج فأدركه اللَّه بذنوبه فقتله (٣)، ثم قال ابن جرير: إن عليًّا الأسدي حارب وأخاف السبيل وأصاب الدم والمال، فطلبه الأئمة والعامة، فامتنع ولم يقدر عليه حتى جاء تائبًا، وذلك أنه سمع رجلًا يقرأ هذِه الآية: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية (٤)،

стр. 11337

فوقف عليه فقال: يا عبد اللَّه، أعد قراءتها. فأعادها عليه، فغمد سيفه، ثم جاء تائبًا حتى قدم المدينة من السحر، فاغتسل، ثم أتى مسجد رسول اللَّه ﷺ ، فصلى الصبح، ثم قعد إلى أبي هريرة في غمار أصحابه، فلما أسفر عرفه الناس وقاموا إليه، فقال: لا سبيل لكم (١) علي، جئت تائبًا من قبل أن تقدروا علي. فقال أبو هريرة: صدق. وأخذ بيده أبو هريرة حتى أتى (٢) مروان بن الحكم في إمرته على المدينة في زمن معاوية. فقال: هذا علي جاء تائبًا، ولا سبيل لكم عليه، ولا قتل. قال: ثم خرج علي (٣) تائبًا مجاهدًا في سبيل اللَّه في البحر، فلقوا الروم، فقربوا [سفينته إلى] (٤) سفينة من سفنهم فاقتحم علي الروم في سفينهم، فهربوا منه إلى شقها الآخر؛ فمالت بهم وبه؛ فغرقوا جميعًا (٥). * * *

стр. 11338

٤ - باب في الحَدِّ يُشْفَعُ فِيهِ ٤٣٧٣ - حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ خالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الهَمْداني، قالَ: حَدَّثَني ح وَحَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفي، حَدَّثَنا اللَّيْثُ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ ﵂ أَنَّ قرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَرْأَةِ المَخْزُومِيَّةِ التي سَرَقَتْ، فَقالُوا مَنْ يُكَلِّمُ فِيها؟ يَعْني رَسولَ اللَّهِ ﷺ . قالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ إِلا أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَهُ أُسامَةُ فَقالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "يا أُسامَةُ أَتَشْفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ". ثُمَّ قامَ فاخْتَطَبَ فَقالَ: "إِنَّما هَلَكَ الذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كانُوا إِذا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَها" (١). ٤٣٧٤ - حَدَّثَنا عَبّاسُ بْن عَبْدِ العَظِيمِ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قالا: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْري، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: كانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ المَتاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبي ﷺ بِقَطْعِ يَدِها وَقَصَّ نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيثِ قالَ: فَقَطَعَ النَّبي ﷺ يَدَها (٢). قالَ أَبُو داوُدَ: رَوى ابن وَهْبٍ هذا الحَدِيثَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْري وقالَ: فِيهِ كَما قالَ اللَّيْثُ: إِنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ في عَهْدِ النَّبي ﷺ في غَزْوَةِ الفَتْحِ (٣). وَرَواهُ اللَّيْثُ، عَنْ يُوِنُسَ، عَنِ ابن شِهابٍ بِإِسْنادِهِ فَقالَ: اسْتَعارَتِ امْرَأَةٌ (٤). وَرَوى مَسْعُودُ بْنُ الأَسْوَدِ عَنِ النَّبي ﷺ نَحْوَ هذا الخَبَرِ قالَ سُرِقَتْ قَطِيفَةٌ مِنْ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٥).

