← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 131521

شرح سنن أبي داود لابن رسلان

ابن رسلان

Полный текст (13 108 стр.). Показаны 11936–11975 · переход к 11941.

стр. 11936

نفسك لغيرك. قال الحسن البصري: حقيقة حسن الخلق بذل المعروف، وكف الأذى وطلاقة الوجه. قال القاضي: إن حسن الخلق منه ما هو غريزة، ومنه ما هو مكتسب بالتخلق والاقتداء بغيره (١). [٤٦٧٨] (ثنا أحمد بن حنبل، ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن أبي الزبير) محمد بن مسلم المكي (عن جابر ﵁ قال: قال (٢) رسول اللَّه ﷺ : بين العبد وبين الكفر) لفظ مسلم: "بين الرجل وبين الشرك والكفر" (٣) (ترك الصلاة) مذهب الشافعي (٤) ومالك (٥) والجماهير من السلف والخلف (٦) أن تارك الصلاة لا يكفر بل يفسق ويستتاب، فإن تاب وإلا قتلناه حدًّا كالزاني المحصن، ولكنه يقتل بالسيف. فذهب جماعة من السلف إلى أنه يكفر، وهو مروي عن علي وهو إحدى الروايتين، وبه قال عبد اللَّه بن المبارك وإسحاق بن راهويه، وابن حبيب من المالكية، وهو وجه لبعض أصحابنا من الشافعية. وقال أبو حنيفة والمزني: لا يكفر ولا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يصلي (٧)، وتأول القائلون بأنه لا يكفر وهذا الحديث بأنه يستحق بترك

стр. 11937

الصلاة عقوبة الكافر وهي القتل، أو أنه محمول على المستحل، أو على أنه قد يؤول به إلى الكفر، أو أن فعله في الترك كفعل الكفار. [٤٦٧٩] (ثنا أحمد بن عمرو بن السرح، ثنا) عبد اللَّه (ابن وهب، عن بكر بن المضر) (١) بن محمد القرشي المصري أخرج له الشيخان (عن) يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة (بن الهاد) الليثي. (عن عبد اللَّه بن دينار، عن عبد اللَّه بن عمر (٢) ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: ما رأيت) هذا بعض حديث وأوله في الصحيحين (٣) من حديث أبي سعيد الخدري قوله ﷺ : "يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار" فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول اللَّه أكثر أهل النار؟ قال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيتُ" وهذا لفظ مسلم (من ناقصات عقل ولا دبن) أصل العقل العلم، ويطلق على الهدوء والوقار في الأمور، وأما العقل المشروط في التكليف فليس هذا موضع ذكره، والدين هنا يراد به العبادات، وليس نقصان ذلك في حقهن ذمًّا لهن، وإنما ذكر النبي ﷺ ذلك من أحوالهن على معنى التعجب من الرجال حين يغلبهم من نقص عن درجتهن ولم يبلغ كمالهم، وذلك هو صريح قوله: "ما رأيت من ناقصات عقل ودين" (أغلب لذي لب) واللب

стр. 11938

العقل سمي بذلك؛ لأنه خلاصة الإنسان ولبه ولبابه، ومنه قلب الحب لبا ولبابا، وقيل: سمي عقلًا، لأنه يعقل صاحبه، أي: يمنعه من التورط في المهالك، والمراد باللب هنا العقل الكامل. (منكن قلن) (١) لفظ مسلم (٢): فقالت، يعني: المرأة الجزلة: يا رسول اللَّه (وما نقصان العقل والدين؟ ) أي: وما المراد بنقص العقل والدين؟ . (قال: أما نقصان العقل فشهادة امرأتين) تعدل بـ (شهادة رجل) واحد، قال المنذري: نبه ﷺ بهذا على ما رواه، وهو ما نبه اللَّه عليه في كتابه بقوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٣) أي: أنهن قليلات الضبط. انتهى. وكذا هن كثيرات الغلط؛ لأن الغالب على طبع النساء النسيان، ولعل هذا هو السر في تسميتهن نساءً؛ لغلبة النسيان على طبعهن، وذلك لكثرة البرد والرطوبة على مزاجهن، واجتماع المرأتين في الشهادة أبعد في الغفلة من صدوره من الواحدة، فلهذا أقيمت المرأتان مقام الرجل الواحد؛ لقلة نسيانه، إذ الغالب على طبعه الحرارة الغريزية واليبس، واللَّه أعلم. (وأما) علامة (نقصان الدين فإن إحداكن تفطر) في شهر (رمضان) أي: يحرم عليها الصوم ويجب عليها الفطر مع نية القضاء (وتقيم

стр. 11939

أيامًا) في بيتها (لا) يجوز لها أن (تصلي) وقد استشكل بعضهم وصف النساء بنقصان الدين لتركهن الصلاة والصوم المحرم عليهن فعله حالة الحيض، وليس بمشكل بل هو ظاهر فإن الطاعات تسمى إيمانًا ودينًا، فإذا ثبت بهذا علمنا أن من كثرت عبادته زاد إيمانه ودينه ومن نقصت عبادته نقص دينه، ثم نقص الدين قد يكون على وجه يأثم به كمن ترك الصلاة والصوم ونحوهما من الواجبات بغير عذر، وقد يكون على وجه هو مكلف فيه كترك الحائض الصلاة والصوم. [٤٦٨٠] (ثنا محمد بن سليمان الأنباري) بتقديم النون على الباء (وعثمان بن أبي شيبة [المعنى] (١) قالا: [ثنا] (٢) وكيع، عن سفيان) الثوري (عن سماك) ابن حرب (عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما توجه النبي ﷺ ) في صلاته من جهة بيت المقدس (إلى الكعبة، قالوا: يا رسول اللَّه، فكيف) زاد الترمذي: بإخواننا (٣) (الذين ماتوا وهم) كانوا (يصلون إلى) جهة (بيت المقدس؟ ) ستة أو سبعة عشر شهرًا (فأنزل اللَّه تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾) أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، فسمى الصلاة إيمانًا، وفي هذا إبطال قول المرجئة أن الصلاة ليست من الإيمان بل الإيمان التصديق بالقلب فقط. [٤٦٨٣] (٤) (ثنا محمد بن عبيد) بن حساب الغبري البصري شيخ

стр. 11940

مسلم (ثنا محمد بن ثور) الغساني العابد، وثقه ابن معين والنسائي (١) (عن معمر قال) أبو (٢) ثور (وأخبرني) معمر (عن الزهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص) أخرج له مسلم (عن أبيه) سعد بن أبي وقاص. (قال: أعطى رسول اللَّه ﷺ رجالًا) لفظ البخاري: أعطى رهطًا وسعد جالس فترك (٣) (ولم يعط رجلًا منهم شيئًا) وهو أعجبهم إليَّ (فقال [سعد] (٤): يا رسول اللَّه، أعطيت فلانًا وفلانًا [ولم تعط فلانًا] (٥) شيئًا وهو مؤمن، فقال النبي ﷺ : أو مسلم) قال القرطبي: الرواية بسكون الواو، وقد غلط من فتحها وأحال المعنى؛ لأن النبي ﷺ لم يرد استفهامه، وإنما أشار له إلى القسم الآخر المختص بالظاهر الذي يمكن أن يُدرك، فجاء بـ (أو) التي للتقسيم والتنويع (٦). (حتى أعادها سعد ثلاثًا، والنبي ﷺ يقول) في كل كلمة (أو مسلم) وفي قوله: "أو" التي للتقسيم دليل على صحة الفرق بين حقيقتي الإيمان والإسلام، وإنما هما قسمان، فالإيمان من أعمال الباطن، والإسلام من أعمال الجوارح الظاهرة، وفيه رد على غلاة المرجئة والكرامية حيث حكموا بصحة الإيمان لمن نطق بالشهادتين ولم يعتقد بقلبه، وهو قول باطل قطعًا؛ لأنه توسيع للنفاق.

стр. 11941

(ثم قال النبي ﷺ : إني لأعطي رجالًا وأدع من هو أحب إليَّ منهم، لا أعطيه) من هذا المال (شيئًا مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم) المراد: إني لأعطي رجالًا أخاف عليهم من ضعف إيمانهم أن يكفروا ويرتدوا، وأترك عطاء من هو أحب إلي (١) منه لما أعلمه من طمأنينة قلبه وصلابة إيمانه. قال النووي: وفي الحديث (٢): الشفاعة إلى ولاة الأمور فيما ليس بمحرم، وفيه مراجعة المسؤول في الأمر الواحد، وفيه تنبيه المفضول الفاضل على ما يرى المصلحة، وفيه الأمر بالتثبت وترك القطع بما لا يعلم القطع به، وفيه أن الإمام يصرف المال في مصالح المسلمين الأهم فالأهم، وفيه أنه لا يقطع لأحد بالجنة إلا من ثبت فيه نص كالعشرة. انتهى (٣). وفيه خوف الراعي على رعيته في وقوعهم بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. [٤٦٨٤] (ثنا محمد بن عبيد، ثنا أبو (٤) ثور، عن معمر قال: وقال الزهري) في روايته هذِه الآية (﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾) أي: لم تصدقوا بقلوبكم (﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾) بألسنتنا وانقدنا واستسلمنا مخافة القتل والسبي. (قال: نُرى) بضم النون وفتح الراء، أي: نظن ونعتقد التفريق بين

стр. 11942

الإيمان والإسلام، وذلك (أن الإسلام) هو (الكلمة) النطق بكلمة التوحيد وهي أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه (و) أن (الإيمان) هو (العمل) بالجوارح كالصلاة والزكاة والحج، ونحو ذلك. [٤٦٨٥] (ثنا أحمد بن حنبل، ثنا عبد الرزاق، ح، وثنا) أيضًا (إبراهيم بن بشار) بالموحدة والمعجمة، الرمادي البصري، قال النسائي، وغيره [ليس بالقوي (١)] (٢) (ثنا سفيان) بن عيينة (المعنى، قال (٣): ثنا معمر، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه) سعد بن أبي وقاص ﵁ (أن النبي ﷺ قسم بين الناس) يحتمل أن يكون قسَّم بنفسه أو أمر من قسم من مال بين مال المسلمين (قسمًا) بفتح القاف، قدَّره وجزأه أجزاءً وأعطاه للمستحقين. (فقلت) يا رسول اللَّه (أعط فلانًا فإنه مؤمن) إن شاء اللَّه (قال: أو) هو (مسلم) واللَّه (إني لأعطي الرجل العطاء) الكثير من المال (وغيره أحب إلي) وأفضل عندي (منه) وذلك لأجل (مخافة) بالنصب مفعول له (أن يكب على وجهه) أي: أعطيه لأتألف قلبه بالإعطاء؛ خوفًا من أن يكفر إذا لم يعط، فيكبه اللَّه في النار على وجهه يوم القيامة. [٤٦٧٧] (ثنا أحمد بن محمد [بن حنبل] (٤)، ثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن شعبة) قال (حدثني أبو جمرة) بالجيم والراء، واسمه نصر

стр. 11943

ابن عمران بن عصام. (قال: سمعت ابن عباس ﵄ قال: إن وفد) وهم الجماعة المختارة من القوم ليتقدموهم في لقي العظماء والسير إليهم في المهمات، واحدهم وافد، ووفد (عبد القيس) هؤلاء تقدموا قبائل عبد القيس للمهاجرة إلى رسول اللَّه ﷺ ، وكانوا أربعة عشر راكبًا، الأشج العصري رئيسهم. (لما قدموا على رسول اللَّه ﷺ أمرهم بالإيمان باللَّه) تعالى، اعتقادًا بالقلب ونطقًا باللسان، ثم (قال) هل (تدرون ما) هو (الإيمان باللَّه تعالى؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم) فيه: حسن الأدب مع الشيخ والمعلم برد العلم إلى اللَّه ورسوله. (قال: ) تفسيرًا للمراد بالإيمان الذي أمروا به وهو (شهادة ألا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه) ذكر البخاري هذا الحديث في مواضع كثيرة من "صحيحه"، وقال فيه في بعضها: "شهادة ألا إله [إلا اللَّه] (١) وحده لا شريك له"، وذكره في باب: إجازة خبر الواحد (٢). (وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس) بضم الميم وإسكانها مثل الربُع والثمن (من المغنم) فيه اتخاذ الخمس في المغانم وإن لم يكن الإمام في السرية الغازية، وإنما لم يذكر الحج في أركان الإيمان؛ لأنهم لم يكن لهم إليه سبيل من أجل كفار

стр. 11944

مضر الذين يحولون بينهم وبين الحج، أو لأن وجوب الحج على التراخي، واللَّه أعلم. [٤٦٨١] (ثنا مؤمل بن الفضل) الحراني، ثقة (ثنا محمد بن شعيب بن شابور) بالشين المعجمة والباء الموحدة، الأموي الدمشقي، صدوق صحيح الكتاب (عن يحيى بن الحارث) الذماري، إمام جامع دمشق، قرأ القرآن على واثلة وابن عامر، وهو ثقة (عن القاسم) بن عبد الرحمن الشامي مولى بني أمية، لم يسمع من صحابي سوى أبي أمامة، صدوق. [(عن أبي أمامة)] (١) صدي بن عجلان الباهلي ﵁ (عن رسول اللَّه ﷺ : من أحب للَّه) أجمعت الأمة على [أن] (٢) الحب للَّه تعالى ولرسوله فرض، ولا يفسد الحب بالطاعة؛ لأن الطاعة تبع الحب وثمرته، فلا بد أن يتقدم الحب للَّه ثم بعد ذلك يطيع المحبوب، وللترمذي: "أحبوا اللَّه لما يغذيكم (٣) به من نعمه، وأحبوني بحب اللَّه تعالى" (٤). (وأبغض للَّه) ليس المراد بالحب هنا حب الطبع، ولا بالبغض بغض الطبع، فإن طبع الإنسان حب نفسه، فكما أن الحب هو ميل الطبع إلى المحبوب، فإذا تأكد ذلك الميل وقوي سُمي عشقًا، فكذلك (٥) البغض

стр. 11945

هو عبارة عن نفرة الطبع عن المبغوض، فإذا قوي سُمي مقتًا، فكما يجب على الإنسان إذا رأى من هو ملازم على طاعة اللَّه تعالى أن يحبه للَّه، فكذا إذا رآه بعد ذلك مخالفًا للَّه تعالى في أوامره ونواهيه يجب عليه بغضه للَّه تعالى. (وأعطى) شخصًا (للَّه تعالى ومنع) عطاءه (للَّه تعالى فقد استكمل الإيمان) لمن حصلت فيه هذِه الخصال الأربع، فقد زالت منه الخصال النفسانية وظهرت فيه الخصال الرحمانية وخدمة المحبة والإعطاء على ضدهما كثير فيهما، إذ هذِه الصفات علامة على كمال إيمانه؛ لأن المحبة لأجل اللَّه لا تقع إلا بعد محبة اللَّه (١)، فإذا أحبه أحب من يحبه، وإذا أبغضه أبغض من يبغضه، ومن أحب اللَّه تعالى على الحقيقة أطاعه قطعًا، كما قال الشاعر: لو كان حبك صادقًا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع [٤٦٨٦] (ثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك (الطيالسي، ثنا شعبة، قال واقد) بن محمد بن زيد (بن عبد اللَّه) فهو منسوب لجد أبيه (أخبرني عن أبيه) (٢) محمد بن زيد بن عبد اللَّه بن عمر العمري المدني (أنه سمع) جده عبد اللَّه (ابن عمر ﵄ يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: لا ترجعوا بعدي) قال الطبري: معناه: بعد فراقي من موقفي هذا، وكان هذا يوم النحر بمنى في حجة الوداع. (كفارًا) قال أبو حاتم ابن حبان: لم يرد به الكفر الذي يخرج عن الملة، ولكن معنى هذا الخبر أن الشيء إذا كان له أجزاء يُطلق اسم الكل على بعض تلك الأجزاء، فكما أن الإيمان له شُعب،