стр. 11339

قالَ أَبُو داوُدَ: وَرَواهُ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فَعاذَتْ بِزَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١). ٤٣٧٥ - حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُسافِرٍ وَمُحَمَّدُ بْن سُلَيْمانَ الأَنْباري قالا: أَخْبَرَنا ابن أَبِي فُدَيْكٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زَيْدٍ -نَسَبَهُ جَعْفَرٌ إِلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ-، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَقِيلُوا ذَوي الهَيْئاتِ عَثَراتِهِمْ إِلَّا الحُدُودَ" (٢). * * * باب في الحد يشفع فيه [٤٣٧٣] (ثنا يزيد بن خالد بن عبد اللَّه بن موهب الهمداني، وثنا قتيبة ابن سعيد الثقفي قال: ثنا الليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ أن قريشا أهمهم شأن المخزومية) وهي فاطمة (المرأة) بنت الأسود بن عبد الأسد قتله حمزة يوم بدر (التي سرقت) قال القرطبي: هذا هو الصحيح أن هذِه المرأة سرقت وقطعت يدها لأجل سرقتها، لا لأجل جحد المتاع، ويدل على صحة ذلك أربعة أوجه: أولها: أن رواية من روى أنها سرقت أكثر، وأشهر من رواية من قال أنها كانت تجحد المتاع. وثانيها: أن معمرًا وغيره ممن روى هذِه القضية متفق على أن النبي ﷺ قال -حيث أنكر على أسامة-: "لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها".

стр. 11340

ثم أمر بيد المرأة فقطعت، وهذا يدل دلالة قاطعة على أن المرأة قطعت في السرقة؛ إذ لو كان قطعها لأجل جحد المتاع، لكان ذكر السرقة هنا لاغيًا لا فائدة له، وإنما كان يقول: لو أن فاطمة جحدت المتاع لقطعت يدها. وثالثها: إن جاحد المتاع خائن، ولا قطع على خائن عند جمهور العلماء خلافًا لما ذهب إليه أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه (١)؛ لقوله ﷺ فيما رواه الترمذي من حديث جابر مرفوعًا: "ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع" وقال: هذا حديث حسن صحيح (٢). وهذا نص ولأنه لو كان في جحد المتاع قطع لكان يلزم القطع على كل من جحد شيئًا من الأشياء ثم ثبت عليه، وهذا لا قائل به فيما أعلم. ورابعها] (٣): أنه لا تعارض بين رواية من روى سرقت، ولا بين رواية من روى جحدت ما استعارت، إذ يمكن أن يقال: إن المرأة فعلت الأمرين، لكن قطعت في السرقة لا في الجحد كما شهد به سياق الحديث، فتأمله (٤). (فقالوا: من يكلم فيها رسول اللَّه ﷺ ؟ قالوا: ومن يجترئ) بسكون

стр. 11341

الجيم وهمز آخره، أي: يتجاسر عليه بطريق الإدلال عليه. (إلا أسامة بن زيد حب) بكسر الحاء، أي: محبوبه، وهي منقبة ظاهرة لأسامة ﵁ (رسول اللَّه ﷺ فكلمه أسامة) في ذلك (فقال له رسول اللَّه ﷺ : يا أسامة، أتشفع في حد من حدود اللَّه؟ ! ) فيه: إنكار على أسامة، وظاهره يفهم تحريم الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام، فيحرم على الشافع وعلى المشفع، وقد ذكر الدارقطني عن عروة بن الزبير قال: شفع الزبير في سارق، فقيل له: حتى تبلغه الإمام. فقال: إذا بلغ الإمام فلعن اللَّه الشافع والمشفع. كما قال رسول اللَّه ﷺ (١). وكذا رواه الطبراني في "الأوسط" و"الصغير" (٢)، لكن في إسناده أبو غزية محمد بن موسى الأنصاري وضعف، لكن وثقه الحاكم (٣). وعن ابن عمر: قال رسول اللَّه ﷺ : "من حالت شفاعته في حد من حدود اللَّه فقد ضادّ اللَّه في أمره" (٤) وفيه رجاء بن صبيح، لكن وثقه ابن حبان (٥). وأما الشفاعة قبل بلوغ الإمام فقد أجازها أكثر أهل العلم؛ لما جاء