стр. 11946

ويطلق اسم الإسلام على مرتكب شعبة منها لا بالكلية كذلك يطلق اسم الكفر على تارك شعبة من شعب الإسلام لا الكفر كله (١). (يضرب) قال النووي: الرواية (يضربُ) بالرفع للباء، هكذا هو الصواب، وكذا رواه المتقدمون والمتأخرون، وبه يصح المقصود هنا، ونقل القاضي عياض أن بعض العلماء ضبطه بإسكان الباء، قال القاضي: وهو إحالة للمعنى، والصواب الضم (٢). وكذا قال أبو البقاء، أنه يجوز جزم الباء على تقدير شرط مضمر، أي: أن ترجعوا يضرب (٣) (بعضكم رقاب بعض) في معناه سبعة أقوال، أظهرها وهو اختيار القاضي عياض أنه فعل كفعل الكفار، والثاني: المراد: كفر النعمة، والثالث: أنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه. والرابع: لا يكفر بعضكم بعضًا فتستحلوا قتال بعضكم رقاب بعض (٤). [٤٦٨٧] (ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير) (٥) بفتح الجيم (عن فضيل (٦) بن غزوان) بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي الضبي مولاهم (عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال رسول اللَّه ﷺ : أيما رجل مسلم أكفر رجلًا مسلمًا) أي: نسبه إلى الكفر، أو قال له: يا كافر. (فإن كان كافرًا وإلا) فقد اجتمع في هذا الحديث شاهدان على حذف جملة جواب الشرط، وعلى حذف جملة الشرط، والأول حذف جملة

стр. 11947

الجواب، والتقدير: فإن كان كافرًا فهو صادق في دعواه، ومن حذف الجواب قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾ (١) التقدير: فافعل، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ (٢) قال الزمخشري: تقديره: ألستم ظالمين (٣). والثاني تقديره: وإن لم يكن كافرًا كان هو الكافر، ومنه قول الشاعر: فطلقها فلست لها بكفء ... وإلا يعل مفرقك الحسام (٤) (كان هو الكافر) والمراد أن من نسب أخاه المسلم إلى الكفر، أو ناداه: يا كافر. فإما أن يصدق عليه أو يكذب في قوله، فالمنسوب إلى الكفر باق على كفره، وهو صادق، وأما إن كذب عليه عاد عليه الكفر بتكفيره أخاه المسلم. والكفر صنفان: أحدهما: الكفر بأصل الإيمان، وهو ضده، والآخر الكفر بفرع من فروع الإسلام، فلا يخرج به عن أصل الإيمان. قال أصحابنا: يحرم تحريمًا مغلظا أن يقول لمسلم: يا كافر. قال المتولي: من قال لمسلم: يا كافر. من غير تأويل صار القائل كافرًا (٥). وروى الطبراني والبزار في حديث: "إذا قال لمسلم: يا كافر؛ فقد كفر أحدهما" (٦) وروى البزار بإسناد رجاله ثقات عن عمران بن حصين

стр. 11948

قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فهو كقتله" (١). [٤٦٨٨] (ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد (٢) اللَّه بن نمير) الهمداني (ثنا الأعمش، عن عبد (٣) اللَّه بن مرة) الخارفي (عن مسروق، عن عبد اللَّه ابن عمرو) بن العاص. (قال رسول اللَّه ﷺ : أربع) خصال (من كن فيه فهو منافق خالص) أي: شديد الشبه بالمنافقين بسبب ارتكابه هذِه الخصال. قال بعض العلماء: وهذا فيمن كانت هذِه الخصال غالبة عليه، فأما من ندر ذلك منه فليس داخلًا فيه. قال النووي: هذا هو المختار في معنى هذا الحديث (٤). وحكى الخطابي قولًا آخر أن معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذِه الخصال التي يخاف عليه أن تفضي به إلى حقيقة النفاق. (ومن كانت فيه خلة) بفتح الخاء، أي: خصلة واحدة (منهن كان فيه خلة من نفاق (٥) حتى يدعها) [لفظ البخاري: "ومن كان فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها" (٦)] (٧) يعني: فإذا تركها خرج من

стр. 11949

النفاق (إذا حدث كذب) فنفاقه في حق من يحدثه لا أن نفاقه يكون في حق كل المسلمين. (وإذا وعد) مسلمًا بوعد (أخلف) في وعده ولم يف بما وعد به، فإن العدة دين (وإذا عاهد) مسلمًا بعهد (غدر) أي: نقض عهده (وإذا خاصم) أحدًا (فجر) عليه ومال عن الحق، وأصل الفجور الميل عن الحق، ومن الفجور القول بالباطل والكذب في حق من يخاصمه، وخصال النفاق كثيرة في كتاب اللَّه تعالى وسنة رسوله. [٤٦٨٩] (ثنا أبو صالح) محبوب بن موسى (الأنطاكي) ثقة (ثنا أبو (١) إسحاق) إبراهيم بن محمد بن الحارث (الفزاري) قال ابن السمعاني (٢): بفتح الفاء والزاي نسبة إلى فزارة بن ذبيان قبيلة كبيرة من قيس عيلان. (عن الأعمش، عن أبي صالح) ذكوان السمان. (عن أبي هريرة، قال رسول اللَّه ﷺ : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق) السارق (٣) (حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، والقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه: لا يفعل هذِه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد بها نفي كماله نحو: "لا عيش إلا عيش الآخرة" (٤) وإنما تأولنا هذا التأويل لحديث أبي ذر وغيره: "من قال: لا إله إلا اللَّه دخل الجنة

стр. 11950

وإن زنى وإن سرق" (١) مع قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ (٢) (٣). (والتوبة معروضة) وهذا إرشاد منه ﷺ لمن وقع في كبيرة أو كبائر إلى الطريق التي يتخلص بها من الكبائر، وهي التوبة التي عرضها اللَّه تعالى على العباد، حيث أمرهم بها وأوجبها عليهم، وأخبر سبحانه عن نفسه أنه يقبلها، كل ذلك فضل من اللَّه ولطف بالعبد لما علم من ضعفه عن مقاومة الحوامل على المخالفات التي هي النفس والهوى والشيطان الإنسي والجني، وأيضًا فإنه أوجب على النصحاء أن يعرضوها على أهل المعاصي ويحثوهم عليها و (بعد) مبني على الضم لقطعه عن الإضافة، والتقدير: والتوبة معروضة بعد ارتكاب الكبائر على العباد. [٤٦٩٠] (ثنا إسحاق بن) إبراهيم بن (سويد الرملي) ثقة (ثنا) (يزيد من الزيادة) (٤) (ابن أبي مريم) الدمشقي، إمام الجامع زمن الوليد، أخرج له البخاري (أبنا نافع يعني: ابن يزيد) الكلاعي، أخرج له مسلم. (حدثني) يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة (ابن (٥) الهاد) الليثي. (أن سعيد بن أبي سعيد) كيسان (المقبري، حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : إذا زنى الرجل خرج منه) نور (الإيمان) وقيل:

стр. 11951

ينزع منه بصير طاعة اللَّه، وقيل: ينزع منه اسم المدح [الذي] (١) يسمى به أولياء اللَّه المؤمنين. وقيل: يخرج منه كمال الإيمان ولم يفارقه، بل وقف فوق رأسه حتى يعود إليه و (كان عليه كالظلة) (٢) وهي ما أظل الآدمي من جبل أو سحابة أو غيرهما، ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ (٣) وهي سحابة أظلتهم، فلجؤوا إليها إلى ظلها من شدة الحر، فأطبقت عليهم وأهلكتهم. (فإذا انقطع) وفي رواية: "فإذا أقلع" (٤) أي: خرج، بدليل رواية الترمذي: "فإذا زنى العبد خرج منه الإيمان، فكان فوق رأسه كالظلة، فإذا خرج (٥) من ذلك العمل عاد إليه الإيمان" (٦) (رجع إليه الإيمان) قيل: معناه: أمن من عذاب اللَّه. وقيل: يصدق حقيقة التصديق بما جاء في ذلك من الوعيد، وإذا رجع إليه الإيمان فيرجع ناقصًا عما كان قبل خروجه منه، فإن الإيمان ينقص بالمعصية كما يزيد بالطاعة. * * *

стр. 11952

١٧ - باب فِي القَدَرِ ٤٦٩١ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبي حازِمٍ، قالَ: حَدَّثَني بِمِنًى عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبي ﷺ قالَ: "القَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هذِه الأُمَّةِ إِنْ مَرِضُوا فَلا تَعُودُوهُمْ وَإِنْ ماتُوا فَلا تَشْهَدُوهُمْ" (١). ٤٦٩٢ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُمَرَ مَوْلَى عُفْرَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصارِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسٌ وَمَجُوسُ هَذِه الأُمَّةِ الذِينَ يَقُولُونَ: لا قَدَرَ، مَنْ ماتَ مِنْهُمْ فَلا تَشْهَدُوا جَنازَتَهُ، وَمَنْ مَرِضَ مِنْهُمْ فَلا تَعُودُوهُمْ، وَهُمْ شِيعَةُ الدَّجّالِ، وَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُلْحِقَهُمْ بِالدَّجّالِ" (٢). ٤٦٩٣ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ زُرَيْعٍ وَيَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثاهُمْ، قالا: حَدَّثَنا عَوْفٌ، قالَ: حَدَّثَنا قَسامَةُ بْن زُهَيْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا أَبُو مُوسَى الأَشْعَري قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَها مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ، فَجاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ، جاءَ مِنْهُمُ: الأَحْمَرُ والأَبْيَضُ والأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، والسَّهْلُ والحَزْنُ والخَبِيثُ والطَّيِّبُ". زادَ في حَدِيثِ يَحْيَى: "وَبَيْنَ ذَلِكَ". والإِخْبارُ في حَدِيثِ يَزِيدَ (٣). ٤٦٩٤ - حَدَّثَنا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، حَدَّثَنا المُعْتَمِرُ، قالَ: سَمِعْتُ مَنْصُورَ بْنَ المُعْتَمِرِ يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ أَي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمي،

стр. 11953

عَنْ عَليٍّ ﵁ قالَ: كُنّا في جَنازَةٍ فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ببَقِيِعِ الغَرْقَدِ، فَجاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ وَمَعَهُ مِخْضَرَةٌ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِالمِخْصَرَةِ في الأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: "ما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ ما مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا قَدْ كَتَبَ اللَّهُ مَكانَها مِنَ النّارِ أَوْ مِنَ الجَنَّةِ إِلَّا قَدْ كُتِبَتْ شقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً". قالَ: فَقالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: يا نَبي اللَّهِ، أَفَلا نَمْكُثُ عَلَى كِتابِنا وَنَدَعُ العَمَلَ فَمَنْ كانَ مِنْ أَهْلِ السَّعادَةِ لَيَكونَنَّ إِلَى السَّعادَةِ، وَمَنْ كانَ مِنْ أَهْلِ الشِّقْوَةِ لَيَكونَنَّ إِلَى الشِّقْوَةِ؟ قالَ: "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ، أَمّا أَهْلُ السَّعادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِلسَّعادَةِ، وَأَمّا أَهْلُ الشِّقْوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِلشِّقْوَةِ". ثمَّ قالَ نَبيُّ اللَّهِ: "فَأَمّا مَنْ أَعْطَى واتَّقَى وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمّا مَنْ بَخِلَ واسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى. فَسَنيسِّرُهُ لِلْعُسْرى" (١). ٤٦٩٥ - حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعاذٍ، حَدَّثَنا أَبِي، حَدَّثَنا كَهْمَسٌ، عَنِ ابن بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، قالَ: كانَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ في القَدَرِ بِالبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الجُهَني فانْطَلَقْتُ أَنا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحِمْيَريُّ حاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ، فَقُلْنا: لَوْ لَقِينا أَحَدًا مِنْ أَصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فسَأَلْناهُ عَمّا يَقُولُ هؤلاء في القَدَرِ. فَوَفَّقَ اللَّه لَنا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ داخِلًا في المَسْجِدِ فاكْتَنَفْتُهُ أَنا وَصاحِبي، فَظَنَنْتُ أَنَّ صاحِبي سَيَكِلُ الكَلامَ إِلَي فَقُلْت: أَبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنا ناسٌ يَقْرَءُونَ القُرْآنَ وَيتَفَقَّرُونَ العِلْمَ يَزْعُمُونَ أَنْ لا قَدَرَ والأَمْرُ أُنُفٌ. فَقالَ: إِذا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنّي بَرَيءٌ مِنْهُمْ وَهُمْ بُرَآءُ مِنّي والَّذي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ أَنَّ لأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ ما قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ، ثُمَّ قالَ: حَدَّثَني عُمَرُ بْن الْخطّابِ، قالَ: بَيْنا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ طَلَع عَلَيْنا رَجُلٌ شَدِيدُ بَياضِ الثِّيابِ، شَدِيدُ سَوادِ الشَّعْرِ لا يُرى عَلَيْهِ أَثرُ السَّفَرِ وَلا نَعْرِفُهُ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبي ﷺ ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وقالَ: يا مُحَمَّدُ أَخْبِرْني عَنِ الإِسْلامِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الإِسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إله إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتي

стр. 11954

الزَّكاةَ، وَتَصُومَ رَمَضانَ، وَتَحُجَّ البَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا". قالَ: صَدَقْتَ. قالَ: فَعَجِبْنا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قالَ: فَأَخْبِرْني عَنِ الإِيمانِ. قالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ باللَّهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ". قالَ: صَدَقْتَ. قالَ: فَأَخْبِرْني عَنِ الإِحْسانِ قالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَراهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإِنَّهُ يَراكَ". قالَ: فَأَخْبِرْني عَنِ السّاعَةِ. قالَ: "ما المَسْؤُولُ عَنْها بِأَعْلَمَ مِنَ السّائِلِ". قالَ: فَأَخْبِرْني عَنْ أَماراتِها. قالَ: "أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَها، وَأَنْ تَرى الحُفاةَ العُراةَ العالَةَ رِعاءَ الشّاءِ يَتَطاوَلُونَ في البُنْيانِ". قالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ ثَلاثًا، ثُمَّ قالَ: "يا عُمَرُ هَلْ تَدْري مَنِ السّائِلُ". قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قالَ: "فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ" (١). ٤٦٩٦ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنْ عُثْمانَ بْنِ غِياثٍ، قالَ: حَدَّثَني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: لَقِينا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَذَكَرْنا لَهُ القَدَرَ وَما يَقُولُونَ فِيهِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، زادَ قالَ: وَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ أَوْ جُهَينَةَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فِيما نَعْمَل أَفي شَيء قَدْ خَلا أَوْ مَضَى أَوْ شَيء يُسْتَأْنَفُ الآنَ؟ قالَ: "في شَيء قَدْ خَلا وَمَضَى". فَقالَ الرَّجُلُ أَوْ بَعْضُ القَوْمِ: فَفِيمَ العَمَلُ؟ قالَ: "إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنَّ أَهْلَ النّارِ يُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ النّارِ" (٢). ٤٦٩٧ - حَدَّثَنا مَحْمُودُ بْنُ خالِدٍ، حَدَّثَنا الفِرْيابي، عَنْ سُفْيانَ قالَ: حَدَّثَنا عَلْقَمَةُ ابْنُ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ بُريدَةَ، عَنِ ابن يَعْمَرَ بهذا الحَدِيثِ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، قالَ: فَما الإِسْلامِ؟ قالَ: "إِقامُ الصَّلاةِ وَإِيتاءُ الزَّكاةِ، وَحَجُّ البَيْتِ، وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضانَ، والاغْتِسالُ مِنَ الجَنابَةِ". قالَ أَبُو داوُدَ: عَلْقَمَةُ مُرْجِئٌ (٣).