стр. 11342

في الستر على المسلم مطلقًا. لكن قال مالك ذلك فيمن لم يعرف منه أذى للناس (١). وأما الشفاعة فيما ليس فيه حد ولا حق لآدمي وإنما فيه التعزير فجائز بلغ الإمام أم لا. (ثم قام فاختطب) أي: خطب، وتأتي افتعل موافقة للمجرد كثيرًا، نحو: اقتدر بمعنى قدر، واستمع بمعنى سمع، واقترن بمعنى قرن. (فقال: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد) تهديد ووعيد شديد على ترك القيام بالحدود وعلى ترك التسوية فيها بين الدّنيء والشريف والقوي والضعيف، ولا خلاف في وجوب ذلك، وفيه حجة لمن قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا. (وايم اللَّه) الصحيح عند النحاة أنها ليست جمع يمين، بل مفردة، وأن ألفها ألف وصل بلام التعريف وضم آخره، وحكم القسم الخفض (٢) كما ضم لعمرك. (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) فيه إخبار عن مُقدر يفيد القطع بأمر محقق، وهو وجوب إقامة الحد على البعيد والقريب والبغيض والحبيب، لا تنفع في ذريته شفاعة، ولا تحول دونه قرابة ولا جماعة. زاد مسلم: ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها (٣). وفيه تقديم.

стр. 11343

وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه: كان عمر إذا نهى الناس عن [شيء جمع أهله فقال: إني نهيت الناس عن] (١) كذا وكذا، والناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، فإن وقعتم وقعوا، وإن هبتم هابوا، وإني واللَّه لا أوتى برجل منكم أو امرأة وقع في شيء مما نهيته عنه إلا ضعفت له العقوبة لمكانه مني (٢). وفيه: قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت، وكانت تأتي بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول اللَّه ﷺ (٣). [٤٣٧٤] (ثنا عباس) بالباء الموحدة والسين المهملة (بن عبد العظيم) العنبري شيخ مسلم (ومحمد بن يحيى قالا: ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كانت امرأة مخزومية) سيأتي أنها فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد كما ذكره ابن عبد البر (٤) وغيره. (تستعير المتاع وتجحده) إذا طلبته صاحبته (فأمر النبي ﷺ فقطع يدها، وقص نحو حديث الليث) المتقدم و (قال) فيه: فقطع النبي ﷺ يدها. كذلك، وإن رواية من روى أنها سرقت أكثر وأشهر. وأيضًا أن معمرًا وغيره ممن روى هذِه القصة متفق على أن النبي ﷺ قال حين أنكر على أسامة: "لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها". وأيضًا فإن جاحد المتاع خائن، ولا قطع على خائن عند جمهور

стр. 11344

العلماء، خلافًا لما ذهب إليه أحمد وإسحاق بن راهويه (١)، لقوله ﷺ فيما روى الترمذي من حديث جابر مرفوعًا: "ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع" وقال: حديث حسن صحيح (٢). وهذا نص. (قال أبو داود: روى) عبد اللَّه (ابن وهب هذا الحديث عن يونس عن الزهري وقال فيه كما قال الليث: إن امرأة سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح) فتح مكة. (ورواه الليث، عن يونس، عن ابن شهاب بإسناده فقال: استعارت امرأة) وهي من بني عبد الأشهل أو من بني أسد. رواه ابن ماجه. وفي رواية [أخرى لأبي داود: ] (٣) استعارت امرأة حليا على ألسنة أناس يعرفون ولا تعرف هي، فباعته، فأخذت، فأتي بها النبي ﷺ فأمر بقطع يدها. وهي التي شفع فيها أسامة بن زيد. (وروى مسعود بن الأسود) بن حارثة بن نضلة القرشي العدوي، المعروف بابن العجماء الصحابي، أخو مطيع بن الأسود، وكانا من المهاجرين، شهد مسعود بيعة الرضوان، واستشهد يوم مؤتة، روت عنه بنته عائشة (٤). (عن النبي ﷺ نحو هذا الخبر) و (قال) فيه (سرقت قطيفة) وهي كساء

стр. 11345

ذو خمل، جمعها قطائف، وهي الخميلة أيضًا (من بيت النبي ﷺ ) رواية أحمد: قطيفة نفديها بأربعين أوقية (١). (قال أبو داود: ورواه أبو الزبير) محمد بن مسلم المكي التابعي (عن جابر ﵁ أن امرأة سرقت، فعاذت) بالذال المعجمة، أي: التجأت (بزينب بنت النبي ﷺ ) لتشفع فيها، وهذا قبل أن تصل إلى الحاكم. * * *
следующие страницы →