стр. 11955

٤٦٩٨ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْن أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا جَرِيرٌ، عَنْ أَبي فَرْوَةَ الهَمْدانيِّ، عَنْ أَبي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبي ذَرٍّ وَأَبي هُرَيْرَةَ قالا كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْلِسُ بَيْنَ ظَهْري أَصْحابِهِ، فَيَجِيءُ الغَرِيبُ فَلا يَدْري أَيُّهُمْ هُوَ حَتَّى يَسْأَلَ، فَطَلَبْنا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَجْعَلَ لَهُ مَجْلِسًا يَعْرِفُهُ الغَرِيبُ إِذا أَتاهُ قالَ: فَبَنَيْنا لَهُ دُكّانًا مِنْ طِينٍ، فَجَلَسَ عَلَيهِ، وَكُنّا نَجْلِسُ بِجَنْبَتَيهِ، وَذَكَرَ نَحْوَ هذا الخَبَرِ، فَأَقْبَلَ رَجُلٌ فَذَكَرَ هَيْئَتَهُ حَتَّى سَلَّمَ مِنْ طَرْفِ السِّماطِ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا مُحَمَّد. قالَ: فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبيُّ ﷺ (١). ٤٦٩٩ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنْ أَبي سِنانٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ خالِدٍ الحِمْصي، عَنِ ابن الدَّيْلَمي قالَ: أَتَيْتُ أُبَى بْنَ كَعْبٍ، فَقُلْتُ لَهُ: وَقَعَ في نَفْسي شَيء مِنَ القَدَرِ فَحَدِّثْني بِشَيء لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَهُ مِنْ قَلْبَي. فَقالَ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَواتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ عَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمالِهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهبًا في سَبِيلِ اللَّهِ ما قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ ما أَصابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَأَنَّ ما أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هذا لَدَخَلْتَ النّارَ. قالَ: ثمَّ أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، قالَ: ثُمَّ أَتَيْت حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، قالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ فَحَدَّثَني عَنِ النَّبيِّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ (٢). ٤٧٠٠ - حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُسافِرٍ الهُذَلي، حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ حَسّانَ، حَدَّثَنا الوَلِيدُ ابْنُ رَباحٍ، عَنْ إِبْراهِيمَ بْنِ أَبي عَبْلَةَ، عَنْ أَبي حَفْصَةَ قالَ: قالَ عُبادَةُ بْن الصّامِتِ لابْنِهِ: يا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الإِيمانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ ما أَصابَكَ لَمْ يَكنْ

стр. 11956

لِيُخْطِئَكُ وَما أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ فَقالَ لَهُ: اكْتُبْ. قالَ: رَبِّ وَماذا أَكْتُبُ؟ قالَ: اكْتُبْ مَقادِيرَ كُلِّ شَيء حَتَّى تَقُومَ السّاعَةُ". يا بُنَي إِنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ ماتَ عَلَى غَيْرِ هذا فَلَيْسَ مِنِّي" (١). ٤٧٠١ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا سُفْيانُ ح وَحَدَّثَنا أَحْمَدُ بْن صالِحٍ المَعْنَى، قالَ: حَدَّثَنا سُفْيان بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ سَمِعَ طاوُسًا يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبا هُرَيْرَةَ يُخْبِرُ عَنِ النَّبي ﷺ قالَ: "احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى فَقالَ مُوسَى يا آدَمُ أَنْتَ أَبُونا خَيَّبْتَنا وَأَخْرَجْتَنا مِنَ الجَنَّةِ. فَقالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى اصْطَفاكَ اللَّهُ بِكَلامِهِ وَخَطَّ لَكَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ، تَلُومُني عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ عَليَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَني بِأَرْبَعِينَ سَنَةً. فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى". قالَ أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ: عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طاوُسٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ (٢). ٤٧٠٢ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، قالَ: حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ، قالَ: أَخْبَرَني هِشامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مُوسَى قالَ: يا رَبِّ أَرِنا آدَمَ الذي أَخْرَجَنا وَنَفْسَهُ مِنَ الجَنَّةِ، فَأَراهُ اللَّهُ آدَمَ فَقالَ: أَنْتَ أَبُونا آدَمُ؟ فَقالَ لَهُ آدَمُ: نَعَمْ. قالَ: أَنْتَ الذي نَفَخَ اللَّهُ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَعَلَّمَكَ الأَسْماءَ كُلَّها وَأَمَرَ المَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَما حَمَلَكَ عَلَى أَنْ أَخْرَجْتَنا وَنَفْسَكَ مِنَ الجَنَّةِ؟ فَقالَ لَهُ آدَمُ: وَمَنْ أَنْتَ قالَ: أَنا مُوسَى. قالَ: أَنْتَ نَبي بَني إِسْرائِيلَ الذي كَلَّمَكَ اللَّهُ مِنْ وَراءِ الحِجابِ لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ رَسُولًا مِنْ خَلْقِهِ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: أَفَما وَجَدْتَ أَنَّ ذَلِكَ كانَ في كِتابِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَفِيمَ تَلُومُني في شَيء سَبَقَ مِنَ اللَّهِ تَعالَى فِيهِ القَضاءُ قَبْلَي؟ ". قالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ

стр. 11957

عِنْدَ ذَلِكَ: "فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى" (١). ٤٧٠٣ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ القَعْنَبيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ أَنَّ عَبْدَ الحَمِيدِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الخَطّابِ أَخْبَرَهُ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ الجُهَني أَنَّ عُمَرَ ابْنَ الخَطّابِ سُئِلَ عَنْ هذِه الآيَةِ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ قالَ: قَرَأَ القَعْنَبي الآيَةَ. فَقالَ عُمَرُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْها فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ ثمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً فَقالَ: خَلَقْتُ هؤلاء لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقالَ خَلَقْتُ هؤلاء لِلنّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النّارِ يَعْمَلُونَ". فَقالَ رَجُلٌ يا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ العَمَلُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ إِذا خَلَقَ العَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمالِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيُدْخِلَهُ بِهِ الجَنَّةَ وَاذا خَلَقَ العَبْدَ لِلنّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمالِ أَهْلِ النّارِ فَيُدْخِلَهُ بِهِ النّارَ" (٢). ٤٧٠٤ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُصَفَّى، حَدَّثَنا بَقِيَّةُ، قالَ: حَدَّثَني عُمَرُ بْن جُعْثُمَ القُرَشي، قالَ: حَدَّثَني زَيْدُ بْن أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُسْلِمِ ابْنِ يَسارٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ بهذا الحَدِيثِ وَحَدِيثُ مالِكٍ أَتَمُّ (٣).

стр. 11958

٤٧٠٥ - حَدَّثَنا القَعْنَبي، حَدَّثَنا المُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَقَبَةَ بْنِ مَصْقَلَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الغُلامُ الذي قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبعَ كافِرًا، وَلَوْ عاشَ لأَرْهَقَ أَبَويْهِ طُغْيانًا وَكُفْرًا" (١). ٤٧٠٦ - حَدَّثَنا مَحْمُودُ بْنُ خالِدٍ، حَدَّثَنا الفِرْيابي، عَنْ إِسْرائِيلَ، حَدَّثَنا أَبُو إِسْحاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قالَ: حَدَّثَنا أُبَي بْنُ كَعْبٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾: "وَكانَ طُبعَ يَوْمَ طُبعَ كافِرًا" (٢). ٤٧٠٧ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرانَ الرّازي، حَدَّثَنا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قالَ ابن عَبّاسٍ: حَدَّثَني أُبَي بْن كَعْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: "أَبْصَرَ الخَضِرُ غُلامًا يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيانِ فَتَناوَلَ رَأْسَهُ فَقَلَعَهُ فَقالَ مُوسَى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾. الآيَةَ (٣). ٤٧٠٨ - حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَري، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، ح وَحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ -المَعْنَى واحِدٌ والإِخْبارُ في حَدِيثِ سُفْيانَ-، عَنِ الأَعْمَشِ قالَ: حَدَّثَنا زَيْدُ بْن وَهْبٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْن مَسْعُودٍ قالَ: حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصّادِقُ المَصْدُوقُ: "إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ في بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُبْعَثُ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِماتٍ فَيُكْتَبُ رِزْقُهُ وَأَجَلُهُ وَعَمَلُهُ، ثُمَّ يُكْتَبُ شَقي أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى ما يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَها إِلَّا ذِراعٌ، أَوْ قِيدُ ذِراعٍ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النّارِ فَيَدْخُلُها،

стр. 11959

وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النّارِ حَتَّى ما يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَها إِلَّا ذِراعٌ، أَوْ قِيدُ ذِراعٍ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُها" (١). ٤٧٠٩ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ قالَ: حَدَّثَنا مُطَرِّفٌ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يا رَسُولَ اللَّهِ أَعُلِمَ أَهْلُ الجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النّارِ قالَ: "نَعَمْ". قالَ: فَفِيمَ يَعْمَلُ العامِلُونَ قالَ: "كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ" (٢). ٤٧١٠ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ المُقْرِئُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قالَ: حَدَّثَني سَعِيدُ بْنُ أَبي أَيُّوبَ، قالَ: حَدَّثَني عَطاءُ بْنُ دِينارٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ شَرِيكٍ الهُذَلي، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَيْمُونٍ الحَضْرَميِّ، عَنْ رَبِيعَةَ الجُرَشيِّ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنْ عُمَرَ ابْنِ الخَطّابِ، عَنِ النَّبي ﷺ قالَ: "لا تُجالِسُوا أَهْلَ القَدَرِ وَلا تُفاتِحُوهُمْ" (٣). * * * باب في القدر [٤٦٩١] (ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم) المديني. (قال: حدئني بمنى) أي: في منى، وهي على فرسخ من مكة، والغالب عليه التذكير، فيصرف (عن أبيه) (٤) سلمة بن دينار المديني

стр. 11960

الأعرج. (عن ابن عمر ﵄ والحديث منقطع، لأن أبا حازم لم يسمع من ابن عمر، وقد وصله الفريابي في كتاب "القدر" فرواه من طريق زكريا بن منظور، عن أبي حازم عن نافع، عن ابن عمر به (١). وزكريا قال ابن معين: ليس به بأس (٢). وبهذا علم خطأ ابن الجوزي في ذكره في "الموضوعات" (٣). وقد أخرجه الحاكم في "مستدركه" وقال: صحيح على شرط الصحيح إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر (٤). (أن النبي ﷺ قال: القدرية مجوس هذِه الأمة) قيل: إنما جعلهم مجوسًا لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس في قولهم بالأصلين وهما النور والظلمة، يزعمون أن الخير من فعل النور والشر من فعل الظلمة، وكذا القدرية يضيفون الخير إلى اللَّه والشر إلى الإنسان والشيطان، ومذهب أهل السنة أن اللَّه تعالى خالقهما معًا، فلا يكون شيء منهما إلا بمشيئته وتقديره، فهما مضافان إلى اللَّه خالقهما إيجادًا وإلى الفاعلين لهما عملًا واكتسابًا. (إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم) أي: فلا تحضروا غسلهم ولا الصلاة عليهم ولا دفنهم، والصلاة عليهم مبنية على أقوال

стр. 11961

تكفيرهم، فمن كفرهم لم يجوز الصلاة عليهم، ومن لم يكفر جوز الصلاة، بل هي فرض كفاية. وقيل: إنما قال هذا ﵇ تقبيحًا لاعتقادهم وزجرهم عن هذا الاعتقاد، وليس بنهي للصلاة عليهم. قيل: الصلاة عليهم كالصلاة على غيرهم من الفساق. [٤٦٩٢] (ثنا محمد (١) بن كثير) العبدي (أبنا سفيان) بن سعيد الثوري (عن عمر بن محمد) بن زيد العمري بعسقلان. (عن عمر) بن عبد اللَّه المدني (مولى غفرة) بضم الغين المعجمة وسكون الفاء. كذا ضبطه شيخنا ابن حجر (٢). يقال: أدرك ابن عباس، عامة حديثه مرسل، وثقه ابن سعد (٣). (عن رجل من الأنصار) مجهول (عن حذيفة) بن اليمان ﵁. (قال رسول اللَّه ﷺ : لكل أمة (٤) مجوس) ومجوس كلمة فارسية، والواحد منها مجوسي كيهودي من يهود. قال ابن عطية: روي أنه بحث في المجوس نبي اسمه زرادشت (٥). (ومجوس الأمة) الطائفة (الذين يقولون: لا قدر) أي: لم يقدر اللَّه الأشياء في القدم، ولم يتقدم علمه سبحانه بالأشياء قبل وقوعها، بل هي مستأنفة العلم، أي: إنما يعلمها سبحانه بعد وقوعها، وكذبوا

стр. 11962

على اللَّه وجل عن أقوالهم الباطلة علوًّا كبيرًا، ومذهب أهل الحق إثبات القدر، ومعناه أن اللَّه تعالى قدر الأشياء في القدم قبل أن يخلق الخلق وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع لا محالة على حسب ما قدرها سبحانه. (من مات منهم لا تشهدوا جنازته ومن مرض منهم فلا تعودوهم) وعلى هذا فهو مخصص لعموم حديث: "عودوا المريض" (١) يعني: إلا القدرية (وهم شيعة) بكسر الشين وسكون التحتانية (الدجال) أي: أولياؤه وأعوانه على فتنته، وأصل الشيعة الفرقة من الناس (وحق على اللَّه) أي: محقق عند اللَّه أن يقع لا محالة (أن يلحقهم) أي: يلحق القدرية (بالدجال) في نزول العذاب بهم كما ينزل به لمشابهتهم له في الكذب على اللَّه تعالى. [٤٦٩٣] (ثنا مسدد أن يزيد بن زريع ويحيى بن سعيد) القطان. (حدثاهم قالا: ثنا عوف) بن أبي جميلة، الأعرابي، ثقة، روى له مسلم. (ثنا قسامة) [بفتح] (٢) القاف وتخفيف السين المهملة (ابن زهير) المازني، ثقة. (ثنا أبو موسى الأشعري، قال رسول اللَّه ﷺ : إن اللَّه تعالى خلق آدم ﵇ من قبضة قبضها من جميع) أجزاء (الأرض) ظاهره أنه خلق من الأرض الأولى، وهو خلاف ما ذهب إليه وهب من أنه خلق رأس آدم

стр. 11963

من الأولى، وعنقه من الثانية، وصدره من الثالثة، ويده من الرابعة، وبطنه من الخامسة، وفخذاه ومذاكيره وعجزه من السادسة، وساقاه وقدماه من السابعة. وقال ابن عباس: خلقه اللَّه من أقاليم الدنيا، فرأسه من تربة الكعبة، وقدماه من تربة الدهناء، وبطنه وظهره من تربة الهند، ويداه من تربة المشرق، ورجلاه من تربة المغرب. وقال غيره: خلق اللَّه آدم من ستين نوعًا من أنواع الأرض: من التراب الأبيض، والأسود، والأحمر، والأصفر. (فجاء بنو آدم) لأجل ذلك (على قدر) تكون ألوان (الأرض) أي: لونها وطبعها، فيخلق من الحمراء من لونه أحمر، ومن سهلها سهل الخلق ذو اللين والرفق فـ (جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود) والأصفر (و) ما هو (بين ذلك) من سائر الألوان. قيل: خلق آدم من ستين نوعًا من أنواع الأرض وطبائعها، فلذلك (١) جاءت أولاده مختلفي (٢) الألوان والطباع، قيل: ولهذا المعنى أوجب اللَّه في الكفارة إطعام ستين مسكينًا، ليكون بعدد أنواع بني آدم، ليعم الجميع بالصدقة. (و) جاء منهم (السهل) الخلق من الأرض السهلة (والحزن) بفتح الحاء المهلمة وسكون الزاي، ضد السهولة. أي: جاء غليظ الطبع خشنه ويابسه، من حزن الأرض، وهو الغليظ الخشن، والحزونة:

стр. 11964

الخشونة. وفي حديث ابن المسيب أن النبي ﷺ أراد أن يغير اسم جده حزن ويسميه سهلًا، فأبى وقال: لا أغير اسمًا سمانى به أبى. قال: فما زالت فينا (١) تلك الحزونة بعد (٢). (و) جاء (الخبيث) من الأرض الخبيثة (و) جاء الرجل (الطيب) من الأرض الطيبة، وقد ضرب اللَّه مثل المؤمن والكافر والطيب والخبيث، فمثل المؤمن مثل البلد الطيب الزاكي يخرج نباته. أي: زرعه بإذن ربه سهلًا، والذي خبث مثل الكافر كمثل الأرض السبخة الخبيثة التي لا يخرج نباتها وغلتها إلا نكدًا. أي: عسرًا قليلًا بعناء ومشقة، وكذا المؤمن يعطي العطاء بسهولة كسهولة طبعه، والبخيل لا يعطي إلا بتكلف وتكلف كثير. (وزاد في حديث يحيى) بن سعيد (و) لفظ (الإخبار) بكسر الهمزة (في حديث يزيد) بن زريع دون يحيى. [٤٦٩٤] (ثنا مسدد بن مسرهد، ثنا المعتمر، سمعت منصور بن المعتمر يحدث عن سعد) بسكون العين (ابن عبيدة) بضم العين وفتح الموحدة مصغر (السلمي) الكوفي. (عن عبد اللَّه (٣) بن حبيب) بن ربيعة (أبي عبد الرحمن (٤) السلمى) بضم السين وفتح اللام، مقرئ الكوفة.

стр. 11965

(عن علي ﵁: كنا في جنازة فيها رسول اللَّه ﷺ ببقيع الغرقد) وهي مقبرة بالمدينة أضيفت إلى الغرقد، وهو ما عظم من العوسج لغرقد [كان فيه] (١)، فذهب الشجر وبقي الاسم. (فجاء رسول اللَّه ﷺ فجلس ومعه مخصرة) زاد مسلم: وقعدنا حوله (٢). والمخصرة بكسر الميم، وهو ما اختصره الإنسان بيده من عصا أو عكازة أو مقرعة أو قضيب. قال القتيبي: التخصير إمساك القضيب باليد، وكانت الملوك تتخصر بقضبان لها تشير بها وتصل بها كلامهم. قال الشاعر: إذا وصلوا أيمانهم بالمخاصر (٣) (فجعل ينكت) بالمثناة آخره (بالمخصرة في الأرض) في هذا الحديث سنة حضور الجنائز، وجواز القعود عند القبر وتعليم العلم، والكلام بالمواعظ عند القبور ونكته بالمخصرة؛ لتؤثر في الأرض. وفيه إشارة إلى إحضار قلب الحاضر معه للمعاني التي ينطق بها. قال ابن بطال: نكته ﵇ بالمخصرة في الأرض هو أصل ما أفتى به أهل العلم من تحريك الأصبع في الصلاة للتشهد (٤). وترجم المصنف (٥) على هذا الحديث في الجنائز باب موعظة

стр. 11966

المحدث عند القبر (١). (ثم رفع رأسه) فيه إطراق الرأس حال الجلوس عند القبر. (فقال: ما منكم من أحد) أو قال (ما من نفس منفوسة) أي: مولودة، يقال: نفست المرأة، ونفست بفتح (٢) النون وضمها إذا ولدت، وإذا حاضت فبفتح النون لا غير (إلا) و (قد كتب مكانها) بضم النون، ولفظ البخاري: "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده" (٣) (من النار أو) من (الجنة) فيه الرد على القدرية وثبوت القدر، وأن أعمال العباد قد كتبت وفرغ منها و (إلا قد كتبت شقية أو سعيدة) بنصب (شقية أو سعيدة) ويجوز رفعهما، وهذا الحديث أصل لأهل السنة في أن الشقاء والسعادة خلق اللَّه تعالى، بخلاف قول القدرية الذين يقولون: إن الشر ليس بخلق اللَّه تعالى. (قال) علي ﵁ (فقال رجل من القوم: يا نبي اللَّه، أفلا (٤) نمكث على كتابنا) لفظ البخاري: أفلا نتكل على كتابنا (٥). والمراد: أفلا نعتمد على ما في كتاب ربنا مما قدره اللَّه علينا فيه. (وندع العمل) بما يرضي اللَّه تعالى أو السعي (٦) فيه (فمن كان من

стр. 11967

أهل السعادة ليكونن) [بفتح اللام] (١) (إلى) عمل أهل (السعادة، ومن كان منا من أهل الشقوة) بكسر المعجمة (ليكونن إلى الشقوة) يوضحه لفظ الصحيحين: فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة (٢) (قال: اعملوا فكل) أحد (ميسر) زاد في الصحيحين: "لما خلق له" (٣). (أما أهل السعادة فييسرون للسعادة) أي: لعمل أهل السعادة (وأما أهل الشقوة فييسرون للشقوة) كما صرحت به الأحاديث (ثم قال) أي: قرأ كما في "الصحيح" (٤) (نبي اللَّه ﷺ : ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾) ماله في سبيل اللَّه (﴿وَاتَّقَى﴾) ربه فاجتنب محارمه (﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾) بالخلف من اللَّه تعالى لما ينفقه. وقال جماعة: صدق بالحسنى، بـ (لا إله إلا اللَّه) وقيل: صدق بالجنة، بدليل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ (٥) (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾) أي: سنهيئه في الدنيا (﴿لِلْيُسْرَى﴾) وقيل: للخلة اليسرى. وقيل: للعمل بالنفقة في أفعال الخير (﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾) بالنفقة في أفعال الخير (﴿وَاسْتَغْنَى﴾) عن ربه، فلم يرغب في ثوابه الذي وعده (﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩)﴾) كما تقدم (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾) أي: للعمل بما لا يرضي اللَّه حتى يستوجب به النار، فكأنه قال: يخذله ويؤديه إلى الأمر

стр. 11968

العسير، وهو العذاب. [٤٦٩٥] (ثنا عبيد اللَّه) بالتصغير (ابن معاذ) بن معاذ، شيخ مسلم وغيره (ثنا أبي) معاذ بن معاذ العنبري. (ثنا كهمس) بفتح الكاف والميم، أبي الحسن التميمي. (عن) عبد اللَّه (ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر) بفتح الميم، ويقال بضمها، وهو غير مصروف لوزن الفعل والعلمية، قال: (كان أول من تكلم في القدر بالبصرة معبد) بن خالد (الجهني) وكان يجالس الحسن البصري، فسلك أهل البصرة بعد مسلكه، والمراد أول من قال بنفي القدر، فابتدع ذلك وخالف صواب أهل السنة في إثبات القدر الذي قدره اللَّه في القدم (١). (فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري) بكسر الحاء البصري، أفقه أهل البصرة (حاجين) بفتح الجيم، وجوز الكسر (أو) كانا (معتمرين) بفتح الراء. (فقلنا: لو لقينا) بسكون الياء (أحذا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء) القدرية (في القدر) اسم لما صدر مقدرًا عن فعل القادر (فوفق) بفتح الواو والفاء المشددة أي: جعله (اللَّه) وفقا (لنا) وهو من الموافقة، وفي "مسند أبي يعلى الموصلي": فوافق لنا (٢). بزيادة ألف. والموافقة: المصادفة.

стр. 11969

(عبد اللَّه بن عمر) بن الخطاب (داخلًا في المسجد) للصلاة (فاكتنفته أنا وصاحبي) بكسر الموحدة أي: صرنا في ناحيته، ثم فسره في رواية مسلم فقال: أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله (١). وكنفا الطائر جناحاه. وفي هذا سنة على أدب الجماعة في مشيهم مع فاضلهم، وهو أنهم يكتنفونه ويحفون به. (فظننت أن صاحبي سيكل الكلام) معه (إليَّ) ومعناه أنه يسكن ويفوض الكلام إليَّ؛ لجرأتي وإقدامي وبسطة لساني، فقد جاء عنه في رواية: لأني كنت أبسط لسانًا (٢). (فقلت) له: يا (أبا عبد الرحمن (٣)، إنه قد ظهر قبلنا) بكسر القاف، وفتح الموحدة. (ناس (٤) يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم) بتقديم القاف على الفاء على المشهور، ومعناه يطلبونه ويتبعونه، يقال: اقتفر أثره إذا تتبعه. وقرأها أبو العلاء ابن ماهان بتقديم الفاء وتأخير القاف. أي: إنهم يخرجون غامضه، ويبحثون عن أسراره. وروي في غير كتاب مسلم: يتقفون. بواو مكان الراء، من قفوت أثره. أي: تتبعته، ومنه القفا، وكلها واضحة المعنى (يزعمون أن لا

стр. 11970

قدر، و) أن (الأمر أنف) بضم الهمزة والنون. أي: مستأنف لم يسبق به قدر ولا علم من اللَّه تعالى، وإنما يعلمه بعد وقوعه، وأنف كل شيء أوله، ومنه أنف الوجه؛ لأنه أول الأعضاء في السجود، ومنه قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ (١) أي: هذِه الساعة المستأنفة. (فقال) ابن عمر (إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم) فيه التبرؤ من أهل البدع والفجور (وهم برآء مني) أي: مما أعتقده. (والذي يحلف به عبد اللَّه بن عمر) هذِه كناية عن الحلف باسم اللَّه، فإنه هو الذي كان يحلف به غالبًا، ولم يتلفظ به إجلالًا لأسماء اللَّه تعالى عن أن تتخذ عرضة لكثرة الأيمان بها (لو أن لأحدهم مثل) جبل (أحد ذهبًا فأنفقه) في سبيل اللَّه (ما قبل اللَّه (٢) تعالى منه) شيئًا، وهذا ظاهر في تكفير القدرية الأولى الذين نفوا تقدم علم اللَّه تعالى بالكائنات، والقائل بهذا كافر بلا خلاف، وهؤلاء الذين ينكرون القدر هم الفلاسفة، ويجوز أنه لم يرد بهذا التكفير المخرج عن الملة، فيكون من قبيل كفران النعم، إلا أن قوله: (ما قبل اللَّه منه) ظاهر في التكفير، وأن إحباط الأعمال إنما يكون بالكفر، إلا أنه يجوز أن يقال في المسلم: لا يقبل عمله بمعصيته وإن كان صحيحًا، كما أن الصلاة في الدار المغصوبة والثوب المغصوب صحيحة غير محوجة إلى القضاء، وهي غير مقبولة ولا ثواب فيها على المختار عن أصحابنا، واللَّه أعلم. (حتى يؤمن بالقدر) خيره وشره (ثم قال: حدثني) أبي (عمر بن

стр. 11971

الخطاب ﵁ قال: بينا (١) نحن عند رسول اللَّه ﷺ ) بينا هذِه هي (بين) الظرفية زيد عليها الألف؛ لتكفها عن عمل الخفض (إذ طلع علينا رجل) إذ هذِه للمفاجأة، كما أن (إذا) في قوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٢) للمفاجأة (شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر) فيه لبس البياض لمن لحيته سوداء، كما يلبس السواد من لحيته بيضاء، فإن الشيء يستملح مع ضده. وفيه دليل على استحباب تحسين الثياب وحسن الهيئة والنظافة؛ للدخول على العلماء والفضلاء والملوك، فإن جبريل أتى في صورة آدمي ليعلم الناس بكلامه ولبسه وهيئته، (لا يرى عليه) قال النووي: ضبطناه بالياء المثناة تحت المضمومة (٣). يعني: ورفع (أثر السفر) وضبطه أبو حازم العبدري بالنون المفتوحة يعني: ونصب (أثر) وكذا هو في "مسند أبي يعلى الموصلي" (٤) وكلاهما صحيح (ولا نعرفه) بالنون المفتوحة أوله، وهذا يرجح رواية النون في (نرى) (حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه) وروى النسائي هذا الحديث، وزاد فيه زيادة حسنة فقال: كان رسول اللَّه ﷺ بين ظهراني أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيهم (٥) هو حتى يسأل، فبنينا له دكانا من طين يجلس عليه، وإنا لجلوس عنده ورسول اللَّه ﷺ في مجلسه إذ

стр. 11972

أقبل رجل أحسن الناس وجهًا، وأطيب الناس ريحًا حتى سلم من طرف السماط (١)، فقال: السلام عليكم يا محمد. فرد ﵇، فقال: أدنو يا محمد؟ . قال: "ادن" فما زال (٢) يقول: أدنو مرارًا ويقول: "ادن" حتى وضع يده على ركبتي النبي ﷺ (٣). وذكر نحو ما يأتي. وفيه من الفقه في قوله: (السلام عليكم) فعم، ثم قال: (يا محمد) فخص. وفيه الاستئذان في القرب من الإمام مرارًا وإن كان الإمام في موضع مأذون فيه، وفيه جواز اختصاص العالم بموضع مرتفع من المسجد إذا دعت إلى ذلك ضرورة تعليم، وقد بين فيه أن جبريل وضع يديه على ركبتي النبي ﷺ ، فارتفع الإجمال الذي في قوله: (ووضع كفيه على فخذيه) وإنما فعل جبريل ذلك -واللَّه أعلم- ليبين جواز هذا للسائل وتنبيهًا على ما ينبغي للسائل من قوة النفس عند السؤال، وعدم المبالاة بما يقطع عليه خاطره، وعلى ما ينبغي للمسؤول من الصفح عن السائل وإن تعدى بترك الإذن وبيان الإجمال بما ورد في "السنن" من الروايات أولى من غيره، فإن النووي بين إجمال الحديث بأن الرجل الداخل وضع كفيه على فخذي نفسه وجلس على هيئة المتعلم (٤). ولو راجع النووي النسائي لما فسر الحديث بغير الرواية الواردة في "السنن".

стр. 11973

(وقال: يا محمد) على ما يناديه الأعراب من البادية، ولعل هذا قبل نزول الآية في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (١) (أخبرني عن الإسلام قال رسول اللَّه ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه) لفظ ابن ماجه: "الإسلام شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت" (٢). (وتقيم) بالنصب (الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا. قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه) سبب تعجبهم أن هذا خلاف عادة السائل الجاهل، إنما هذا كلام خبير بالمسؤول عنه، ولم يكن في ذلك الوقت يعلم هذا غير النبي ﷺ (ثم قال: أخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله) قال البغوي: جعل النبي ﷺ الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد (٣) (واليوم الآخر) الإيمان باليوم الآخر هو التصديق بيوم القيامة وما اشتملت عليه من الإعادة بعد الموت والنشر والحشر والميزان والصراط والجنة والنار (وتؤمن بالقدر) أي: تصدق (٤) بسابق القضاء والقدر (خيره وشره). قال الخطابي: قد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر

стр. 11974

إجبار اللَّه العبد وقهره على ما قدره وقضاه، وليس الأمر كما يتوهمونه، وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم اللَّه سبحانه عما يكون من اكتساب العباد وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها (١). (قال: صدقت) زاد ابن ماجه: فعجبنا منه يسأله ويصدقه (٢). (قال: فأخبرني عن الإحسان) الألف واللام فيه للعهد الذي ذكر في كتاب اللَّه تعالى كقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُوا﴾ لأن الإحسان لما تكرر في القرآن وعظم ثوابه سأل عنه جبريل؛ ليعلم الناس حيث لم يعرفوه. (قال: أن تعبد اللَّه تعالى كأنك تراه) هذا من جوامع كلمه ﷺ ؛ لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه سبحانه لم يترك شيئًا مما يقدر عليه من الخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به، ومقصود الكلام الحث على الإخلاص في العبادة ومراقبة العبد ربه في إتمام الخشوع وغيره، وقد ندب أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين؛ ليكون ذلك مانعًا من تلبسه بشيء من النقائص احترامًا لهم، فكيف بمن لا يزال اللَّه مطلعًا عليه في سره وعلانيته؟ ! (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وهذِه مرتبة دون ما قبلها، وهو أن يغلب على المتعبد أن الحق سبحانه مطلع عليه ومشاهد له في جميع حركاته على ظاهره وباطنه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ (٣) وهاتان الحالتان ثمرة معرفة اللَّه تعالى

стр. 11975

وخشيته، ولذلك فسر الإحسان في رواية أبي هريرة: "أن تخشى اللَّه كأنك تراه" (١) فعبر عن المسبب باسم السبب. (قال: فأخبرني عن الساعة) أي: عن يوم القيامة (قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل) فيه: أنه ينبغي للعالم والمفتي وغيرهما إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم. وأن ذلك لا ينقصه أن يستبدل به على ورعه وتقواه ووفور علمه. وفي قوله: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل) زيادة فائدة ليست في: لا أدري، فإن التقدير لا يعلم بها السائل ولا المسؤول بخلاف: لا أدري، فإن فيه نفي علم المسؤول دون السائل (قال: فأخبرني عن أماراتها) بفتح الهمزة، والأمارة بإثبات الهاء وحذفها هي: العلامة (قال: أن تلد الأمة ربتها) فالأمة السرية، وكثرة السراري من علامة الساعة. وفي رواية لمسلم: "ربها" (٢) ومعنى: ربها: سيدها، وربتها: مالكتها. قال أكثر العلماء: هو إخبار عن كثرة السراري وأولادهن من الأسياد، فإن الولد من سيدها بمنزلة سيدها؛ لأن مال الإنسان صائر إلى ولده، وقد يتصرف فيه في الحال تصرف المالكين إما بتصريف اللَّه له بالإذن، وإما بما يعلمه من قرينة الحال أو عرف الاستعمال، وقيل: معناه أن الإماء يلدن الملوك، فتكون أمه من جملة رعيته وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته، وهذا قول إبراهيم الحربي. وقيل: معناه: أن تبيع السادة أمهات أولادهم، ويكثر ذلك فيتداول
следующие страницы →